أحمد بن طالب
أستاذ محاضر في القانون الخاص
- للقضاء العقاري مفهومان أحدهما واسع والآخر ضيق.
- أما المفهوم الواسع فله بعدان موضوعي وهيكلي.
موضوعيًا القضاء العقاري هو النطق بالأحكام طبق القانون لفصل نزاعات حول العقارات. وبالتالي فكل النزاعات العينية الاستحقاقية في أسباب اكتساب الملكية والحقوق العينية والنزاعات الشخصية المتعلقة خاصة بالعقود العقارية كالبيع ونحوه ولو كانت تلك العقود منشئة لحقوق شخصية فحسب كالكراء، بل وحتى الدعوى العمومية في الجرائم الجزائية المقررة لحماية الملك والحوز العقاري، يعتبر القضاء فيها قضاء عقاريًا.
وهيكليًا يشمل القضاء العقاري كل محكمة أو هيئة حكمية ذات نظر أصلي أو عرضي في مسائل عقارية. فمن المحاكم ذات النظر الأصلي نذكر المحكمة العقارية، ومن المحاكم الأخرى نذكر مثلاً المحكمة الابتدائية التي تنظر في الدعاوي الاستحقاقية العقارية من ضمن اختصاصها العام، والمحكمة الإدارية فيما يتعلق بالملك العمومي والانتزاع للمصلحة العمومية…
وفي هذا المعنى، لا يوجد أي تميز للقضاء العقاري نظرًا لعموم المعيار وضبابيته: فكون النزاع حول عقار لا يغير شيئًا من الوظيفة القضائية وتطبيق القانون مما لو كان النزاع حول منقول. كما أنه بهذا المعيار، لا يمكن حصر النزاعات العقارية أبدًا. ولذلك لابد من فهم محدد للقضاء العقاري بما يقتضي تضييق المفهوم.
- وفعلاً ففي مفهومه الضيق القضاء العقاري هو قضاء المحكمة العقارية. وهو ما يؤيده أن هذه المحكمة هي المحكمة الوحيدة الموصوفة بذلك. وأن عرف الاستعمال غالب بربط القضاء العقاري بهذه المحكمة. وأن هذه المحكمة تطبق وتشرف على تطبيق القانون العقاري الذي يرتبط به قضاؤه وهو قانون السجل العقاري إنشاء بالتسجيل وإشهارًا بالترسيم.
- وتعتبر هذه المحكمة أعرق المحاكم الحالية في نظامنا القضائي إذ هي تعود إلى سنة 1885 في صورة المجلس العقاري المختلط قبل أن تتونس سنة 1957([1])، وهي محكمة فريدة منقطعة المثيل في العالم([2])، ومتفردة فيما تتميز به من خصوصيات قضائية إذ هي محكمة وحيدة لا تتعدد، ولها مراكز فرعية بالجهات لا محاكم مختصة([3])، وتصدر أحكامًا نهائية لا تنفذ إلا إذا أصبحت باتة، وقد كانت إلى عهد قريب غير قابلة للطعن إطلاقًا([4])، ولا توجد بها نيابة عمومية، ولقضاتها سلطات استقرائية واسعة تتنافى مع مبدأ حياد القاضي المدني…
ولكن هذا التفرد لا يقصي انتماءها بموجب القانون الأساسي للقضاء المؤرخ في 14 جويلية 1967([5]) إلى صنف المحاكم العدلية.
- والمحكمة العقارية بحكم عملها وتدخلها في التسجيل والتحيين تنظر في الملكية العقارية والحقوق والتحملات العينية الموظفة عليها وتحكم بتسجيلها أو تأذن بترسيمها. وهذا يحدث لها أوجهًا للتشابك والتداخل مع محاكم الحق العام المختصة بدورها في جانب من هذه المسائل. ولكنها تنجز مهمتها بتفرد وفق قواعد مخصوصة مسطرة بالقوانين التي تحكمها وتنظم مجال نظرها.
- ومن يتأمل واقع المحكمة العقارية اليوم يشده التطور الكبير في وظائفها واختصاصاتها نتيجة التطور التشريعي الهائل الذي شهده السجل العقاري منذ بدء حركة الإصلاح العقاري سنة 1992([6]) وتدخل المحكمة العقارية فيه إما بدور الفاعل الرئيسي في التحيين والطعون أو بدور المتحمل بالانعكاس لآثار هذه التغييرات لكثرة المطالب وتشتت الجهود بين التسجيل والمسح والتحيين… وهذا ما أدى إلى خلق إشكالات جديدة لم تكن تعرفها المحكمة العقارية إضافة إلى التراكمات السابقة لصعوبات التسجيل والمسح مما أخذ ينعكس سلبًا على أدائها وعلى حماية حقوق المعنيين التي هي في ازدياد مطرد بحكم النمو الديمغرافي وتحسن مؤشرات التنمية وارتفاع نسبة النمو جراء الانتعاش الاقتصادي والاجتماعي.
- وهذا ما يدعو إلى وقفة تأمل في القضاء العقاري في ضوء المستجدات التشريعية المتراكمة والتفكير في تدارس بعض من مشاكل المحكمة العقارية وشواغلها التي أصبحت اليوم أكثر من أي وقت مضى ينظر إليها نظرة خارجية في محيطها القضائي العدلي عمومًا، بالإضافة إلى النظرة التقليدية إلى وظائفها من الداخل. أي أن هذه المحكمة هي اليوم مجال لنظرين متقابلين، نظر داخلي يركز على تكثيف وظائفها واختصاصاتها في ذاتها، ونظر خارجي يستكشف واقعها مع محيطها القضائي العام ولم لا يدعو إلى مزيد وصلها به.
ومن هنا فالقضاء العقاري اليوم محط اهتمام مزدوج: في داخله أولاً (الجزء الأول) وفي محيطه ثانيًا (الجزء الثاني).
الجزء الأول
القضاء العقاري في داخله
- القضاء العقاري في داخله هو قضاء المحكمة العقارية ذاتها حسب اختصاصها القانوني. وقد كانت إلى حد سنة1995 ([7]) صاحبة نظر مطلق وأوحد في التسجيل العقاري، وهو اختصاصها الأصلي القديم. لكن منذ التاريخ المذكور عرفت نقلة نوعية بحكم تعويل المشرع عليها في عملية الإصلاح العقاري فعهد إليها بالإشراف القضائي على مسائل السجل العقاري واستحدث لها وظائف متعددة ومتنوعة شملت تدعيم وظائفها في التسجيل وتعميم تدخلها لتختص بقضاء السجل العقاري ككل أو قضاء الإشهار بالترسيم([8]). ونحاول في هذا العرض إبراز كل هذه الاختصاصات مع التركيز على الصعوبات والإشكالات القانونية والعملية التي تعوقها بدءًا بقضاء التسجيل (I) ثم قضاء الترسيم (II).
I- قضاء التسجيل:
- يعتبر التسجيل العقاري الاختصاص الأصلي والقديم للمحكمة العقارية دعمه المشرع سنة 1995 باختصاص مستحدث (ب).
أ- الاختصاص الأصلي في التسجيل:
10- التسجيل نوعان: اختياري (1) وإجباري يعرف بالمسح العقاري (2).
1- التسجيل الاختياري:
- تنظم هذا التسجيل مجلة الحقوق العينية، والكلام فيه معروف([9]). وهو يتم في كل فروع المحكمة العقارية بالتعاون بين الفرع أو دائرة التسجيل والقاضي المقرر وبتدخل ديوان قيس الأراضي والمسح العقاري في الجانب الفني.
ومن أبرز الصعوبات والإشكالات التي تطرح في هذا التسجيل:
- طول نشر قضايا التسجيل حتى تتبين الحالة الاستحقاقية مع ما يتبعه من تراكم المعاملات والصكوك المتأخرة مع خطر عدم تقديمها بالنظر خصوصًا إلى الفصل 350 م. ح. ع.
- بطء الأعمال الفنية وتأخرها خصوصًا في إعداد الأمثلة مما يؤثر في صدور الحكم (الفصل 352 م. ح. ع).
- اضطرار المحكمة أحيانًا إلى الحكم بالتسجيل مع حفظ حق المتداخلين دون دراسة مؤيداتهم للإذن بترسيمها أو رفضها.
- اضطرارها أحيانًا لابتداع أحكام جديدة كإلغاء التحجير لمزيد توضيح الحالة الاستحقاقية([10]).
- عادة عدم إعلام المالكين بالحكم على معنى الفصل 349 م. ح. ع. مع ما قد يتبعه من تصرف بعد الحكم دون علم ببياناته([11]).
- مسألة الصيغة التنفيذية غير المتلائمة مع منطوق الحكم بما لا يغني عن التقاضي الاستعجالي (الفصل 334 م. ح. ع.)([12]).
2- المسح الإجباري:
12- يخضع المسح العقاري الإجباري لمرسوم 20 فيفري 1964([13]) وتشرف عليه المحكمة العقارية من خلال رئيس لجنة المسح والقضاة المكلفين على رأس المناطق الفرعية لمنطقة المسح والهيئة المجلسية للبت في الملفات التي فيها اعتراضات (الفصل 7 من مرسوم 1964). وحكم التسجيل وجوبي في المسح فلا رفض (الفصول 2 و 6 و 7 من المرسوم)، وفردي يصدره رئيس لجنة المسح إذا لم توجد معارضات (الفصل 6 من المرسوم)، وله نفس قوة حكم التسجيل الاختياري([14]).
ومن أبرز صعوبات هذا التسجيل:
- تراكم الملفات المسحية المودعة بكتابة المحكمة العقارية في انتظار إتمام التنفيذ نظرًا لغياب الأمثلة الهندسية. والإحصائيات مفزعة في هذا الشأن، فقد كانت بين سنتي 2001 و 2002 تتأرجح بين خمسة وأربعين ألف (4500) وأربعة وأربعين ألف (44000) ملف([15]).
- التباعد الزمني بين مدة التحديد وتلقي التصريح بالملكية الذي يصل أحيانًا إلى سنوات، مما يحدث اختلافًا بين الحكم والتحديد فيولد الرسم مجمدًا أو ميتًا.
- وقوع عمليات التحديد دون حضور القاضي المكلف كما في التسجيل الاختياري.
- بطء تقدم أعمال المسح نتيجة نقص الموارد البشرية والمالية والحال أنه حسب معطيات المخطط الثامن للتنمية عند الشروع في الإصلاح العقاري سنة 1992، كان لابد من رصد اعتمادات لأحداث سبع وتسعين (97) لجنة مسح وقد كانت في ذلك التاريخ سبعًا وثلاثين (37) لتنجز مسح كامل التراب القابل للتسجيل في أفق سنة 2017([16]) لكن اليوم لدينا ست وأربعون (46) لجنة فقط!
ب– الاختصاص المستحدث في التسجيل:
13- مثل قانون 23 جانفي 1995 علامة فارقة في تاريخ المحكمة العقارية لأنه وضع حدًا لقدسية الحكم العقاري وأصبح يجيز المساس به ولو في صور محدودة وضيقة جدًا لا تتنافى مع صبغته الباتة التي بقيت مكرسة في ذلك التاريخ([17])، واستحدث بالتالي اختصاصين جديدين للمحكمة العقارية أحدهما دائم يتعلق بإصلاح الحكم العقاري (1) والآخر زائل اتصل بإمكانية مراجعته (2).
1- الاختصاص الدائم( إصلاح الحكم العقاري):
14- هو حسب الفصل 332 مكرر م.ح.ع. من اختصاص المحكمة أي دائرة التسجيل أو الفرع الذي أصدر الحكم سواء في تسجيل اختياري أم إجباري. ويقتصر على الغلطات المادية في الحكم أو في الأمثلة الهندسية. ولا يقبل إذا ثبت اكتساب حق للغير عن حسن نية([18]).
2- الاختصاص الزائل( مراجعة الحكم العقاري):
15- المراجعة هي طعن خاص في الحكم العقاري القاضي بالتسجيل الاختياري أو الإجباري كانت تختص به الدوائر المجتمعة للمحكمة العقارية([19]) ولم تكن تقبل إلا في حالات حصرية حددها الفصل 332 م. ح. ع. في صياغته لسنة 1995، عددها خمس وهي:
- اعتماد الحكم نصا منسوخًا أو منقحًا (الحالة الأولى).
- وجود حكم مدني اتصل به القضاء متناقض مع الحكم العقاري (الحالة الثانية).
- عدم اعتماد الحكم وثائق كانت مظروفة بالملف ولها تأثير مباشر من شأنه أن يغير وجه الفصل في القضية (الحالة الثالثة).
- وجود حكم سابق بالتسجيل متناقض مع الحكم موضوع المطلب (الحالة الرابعة).
- أنبناء الحكم العقاري على أدلة ثبت جزائيًا زورها أو تدليسها (الحالة الخامسة).
وانفردت الحالة الثالثة بالتسبب في قضاء غزير للمحكمة العقارية التي استقر اجتهادها على أن هذه الحالة ليست سبيلاً لمراقبة دائرة التسجيل في قضائها أو مناقشة اجتهادها بل هي حالة لإغفال مادي أو قانوني واضح لا غبار عليه قد يكون له تأثيره وإلا فلا([20]).
إلا أنه في 03 نوفمبر 2008 صدر القانون عدد 67 لسنة 2008 ليضع حدًا لمراجعة حكم التسجيل ويستبدل بها الطعن بالتعقيب([21])، ومن ثم زال اختصاص الدوائر المجتمعة للمحكمة العقارية ولم يبق له ذكر إلا بصورة انتقالية لفصل الملفات المنشورة في تاريخ التنقيح([22]).
وفي المقابل دعمت المحكمة العقارية اختصاصها في مادة الترسيم خصوصًا بعد قانون 2009.
II- قضاء الترسيم
16- الترسيم هو وسيلة الإشهار في العقارات المسجلة. وهو فنيًا كتابة على الرسم العقاري تتضمن بيانات متعلقة بالحق المراد ترسيمه تؤخذ من الصك سند ذلك الحق والمقدم للترسيم. والحديث عن قضاء الترسيم يتصل في الحقيقة بالسجل العقاري الذي هو مجموع الرسوم الإشهارية وأخصها الرسوم العقارية المحفوظة بإدارة الملكية العقارية وهو معد لإشهار الحقوق بترسيمها([23]).
وقد اتجهت حركة الإصلاح إلى تفعيله وإعادة تنشيطه بالتصدي لظاهرة الرسوم المجمدة التي عاقته طويلاً عن الحركية المطلوبة تمهيدًا لتعميم مبدأ المفعول المنشئ للترسيم وذلك بإرساء فكرة تحيين تلك الرسوم فكان قضاء التحيين وبإيجاد رقابة على عمل إدارة الملكية العقارية من خلال الطعن في قراراتها (ب).
أ– تحيين الرسوم المجمدة:
17- في 10 أفريل 2001([24]) عدل المشرع عن خيار التحيين الإداري الذي انطلق به الإصلاح العقاري سنة 1992([25]) واستبدل به التحيين القضائي الذي أوكل إلى المحكمة العقارية([26]).
ويشمل قضاء التحيين بصفة أصلية النظر في الرسوم المجمدة بقصد إجراء التخليصات اللازمة عليها وهذا هو الاختصاص المبدئي في التحيين (1) تدعمه اختصاصات تكميلية([27]) (2).
1- الاختصاص المبدئي( تخليص الرسوم من الجمود):
18- يسمح وصف محتوى التحيين في مظهره المبدئي (1.1) بالوقوف على أبرز صعوباته (2.1).
1.1- محتوى الاختصاص المبدئي( التحيين):
19- منذ 12 أوت 2009([28]) نقح المشرع قانون التحيين وأرسى فيه مبدأ التقاضي على درجتين فأصبح التحيين ينظر ابتدائيًا واستئنافيًا.
