عبد اللطيف بكور

أستاذ القانون العام

بالكلية المتعددة التخصصات بأسفي

تولي جميع الدول سواء منها المتقدمة أو النامية، اهتماما بالغا لمسألة الجهوية غير أن أسباب تبني الجهوية تختلف باختلاف الظروف الخاصة بكل دولة، وتختلف طبيعتها كذلك باختلاف الأهداف التي تصبوا كل دولة إلى تحقيقها، وبالتالي فالجهوية قد تأخذ مفهوما ذا طابع إداري واقتصادي كما هو الشأن بالنسبة لفرنسا التي تبنت الجهوية وذلك بهدف تحقيق التوازن الاقتصادي والاجتماعي بين الجهات ([1])، وعلى خلاف ذلك فقد تأخذ الجهوية مفهوما سياسيا كما هو الشأن بالنسبة لإيطاليا التي تبنت جهوية سياسية في ظل دولة موحدة وذلك بهدف حل مشاكلها المرتبطة بصراعات محلية، إذ جاءت الجهوية كاستجابة لمطالب التيارات السياسية أكثر منها وسيلة لتحقيق اللامركزية ([2]).

كما أن العديد من الدول السائرة في طريق النمو، أصبحت الجهوية فيها ضرورة اقتصادية وإدارية تفرض نفسها أمام تراكم المشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي وصلت إلى الحد الذي أصبحت فيه الدولة المركزية عاجزة وحدها على إيجاد الحلول اللازمة لحلها.

والمغرب لا يخرج عن دائرة هذه الدول، فأمام عجز الإدارة المركزية على إيجاد الحلول الضرورية لمشاكلها الاقتصادية والاجتماعية، دخلت المملكة المغربية في تجربة جهوية منذ سنة 1971 حيث تم تقسيم ترابي للمجال الوطني إلى سبع جهات اقتصادية وإقامة جهاز مؤسساتي. ونظرا إلى أن هذا التقسيم لم يكن ليسد الثغرة التي جاء من أجلها، وبدأت عيوبه تتضح يوما بعد يوم بسبب غياب الأجهزة المقررة للجهة وغياب الهياكل وحصر الاختصاصات على مستوى الاستشارة ناهيك عن عدم وجود أية موارد خاصة بالجهة. كان لا بد أن يرتقي المشرع بالجهة إلى نظام أكثر صلابة وقدرة على مواجهات تحديات الاختلالات الجهوية وتعزيز اللامركزية وتقوية الديمقراطية المحلية، وذلك بجعلها جماعة محلية تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي بنص دستور 1992 (المعدل سنة 1996).

وتبعا لهذا، وبعد أن تراكمت لدا مغرب اليوم، التجارب والنتائج الأولى للمركزية والديمقراطية ودخول قضية الصحراء المغربية ضمن لائحة المشاكل العويصة والمعقدة التي تواجه الأمم المتحدة والتي دامت أكثر من ثلاثة عقود، حيث أدرك جميع المتتبعين أن إجراء الاستفتاء لحل مشكل الصحراء لم يعد فقط من الصعوبة بمكان، بل أصبح مستحيلا، الشيء الذي جعل الأمين العام السابق للأمم المتحدة يدعو في أكثر من مناسبة مبعوثه الخاص “جيمس بيكر” إلى استكشاف سبل ووسائل التوصل إلى حل سريع ودائم ومتفق عليه للنزاع القائم حول قضية الصحراء.

كما حث مجلس الأمن، المنعقد بتاريخ 31 ماي 2000 المغرب وجبهة البوليساريو إلى دراسة “حل ثالث” من شأنه وضع حد للنزاع القائم حول الأقاليم الجنوبية.

واستجابة لهذه المبادرة، أعرب المغرب – في مذكرة موجهة إلى الأمين العام الأممي وإلى رئيس مجلس الأمن عن استعداده للمشاركة في الحوار من أجل إيجاد حل لمشكلة أقاليمه الجنوبية، خاصة وأن الأمين العام خلص إلى الاستحالة الشبه التامة لإيجاد حلول وسط الاختلافات الأساسية فيما يتعلق بتنفيذ خطة التسوية، في هذا الإطار اقترح المغرب بعد فشل لقاء برلين بخصوص قضية الصحراء في شهر شتنبر 2000، إجراء حوار صريح ومباشر للبحث عن حل سياسي دائم، وهو الاقتراح الذي أكده وشد عليه جلالة الملك محمد السادس ([3]).

