عبد الهادي الطاهري

محام متمرن بهيئة مكناس

طالب باحث بسلك الدكتوراه، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، فاس

مقدمة:

في ظل التحولات التي شهدها مجلس المنافسة المغربي، إذ تم الارتقاء به إلى مصاف المؤسسات الدستورية، وذلك بمقتضى الفصل 166 من الدستور([1])، فإنه استجابة من المشرع لهذه التغيرات، عمل على تعديل القانون المنظم للحرية الأسعار والمنافسة([2])، وذلك لكي يكون قادرا على تطبيق التوجهات الجديدة لاقتصاد السوق الحر و النزيه، ودعم حرية التنافس بين المقاولات، هكذا فان المشرع قد عمل على منح مجلس المنافسة مجموعة من السلطات، كحق إقرار عقوبات على كل مقاولة تأتي بأفعال مخالفة لما هو مقرر في قانون 12-104، و 13-20([3]).

أمام هذا الوضع الذي منح للمجلس، فان المشرع عمل على منح سلطة موازية، للأفراد والمقاولات، وذلك من خلال إمكانية الطعن في القرارات الصادرة عن المجلس، سواء في الشق المتعلق بعمليات التركيز الاقتصادي، أو الشق المتعلق بالممارسات المنافية، وذلك أمام القضاء، كوجه من أوجه ضمان محاكمة عادلة أمام مجلس المنافسة، وبالنظر للإشكالات و الثغرات التي أثارها موضوع الطعن في قرارات المجلس، فان للآليات البديلة لفض منازعات المنافسة دورا مهما في حسم النزاعات الناشئة بين كل من المجلس والمقاولات.

وإيماننا من المشرع بأن الآليات التفاوضية أو البديلة أصبحت أمرا لا محيد عنه، حيث يمكن القول بان المجتمع اليوم أصبح مجتمع البحث عن البديل، لكن إذا كان مجرد الحديث عن البديل أو الخيار الأخر أو الثالث، يعني بشكل من الإشكال، وبمعنى من المعان، فشل الخيار الأصلي، الذي جاء البديل ليحل محله، فان هاته البدائل في إطار ما اصطلح على تسميته بالطرق البديلة لتسوية النزاعات، ليست بمثابة خيار احتياطي جاء ليحل محل الخيار الأصلي، وإنما هي آليات وخيارات موازية ومصاحبة، تبقى بجوار الخيار الأصلي الذي يبقى عاملا([4]).

إن هذا الأمر أكده احد الممارسين([5])، حيث ذهب إلى انه لا يمكن القول بان الأمر يتعلق باليات بديلة لفض منازعات المنافسة، كما ذهب إلى ذلك فقه أخر([6])، وإنما هي آليات تفاوضية تسهل عمل المجلس في ضبطه للسوق التنافسي، وتمكين المقاولات من مجموعة من الامتيازات والايجابيات.

لقد أضحى التفاوض في نطاق القانون الاقتصادي، في تطور ملحوظ من خلال الرغبة في تفادي النقائص التي تطبع التدخل المباشر لسلطات الضبط، على سبيل المثال قانون المنافسة، دون التمهيد لحل منازعات المنافسة بشكل تفاوضي.

لذلك فإن الأخذ بهذه الآليات وتشجيع كافة الفاعلين على تبنيها والتقيد بها قبل الدخول في منازعة مع سلطة المنافسة، سيحول دون قيام هذه الأخيرة بالأبحاث التي تقتضي إثبات وقوع الفاعلين الاقتصاديين في ممارسات منافية للقواعد المنافسة، وإصدار قرارات وعقوبات في حق هذه المقاولات، وإمكانية قيام هذه الأخيرة برفع طعن ضد هذه القرارات أمام الجهات المختصة.