20- في الدرجة الأولى (ابتدائيًا) وانطلاقًا من الفصل 4 من قانون 10 أفريل 2001 (قانون التحيين) يتوزع هذا الاختصاص بين دائرة الرسوم المجمدة وقاضي السجل العقاري. وتعتبر دائرة الرسوم المجمدة صاحبة النظر الأصلي في التحيين إذ هي تختص حسب الفصل 6 من قانون 2001 بالنظر “بقصد إجراء التخليصات اللازمة للرسوم العقارية في المطالب الرامية للحصول على ترسيم أو تنصيص أو تشطيب على ترسيم أو إبطال تشطيب أو تعديل أو حط من ترسيم أو إصلاح ترسيم أو ضبط المنابات الاستحقاقية بالإضافة إلى طلبات التخصيص بقطع مستخرجة من الرسم العقاري وطلبات الاعتراف بحق المغارسي أو قسمة الأرض المغروسة والطلبات الناشئة عن حل الأحباس. وتتلقى المطالب في ذلك من المعنيين بواسطة محاميهم طبق الفصل 10 جديد كيفما نقح في 12 أوت 2009 أو من إدارة الملكية العقارية عملاً بالفصل 11 من القانون. أما قاضي السجل العقاري فنظره محدود حسب الفصل 7 من قانون التحيين ولا يشمل إلا إصلاح الوثائق العقارية المقدمة للترسيم أو إقامة الفرائض على مقتضى بيانات السجل العقاري.
ولا تخضع لهذا التحيين الرسوم المشمولة بالمفعول المنشئ للترسيم (الفصل 3 من القانون) ولا الرسوم التي حينتها المحكمة العقارية([29]).
ويترتب عن تعهدها بالتحيين وقف الإشهار بالرسم([30]). وللمحكمة نظر واسع في التحيين بمنحها ولاية عامة على السجل العقاري طبق الفصل 5 من قانون 2001، ولها سلطة واسعة في نظر المطلب حسب الفصل 17 من قانون التحيين تذكر بسلطتها في التسجيل. ويمكنها رفض التحيين أو قبوله كليًا أو جزئيًا مع ختم إجراءات التحيين فيصبح الرسم خاضعًا للمفعول المنشئ للترسيم (الفصل 23 من القانون) وهي تصدر في كل ذلك أحكامًا ابتدائية قابلة للاستئناف منذ أوت 2009.
21- فمنذ هذا التاريخ وجدت درجة ثانية استئنافية في قضاء المحكمة العقارية في التحيين حيث أصبحت أحكامها “الصادرة في مادة التحيين… تقبل الطعن بالاستئناف ممن له مصلحة سواء كان طرفًا في الحكم المستأنف طالبًا أو معترضًا أو متداخلاً أو لم يكن طرفًا فيه وذلك في أجل يبتدئ من يوم صدور الحكم بالتحيين وينتهي بانتهاء ستين يومًا من تاريخ إدراج هذا الحكم بالسجل العقاري” (الفصل 28 جديد من قانون التحيين) وتختص بهذا الاستئناف دائرة استئنافية بالمركز الأصلي للمحكمة العقارية بتونس (الفصل 29 جديد)([31]) ولها كل صلاحيات النظر في استعمال الوسائل التحضيرية المناسبة (الفصل 31 جديد) وتحكم بصورة باتة لا تقبل التعقيب ولا أية وسيلة أخرى (الفصل 32 جديد ف 3). وقد ألغى هذا الطعن طلب إعادة النظر السابق الذي كان شبيهًا بالمراجعة في مادة التسجيل وكان من اختصاص دائرة تحيين في فروع المحكمة العقارية مختلفة عن الدائرة التي حينت الرسم([32]).
22- ويثير هذا الاستئناف الجديد الانتباه بخصوصيته المتفردة عن الاستئناف العادي للأحكام المدنية طبق مجلة المرافعات المدنية والتجارية، إذ هو لا يقتصر على من كان طرفًا في الحكم المطعون فيه بل يمتد حتى إلى الغير ذي المصلحة (الفصل 28 جديد) خلافًا للفصل 152 م. م. م. ت، وفي هذا مزج بين الاستئناف واعتراض الغير كوسيلة طعن غير عادية في المادة المدنية طبق الفصل 168 وما بعده م. م. م. ت. ولا يرفع لدى محاكم استئنافية مختصة بل لدى دائرة وحيدة في المركز الأصلي. ويخضع للقيد الاحتياطي (الفصل 31 جديد) كطرق الطعن غير الاعتيادية حسب الفصل 365 ثالثًا م. ح. ع خلافًا للاستئناف العادي الذي يستغرقه القيد الاحتياطي للدعوى الأصلية في الطور الابتدائي. ويجوز للمحكمة فيه النظر في الطلبات الجديدة التي يمكن أن يقدمها الأطراف بشرط أن تكون مرتبطة بالرسم العقاري موضوع التحيين (الفصل 32 ف 1) وهذه بدعة في منطق الاستئناف العادي طبق الفصلين 147 و 148 م. م. م. ت. ثم هو أخيرًا لا آخرًا استئناف لا تعقيب بعده (الفصل 32 جديد).
وتعد هذه النقاط علامات صارخة على تفرد واضح لهذا الاستئناف قد لا تخوله، على الأقل في بداية عهده، أن يكون حلاً لصعوبات التحيين بل قد يزيد عليها.
2.1- صعوبات الاختصاص المبدئي:
23- فعلاً فإن قضاء التحيين كما تقدم وصفه يتعرض لصعوبات كثيرة واقعية وقانونية أكثرها في العلاقة مع إدارة الملكية العقارية ومنها:
- الصعوبات الناتجة عن التحملات المدرجة بالرسم وتعثر أعمال التحيين جراءها: كشرط سقوط الحق في العقارات الدولية الفلاحية خصوصًا([33]) وأوامر الانتزاع القديمة والرهون ورواتب الإنزال القديمة([34])، أو كذلك الصعوبات المرتبطة بالترسيمات المتعلقة بقانون التأميم الزراعي المؤرخ في 12 ماي 1964([35]).
- بطء نسق التحيين بما يؤول إلى قبول إدارة الملكية العقارية إشهار حقوق خلافًا للفصلين 13 و 14 من قانون التحيين وما قد ينجر عن ذلك من إضعاف للتحيين أو تداخل في الحقوق أو تنافر بين حكم التحيين وواقع الرسم المحين.
- امتناع إدارة الملكية العقارية عن تنفيذ أحكام بالتحيين بناء على بيوعات ليست فيها تراخيص إدارية كونها بين أطراف لنا مع دولهم اتفاقيات استيطان بعلة غياب المعاملة بالمثل والحال من المفروض أن حكم التحيين واجب التنفيذ ولا يخضع “لشرعية” معمقة كهذه([36]).
- ومثل ذلك قبول ترسيم قرارات سقوط الحق حال صدور حكم التحيين منفذ بناء على صحة التفويت لوقوعه خارج فترة التحجير([37]).
- عدم احترام مقتضيات الفصل 15 من قانون البعث العقاري بالشكل المطلوب مما ينجر عنه تأخر تحيين الرسوم أو أحيانًا تعذره([38]).
24- وبالإضافة إلى هذه الصعوبات التي تواجه التحيين، تجدر الإشارة أن التحيين أوجد بذاته صعوبات للسجل العقاري تمحورت خصوصًا حول تعطيل الإشهار نتيجة توقيف العمل بالرسم العقاري طيلة مدة النظر في مطلب التحيين، وهي مدة ليست بالقصيرة بالنظر إلى تراكم الملفات على المحكمة وما تستغرقه الأبحاث في كل منها زيادة على مناورات المتقاضين وإغراق المحكمة بمطالب لا صلة لها بالتحيين فضلاً عما يضيفه قانون التحيين نفسه من “معطلات” في شكل ضمانات لحقوق المعنيين تكون مادة الاختصاصات التكميلية.
2- الاختصاصات التكميلية:
25- هذه الاختصاصات عددها ثلاثة. وقد كان الطعن بإعادة النظر رابعها لولا أنه ألغى في 2009 وعوض بالاستئناف كما تقدم([39]). وهي دعائم لمجهود المحكمة العقارية الأصلي في التحيين لضمان نجاعته وعدالته في ظل وعي المشرع بخطورة هذا الإجراء المحفوف بمفعول تطهيري يجعل منه كأنه تسجيل جديد للعقار([40]). وهذه الاختصاصات هي على ترتيب تنظيمها في قانون التحيين([41]): الرجوع في قرار ختم إجراءات التحيين (1.2) والنظر في صعوبات حكم التحيين (2.2) وإصلاح حكم التحيين (3.2).
1.2- الرجوع في قرار ختم التحيين:
26- أتاح الفصل 23 فقرة 3 من قانون التحيين “لكل من له مصلحة أن يطلب بعد إدراج الحكم بالرسم العقاري الرجوع في قرار ختم إجراءات التحيين بناء على صكوك جديدة لم يسبق إضافتها بملف المطلب” وذلك ضمانًا لحقوق المعنيين واستكمالاً لحقيقة التحيين الذي يجب أن يتمخض عنه رسم عقاري عاكس بوفاء مطلق للحقيقة القانونية والمادية للعقار. وتعهد بهذا المطلب المحكمة التي أصدرت الحكم أي دائرة الرسوم المجمدة أو قاضي السجل العقاري بعد الإحالة عليهما من رئيس المحكمة العقارية أو من ينوبه وهو عادة رئيس الفرع المعني، وبعد أخذ رأي إدارة الملكية العقارية. ولا يقبل المطلب إذا اكتسب حق للغير عن حسن نية. ويترتب عن قبوله التشطيب على قرار ختم إجراءات التحيين وإعادة تحيين الرسم العقاري عند الاقتضاء في ضوء الصكوك الجديدة (الفصل 23 ف 5- 7).
2.2- النظر في صعوبات تنفيذ حكم التحيين:
27- على إثر تنقيح الفصل 25 من قانون التحيين في 12 أوت 2009، أصبحت دائرة الرسوم المجمدة تنظر في صعوبات تنفيذ حكم التحيين مطلقًا. وقد كان نظرها قبل ذلك منحصرًا في وجود صعوبات ناتجة عن ترسيمات مأذون بها طبقًا للفصلين 13 و 14 من قانون التحيين استثناء من مبدأ تعليق الإشهار بالرسم موضوع مطلب التحيين على اعتبار أنها تتعلق بذلك المطلب. فحذف هذا القيد وأصبح النظر عامًا في جميع الصعوبات. ويتم ذلك برفع الأمر إلى دائرة الرسوم المجمدة سواء من إدارة الملكية العقارية أم بطلب من المستفيد من الحكم، ويأذن رئيس تلك الدائرة بالتنصيص على المطلب بالرسم وتعليق الإشهار فيه تبعًا لذلك. وتنظر الدائرة في المطلب وتأذن عند الاقتضاء بتعديل الحكم أو الترسيمات مع مراعاة حقوق الغير حسن النية.
3.2- إصلاح حكم التحيين:
28- إذا تسربت في حكم التحيين أو في الأمثلة المأذون بإقامتها “غلطات مادية متعلقة بالكتابة أو بالحالة المدنية أو بالأرقام أو بالحساب أو غير ذلك من الإغفالات والاختلالات المادية”، فإن دائرة الرسوم المجمدة أو قاضي السجل العقاري بإمكانهما، كل في حدود اختصاصه وفي ظروف تذكر بإصلاح الحكم العقاري على معنى الفصل 332 مكرر م. ح. ع. الإذن بالإصلاح طبق الفصل 26 من قانون التحيين. ويتوقف قبول مطلب الإصلاح على عدم اكتساب الغير حقوقًا عن حسن نية. ويترتب عنه إما إيقاف تنفيذ الحكم أو إشهار مطلب الإصلاح بالرسم العقاري حسب الحال (الفصل 26 ف 3).
29- وتثير جملة هذه الاختصاصات التدعيمية صعوبات متنوعة متصلة خاصة بعمل إدارة الملكية العقارية في الترسيم وتنفيذ أحكام التحيين وتأثير ذلك في الإشهار وتعليق العمل بالرسم العقاري. وهذه أوجه من الصعوبات تضاف إلى الطعن في قرارات إدارة الملكية العقارية.
ب- الطعن في قرارات إدارة الملكية العقارية:
30- القرارات المقصودة هي قرارات رفض الترسيم أو تأجيله (1) وقرارات رفض إصلاح الترسيم (2).
1- رفض الترسيم أو تأجيله:
31- استحدث هذا الطعن سنة 1995([42]) على أنقاض الفصل 315 القديم م. ح. ع. الذي كان يبيح لرئيس المحكمة العقارية (ثم رئيس المحكمة الابتدائية سنة 1992 قبل إلغاء الفصل برمته سنة 1995) النظر في صعوبات الترسيم. وضمنت مادته في الفصل 388 م. ح. ع. الذي أسند الاختصاص فيه لدائرة طعون في المحكمة العقارية تتعهد بطلب من الأطراف عند رفض الترسيم لوجود “مانع قانوني”. وهذه عبارة عوضت عبارة “الأسباب الخطيرة” التي كانت في النص. وهذا الطعن قابل للقيد الاحتياطي بإذن من رئيس المحكمة العقارية أو من ينوبه (الفصل 388 ف 3 م. ح. ع.) ولا يؤثر في حقوق المعنيين في الأصل التي تبقى محفوظة (الفصل 388 ف 2 م. ح. ع.). وإذا رأت دائرة الطعن قبوله فإنها تصدر حكمًا بالترسيم ينفذ حالاً ودون إعلام.
ومن صعوبات هذا الطعن:
- اللبس الحاصل في فهم عبارة “حفظ الحقوق فيما يتعلق بالأصل “سواء على المتقاضين أم على المحكمة نفسها أحيانًا بدليل تجاوزها لحدود نظر رفض الترسيم والقضاء في الأصل ببطلان العقود مثلاً.
- إثارة إدارة الملكية العقارية لأسباب جديدة في مكاتبتها للمحكمة لم يتضمنها قرار الرفض الصادر عنها وتأثيره في نظر المطلب والحكم فيه.
- الصعوبات التنفيذية لحكم الترسيم وكيفية تذليلها، وجواز ذلك بطريق الإصلاح وهو، إن كان، سيختلف عن إصلاح الترسيم…
2- إصلاح الترسيم:
32- يؤخذ من الفصل 391 فقرة 4 م. ح. ع. أنه من اختصاص رئيس المحكمة العقارية أن يأذن بالإصلاح عند وقوع سهو أو غلط في رسم الملكية أو في الترسيمات وامتناع إدارة الملكية العقارية عن إجرائه. كما له حسب نفس النص أن يأذن بتسليم سند الملكية أو شهادة في مضمونه.
33- إن المطلع على كل ما تقدم في قضاء المحكمة العقارية يخرج بخلاصة جلية عن تنوع وتشعب نظر هذه المحكمة. لكن ذلك كله منحصر في مجالين محددين: التسجيل والإشهار، وهما مكونًا مادة القانون العقاري. فالمحكمة العقارية بذلك هي محكمة القضاء العقاري، والقضاء العقاري هو قضاء القانون العقاري.
وهذا الاختيار مبناه تأهيل هذه المحكمة كليًا لتحمل هذه المهمة. لكن هل تتحملها دون عناء؟ وهل ليس لمحيطها من تأثير ما لمشاركتها أو مقاسمتها هذا الاختصاص؟
الجزء الثاني
القضاء العقاري في محيطة
34- نقصد بمحيط القضاء العقاري محيطه العام المتمثل في علاقته بقضاء الحق العام، ونتجاوز عن محيطه المباشر أو الخاص المتمثل بعلاقته مع إدارة الملكية العقارية وديوان قيس الأراضي باعتبارهما طرفين فاعلين إلى جانبه في مهامه في التسجيل والتحيين([43]).
أما العلاقة مع قضاء الحق العام وتحديدًا القضاء المدني (وعرضا القضاء الجزائي إن اقتضى السياق ذلك) فيتجه التعرض إليها من خلال الفكرة المبدئية والأساسية التي تسود هذا القضاء والقائمة على تمكين كل متقاض من عرض دعواه على القضاء لينظر فيها نظرًا أصليًا قابلاً للطعن بممارسة وسائل الطعن. ومن هنا فالعلاقة مع قضاء الحق العام يمكن أن تطرح في وجهين: وجه أصلي هو وجه القضاء العقاري العادي عند نظره في مطلب تسجيل أو تحيين (I) ووجه “طعني” عندما يريد أحد المعنيين أن يتظلم من هذا القضاء ويمارس ضده طعنا، وهذا الوجه جديد على قضاء المحكمة العقارية ويمكن تسميته بقضاء الطعن (II).
I- قضاء الأصل
35- قضاء الأصل أو القضاء الأصلي إذن هو قضاء المحكمة العقارية المبدئي والعادي عند نظرها في التسجيل أو في التحيين. وعلاقة هذا القضاء بقضاء الحق العام تبرز من خلال مسألتين مركزيتين تتصلان بمبادئ وقواعد المرافعات المدنية من جهة وقواعد الاختصاص من جهة أخرى.
فإلى أي مدى يخضع القضاء العقاري لمبادئ قضاء الحق العام وعلى الخصوص لمبادئ وقواعد الإجراءات المسطرة بمجلة المرافعات المدنية والتجارية؟
وما علاقة اختصاص القضاء العقاري باختصاص محاكم الحق العام؟ (ب).
أ- مبادئ المرافعات المدنية:
36- يجب على الفور البدء بنفي كل علاقة مبدئية بين القضاء العقاري وهذه المبادئ، وهذا النفي يحتاج تحليلاً (1) وتعديلاً (2).
1- تحليل نفي العلاقة بين القضاء العقاري ومبادئ المرافعات:
37- إن القضاء العقاري لا يخضع لقواعد ومبادئ المرافعات المدنية، ومجلة المرافعات لا تلزمه. وعلة ذلك أن القضية العقارية في التسجيل أو التحيين ليست دعوى قضائية وإن كانت معروضة على هيئة قضائية، وإنما هي في جوهرها تقوم على مطلب تغلب عليه الطبيعة الإدارية([44]) ويذكر بالمطالب أو التصاريح المقدمة لإدارة الحالة المدنية أو سجلات المنقولات الخاصة كإدارة النقل البري أو البحرية التجارية أو الطيران المدني، لأن التسجيل في النهاية هو تقييد في سجل والتحيين هو رقابة وإشراف على عمل إدارة ماسكة للسجل. ويترتب عن ذلك أن القضية العقارية لا تنشأ عنها خصومة قضائية بالمعنى الإجرائي الصحيح لأنها لا تفترض وجود نزاع بين خصمين([45]) ولأن الإجراءات أمام المحكمة العقارية بالتالي استيفائية استقرائية لا تنازعية يغيب عنها مبدأ حياد القاضي ومبدأ المواجهة بين الخصوم ولو في حالة وجود اعتراضات على مطالب التسجيل التي لا تعتبر منطلقًا لوجود نزاع أو مواجهة تنازعية، بل تعامل كأنها طلبات تسجيل موازية. ويستتبع ذلك بالنتيجة، غياب المفاهيم والوسائل الإجرائية المألوفة في الإجراءات العادية([46]) فلا تقييد للدعوى، ولا استدعاء للخصوم، ولا تبليغ طبق الفصل 5 م. م. م. ت بل بالطريقة الإدارية (الفصل 342 م. ح. ع)، ولا آجال للحضور أو للرد، ولا تبادل للتقارير، ولا وجود لجلسات التحضير وطور المرافعة رغم الشبه من حيث عمل القاضي المقرر الذي يحضر الحكم العقاري، ولا إدخال ولا تداخل([47]) ولا دعوى معارضة، ولا مسقطات أو مبطلات حتى للإجراءات والآجال الخصوصية كتلاوة التقارير (الفصل 343 ف 2 م. ح. ع) وآجال الاعتراض المضبوطة بالفصلين 324 و 325 م. ح. ع([48])، ولا تنفيذ للحكم العقاري بالمعنى الجبري المعروف بمجلة المرافعات المدنية، بل الحكم ينفذ بطريقة خاصة جدًا لدى إدارة الملكية العقارية بإقامة الرسم العقاري في التسجيل أو بالترسيم في التحيين وحتى إن كان يحلى بالصيغة التنفيذية طبق الفصل 334 م. ح. مما يذكر بالفصل 253 م. م. م. ت فذلك لا يجدي كثيرًا في التطبيق كما سبق شرحه([49]).
38- فالخلاصة إذن أن المحكمة العقارية غير مقيدة بمجلة المرافعات المدنية نظرًا لطبيعة عمل التسجيل والتحيين. وما لها من سلطات واسعة في البحث والاستقراء والتحقيق يجعلها في مأمن من المكبلات الإجرائية التي قد تعوق قضاءها. وبذلك فلا يعلو عندها إلا صوت الحق الموضوعي ولا توجد عوائق شكلية أو إجرائية تحول دونها ودون الوصول إليه والإصداع به، وكأن شعارها القرار التعقيبي الشهير الصادر في 11 مارس 1980([50]) معلنًا عبارته الشهيرة أيضًا المتضمنة مبدأ “الحق يعلو ولا يعلى عليه”([51]) مصرحًا في سبيل ذلك أن القواعد الإجرائية جعلت لحماية الحق الموضوعي لا لإهداره فإن كانت حائلاً دونه أقصيت لتغليبه. وقد لقي هذا القرار نقدًا شديدًا في باب القضاء المدني العادي([52]) لا يمكن إلا أن يلقى عكسه لو صدر في المجال العقاري([53]).
2- تعديل نفي العلاقة بين القضاء العقاري ومبادئ المرافعات:
39- إن هذا التميز الإجرائي للقضاء العقاري لا يمنع من إبداء ملاحظتين تعديليتين عن غياب تقيده بالنظام الإجرئي العادي لمجلة المرافعات المدنية والتجارية.
أولاهما أن هذا الغياب يقابله خضوع المحكمة العقارية لإجراءات خصوصية سواء في التسجيل أم في التحيين سطرتها القوانين الخاصة بها في مجلة الحقوق العينية ومرسوم المسح العقاري وقانون التحيين([54]).
والثانية أن عدم التقيد المذكور لا يمتد إلى الجانب الموضوعي من القواعد الإجرائية. ونقصد على وجه الخصوص أحكام الإثبات الموضوعية المتصلة بوسائل إثبات الملكية والحقوق العينية العقارية([55]). فلا يتصور مثلاً أن تغلب المحكمة العقارية رسم تملك على التقادم المكسب خلافًا للفصل 50 م. ح. ع، أو أن ترفض التسجيل لصالح مالك أدلى بحكم استحقاقي اتصل به القضاء بعلة أن حق المعترض، وهو خصمه في ذلك الحكم، أثبت بوسيلة أخرى، خلافًا لمبدأ اتصال القضاء وحجية الأحكام القضائية عمومًا([56]). فمثل هذه المبادئ تتصل بالإثبات مطلقًا وتفرضها النظرية العامة للحق التي تستشرف النظام القانوني كله وتعم على كل المحاكم الساهرة على حمايته بمختلف أصنافها وخصوصًا منها المحاكم العدلية التي تعد المحكمة العقارية واحدة منها([57])، لكنها ذات اختصاص محدد يمثل العنوان الأول لتفردها.
ب- قواعد الاختصاص:
40- تسمح قواعد الاختصاص بتعيين المحكمة ذات النظر في نزاع أو قضية معينة والحكم فيها طبق القانون([58]). والمتأمل في اختصاص المحكمة العقارية في محيطها العدلي يلاحظ أنه يتداخل مع اختصاص محاكم الحق العام أحيانًا (1) ويتكامل معه أحيانًا أخرى (2).
1- تداخل الاختصاص:
41- يعني تداخل الاختصاص وجود مجالات اختصاص مشتركة أو متقاطعة بين القضاء العقاري والقضاء المدني العام. ويفرض توحيد الاختصاص مواجهة مثل هذه الحالات (1.1) ووضع حلول لها لمنع تضارب الأحكام (2.1).
1.1- حالات التداخل:
42- إن نظر المحكمة العقارية في التسجيل العقاري الاختياري أو الإجباري يستوجب البحث في إثبات الملكية والحقوق العينية المتعلقة بها، وهذا بحث استحقاقي يتداخل وجوبًا مع اختصاص محاكم الحق العام (المحكمة الابتدائية) إذا وجدت دعوى استحقاقية متعلقة بالعقار موضوع مطلب التسجيل.
كما أنه في مادة التحيين، وبموجب تعهد المحكمة العقارية بالنظر في المغارسة وتصفية الأحباس حسب الفصل 6 من قانون التحيين فإن ذلك من شأنه أن يفضي إلى تداخل الاختصاص بينها وبين المحكمة الابتدائية واللجان الجهوية لتصفية الأحباس، وكذلك الأمر مع قضايا التشطيب المتعلقة “بمطالب التشطيب على الترسيم أو إبطال التشطيب” والمقصود التشطيب الأصلي كنتيجة لانقضاء الحق المرسم([59])، وقضايا الحصول على كتائب تكميلية من حيث أن من صلاحيات دائرة الرسوم المجمدة أن تنظر في تجاوز الصعوبات والإجراءات التي تعوق الترسيم على معنى الفصل 5 من قانون التحيين([60]). فهذه كلها مجالات يمكن أن يختلط فيها اختصاص المحكمة العقارية باختصاص محاكم الحق العام أو هيئات أخرى ذات صلاحيات قضائية كلجان تصفية الأحباس الخاصة والمشتركة.
43- وتجب الملاحظة أن كثرة القضايا التي يفترضها السجل العيني وتنوعها وتشابهها يمكن أن تحدث تشابكًا كبيرًا ومعقدًا في الاختصاص. لكنه لا يمثل كله صورًا لتداخل حقيقي وإنما هو في جانب كبير منه عبارة عن حالات تداخل وهمي واجب الاستبعاد لكونه لا يدخل في مجال نظر المحكمة العقارية في التحيين حسب الفصول 5 و 6 و 7 من قانون التحيين، فلا يتحد بالتالي مع اختصاص محاكم الحق العام ولا يوجب على هذه الأخيرة التخلي لفائدة المحكمة العقارية بل يفرض عليها التعهد لأنها من اختصاصها. ومن أمثلة هذا التداخل الوهمي يمكن أن نذكر ما لا علاقة له بالتحيين كقضية متعلقة برسم محدث بعد سنة 1998([61]). أو ما يمثل مسألة أولية خارجة عن اختصاص محكمة التحيين وموجبة لإيقاف النظر أو لرفض مطلب التحيين، ومثاله قضية في إبطال عقد أو فسخه لأن نظر المحكمة منحصر في التشطيب كجزاء أصلي لا كجزاء تبعي للبطلان أو الفسخ وهو ما يؤيده أن مثل هذه القضايا يمكن أن يقيد احتياطيًا فيمتنع نظره من محكمة التحيين طبقًا للفصل 8 من قانون التحيين. ومثاله أيضًا قضية قسمة لعقار مشاع تقدم لدائرة الرسوم المجمدة تحت غطاء “التخصيص بقطعة أو قطع يتم استخراجها من الرسم العقاري” والحال أن التخصيص ليس قسمة وإنما هو إسناد لحق مفرز لصاحبه مقيد في الرسم العقاري في شكل شيوع صوري([62])، وليس فيه إفراز لمنابات بل فيه مطابقة للحقيقة القانونية التي بالرسم (شيوع وهمي) مع الحقيقة الواقعية التي على العين (إفراز فعلي) ولذلك ليس له مفعول كاشف وإنما هو صورة مثلى للتحيين. وتبقى القسمة من اختصاص المحكمة الابتدائية طبقًا للفصل 116 م. ح. ع.
44- والمتفحص في هذه الأمثلة من التداخل الوهمي يلاحظ أنها ناتجة إما عن خلط بين المفاهيم كالقسمة والتخصيص أو التشطيب لانقضاء الحق (والمسمى التشطيب الأصلي أو المستقل) والتشطيب الناتج عن البطلان والفسخ، وإما عن انحراف تطبيقي بالإجراءات أصبحت معه النزاعات العقارية عينية كانت أم شخصية متعلقة بعقار مسجل يطلب فيها من محاكم الحق العام التخلي وتتخلى عنها فعلاً للمحكمة العقارية والحال أنها من اختصاصها وليست في تنازع مع اختصاص المحكمة العقارية. وهذا ما أكده المشرع نفسه بمناسبة تنقيحه لقانون التحيين في 12 أوت 2009 حين أضاف إلى الفصل 22 فقرة رابعة جديدة في إطار مزيد توضيح سلطة المحكمة عند النظر في مطلب التحيين ضمنها صراحة نهي دائرة الرسوم المجمدة عن “أن تحكم بالقسمة أو فسخ العقود أو إبطالها”([63]).
وربما أمكن تفسير هذا الميل الإجرائي إلى المحكمة العقارية بالتعلل بولايتها العامة على السجل العقاري حسب قانون التحيين([64]) وبقوة نفاذ أحكامها المعززة بمفعول تطهيري([65]). ولكنه لا يبرر مع ذلك خرق قواعد الاختصاص التي هي من النظام العام، ولا نظر المحكمة العقارية فيما لا تختص فيه، ولا تخلي محاكم الحق العام عن اختصاصها والحال أن هذا الإجراء جعل لحل التداخل الحقيقي المكون لتنازع فعلي على الاختصاص.
2.1- حلول التداخل:
45- توجد تقنيتان إجرائيتان لحسم الاختصاص في حالات التداخل، واحدة بيد المحكمة العقارية وتسمى وقف النظر وأخرى بيد محاكم الحق العام وتتمثل في التخلي.
1.21- وقف النظر:
46- يكون من المحكمة العقارية في المسائل الجارية أمام محاكم الحق العام في تاريخ تعهدها بالتسجيل أو بالمسح أو بالتحيين والتي لم يقع التخلي عنها لفائدتها أو في المسائل الخارجة عن أنظارها أصلاً، كقضية استحقاقية أو إبطال بيع أو شفعة أو قسمة أو دعوى حالة شخصية ذات تأثير في الاستحقاق كمطلب إصلاح حجة وفاة أو دعوى نفي نسب، أو حتى تتبع جزائي من أجل تدليس أو تزوير.
ففي مثل هذه الأحوال يتم إيقاف النظر ريثما يقع البت من محكمة الحق العام، إلا إذا تبين للمحكمة العقارية أنها مناورة لعرقلة عملها وإخراج القضية عن أنظارها فعندئذ لا تستجيب للمطلب وتواصل النظر. وقد صدر في هذا الاتجاه حكم عن فرع المحكمة العقارية بسوسة عدد 65195 بتاريخ 26 مارس 1985 رفضت فيه المحكمة دفعًا من المعترض بالقيام بقضية لدى حاكم الناحية في إبطال كتب البيع المحتج به لصدوره من أمي معتبرة إياه دفعًا قانونيًا بحتًا بإمكانها هي نفسها الجواب عنه كشأنها مع كل الدفوع القانونية وأنه دفع لا يتطلب تقديرًا للوقائع وبحثًا فيها بما يخرج حقيقة عن أنظارها، وهو لذلك دفع غير جدي فلا يلتفت إليه ولا يمنع المحكمة من مواصلة النظر.
والجدير بالملاحظة أن هذا الحل الإجرائي تفرضه المبادئ العامة للإجراءات لمنع تعهد محكمتين بنفس القضية في نفس الوقت ولا يوجد فيه نص صريح في مجلة الحقوق العينية. ولذلك ترى المحكمة العقارية تلجأ أحيانًا إلى رفض مطلب التسجيل لغموض الحالة الاستحقاقية على أساس الفصلين 331 و 336 م. ح. ع. ولكن هذا الحل، على شرعيته، ليس مناسبًا لوضعية الحال لأنه يفترض إما انعدام الأدلة والمؤيدات أو تقديمها مع فحصها وتأكد غموضها، ولا يفترض ارتباط المطلب بقضية أخرى. كما أن الرفض يوجب تقديم المطلب من جديد مع تحمل مصاريف جديدة حال أن وقف النظر يبقى التعهد الأصلي قائمًا ليستأنف النظر من جديد عند زوال المانع.
2.2.1- التخلي:
47- التخلي هو تقنية إجرائية لحسم تنازع الاختصاص جعلت بيد محاكم الحق العام لسحب التعهد بنظر القضية وإسناده إلى المحكمة العقارية. وقد كان التنصيص عليه خلافًا لوقف النظر صريحًا ومؤكدًا في كل مواضع اختصاص المحكمة العقارية سواء في التسجيل الاختياري (الفصل 331 م. ح. ع) أم في التسجيل الإجباري (الفصل 13 من مرسوم 1964) أم في تحيين الرسوم العقارية (الفصل 9 من قانون التحيين). والمتأمل في هذه النصوص يلاحظ أن التخلي لا يخضع لنفس النظام ولا يطرح نفس الصعوبات فيها جميعًا، وإنما هو في التسجيل الاختياري والتحيين مختلف عنه في المسح الإجباري.
أولاً: التخلي في التسجيل الاختياري وفي التحيين:
48- ينص الفصل 331 م. ح. ع على أن “لكل شخص استدعي لدى إحدى محاكم الحق العام أن يطلب منها قبل الخوض في الأصل التخلي عن القضية بشرط أن يكون قد قدم بصفة قانونية مطلبًا في التسجيل وأن يسعى باستمرار في القيام بما يستلزمه النظر في ذلك المطلب”.
ومثله الفصل 9 من قانون التحيين: “لكل شخص استدعى لدى إحدى محاكم الحق العام أو لدى اللجنة الجهوية لتصفية الأحباس الخاصة والمشتركة أن يطلب منها قبل الخوض في الأصل التخلي عن القضية أو المطلب بشرط أن يكون قد قدم بصفة قانونية مطلبًا لدى المحكمة العقارية في حدود نظرها المبين في الفصول السابقة وأن يسعى باستمرار في القيام بما يستلزمه النظر في ذلك المطلب”.
ويفسر هذا الشبه بين النصين بقرب قانون التحيين من التسجيل الاختياري إذ فصل على منواله حتى لكأنه إعادة تسجيل على الرسم. ويثير النصان المذكوران بعض الصعوبات المتعلقة بمجالهما وبمراقبة شروط تطبيقهما.
49- بالنسبة إلى المجال فلا يدخل فيه إلا حالات تداخل الاختصاص بحيث لا يكون منه صور التداخل الوهمي المشروحة سابقًا([66]) لأن التخلي يفترض إسناد الاختصاص للمتخلى لفائدته ولا يجوز لمحاكم الحق العام استبعاد اختصاصها بالتخلي. وعليه فإن التخلي ينحصر في التسجيل الاختياري في الدعاوى الاستحقاقية ولا يشمل الدعاوى الحوزية التي تبقى من اختصاص قاضي الناحية([67]) ولا الدعاوى الشخصية المتصلة بالحقوق المعنية بالتسجيل كدعاوى صحة أو بطلان العقود أو فسخها أو الشفعة أو الأولوية في الشراء… ولا الدعاوى المختلطة كدعاوى الشفعة والرهن… ولا دعاوى الحالة الشخصية المؤثرة في الحقوق العينية موضوع المطلب كدعوى طلاق أو إبطال اشتراك في الملكية بين الزوجين أو إثبات أو نفي نسب أو نزاع حول وصية… بل وحتى في الدعاوى الاستحقاقية فهو لا يشمل ما كان منها موضوع اختصاص مطلق لمحاكم الحق العام كدعوى القسمة التي تختص بها المحكمة الابتدائية حسب الفصل 116 م. ح. ع، أو ما كان راميًا إلى إنشاء حق لأن المحكمة العقارية تقر الحقوق ولا تنشئها ومثال ذلك الحكم بممر لعقار في حالة اكتناف طبق الفصل 177 وما بعده م. ح. ع([68])، فهذه الدعاوى من اختصاص المحكمة الابتدائية أو محكمة الناحية حسب الحالة وليس لهما التخلي عنها للمحكمة العقارية.
وبالتالي يقتصر التخلي على الدعاوى العينية الاستحقاقية المؤسسة على حق عيني عقاري طبق الفصلين 20 م. م. م. ت و 12 م. ح. ع. وهذا ما يؤيده الفصل 325 فـ 2 م. ح. ع الذي يضبط تاريخ انتهاء أجل الاعتراض على مطلب التسجيل في صورة وجود قضية سابقة منشورة لدى محاكم الحق العام حكم فيها بالتخلي ويدقق طبيعة تلك القضية من كونها “قضية استحقاقية”([69])! ومعلوم أن مفترض الفصل 325 م. ح. ع هو نفس مفترض الفصل 331 م. ح. ع المنظم للتخلي بما يفهم معه أن موضوع التخلي حسب الفصل 331 م. ح. ع ينحصر في القضايا الاستحقاقية طبقًا لما وضحه الفصل 325 م. ح. ع على التدقيق السابق الذي يستثنى حالات الاختصاص المطلق والأحكام المنشئة.
ومثل هذا يقال عن الفصل 9 من قانون التحيين مع إيلاء ملاحظة خاصة لعبارة النص المشيرة إلى حصر التخلي في حدود نظر المحكمة العقارية المبين بفصول قانون التحيين، مما يؤكد وجوب تعلقه بحالات التداخل الحقيقي للاختصاص والتي ليس منها ما تقدم ذكره في التداخل الوهمي وكذلك التداعي الحوزي الذي يبقى من اختصاص قاضي الناحية على أساس الفصل 307 م. ح. ع ولو كان الرسم موضوع مطلب تحيين([70]).
50- وأما بالنسبة إلى مراقبة شروط تطبيق التخلي في كلا النصين فالصعوبة كامنة أحيانًا في تحديد مضمون بعضها عمليًا كمفهوم الخوض في الأصل الذي يجب تقديم مطلب التخلي قبل الشروع فيه، والمقصود الشروع في فحص الطلبات والدفوعات الأصلية. ولكن متى يمكن الجزء بذلك؟ وهل يجوز طلب التخلي في الاستئناف إذا صدر حكم ابتدائي في الأصل؟… وأحيانًا أخرى في عدم دقة بعضها كشرط السعي باستمرار في القيام بما يستلزمه مطلب التسجيل والتحيين، فما معنى الاستمرار في السعي؟ وهل إذا ثبت تعطل السعي أو توقفه يرفض التخلي والحال أنه مشروط بالأسبقية عن الخوض في الأصل؟ ومن الذي سيثبت ذلك؟… وحتى إذا أمكن إعطاء مضمون واضح لهذا الشرط([71]) فإن ملاءمته منطقيًا لطلب إجرائي محدد كالتخلي تبدو مستعصية، ومراقبة تحققه تبدو مستبعدة حتى لكأنه ليس شرطًا حقيقيًا بقدر ما هو استحثاث واستنهاض لطالب التسجيل في فعل ما يلزم للوصول إلى مبتغاه وليس لمحكمة الحق العام رقابة فعلية عليه([72]). وعلى كل فالمحكمة ليست ملزمة بالتخلي بل يمكنها رفضه ومواصلة النظر وذلك خلافًا للتسجيل الإجباري حيث التخلي وجوبي.
ثانيًا: التخلي في التسجيل الإجباري:
51- فعلاً ففي التسجيل الإجباري يسند الاختصاص للجنة المسح وينزع وجوبًا عن محاكم الحق العام إذ ينص الفصل 13 من مرسوم 20 فيفري 1964 على ما يلي: “النزاعات الحوزية أو الاستحقاقية المتعلقة بعقار فلاحي مشمول في منطقة مسح عقاري تصبح بعد نشر القرار القاضي بفتح عمليات المسح من أنظار لجنة المسح (فقرة أولى). وجميع النزاعات الحوزية أو الاستحقاقية المتعلقة بعقار فلاحي مشمول في منطقة مسح عقاري والتي لا تزال على بساط النشر أمام محاكم الحق العام إلى يوم نشر القرار القاضي بفتح عمليات المسح يقع التخلي عنها لفائدة لجنة المسح ويوجه إليها الملف على ما هو عليه (فقرة ثانية). ولا تنطبق أحكام الفقرة السابقة على لجان تصفية الأحباس المحدثة بالأمر المؤرخ في 20 ذي الحجة 1376 (18 جويلية 1957) (فقرة ثالثة)”.
إن أول ما يلاحظ في هذا النص زيادة على الصبغة الوجوبية للتخلي أنه يمتد إلى النزاعات الحوزية فيزيد بذلك تميزًا عن التسجيل الاختياري والتحيين.
وتدعو هذه الملاحظة تعليقًا خاصًا إضافة إلى قصر مجال الفصل 13 على العقارات الفلاحية واستثناء لجان الأحباس من التخلي.
52- فبخصوص التخلي الحوزي يلاحظ أنه كان مصدرًا لصعوبات تطبيقية جمة جعلت أصواتًا تنتقده([73]) لعدم جلاء الحكمة من سنه والتي يبدو أنها كامنة في أن المسح الإجباري يهدف عند تسجيل العقارات غير المسجلة وغير المبنية الكائنة داخل مناطق المسح إلى إحداث رسوم عقارية تعوض وجوبًا رسومها التقليدية حسب الفصل 2 من مرسوم 1964، وكذلك “الرسوم الحوزية المسلمة إثر عمليات المسح السابقة” عملاً بالفصل 18 من المرسوم باعتبار أن تقنية المسح كانت مستعملة قبل مرسوم 1964 في المجال الحوزي على أساس أمري 10 جويلية 1947 و 30 أوت 1951([74]). وهذا ما يفسر نظر لجنة المسح في الحوز وبالتالي خصها بالنظر في نزاعاته، خصوصًا أن ذلك من شأنه أن يمنع تشتت التقاضي ويحصر الاختصاص في جهة واحدة هي الأقرب للعقار ولمشاكله. كما أن تصور المسح هو أن يكون طريقة سريعة للتسجيل لا تطول قدر التسجيل الاختياري فترك حاكم الناحية مختصًا يؤول إلى إفراغ أحكامه من قوتها وإطالة النزاعات حال أن التسجيل قريب([75]).
وهذا من نتيجته حث لجنة المسح على الإسراع في إنجاز مهمتها تحقيقًا لمقاصد التسجيل العقاري عمومًا بتطهير الملكية العقارية وإدخال العقار في منظومة السجل العيني التي تسند الاختصاص في النزاعات الحوزية لقاضي الناحية من جديد حسب الفصل 307 م. ح. ع.
إلا أن هذا التحليل لا يفسر حكم النص الذي يبقى مع ذلك منتقدًا نظرًا لصعوباته التطبيقية الكبيرة ومنها تعريض مصالح وحقوق كثيرة للضرر بتلاشي الحماية الحوزية نتيجة تقسيم المنطقة المسحية إلى مناطق فرعية (الفصل 4 من المرسوم) فلا تمكن الحماية عمليًا إلا في المنطقة التي هي بصدد المسح ولا تتيسر في غيرها([76]).
ومنها أيضًا معرفة تاريخ انتهاء نظر لجنة المسح الذي يعود بعده الاختصاص لقاضي الناحية: هل هو تاريخ صدور الحكم المسحي، أم تاريخ صدور قرار ختم أعمال المسح من رئيس المحكمة العقارية طبق الفصل 8 من المرسوم؟([77])
53- وأما بخصوص حصر مجال التخلي في العقارات الفلاحية دون غيرها فالنص يشير صراحة في فقرتيه الأوليين إلى “النزاعات الحوزية والاستحقاقية المتعلقة بعقار فلاحي “حال أن مجال المسح العقاري توسع منذ 11 ماي 1979 ليشمل جميع العقارات غير المسجلة مهما كانت صبغتها “باستثناء العقارات المبنية الكائنة داخل المناطق البلدية ” (الفصل 2 من المرسوم). فهل ينحصر مجال النظر فعلاً في العقارات الفلاحية حسب صريح منطوقه أم ينسحب على كل العقارات الكائنة داخل المنطقة المسحية تبعًا لاتساع مجال المسح منذ سنة 1979؟ بعيدًا عن كل التفاصيل ومناقشة جميع الحجج([78]) يمكن أقرار الفرع الثاني من السؤال اعتمادًا أولاً على ملاحظة سهو تشريعي واضح ترك الفصل 13 على صياغته الحصرية الأصلية دون تنقيح رغم تغير سياسة المشرع وتوجهه إلى توسيع مجال أعمال المسح([79]) ويعزى ذلك السهو إلى اختياره تنقيح الفصل المحوري في المرسوم وهو الفصل 2 الذي يحدد مجله بصفة عامة ظنًا منه أن ذلك كاف ليشمل كل أحكام المرسوم ويسحب نظام المسح على جميع العقارات دون حاجة إلى تغيير كل الفصول المعنية([80]) بدليل أن تسمية العنوان الأول من المرسوم المندرج تحته الفصل 2 المشار إليه لم يشملها التنقيح والحال أنها أولى به وهو التي ما زالت تشير إلى “مسح العقارات الفلاحية”! واعتمادًا ثانيًا على النتائج غير المتوقعة والمعقدة التي يؤدي إليها القول بحصر الفصل 13 في المجال الفلاحي حيث سيتم التخلي الوجوبي فيه لفائدة لجنة المسح، فيما ستواصل محاكم الحق العام نظرها في العقارات الأخرى غير الفلاحية، ولا يبدو ذلك مقصودًا ولا مرغوبًا البتة من المشرع لتناقضه الصارخ مع وحدة تصور نظام المسح وتكامل أحكامه.
54- وأخيرًا فيما يتعلق باستثناء لجان الأحباس من التخلي لفائدة لجنة المسح، فقد كان محدودًا لا يشمل إلا الأحباس التي قدمت في شأنها مطالب للجان الأوقاف في ظرف عام من تاريخ نشر أمر 18 جويلية 1957 المحدث لها عملاً بالفصل 10 منه، وأصبح اليوم عاملاً على نطاق أوسع بمفعول إحياء اللجان الجهوية لتصفية الأحباس الخاصة والمشتركة بموجب قانون 22 فيفري 2000([81]) والذي لا يقيدها بفترة زمنية محددة. لكن السؤال يطرح مع ذلك عن شمول المحكمة الابتدائية بالاستثناء المذكور عند تعهدها بتصفية الأحباس إثر انتهاء أجل العام حسب أمر 18 جويلية 1957 أو بناء على إحالة الملف إليها من اللجنة طبق الفصلين 6 و 9 من الأمر مثلما نقح في 22 فيفري 2000: فهل تستثنى المحكمة الابتدائية عند نظرها في الأحباس كما تستثنى اللجنة الجهوية لتصفية الأحباس وبالتالي لا تتخلى لفائدة لجنة المسح، أم لا تستثنى من ذلك وتلزم بالتخلي باعتبارها محكمة حق عام؟ يبدو الجواب في عدم الاستثناء لأن الاستثناء خاص بلجنة تصفية الأحباس كهيكل مختص وليس متعلقًا بتصفية الأحباس كفرع من القضايا، والاستثناء يجب أن يكون حرفيًا ويؤول تأويلاً ضيقًا([82]). ثم إن المحكمة الابتدائية هي محكمة الحق العام بامتياز تخضع لحكم الفقرة الثانية من الفصل 13 من المرسوم 1964 وعليها التخلي للجنة المسح.
55- إن هذا السؤال كغيره مما سبقه يدل على مدى الصعوبات التي تطرحها قاعدة التخلي في كل مجالات التداخل بين المحكمة العقارية ومحاكم الحق العام وعلى مدى دقة قواعد الاختصاص بصفة عامة خاصة إذا كانت تتعلق بمحكمة متميزة كالمحكمة العقارية.
على أن علاقة هذه المحكمة بمحاكم الحق العام ليست دائمًا تنازعية تفترض تداخلاً في الاختصاص، بل هي أيضًا تكاملية يعاضد فيها قضاء الحق العام القضاء العقاري.
ب– تكامل الاختصاص:
56- يعني التكامل وجود مسائل عقارية متعلقة بعقارات مسجلة أسند فيها المشرع الاختصاص صراحة لمحاكم الحق العام وقد كان بإمكانه أن يسنده للمحكمة العقارية باعتبارها هي الجهة القضائية المشرفة مباشرة على السجل العقاري، لكنه خير جعل هذه القضايا من نظر محاكم الحق العام وإخراجها عن نظر المحكمة العقارية([83])، وذلك إما لاتصالها بقضايا هي من اختصاصها الطبيعي والمطلق وإما لدخولها في عموم نظرها اليومي فتكون من بين مهامها العادية وتؤديها بكل يسر فيخير عدم إثقال المحكمة العقارية بها.
من أمثلة القضايا الأولى يمكن ذكر دعوى القسمة الراجعة بالنظر إلى المحكمة الابتدائية (الفصل 116 م. ح. ع) وقضايا التبتيت العقاري المسندة لدائرة البيوعات العقارية بالمحكمة الابتدائية طبق الفصل 443 م. م. ت، والدعوى الحوزية في كف الشغب الداخلة في اختصاص قاضي الناحية على أساس الفصل 307 م. ح. ع. والدعوى الشخصية في غرم الضرر للمتضرر من حكم عقاري بالتسجيل (الفصل 337 م. ح. ع) أو بالتحيين (الفصل 27 من قانون التحيين) وهي من اختصاص المحكمة الابتدائية أو محكمة الناحية حسب قيمة الطلب (الفصلين 39 و 40 م. م. م. ت)، وكذلك دعوى التشطيب على ترسيم أو إبطال ترسيم أو فسخ حق مرسم([84]).
وأما القضايا الثانية فأهم ميدان تطبيقي لها هو ميدان القضاء الولائي المكون لمادة عمل يومية لرئيس المحكمة الابتدائية خصوصًا (ولقاضي الناحية أيضًا حسب الفصل 214 م. م. م. ت) من خلال نظره في الأذون على العرائض. ولهذا خصه المشرع بالإذن بإجراء قيد احتياطي للدعاوى على معنى الفصل 367 م. ح. ع أو باعتراض تحفظي طبق الفصل 327 م. م. ت أو بالتشطيب على القيود الاحتياطية حسب الفصل 371 م. ح. ح وكذلك بالإذن لغير المتعاقدين أو خلفائهم بتسليم نسخ من الصكوك المحفوظة بإدارة الملكية العقارية عملاً بالفصل 376 ف 2 م. ح. ع([85]).
ففي كل هذه الصور كما في صور الاختصاص المطلق لمحاكم الحق العام يظهر دور قضاء الحق العام في معاضدة القضاء العقاري، ويتبين مدى التكامل بين المحكمة العقارية ومحاكم الحق العام. وتدل التنقيحات التشريعية الأخيرة على التوجه نحو مزيد تعزيز هذا التكامل من خلال فتح إمكانية الطعن في أحكام المحكمة العقارية أمام قضاء الحق العام.
II- قضاء الطعن:
57- تقدم أن المقصود بقضاء الطعن هو قضاء الحق العام الذي يتعهد بموجب وسائل طعن يمارسها الخصوم ضد الأحكام الأصلية أي الأحكام الصادرة في الأصل سواء كانت ابتدائية أم نهائية بحسب وسيلة الطعن. ووسائل الطعن متنوعة تنقسم إلى عادية وغير عادية. ومن كل صنف هناك وسيلة مألوفة وغالبة في التطبيق هما الاستئناف والتعقيب.
ومن المعلوم أنه لم يكن هناك ذكر لهذا القضاء في الميدان العقاري إلى غاية سنة 2008 حين أرسى المشرع الطعن بالتعقيب في أحكام التسجيل أردفه في 2009 بإقرار استئناف أحكام التحيين أمام دائرة من المحكمة العقارية فجعله من مشمولات القضاء العقاري في داخله، وقد سبق شرحه([86])، خلافًا للتعقيب الذي يمارس أمام محكمة التعقيب ويظهر بحق الجانب الثاني من العلاقة الممكنة بين القضاء العقاري وقضاء الحق العام وفيه تنحصر تلك العلاقة.
وتمكن قراءة عامة وإجمالية لقانون 03 نوفمبر 2008([87]) من الوقوف على أبرز خاصيات هذا الطعن الذي يمكن نعته بالتعقيب العقاري([88]) ، وعلى مجمل أحكامه (ب).
أ– خاصيات التعقيب العقاري:
58- استحدث هذا الطعن على أنقاض الطعن القديم بالمراجعة بعلة تعزيز حقوق المتقاضين وإحاطة الحكم العقاري بمزيد الضمانات من خلال إخضاعه لمبدأ النقض وبسط رقابة محكمة التعقيب عليه. ونقح لذلك الفصل 332 م. ح. ع فحذفت منه المراجعة وأدرج فيه مبدأ الطعن بالتعقيب في الحكم العقاري والذي تم تقنينه في باب سادس جديد من عنوان “إجراءات التسجيل” ضم الفصول 357 مكرر و 357 ثالثًا و 357 رابعًا. وهذا في حد ذاته دليل تميز لهذا التعقيب لأنه لم يلحق مباشرة بالتعقيب العادي في مجلة المرافعات المدنية والتجارية وإنما أفرد بتنظيم خاص روعيت فيه خصوصيات منطق القضاء العقاري مما طبعه بخاصيات لا مثيل لها في التعقيب العادي. فهذا الطعن يوقف التنفيذ (1) وليس فيه نقض دون إحالة (2) وليس فيه تصد للموضوع في الأصل (3).
1- الخاصية الأولى: التعقيب العقاري يوقف التنفيذ:
59- إن الطعن بالتعقيب “يوقف تنفيذ الحكم المطعون فيه” حسب الفصل 332 ف 2 م. ح. ع، أي أن له مفعولاً تعليقيًا خلافًا للقاعدة العامة في التعقيب طبق الفصل 194 م. م. م. ت. ويفسر ذلك بالمفعول التطهيري للحكم العقاري الذي يرتبط بالصبغة الباتة للتسجيل إذ لا يمكن التصريح بإلغاء حقوق غير مرسمة لعدم ذكرها في الحكم العقاري على أساس الفصل 308 م. ح. ع([89]) حال أنه بالإمكان الطعن في الحكم. كما لا يمكن تحصين الحقوق المرسمة نتيجة التسجيل بالقوة التبوتية المطلقة وتطهيرها من عيوبها إذا لم يكن الحكم باتًا، وهو ما يقرره الفصل 337 م. ح. ع الذي يمنع الرجوع على العقار ولا يمنح سوى دعوى شخصية في غرم الضرر لـ “كل شخص تضررت حقوقه من تسجيل أو ترسيم ناتج عن حكم بات بالتسجيل”([90]). ويتجلى توقيف تنفيذ الحكم العقاري في تأجيل إقامة الرسم العقاري – لأن ذلك هو معنى تنفيذ حكم التسجيل([91]) – إلى حين انقضاء أجل التعقيب أو صدور القرار التعقيبي والعمل بمقتضاه([92]). وهذا ما أصبح يقضي به صريح الفصل 351 م. ح. ع” إذا لم يقع الطعن بالتعقيب وانقضى أجله يوجه ملف القضية إلى حافظ الملكية العقارية الذي يتولى إحداث رسم للعقار المسجل…”.
2- الخاصية الثانية: التعقيب العقاري ليس فيه نقض بدون إحالة:
60- إن القرار التعقيبي حسب الفصل 357 رابعًا م. ح. ع إما أن يكون بالرفض أو بالنقض مع الإحالة، وليس فيه مكان للنقض بدون إحالة. أي أن محكمة التعقيب ملزمة إن رأت وجها للنقض سواء بدائرتها (أو دوائرها) العقارية المنفردة أم بدوائرها المجتمعة أن تنقض مع الإحالة “وتصرح في كل الحالات بإرجاع القضية إلى المركز الأصلي أو الفرعي للمحكمة العقارية الذي أصدر الحكم المطعون فيه لإعادة النظر فيما تسلط عليه النقض بواسطة هيئة أخرى”([93]). وليس لها تبعًا لذلك أن تنقض الحكم المطعون فيه دون إحالة.
ويمكن تعليل هذه النتيجة بعدم تلاؤمها مع قضاء التسجيل الرامي إلى إحداث رسم للعقار المحكوم بتسجيله وهو من اختصاص المحكمة العقارية المطلق([94]). فالنقض بدون إحالة كأنه حكم في الأصل([95]) فيؤول على أنه رفض لمطلب التسجيل في التسجيل الاختياري ورفض للتسجيل أصلاً في المسح العقاري، وهذا متعارض مع أصول التسجيل العقاري حيث أن الرفض من اختصاص المحكمة العقارية حسب الفصلين 333 و 336 م. ح. ع ولا رفض أصلاً في المسح. ثم إن النقض بدون إحالة ينهي القضية عند ذلك الحد فيحول دون فحصها من جديد، وهو ما قد يؤول إلى منع تسجيل العقار مما يتعارض مع مقاصد التسجيل العقاري مطلقًا. هذا فضلاً عن أنه من الصعب جدًا تصور أن لا يبقى بعد النقض موجب لإعادة النظر مثلما تقضي به قاعدة النقض بدون إحالة حسب الفصل 177 م. م. م. ت، فإعادة النظر دائمًا ممكنة في المجال العقاري بدليل الفصل 336 م. ح. ع وما يرتبه من آثار عن رفض مطلب التسجيل وبدليل الصبغة الإيجابية للتسجيل الإجباري. ولذلك فالأصح أن ترجع محكمة التعقيب “في كل الحالات” القضية إلى الحكمة العقارية لأنها هي المؤهلة قانونًا لفصلها في الأصل.
3- الخاصية الثالثة: التعقيب العقاري ليس فيه تصد لنظر الموضوع:
61- إن ما قيل في الخاصية السابقة يصلح لتفسير الخاصية الثالثة من انعدام التصدي لنظر الموضوع إذا كانت القضية مهيأة للفصل على معنى الفصلين 176 و 191 م. م. م. ت. فالحكم العقاري يجب أن يصدر دائمًا عن المحكمة العقارية ولا يمكن لمحكمة التعقيب أن تحل محلها فيه، بل يقتصر نظرها على إجراء رقابتها القانونية خاصة أن إدارة الملكية العقارية لا تتلقى ملفًا للتسجيل وإقامة الرسم العقاري إلا من المحكمة العقارية طبقًا لمجلة الحقوق العينية([96]) فلا يمكن لمحكمة التعقيب، والحالة هذه، إلا أن تجري النظر القانوني وتقرر النقض إن كان وجيهًا “وتصرح في كل الحالات بإرجاع القضية إلى المحكمة العقارية” ولو كانت مهيأة للفصل، دون أن يكون بوسعها أن تتصدى للبت في موضوعها.
ب- أحكام التعقيب العقاري:
62- أجاز المشرع هذا الطعن حسب الفصل 332 م. ح. ع في الأحكام الإيجابية القاضية بالتسجيل سواء صدرت في تسجيل اختياري أم إجباري، ومنعه بالتالي في الأحكام القاضية برفض مطلب التسجيل الاختياري. ثم فصل أحكامه في الفصول 357 مكرر و 357 ثالثًا و 357 رابعًا م. ح. ع فخصص أولها لحالاته (1) وثانيها لإجراءاته (2) والثالث لآثاره (3).
1- حالات التعقيب العقاري:
63- أورد الفصل 357 ثالثًا سبع حالات للطعن بالتعقيب في أحكام التسجيل مثلت مزيجًا من بعض حالات التعقيب العادية حسب الفصل 175 م. م. م. ت وهي الحالات العامة للتعقيب، ومن حالات المراجعة السابقة وهي حالات خاصة.
فالحالات العامة عددها خمس توافق الحالات الأربع الأولى للفصل 357 مكرر والحالة السادسة وهي:
- انبناء الحكم على مخالفة القانون أو الخطأ في تطبيقه أو تأويله.
- صدور الحكم فيما يتجاوز اختصاص المحكمة.
- وجود إفراط في السلطة من المحكمة.
- عدم مراعاة المسقطات والمبطلات في الإجراءات أو في الحكم.
- صدور الحكم على فاقد الأهلية مع غياب تمثيله تمثيلاً صحيحًا أو التقصير في الدفاع عنه.
ويلاحظ على هذه الحالات صبغتها العامة في كل تعقيب. لكن منها ما قد لا يتلاءم مع القضاء العقاري أو أن علاقته به ضعيفة، كحالة تجاوز الاختصاص حال أنه ليس للمحكمة العقارية إلا نظر واحد في التسجيل اللهم إلا إذا تجاوزت ذلك فأنشأت حقًا عينيًا كارتفاق بالمرور، أو أبطلت عقد المعترض المرفوض اعتراضه، أي بالجملة واصلت النظر فيما عليها وقف النظر فيه، وهذا صعب التحقق عمليًا، ثم هو قد يتداخل مع حالة الإفراط في السلطة. أو كذلك حالة عدم مراعاة المسقطات والمبطلات حال غيابها عن منطق القضاء العقاري باستثناء ربما الفصل 325 م. ح. ع الذي يضع أجلاً للاعتراض على مطلب التسجيل يرفض بعده “وجوبًا”([97]). وكذلك الحالة السادسة المتعلقة بحماية فاقد الأهلية وهي إزاء السلطات الواسعة والمطلقة الممنوحة للقاضي المقرر والحاكم المكلف للسهر عليها حسب الفصلين 329 و 330 م. ح. ع، حالة نادرة الاعتماد لتسبيب طعن بالتعقيب([98]).
وأما الحالات الخاصة المأخوذة من حالات المراجعة السابقة فعددها اثنتان وهما: الحالة الخامسة المستمدة من وجود حكمين عقاريين أو أكثر بالتسجيل لذات العقار والحالة السابعة المتمثلة في انبناء الحكم العقاري على أدلة ثبت جزائيًا زورها أو تدليسها بحكم نهائي([99]). وهذان حالتان وجيهتان لكن ثانيتهما قد تزج بمحكمة التعقيب في الخوض في الوقائع والابتعاد عن حقيقة دورها في المراقبة القانونية([100]).
2- إجراءات التعقيب العقاري:
64- تتلخص إجراءات الطعن حسب الفصل 357 ثالثًا م. ح. ع في جملة من الشكليات المحمولة على الطاعن الذي يرفع طعنه في أجل معين. فالطاعن هو من كان طرفًا في الحكم المطعون فيه أو خلفاؤه في كل الحالات، وتضاف إليه النيابة العمومية في الحالة الخامسة (وجود حكمين عقاريين متناقضين) وكل من له مصلحة في الحالة السابعة (الزور أو التدليس الجزائي)([101]). أما أجل الطعن المبدئي فهو ستون يومًا من تاريخ صدور الحكم([102]) أو من تاريخ صدور الحكم الجزائي النهائي القاضي بالإدانة في الحالة السابعة([103]) وينتفي الأجل تمامًا بالنسبة إلى طعن النيابة العمومية في الحالة الخامسة([104]).
وأما شكليات الطعن فتتم على مرحلتين متعاقبتين موزعتين بين كتابة المحكمة العقارية([105]) وكتابة محكمة التعقيب. لدى الكتابة الأولى يقدم الطعن بعريضة كتابية يحررها محام لدى التعقيب تتضمن صفة الطالب وتاريخ الحكم العقاري المطعون فيه وعدده ونصه مع الطلبات([106]) وتأمين خطية بثلاثين دينارًا([107]) فيقيد الكاتب العريضة بدفتر خاص ويسلم مقابله وصلاً للطاعن ويعلم كاتب محكمة التعقيب. ثم عندما تجهز نسخة الحكم المطعون فيه يستدعي محامي المعقب ويسلمه إياها مقابل وصل ويضيف نسخة منه إلى ملف القضية قبل أن يحيله إلى محكمة التعقيب([108])، علمًا أن عدم حضور المحامي في أجل شهر من استدعائه لتسلم نسخة الحكم يسقط به طعنه([109]).
وبعد ذلك تبدأ المرحلة الثانية لدى كتابة محكمة التعقيب التي تقيد الطعن في دفتر خاص، حيث على الطاعن أن يقدم في أجل ثلاثين يومًا من تاريخ تسلمه نسخة الحكم وإلا سقط طعنه نسخة من الحكم المطعون فيه مع صورة وصل تسليمه، “ومذكرة من محاميه في بيان أسباب الطعن بصورة توضح نوع الخلل المقصود من الطعن وتحديد مرماه مع ما له من المؤيدات” وما يفيد تبيلغ عريضة الطعن وأسبابه إلى المعقب ضده (وهو المحكوم له بالتسجيل أو خلفاؤه) وذلك بواسطة رسالة مضمونة الوصول إلى عدل منفذ([110]). وللمعقب ضده أن يقدم جوابه بواسطة محاميه في أجل ثلاثين يومًا من تبليغه عريضة الطعن([111]).
وبهذه الشكليات تستكمل إجراءات الطعن([112]) ويعرض على المحكمة للبت فيه.
3- آثار التعقيب العقاري:
65- تختلف هذه الآثار طبق الفصل 357 رابعًا م. ح. ع بحسب قبول مطلب التعقيب أو رفضه. ففي صورة الرفض يحيل كاتب المحكمة القرار إلى رئيس المحكمة العقارية الذي يوجهه مع حكم التسجيل إلى إدارة الملكية العقارية لإقامة الرسم العقاري([113]) لأن الحكم أصبح بذلك باتًا قابلاً للتنفيذ. وأما في صورة القبول فتقرر محكمة التعقيب نقض الحكم المطعون فيه كليًا أو جزئيًا مع إحالته وجوبًا فيرجع إلى رئيس المحكمة العقارية الذي يحيله على دائرة الإحالة لدى المحكمة العقارية بهيئة أخرى والتي تتعهد، بموجب المفعول الرجعي لقرار النقض([114])، بالملف على الحالة التي كان عليها قبل الحكم الواقع نقضه. وينظر مآل القضية عندئذ حسب حكم محكمة الإحالة، فإما رفض مطلب التسجيل أو الحكم بالتسجيل وإقامة الرسم العقاري عند انقضاء أجل التعقيب من جديد بغير طعن أو الطعن ثانية بالتعقيب فإن كان لنفس السبب تلتئم الدوائر المجتمعة ويكون قرارها واجب الإتباع من محكمة الإحالة([115]).
66- ولئن التقت هذه النتيجة مع القاعدة الإجرائية العامة للدوائر المجتمعة حسب الفصل 191 م. م. م. ت أو تم سحب الإجراءات لدى محكمة التعقيب على التعقيب العقاري طبق الفصل 357 رابعًا ف 7 م. ح. ع، فإن ذلك لا يمنع اصطباغ هذا الطعن بخصوصية واضحة دلت عليها خاصياته ومحمل أحكامه المتقدم شرحها بل أكده المشرع نفسه بمراعاة الباب السادس المخصص للتعقيب وكذلك صريح الفقرة الأخيرة من الفصل 357 رابعًا م. ح. ع المشار إليها والتي فرضت مراعاة أحكام التعقيب العقاري في مجلة الحقوق العينية فيما قد يتعارض مع الإحالة إلى إجراءات التعقيب في مجلة المرافعات المدنية والتجارية.
خاتمة:
67- لعله ليس من فضل القول ولا تكراره التذكير، في ضوء الملاحظة الأخيرة عن الطعن في حكم التسجيل، بما تقدم بيانه في قضاء الأصل من اختلاف منطق القضاء العقاري كما هو معروف عند المحكمة العقارية عن مثيله في قضاء الحق العام، وبالتالي بعد القضاء العقاري الأصلي عن قواعد الإجراءات المدنية مما يدفع بالتساؤل، عودًا على بدء، عن واقع القضاء العقاري والمحكمة العقارية اليوم وغدًا: هل وصل إلى “مفترق الطرق”([116]) من جديد بحيث يتجه إما إلى إرساء منطق قضاء الحق العام في المحكمة العقارية والإعلان عن تخليها تدريجيًا عن خصوصياتها لتنصهر يومًا ما في القضاء المدني العادي، وإما إلى التمسك بخصوصيات هذه المحكمة مع التفكير في دعم الضمانات داخلها وفي دعمها هي نفسها لحسن إنجاز مهامها المتكاثرة بحكم تعدد اختصاصاتها الداخلية؟
إن الاختيار بين هذا وذاك ليس بالأمر الهين. وما تنظيم الطعون في الأحكام العقارية إلا دليل على ذلك حيث وضع للتحيين استئناف داخلي لا يعقبه تعقيب وللتسجيل تعقيب “خارجي” لا يسبقه استئناف.
وربما كان لحداثة هذين الطعنين أثر زمني في تأخير الحسم في الاختيار المصيري، لكن لا يفوت، في الانتظار، رصد معطيين بالغي الأهمية عن المحكمة العقارية. الأول أن صميم وجودها كامن في اختصاص وقتي زائل بانتهاء أعمال التسجيل والتحيين. والثاني أنها، وبالتجاوز عن صبغتها الوقتية، اكتسبت بحكم تفردها عن المثيل خصوصية تونسية ترقى بها بعد قرن وربع من الزمان ومزيد إلى الخصوصية الثقافية!
فهل من العسير على ذي الأمر أن يجمع بين هذين المعطيين؟ لننظر ماذا يرى!
[*] أصل هذا المقال تقرير افتتاحي ألقاه المؤلف في افتتاح أشغال ملتقى علمي بنفس العنوان نظم بمبادرة من جمعية الحقوقيين بصفاقس بمشاركة كلية الحقوق بصفاقس ومجلس الفرع الجهوي للمحامين بصفاقس (يومي 7 و 8 ديسمبر 2007).
[1] انظر الأمر المؤرخ في 19 فيفري 1957 المتعلق بإعادة تنظيم المحكمة العقارية للبلاد التونسية (رائد رسمي عدد 16 صادر في 22 فيفري 1957) الذي حذف عضوية الفرنسيين من تركيبة المجلس العقاري المختلط واستبدل بالتالي بتسميته تسمية المحكمة العقارية للبلاد التونسية. وللإشارة، فإن التسمية الحالية المختصرة للمحكمة العقارية اعتمدتها مجلة الحقوق العينية عند صدورها في 12 فيفري 1965 في عدة فصول أولها الفصل 310 م. ح. ع.
[2] محمد كمال شرف الدين، الوظائف الجديدة للمحكمة العقارية ومبدأ التقاضي على درجتين، في القضاء الابتدائي، نشر كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس، مجموعة لقاءات الحقوقيين، العدد السابع، ص 477.
[3] انظر الفصل 310 م. ح. ع. وانظر في انعكاس ذلك على الاختصاص الترابي للمحكمة العقارية: علي كحلون، أزمة السجلات العينية في تونس، أطروحة دكتوراه في القانون الخاص، كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس، 2007- 2008، ص 177 وما يليها.
[4] انظر الفصل 332 م. ح. ع قديم وجديد والفصل 351 جديد م. ح. ع بعد تنقيحهما بموجب القانون عدد 67 لسنة 2008 المؤرخ في 3 نوفمبر 2008 الذي أرسى إمكانية الطعن بالتعقيب في حكم التسجيل، وانظر لاحقًا فـ 15 وفـ 57 وما بعدها.
[5] انظر الفصل 2 من القانون الأساسي عدد 29 لسنة 1967 المؤرخ في 14 جويلية 1967 المتعلق بالمجلس الأعلى للقضاء ونظام القضاء والقانون الأساسي للقضاة، رائد رسمي عدد 30 صادر في 14 جويلية 1967.
[6] يقصد بحركة الإصلاح العقاري جملة الحلول والآليات والوسائل التي تدخل بها المشرع لإصلاح نظام السجل العيني والإشهار العقاري. وقد صدر في هذا الغرض كم هائل من القوانين فاق العشرين انطلقت مع قوانين سنة 1992 المكرسة لمبدأ المفعول المنشئ للترسيم لمواجهة معضلة الرسوم المجمدة. انظر بمزيد التفصيل: محمد كمال شرف الدين، إصلاح نظام الإشهار العقاري من خلال قوانين سنتي 2000 و 2001، في جديد التحيين والترسيم، أعمال ملتقى نظمته الجمعية التونسية للقانون العقاري في شهر ماي 2001، تونس 2002، ص 7. – أحمد بن طالب، الجديد في الترسيم بالسجل العقاري من خلال قوانين 2000 – 2001، في جديد التحيين والترسيم، مرجع سابق، ص 21.
[7] وتحديدًا تاريخ 23 جانفي 1995 الموافق لصدور القانون عدد 10 لسنة 1995 المتعلق بتنقيح وإتمام بعض الأحكام من مجلة الحقوق العينية (رائد رسمي عدد 9 صادر في 31 جانفي 1995) ومنها الفصول المتعلقة بالمحكمة العقارية وخصوصًا الفصلين 332 و 388 م. ح. ع.
[8] تجدر الإشارة إلى توجه المشرع إلى تعميم إشراف المحكمة العقارية على السجل العقاري وعدم قصره على الرقابة القضائية فأصبح يشمل جوانب إدارية من ذلك حفظ نسخة من سجلات الملكية العقارية في فرع المحكمة العقارية الذي بدائرته إدارة الملكية العقارية المعنية وتوقيع سجل الإيداع من قبل رئيس المحكمة العقارية (الصفحتين الأولى والأخيرة والتنصيص على عدد صفحاته بالصفحة الأولى مع الإمضاء) معوضًا بذلك تباعًا محكمة الاستئناف ورئيس المحكمة الابتدائية طبقًا للفصلين 381 و 384 الجديدين م. ح. ع. إثر تنقيحهما بالقانون عدد 34 لسنة 2010 المؤرخ في 29 جوان 2010 (رائد رسمي عدد 53 صادر في 2 جويلية 2010، ص 1861). ولكن هذه الدراسة تقف بحكم موضوعها عند الإشراف القضائي.
[9] الكتابات في هذا الخصوص كثيرة، انظر خاصة: محمود العنابي، قانون التسجيل العقاري علمًا وعملاً، نشر معهد البحوث والدراسات العربية، الألكسو، القاهرة 1973. – الهادي سعيد، تطور الملكية العقارية وأثره في تونس، نشر مركز الدراسات القانونية والقضائية بوزارة العدل، تونس 1996. – على كحلون، أحكام القانون العقاري التونسي بين التسجيل والإشهار، دار الميزان للنشر، سوسة 2000. – حامد النفعاوي، الوجيز في قانون السجل العيني، دار الميزان للنشر، سوسة 2002.
– Georges SOULMAGNON, La loi tunisienne du 1 er juillet 1885 sur la propriété immobiliére et le régime des livres fonciers, Sirey Paris 1933.
[10] على كحلون، أزمة السجلات العينية في تونس، أطروحة سابقة، ص 215.
[11] علي كحلون ونبيل الراشدي، الإجراءات لدى المحكمة العقارية، منشورات المعهد الأعلى للقضاء، غير مؤرخ، ص 55.
[12] صورة المشكلة أن الفصل 334 م. ح. ع. يحلي الحكم العقاري بالصيغة التنفيذية التي لا تتلاءم مع طبيعته الإقرارية، لكنها مفيدة لمواجهة حائزين للعقار غير المحكوم له بالتسجيل فيستطيع هذا الأخير إخراجهم بموجب الحكم كونه سندًا تنفيذيًا (عينيًا) ضدهم، إلا أن عدم تضمن نص الحكم إلزامًا بالخروج يمنع تنفيذه جبريًا ويجبر المحكوم له على اللجوء إلى القاضي الاستعجالي للحصول على حكم في الخروج.
[13] هو المرسوم عدد 3 لسنة 1964 المؤرخ في 20 فيفري 1964 المتعلق بالتسجيل العقاري الإجباري (رائد رسمي عدد 9 صادر في 21 فيفري 1964، ص 223) والمصادق عليه بالقانون عدد 3 لسنة 1964 المؤرخ في 21 أفريل 1964 (رائد رسمي عدد 21 صادر في 24 – 28 أفريل 1964، ص 571).
[14] انظر بمزيد التفصيل: سمية اليزيدي: التسجيل العقاري الإجباري، مذكرة ماجستير في القانون الخاص، كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس، 2007 – 2008 – حسن البرقاوي، التسجيل الجبري وتأثيره في التنمية الاقتصادية، مجلة القضاء والتشريع، نوفمبر 1963، ص 7/797. – الطيب بسيس، نظرات عابرة على قانون التسجيل العقاري الإجباري، ق. ت. جوان 1964، ص 8/452. – كمال البقلوطي، المسح العقاري وإشكالاته القانونية في القانون التونسي، مجلة دراسات قانونية، كلية الحقوق بصفاقس، عدد 13، 2006، ص 55. – بلقاسم الكنزاري ومحمد الصالح بليش وهشام البريكي، التسجيل العقاري الإجباري، مجموعة محاضرات ختم التربص، الهيئة الوطنية للمحامين، تونس 1989، ص 537.
[15] علي كحلون، أزمة السجلات العينية بتونس، أطروحة سابقة، ص 201.
[16] وردت هذه الأرقام في جواب وزير العدل على أسئلة النواب أثناء مناقشة قوانين 4 ماي 1992، مداولات مجلس النواب، الرائد الرسمي عدد 30، جلسة 28 أفريل 1992، ص 40.
[17] الفصل 332 قديم فقرة أولى م. ح. ع.: “أحكام المحكمة العقارية لا تقبل الطعن بالاعتراض ولا بالاستئناف ولا بأية وسيلة أخرى”.
[18] راجع في هذا الاختصاص: – نبيل الراشدي، إصلاح الأحكام العقارية، تحليل الفصل 332 مكرر م. ح. ع، ق. ت. فيفري 2001، ص 69. – طارق الحيدري، إصلاح الوثائق العقارية، مذكرة ماجستير في القانون الخاص، كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس، 2004 – 2005.
[19] تتألف هذه الدوائر من رئيس المحكمة العقارية أو الوكيل الأول ومن أربعة وكلاء ممن لم يسبق لهم المشاركة في الحكم (الفصل 332 ف 4 م. ح. ع)..
[20] راجع مجمل قرارات المحكمة العقارية المنشورة بنشرية قرارات وأحكام المحكمة العقارية في مادة المراجعة، مركز الدراسات القانونية والقضائية بوزارة العدل، المجموعة الأولى 1995 – 1998، والمجموعة الثانية، 1999 – 2000.
[21] سيأتي تحليله لاحقًا في إطار القضاء العقاري في محيطه، فقرة 57 وما بعدها.
[22] انظر الفصل 3 من قانون 03 نوفمبر 2008.
[23] انظر الفصلين 316 و 380 م. ح. ع.
[24] بموجب القانون عدد 34 لسنة 2001 المؤرخ في 10 أفريل 2001 المتعلق بتحيين الرسوم العقارية، رائد رسمي عدد 30 صادر في 13 أفريل 2001، ص 967. وسنسميه لاحقًا قانون التحيين.
[25] راجع القانون عدد 39 لسنة 1992 المؤرخ في 27 أفريل 1992 المتعلق بتحيين الرسوم العقارية وتخليصها من الجمود (رائد رسمي عدد 27 صادر في 5 ماي 1992) والذي أوكل مهمة التحيين إلى لجان جهوية يرأسها الوالي أو الكاتب العام للولاية! وتضم إداريين وقاضيًا من المحكمة العقارية. وقد ألغي هذا القانون بقانون 10 أفريل 2001 المشار إليه.
[26] انظر الفصل 4 من قانون 10 أفريل 2001.
[27] انظر في التحيين عمومًا وشرح قانون 10 أفريل 2001: – أحمد بالحاج جراد، الخيار القضائي لتحيين الرسوم المجمدة، مجلة دراسات قانونية، كلية الحقوق بصفاقس، عدد 8، 2001 ص 75. – علي كحلون ونبيل الراشدي، الإجراءات لدى المحكمة العقارية، مرجع سابق، ص 78 وما بعدها.
[28] القانون عدد 67 لسنة 2009 المؤرخ في 12 أوت 2009 المتعلق بتنقيح القانون 10 أفريل 2001، رائد رسمي عدد 65 صادر في 12 أوت 2009، ص 2896.
[29] انظر القانون عدد 91 لسنة 2000 المؤرخ في 31 أكتوبر 2000 والمتعلق بتطبيق المفعول المنشئ للترسيم على بعض الرسوم العقارية، رائد رسمي عدد 88 صادر في 03 نوفمبر 2000، ص 2881. وانظر في شرحه: محمد كمال شرف الدين، إصلاح السجل العقاري…، مقال سابق، مرجع سابق، ص 12 – 13. – أحمد بن طالب، الجديد في الترسيم…، مقال سابق، مرجع سابق، ص 36 وما يليها.
[30] انظر الفصول 12 و 13 و 14 من قانون التحيين.
[31] تذكر هذه الدائرة بمحكمة الوزارة التي كانت بمثابة محكمة استئناف في ظل مجلة المرافعات المدنية القديمة لسنة 1910.
[32] انظر: علي كحلون: التعليق على مجلة الحقوق العينية وقانون التحيين، منشورات مجمع الأطرش للكتاب المختص، تونس 2010، ص 70 وما يليها.
[33] انظر بمزيد التفصيل: رياض الجمل، دور المحكمة العقارية في تجاوز صعوبات التحيين، مداخلة في ملتقى القضاء العقاري اليوم، في دراسات قانونية، كلية الحقوق بصفاقس، عدد 15، 2008، ص 219، انظر خاصة صفحة 233.
[34] راجع: الحبيب الشطي، الرهون العقارية القديمة، ق. ت، نوفمبر 2005، ص 73.
[35] انظر صورة الصعوبات في: الحبيب الشطي، ملكية الأراضي الفلاحية بتونس، في دراسات في القانون العقاري للمؤلف، المجموعة الأولى، دار الميزان للنشر، سوسة 1996، ص 69.
[36] انظر الفصلين 24 و 25 من قانون التحيين.
[37] تقدر هذه الفترة بعشرين سنة في العقارات الدولية الفلاحية طبق الفصل 23 من القانون عدد 21 لسنة 1995 المؤرخ في 13 فيفري 1995.
[38] يفرض هذا النص إثر تنقيحه في 11 نوفمبر 2000 بموجب القانون عدد 94 لسنة 2000 ألا يقع التفويت من الباعث إلا في ضوء مشروع تقسيم معد من قبل ديوان قيس الأراضي أو خبير في المساحة مصادق عليه، ولو قبل إنجاز التقسيم. وعليه التنصيص بالعقد على عدد مطلب التقسيم وتاريخ تقديمه وعلى عدد وصل خلاص مصاريف التقسيم وتاريخه.
[39] راجع سابقًا ف 21 و 22.
[40] انظر الفصل 27 من قانون التحيين الذي يمنح المتضرر من حكم التحيين دعوي شخصية في غرم الضرر مستنسخة من دعوى المتضرر من التسجيل طبق الفصل 337 م. ح. ع. ومعلوم أن هذه الدعوى منبنية على المفعول التطهيري للحكم العقاري وتعتبر إحدى أهم دعاماته. انظر بمزيد التفصيل: خولة الوهابي، حماية الغير في قانون تحيين الرسوم العقارية، مذكرة ماجستير في القانون الخاص، كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس، 2008 – 2009، ص 96 وما يليها. – سمية اليزيدي، التسجيل العقاري الإجباري، مذكرة سابقة، ص 103 وما يليها.
[41] انظر في هذه الاختصاصات المراجع المتعلقة بالتحيين بصفة عامة، وعلى الأخص تلك المذكورة بالهامش 27 السابق.
[42] تم ذلك بموجب تنقيح الفصل 388 م. ح. ع. بالقانون عدد 10 لسنة 1995 المؤرخ في 23 جانفي 1995. وقد نقح نصه مرتين تباعًا بالقانون عدد 68 لسنة 1997 المؤرخ في 27 أكتوبر 1997 والقانون عدد 35 لسنة 2001 المؤرخ في 17 أفريل 2001، انظر لاحقًا ف 56 هـ 85.
[43] لقد سبق تناول عينات من هذه العلاقة في الجزء الأول من هذا البحث. انظرها في مواضع متفرقة، وانظر عمومًا المراجع المختارة في التسجيل والتحيين العقاريين في الهوامش السابقة 9 و 14 و 27.
[44] ليلاحظ حديث النصوص التشريعية عن “مطلب التسجيل” و “مطلب التحيين”!
[45] وهو ما يؤكد خروجها عن نطاق مجلة المرافعات المدنية والتجارية المنظمة حسب فصلها الأول للمحاكم التي تنظر “في جميع النزاعات المدنية والتجارية”.
[46] انظر في هذا الاتجاه: علي كحلون، أزمة السجلات العينية في تونس، أطروحة سابقة، ص 211 وما يليها.
[47] يميز فقه قضاء المحكمة العقارية وجريان عملها صلب الاعتراضات على التسجيل العقاري بين ما هو اعتراض بالمعنى الدقيق و “التداخل” ويقصد به التصريح الصادر عن غير طالب التسجيل أو المصرح بالملكية في التسجيل الإجباري ويكون موضوعه حقًا عينيًا ناشئًا بعد تقديم مطلب التسجيل أو التصريح بالملكية فلا يكون مشمولاً بالمفعول التطهيري للحكم العقاري خلافًا للاعتراض الذي يتعلق بالحقوق السابقة عن ذلك التاريخ فينالها الإلغاء عند عدم التصريح بها طبقًا للفصل 308 فـ 2 م. ح. ع. وواضح هكذا أن لا علاقة لهذا “التداخل” مع التداخل الإجرائي حسب الفصلين 224 و 225 م. م. م. ت.
[48] وذلك برغم التنصيص على رفض الاعتراض وجوبا، فالمحكمة تتجاوز عن هذا الجزاء صونًا للحقوق.
[49] راجع سابقًا فـ 11 هـ 12.
[50] قرار تعقيبي عدد 3784 مؤرخ في 11 مارس 1980، المجلة القانونية التونسية، 1980، ص 247. وقد أعيد نشره بمجلة القضاء والتشريع في سلسلة قرار في الذاكرة بتقديم لعصام الأحمر، جانفي 2009، ص 167.
[51] انظر: أحمد بن طالب، القواعد العامة للقانون في فقه قضاء محكمة التعقيب، في خمسون عامًا من فقه القضاء المدني، مؤلف جماعي لوحدة البحث “قانون مدني” بكلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس، نشر مركز النشر الجامعي، تونس 2009، ف 4، ص 189.
[52] راجع في ذلك أعمال الملتقي الذي نظمه مركز الدراسات والبحوث والنشر بكلية الحقوق والعلوم السياسية والاقتصادية بتونس يوم 05 ديسمبر 1980، المجلة القانونية التونسية 1980، ص 251 وما يليها.
Nadhir BEN AMMOU, Le pouvoir de contrÔle de la cour de cassation, these, faculté de droit et des sciences politiques de Tunis, 1996, n˚ 927, p 454.
[53] يؤكد ذلك تنصيص الفصل 5 ف 2 من قانون التحيين على أن المحكمة العقارية “تنظر أيضًا في الصعوبات الناشئة عن عدم إتمام الإجراءات القانونية المطلوبة لدى إدارة الملكية العقارية وفي المطالب الرامية لتجاوز تلك الإجراءات أو تسهيل القيام بالعمليات المطلوبة”.
[54] انظر: محمد المنصف الزين، خصوصية الإجراءات لدى المحكمة العقارية، مداخلة في ملتقى التقاضي العقاري وخصوصياته، ومجلة بحوث ودراسات قانونية، جمعية الحقوقيين بصفاقس، عدد 5، 2010، ص 361 – رضا بنكريم، الخصوصيات الإجرائية أمام المحكمة العقارية، مداخلة في ملتقى التقاضي العقاري وخصوصياته، مرجع سابق، ص 337.
[55] انظر: الأسعد الشنوفي، إثبات الملكية العقارية، أطروحة دكتوراه، كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس، 2010.
[56] ولذلك لا يقبل من فرع المحكمة العقارية بصفاقس حكمه برفض معارضة بعض الخصوم المؤسسة على حكم استحقاقي مدني أحرز على قوة ما اتصل به القضاء بعلة أن المحكمة العقارية محكمة استثنائية تتوخى إجراءات خاصة بها ولا ترتبط بأحكام المحاكم الأخرى (الحكم عدد 71044 المؤرخ في 15 جويلية 1985، مشار إليه في محاضرة المسح العقاري الإجباري لبلقاسم الكنزاري ومحمد هشام بليش ومحمد صالح البريكي، مرجع سابق، ص 549).
[57] انظر في هذا الاتجاه منشور السيد رئيس المحكمة العقارية إلى السادة رؤساء فروع المحكمة العقارية بتاريخ 27 سبتمبر 1985 وقد جاء فيه بالخصوص ما يلي: “إن اتصال القضاء هو من القرائن القانونية المسلم بها في كافة التشاريع القانونية ومن ضمنها التشريع التونسي… وهاته القرينة تغني صاحبها عن إقامة أي دليل كلما توفرت شروطها في جانبه… وذلك أمام كافة المحاكم على اختلاف أصنافها ولا يمكن للمحكمة العقارية أن تشد عن هذا المبدأ العام”. مشار إليه في مذكرة سمية اليزيدي عن التسجيل العقاري الإجباري، مذكرة سابقة، ص 38.
[58] انظر: مصطفى صخري، المرافعات المدنية والتجارية والإدارية والجبائية، دراسة نظرية وتطبيقية في القانون التونسي والمقارن، دار نهى للطباعة والنشر والتوزيع، صفاقس، الطبعة الثانية، تونس 2004، ص 191 – أحمد السيد الصاوي، الوسيط في شرح قانون المرافعات المدنية والتجارية، دار النهضة العربية، القاهرة، 1981، فـ 180، ص 259.
– Jacques HERON et Thierry LE BARS, Droit judiciaire privé, Paris, Montchrestien, 2˚éd, 2002, n˚ 920, p 721.
[59] انظر: أحمد بن طالب، التشطيب على الترسيم بالسجل العقاري، المجلة القانونية التونسية، 1996، ص 73. ومن أمثلة ذلك نذكر: التشطيب على انتفاع انقضى بموت المنتفع أو ارتفاق انقضى باتحاد المالك أو رهن انقضى بإحدى وسائل الفصل 291 م. ح. ع…
[60] انظر في هذا الاتجاه: على كحلون، التعليق على مجلة الحقوق العينية وقانون التحيين، مرجع سابق، ص 628 وما يليها، خاصة ص 646 و 649.
[61] المقصود بذلك الرسم المحدث تنفيذًا لحكم بالتسجيل بعد دخول القانون عدد 30 المؤرخ في 20 أفريل 1998 المتعلق بالمفعول المنشئ للترسيم حيز التنفيذ، فهذا الرسم خارج أصلاً عن مجال قانون التحيين وغير قابل للتحيين عملاً بالفصل 3 من قانون التحيين المؤرخ في 10 أفريل 2001.
[62] انظر بمزيد التفصيل: حسناء بن فرحات، طلبات التخصيص وتحيين الرسوم العقارية، مذكرة ماجستير في القانون الخاص، كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس، 2008 – 2009.
[63] هذا نص الفقرة الرابعة الجديدة من الفصل 22 كاملة: “ويمكن لدائرة الرسوم المجمدة أن تصرح بقبول الطلبات أو رفضها كلاً أو بعضًا. لكن لا يمكنها أن تحكم بالقسمة أو فسخ العقود أو إبطالها. على أن هذا لا يمنعها من التأمل في الكتائب وتقديم بعضها على بعض في حدود ضرورات تخليص الرسم العقاري من الجمود وفي إطار مبادئ الشهر العقاري”.
[64] انظر: على كحلون، التعليق على مجلة الحقوق العينية…، مرجع سابق، ص 646.
[65] انظر الفصل 27 من قانون التحيين.
[66] راجع سابقًا ف 43 و 44.
[67] انظر الفصل 39 م. م. م. ت وفي فقه قضاء محكمة التعقيب المستقر على ذلك بعد قرار قديم معاكس (عدد 8531 مؤرخ في 15 ماي 1973، ن. م. ت 1973، ص 95): – قرار تعقيبي عدد 9887 مؤرخ في 16 جويلية 1974، ن. م. ت 1974، ج 11 ص 76. – قرار تعقيبي عدد 3366 مؤرخ في 26 ماي 1981، ن. م. ت 1981 ج 11، ص 76. – قرار تعقيبي عدد 3366 مؤرخ في 26 ماي 1981، ن. م. ت 1981 ج 11، ص 76. – قرار تعقيبي عدد 135599 مؤرخ في 18 ماي 2007، غير منشور، وقرار تعقيبي عدد 17700 مؤرخ في 20 مارس 2008، غير منشور: انظرهما في ملحق مذكرة كريمة الهمامي، التنازع بين المحكمة العقارية ومحاكم الحق العام، مذكرة ماجستير في قانون البيئة والتعمير، كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس، 2008 – 2009، ص 191 و 195.
[68] وبمعنى آخر يمكن القول إن كل ما يوجب على المحكمة العقارية وقف النظر يفرض على محاكم الحق العام عدم التخلي عنه، وضابطه ما شرح في المتن وكذلك سابقًا ف 46.
[69] هذا هو نص الفصل 325 ف 2 م. ح. ع: “وخلافًا لمقتضيات الفقرة السابقة يمكن قبول الاعتراض ممن كان طرفًا في قضية استتحقاقية تم نشرها قبل تقديم مطلب تسجيل في موضوعها إلى نهاية شهرين من تاريخ الحكم بالتخلي”.
[70] انظر بمزيد التفصيل: كمال اللواتي، تأثير الأحكام الصادرة في قضايا كف الشغب عن عقار مسجل على مطلب التحيين، مجلة دراسات قانونية، كلية الحقوق بصفاقس، عدد 15، 2008، ص 93.
[71] وهو أن يؤخذ من ضده إذ بضدها تعرف الأشياء، فعكس السعي باستمرار في فعل ما يستلزمه النظر في المطلب هو التقاعس عنه وبالتالي فكل تقاعس من طالب التسجيل موجب لرفض مطلبه يعني أنه لا يسعى في الواجب المحمول عليه، وبهذا يتحدد مضمون هذا الواجب فيشمل على وجه الخصوص الإدلاء بالمؤيدات والصكوك المطلوبة منه حتى لا تبقى الحالة الاستحقاقية غامضة (انظر خاصة الفصلين 320 و 335 م. ح. ع) وكذلك دفع مصاريف التسجيل (الفصول 321 و 340 و 344و 357 م. ح. ع)…
[72] راجع بمزيد التفصيل: – علي كحلون، أزمة السجلات العينية..، أطروحة سابقة، ص 187 و ص 477 وما يليها – صبري بو عصيدة، علاقة القضاء المدني بأحكام التحيين، دراسات قانونية، كلية الحقوق بصفاقس، عدد 2008، 15، ص 67.
[73] انظر مثلاً: علي كحلون، أحكام القانون العقاري التونسي بين التسجيل والإشهار، دار الميزان للنشر، سوسة 2000، ص 128 – كمال البقلوطي، المسح العقاري وإشكالاته القانونية، مقال سابق، ص 70 وما يليها. محمد علي اللوز، المسح العقاري الإجباري، في بحوث ودراسات قانونية، جمعية الحقوقيين بصفاقس، عدد 5، 2010، ص 539.
[74] انظر في ذلك: الهادي سعيد، تطور الملكية العقارية وأثره في تونس، مركز الدراسات القانونية والقضائية، تونس 1996، ص 442 وما يليها.
[75] علي كحلون، أزمة السجلات العينية في تونس، أطروحة سابقة ص 189 وما يليها.
[76] صورة الصعوبة أنه بحكم تقسيم منطقة المسح إلى مناطق فرعية يتنقل بينها الحاكم المكلف فلا يخلو الأمر من نشوب النزاع في منطقة تم مسحها أو في منطقة لم يصلها المسح بعد أو في منطقة هي بصدد المسح لوجود الحاكم المكلف بها. ولا يمكن عمليًا لهذا الأخير النظر في النزاع إلا في الحالة الأخيرة أما المناطق الممسوحة فلا يعود إليها والمناطق التي لم يصل إليها بعد لا يمكنه فرضًا أن ينظر فيها فيجد الحائز نفسه في وضع فراغ قضائي لعدم اختصاص قاضي الناحية بموجب الفصل 13 من المرسوم، ولعدم جاهزية القاضي المكلف لنظر دعواه فلا مناص له والحالة تلك من اللجوء إلى القاضي الاستعجالي على أساس القواعد العامة (الفصل 201 وما بعده م. م. م. ت) خاصة أن الحماية الحوزية هي بطبيعتها حماية وقتية ولو أنها تفصل في إطار قضية أصلية.
وقد يقال إن مراد واضع المرسوم أن يكون على رأس كل منطقة فرعية حاكم مكلف مستقل فيكون جاهزًا لتقبل النزاعات في كل وقت والبت فيها. لكن هذا المطلب عزيز عمليًا والواقع خلافه. فيطرح المشكل بالصيغة المشروحة.
انظر: علي كحلون، أزمة السجلات العينية…، أطروحة سابقة، موضع سابق، – كريمة الهمامي، التنازع بين المحكمة العقارية ومحاكم الحق العام، مذكرة سابقة، ص 47 وما يليها – سمية اليزيدي، التسجيل العقاري الإجباري، مذكرة سابقة ص 36 وما يليها.
[77] تدقيق السؤال أنه حسب مرسوم 1964 يصدر الحكم المسحي الخاص بكل عقار أو لا إما فرديًا من رئيس لجنة المسح فيما لا اعتراض فيه (الفصل 6 فـ 2 من المرسوم) أو من الهيئة المجلسية في صورة وجود اعتراضات أو عند غموض الحالة الاستحقاقية (الفصل 7 من المرسوم). ثم بعد الانتهاء من مسح جميع العقارات التابعة لمنطقة المسح (المشيخة المعنية بالأمر) يصدر رئيس المحكمة العقارية قرارًا في ختم أعمال المسح يقع إشهاره وتقام الرسوم العقارية بعده (الفصل 8 من المرسوم) فمتى تعتبر أعمال المسح منتهية بالنسبة إلى عقار معين موضوع نزاع حوزي: هل من تاريخ الحكم الخاص به أم من تاريخ قرار ختم أعمال المسح وهو قرار جمعي يخص جميع العقارات الممسوحة؟ يبدو الحل الأصح في الفرع الأول من السؤال استنادًا إلى الفصل 353 فـ 1 م. ح. ع وهو أصل عام في التسجيل العقاري مطلقًا يجيز الاحتجاج بحكم التسجيل أمام محاكم الحق العام منذ صدوره وحتى قبل إقامة الرسم العقاري. وبالتالي يصبح العقار من أنظار قاضي الناحية منذ صدور الحكم المسحي الذي يخصه.
[78] انظر بمزيد التفصيل: محمد علي اللوز، المسح العقاري الإجباري، مقال سابق، مرجع سابق، ص 540 وما يليها.
[79] ظهرت هذه السياسة بقانون سنة 1979 المشار إليه وتأكدت سنة 1999 بموجب القانون عدد 101 لسنة 1999 المؤرخ في 31 ديسمبر 1999 المتعلق بقانون المالية لسنة 2000 (الفصل 40) المنقح للفصل 15 من المرسوم لإحداث مساهمة في مصاريف عمليات التسجيل العقاري الإجباري والتي تنطبق على كل الأراضي بما فيها الواردة في أمثلة التهيئة العمرانية ودوائر التدخل العقاري وهي المحدثة لجميع الوكالات العقارية السكنية والصناعية والسياحية وأخيرًا الفلاحية!
[80] انظر خاصة الفصلين 11 و 12 من المرسوم.
[81] هو القانون عدد 24 لسنة 2000 المؤرخ في 22 فيفري 2000 المنقح والمتمم لأمر 18 جويلية 1957 المتعلق بإلغاء نظام الأحباس الخاصة والمشتركة، رائد رسمي عدد 16 صادر في 25 فيفري 2000، ص 527.
[82] انظر الفصل 540 م. ا. ع.
[83] خصوصًا أنه حتى في المسائل الإدارية للإشراف على التسجيل اتجه المشرع إلى نقلها من محاكم الحق العام وتجميعها بيد المحكمة العقارية كحفظ السجلات العقارية وتوقيع الدفاتر وإمضائها طبق الفصلين 381 و 384 م. ح. ع. راجع سابقًا ف 8، هـ 8.
[84] انظر في هذا الاتجاه الفصل 388 م. ح. ع الذي يحفظ حقوق المعنيين “فيما يتعلق بالأصل” عند الطعن في قرارات إدارة الملكية العقارية والمقصود بقاء حقهم محفوظًا في القيام أمام محاكم الحق العام بمختلف الدعاوى الرامية إلى حماية حقوقهم ومنها دعاوى الإبطال والتشطيب…
[85] للعلم تمكن الإشارة إلى اختصاص رئيس المحكمة الابتدائية في وقت من الأوقات بالنظر في صعوبات الترسيم والإذن بتجاوزها بعد أن كان رئيس المحكمة العقارية هو المختص على أساس الفصل 315 م. ح. ع ثم حذف الاختصاص منهما معًا وألغي الفصل 315 م. ح. ع برمته وانتقل حكمه إلى الفصل 388 م. ح. ع الحالي الذي أحدث الطعن في قرارات إدارة الملكية العقارية أمام المحكمة العقارية. انظر القانون عدد 46 لسنة 1992 المؤرخ في 4 ماي 1992 الذي نقح الفصل 315 م. ح. ع في الاتجاه المشار إليه والقانون عدد 10 لسنة 1995 المؤرخ في 23 جانفي 1995 (الفصل 3 منه) الذي حذفه ونقل حكمه إلى الفصل 388 م. ح. ع. راجع سابقًا ف 31.
[86] راجع سابقًا فـ 20 و 21.
[87] هو القانون عدد 67 لسنة 2008 المؤرخ في 03 نوفمبر 2008، رائد رسمي عدد 91 صادر في 11 نوفمبر 2008 ص 3997.
[88] انظر بشيء من التفصيل: المنصف الكشو، الطعن بالتعقيب في الأحكام الصادرة بالتسجيل عن المحكمة العقارية، في بحوث ودراسات قانونية، جمعية الحقوقيين بصفاقس، عدد 5، 2010، ص 385. – محمد المنصف الزين، الطعن بالتعقيب في الأحكام الصادرة بالتسجيل، نفس المرجع، ص 405.
[89] المقصود هو الحقوق العينية الخاضعة للإشهار والسابقة على تاريخ مطلب التسجيل. انظر: أحمد بن طالب، التشطيب على الترسيم…، مقال سابق ص 89 – 90.
[90] لمزيد التوضيح راجع: أحمد بن طالب: التشطيب على الترسيم…، مقال سابق، ص 86 وما يليها.
[91] انظر الفصول 316 أولاً و 355 و 358 م. ح. ع.
[92] انظر الفصل 357 ثالثًا فـ 2 والفصل 357 رابعًا م. ح. ع.
[93] الفصل 357 رابعًا فـ 1 م. ح. ع.
[94] انظر الفصل 310 م. ح. ع وكذلك فصول إقامة الرسم العقاري ومنها خاصة الفصول 316 و 351 و 358 م. ح. ع.
[95] راجع في هذا الخصوص: البشير الفرشيشي، النقض بدون إحالة، في التعقيب، مجموعة لقاءات الحقوقيين، كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس، العدد الثاني، تونس 1989، ص 325، – جاك هيرون وتيري لوبار، القانون العدلي الخاص، مرجع سابق، فـ 823 ص 637 ص 667.
[96] انظر خاصة الفصل 351 م. ح. ع.
[97] تبين هذه الحالة بوضوح تفرد منطق القضاء العقاري وصعوبة تلاؤمه مع قضاء الحق العام. فاعتبارًا لطبيعة رقابة محكمة التعقيب المسلطة على القانون فإنها ستنقض حتمًا حكم التسجيل الذي قبل اعتراضات مقدمة بعد الأجل حسب الفصول 324 و 333 و 345 م. ح. ع وقد يكون أصحابها على حق موضوعيًا، ولكن ذلك لن ينال من عمل المحكمة العقارية التي دأبت على قبول هذه الاعتراضات خشية وقوعها تحت طائلة المفعول التطهيري لحكم التسجيل لأنها لو احترمت شكلية الفصل 325 م. ح. ع ورفضت الاعتراض حال يقينها موضوعيًا بأحقية صاحبه فقد تحكم على حقه بالزوال طبقًا للفصل 308 م. ح. ع والحال أن بإمكانها قبوله باعتبار سلطاتها الواسعة في البحث والتحقيق والحكم لصاحب الحق. ومثل هذا النظر قد لا تقبله محكمة التعقيب وتتمسك بضرورة احترام القواعد القانونية الشكلية في حكم هو ليس كالأحكام العادية الخاضعة حقًا لشكليات إجرائية دقيقة. وإذا سارت محكمة التعقيب على هذا النهج فلن يكون بوسع المحكمة العقارية عند إرجاع القضية إليها إلى الحكم برفض مطلبي التسجيل الأصلي والعرضي، فيقدم مطلب جديد بآجال وإشهارات جديدة وتحمي عندئذ حقوق أصحابها! وهنا تظهر لا فائدة هذا التعقيب لمراقبة “حسن” تطبيق القانون في قضاء ليس في منطقه أصلاً إلا علو الحق الموضوعي واستبعاد الشكليات المسقطة والمبطلة وبالتالي أن تكون مخالفتها سببًا للطعن فيه! راجع سابقًا ف 37 و 38.
[98] الملفت أن الفصل 357 مكرر سادسًا م. ح. ع راعي مقتضيات الفصلين 329 و 330 م. ح. ع. !
[99] مع مراعاة أن اكتساب ملكية العقار من الغير حسن النية يحصن الحكم العقاري ضد قبول الطعن بالتعقيب (الفصل 357 مكرر سابعًا).
[100] قد يطرح السؤال بالخصوص حول مآل حالات المراجعة السابقة غير المعتمدة في نص الفصل 357 مكرر م. ح. ع والموافقة للصور الثلاث الأولى من الفصل 332 قديم م. ح. ع وهي اعتماد نص قانوني منسوخ في الحكم ووجود حكم مدني اتصل به القضاء متناقض مع الحكم العقاري وعدم اعتماد وثائق مظروفة بالملف ولها تأثير مباشر في تغيير وجه الفصل في القضية؟ يمكن القول إن الحالة الأولى اعتمدت من خلال مخالفة القانون أو الخطأ في تطبيقه لأن اعتماد نص منسوخ هو من ذلك القبيل فعلاً. وكذلك الحالة الثانية المتعلقة بمخالفة اتصال القضاء والتي يمكن أيضًا أن تستوعبها حالة الإفراط في السلطة لأن عدم الالتفات لحكم اتصل به القضاء مظروف بالملف يتناقض مع الحكم العقاري هو بحق صورة لإفراط المحكمة في سلطتها (انظر في هذا المفهوم: جاك هيرون وتيري لوبار، القانون العدلي الخاص، مرجع سابق، ف 708، 537). أما الحالة الثالثة التي كانت غالبة في تأسيس مطالب المراجعة عمليًا فالظاهر أنه وقع التخلي عنها لصبغتها الواقعية الواضحة، لكنها قد تعتمد إذا كان عدم اعتماد الوثيقة المظروفة بالملف مكونًا لإفراط في السلطة فيطعن في الحكم لهذا السبب.
[101] الفصل 357 ثالثًا ف 1 و 3 و 4 م. ح. ع.
[102] الفصل 357 ثالثًا ف 1 و 3 و 4 م. ح. ع.
[103] الفصل 357 ثالثًا ف 2 م. ح. ع.
[104] الفصل 357 ثالثًا ف 4 م. ح. ع.
[105] المقصود المركز الأصلي أو الفرعي الذي أصدر الحكم (الفصل 357 ثالثًا ف 5 م. ح. ع).
[106] الفصل 357 ثالثًا ف 5 م. ح. ع.
[107] الفصل 357 ثالثًا ف 6 م. ح. ع.
[108] الفصل 357 ثالثًا ف 8 م. ح. ع.
[109] الفصل 357 ثالثًا ف 9 م. ح. ع.
[110] الفصل 357 ثالثًا ف 10 و 11 م. ح. ع.
[111] الفصل 357 ثالثًا ف 12 م. ح. ع.
[112] يضيف الفصل 357 رابعًا ف 7 (أخيرة) م. ح. ع أن إجراءات الطعن بالتعقيب حسب مجلة المرافعات المدنية والتجارية منطبقة على التعقيب العقاري لدى محكمة التعقيب بقدر ما لا يتعارض مع أحكامه في الباب السادس من مجلة الحقوق العينية.
[113] الفصل 357 رابعًا ف 1 و 6 م. ح. ع.
[114] الفصل 357 رابعًا ف 2 م. ح. ع.
[115] الفصل 357 رابعًا ف 3 و 4 و 5 م. ح. ع.
[116] العبارة للسيد الهادي سعيد أحد الرؤساء السابقين للمحكمة العقارية ولمحكمة التعقيب في دراسة له سنة 1959 عن “النظام العقاري والمحكمة العقارية في مفترق الطرق”، منشورة في مؤلفه: في رياض البحث والقانون، مجموعة دراسات، نشر مؤسسات عبد الكريم بن عبد الله، تونس 1993، ص 25.