وقد ظل المغرب على اتصال مستمر مع مبعوث الأمين العام الأممي للسعي إلى الوصول إلى صيغة لحل قضية الصحراء المغربية في إطار الحل السياسي، على أن تكون هذه الصيغة قائمة على أساس الثوابت المغربية والسيادة الوطنية، في هذا السياق شكل الخطاب الملكي في الذكرى الثلاثين للمسيرة الخضراء بتاريخ 06 نونبر 2005 منعطفا سياسيا هاما للمغرب بصفة عامة وأقاليمه الجنوبية بشكل خاص.

وقد حدد جلالة الملك في هذا الخطاب المعالم العامة الكفيلة بإيجاد حل نهائي ومستدام للنزاع حول الصحراء، مستلهم من الخيار الديمقراطي الوطني الهادف إلى إيجاد حل سياسي تفاوضي، للنزاع المفتعل حولها، يخول أقاليمنا الجنوبية حكما ذاتيا، يضمن لسكانها تدبير شؤونهم الجهوية، في نطاق سيادة المملكة، ووحدتها الوطنية والترابية. ونظام الحكم الذاتي هذا، والذي يرغب المغرب تطبيقه على الأقاليم الجنوبية، من الصعب تناول شكله وطبيعته دون استحضار بعض التجارب الدولية في مجال السياسة الجهوية، لأن مشروع الحكم الذاتي الذي أعلن عنه جلالة الملك والذي تم عرض خطوطه العريضة ومحاوره الأساسية في سيكون قائما بدون شك على شكل معين من أشكال الجهوية المعتمدة في بعض الدول.

ووعيا منا بأن مفهوم الحكم الذاتي تختلف تطبيقاته في كل دولة عن أختها بسبب التباين القائم بين الأنظمة السائدة فيها، وكذلك بسبب اختلاف المذاهب السياسية والقانونية بين هذه الدول، إلا أن ذلك لا يمنع بعض الدول التي ترغب تطبيق نظام الحكم الذاتي من الاستئناس ببعض التجارب الدولية في مجال الجهوية السياسية.

ومن هذا المنطلق، وما دام أن الجهوية السياسية الموسعة في المغرب أضحت خيارا مصيريا ومشروعا مجتمعيا كبيرا لتجسيد الإرادة الوطنية في التطور الديمقراطي وتدعيم اللامركزية الهادفة إلى تحقيق التنمية الشاملة بكل أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية حيث أعلن جلالة الملك محمد السادس في الذكرى الرابعة والثلاثين للمسيرة الخضراء عن التوجه نحو جعل الأقاليم الصحراوية في صدارة الجهوية المتقدمة، وهو ما يعزز تدبيرها الذاتي لشؤونها المحلية وجعلها نموذجا للحكامة المحلية، هذا من ناحية، أما من ناحية أخرى ما دام أن الدولة المغربية مدعوة الآن، وبشكل ملح، إلى حل مشكل الأقاليم الجنوبية، وملزمة بترسيخ النهج الديمقراطي، يبقى السؤال المركزي هو: ما هي النماذج الدولية للتقسيمات الجهوية التي يمكن للمغرب أن يعتمدها في أفق تطبيق الجهوية السياسية الموسعة؟ وبعبارة أخرى، ما هو النموذج الدولي الأصلح للتقسيم الجهوي الذي يمكن للمغرب أن يستلهم منه روح ومضمون مشروع الجهوية الموسعة المرتقب تطبيقه على مستوى المجال الترابي الوطني؟. إن هذا السؤال تتعدد بداخله مجموعة من الاستفهامات الأخرى سنحاول توظيفها بشكل يخدم الإشكالية المحورية ويحافظ على الوحدة العضوية والموضوعية للموضوع المعالج، من قبيل هذه الاستفهامات: هل سيناريو خلق جهوية سياسية بالمنطقة المتنازع حولها، سيشكل استثناء على التراب الوطني؟ أم أنه سوف يعمم على باقي المناطق المغربية؟ ما السبيل لجعل الأقاليم الصحراوية قاطرة للجهوية الموسعة؟ هل تطبيق هذا الخيار يستدعي إجراء تعديل دستوري؟ وأخيرا ما هي سبل وشروط نجاح تطبيق هذا الخيار؟.