لكل هذا وذلك فان هذا الموضوع يثير إشكالية محورية تتجلى في ما هي مختلف الأسس النظرية للآليات التفاوضية لفض منازعات المنافسة؟ وما هو واقع تطبيق هذه الآليات على مستوى الاقتصادي المغربي([7])؟

المبحث الاول: الأسس النظرية للآليات التفاوضية لفض منازعات المنافسة

إن العوامل الأساسية التي أدت إلى تطوير وتحديث قانون المنافسة وجعله قانونا تفاوضيا، هي كون الممارسات المنافية للمنافسة تشكل خطرا اقتصاديا على حسن سير السوق الذي يتطلب مع مرور الوقت المزيد من رفع القيود.

ولتيسير معالجة سريعة لقضايا المنافسة وكذلك لتمكين المجلس من الإنكباب على قضايا كثيرة بل والتفرع للملفات كبرى، ثم البحث عن طرق تساعد على احترام الآجال التي يحددها القانون من جهة، وعن طرق مبسطة للنظر في القضايا المطروحة، هذا بالإضافة إلى صعوبة احتواء الممارسات المنافية للمنافسة، بسبب تطورات السوق بالنظر إلى الطبيعة الاقتصادية لهذه الممارسات، مما يصعب عمل المجلس في ضبط هذه الممارسات بشكل قانوني واقتصادي. وحسب جانب من فقه فإن المبالغة في اعتماد سياسة المنافسة على الجزاء يعتبر أمرا غير فعال للحد من خرق قواعد المنافسة([8]).

وما يمكن إضافته بخصوص هذه العوامل، هي كون اعتماد المشرع، وتركيزه على وضع آليات تفاوضية، قادرة على فض منازعات المنافسة، وبالتالي الحيلولة دون صدور قرارات من قبل مجلس المنافسة في حق المقاولات، هو أمر سيؤدي لا محال إلى الانعكاس على حجم الطعون المقدمة ضد قرارات مجلس المنافسة، وبالتالي تفادي إغراق القضاء بهذه الملفات. إن هذه العوامل أدت إلى تشجيع السلطات العمومية إلى تجديد سياستها الخاصة بالمنافسة، وحتما على اعتماد الآليات التفاوضية، هذا بالإضافة إلى تشجيع المقاولات على التصريح بالمخالفات، وإيجاد عقوبات يقتنع بها المخالف وينفذها عن طواعية، مما يساهم في نشر ثقافة الشفافية، ويعزز مصداقية سلطات المنافسة([9]).

مع كل هذا وذلك، فإنه بالنظر إلى أهمية هذه الآليات التفاوضية في حل المنازعات المنافسة فإن أمر يقتضي التطرق إلى أهم هذه المساطر التي نظمت بمقتضى قوانين المنافسة لأول مرة أو تم تعزيزها، وذلك من خلال تصنيف هذه المساطر إلى فئتين، المساطر الوقائية (الطلب الأول) ثم محاولة دراسة المساطر الغير وقائية (المطلب الثاني).

المطلب الأول: المساطر الوقائية لفض منازعات المنافسة.

تشمل المساطر الوقائية كل من مساطر الالتزامات الإرادية للمقاولات، أو ما يعرف بالتعهدات (الفقرة الأولى). بالإضافة إلى مسطرة الإعفاء (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: الالتزامات الإرادية للمقاولات Procédure d’engagement

انطلاقا من نص المادة 36 من قانون 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة،  “يجوز لمجلس المنافسة أن يأمر المعنيين بالأمر بجعل حد للممارسات المنافية داخل أجل معين أو أن يفرض عليهم شروطا خاصة. كما يجوز له أيضا الموافقة على التعهدات المقترحة من طرف المنشآت، أو الهيئات التي من شأنها وضع حد للأفعال التي تثير اهتمامه في مجال المنافسة، والتي قد تشكل ممارسات محظورة منصوص عليها في المواد 6،7،8 من هذا القانون”.

إن مسطرة التعهدات تتم من خلال مسطرة محددة، فعندما يقوم مجلس المنافسة بتحقيق معين وقبل وصوله إلى الحجج والبراهين يكون على علم بوجود ممارسات مخالفة لقواعد قانون حرية الأسعار والمنافسة خصوصا الشق المتعلق بالممارسات المنافية([10]).

مثلا: عند قيام مجلس المنافسة بدراسة المنافسة في قطاع معين، وتوصل إلى وجود عقود بين موردين وموزعين حيث تتضمن هذه العقود بعض البنود، التي من شأنها التأثير وخرق قواعد المنافسة. مثلا بند الاستغلال الحصري أو فرض أسعار دنيا، هذه البنود قد تشكل خرقا لقانون المنافسة. فقبل قيام المجلس بدراسة تأثير تلك البنود على منافسة([11]) يتم إرسال دراسة أولية للمقاولة تعلمه بأن العقود تحتوي على بنود من شأنها الإخلال بقواعد المنافسة، حيث يتم إعطاء أجل شهر للقيام بتقديم تعهد لفائدة المجلس، وذلك من أجل عدم قيامه بدراسة معمقة([12]) والوصول إلى الأدلة والبراهين والحجج التي ستؤكد كون المقاولة في وضعية مخالفة لقواعد قانون م.ح.أ.م. وبالتالي إصدار قرارات تتضمن عقوبات.

بمجرد ما يصل إلى علم الأطراف التي اقترفت مخالفة بأن سلطة المنافسة ستتدخل، يمكن لهذه الأطراف الشروع في التفاوض واقتراح العدول عن التصرفات لتفادي العقوبات من خلال تعهد وإقرار التزامي بالكف وعدم العود. فالتفاوض ممكن كلما كان موضوعه خارجا عن نطاق كبائر المخالفات التي ألحقت ضررا ملموسا بالاقتصاد، ولذلك لا تطبق مسطرة الالتزامات أو مسطرة التعهد إلا على أنواع معينة من المخالفات والاعتراضات التي تبرزها سلطة المنافسة([13]).

إعمال مثل هذه المساطر من شأنه تحقيق مجموعة من المصالح، فمن مصلحة المقاولة تفادي الدخول في منازعة مع مجلس المنافسة، وبالتالي تفادي إمكانيات تطبيق مختلف العقوبات المالية والجنائية المقررة وفق القوانين المنظمة لحرية الأسعار والمنافسة. بدل انتظار عقوبة قد لا تتقرر أو يطول أمد النطق بها وتطبيقها، هذا بالإضافة إلى التكاليف التي ستتكبدها المقاولة من جراء الدخول في منازعة مع المجلس المنافسة وإمكانية الطعن في قرارات هذا الأخير أمام الجهات القضائية المحددة، وما له من سلبيات على مستوى كشف مجموعة من الوثائق والمعلومات السرية أمام المحكمة و أمام العموم([14]).

أيضا من مصلحة المقاولات المتضررة أن تعود الأمور إلى نصابها، وذلك من أجل تسيير أمور السوق وفق قواعد المنافسة الحرة والنزيهة.

رغبة من المشرع المغربي في تحصين مسطرة الالتزامات فقد رتب عن عدم احترام التعهدات التي قبلها المجلس إمكانية فرض عقوبات مالية([15])، وإمكانية فرض غرامة تهديدية في حدود %5 من رقم الأعمال اليومي دون احتساب الرسوم عن كل يوم تأخير ابتداء من التاريخ المحدد، و بالنسبة إلى الهيئات التي ليس لها نشاط في شكل رقم معاملات، فان الغرامة التهديدية تحدد في مبلغ أقصى قدره 5000 درهم([16])، و قبل صدور الغرامة يتم إعداد تقرير في شان تقدير المبلغ النهائي للغرامة المذكورة، و يوجه التقرير إلى المنشاة المعنية و إلى مندوب الحكومة قصد الإدلاء بملاحظاتهم داخل اجل شهر واحد([17])  ليتم اتخاذ القرار بعد ذلك.

إذا كان هذا على مستوى التشريع المغربي فإن التشريعات المقارنة قد أقرت هذه المسطرة إذ بالرجوع إلى التشريع الفرنسي نجده قد أقر هذه الآلية، وذلك من خلال المادةL464-2 ([18]) والتي أعطت للوزير المكلف بالاقتصاد والمالية أن يأمر المقاولات بوضع حد للممارسات المشار إليها في الفصول 420.1L،420.2L و 420.5L كذلك فإن الإتحاد الأوربي قد أخذ بهذه المسطرة، حيث كان مجال العمل بها في البداية مقتصرا على عمليات التركيز الاقتصادي، واقتضى انتهاج هذه المسطرة عدة مراحل منها ما يدخل ضمن مبادرات اللجنة، بدءا بإشعار أولي للمقاولات المعنية بالقضية المثارة، ومرورا باقتراح التعهد وبلورته بشكل ملموس، ثم الانتقال إلى إعلان عنه ونشره رسميا، وتحديد آجال تلقي ملاحظات الأطراف المعينة، ثم اتخاذ قرار ينص على إجبارية الالتزامات التي تقترحها المقاولة إذا كانت مواتية لهاجس المحافظة على المنافسة كما بلورها التحليل التمهيدي، مع تحديد مدة صلاحية الالتزامات التي تربط الأطراف([19]).

الفقرة الثانية: مسطر الإعفاء من العقوبات المالية.

وعيا من المشرع بان الكشف و إثبات وجود اتفاقات منافية([20]) بين الفاعلين الاقتصاديين ليس بالأمر الهين و أمام الخطورة التي تشكلها هذه التكتلات، وأهمية بناء ثقافة المنافسة الشريفة بين مكونات النسيج الاقتصادي، فانه عمل على تبني هذه المسطرة واستمالت مرتكبي الاتفاقات المنافية وذلك بمقتضى المادة 41 من ق.ج.أ.م: ” يجوز منح إعفاء كلي أو جزئي من العقوبات المالية للمنشأة أو هيئات قامت مع أطراف أخرى بممارسة محظورة بموجب مقتضيات المادة 6 من هذا القانون. إذا ساهمت في إثبات وقوع الممارسة المحظورة وتحديد مرتكبيها من خلال تقديم معلومات لم تتوفر لمجلس المنافسة أو الإدارة من قبل. وتبعا لتصرف المنشأة أو الهيأة فإن مجلس المنافسة بطلب من المقرر العام أو الإدارة يصدر لهذه الغاية رأيا بالإعفاء يحدد الشروط التي يخضع لها الإعفاء المزمع بعد تقديم مندوب الحكومة والمنشأة أو الهيئة المعنية لملاحظاتها، يوجه هذا الرأي إلى المنشاة أو الهيأة وإلى الإدارة، ولا يتم نشره، وتزامنا مع القرار المتخذ تطبيقا للمادة 39 أعلاه يجوز لمجلس المنافسة، إذا تم احترام الشروط المحددة في رأي الإعفاء، منح إعفاء من العقوبات المالية يتناسب مع المساهمة المقدمة لإثبات المخافة، وتحدد كيفية تطبيق هذه المادة بنص تنظيمي. 

من اجل الاستفادة من هذه المسطرة فان المشرع وضع مجموعة من الشروط التي يجب استيفاءها، حيث يقدم الطلب إلى السلطة الحكومية المكلفة بالمنافسة وإلى مجلس المنافسة، إما بواسطة رسالة مضمونة مع إشعار بالتوصل، أو بطريقة شفوية، يثبت تاريخ  هذا الأخير و يتم تلقي تصريح ممثل المنشاة أو الهيأة في اقرب الآجال  بواسطة محضر تصريح من لدن باحث تابع للسلطة الحكومية أو مقرر تابع لمجلس المنافسة([21]) . كما أن احد الفقه([22]) قد أضاف شروطا أخرى و هي كالتالي:

  1. يجب على المنشأة أن تكون سباقة في تقديم المعلومات و الأدلة.
  2. يجب تقديم التعاون الدائم، والسريع خلال جميع مراحل المسطرة.
  3. يجب أن تتعهد المنشاة المعنية بالإنهاء الفور

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading