فاتن دويرية
طالبة باحثة في سلك الدكتوراه
كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية – طنجة
جامعة عبد المالك السعدي
مقدمة:
إن الإصلاح هو إحداث تغيرات مستمرة في هيكل تنظيم الدولة، والإدارة بذلك جزء من الدولة، وإصلاح الإدارة جزء من عمليات التغيير التي تشمل كافة هياكل التنظيم إلى جانب مجالات أخرى يشملها التغيير كالاقتصادي، الاجتماعي والسياسي والفكري. فالإصلاح الإداري يجب أن ينبني على مبدأ التجربة والخطأ وتغيير النظرة بين الصواب والخطأ نحو التنظيم الإداري من فترة لأخرى. الإدارة بدورها، معرضة لنجاح بعض التجارب وفشل أخرى وتبني بعض الأساليب الحديثة مقابل تقادم أخرى، واعتماد ممارسة بعض الأساليب وتغييرها لعدم مسايرتها للطموحات والاستطلاعات.لدا فإن مبررات ودوافع الإصلاح الإداري ليست مجرد مسايرة للتحديث بل أصبحت ضرورة قصوى، قد تكون لها نتائج عكسية وسلبية إذا لم يتم اللجوء للإصلاح كلما أبانت الأساليب المتبعة عن قصورها . ويمكن القول بأن دوافع الإصلاح تكون داخلية أو خارجية أي بفعل دوافع نابعة من الإدارة نفسها، أو لدوافع دولية مرتبطة أساسا بالالتزامات الدولية للدولة.
لقد اعتمد المغرب نهج حقوق الإنسان[1] كخيار استراتجي من خلال إطلاق اوراش الإصلاح الحقوقي والنهوض بثقافة حقوق الإنسان والمواطنة المسئولة كقاعدة مركزية للإصلاح المجتمعي الذي انخرط فيه بقوة على كافة الأصعدة، مجسدا بجلاء تشبثه وإيمانه الراسخ بحرية وكرامة الإنسان وحقه في الحياة الكريمة.المنصوص عليها صراحة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948. فقضية حقوق الإنسان مثلت و ما تزال تمثل خيارا استراتجيا بالنسبة للمغرب الذي لم يتبن فقط فلسفة ومبادئ حقوق الإنسان، ولكنه أصبح في طليعة البلدان التي تسهر على تطبيقها ومبادئ الديمقراطية وفي هذا السياق، اعتمدت المملكة إطارا مرجعيا يجعل هذه الحقوق منظومة تتسم بالكونية والتكاملية والترابط حيث تتضمن، إلى جانب الحقوق السياسية والمدنية، الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، ضمانا للتعددية والحق في الاختلاف، في منظور استشرافي لتدبير الفضاءات الوطنية على أساس الحكامة الجيدة وفي إطار الجهوية المتقدمة، وذلك في سبيل تحقيق الهدف الاستراتيجي المتمثل في الكرامة والعدالة للجميع وفق مقاربة شاملة تشاركيه العمل قائمة على إتاحة إمكانية تقييم حاجيات البلاد في مجال حقوق الإنسان، وتقوية مؤهلات الإدارة العمومية وترسيخ الحكامة الجيدة، إضافة إلى تحسيس الحكومة والمواطنين وتعبئتهم في اتجاه ترسيخ حقوق الإنسان والديمقراطية، وتقوية المؤسسات الوطنية. ولقد شملت الخطة الإصلاحية الإدارة باعتبارها جهازا أساسيا لتنمية الدولة وخدمة المواطنين وضمانة من ضمانات تمتع المواطنين بحقوقهم الأساسية فتحسين علاقة الإدارة بالمواطن الإنسان تفرضه الثقافات الجديدة لحقوق الإنسان أد أصبح ألان حق المواطن في الإعلام و الحصول على المعلومة و الوثائق الإدارية إلى جانب تعليل القرارات الإدارية من بين الحقوق التي تندرج في إطار الجيل الثالث لحقوق الإنسان . إلا آن ما يسجل من انعدام التوازن والتوافق في أجهزة الدولة مثلا ; أو في بعض المنشآت متمثلا بوجود التفاوت في دخول الموظفين وضعف بعض القيادات الإدارية وعدم نزاهتها وسوء اختيار العاملين واختيار السلطات والمسؤوليات وتوزيعها بشكل عشوائي وعدم وضوح التعليمات وسوء تقويم أداء الأفراد الى جانب ضعف الرقابة والتدقيق الداخلي سواء كان على صعيد المنشآت الصغيرة أو على صعيد الدوائر الحكومية; الشيء الذي أكده صاحب الجلالة وبشكل صريح في خطابه بمناسبة المسيرة الخضراء لسنة 2017 حيث ركز وأشاد على ضرورة إعمال إصلاح إداري شامل –كل مكونات الإدارة- وفعال . انه و للإعمال إصلاح جوهري للإدارة سوية واضحة الأهداف[2] , متوازنة الأركان وجب خلق ترابط بين مكوناتها الأساسية أي العنصر الإنساني المكون من الموظف والمترفق – فالمواطن هو المدخل إلى الإصلاح الإداري نقطة الانطلاق ونقطة الوصول- على أسس إنسانية وخلق تكافؤ و توازن بين الحقوق و الواجبات وجعل مصلحة الفرد الإنسان كيفما كان هي الفضلى لأنه لا يعقل أن نؤصل للمطلب المادي و القانوني مع إغفال الملح وهو الإنساني فالموظف كما المترفق يجب أن يتمتع بالقيم الأخلاقية الإنسانية وفق معاير كالحياد و النزاهة و أن تعزز لديه الإرادة من اجل خدمة أخيه الإنسان وفق قيم التسامح و التعايش والكل من اجل الهدف الواحد و الأسمى ألا وهو ضمان المصلحة الفضلى أولا للفرد المجتمع تم الدولة .
هدا التقديم يجعلنا أمام إشكالية مركزية تتمثل في:
ماهية إمكانية إعمال فرع توعوي بحقوق الإنسان داخل الإدارة كممارسة إصلاحية هادفة وكضمانة تعزيزيه ومدى تأثيرها على الفرد الإنسان الموظف و المترفق من جهة وعلى مرد ودية الإدارة كجهاز من جهة أخرى؟
هده الإشكالية المركزية تتفرع عنها عدة تساؤلات فرعية ندرجها كالتالي :
- مادا نقصد بالعملية الإصلاحية دوافعها و مبرراتها؟
- ماهية علاقة الإدارة و حقوق الإنسان؟
- ما هي ضمانات حماية حقوق الإنسان داخل الإدارة العمومية؟
- ماهي ميكانيزمات انسنة الإدارة العمومية كآلية إصلاحية؟
هده الأسئلة و أخرى سنحاول الإجابة عنها من خلال تحليلنا لهدا الموضوع باعتماد المنهجين الوصفي و التحليلي ووفقا للتقسيم التالي:
المبحث الأول: المقاربة الإصلاحية من منظور الآلية الدولية والمبادرة الوطنية .
المبحث الثاني: تعزيز الممارسة الإصلاحية من خلال انسنة التدابير الإدارية.
المبحث الأول: المقاربة الإصلاحية من منظور الآلية الدولية والمبادرة الوطنية
إن انخراط المغرب في المنظومة الدولية لحقوق الإنسان حيث صادق على جل المعاهدات المتعلقة بحقوق الإنسان حيث أصبح ملزما بموجبها بملائمة تشريعاته و سياساته العمومية وسبل تنزيلها مع ما يتفق و واجباته أمام المنتظم الدولي. فالسياسة العمومية بدالك تعد الجانب المرئي لوجود الدولة حيث أن معطى الدولة التجريدي يظهر إلى الوجود المادي عندما يتبلور في إطار سياسة عمومية تمتد إلى كل أفراد المجتمع دون إعمال معايير الخصوصية. دالك أن ارتقاء سياسة حقوق الإنسان إلى مستوى سياسة عمومية [3]يعني تموضعها كإحدى مخرجات أو استجابات النظام السياسي للالتزامات الدولية. فالإصلاح الإداري حتمية وضرورة تفرضها عوامل داخلية نابعة من الإرادة المجتمعية, و خارجية مرتبطة بالانخراط في المنظومة الدولية, فماهي إذن مبررات وتجليات هذا الإصلاح وعلاقتها بتعزيز حقوق الإنسان؟
لأجل دالك خصصنا (المطلب الأول) لتدارس ميكانزمات العملية الإصلاحية من خلال معيار القانون الدولي لحقوق الإنسان لنقوم بعد دالك في (مطلب ثاني) بإسقاط المبادئ الكونية الموجهة لتعزيز الإدارة العامة على التجربة المغربية من خلال مؤشر الملائمة التشريعية .
المطلب الأول: ميكانيزمات العملية الإصلاحية من خلال الآلية الدولية
تتولى الدول مسؤولية تقديم أنواع مختلفة من الخدمات إلى سكانها، بما في ذلك خدمات التعليم ٬الصحة والرعاية الاجتماعية…الخ. ويُعدّ تقديم تلك الخدمات أساسياً لحماية حقوق الإنسان، كالحق في المسكن والصحة والتعليم والغذاء.[4] ويكون دور القطاع العام بوصفه مقدماً للخدمات أو منظماً لعملية توفير الخدمات من قبل القطاع الخاص حاسماً لإعمال جميع حقوق الإنسان، وبصفة خاصة الحقوق الاجتماعية والاقتصادية. حيث ترتكز بعض الخدمات، مثل خدمات الشرطة أو إقامة العدل، تركيزاً مباشراً على حماية الحريات الفردية بينما تكتسي خدمات أخرى، مثل التعليم والصحة والغذاء، طابعاً اجتماعياً ملحوظاً يُعدّ أساسياً لبناء رأس المال البشري الضروري للتنمية المستدامة وإعمال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. ومنه فان النهج القائم على حقوق الإنسان إزاء الخدمات العامة يشكل جزءاً لا يتجزأ من حيث تصميم جميع عمليات تقديم الخدمة العامة وتوفيرها وتنفيذها ورصدها. فأولاً، يقدم الإطار المعياري لحقوق الإنسان مقياساً قانونياً هاماً لقياس كيفية تصميم الخدمة العامة وتقديمها بشكل جيد ومدى وصول المنافع إلى أصحاب الحقوق كما يؤدي إلى تمكين أصحاب الحقوق ويقتضي أن تتصرف الدول، بوصفها صاحبة المسؤولية، وفقاً لالتزاماتها المتعلقة بحقوق الإنسان. وثانياً، يمكن أن تسهم مبادئ حقوق الإنسان في توجيه الخدمة العامة وتحسينها بحيث تكمل أنظمة القيم القائمة، مثل روح الخدمة العامة وغير ذلك من مبادئ الحكم الرشيد، كالكفاءة والمقدرة والنزاهة. ويؤدي هذا النهج أيضاً إلى تحسين نتائج الخدمة العامة ونوعية هذه الخدمة. وثالثاً، ينبغي لمقدمي الخدمة العامة ألا يقللوا من شأن التكاليف المالية أو التكاليف المتعلقة بالسمعة الناتجة عن انتهاك حقوق الإنسان وما ينجم عن ذلك من فقدان ثقة الجمهور وانخفاض الروح المعنوية وضعف صورة تلك الخدمات في نظر الجمهور. ورابعاً، يوفر النهج القائم على حقوق الإنسان أيضاً حماية من التمييز ويختبر ما إذا كانت أنظمة الخدمة العامة تحمي حقوق الأشخاص الضعفاء أو المهمشين أو الأشخاص الذين يصطدم حصولهم على الخدمة العامة بعائق الفقر أو الإعاقة أو غير ذلك من أشكال الاستبعاد. وغالباً ما تعالج السلطات العامة شكاوى لها انعكاسات على حقوق الإنسان في طائفة واسعة من الخدمات العامة، غير أن ما ينقصها هو الوعي بهذه الانعكاسات ومراعاتها. ويمكن أن يُستخدم النهج القائم على حقوق الإنسان على نطاق أوسع بحيث يسترشد به المسئولون الحكوميون وأخصائيو التنمية في صنع قراراتهم، وهو ما يمكنهم من اتخاذ قرارات تتوافق مع الالتزامات الدولية للدولة في مجال حقوق الإنسان.
تطبيق مبادئ حقوق الإنسان على الخدمة العامة :
يستلزم الأخذ بنهج قائم على حقوق الإنسان تطبيق المبادئ الرئيسية لحقوق الإنسان في عملية صنع القرارات المتعلقة بالخدمة العامة وفي جميع مجالات تلك الخدمة.وعلى النحو المشار إليه في تعريف المفاهيم والمصطلحات الأساسية في مجالي الحكومة والإدارة العامة تستتبع المساءلة؛ تحميل المسئولين المنتخبين أو المعينين الذين تُسند إليهم مهام عامة المسؤولية عن الإجراءات أو الأنشطة أو القرارات الصادرة عنهم وإخضاعهم للمساءلة بشأنها. وتكتسي المساءلة الاجتماعية أهمية خاصة في ميدان الخدمات العامة فقد أشارت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان ومركز الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، في تقرير صدر مؤخراً، إلى أن “المساءلة الاجتماعية” تستخدم للإشارة إلى مجموعة واسعة من الأنشطة التي يعمل فيها الأفراد ومنظمات المجتمع المدني بشكل مباشر أو غير مباشر على تعبئة الطلب على المساءلة … وهم كثيراً ما يستخدمون تقنيات قائمة على المشاركة لجمع البيانات وممارسة الضغوط من أجل إتاحة إمكانية الحصول بصورة شفافة على المعلومات اللازمة لتقييم الميزانيات ورصد الإنفاق العام وتقديم الخدمات العامة وتوفير بطاقات تقييم خاصة بالمواطنين والمجتمعات المحلية وإدارة عمليات تدقيق الأداء الاجتماعي، وما إلى ذلك. واتسم عمل منظمات المجتمع المدني والحركات الاجتماعية [5]التي استعانت بتكنولوجيات المعلومات والاتصالات بالإبداع في مجال ابتكار تقنيات جديدة للمساءلة الاجتماعية. وهذه تشمل رسم خرائط للمجتمعات المحلية عن طريق حشد المصادر أو استخدام الأنظمة العالمية لتحديد المواقع من أجل عرض المعلومات المتعلقة بتقديم الخدمات وتحليلها”. وتمثل مشاركة المواطنين عنصراً رئيسياً من عناصر المساءلة الاجتماعية ومن شأنها أن تؤدي إلى تمكين المواطنين وإعلاء أصوات الفئات الأشد ضعفاً. ويؤكد تقرير الدورة الثانية عشرة للجنة الخبراء المعنية بالإدارة العامة عدة مسائل لها أهميتها بالنسبة إلى مشاركة المواطنين، بما في ذلك ثقافة الخدمة العامة وضرورة تعزيز أعلى المعايير في مجال الخدمة العامة.[6]
ويرتبط بالمساءلة أيضاً وجود سبل انتصاف فعالة ويمكن الوصول إليها فيما يتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان ٬حيث يمكن أن تشمل السبل التي يمكن للأفراد من خلالها تقديم الشكاوى، المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان وإجراءات الطعون الداخلية في الخدمة العامة والإجراءات القانونية عن طريق المحاكم الوطنية. فيتعين منح الهيئات ذات الصلة الصلاحية اللازمة للأمر بالجبر وفرض إنفاذ قراراتها، وينبغي أن تتسم القرارات بالشفافية وأن تعمم على نطاق واسع بالنظر إلى أن الجهل بهذه الإجراءات يمكن أن يعوق الإعمال الفعال لحقوق الإنسان ويحول دون منع التجاوزات. من جهة أخرى يؤدي فعل الكشف عن المخالفات أيضاً دوراً هاماً في ضمان المساءلة على انتهاكات حقوق الإنسان وإذا لم توفر الحماية بموجب القانون للأشخاص الذين يكشفون عن السلوك غير القانوني أو سوء السلوك في إدارة الخدمة العامة فسيقل احتمال الكشف عن معلومات قد تنطوي على أهمية كبيرة للجمهور. وينبغي أن تتضمن الأحكام المتعلقة بالكشف عن المخالفات وجود آليات للإبلاغ وتوفير الحماية القانونية للأشخاص الذين يكشفون عن المخالفات. وتضمن الشفافية إمكانية الحصول في الوقت المناسب ودون عائق على معلومات موثوقة عن القرارات والأداء.
وقد أكدت عدة آليات للأمم المتحدة ضرورة توخي الشفافية في عمل المسئولين عن جملة مهام منها إدارة مدفوعات المساعدة الاجتماعية والصناعات الاستخراجية وقطاعي الأمن والعدالة الجنائية، وكذلك فيما يتعلق بخصخصة الخدمات أو التعاقد الخارجي على تقديمها. فخلال الدورة الثانية عشرة التي عقدتها مؤخراً لجنة الخبراء المعنية بالإدارة العامة “جرى التأكيد على ما للحق في الحصول على المعلومات من دور في تعزيز الشفافية حيث اكد على انه يجب على الحكومات ألا تكتفي بالاعتراف بالحق في الحصول على المعلومات، بل ينبغي أن تقوم أيضاً بالإفصاح عن المعلومات على نحو استباقي وأن تلغي شروط إثبات احتياجها مسبقاً… ويجب أن تكون السلطة القضائية قادرة على إنفاذ هذه الحقوق و/أو يمكن تكليف المؤسسات المسئولة بضمان التنفيذ. وقد أشار المقرر الخاص المعني بتعزيز وحماية الحق في حرية الرأي والتعبير، في تقريره الصادر في عام 2013، إلى أن “الحق في الحصول على المعلومات واحد من المكونات المحورية التي تشكل الحق في حرية الرأي والتعبير، حسب ما قرره الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (المادة 19)، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (المادة 19(2))، ومعاهدات حقوق الإنسان الإقليمية” (A/68/362، الفقرة 2). ويذكر المقرر الخاص أيضاً بعض المبادئ الأساسية البالغة الأهمية لضمان الحق في الحصول على المعلومات، بما في ذلك الكشف عن أقصى قدر من المعلومات، والالتزام بنشر المعلومات، وتشجيع الحكومة على الانفتاح، وتطبيق نطاق الاستثناءات، وعمليات تيسير إمكانية الحصول على المعلومات، والتكاليف المحدودة، وانفتاح الاجتماعات ومنح للكشف عن المعلومات الأسبقية على القوانين التي تتنافى مع الحق في الحصول على المعلومات (A/68/362، الفقرة 76). وإن مبدأي عدم التمييز والمشاركة يدعمان موضوع المساواة الثابت في القانون الدولي لحقوق الإنسان؛ ويعني عدم التمييز ألا يتعرض أي فرد أو مجموعة لمعاملة سلبية على أساس العرق أو الدين أو الإثنية أو الميل الجنسي أو أي سمة مميزة أخرى. فعلى سبيل المثال فان تحديد معايير لأغراض التوظيف، تشترط أن يكون مقدمو الطلبات قد حققوا بعض الإنجازات الأكاديمية هو أمر لا يشكل تمييزاً لأن الغاية منه هي الحفاظ على مستوى عال من المهنية في تقديم الخدمات. وإضافة إلى ذلك، لا تعتبر التدابير الخاصة المؤقتة، كتطبيق نظام الحصص في مجال توظيف النساء أو ذوي الإعاقة، تمييزية ما دامت تتخذ في حدود معقولة وغير دائمة. وتستتبع مشاركة الأفراد أو المجموعات التي تمثل الأفراد اتخاذ القرارات على نحو مشترك وتحكّم متلقي الخدمات العامة بزمام الأمور٬ يتضح ذلك في المادة 25 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والمادة 3 من إعلان الحق في التنمية التي تشدّد على إتاحة فرصة المشاركة النشطة والحرة والهادفة لكل فرد، ويشمل ذلك بالتالي المشاركة في تقديم الخدمة العامة واتخاذ القرارات في هذا الشأن. ويمكن أن تشمل العوائق التي تعترض المشاركة الفعالة الحواجز اللغوية، البعد الجغرافي للمجتمعات المحلية، الفقر وعدم الحصول على الخدمات الأساسية، فضلاً عن عدم كفاءة الإدارة العامة، والفساد. فقد يؤدي تعزيز مبادئ حقوق الإنسان والحكم الرشيد في سياق الخدمات العامة، أن تكون تكنولوجيات المعلومات والاتصالات أداة فعالة لزيادة تعزيز المشاركة.[7] وعلى النحو الذي أشارت إليه لجنة الخبراء المعنية بالإدارة العامة في دورتها الثانية عشرة، “لا سبيل لإنكار أن وجود إطار معزز بتكنولوجيات المعلومات والاتصالات هو أمر ضروري للإدارة العامة، ولاسيما من أجل تقديم الخدمات إدارة الخدمات العامة صلة بالغة الأهمية بين أصحاب المسؤولية وأصحاب الحقوق. وتعتبر مؤسسات تقديم الخدمات، كالمستشفيات والمدارس وموردي خدمات الهياكل الأساسية وغيرها من المرافق، مثل الطاقة والمياه والصرف الصحي، أساسية لإعمال حقوق الإنسان فتؤثر كيفية تصور تلك الخدمات وتقديمها بالفعل تأثيراً كبيراً على طريقة تقييم حالة الحكومة داخل الدولة. وعندما تكون الخدمة العامة في حالة تدهور وتعاني من نقص الموظفين والبنى التحتية الأساسية وتواجه صعوبة في تقديم خدمات أساسية وتتسم بسوء الإدارة من حيث الموارد المالية وموارد أخرى، أو عندما يتعرض الأشخاص للفساد ولانعدام الكفاءة، فان دالك يسفر عن فقدان الثقة بجميع جوانب الحكم الأخرى. ولذلك ينبغي مواصلة الجهود لإدراج مبادئ حقوق الإنسان ومعاييرها في الخدمة العامة وفي مجال الحكومة بوجه أعم. كما ينبغي تعزيز وترسيخ هذه المبادئ والمعايير في الخدمة العامة الوطنية عن طريق برامج التعليم وبناء القدرات التي تكون إلزامية لجميع مقدمي الخدمات العامة أو القائمين على إدارتها. وتشمل التدابير العملية التي يمكن اعتمادها لمواصلة الأخذ بنهج قائم على حقوق الإنسان إزاء الخدمة العامة ما يلي: إدراج اعتبارات حقوق الإنسان في عملية تعيين الموظفين؛ وتوفير التدريب والتوجيه في مجال حقوق الإنسان لجميع الموظفين؛ وإدراج حقوق الإنسان في مدونات قواعد السلوك والممارسة؛ وضع نُهُج تتسم بالشفافية وسرعة الاستجابة والشمولية والتشارك إزاء الخدمة العامة؛ تقديم حوافز للإنجازات في مجالي حقوق الإنسان والخدمات العامة؛ إدراج وتطبيق معايير حقوق الإنسان في جميع الخدمات جنباً إلى جنب مع الآثار القانونية والمالية؛ إنشاء آليات تظلم مناسبة وسبل انتصاف فعالة؛ وأخيرا العمل بصورة منهجية على قياس تأثيرات تقديم الخدمات في حقوق الإنسان المكفولة دولياً.
المطلب الثاني: مرتكزات العملية الإصلاحية من خلال الملائمة التشريعية
على مستوى مبادئ حقوق الإنسان; يعد مبدأ المساواة أساس تنظيم المرافق العامة سواء المحلية أو الوطنية.وإذا كان هذا المبدأ يعتبر من الأسس التقليدية التي يقوم عليها المرفق العام،فانه يعد احد مرتكزات دولة الحق و القانون على نطاق واسع،ونظرا لأهميته فقد جعله المشرع مبدأ دستوري يحكم المرافق العامة المحلية حيث أكد عليه الفصل 154 من دستور 2011 “يتم تنظيم المرافق العامة على أساس المساواة بين المواطنات و المواطنين في الولوج إليها،و الإنصاف في تغطية التراب الوطني،و الاستمرارية في أداء الخدمات” .وعليه فان الدستور الجديد يشكل محطة أساسية في التدبير المحلي،ذلك أن المشرع حاول من خلاله وضع مقاربة تدبيرية محضة تسعى إلى تحديث الدور البنيوي و الوظيفي للمرفق العام و جعله أساس تحقيق التنمية الترابية.
يقضي مبدأ المساواة بمساواة الجميع أمام الخدمات التي يقدمها المرفق العام المحلي وفق الشروط التي يحددها.فالمرفق العام احدث لإشباع حاجة جماعية لا يستطيع النشاط الفردي إشباعها على الوجه الأكمل،فهو يهدف لتحقيق صالح المجموع بغير استثناء و دون تمييز بسبب الأصل أو اللغة أو الدين أو الانتماء السياسي أو الجنس. ولهذا فمن الطبيعي أن يتساوى الجميع في الانتفاع من خدماته كل من يتوفر على الشروط القانونية التي يحددها المرفق العام و تطبيقا لهذا المبدأ الذي أصبح قانونا للضمير الإنساني[8] تنص عليه إعلانات حقوق الإنسان العالمية،و مبدأ من المبادئ القانونية العامة التي يفرض الاجتهاد القضائي على الإدارة مراعاتها.
إن تطبيق مبدأ المساواة يفرض على المرفق العام أن يكون محايدا،دون الانحياز لطرف ما.الأمر الذي قد يتعارض مع بعض الشروط التي يفرضها المرفق العام للاستفادة من خدماته،وهي شروط الغاية من فرضها احترام خصائص و أهداف كل مرفق لكن قد يثار مبدأ المساواة حينما يتعلق الأمر بحرية أو بحق الاختلاف.
-في مبدأ المحاسبة و المسؤولية : هي من المعايير التي جعلها الدستور الجديد احد أسس تدبير المرافق العامة،والأصل في المسؤولية هو التدبير الحكومي للشأن العام في إطار ما يصطلح عليه بالمسؤولية السياسية التي تعد آلية لرقابة عمل الحكومة،فالإخلال بواجبها يعرضها للمساءلة و يمكن في حالة تفعيل تقنيات ممارسة المسؤولية السياسية لإسقاط الحكومة إن واجب تقديم الحساب لا ينحصر في واجب الوكيل أو المفوض إزاء موكليه.فالأمر يتعلق بواجب يمارس بطريقة شمولية وواسعة. يتعلق الأمر أولا بالمسؤولية عن التأثير الإرادي أو غير الإرادي المتوقع عن الأعمال و التصرفات،فالوعي بدرجة صعوبة توقع هذه الأعمال هو الذي يشكل أساس مبدأ الاحتراس. لا تعني المسؤولية أن الإنسان يمكن أن يختبئ وراء شعوره بالعجز أو بجهله للأشياء أو وراء واجب الطاعة ثالثا ترتبط المسؤولية بدرجة القدرة و الاستطاعة و المعرفة إذ تشكل السلطة و المعرفة امتيازين يتولد عنهما في المقابل واجبات. و مبدأ المسؤولية يهم جميع ميادين الحكامة لقيامها على بعد أخلاقي و قانوني. و بالتالي فان تفعيل هذا المبدأ لا محالة ستساهم في تفعيل المبادئ الأخرى أي تحقيق مرد ودية وشفافية وبالتالي جودة في الخدمات،ولان الذي يسهر على تدبير المرفق من المفترض أن يعي تماما قدر المسؤولية التي يتحملها وإجراءات المحاسبة و التقييم التي يتعرض لها.
-في ترسيخ مبدأ الشفافية و المشاركة في تدبير المرافق العامة المحلية: يعد مبدأ الشفافية و المشاركة من المبادئ الأساسية التي أصبحت تحكم تدبير المرافق العامة المحلية،وقد تم الارتقاء بها لأول مرة إلى أسس دستورية مما يعني التدشين لمرحلة جديدة لتدبير الشأن العام المحلي و الوطني بشكل عام. فهي احد ركائز التأهيل المؤسساتي،إذ تنشد وضع حد للسمة الانغلاقية التي ظلت تقبع على العمل الجماعي ،والدعوة إلى مقومات التدبير المحلي ألتشاركي القائم على ميكانيزمات الانفتاح،و التواصل و الإسهام الفعلي لمجموع القوى الحية المحلية التي تتصدرهم الساكنة كشريك أساسي لا محيد عنه.[9]
إن هذه المقاربة الجديدة في تدبير المرافق العامة المحلية،تستهدف إزاحة ثقافة الإقصاء و التهميش و احتكار المبادرة في اختيار و صنع القرارات و إعدادها و تنفيذها،ومن ثمة فإنها تؤكد على توسيع دائرة الشراكة و المشاركة و الاندماج بين الدولة و هيئاتها من جهة و بين المجتمع و القطاع الخاص بشكل عام من جهة أخرى.و بذلك فان التدبير الحديث يقوم على أساس الحكامة في تسيير المرافق العامة المحلية،وذلك أمام المطالب المتزايدة للمترفقين على الخدمات الاجتماعية و على جودتها و تناسبينها. ذلك أن الحكامة تعكس مجموعة من العمليات المترابطة التي تعتمد على تقنيات جيدة لتدبير محكم للإمكانيات و الموارد بشكل شفاف،يقوم على تخطيط ناجع و فعال لتحقيق أفضل النتائج المضمنة في الأهداف.
و بالتالي فان المقاربة الجديدة في التدبير المحلي تقتضي إعادة النظر في تنظيم العلاقة القائمة بين المرفق العمومي و المر تفق،وهو التصور الجديد الذي عمل المشرع على تاطيره بنص الدستور الجديد ،في أفق وضع ميثاق للمرافق العمومية يحدد قواعد الحكامة.و بذلك فان تخصيص باب خاص بالحكامة ،يبين عن الإرادة الواضحة للدولة في إعطاء نفس جديد لتدبير الشأن العام الوطني و المحلي يقوم على تحديد علاقة المرتفقين بالمرفق و فق معايير معينة. في نفس السياق تعد الشفافية احد المرتكزات التي يقوم عليها تدبير المرافق العامة،اقرها الدستور الجديد في الفصل 154 [10]كمبادئ عامة تقوم عليها الحكامة.وهي فلسفة اجتماعية سامية هدفها دمقرطة عمل المنظمة داخليا و خارجيا،و ترك الحرية للفرد من اجل التعرف على الحقيقة و مناقشتها،و هي طريقة للسلوك و أسلوب للإعلام و الاتصال يهدف إلى إقامة علاقة مفعمة بالثقة و المحافظة بين المنظمات و الفئات المختلفة من الجماهير الراهن داخل المؤسسة و خارجها التي تتأثر بنشاط تلك المنظمة.
-في مبدأ المشاركة التضامن و التعاضد: يعد من المبادئ الأساسية التي جاء بها الدستور الجديد و التي تحكم تدبير الشأن العام الوطني و المحلي،و التي يقوم عليها بشكل خاص المرفق العام. وقد نص الدستور لأول مرة على مبدأ التضامن و التعاضد و المشاركة للمواطنين في تحقيق التنمية و التنمية المستدامة،فالمر تفق أصبح له دور مهم في تقييم أداء المرافق العامة و هو حق دستوري مضمون،إذ تتلقى المرافق العمومية ملاحظات مرتفقيها و اقتراحاتهم و تظلماتهم وتؤمن تتبعها،وبالتالي دعم أسس الحكامة و الديمقراطية التشاركية.
ولما كان التضامن هو الصفة أو السلوك الذي يجذب الأعضاء المكونين لمشروع بعضهم إلى بعض بتلقائية و حرية متعاضدين و متعاونين لمواجهة ما يلاقونه من مشاكل و عوائق يصعب تخطيها بصفة فردية،فانه يمكن فهمه على انه ترجمة لسياسة إعداد التراب الوطني،التي ليست تقنية فقط وإنما هي سياسة الهدف منها الوصول إلى توزيع متوازن للنشاطات الاقتصادية و الاجتماعية،بحيث ينتفع منها الجميع،مما يكرس شكلا جديد من الديمقراطية الترابية démocratie territoriale والتي ترتكز أساسا على فكرة أن المواطن و المجموعة البشرية التي ينتمي إليها يجب أن يجد في المجال الذي يحيط به إمكانية أن يلبي حاجيات أساسية تسمح له بالعيش المستقر. وتتجلى أهمية مبدأ المشاركة في تسيير المرافق العمومية،لكونه يؤدي إلى زيادة الشفافية داخل هذه المرافق و التي يصبح لزاما عليها لا أن تقتصر على الاستماع لأراء المعنيين بالقرارات التي تصدرها فقط،بل التواصل من اجل تدارس السبل الكفيلة بتحسين العمل الإداري داخل المرافق العامة إن هذه المقاربة التشاركية في تدبير المرفق العام،كشكل من أشكال الحكامة و الديمقراطية جسدها الدستور الجديد،بل وجعلها من المرتكزات الأساسية للتنظيم والتدبير الجهوي و الترابي.
المبحث الثاني: تعزيز الممارسة الإصلاحية من خلال التدابير الإدارية
إن الإدارة عطاء لحق مشروع و خدمة لمن يستحقها وهي كدالك تفعيل لم ابتغاه المشرع و تصريف و إيصال حقوق يجب أن يحاط بالليونة و السلاسة و البساطة في توقيعه و أجال مضبوطة بما تقتضيه قواعد حسن الاستقبال من تقدير للإدارة من جهة و مراعاة لكرامة مرتاديها من جهة أخرى [11].من اجل دالك ارتأينا أن نسلط الضوء في (المطلب الأول) على واقع العملية الإصلاحية من خلال قراءة في التقرير الأخير لمؤسسة الوسيط لنقدم في (مطلب ثاني) حتمية انسنة الإدارة العمومية كتدبير إجراءي إصلاحي ملح للممارسة إدارية فضلى.
المطلب الأول: قراءة في واقع العملية الإصلاحية من خلال تقرير مؤسسة الوسيط لسنة2016
أشارت مؤسسة الوسيط في تقريرها الأخير ل المنشور بالجريدة الرسمية عدد 6608 بتاريخ 28 شتنبر 2017 ٬أنها وبنفس وتيرة السنة الماضية تواردت عليها ومندوباتها مطالب وشكايات و تظلمات. اد عرفت خلال سنة2016 تسجيل ما مجموعه 8281 شكاية حيث بلغ عدد الشكايات و التظلمات نسبة 27.6 أي بمجموع 2286 شكاية وبزيادة في حدود 2.2 مقارنة مع سنة 2015 ٬ أما باقي الشكايات فتمت إحالتها على الجهات المختصة للبث فيها. فحسب تصنيف الشكايات و التظلمات في التقرير خلال هده السنة ؛فجل الشكايات توزع حسب الصفة أو طبيعة اصحباها بين أشخاص ذاتيين وأشخاص اعتباريين ومجموعات أشخاص . وقد تبين أن الفئة الأكثر تمثيلية من مجموع المشتكيين ما تزال تعود للأشخاص الداتييين حيث انتقل عددهم من 1842سنة 2015 إلى 1772 سنة2016 أما فيما يخص الشكايات المقدمة من قبل فئة مجموعات الأشخاص فقد عرفت ارتفاعا من حيث العدد بلغة نسبة 11.3 بالمائة مقرنة مع السنة السالفة أد انتقل من 301 إلى 355 شكاية.أما فيما يخص الأشخاص الاعتباريين فقد عرفت الشكايات أيضا ارتفاعا ملحوظا 179 شكاية مقابل 111 في السنة الفارطة[12].
الشكايات و التظلمات حسب مقاربة النوع ; بنفس الاهتمام الذي يحظى به المشتكون من الدكور1338 من حيث استقبال شكايتهم والسهر على تتبعها والعمل على البث فيها و إنصافها تستقبل المؤسسة شكايات النساء شكاية 434الاتي تقصدنها من اجل طلب الإنصاف من تصرف الإدارة .هنا تجدر الإشارة إلى أن الجنسين معا يواجهان نفس المشاكل فحسب التقرير فان المؤسسة لم تقف على نمط من الممارسات التي يستشف منها تعرضهن من طرف الإدارة إلى تعامل يتسم بالتمييز المرتبط بالنوع باستثناء قضايا جد محدودة لها علاقة بالأراضي السلالية. لكن أشار التقرير بوضوح إلى أن هدا لا يمنع من القول أن النساء قد يتحفظن و لا يجران على المطالبة بما يخولهن القانون من إمكانيات التظلم و الانتصاف مما قد يتعرضن له من تجاوزات.
تصنيف الشكايات و التظلمات حسب القضايا صنف التقرير الشكايات إلى أربع قضايا رئيسية; القضايا ذات الطبيعة الإدارية:ما زالت تحتل الرتبة الأولى ودالك رغم انخفاض عددها هده السنة بنسبة 4.7 ليصل إلى 1369 شكاية أي ما يمثل 59.9 من مجموع الشكايات المسجلة هده السنة مقابل 1437 برسم السنة الماضية والتي كانت تمثل 64.3 و يعود العدد الأكبر من هده الشكايات إلى القضايا المتعلقة بالأضرار الناتجة عن بعض القرارات الإدارية ثم القضايا المتعلقة بعدم تسوية المعاشات المدنية و العسكرية وبتسوية الوضعيات الإدارية أو المالية و القضايا المتعلقة بحالات الامتناع عن تسليم وثائق إدارية و بعدم الاستفادة من الخدمات الاجتماعية.
القضايا ذات الطبيعة العقارية: بمعدل 370شكاية وتتوزع بين الشكايات المتعلقة بنزع الملكية و عدم الاستفادة من برامج إعادة الإسكان إلى جانب قضايا عدم تنفيذ العقود الإدارية ثم النزاعات بخصوص أملاك الدولة وأراضي الجموع و الملك الغاوي والاحباس وضم الأراضي.
القضايا ذات الطبيعة المالية: والتي عرفت ارتفاع كبيرا من حيث عدد الشكايات أد انتقلت من 121 شكاية ب2015 إلى 226 سنة 2016 ويضم هدا الصنف نزاعات المشتكين مع المؤسسات العمومية بشان التماطل في سداد المستحقات برسم الصفقات العمومية
القضايا المرتبطة بعدم تنفيذ الأحكام القضائية النهائية :الصادرة في مواجهة بعض الإدارات التي عرفت انخفاض ملموس آد تقلصت من 223 شكاية إلى 192 شكاية هده السنة إلى جانب القضايا المتعلقة بالجبايات
القضايا المتعلقة بحقوق الإنسان: واحتلت الرتبة السادسة حيث انخفض عددها من 41 شكاية إلى 32 شكاية وتشمل هده الفئة القضايا الأضرار الناتجة عن المساس بحرية التنقل تلتها قضايا الاعتقال التعسفي و الاختفاء و الانتهاكات وطلبات التعويض المادي و المعنوي و الامتناع عن تسليم بعض الوثائق الإدارية .
أما التصنيف الشكايات من حيث الإدارة المعنية فقد احتل قطاع الداخلية و الجماعات الترابية المرتبة الأولى تلاها قطاع الاقتصاد و المالية في المرتبة الثانية ٬قطاعي التربية الوطنية و التكوين المهني و التعليم العلي و البحث العلي بالمرتبة الثالثة ٬قطاع التشغيل و الشؤون الاجتماعية ٬قطاع الطاقة المعادن و الماء و البيئة ٬إدارة الدفاع الوطني تم قطاع التجهيز و النقل و اللوجستيك٬ فقطاع الصحة في المرتبة الأخيرة بالرغم من انه شهد ارتفاعا من حيث عدد الشكايات 55 شكاية مقارنة مع 34 شكاية سنة2016 .
انطلاقا من تحليل التقرير السالف كعينة دراسة لواقع يعكس صورة العملية الإصلاحية في مغرب 2017 و دون أن ندمج التحليل بباقي المؤسسات المعنية بحماية حقوق المواطنين في مواجهة الإدارة أفرادا كانوا أو جماعات من قبيل المحاكم الإدارية وغيرها يتبين و بجلاء انه وبالرغم من التقدم الملحوظ ؛فان العمل من اجل التحديث بات ضروريا من خلال إشراك الفاعل الحكومي المرتفق و جل الهيئات الوطنية . كل دالك إضافة إلى المجتمع المدني عبر تعبئة الوسائل و تحديث المناهج بعقلية تتفاعل مع الشأن العام بتقدير الأمانة و تقديس القيم الإنسانية من اجل انسنة الإدارة العامة. لأنه وبانسنة الإدارة تتآلف الأهداف وتحقق الغايات ٬عبر التحام دعائم الإدارة المكونة من الموظف المرتفق و المرفق الذي يحقق المصلحة ويعزز من خلاله الحق.
المطلب الثاني: انسنة الإدارة العمومية مدخل لتعزيز العملية الإصلاحية
قبل أن نخوض في خضم هدا المطلب وجب بداية تحديد مفهوم الانسنة لكي نقوم بإسقاطها انطلاقا مما سبق على مفهوم العملية الإصلاحية. أنسن الشيء بمعنى انس إنسان أي ارتقى بعقله فهدبه و ثقفه أو عامله كانسان له عقل يميزه عن بقية المخلوقات. ومن هنا كان لابد من تثقيف الفرد المرتفق و الموظف و انسنته للارتقاء بالإدارة لمصاف الإدارة النموذجية.
فانسنة الإدارة بدالك تقتضي الابتعاد عن الاستبداد وهي مرحلة تسبق وضع الرؤية الكلية للمؤسسة فهي من المعايير التي يترتب عليها نجاح أو فشل المؤسسة في أي مجتمع بما يحقق قدرا من الحرية و العدل و الكرامة لإفراده ٬ من خلال وضع إستراتيجية ذات رؤيا واضحة وأهداف مرسومة تقوم على تعزيز التواصل بين الإدارة و مرتاديها . حيث أن المنظومة التشريعية و التنظيمية تحتوي ما يكفي من النصوص ولكن الخلل في تنزيلها و بالتالي فان الاستثمار يجب أن يتجه نحو الرصيد البشري الذي قد لا يحتاج إلى التكوين آو استكماله بقدر ما يحتاج إلى التشبع بمبادئ حقوق الإنسان ٬و العدل و الإنصاف و بالقيم الفضلى في تعامله الإنساني اليومي . ولما لا إحداث خلايا تواصلية في جل الفروع الجهوية تابعة للإدارة العمومية لتقريب المواطن من إدارته كضمانة اجتماعية قانونية ومطلبيه لحقوقه. فالعملية الإصلاحية اليوم باتت تراهن على إصلاح مؤسسة الفرد؛ فاتجاهات وسلوكيات ومعلومات وقدرات الفرد تؤثر بشكل أو بآخر على الدور الذي يقوم به .
ولعل من بين التجارب الرائدة في العالم والتي ربما يستفيد منها المغرب في تجربته التحديثية الإدارية. تجربة مدينة حقوق الإنسان حيث تعمل الجهات المختصة على إسقاط مجموع مبادئ هده التجربة على مدخل الإدارة العامة لتصبح إدارة حقوق الإنسان كممارسة فضلى وتجربة تستحق التحليل و التنزيل . ففكرة “مدينة حقوق الإنسان” هي إحدى المبادرات العالمية الرامية إلى إضفاء الطابع المحلي على حقوق الإنسان. وتقوم هذه الفكرة على الاعتراف بالمدن بوصفها جهات فاعلة رئيسية في مجال تعزيز وحماية حقوق الإنسان، وتشير عموماً إلى المدينة التي تحكم فيها مبادئ حقوق الإنسان أخلاقياً وقانونياً الحكومة المحلية والسكان المحليين. وأطلقت هذا المفهوم، في عام 1997، الحركة الشعبية للتثقيف في مجال حقوق الإنسان (الحركة الشعبية)، وهي منظمة من منظمات الخدمة الدولية التي لا تستهدف الربح. واعتمد هذا المفهومَ أيضاً، باعتباره مفهوماً معيارياً، المنتدى العالمي لمدن حقوق الإنسان[13] الذي يُعقد سنوياً في مدينة غوانغجو، في جمهورية كوريا.يعرِّف إعلان غوانغجو بشأن مدينة حقوق الإنسان، الذي اعتمد عام 2011 في المنتدى العالمي لمدن حقوق الإنسان المعقود في 17 أيار/مايو 2011، مدينة حقوق الإنسان بأنها “عملية تجمع بين المجتمعات المحلية والأنشطة الاجتماعية والسياسية في سياق محلي تؤدي حقوق الإنسان فيه دوراً رئيسياً بوصفها قيماً أساسية ومبادئ توجيهية”. وتحتاج مدينة حقوق الإنسان، في السياق المحلي، إلى إدارة مشتركة لحقوق الإنسان تتعاون فيها الحكومة المحلية مع البرلمان المحلي (المجلس المحلي)، والمجتمع المدني، والقطاع الخاص، وأصحاب المصلحة الآخرين، من أجل تحسين نوعية حياة الجميع بروحٍ من الشراكة القائمة على معايير وقواعد حقوق الإنسان. فيشمل اعتماد نهج قائم على حقوق الإنسان في نظام الحكم المحلي مبدأ الديمقراطية والمشاركة والقيادة المسئولة والشفافية والمساءلة وعدم التمييز والتمكين وسيادة القانون. ويؤكد أيضاً مفهوم مدينة حقوق الإنسان أهمية ضمان المشاركة الواسعة النطاق لجميع الجهات الفاعلة وأصحاب المصلحة، خاصةً الفئات المهمشة والضعيفة، مع ضرورة توفير آليات فعالة ومستقلة لحماية ورصد حقوق الإنسان يمكن أن يلجأ إليها الجميع. ويسلِّم المفهوم بأهمية التعاون والتضامن بين المدن العاملة على تعزيز وحماية حقوق الإنسان على الصعيدين المحلي والدولي وتتضمن مبادئ غوانغجو التوجيهية لإنشاء مدينة لحقوق الإنسان، المعتمدة في المنتدى العالمي لمدن حقوق الإنسان لعام 2014، المعقود في 17 أيار/مايو 2014، المبادئ التالية الرامية لإنشاء مدينة لحقوق الإنسان: الحق في المدينة؛ وعدم التمييز والعمل الإيجابي؛ والإدماج الاجتماعي والتنوع الثقافي؛ والديمقراطية التشاركية والحكم الخاضع للمساءلة؛ والعدالة الاجتماعية والتضامن والاستدامة؛ والقيادة السياسية وإضفاء الطابع المؤسسي على السياسة؛ وتعميم مراعاة حقوق الإنسان؛ والمؤسسات الفعالة وتنسيق السياسات؛ والتثقيف والتدريب في مجال حقوق الإنسان؛ والحق في الانتصاف.
نتائج البحث:
من خلال المعطيات التي جاء بها هادا البحث ولو بشكل مقتضب لان للموضوع جوانب عديدة تستدعي التدقيق و التحليل العميق توصلنا إلى مجموعة من النتائج ندرجها كالأتي:
أولا: مما لا شك فيه أن المغرب قد راهن على حقوق الإنسان كمدخل إصلاحي من خلال انخراطه في المنظومة الدولية لحقوق الإنسان.
ثانيا: عمل المغرب على مواكبة التحديث الإداري من خلال التنصيص الدستوري على المبادئ العامة لحقوق الإنسان كالمساواة التضامن و المشاركة الاستمرارية الشفافية و المحاسبة وغيرها وسعى إلى التأكيد على الكرامة الإنسانية باعتبارها جوهر حقوق الإنسان;
ثالثا: بالتأكيد أن مفهوم المرفق العام يقوم على المبدأ القائم على تحقيق المصلحة العامة، لكن لا يجب اعتبار المرفق العام مفهوماً قانونياً فحسب لأن له بعد أكبر من الناحية الاقتصادية، الاجتماعية والثقافية تدخل في نطاق النشاط العام والذي يندرج تحت تسمية واحدة وهي “المرفق العام” فالمرفق العام هو أولاً تحقيق وظيفة وثانياً إنجاز مهمة.وبالتالي هناك مصطلحين: مصطلح “المرفق العام” ومصطلح “حقوق الإنسان” فالمرفق العام له هدف تلبية حاجيات المجتمع التي تعتبر أساسية للفرد، حاجيات مادية. كالحق في العمل، الحق في الصحة، الحق في الرعاية الاجتماعية، الحق في السكن، الحق في الماء الشروب والصرف الصحي، وغير مادية كالحق في التعليم والحق في التمتع بالثقافة والمشاركة فيها;
رابعا: إن الإدارة عطاء لحق مشروع و خدمة لمن يستحقها وهي كدالك تفعيل لم ابتغاه المشرع و تصريف و إيصال حقوق يجب أن يحاط بالليونة و السلاسة و البساطة في توقيعه و أجال مضبوطة بما تقتضيه قواعد حسن الاستقبال من تقدير للإدارة من جهة و مراعاة لكرامة مرتاديها من جهة أخرى;
خامسا :انه و بقراءة متأنية لتقرير مؤسسة الوسيط كنموذج نجد و بتحليل عدد و نوع الشكايات أن المغرب مازال بحاجة إلى تضفير الجهود من اجل تحديث فعال ومنصف;
وأخيرا طرح فكرة مدينة حقوق الإنسان كنموذج لعملية إصلاحية تشاركيه تجعل من انسنة الإدارة و كل الفاعين المتدخلين أفرادا ومؤسسات ممارسة فضلى للتحديث في أفاق مستقبلية.
توصية:
في مغرب 2018 الرهان ليس قائم لا على المؤسسة التشريعية ولا التدابير التنفيذية . رهان مغرب الغد منوط بمؤسسة الفرد فبصلاح الفرد يصلح المجتمع وبالتالي تأنسن الدولة.
مع ضرورة استحضار البعد الإنساني في كل مداخل العمليات الإصلاحية وفي جل المجالات كضمانة للإصلاح رزين وفعال.
[1] إدريس جردان مبادئ أساسية في حقوق الإنسان مطبعة اسبارطيل 2013 ص 28
[2] بعلي محمد الصغير الوجيز في القانون الإداري ص 205
[3] عبد العزيز العروسي التشريع المغربي و الاتفاقيات الدولية لحقوق الانسان ملاءمات قانونية و دستورية سلسلة المجلة المغربية للادارة المحلية و التنمية عدد87 سنة 2014 ص32
[4] تقرير مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان عن دور الخدمة العامة كعنصر أساسي من عناصر الحكم الرشيد في مجال تعزيز حقوق الإنسان وحمايتها ل 23 دجنبر 2013
[5] – التقرير النهائي للجنة الاستشارية لمجلس حقوق الإنسان دور الحكومة المحلية في تعزيز وحماية حقوق الإنسان 7 غشت 2015
[6] مليكة النعيمي وعبد القادر مساعد “الناصر في حقوق الإنسان والحريات الأساسية “الطبعة السادسة 2016 ٬مطبعة السليكي اخوين٬ طنجة ص 38
[7] نفس التقرير السابق
[8] محمد المكليف مستجدات المعاهدات الدولية في دستور 2011 و اشكالات التطبيق بالمغرب مقارباتع متعددة ص 175
[9] الدستور و الدستورانية الجديدة بالمغرب قراءة في السياق و المعنى مجلة مسالك عدد45/46 سنة 2017 ص 52
[10] دستور المملكة المغربية لتاريخ 29 يوليو 2011 الصادر بتنفيده الضهير الشريف رقم 1.11.91
[11] كريم الحرش القضاء الاداري بالمغرب سلسلة الامركزية و الادارة المحلية عدد مزدوج 17-16 سنة 2012 ص3
[12] تقرير مؤسسة الوسيط برسم سنة 2016 المنشور بالجريدة الرسمية عدد 6608 بتاريخ 28 شتنبر 2017
[13] من بين هذه المدن: روزاريو (الأرجنتين)، وهي أول مدينة لحقوق الإنسان، أُطلقت عام 1997؛ وباندونغ (إندونيسيا)؛ وبرشلونة (إسبانيا)؛ وبيهاك (البوسنة والهرسك)؛ وبوغوتا (كولومبيا)؛ وبونغو (غانا)؛ وكوبنهاغن (الدانمرك)؛ وغراتس (النمسا)؛ وغوانغجو (جمهورية كوريا)؛ وكاوسيونغ (مقاطعة تايوان الصينية)؛ وكاتي (مالي)؛ وكوروغوشو (كينيا)؛ ومدينة مكسيكو (المكسيك)؛ وموغالي (جنوب أفريقيا)؛ ومونتريال (كندا)، وناغبور (الهند)؛ وبورتو أليغري (البرازيل)؛ ومقاطعة برينس جورج، ماريلاند (الولايات المتحدة)؛ وسان – دوني (فرنسا)؛ وساكاي (اليابان)؛ وتييس (السنغال)؛ وأوتريخت (هولندا)؛ وفيكتوريا (أستراليا).