أن الجواب على هذه الأسئلة وتحليل عناصرها، هو جوهر هذا الموضوع الذي سنتناول فيه التجربة الإيطالية باعتبارها التجربة الدولية الأصلح التي وقع عليها اختيارنا والتي يمكن للمغرب أن يستأنس بها ويقتبس فعاليتها ومرونتها، واختيارنا لهذه التجربة لم يكن اعتباطيا، بل كان لاعتبارات متعددة، نذكر منها على سبيل المثال:

أن هذه التجربة تبقى تجربة متميزة ومعبرة عن الجدية الدستورية في خلق الجهات، كما أن جهوية إيطاليا جاءت استجابة لتلافي الاصطدام مع المطالب الانفصالية في الجنوب.

وبناء عليه، سنتناول هذا الموضوع من خلال محورين اثنين: المحور الأول سنتعرض فيه للتجربة الجهوية السياسية الإيطالية وذلك من خلال مبرراتها وأساس شرعيتها وكذا تنظيمها وعلاقتها بالسلطة المركزية. أما المحور الثاني سنخصصه لإمكانية استلهام المغرب من التجربة الإيطالية روح ومضمون مشروع الجهوية الموسعة كقاعدة لمبادرة الحكم الذاتي.


المحور الأول: التجربة الايطالية في مجال الجهوية السياسية.

إن البحث في موضوع الجهوية السياسية الإيطالية يقتضي منا طرح مجموعة من الأسئلة نذكر منها الأتي: ما المقصود بالجهوية السياسية؟ ما هي مبررات الجهوية السياسية في إيطاليا؟ وما هو أساس شرعية الجهات الإيطالية؟ وما هو تنظيمها واختصاصاتها؟ وما علاقتها بالسلطة المركزية والجماعات المحلية الأخرى؟.

هذه مجموعة من الأسئلة وغيرها سنحاول قدر الإمكان الإجابة عليها بالتتابع.

أولا: ما هية الجهوية السياسية.

عندما نحاول تعريف الجهة نجد أنفسنا أمام ظاهرة معقدة وذات معاني متعددة، فمن أين نبدأ تحديد مفهومها؟ هل هي شيئا محسوسا؟ هل هي فكرة؟ أم هي هم يراود شعور المواطنين؟.

الواقع انه لم يسبق لأي أحد أن رأى الجهة بعينه يوما ما، وهذا يعني أنها تلك الفكرة التي توحي بواقع، وترمز إلى حكام محليين وإقليم محدد وشعب وتنظيمات محلية، وإلى ممارسات سلطوية محلية، وتقترن كثيرا بحكم محلي ذاتي إداري تشريعي وثقافي واقتصادي. هذه الفكرة مرتبطة بمخيلة المواطنين أثناء اصطدامهم بالمشاكل اليومية التي تفرزها بعض القرارات المحلية.

لقد بذلت الكثير من الجهود لتعريف الجهة ومع ذلك فإن هذه التعاريف لا تعطينا نتائج مرضية لتحديد أبعادها وحدودها، فالجهة يختلف مفهومها باختلاف الظروف فليست هناك صيغة واحدة لشكل محدد للجهة ([4]). لكن بالرغم من هذه الصعوبات يمكن القول أن الجهوية حسب المفهوم الحديث تقوم على أساس وجود منطقة جغرافية محددة أو جهة مستقلة عن السلطة المركزية لها اختصاصات محددة وموارد مالية وبشرية تسمح لها بتسيير أمورها باستقلالية وحرية في إطار من المسؤولية، غير أن وضعية الجهة والحرية التي تتمتع بها تختلف من دولة إلى أخرى وذلك حسب شكل الدولة فيدرالي أو موحد وكذلك حسب أساس شرعية وجودها دستوري أو قانوني وكذلك حسب طبيعة العلاقة التي تربطها بالسلطة المركزية والجماعات المحلية الأخرى ([5])”.

من خلال هذا يبدو أن مفهوم الجهة في الأنظمة المقارنة مفهوم متغير يأخذ حسب الحالات والتجارب عدة أشكال ونماذج، جهة وظيفية كما في بعض الدول، جهة اقتصادية وإدارية وترابية كما هو الشأن في فرنسا، جهة سياسية كما في إيطاليا، لكن كل هذه الأشكال والنماذج متداخلة وتصب جميعها في الهدف الرئيسي المتوخى من التقسيم الجهوي وإحداث الجهات ألا وهو: تسيير مهمة من مهام الدولة وتقليص الفوارق الجهوية وتنمية مجموع جهات البلاد تنمية منسجمة ومتوازنة وكذا تحقيق مطالب التيارات السياسية المحلية.

إيطاليا إذا، تعتبر من بين الدول التي تطبق ما يسمى بنظام الجهوية السياسية، والجهوية السياسية تعتبر في إطار الدولة الموحدة أقصى درجة اللامركزية دون الوصول إلى مستوى الدولة الفيدرالية، حيث تتوفر فيها الجهة على سيادتها وبالتالي فهي وسيلة لتحديث الدولة دون تجزئة سيادتها، مما دفع الفقه إلى الاصطلاح عل هذا النوع من الدول “بالدولة الجهوية” ” LEtat Régional” أو بدولة المجموعات المستقلة ” LEtat des autonomies”. ويستجيب هذا الشكل من الجهوية لهدفين رئيسيين هما: تعميق التعددية السياسية والثقافية من جهة، والحرص على الاندماج الاجتماعي والتضامن المجتمعي من جهة أخرى، لذلك فلا غرابة أن نجد الدول التي كانت تعاني من المركزية الشديدة ومن اضطهاد الأقليات هي التي ذهبت بعيدا في مجال هذا النوع من الجهوية ([6]).

عموما يمكن القول، أن إيطاليا خطت فيها الجهوية خطوة حاسمة، فالجهوية في هذه الدولة تبقى مثالا حيا على الجهة ذات الطابع السياسي في إطار الدولة الموحدة، التي ذهبت مركزيتها إلى الحد الذي أصبحت فيه بمثابة حد فاصل أو حل توافقي بين الجهوية في إطار الدولة الفيدرالية، والجهوية في إطار الدولة الموحدة.

وكان رئيس الحكومة الإيطالية سيلفيو برلسكوني قد أدخل إصلاحا واسعا على الدستور تمت المصادقة عليه في شهر نونبر 2005 من أجل تحويل إيطاليا إلى دولة فيدرالية يمنح الجهات الإيطالية صلاحيات تشريعية استثنائية في مجال الصحة والتعليم والشرطة المحلية مقابل تعزيز صلاحيات رئيس الحكومة.

ثانيا: مبررات الجهوية السياسية الإيطالية.

قبل الحديث عن المبررات التي جعلت إيطاليا تعتمد نظام الجهوية السياسية، لا بأس من الإشارة في البداية إلى بعض الأسباب التي جعلت أو تجعل بعض الدول تتبنى خيار الجهوية الموسعة. في هذا المضمار ذهب أحد الباحثين إلى القول أن الجهوية (الموسعة) أصبحت تعتبر أحد الأساليب الحديثة للممارسة الديمقراطية التي تأخذ بعين الاعتبار اختلاف المقومات الثقافية والاجتماعية داخل نفس الدولة، بحيث بعد بناء كيان الدولة الوطنية وبعد أن أصبح هذا الكيان غير مهدد بالتفكك، فإن الدول الديمقراطية أصبحت تبحث عن الوسائل الديمقراطية التي بواسطتها يمكن إعطاء الكيانات الاجتماعية استقلالية في تسيير شؤونها، هذه الكيانات الاجتماعية قد يكون لها بعد تاريخي يميزها عن باقي الكيانات الأخرى وبالتالي لها ثقافتها وهويتها السياسية المتميزة والخاصة بها بحيث أن منطق الديمقراطية لا يقضي فقط بخضوع الأقلية للأغلبية وإنما كذلك الاعتراف بوجود هذه الأقلية وبحقوقها السياسية والاجتماعية كحقها في تسيير شؤونها بنفسها ([7])”.

إذا كانت هذه هي المبررات التاريخية والثقافية التي تدفع بعض الدول إلى اعتماد خيار الجهوية الموسعة، فما هي إذن مبررات الجهوية السياسية في إيطاليا؟.

جوابا على هذا السؤال يمكن القول، أن الأسباب والمبررات التي دفعت إيطاليا إلى تبني نظام الجهوية السياسية يمكن تحديدها في الأتي:

  • إن ايطاليا قد اضطرت إلى بناء نظام جهوي تحت ضغط ظروف معينة، خاصة بعد انهزامها في الحرب العالمية الثانية ([8])، وذلك للتخفيف من المركزية الشديدة التي كانت تعاني منها في ظل النظام الديكتاتوري الفاشستي، هذا النظام الذي وصل إلى الحكم في أكتوبر 1922 قاوم بشكل عنيد كل تنظيم جهوي باسم نظرية الدولة الكليانية (Etat totalitaire)، وهكذا بعد الانتخابات المحلية عين على رأس كل لجنة تنفيذية جهوية موظف يمثل الدولة والحزب الفاشستي ([9]).
  • إن تبني ايطاليا للخيار الجهوي جاء كذلك استجابة لمطلب تحديث الدولة التي لم تكن أبدا متجدرة في المجتمع الإيطالي، زيادة على ما فقدته من مصداقية في ظل النظام الفاشي، وبالتالي فهذا الخيار يعتبر وسيلة لتحديث الدولة دون تجزئة سيادتها.
  • كما أن هذا الشكل من الجهوية تم اعتماده لتعميق التعددية السياسية والثقافية من جهة، والحرص على الاندماج الاجتماعي والتضامن المجتمعي الإيطالي من جهة أخرى.
  • وأخيرا فإن إحداث المناطق الخمس “الخاصة” والتي تتميز عن باقي المناطق الأخرى من حيث النظام القانوني – كما سنرى لاحقا – جاء بسرعة غير عادية لتلافي الاصطدام مع الجنوب الإيطالي ذي المطالب الانفصالية كما أنه جاء لمعالجة مشكلة هذا الجنوب الذي عانى كثيرا من التهميش مقارنة مع الشمال، هذه المطالب السياسية المحضة كانت من أسباب هذا النموذج من اللامركزية والجهوية المتقدمتين، وهي التي تفسر الاختصاصات الواسعة للمنطقة ([10]).

ثالثا: أساس شرعية الجهوية السياسية الإيطالية.

يقصد بالأساس الشرعي للجهوية، الإطار القانوني الذي تعتمد عليه في وجودها وهو يتباين بتباين أنواع الجهوية التي تطبقها الدولة.

فعلى خلاف الجهوية الإدارية الذي يعتبر الأساس الشرعي لها هو الأساس القانوني حيث أن التشريع العادي هو المختص بوضع قواعد الجهوية سواء من حيث التنظيم أو الاختصاصات أو تحديد الموردين المالي والبشري، فإن الأساس الشرعي لوجود الجهة في إيطاليا هو الأساس الدستوري. فالدستور في إيطاليا هو الذي ينظم الجهات ويحددها ويبين عددها وأنواعها واختصاصاتها، كما أنه يحدد الموارد المالية الخاصة بها وكذا قواعد توزيعها … الخ.

ولاشك أن الأساس الدستوري لشرعية الجهة في إيطاليا يحقق لها عدة ضمانات ومزايا، نذكر منها على سبيل المثال:

  1. أن الأساس الدستوري لشرعية الجهوية يعتبر ضمانة أساسية لإعطاء الجهة مكانة متميزة داخل التنظيم الإداري والسياسي، وهذا الأساس الدستوري للجهوية لا يتجلى فقط في الاعتراف بوجودها كجماعة محلية وإنما في طريقة انتخابها وتحديد وسائلها المالية ([11]).
  2. أن هذا الأساس الدستوري يعطي للجهة سلطات سياسية وقضائية وإدارية أصلية، تشارك من خلالها في ممارسة السلطة التقليدية، كما يمنحها الصلابة والجمود الذي يمنع إجراء أي تعديل لقواعدها أو تكييفها مع المستجدات إلا بتعديل دستوري ([12])، خاصة عندما يكون الاجتهاد القضائي الدستوري ضعيفا أو غائبا.
  3. أن هذا الأساس الدستوري لشرعية الجهة في إيطاليا، يوفر ضمانة أساسية لجعل القواعد التي تنظم الجمهورية بعيدة عن متناول السلطات المركزية التي تتوفر على وسائل كثيرة لتعديلها في حالة ما إذا كانت هذه الجهوية لا تستند على هذا الأساس الدستوري ([13]).

لكن على الرغم من أن هذا الأساس الدستوري يجعل من الجهة في إيطاليا وحدة سياسية متميزة داخل التنظيم الإداري والسياسي، حيث يمنح لها سلطات سياسية وقضائية وإدارية أصلية تشارك من خلالها الدولة في ممارسة السلطات التقليدية، فإن هذا الأساس يبقى غير كاف لإعطاء هذه الجهات الاستقلال الحقيقي كما هو الشأن بالنسبة للجهات الألمانية (landers).

رابعا: تنظيم الجهة واختصاصاتها.

إذا كان من المؤكد أن الأساس الدستوري يمنح للجهة الصلابة والجمود، فإن ما هو أكيد كذلك هو أن معرفة مدى الأهمية التي تحتلها الجهوية داخل التنظيم الإداري والسياسي لدولة معينة تنطلق من طبيعة التنظيم الذي تقوم عليه. وبالرجوع إلى طبيعة التنظيم الذي تقوم عليه الجهات في إيطاليا نجدها محددة دستوريا، فالفصل 115 من الدستور الإيطالي لسنة 1947 ينص على أن “المناطق تتكون من وحدات مستقلة لها سلطات خاصة، ووظائف خاصة تتحدد طبقا للدستور” ثم يضيف أن “هناك 19 منطقة تتمايز من حيث النظام القانوني، إذ نجد خمس مناطق “خاصة” وأربعة عشر منطقة عادية”. فالخاصة أحدثت قبل العادية من حيث الزمن وبسرعة غير عادية لتلافي الاصطدام – كما سلف القول – مع الجنوب الإيطالي ذي المطالب الانفصالية.

كما أن الجهوية في إيطاليا يؤسسها الدستور في فصله 116 الذي ينص على الجهات الخمس ([14]) لكل واحدة قوانينها التأسيسية الخاصة وضمن شروط محددة، هاته الشروط والضوابط يعتبرها البعض تكميلية بالنظر إلى قواعد الحكم الذاتي الجهوي، في ما يرى البعض الآخر أن الجهوية المسطرة في الدستور ليست موسعة بل مقيدة بقواعد الدستور.

وبالنتيجة فبالنسبة للاختلاف الملاحظ بين وجهات نظر يعود بالأساس إلى القوانين التطبيقية داخل كل جهة التي لا يمكن بأي حال خضوعها إلى قانون موحد لأن ذلك سيؤدي إلى تقوية مصالح جهة على جهات أخرى، وهو ما دفع إلى الحديث عن استقلال ذاتي خاص ممنوح لبعض الجهات واستقلال ذاتي أصلي وهو المشار إليه في الفصل 116 من الدستور الإيطالي، والاختلاف بين الجهة الأصلية والجهات داخل الوضع الخاص يعود فقط إلى فروق تاريخية، رغم أن بعض القواعد القانونية المحلية والخاصة ببعض الجهات الأصلية قد بدأ تطبيقها في بعض الجهات الخاصة والتي بدأت تبحث عن ضرورة منحها حكما ذاتيا موسعا كما تتمتع به الجهات الخمس الخاصة، خصوصا وأن قوانينها الداخلية بدأت تسير في نفس الاتجاه لكن الدستور لم يوسع منح الحكم الذاتي إلى جميع الجهات.

وتجب الإشارة إلى المعيار الأساسي في الحكم الذاتي هو امتلاك الجهات الأصلية لقوانين تأسيسية ودستورية خاضعة في تعديلها لقواعد محلية أكثر منها للقواعد الدستورية العامة كحالة (سارد ينيا) التي تعطي حق تعديل دستورها المحلي إلى المجلس الجهوي بهذه الجهة ([15]).

وتتوزع الاختصاصات داخل الدولة بين السلطات المحلية بالجهات الأصلية في حين أن الجهات الخاصة فهي خاضعة في مجملها للقواعد القانونية الوطنية مع تمتيعها ببعض الاختصاصات المخولة للجهات الأصلية وبطبيعة الحال دون التمتع بدستور محلي خاص.

أما بخصوص الهيئات المسيرة للجهات الإيطالية فهي تتشكل حسب الفصل 121 في من الدستور من المؤسسات التالية:

– مجلس جهوي تشريعية: وهو بمثابة مجلس تداولي جهوي ينتخب بالاقتراع العام المباشر لمدة 5 سنوات وهو يمارس الصلاحيات الممنوحة لجميع المنطقة وغيرها من المهام المسندة إليها بموجب الدستور والقانون، كما يجوز له أن يقترح مشاريع قوانين إلى الدوائر.

– حكومة جهوية محلية (La Gunta): وهي عبارة عن جهاز تنفيذي للجهة يضم لجنة تنفيذية.

– رئيس الحكومة الجهوية: ينتخب من لدن المجلس الجهوي وهو الذي يمثل الجهة وينشر القوانين واللوائح الجهوية وينشر الوظائف الإدارية المفوضة من الدولة للجهة طبقا لتعليمات الحكومة المركزية.

إذا كانت هذه هي الأجهزة التي تسير الجهات الإيطالية والتي يحددها الدستور، فما هي المهام والاختصاصات التي تضطلع بها؟.

بالعودة إلى الدستور الإيطالي، يلاحظ أن الاختصاصات التي تتمتع بها الجهات في هذه الدولة متنوعة وكثيرة، تمتد من التشريعي إلى ما هو إداري ومالي وقضائي بالإضافة إلى توفرها على حق اقتراح القوانين كما أنها تشارك في انتخاب رئيس الدولة، هذه الاختصاصات هي تقريبا نفس الاختصاصات التي تمارسها الولايات في إطار الإتحاد الفيدرالي، وهو ما يجعل الرؤية إليها تذهب إلى حد اعتبارها دولة ذات سيادة رغم ما عليها من قيود.

– فعلى مستوى الاختصاصات التشريعية، يلاحظ أن ثمة اختلاف بين الجهات، فهناك جهات لها اختصاصات محددة على سبيل الحصر، وهناك جهات أخرى لها اختصاصات هامة.

بالنسبة للاختصاصات التي تمارسها الجهات على سبيل الحصر فقد حددها الفصل 117 من الدستور، وكذلك مرسوم رئيس الجمهورية المؤرخ في 1977، وهذه الاختصاصات تتمحور حول ثلاث مجموعات من الأنشطة العمومية.

الأولى: تهم المصالح الاجتماعية بما فيها النقل، الصحة العمومية، المساعدة الاجتماعية.

الثانية: تهتم بإعداد التراب الجهوي، التعمير، الغابات، الأشغال العمومية.

والثالثة: تهم الأنشطة الاقتصادية المرتبطة مباشرة بنشاط السكان المحليين، الفلاحة، التجارة، السياحة، المياه المعدنية، وعلى الجهات ألا تخرج عن سياسة وقوانين الدولة في هذا المجال.

وفيما يخص الجهات التي تتمتع باختصاصات تشريعية هامة، فإنها تختص بقضايا كانت مسندة أصلا للحكومة، وانتزعت منها من قبل المشرع ويتعلق الأمر بالزراعة والسياحة والإسكان والنقل البحري والبري، كما كان بعضها موكول لمجالس المحافظات (أو الأقاليم)، والمجالس البلدية. ومن أمثلتها المسائل المتعلقة بالشرطة المحلية والمستشفيات والمدارس والمتاحف والمكتبات والطرق والتعليم. كما أن لهذه الأخيرة سلطة تشريعية عل الهيئات المحلية اللامركزية الأخرى.

هذه الوظيفة الأخيرة تعتبر وظيفة تشريعية تكميلية للوظيفة التشريعية للدولة، وهي تتسع أكثر بالنسبة للجهات ذات النظام الخاص، غير أن هذه الوظيفة محددة ببعض القواعد والمبادئ العامة والدستور.

أما الاختصاصات الإدارية فهي مرتبطة بالاختصاصات التشريعية، إذ نجد أن هذه الجهات هي القيمة على تدبير ممتلكات المنطقة في سيادة تامة، كما تقترح القوانين على البرلمان الوطني، وتباشر اتخاذ جميع التدا

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading