Delegating legislative competence under the Mauritanian Constitution of 1991

الباحثة : لرباح محمد عبدالله

Researcher : LaRbah Mohammed Abdullah

باحثة بسلك الدكتوراه كلية العلوم القانونية و الإقتصادية جامعة نواكشوط العصرية

PhD Researcher, Faculty of Legal and Economic Sciences, Modern University of Nouakchott

ملخص

الأصل أن يمارس البرلمان الوظيفة التشريعية بمفرده-أي سن القواعد القانونية فى مختلف المجالات-ويقتصر دور السلطة التنفيذية على تنفيذ القوانين

غير أن هذه القاعدة قد تغيرت منذ صدور دستور الجمهورية الخامسة فى فرنسا، حيث أصبح بإمكان البرلمان أن  يفوض للحكومة ممارسة وظيفته التشريعية، لتتولى تنظيم موضوعات معينة خلال فترة محددة على اساس انها تتطلب التدخل السريع

ولما كان ذلك فإن تفويض الإختصاص التشريعى ومايترتب عليه من قرارت تصدرها السلطة التنفيذية لا فى غيبة البرلمان كلوائح الضرورة، بل تصدرها والبرلمان منعقد، كل ذلك يشكل خطورة بالغة لأن تنازل البرلمان عن جزء من إختصاصه التشريعى هو بمثابة التخاذل والتنحى، الأمر الذى لايتماشى ومبدأ الفصل بين السلطات، ورغم ذلك فإن معظم الدساتير المعاصرة قد أخذت بهذا النوع من اللوائح، كما أخذت به دساتير دول المغرب العربى ومنها موريتانيا.

الكلمات المفتاحية: التفويض التشريعى، البرلمان، الحكومة، الدستور، تحديد مجال القانون، قانون الإذن. 

Abstract:

Originally, Parliament exercises legislative function alone – that is, enacting legal rules in various fields – and the role of the executive branch is limited to the implementation of laws.

However, this rule has changed since the promulgation of the Constitution of the Fifth Republic of France, where Parliament can delegate to the government to exercise its legislative function, to regulate certain topics during a specific period on the basis that they require rapid intervention.

Since this is the delegation of legislative competence and the consequent decisions issued by the executive branch, not in the absence of the parliament like the regulations of necessity, but by the parliament presence, all of which pose a great danger because the relinquishment of part of its legislative competence by Parliament is tantamount to inaction and stepping down, This is not in line with the principle of separation of powers, yet most contemporary constitutions have been adopted with this type of regulations, as have been adopted by the constitutions of the Arab Maghreb countries, including Mauritania.

Keywords: legislative Mandate, Parliament, Government, Constitution, Define the field of law, law of permission.

مقدمة

من المتعارف عليه  في الأنظمة السياسية أن مهمة التشريع يتولاها البرلمان بصفة حصرية، في حين تتولى السلطة التنفيذية مهمة تنفيذ القوانين، وذلك تطبيقا لمبدإ الفصل بين السلطات الذى يهدف الى عدم تركيز السلطة في يد هيأة واحدة، لضمان إحترام التوزيع الوظيفي وتحقيق التوازن بين هذه السلطات، وهو ما يتطلب التزام كل سلطة بالضوابط الدستورية لممارسة وظيفتها[1]، إلا أن تطور الأحداث و تعدد المشاكل التى فرضها التقدم العلمى و التكنولوجى، و ما يتطلبه ذلك من سرعة كبيرة و كفاءة عالية[2]، كل هذا جعل الدول تلجأ لمنح صلاحيات تشريعية إستثنائية للسلطة التنفيذية، و ذلك إعمالا بمبدإ التعاون الذى يستدعى تنازل البرلمان عن جزء من إختصاصه التشريعى للسلطة التنفيذية، لتتولى تنظيم موضوعات محددة و لفترة معينة، ليتم ذلك إستنادا إلى قانون الإذن الذى يفوض من خلاله البرلمان للسلطة التنفيذية نيابة عنه سلطة إصدار (لوائح تفويضية) بما لها من قوة القانون، و يتم ذلك وفقا للضوابط و الحدود التى نص عليها الدستور و تلك التى ينص عليها قانون التفويض.

و بما أن تفويض الإختصاص التشريعى يشكل إستثناء على مبدإ الفصل بين السلطات و إستقلالية السلطة التشريعية في مباشرة وظيفتها التشريعية، لما يقرره من تنازل البرلمان عن جزء من وظيفته للسلطة التنفيذية رغم إنعقاده[3]،  فقد إهتمت به دساتير الدول، و منها المشرع الدستورى الموريتانى الذى سار على هذا النهج منذ أول دستور للبلاد.

ولما كانت السلطة التنفيذية من خلال قانون الإذن تستطيع تشريع القوانين، سواء بإستحداث قوانين جديدة أو إلغاء قوانين كانت نافذة أو تعديلها بالحذف أو الإضافة، مما يجعل التفويض التشريعى قد يشكل مخالفة لمبدإالفصل بين السلطات، بالإضافة إلى أنه قد يهدد حقوق الأفراد و حرياتهم التى يتولى المشرع العادى (البرلمان) حمايتها[4]. كل هذا أدى بنا إلى طرح الإشكالية التالية:

كيف عالج المشرع الدستورى الموريتانى هذه الالية (ألية تفويض التشريع)؟ وهل وضع الضوابط اللازمة لممارسة هذا الحق، و كذا الضمانات المناسبة لمنع تجاوزه ؟

ذلك ما سنحاول الإجابة عليه من خلال دراسة هذا الموضوع، لذلك إرتأينا إستعراض الإطار المفاهيمى للتفويض التشريعى و الأساس النظرى الذى إستند عليه(مبحث أول)، قبل التعرض مباشرة إلى النظام القانونى للتفويض التشريعى في الدستور الموريتانى (مبحث ثانى).

المبحث الأول: الإطار النظرى لظاهرة التفويض التشريعى

تعتبر ظاهرة تفويض التشريع من الظواهر القديمة التى إنتشرت خاصة في فرنسا، ثم إنتقل العمل بها إلى مختلف النظم في العالم لاسيما أثناء الحربين العالميتين وفى أعقابهما، بسبب ما تولد عنهما من أزمات مالية وإقتصادية حادة وإضطرابات داخلية، هددت كيان الدولة و أمنها بالخطر، و نظرا لعدم تمكن البرلمان  من حل هذه المشاكل، بسبب بط ء الإجراءات التشريعية إضطرت الكثير من المجالس التشريعية في العالم إلى إصدار قوانين تفويضية تخول للسلطة التنفيذية إتخاذ تدابير تشريعية، و من ثم إنتشرت ظاهرة التفويض التشريعى إلى معظم دساتير دول العالم[5].

وبناء عليه فإن دراسة ظاهرة التفويض التشريعى تستدعى منا التطرق لماهية تفويض الإختصاص التشريعى(مطلب الأول)، وكذلك الأساس الذى إستند عليه(المطلب الثانى).

المطلب الأول:  ماهية  تفويض الإختصاص التشريعى

سنتناول في هذا الإطار مفهوم التفويض التشريعى في (فرع أول) على أن نتطرق لأهمية التفويض التشريعى فى (فرع ثانى).

الفرع الأول:  مفهوم التفويض التشريعى

كلمة تفويض في اللغة العربية مصدر من الفعل فوض، أي فوض الأمر إليه، وفوض فلانا في الامر أي أنابه واقامه مقامه، وفوض الأمر إليه وكله وجعل له حرية التصرف فيه.                                                                              

اما من الناحية الإصطلاحية: فإن التفويض هو العمل الذى بموجبه ينقل صاحب صلاحية اصيل {مفوض} ممارستها الى سلطة اخرى {مفوض}[6].

وفى نطاق القانون الإدارى: فإن التفويض أن يعهد صاحب الاختصاص بممارسة جانب من اختصاصه إلى شخص معين، ولا يمكن من حيث الأصل للسلطة ان تتصرف في إختصاصها المسند إليها في الدستور او القانون او اللوائح، إلا إذا وجد نص يجيز تلك التفويضات[7]

أما فى نطاق القانون الدستورى: يعرف تفويض الإختصاص التشريعى بأنه:(تنازل السلطة التشريعية عن جانب من اختصاصاتها التشريعية في موضوعات محددة ولمدة معينة للسلطة التنفيذية بموجب قانون يسمى قانون التفويض لكى تباشرها عن طريق قرارات لها قوة القانون).

وتسمى القرارات الصادرة عن السلطة التنفيذية بناءا على قانون التفويض باللوائح التفويضية، أو المراسيم  بقوانين، أو الأوامر القانونية حسب الدستور الموريتانى.

إذن الأوامر التفويضية هي قرارات لها قوة القانون تصدرها السلطة التنفيذية لتنظم بها بعض المسائل التى لايتناولها -عادة- إلا التشريع وذلك بتفويض خاص من السلطة التشريعية[8].

الفرع الثانى:  أهمية التفويض التشريعى

لاشك أن اللجوء إلى أسلوب التشريع الحكومى يعود إلى ترجيح كفة السلطة التنفيذية على حساب السلطة التشريعية، بسبب إزدياد مهام الأولى وعدم نجاعة الثانية في مواجهة المشاكل الصعبة المتداخلة التى تتطلب التدخل السريع، بخلاف الحال بالنسبة للسلطة التنفيذية التى تملك الوسائل الكافية لمواجهة الأحداث بسرعة[9].

 و قصور البرلمان عن مواجهة الظروف التى تتطلب الإستعجال قد يرجع إلى عدة اسباب منها:                                                                                             

– أن تشريع القوانين يتطلب إجراءات طويلة تدخل فيها المواجهات السياسية بين الأحزاب والقوى داخل البرلمان، مما قد يعرض البلاد لخطر كبير في حالة الإنتظار ريثما يتم أخذ الإجراءات من قبل البرلمان بالطرق التقليدية لمواجهة الظرف  الإستثنائى الذى قد يتطلب إجراءا أو حلا سريعا وحازما.

– أن السلطة التنفيذية ممثلة في رئيس الدولة هي الأقدر على مواجهة الظروف لما تملكه من خبرات إدارية تجمعت لديها خلال ممارستها إدارة المرافق العامة، كما أنها تعتبر الأقرب والأدرى بمعرفة الحاجات العامة عن باقى السلطات[10]

هذه الأسباب التى وردت على سبيل المثال لا الحصر، هي التى جعلت الدول تحرص على منح السلطة التنفيذية سلطة إصدار الأوامر التفويضية،  لما لها من أهمية في إستمرار المرافق العامة.

المطلب الثانى: التأصيل الفقهى لظاهرة التفويض التشريعى

لقد أجمع الفقهاء على خطورة اتساع هذا التنظيم، الذي يؤدي الإفراط في العمل به إلى تعزيز مكانة السلطة التنفيذية على حساب السلطة التشريعية، لكنهم اختلفوا حول إيجاد الحجج والتفسيرات لتبرير هذا التنظيم وإضفاء صفة المشروعية عليه، وقد انقسم الفقه الفرنسي بهذا الخصوص إلى نظريتين هامتين سنتناول كل منهما في الفرعين التاليين.

الفرع الأول: نظرية التفويض التشريعي

وهي النظرية الأقدم تاريخيا و إن كان معظم الفقه الفرنسى قد هجرها، و بمقتضى هذه النظرية يقوم البرلمان بتفويض سلطاته التشريعية لرئيس الجمهورية، الذي يحل محل البرلمان في مباشرة هذا الإختصاص في الحدود التي يحددها، ويبينها قانون التفويض، ويترتب على ذلك أن تكتسب قرارات الرئيس خصائص وقوة العمل التشريعي الصادر من البرلمان، وقد إستند أنصار هذه النظرية في البداية إلى بعض المفاهيم القانونية المستمدة من القانون الخاص ثم بعد ذلك إلى اعتبارات عملية[11]  والتي سوف نرى كل منها كما يلي

أولا: نظرية التفويض الذي يستند إلى قواعد الوكالة في القانون المدني

يرى أنصار هذا الاتجاه ان انتقال الاختصاص التشريعي من البرلمان إلى رئيس الدولة يفسر في قواعد الوكالة في القانون المدني بحيث يقوم البرلمان بوصفه موكلا بنقل جزء من إختصاصه إلى رئيس الجمهورية الذي يتصرف بإعتباره وكيلا، وبالتالي تعتبر تصرفات الرئيس إذا صدرت في حدود الوكالة (قانون التفويض)، كما لو كانت صادرة من الموكل (البرلمان) ، فهناك إذا نقل حقيقي للسلطة التشريعية، بمقتضاه يتصرف الرئيس بإسم البرلمان ونيابة عنه، ولذلك فإن العمل الصادر من الرئيس يحوز خصائص وقوة العمل التشريعي الصادر من البرلمان[12].

غير أن هذا الرأي تعرض لإنتقادات حاسمة منها من اعتبر التفويض يتعارض وفكرة الإختصاص في القانون العام، بحيث أن الإختصاص ليس من قبيل الحقوق التي يجوز التصرف فيها أو التنازل عنها، وإنما هو إلتزام فرضه الدستور، أي أن السلطات في الدولة تمارس اختصاصات مقيدة لا تملك تعديلها أو نقلها[13]

ثانيا: التفويض التشريعي عمل تبرره الإعتبارات العملية

يرى فريق آخر أن التفسير الذي يمكن وضعه لقوانين التفويض أو التأهيل التشريعي، لا يكون إلا في ضوء نظرية التفويض، ولكن على أسس تبررها اعتبارات عملية[14].

بمعنى أن قوانين التفويض التي تعطي لرئيس الجمهورية حق اتخاذ التدابير التشريعية، تعتبر في الأصل مخالفة للأحكام الدستورية التي تنظم السلطات العامة للدولة إلا أن هذه المخالفة تبررها الاعتبارات العملية التي تقتضي من الدولة اتخاذ حلول سريعة وبعض التصرفات اللازمة والحتمية في أوقات الأزمات بهدف تنظيم الظروف والأحوال الاستثنائية التي قد تعصف بالدولة.

ومن أنصار هذا الرأي الأستاذ “جي ديفو Ji Deveaux الذي يرى أن المبادئ القانونية يجب أن تنحني أمام الواقع وإزاء الضرورات الملحة، وبالتالي يجب أن يتنازل البرلمان من أجلها عن بعض اختصاصاته التشريعية لصالح رئيس الجمهورية[15].

أما الأستاذ Rucu فقد أكد أنه مع تكرار تنازل البرلمان عن سلطاته التشريعية تحت وطأة الضرورات العملية، قد أدى إلى ظهور عرف مخالف للدستور بسماح تفويض السلطة التشريعية بقصد كفالة الأداء الأفضل لها[16].

الفرع الثانى: نظرية اتساع السلطة اللائحية

بعد رفض نظرية التفويض كأساس نظري لتفسير قوانين التفويض البرلماني، يرى أنصار هذا الاتجاه أن قوانين التفويض التشريعي، لا تنقل الاختصاص البرلماني إلى رئيس الجمهورية، وإنما يقتصر أثرها على توزيع الاختصاص اللائحي له على أساس أن البرلمان يستطيع أن يوسع مجال السلطة اللائحية، فهو يملك سلطات تقديرية في توسيع سلطة الرئيس اللائحية أو التضييق منها.

وقد أطلق العميد دوجي على هذه النظرية التي حظيت بقبول لدى غالبية الفقه الفرنسي عبارة “إسناد الاختصاص” ، وذلك بأن يقوم البرلمان بإسناد اختصاصا معينا إلى السلطة اللائحية ، ويترتب على ذلك توزيع الاختصاص اللائحي لرئيس الجمهورية .[17]

بمعنى أن قانون التفويض الصادر من البرلمان لصالح السلطة التنفيذية ليس تفويضا للسلطة التشريعية بل مجرد توسيعا للاختصاصات الحكومية في بعض المسائل التي حينما تعالج عن طريق المراسيم التشريعية تجرد من طابعها التشريعي وتدخل في نطاق العمل التنفيذي العادي، وهو ما يفسر بقاء هذه المراسيم بقوانين أعمالا إدارية[18].

المبحث الثاني: النظام القانونى للتفويض التشريعى في الدستور الموريتانى

لقد حرص واضعوا دستور 1991 على النص صراحة في صلب الدستور على هذه التقنية “ظاهرة التفويض التشريعي”، إلا أن هذه التقنية ليست وليدة هذا الدستور بل عرفتها موريتانيا منذ أول دستور لها، وإن كانت هذه الدساتير قد اختلفت في الجهة التي تتولى هذ الحق.

والملاحظ أن المشرع الدستوري قد اقتبس هذه التقنية من الدستور الفرنسي لسنة 1958[19] حين منح الحكومة سلطة اللوائح التفويضية بموجب المادة 60 من دستور 1991 والتي تنص على أنه : (للحكومة بعد وفاق رئيس الجمهورية، ومن أجل تنفيذ برنامجها أن تستأذن البرلمان في إصدار أمر قانوني خلال أجل مسمى يقضي باتخاذ إجراءات من العادة أن تكون في مجال القانون. يتخذ هذه الأوامر القانونية مجلس الوزراء وتتطلب وفاق رئيس الجمهورية الذي يوقعها.

تدخل الأوامر القانونية حيز التطبيق فور نشرها غير أنها تصبح لاغية إذا لم يتسلم البرلمان قانون التصديق، قبل التاريخ الذي يحدده قانون التأهيل.

وبانقضاء الأجل المذكور في الفقرة الأولى من هذه المادة، تصبح هذه الأوامر القانونية غير قابلة للتعديل إلا بموجب القانون بالمواضيع الخاصة بالتشريع.

يصبح قانون التأهيل لا غيا إذا حلت الجمعية الوطنية ).

إن قراءة هذه المادة تستدعى منا إبراز القيود المفروضة على الأوامر التفويضية ( مطلب أول) , كما تتطلب منا تبيان الطبيعة القانونية لهذه الأوامر و الأثار المترتبة عليها (مطلب ثانى).

المطلب الأول:  شروط  التفويض التشريعى

من خلال النظر في مضمون المادة 60 من الدستور ، على النحو الذي رأيناه سابقا ، يتبين لنا أن المشرع الموريتاني قد حرص على تحديد وحصر سلطة التفويض التشريعى ، وذلك بوضعه قيودا على هذا الاختصاص على أن يكون ذلك  بالقدر والإجراءات المقررة له حتى لا تكون سلطات رئيس الجمهورية والحكومة في هذا المجال مطلقة وحرة من أية قيود.

وطبقا لنص المادة 60 السابقة الذكر يمكن استخلاص القيود الواردة على الحكومة للشروع في إجراءات طلب التفويض و تحديدها في ما يلى

– تحديد المدة الزمنية لقانون التفويض.

– تحديد الغرض من التفويض.

– إتخاذ الأوامر في نطاق مجلس الوزراء.

– إيداع الأوامر على مستوى البرلمان.

الفرع الأول:  تحديد المدة الزمنية لقانون التفويض

إن المدة الزمنية التي تستأثر فيها الحكومة باختصاص البرلمان يجب أن تكون محددة حتى لا يتحول ذلك إلى تفويض دائم واستئثار مطلق[20]، إذ لا يجوز أن يكون هذا التنازل دائما لأن من شأن ذلك أن يؤدي إلى تضييق مجال القانون، ذلك أن البرلمان يجب أن يكف عن التشريع في المواد  التي أسندها قانون التفويض إلى الحكومة ، حتى لا يكون هناك تعارض بين التشريع الحكومي والتشريع البرلماني، وإذا لم يكف البرلمان عن التشريع في المواضيع التي فوض التشريع فيها للحكومة، فإنه يكون من حق هذه الأخيرة معارضة المقترحات والتعديلات الداخلة في الميدان المفوض لها (المادة62/3 من الدستور).

وبما أن الدستور الموريتاني لم يحدد المدة التي يمكن أن يتم التفويض داخلها ، فإنه يمكن القول أن هذه المدة يمكن أن تكون طويلة نسبيا ما دام أن الدستور لم يحل دون ذلك صراحة.

إلا أن هذا النوع من التفويض إذا كان ينحصر في مدة طويلة (خمس سنوات مثلا) فإنه قد يوصف بعدم الدستورية لأنه يشكل تحديدا لاختصاص البرلمان طيلة مدة نيابة كاملة، لذلك يجب أن تكون المدة المحددة معقولة بحيث لا تحول دون البرلمان وممارسة اختصاصه وحتى لا تطرح مسألة الحدود الفاصلة بين مجال الحكومة ومجال البرلمان الناتج عن صدور قانون التفويض[21] التي نصت عليها المادة (62/3.4)[22].

الفرع الثاني: تحديد الغرض من التفويض 

تحرص معظم الدساتير المعاصرة، ومنها الدستور الفرنسي على ضرورة تحديد المواضيع التي ينصب عليها التفويض، لذلك يتعين تحديد موضوعات التفويض تحديدا دقيقا، وإلا كان بمثابة تنازل من البرلمان عن إختصاصه. كما لا يجوز له أن يفوض الحكومة في الإختصاصات المحددة له حصرا في الدستور وإنما يمكنه ذلك في المواد التشريعية المنصوص عليها في المادة(34)[23] من الدستور الفرنسى وهو نفس المنحى الذي سار عليه الدستور الموريتاني الذي نص على الغرض الذي يجيز للحكومة ان تطلب التفويض، فعبارة “لتنفيذ برنامجها” التي تضمنتها المادة 60 هي تعبير واضح يفهم منه غرض الحكومة من التفويض الذي هو تنفيذ المخطط العام لسياسة الحكومة وبرامجها التي تكون عادة معروفة من طرف البرلمانـ إلا أن هذا الغرض من شأنه أن يوسع جدا من مجالات تدخل الأوامر التفويضية، مادام أن غرض التفويض هو تنفيذ البرنامج الحكومي الذي يتم إعداده كل سنة ويعرض على أنظار الجمعية الوطنية[24].

وبمعنى أدق فإن إعطاء البرلمان تفويضا عاما للسلطة التنفيذية دون أن يكون هناك تحديدا للمواضيع التي تدخل في نطاق التفويض، يعني بالضرورة تنازل المجلس عن سلطاته التشريعية للحكومة، مع التذكير أن البرلمان يجد اختصاصه في الدستور، وبالتالي ليس من حقه التصرف في هذا الاختصاص وإنما عليه القيام بنفسه على مقتضى القواعد الدستورية، ومن ثم يجب أن يتضمن قانون التفويض مواضيع محددة ومضبوطة ، لذلك فإن التأويل السليم “للغرض المعين” يقتضي أن لا يجرد البرلمان من جوانب هامة من اختصاصه بموجب التفويض لذلك يكون من المناسب تضييق التأويل بالنسبة للغرض المعين نظرا لكون التفويض يشكل استثناء على الاختصاص العام للبرلمان[25].

وعموما يمكن القول أن تنازل السلطة التشريعية عن اختصاصاتها يعني ذلك مخالفتها لتنظيم وتوزيع الاختصاصات التي حددها الدستور لكل هيأة، ولذلك يجب حصر التفويض في مجال معين لا يمكن تجاوزه.

الفرع الثالث:  إتخاذ الأوامر في نطاق مجلس الوزراء

لقد ألزم المشرع الدستوري اتخاذ هذه الأوامر على مستوى مجلس الوزراء وذلك بعد وفاق رئيس الجمهورية.

مما يعنى أن الدستور الموريتاني قد أعطى دورا أساسيا لرئيس الجمهورية لإصدار المراسيم التفويضية ، بحيث أصبحت مشاركته ضرورية وحاسمة في هذا المجال

وهو ما يتضح من نص الدستور على ضرورة موافقة رئيس الدولة على الأوامر القانونية المتخذة بناء على المادة 60 من الدستور ، وهذه الموافقة مطلوبة في مرحلتين[26] ، الأولى هي مرحلة تقديم طلب التفويض إلى البرلمان، حيث لا يمكن للحكومة أن تتقدم بهذا الطلب إلا بعد موافقة رئيس الجمهورية على ذلك، أما المرحلة الثانية فهي مرحلة اتخاذ هذه الأوامر في مجلس الوزراء، حيث يشترط موافقة وتوقيع رئيس الجمهورية على هذه الأوامر قبل إصداره.

وهذا الدور الأساسي والحاسم الذي يتمتع به رئيس الجمهورية في مجال اللوائح التفويضية الذي كرسه الدستور الموريتاني، سبق أن رسم ملامحه المشرع الفرنسي في المادة 38 من دستور 1958.

ويرى بهذا الشأن كل من هوريو ، وجيكال، وجيلار، انه من ضمن الأشياء الجديدة التي جاء بها دستور 58 في المادة 38 منه، هي المشاركة الحاسمة لرئيس الجمهورية في إصدار الأوامر ، وذلك من خلال التوقيع عليها مما يجعله في مركز قوي اتجاه الحكومة[27]

غير أن الدستور الفرنسي تميز عن الدستور الموريتاني بكونه اشترط أخذ رأي مجلس الدولة بخصوص المراسيم المتخذة في مجال التفويض، في الوقت الذي لم يشترط الدستور الموريتاني أخذ رأي الغرفة الإدارية.[28]

الفرع الرابع: عرض الأوامر التفويضية على مصادقة البرلمان

نظرا إلى أن المراسيم التفويضية تصدر من الحكومة نيابة عن السلطة التشريعية بصفة مؤقتة، فإن المشرع الدستوري استوجب عرض هذه الأوامر على السلطة التشريعية الأصلية لتبدي رأيها بشأنها، فتقرها أو ترفض الموافقة عليها ، وقد أخذ دستور 1991 في المادة 60 سابقة الذكر بهذه القاعدة في صدور المراسيم التفويضية فأستلزم عرضها للبرلمان للمصادقة عليها.

ولكي تستطيع الحكومة تطبيق المادة 60 من الدستور فلا بد من عرض الأوامر التي تصدرها على البرلمان قبل الفترة التي يحددها قانون الإذن، وذلك ليبين هذا الأخير موقفه منها، وعرض الأوامر على البرلمان هو إجراء مقابل لإجراء الإصدار الذي يقوم به رئيس الجمهورية بعد تصويت البرلمان على نص القانون ، وبالتالي يمكن اعتباره توازنا أو سلاحا بين الهيأتين التشريعية والتنفيذية.

و إذا كانت المادة 60 من الدستور قد أوجبت عرض الأوامر التفويضية على البرلمان، إلا أنها لم تحدد المقصود بذلك، فعبارة “غير أنها تصبح لاغية إذا لم يتسلم البرلمان مشروع قانون التصديق” التي وردت في الفقرة الثانية من هذه المادة ، لم تحدد الطريقة التي يتم بها عرض هذه الأوامر على البرلمان بحيث يكون من الضروري أن تخضع للمسطرة التي تمر بها مشاريع ومقترحات القوانين، أم أنه يكفي لاكتسابها قوة القانون أن يتم إيداعها لدى البرلمان ليوافق عليها دون أية إجراءات تسبق تلك الموافقة.

وفي هذا الصدد نجد أن الفقه قد انقسم إلى اتجاهين :

الاتجاه الأول [29]: يرى أصحابه أن العرض يفيد إيداع الأوامر بالبرلمان ومناقشتها وإبداء الرأي فيها .

الاتجاه الثاني[30]: يذهب إلى استيفاء شرط العرض بمجرد إيداع الأوامر الصادرة من طرف الحكومة بالبرلمان .

أما بالنسبة للفترة التي يتعين أن يتم خلالها عرض المراسيم التفويضية على البرلمان فقد حددت المادة 60 من الدستور الأجل الذي يجب أن تعرض فيه الأوامر على البرلمان، بأن يكون ذلك قبل انتهاء الفترة المحددة في قانون التأهيل، ولا شك أن هذا الشرط يحد من احتمال تقصير الحكومة في عرض الأوامر المتخذة على البرلمان ويمنح ولو بصفة ضمنية البرلمان الحق في معالجة مثل هذا العرض، وذلك بمسائلة الحكومة أو إخطار المجلس الدستوري.

ومن جهة أخرى يلاحظ أن المادة 60 قد نصت على الجزاء المترتب على عدم عرض المشروع على البرلمان في الأجل المحدد له و هو إلغاء هذا المشروع.

هو نفس الجزاء الذي رتبته المادة 38 من الدستور الفرنسي لسنة 1958 والتي نصت على أن الأوامر: (تصبح لا غية إذا لم يعرض مشروع القانون الخاص بإقرارها على البرلمان قبل نهاية المدة المحددة في قانون التفويض).

المطلب الثاني: الأثار المترتبة على الأوامر التفويضية وطبيعتها القانونية

سنتناول في هذا الإطار لأثار التفويض في(فرع أول) على أن نتعرض في(فرع ثانى) للطبيعة القانونية لهذه الأوامٍر.

الفرع الأول: أثار التفويض التشريعى

يترتب على تفويض التشريع أثار بالنسبة للحكومة، وأثار بالنسبة للبرلمان، حيث يمكن للحكومة-بموجب قانون الإذن-أن تتخذ تدابير جديدة أو تعدل أو تلغى تدابير تشريعية سابقة، ومن هنا تأتى خطورة التفويض في التشريع لأن الحكومة بموجبه تستطيع إلغاء بعض التشريعات التى سبق أن أقرها البرلمان إذا كانت لا تنسجم مع سياستها العامة[31]. وقد يكون طلب الحكومة الهدف منه إدخال بعض التعديلات لأن تعديل النصوص القانونية بالطرق العادية يتسم بنوع من الصعوبة نظرا لطول إجراءاته و لإحتمال مواجهته بالرفض من طرف أعضاء البرلمان خاصة إذا كانت الأغلبية البرلمانية لا تساير الخط السياسى للحكومة.

أما إذا كانت تتوفر على أغلبية مساندة داخل البرلمان فإن السلطة التنفيذية يكون بإستطاعتها أن تلجأ إلى تقنية التفويض متى شاءت، فتمارس في نفس الوقت الوظيفتين التشريعية و التنفيذية[32]

ومن جهة أخرى فإن ممارسة الحكومة للوظيفة التشريعية عن طريق الأوامر التفويضية قد يؤدى إلى إحداث نوع من الإضطراب في سلم تدرج القواعيد القانونية، لأنها تجعل هذه الأوامر على قدم المساواة مع القواعد القانونية العادية الصادرة عن البرلمان، وبذلك تكون السلطة التنفيذية مساوية للسلطة التشريعية[33].

كما نلاحظ أن الدستور الموريتانى قد منح الحكومة حق معارضة مقترحات و تعديلات البرلمانيين إذا كانت تنافي تفويضا بمقتضى المادة 60 من هذا الدستور(المادة 62/3).

واللافت للنظر أن هذا المنع لايسرى على الحكومة التى بإمكانها أن تودع لدى البرلمان مشروع قانون يتعلق بموضوع داخل في مجال  التفويض مما يحمل على القول أن قواعد العقلنة البرلمانية تميل إلى كفة السلطة التنفيذية. وهكذا يتضح أن الأوامر القانونية أصبحت تحل محل التشريع بمفهومه الضيق و أصبحت الأداة المفضلة في سن القوانين.

الفرع الثانى: الطبيعة القانونية للأوامر التفويضية  

لا خلاف حول تمتع الأوامر التفويضية بقوة القوانين، نظرا لأنها تستطيع تعديل أو إلغاء قانون قائم، أو تأتي بقانون جديد إلا أن الإشكال يثار حول الطبيعة القانونية لهذه الأوامر، والسبب في ذلك يرجع إلى صدورها عن السلطة التنفيذية، إضافة إلى أن مضمونها يمس مجالا من المجالات التي تشرع فيها السلطة التشريعية، وعليه فالمقصود بالطبيعة القانونية لهذه الأوامر هو تحديد ما إذا كانت قرارات إدارية أم قوانين؟.

وعليه فتحديد طبيعة الأوامر التشريعية يكتسي أهمية كبيرة في النظام القانوني للدولة، لأن ذلك سيؤدي إلى معرفة مرتبتها في سلم تدرج القواعد القانونية في الدولة، وكذلك إلى معرفة نظام الرقابة الذي تخضع له[34].

بالرجوع الى نص المادة 60 من الدستور يتبين لنا عدم وجود مقتضيات يمكن الاستناد إليها لحل هذا الإشكال، كما أن موقف هذه المادة المنظمة لتفويض التشريع ضمن الدستور لا يساعد كذلك بشكل دقيق على معرفة الطبيعة القانونية لهذه المراسيم ، ذلك أن الدستور قد أدرجها في الباب الرابع حول علاقات السلطة التشريعية والتنفيذية، وإن كانت المادة 60 من الدستور قد جاءت مباشرة بعد المادة 59[35] التي تنص  على أن المواد الخارجة عن مجال القانون تكون من اختصاص السلطة التنظيمية، مما يمكن أن يحمل  على القول أنها (أي الأوامر التفويضية) ذات طبيعة قانونية، وعلى أساس أن موقع المادة 60 من الدستور لا يشكل معيارا دقيقا لمعرفة الطبيعة القانونية لمقتضياتها[36]، لذلك ينبغي البحث لحل لهذا الإشكال لدى الفقه.

وفى هذا الإطار فإن جانبا كبيرا من الفقه[37] ومن اجل تحديد الطبيعة القانونية لهذه الأوامر قد ميز بين مرحلتين قبل وبعد موافقة البرلمان عليها وهذا تماشيا مع التقسيم والرأي الراجح فقها

المرحلة الأولى: وهي المرحلة السابقة على تصديق البرلمان على الأوامر التفويضية , أي من وقت إصدارها الى غاية عرضها على البرلمان, بإعتبار أن الأوامر خلال هذه الفترة مجرد قرارات إدارية بالرغم من تمتعها بقوة التشريع, لأنها تستطيع أن تعدل وتلغى تشريعات سابقة، إلا أنها تظل محتفظة بطبيعتها الإدارية طبقا للمعيار العضوى كأساسى للتمييز بين القرارات الإدارية و الأعمال التشريعية الصادرة عن مختلف الهيئات العامة في الدولة، ويترتب على ذلك إمكانية الطعن فيها قضائيا. وهذا ما أكده المجلس الدستورى في قراره المؤرخ في 29/02/1972، حينما أعتبر أن الأوامر الصادرة في إطار المادة 38 من دستور 1958 لها طابع تنظيمى ما لم تتم المصادقة عليها وبالتالى تخضع لرقابة المشروعية من جانب القضاء الإدارى المتمثل في مجلس الدولة، ويمكن أن تعدل بموجب مرسوم بإعتبارها قرارات إدارية صادرة من الحكومة حتى إيداع مشروع الأمر على البرلمان[38].

المرحلة الثانية: وهي المرحلة التى تلى مصادقة البرلمان على الأوامر، لتتحول هذه الأوامر من طبيعتها الإدارية لتكتسب الصفة التشريعية، أي من مجرد قرارات إدارية إلى قوانين تشريعية، فتحوز بالتالى قيمة و قوة القانون بمجرد أن يصادق عليها البرلمان، و بهذا تتحصن من رقابة القضاء الإدارى و من ثم لا يجوز الطعن فيها قضائيا أمام مجلس الدولة، بل تكون خاضعة لرقابة المجلس الدستورى[39].

و قد أخذ بهذا الرأي مجلس الدولة و أقره، و ذلك بإقراره للطبيعة الإدارية للأوامر قبل المصادقة عليها من البرلمان ، و إخضاعها لرقابته سواء لمخالفتها لمبدإ المشروعية أو لمبدإ الدستورية ، و بالطبيعة التشريعية للأوامر بعد مصادقة البرلمان و إفلاتها من رقابته عليها، وذلك في حكمه الشهير في قضية سكك حديد الشرق و أخرون[40] .

غير أن هناك من الفقه [41]من ذهب لخلاف ذلك ، إذ يرى أن هذه الأوامر تبقى محتفظة بطبيعتها الإدارية حتى بعد مصادقة البرلمان عليها ، لأن البرلمان يقوم بعمل رقابي يمارس به وظيفته السياسية على أعمال السلطة التنفيذية ، وما تصدقه سوى إضفاء القوة القانونية دون التأثير في طبيعتها ،  و بهذا تظل خاضعة لرقابة القضاء الإدارى.

عموما يمكن القول أن الاجتهاد الفقهي في فرنسا مجمع على أن مراسيم المادة 38 ذات طبيعة تنظيمية رغم انضوائها ضمن مجال القانون ، وعليه فإنه يمكن إخضاعها لرقابة القضاء الإداري بسبب الشطط في استعمال السلطة، وذلك قبل المصادقة عليها من طرف البرلمان، أما بعد المصادقة عليها فإنها تكتسب قوة القانون وتتحصن ضد أي طعن قضائي.

ويؤيد هذا الرأي أستاذنا الدكتور سيدي محمد ولد سيد اب، إذ يرى أن المصادقة البرلمانية إذا لم يكن الهدف منها هو إضفاء الطابع التشريعي على النص فإنها تكون بدون معنى، ويكون بالإمكان الاستغناء عنها كما هو الحال بالنسبة للمراسيم التنظيمية الأخرى التي لا تخضع لمثل هذه المصادقة[42].

ومن جهة أخرى يلاحظ أن المادة 60 من الدستور الموريتاني تنص على أن المراسيم التفويضية –بعد انقضاء مدة التفويض- لا يمكن تعديلها إلا بموجب القانون، مما يعطي الانطباع بأن هذه المراسيم أصبحت ذات طبيعة تشريعية، ولو لم تكن كذلك لما أمكن للبرلمان إدخال التعديلات عليها، ولما حظر تعديلها بمراسيم، إذ الأصل أن المرسوم يعدل المرسوم الذي في درجته والقانون يعدل القانون الذي في درجته كذلك. وهكذا وبناء على ذلك يكون تعديل هذه المراسيم من طرف القانون دليلا واضحا على أنها أصبحت ذات طبيعة تشريعية.

الخاتمة:

ختاما لدراستنا هذه، ما يمكن أن ننتهى إليه أن نظام التفويض التشريعى المتجسد في المادة 60 من الدستور الموريتانى 1991، هو وضع تفرضه الضرورات العملية، و بذلك يعتبر نظاما مشروعا طالما أنه يساهم في تمكين الحكومة من الصلاحيات اللازمة لتحقيق برنامجها إلا أن هذا لا يرفع عنه (أي نظام التفويض التشريعى) ما يكتنفه من خطورة في الواقع العملى على السلطة التشريعية، لما يرتبه من أثار تساهم في التقليل من فاعلية ممارسة البرلمان لأهم إختصاصاته الدستورية و المتمثلة في التشريع، إضافة إلى ما يرتب هذا النظام من تكريس تفوق السلطة التنفيذية على السلطة التشريعية في المجال المحجوز لهذه الأخيرة أصلا.

و على ضوء معالجة الإشكالية التى طرحناها في المقدمة يمكن أن نخرج بالأتى:

– يقصد بالتفويض التشريعى كل ترخيص، يمنحه البرلمان للحكومة لممارسة وظيفته التشريعية، في مجال معين و لمدة محددة لتحقيق هدف معين.

– يعتبر نظام التفويض التشريعى إستثناءا من مبدإ الفصل بين السلطات، و خروجا على القاعدة العامة التى تقضى بأن تتولى السلطة التشريعية وظيفة التشريع، إلا أن هذا الإستثناء قد أملته الظروف القانونية الواقعية، و ذلك من أجل الحفاظ على سلامة الدولة وإستمراريتها.

– لا يجوز أن يكون التفويض التشريعى عاما أو مطلقا و إلا أصبح تنازلا من السلطة التشريعية عن القيام بمهمتها الرئيسية ألا و هي التشريع، لذلك تحرص معظم التشريعات و منها الدستور الموريتانى على وضع الضوابط و القيود التى تحد من هذه الألية، حتى لا تتجاوز الغرض المحدد لها أصلا.

– أن الأوامر التفويضية من حيث طبيعتها القانونية، تعد قرارات إدارية قابلة للطعن بالإلغاء امام القضاء الإدارى، إلا أنها بعد مصادقة البرلمان عليها تتحول إلى قوانين عادية، لتصبح محصنة ضد الطعن بالإلغاء.

و بهذا فإن تقنية التفويض التشريعى قد أدت إلى تراجع الدور التشريعى للبرلمان، و قلب مفهوم الوظيفة التشريعية بعد أن كانت حكرا على البرلمان وحده، حيث أصبحت تقاسمه السلطة التنفيذية هذا الدور، بل إختل التوازن لصالح هذه الأخيرة.    

      قائمة المراجع:

أولا: المراجع باللغة العربية

الكتب

احمد سلامة بدر ، الإختصاص التشريعي لرئيس الدولة في النظام البرلماني( دراسة مقارنة ) ، دار النهضة العربية ، القاهرة ، 2003.

سامي جمال الدين ، لوائح الضرورة وضمانة الرقابة القضائية عليها ، منشئة المعارف ، الاسكندرية ، 2003.

سليمان الطماوى، النظرية العامة للقرارات الإدارية، دار الفكر العربى، 1984.

سيدى محمد ولد سيد أب، الوظيفة التشريعية في دول المغرب العربى، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية و التنمية.

طعيمه الجرف، مبدأ المشروعية و ضوابط خضوع الإدارة العامة للقانون، الإسكندرية، دار النهضة العربية، 1976.

فتحي فكري ، وجيز القانون البرلماني في مصر (دراسة تحليلية ) ، القاهرة ، 2004.

عاطف عبدالله المكاوي، التفويض الإداري، مؤسسة طيبة للنشر و التوزيع، الطبعة الأولى، القاهرة، 2015.

عقيلة خرباشي، العلاقة الوظيفية بين الحكومة والبرلمان، دار الخلدونية للنشر والتوزيع، الجزائر، 2007.

على عبد الله جاسم العرادى، تفويض الإختصاص التشريعى(دراسة تحليلية في الدستور البحرينى و الدساتير المقارنة)، معهد البحرين للتنمية السياسية، الطبعة الأولى، 2019.

عمر حلمى فهمى، الوظيفة التشريعية لرئيس الدولة فى النظامين الرئاسى و البرلمانى(دراسة مقارنة)، الطبعة الأولى، 1980، دار الفكر العربى.

ب- الرسائل و الأطروحات:

سعيدى فرحات،التشريع المفوض والمنافس في الجزاىًرمنذ 1963، مذكرة لنيل شهادة الماجستير في القانون ،جامعة الجزاىًر،كلية الحقوق.

سيدي محمد ولد سيد اب، السلطات العامة والعلاقة بينها في النظام الدستوري الموريتاني سنة 1991 (دراسة مقارنة )، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون العام، كلية الحقوق، الرباط 1993.

ميمونة سعاد، الأوامر الصادرة عن رئيس الجمهورية ورقابتها في ظل الدستور الجزائرى، رسالة دكتوراه في القانون العام، كلية الحقوق و العلوم السياسية، جامعة أبوبكر بلقايد، 2016.

ج- المقالات:

أحمد بومدين، الطبيعة القانونية للأوامر التشريعية و الرقابة القضائية عليها، المجلة الجزائرية للعلوم القانونية  و الإقتصادية و السياسية، كلية الحقوق و العلوم السياسية، جامعة الدكتور مولاي الطاهر سعيدة،

بشار جاهم عجمى، ممارسة الوظيفة التشريعية من قبل السلطة التنفيذية، مجلة الكلية الإسلامية الجامعة، النجف الأشرف، العدد 40، المجلد 2.

حجاج عثمان ، بوحنية قوي ، التشريع بالأوامر والمراسيم في غياب البرلمان ( في ظل التعديل الدستوري لسنة 2016 الجزائري ودستور 2014 التونسي ) ، مجلة دفاتر السياسة والقانون ، العدد 19 ، 2018.

محمد ولد خباز ، البرلمان الموريتاني ماله وما عليه ، المجلة الموريتانية للقانون والاقتصاد ، العدد 9 ، 1993.

نادية ضريفى، التشريع بأوامر بين ضمان الإستمرارية و هيمنة رئيس الجمهورية، مجلة الحقوق و العلوم الإنسانية، المجلد الثالث عشر، العدد 3، أكتوبر 2020.

ثانيا: المراجع باللغة الفرنسية

Andre Haurio, jean et patrice gelard droit constitionnel et institutions politiques 6eme édition, montchrecien, 1975.

Charles Debbasch. Institutions et droit administratif. Thémis. 1992.

G.Burdeau et autres , manuel de droit constitutionnel , édition, L.G.D.J , paris , 1993.

Lavroff Dimitri Georges , le droit constitutionnel de la Vème république ,3éme édition , recueil dalloz, 1999.


([1]) نادية ضريفى، التشريع بأوامر بين ضمان الإستمرارية و هيمنة رئيس الجمهورية، مجلة الحقوق و العلوم الإنسانية، المجلد الثالث عشر، العدد 3، أكتوبر 2020، ص: 27.

([2]) أ.د. سيدى محمد ولد سيد أب، الوظيفة التشريعية في دول المغرب العربى، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية و التنمية، ص:9 .

([3]) ميمونة سعاد، الأوامر الصادرة عن رئيس الجمهورية ورقابتها في ظل الدستور الجزائرى، رسالة دكتوراه في القانون العام، كلية الحقوق و العلوم السياسية، جامعة أبوبكر بلقايد، 2016، ص: 15.

([4]) على عبد الله جاسم العرادى، تفويض الإختصاص التشريعى(دراسة تحليلية في الدستور البحرينى و الدساتير المقارنة)، معهد البحرين للتنمية السياسية، الطبعة الأولى، 2019، ص: 14 .

([5]) د.محمد سليمان الطماوى، النظرية العامة للقرارات الإدارية، دار الفكر العربى 1984، ص: 560 .

([6]) على عبد الله جاسم، مرجع سابق، ص:20 .

([7]) عاطف عبدالله المكاوي، التفويض الإداري، مؤسسة طيبة للنشر و التوزيع، الطبعة الأولى، القاهرة، 2015، ص: 10.    

([8]) أ.د.سيدى محمد ولد سيد أب، الوظيفة التشريعية للحكومة في الأنظمة الدستورية المغاربية، الطبعة الأولى 2015، ص:7.

([9]) نفس المؤلف و نفس المرجع، ص: 7.

([10]) بشار جاهم عجمى، ممارسة الوظيفة التشريعية من قبل السلطة التنفيذية، مجلة الكلية الإسلامية الجامعة، النجف الأشرف، العدد 40، المجلد 2، ص: 259.

([11]) أ.أحمد بومدين، الطبيعة القانونية للأوامر التشريعية و الرقابة القضائية عليها، المجلة الجزائرية للعلوم القانونية  و الإقتصادية و السياسية، كلية الحقوق و العلوم السياسية، جامعة الدكتور مولاي الطاهر سعيدة، 2022، ص:55.

([12]) عمر حلمى فهمى، الوظيفة التشريعية لرئيس الدولة فى النظامين الرئاسى و البرلمانى(دراسة مقارنة، الطبعة الأولى، 1980، دار الفكر العربى، ص:149.

([13]) طعيمه الجرف، مبدأ المشروعية و ضوابط خضوع الإدارة العامة للقانون، الإسكندرية، دار النهضة العربية، 1976، ص:167.

([14]) أحمد بومدين، مرجع سابق، ص:56.

([15]) عمر حلمى فهمى، مرجع سابق، ص: 20 .

([16]) نفس المؤلف، نفس المرجع، ص: 251 .

([17]) نفس المؤلف، نفس المرجع،  ص: 254.

([18]) طعيمة الجرف، مرجع سابق، ص: 170.

([19]) تنص المادة 38 من الدستور الفرنسي لسنة 1958 على ما يلي : (يجوز للحكومة –ولتنفيذ برنامجها- أن تطلب من البرلمان أن  يأذن لها لمدة محددة بإصدار أوامر بإجراءات تدخل عادة في نطاق القانون..

وتصدر هذه الأوامر في مجلس الوزراء بعد أخذ رأي مجلس الدولة.

وتكون نافذة المفعول من تاريخ نشرها على أنها تصبح لا غية إذا لم يعرض مشروع القانون الخاص بإقرارها على البرلمان قبل نهاية المدة المحددة في قانون التفويض.

وبعد انتهاء المدة المذكورة في الفقرة الأولى من هذه الأخيرة لا يجوز تعديل الأوامر إلا بقانون، وذلك في المواد التي تدخل في النطاق التشريعي).

([20]) د/ سيدى محمد ولد سيد أب، الوظيفة التشريعية للحكومة…، مرجع سابق، ص: 16.

([21]) د/سيدى محمد ولد سيد أب، نفس المرجع، ص: 17.

([22])منع المشرع الموريتانى على البرلمانيين القيام بأي مقترحات أو تعديلات تنافى تفويضا بمقتضى المادة 60 من الدستور، أنظر المادة 62 من الدستور الحالى.

([23])Charles Debbasch. Institutions et droit administratif. Thémis. 1992. P 118.

([24]) د/سيدى محمد ولد سيد أب، مرجع سابق، ص: 15.

([25]) سعيدى فرحات، التشريع المفوض والمنافس في الجزائر منذ 1963، مذكرة لنيل شهادةالماجستير في القانون، جامعة الجزائر، كلية الحقوق، ص 102.

([26]) د.سيدى محمد ولد سيد اب، الوظيفة التشريعية للحكومة…. مرجع سابق ص 21.

[27] Andre haurio, jean et patrice gelard droit constitionnel et institutions politiques 6eme edition montchrecien, 1975, p129.

([28]) د/ سيدي محمد ولد سيد اب، السلطات العامة والعلاقة بينها في النظام الدستوري الموريتاني سنة 1991 (دراسة مقارنة )، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون العام، كلية الحقوق، الرباط 1993، ص 274.

([29]) فتحي فكري، وجيز القانون البرلماني في مصر (دراسة تحليلية )، القاهرة، 2004، ص: 428.

([30]) سامي جمال الدين ، لوائح الضرورة وضمانة الرقابة القضائية عليها ، منشئة المعارف ، الاسكندرية ، 2003 ، ص : 89.

([31]) د.سيدي محمد ولد سيد اب ، الوظيفة التشريعية للحكومة …. ، مرجع سابق ، ص : 25.

([32]) انظر محمد ولد خباز ، البرلمان الموريتاني ماله وما عليه ، المجلة الموريتانية للقانون والاقتصاد ، العدد 9 ، 1993، ص:15.

([33]) د/سيدي محمد ولد سيد اب ، نفس المرجع السابق ، ص : 25.

([34]) عقيلة خرباشي ، العلاقة الوظيفية بين الحكومة والبرلمان ، دار الخلدونية للنشر والتوزيع ، الجزائر ، 2007 ، ص: 57.

([35]) تنص المادة 59 من الدستور الموريتاني لسنة 1991 على مايلي : ( المواد الخارجة عن مجال القانون من اختصاص السلطة التنفيذية،

يمكن ان يدخل مرسوم تعديلا على النصوص ذات الطبيعة التشريعية التي اتخذت بشأن هذه المواضيع شرط ان يعلن المجلس الدستوري ان النصوص تكتسي طابعا تنظيميا طبقا لمقتضيات الفقرة السابقة ) . 

([36]) د/ سيدي محمد ولد سيد اب ، الوظيفة التشريعية في دول المغرب العربي ، مرجع سابق ، ص : 379 .

([37])Lavroff Dimitri Georges , le droit constitutionnel de la Veme republique ,3eme edition , recueil dalloz , 1999 , p749.

([38]) حجاج عثمان ، أ.د / بوحنية قوي ، التشريع بالاوامر والمراسيم في غياب البرلمان ( في ظل التعديل الدستوري لسنة 2016 الجزائري ودستور 2014 التونسي ) ، مجلة دفاتر السياسة والقانون ، العدد 19 ، 2018 ، ص: 43.

([ 39])G.Burdeau et autres , manuel de droit constitutionnel , edition , L.G.D.J , paris , 1993, p23.

([40]) حجاج عثمان ، أ.د / بوحنية قوي ، مرجع سابق ، ص : 43 .

([41]) احمد سلامة بدر، الاختصاص التشريعي لرئيس الدولة في النظام البرلماني ( دراسة مقارنة )، دار النهضة العربية، القاهرة  ، 2003، ص: 267 .

([42]) د/سيدي محمد ولد سيد اب ، الوظيفة التشريعية … ، مرجع سابق ، ص : 380 .

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
https://hilltopads.com/?ref=356389
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading