ذ. محمد بادن ([*])

مقدمة

إلى جانب الإمكانية المخولة لأفراد الجالية المقيمة بالخارج في إبرام عقود زواجهم بقنصليات المملكة المغربية بالخارج طبقا للمرسوم المؤرخ في: 29 يناير 1970 ([1])، والذي أعطى صفة عدل للأعوان الديبلوماسيين والموظفين القنصليين، أولت مدونة الأسرة المغربية للجالية المغربية المقيمة بالخارج عناية خاصة فيما يتعلق بعقود زواجهم المبرمة بديار المهجر؛ بحيث أن المادة 14 من هذه المدونة، حاولت الجمع بين احترام القواعد الجوهرية لإبرام عقد الزواج حسب القانون المغربي، ودون المساس بثوابت نظامه العام، مادام أن هذه المادة في جوهرها لا تختلف كثيرا عن عقد الزواج المنظم وفق المادة: 65 من المدونة، إلا فيما يخص الاستغناء عن الإشهاد لدى عدلين والاكتفاء بشاهدين مسلمين؛ واحترام القواعد الشكلية للبلد الأجنبي، عملا بقاعدة إخضاع العقد من حيث الشكل لمحل إبرامه طبقا للمادة الثانية من اتفاقية لاهاي، بحيث يكون زواج المغاربة صحيحا في نظر القانون المغربي، ويحضي بالاعتراف لدى الدولة الأجنبية المبرم فيها.

غير أن أهمية مسطرة زواج المغاربة المقيمين بالخارج تظهر أهميتها بالنسبة للدول الغربية، مادام أن الزواج المدني مكرس في اغلب قوانينها٠

وللإحاطة بموضوع زواج المغاربة طبقا للمادتين 14 و15 والإشكالات الذي تثيرها، ارتأيت تقسيمه إلى مطلبين أتناول في الأول: شروط زواج المغاربة المقيمين بالخارج والإشكالات التي يثيرها، على أن أعالج في الثاني الإشكالات التي تثيرها مسطرة هذا الزواج.

المطلب الأول: الإشكالات التي تثيرها شروط زواج المغاربة المقيمين بالخارج

إن المادة: 14 من مدونة الأسرة استوجبت في عقد الزواج شروطا محددة، فهكذا نصت على أنه: “يمكن للمغاربة القاطنين في الخارج، أن يبرموا عقود زواجهم وفقا للإجراءات الإدارية المحلية لبلد إقامتهم، إذا توافر الإيجاب والقبول والأهلية والولي عند الاقتضاء، وانتفت الموانع ولم ينص على إسقاط الصداق، وحضره شاهدان مسلمان، مع مراعاة أحكام المادة 21 بعده”. فالمادة جاءت بشروط محددة أتعرض لها وفق ما يلي:

الفقرة الأولى: الإقامة بالخارج

إن المادة: 14 من المدونة جاءت لتبسيط مسطرة الزواج بالنسبة للجالية المقيمة بالخارج، بحيث سمحت لهم بإبرام عقود زواجهم وفق الإجراءات الإدارية المعمول بها في الدولة الأجنبية محل الإقامة، وساهمت بالتالي في حل الإشكالات القانونية المعقدة التي كان يتعرض لها أفراد الجالية.

فأحكام هذه المادة لا تسري على المغاربة الغير المقيمين بالخارج الذين تسري عليهم أحكام الزواج المنظمة في المواد من 65 إلى 69 من مدونة الأسرة، ونفس الشيء بالنسبة للمغاربة المقيمين بالخارج في حالة إبرام عقود زواجهم بالمغرب، ولو كانوا يحملون جنسية دولة أخرى.

الفقرة الثانية: نطاق تطبيق المادتين 14 و 15 من مدونة الأسرة

نصت المادة: 14 على أنه: “يمكن للمغاربة المقيمين في الخارج…”، فما المقصود المغاربة، أي هل يتعلق الأمر بزواج المغاربة فيما بينهم فقط، أم يتعلق الأمر بكل زواج يكون أحد طرفيه مغربيا، فالجواب نجده في المادة 2 من مدونة الأسرة، التي جاء فيها: “تسري أحكام هذه المدونة على: 3-العلاقات التي يكون فيها أحد الطرفين مغربيا”. فانطلاقا من ذلك فإن المادة: 14 تنطبق على حالة الزواج بين المغاربة، وحتى في حالة الزواج المختلط ببن مغربي وأجنبية، أو العكس. مع ملاحظة أن اليهود المغاربة تسري عليهم قواعد الأحوال الشخصية العبرية المغربية.

كما يثار إشكال آخر يتعلق بعلاقة المادة: 14 من مدونة الأسرة مع الاتفاقيات التي تربط المغرب مع بعض الدول، والمتضمنة لمسطرة الزواج، كما هو الحال بالنسبة للاتفاقية المغربية الفرنسية الصادرة في غشت 1981، وخاصة الفصل: 6 منها الذي ورد فيه: “ينعقد الزواج بين مغربي وفرنسية فوق التراب الفرنسي أمام ضابط الحالة المدنية المختص طبقا للقانون الفرنسي. ويسجل لإضفاء الشرعية عليه تجاه القانون المغربي، من طرف الموظفين القنصليين المغاربة المختصين بعد التثبت من إقامته”.

فلا اختلاف بين المادة 14 من مدونة الأسرة، وهذه المادة فيما يتعلق بشكل إبرام عقد الزواج، إي إبرام عقد الزواج وفقا للإجراءات الإدارية المحلية المعمول بها في دولة الإقامة، لكن يختلفان من حيث المسطرة، وفي بعض جوانب المضمون. ومن تم يحق لنا التساؤل حول ما إذا كان للمعنيان بالأمر الاختيار ما بين الزواج وفقا للاتفاقية الفرنسية، أم طبقا للمادة: 14 من مدونة الأسرة، أم يمكن القول بأن هذه الأخيرة ألغت ضمنيا المادة 6 من الاتفاقية المغربية الفرنسية، وهذا الرأي هو الذي يبدو صائبا مادام أن الزواج يبرم طبقا للقانون الفرنسي، وأن الاختلاف مع المادة: 14 يخص الشروط والمسطرة المقررة في القانون المغربي.

الفقرة الثالثة: الإيجاب والقبول

إن الإيجاب والقبول ركنان لانعقاد عقد الزواج، فالزواج لا يتم إلا بتراضي طرفيه، وذلك بواسطة ألفاظ تفيد القصد منها دون غموض. وفي حالة العجز عن النطق يمكن للمتعاقد الإدلاء بالإيجاب والقبول بالكتابة أو الإشارة المفهومة، وهذا ما أكدته المادة: 10 التي جاء فيها: “ينعقد الزواج بإيجاب من أحد المتعاقدين وقبول من الأخر، بألفاظ تفيد معنى الزواج لغة أو عرفا”.

يصح الإيجاب والقبول من العاجز عن النطق بالكتابة إن كان يكتب، وإلا فبإشارته المفهومة من الطرف الأخر ومن الشاهدين”. كما اشترطت المادة: 11 من المدونة في الإيجاب والقبول أن يكونا متطابقين باتين غير مقيدين بأجل أو شرط واقف أو فاسخ وفي مجلس واحد للعقد.

الفقرة الرابعة: الأهلية والولاية

اشترطت المادة: 14 من مدونة الأسرة توافر الأهلية في الزواج، لكن التساؤل يطرح حول المقصود بهذا الشرط؟ بمعنى هل هي الأهلية المتطلبة طبقا للقانون الأجنبي للدولة مكان إبرام العقد، أم هي الأهلية المطلوبة في المادة: 19 من المدونة.

أبادر إلى القول بان الأهلية المطلوبة هي نفسها المتطلبة في المادة 19 من مدونة الأسرة والمحدد في 18 سنة، ما دامت أن المادة: 14 قد أحالت على المادة: 21 من نفس المدونة. ومن تم قد يطرح إشكال في الحالة التي يكون سن الزواج في الدولة الأجنبية هو أكثر من 18 سنة، فهنا يتعذر تطبيق مقتضيات المادة 14 من المدونة لتعارضها مع قواعد النظام العام في الدولة الأجنبية، وبالمقابل لن يطرح أي إشكال بالنسبة للدول التي يكون فيها سن الزواج أقل من ثمانية عشرة سنة.

أما بخصوص الولاية، فقد عبرت عنها المادة: 14 بقولها: “…والولي عند الاقتضاء…”، فشرط الولاية في مدونة الأسرة أصبح اختياريا طبقا للمادة 24 التي جاء فيها: “الولاية حق للمرأة، تمارسه الراشدة حسب اختيارها ومصلحتها”، فالمرأة الراشدة لها أن تعقد زواجها بنفسها أو أن تفوض ذلك لأبيها أو لأي أحد من أقاربها، فلم تعد الولاية مطلوبة إلا في زواج القاصر طبقا للمادة: 21 التي أحالت عليها المادة 14.

الفقرة الخامسة: انتفاء الموانع

صنفت المادة 35 من مدونة الأسرة هذه الموانع إلى قسمين، مؤبدة ومؤقتة، فالموانع المؤبدة للزواج تتحقق بوجود علاقة غير قابلة للزوال بين رجل وامرأة حصرتها المادة 35 في ثلاثة أصناف، وهي المحرمات بالقرابة، والمحرمات بالمصاهرة، والمحرمات بالرضاع.

أما المحرمات من النساء حرمة مؤقتة، فقد حددتها المادة 39 في خمس حالات: بحيث إن الزواج بين الرجل والمرأة تكون الحرمة فيه وقتية فقط؛ بحيث يصبح ممكنا بعد زوال سبب هذه الحرمة. ومن تم فإن القضاء المغربي لا يعتد بالزواج المدني الذي يتحقق فيه أحد الموانع المنصوص عليها أعلاه، وهذا ما تأكد في حكم صادر عن المحكمة الابتدائية بالناظور جاء فيه:

“المحكمة بعد اطلاعها على عقد الزواج المدني المدلى به تبين لها مخالفته الصريحة لمقتضيات المادة 14 من مدونة الأسرة التي تستلزم بالنسبة المغاربة المقيمين بالخارج بعد التأكد من انتفاء الموانع وعدم التنصيص على إسقاط الصداق وحضور شاهدين مسلمين.

وحيث إن عقد الزواج المبرم وفقا للإجراءات الإدارية لبلد إقامة الطالبين لم يتم فيه احترام الشروط الموضوعية المقررة قانونا بموجب المادة المذكورة، لاسيما وأن أحد طرفي الزواج لم يثبت إسلامه أو كتابيته” ([2]).

غير أن بعض هذه الموانع تخلق عند التطبيق بعض الإشكالات، خاصة ما يتعلق بزواج المسلمة بغير المسلم، والمسلم بغير المسلمة ما لم تكن كتابية. باعتبار أن موانع الزواج المبنية على الدين لم يبق يعمل بها. ([3]). فيكون من الصعب التقيد بهذا الشرط من طرف ضابط الحالة المدنية في الدول الغربية، ما دام أنه يتنافى مع قانونه الداخلي، ومبدأ الحرية في الزواج، إذ أن العامل الديني يعتبر عنصرا من عناصر الحالة الشخصية، ليس له أي أثر على حقوق الأفراد وعلاقاتهم الخاصة، ففضلا على علمانية عقد الزواج، فإن مجموعة من الاتفاقيات والمواثيق الدولية نصت على المساواة بين الرجل والمرأة وحقها في الزواج بدون قيد بسبب الدين أو غيره. فهكذا نصت المادة: 16 من اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة ([4])، على انه:

“تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة في كافة الأمور المتعلقة بالزواج والعلاقات الأسرية، وبوجه خاص تضمن تم على أساس تساوي الرجل والمرأة:

  1. نفس الحق في عقد الزواج.
  2. نفس الحق في حرية اختيار الزوج، وفي عدم عقد الزواج إلا برضاها الحر الكامل.
  3. نفس الحقوق والمسؤوليات أثناء الزواج وعند فسخه”.

فانطلاقا من ذلك، فإن الدول اللائكية لا تقبل مطلقا قواعد ذات مصدر ديني، لذلك فإن منع زواج المسلمة بغير المسلم ([5]) طبقا للمادة 39 يعتبر خرقا لمبدأ المساواة، ما دام أنه يعتبر تمييزا بين الذكر والأنثى، ويمنع زواج المرأة بغير المسلم.

لكن التساؤل الذي يطرح هنا هو الجهة التي لها الحق في مراقبة إسلام الشخص؟ وهل مجرد اسم الزوج الأجنبي كاف للجزم بكونه غير مسلم؟

أبادر إلى القول بأنه يلاحظ اعتماد بعض الأحكام على اسم الزوج للحكم عليه بكونه غير مسلم، وهو ما نستشفه من حكم صادر عن المحكمة الابتدائية بالحسيمة، جاء فيه:

“تبين للمحكمة من خلال اطلاعها على وثائق الملف أن المدعية قد أبرمت عقد الزواج بأجنبي غير مسلم، مما يعد ذلك من الموانع المؤقتة لعقد الزواج، وبالتالي تجعل عقد الزواج المدني الرابط بين المدعية والسيد ج.ف الذي لم يثبت كونه مسلما عقد باطلا” ([6]).

لكن هذا لا يعتبر معيارا لتحديد إسلام الشخص، ومن تم فإن بعض الأحكام لم تتشدد في ذلك وأبدت نوعا من المرونة، إذ اعتبرت أن الأصل هو الإسلام ما لم تتم المنازعة في ذلك، رغم أن اسم الزوج أجنبي، فهكذا جاء في قرار لمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء:

“وحيث إن إدلاء الطرف الأجنبي بما يفيد إعلانه إسلامه ليس من الوثائق الجوهرية في الزواج المنعقد بالخارج طالما أن إسلامه لم يكن محل أية منازعة، ولم يثبت خلافه، والإسلام دين الفطرة ولا غضاضة في عدم إعلان الأجنبي المسلم إسلامه بدليل كتابي في عقد مبرم ببلد يخضع إبرام النكاح فيه للشكل المدني” ([7]). وفي قرار آخر صادر عن محكمة الاستئناف بالحسيمة، ورد فيه:

“لكنه بالرجوع إلى القواعد الشرعية وإلى قول الرسول صلى الله عليه وسلم أن الإنسان يولد على الفطرة، والتي هي فطرة الله التي فطر الناس عليها ألا وهي الإسلام، فإن الأصل أن كل إنسان فهو مسلم إلى يثبت من وثائقه ما ينافي الإسلام وعندها يطلب منه (ولا يلزم) منه تأكيد إسلامه…” ([8]).

الفقرة السادسة: عدم النص على إسقاط الصداق وحضور شاهدان مسلمان إبرام العقد

لقد نصت المادة 14 من مدونة الأسرة على منع الأطراف من الاتفاق على إسقاط الصداق، وإلا كان العقد فاسدا يفسخ فبل الدخول ولا صداق فيه.

أما في حالة السكوت عن تحديد الصداق في عقد الزواج فإن ذلك لا يؤثر على صحته، لكون الزواج إذ ذاك يسمى زواج تفويض طبقا للمادة: 27 من المدونة التي نصت على أنه: “يحدد الصداق وقت إبرام العقد، وفي حالة السكوت عن تحديده، يعتبر العقد زواج تفويض”.

إذا لم يتراض الزوجان بعد البناء على قدر الصداق في زواج التفويض، فإن المحكمة تحدده مراعية الوسط الاجتماعي للزوجين”. وهذا خلافا لما ذهبت إليه محكمة الاستئناف بالرباط في قرار لها، جاء فيه:

“إن العقد موضوع الطلب لا يشير إلى الصداق الذي يعتبر من الأركان الأساسية في عقد الزواج الشيء الذي يعتبر خرقا لمقتضيات الفصل 14 من مدونة الأسرة الذي يشترط عدم إسقاط الصداق لتذييل عقد الزواج المدني المبرم بالخارج” ([9]). فهذا القرار جانب الصواب مادام أنه في حالة السكوت عن الصداق في عقد الزواج فيعتبر زواج تفويض.

كما أن المشرع المغربي، وفي إطار سعيه لرفع الحرج عن المغاربة المقيمين بالخارج، اشترط في عقد زواجهم حضور شاهدان مسلمان، خلافا لما هو منصوص عليه في المادة 56 من نفس المدونة، والتي استوجبت ضرورة الإشهاد على عقد الزواج بواسطة شاهدين عدلين. وبذلك تجاوز المشرع الصعوبات التي كانت تعترض الجالية المغربية، والمتمثلة في عدم تغطية العدول لجميع القنصليات المغربية بالدول الأجنبية.

غير أن هدا الشرط المتعلق بالشاهدان المسلمان، يثير ملاحظتان:

أولهما: تتعلق بالمقصود بالشاهدان المسلمان، أي مدى اشتراط الذكورة في الشاهد، ومدى إمكانية قبول امرأة في الشهادة. فهكذا اشترط قرار صادر عن محكمة الاستئناف بالرباط، أن يكون الشاهدان ذكرين، أو رجل وامرأتان، فجاء فيه:

“لكن حيث إنه بالرجوع إلى العقد المطلوب تذييله بالصيغة التنفيذية يتبين أنه يشير إلى حضور السيد ع. ش والسيدة ن. إ كشاهدين، والحال أن المرأة لا تشكل منفردا شاهدا، بل لابد من امرأة أخرى، الشيء الذي يبقى معه حضور الشاهدين غير متوفر” ([10]).

لكن خلافا لهذا التوجه يلاحظ أن قرار لمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء تعامل بمرونة مع هذا الشرط، واعتد بشهادة المرأة، حيث جاء فيه:

“حيث تبين للمحكمة من العقد… ولا يعيبه في شيء حضور شاهدة مسلمة لإبرامه ولا يوجب حضورها لمجلس انعقاده بطلانه، لأن التكليف شرطه الإمكان وللضرورة أجاز الفقهاء المسلمون شهادة النساء وشهادة غير العدول وترجمة الكافر وشهادة الطبيب النصراني لئلا تضيع الحقوق. والعبرة في الإسلام هي لعدالة الشاهد وليس لجنسه لقوله تعالى: (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ). وليست الشهادة في الإسلام حكرا على الرجال دون النساء، بل أن الأمور في الفقه الإسلامي ما لا ينظر فيه كشاهد إلا النساء كما في العيوب الخاصة بالنساء. وفيما يقع في المأتم والأعراس والحمام والرضاع، وقد خص الفقيه محمد بن فرحون المالكي المدني في كتابه تبصرة الحكام الباب السابع عشر للقضاء بشهادة امرأة بانفرادها، والباب الثامن عشر للقضاء بشاهد وامرأة ويمين المدعي في معرض ذكره لأنواع البيانات. وخص باب في كتابه للقضاء بشهادة غير العدول للضرورة. كما أن النكاح في الفقه الإسلامي يتم انعقاده بشهادة غير العدول للضرورة، كما يتم بشهادة الأعمى والفاسق والابن والأب لاختلاف شروط الانعقاد فيه عن شروط إثباته عند الإنكار. وهذه المبادئ ترمي إلى تحقيق العدالة التي أضحت الآن مفهوما أمميا قوامه المساواة والحرية ونبذ التمييز على أساس الجنس والعرق أو اللون تلك المقومات الأساسية التي كرستها الشريعة الإسلامية” ([11]).

ثانيهما: إسلام الشاهدان، فضابط الحالة المدنية قد يرفض حضور الشاهدان، وبالأحرى الاعتماد على ديانتهما، هذا فضلا عن كيفية التعرف على إسلام الشاهدان، خاصة إذا كانا أجنبيان.

المطلب الثاني: الإشكالات التي تثيرها مسطرة زواج المغاربة المقيم ين بالخارج

إلى جانب الملاحظات التي تثيرها المادة: 14 من مدونة الأسرة، بخصوص الشروط، فإنها تثير عدة ملاحظات بخصوص مسطره الزواج، والإجراءات التي جاءت بها المادة: 15 من نفس المدونة، والتي سأتعرض لها وفق ما يلي:

الفقرة الأولى: كيفية تدارك الإخلال بأحد شروط عقد الزواج

إن إغفال أحد الشروط المنصوص عليها في المادة: 14 لا يترتب عليه بطلان عقد الزواج المدني، بل يمكن تدارك هذا الإغفال، وهذا ما أكده المنشور عدد: 13 المؤرخ في: 12 أإبريل 2004، والذي جاء فيه: “يمكن التنسيق بين القاضي والمصالح القنصلية ليتم الإطلاع على هذه العقود والتأكد من مطابقتها لما يفرضه القانون، قصد تدارك كل نقص، ومن ذلك الاستماع إلى شهادة الشهود أو أي إجراء آخر”، ويضيف: “وبعد تحرير هذا الملحق وتضمينه في السجل المعد لذلك يضم إلى العقد المنجز، طبقا للإجراءات القانونية المحلية”.

وعليه إذا لم يحضر عقد الزواج المدني الشاهدان المسلمان، أو رفض ضابط الحالة المدنية تضمين حضورهما، فإنه يمكن جبر هذا الخلل بتحرير ملحق يشهد فيه شاهدان مسلمان على هذا الزواج، وهو ما أكدته بعض الأحكام القضائية، فهكذا قضت محكمة الاستئناف بالدار البيضاء بأن:

“… حضور الشاهدين لمجلس نكاح مبرم بالخارج وفق إجراءات بلد الإقامة لا يعتبر شرطا جوهريا من شأنه أن يؤدي لبطلان هذا العقد أو فساده أو فسخه، لأن مقتضيات المواد 56- 57- 61 من المدونة حددت حالات بطلان عقد الزواج وحالات فساده، وكذا حالات فسخه على وجه الحصر وليس من بينها انتقاء حضور الشاهدين لعقد نكاح أبرم صحيحا وفق قانون بلد الإقامة…” ([12]). وفي نفس الاتجاه، نقرأ في قرار صادر عن نفس المحكمة، ما يلي:

“ولانتفاء الصفة الجوهرية للحضور المذكور فقد أصدرت وزارة العدل منشورا لإمكانية إقامة ملحق لعقد الزواج المبرم بالخارج دون حضور هذين الشاهدين يتمم البيان الناقص…” ([13]).

وكما هو الشأن بالنسبة للشاهدان، فإنه في حالة عدم الإشارة إلى الصداق، فإنه يمكن تدارك ذلك في ملحق يحدده، وذلك خلافا لما ذهبت إليه محكمة الاستئناف بالرباط في قرار لها ([14]).

وهنا لابد من الإشارة إلى أن الزيجات المدنية المبرمة بل قبل دخول مدونة الأسرة حيز التنفيذ يمكن تصحيحها، وتدارك الاغفالات اللاحقة بها. وهذا ما تكرس في الواقع العملي، بحيث يتم تحرير إشهاد، يتضمن التنصيص على مراجع الزواج المدني، والإشارة إلى الشروط المنصوص عليها في المادة: 14 من المدونة. وهو ما أكد عليه صراحة المنشور. عدد: 13 س، حيث ورد فيه: “علما أنه إذا أراد كل مغربي يتوفر على عقد زواج مدني، إبرام عقد الزواج وفق ما يتطلبه القانون المغربي، فإنه يمكن أن يحرر له إشهاد، يتضمن التنصيص على الزواج المدني، ثم الإشارة إلى حضور الشاهدين، والصداق والولي عند الاقتضاء، أو المفوض له”.

الفقرة الثانية: القيمة القانونية لعقود الزواج المبرمة بالمراكز الثقافية الإسلامية

إن عقود الزواج التي كان يبرمها المغاربة أمام المراكز الثقافية الإسلامية المتواجدة بالدول الأجنبية، لم يكن لها أي أثر في المغرب، انطلاقا من كون قانون الأحوال الشخصية لم يمكن يعترف بتلك العقود.

لكن مع التعديلات التي جاءت بها مدونة الأسرة خاصة في المادة: 14، والتي سمحت بإبرام عقود زواج المغاربة المتواجدين بالخارج وفقا للإجراءات الإدارية المعمول بها في دولة الإقامة، فإنه أصبح بالإمكان إبرام المغاربة عقود زواجهم أمام المراكز الثقافية الإسلامية، لكن بشرط أن تكون هذه المراكز معترف بها من سلطات البلد الموجودة بها لتوثيق عقد الزواج، وبنفس الشروط المضمنة في المادة أعلاه. وهو ما لاحظناه في قرار للمجلس الأعلى، وأن كان لم يشر إلى هذه النقطة بصفة مباشرة، حيث جاء فيه:

“لما ثبت لمحكمة الموضوع صحة الزواج المبرم بين والدي المطلوبة في النقض بناء على عقد الزواج الذي أبرم أمام ضابط الحالة المدنية كيبك بكندا بتاريخ 13 غشت 1974، وكذلك أمام إمام المسجد بمونريال والذي شهد على انعقاده شاهدان مسلمان ونصت في حكمها على أن هذا العقد لا يمس بالنظام العام المغربي، ورتبت عليه آثاره الشرعية وهو لحوق نسب المطلوبة في النقض بوالدها الهالك ع. ب واستحقاقها إرثه تكون قد أقامت قضاءها على وثائق لها أصلها بالملف واستنادا إلى مقتضيات المادة: 14 من مدونة الأسرة” ([15]).

الفقرة الثالثة: تذييل عقد الزواج المدني المبرم بالخارج بالصيغة التنفيذية

إن عقد الزواج المدني المبرم طبقا للمادة 14 من مدونة الأسرة يكون قابلا للتنفيذ بالمغرب دونما حاجة إلى تذييله بالصيغة التنفيذية، سواء كان العقد أبرم بين طرفيين مغربيين أو بين طرف مغربي وأخر أجنبي.

لكن خلافا لهذا يلاحظ أن بعض الأحكام القضائية درجت على تذييل هذه العقود بالصيغة التنفيذية، فهكذا جاء في قرار استئنافي صادر عن محكمة الاستئناف بالدار البيضاء:

“وحيث إنه طبقا للمادتين 14 و128 من مدونة الأسرة، فإن للمغاربة المقيمين بالخارج إبرام عقود زواجهم وفق الإجراءات الإدارية المحلية لبلد إقامتهم. وأن العقود الرسمية المبرمة بالخارج أمام الضباط أو الموظفين العموميين المختصين تكون قابلة للتنفيذ بالمغرب بعد استيفائها للإجراءات القانونية المنصوص عليها في الفصول 430 و431 و432 من قانون المسطرة المدنية المتعلقة بالتذييل بالصيغة التنفيذية. ([16])، وفي نفس الاتجاه جاء في حكم صادر عن المحكمة الابتدائية بفاس:

“وحيث إنه بعد إطلاع المحكمة على الرسم المذكور، فإنها لم تجد فيه ما يخالف النظام العام المغربي وكذا مقتضيات المادة 14 من مدونة الأسرة.

وحيث إنه بناء على ما ذكر وتطبيقا لمقتضيات المواد 128 من مدونة الأسرة و430 و431 و432 من قانون المسطرة المدنية قررت المحكمة الاستجابة للطلب ([17]). فحقيقة أن المادة: 128 التي استند عليها القرار تنص على أنه: “تكون قابلة للتنفيذ… العقود المبرمة بالخارج أمام الضباط والموظفين العموميين المختصين، بعد استيفاء الإجراءات القانونية بالتذييل بالصيغة التنفيذية…”. لكن عقود زواج المغاربة المقيمين بالخارج مبرمة طبقا للقانون المغربي، أي طبقا للمادة: 14 من المدونة، وبالتالي فإن هذه العقود ترتب آثارها القانونية بالمغرب، ولا تحتاج إلى تذييلها بالصيغة التنفيذية، هذا فضلا على أن المادة: 15 من مدونة الأسرة -كما سأبين في الفقرة اللاحقة- نصت على إيداع عقد الزواج بالمصالح القنصلية، التي ترسله إلى الوزارة المكلفة بالشؤون الخارجية، التي تتولى بدورها توجيهه إلى ضابط الحالة المدنية إلى قسم قضاء الأسرة لمحل ولادة كل من الزوجين، إذ لو كان هذا العقد يحتاج إلى التذييل لما تم إرساله إلى ضابط الحالة المدنية، لتضمين بيانات الزواج بطرة رسم الولادة.

الفقرة الرابعة: إيداع نسخة من عقد الزواج بالمصالح القنصلية

بعد إبرام عقد الزواج طبقا للمادة: 14 من مدونة الأسرة، يجب على المعني بالأمر طبقا للمادة: 15 من نفس المدونة، إيداع نسخة منه بالمصالح القنصلية المغربية التابع لها محل إبرام العقد داخل أجال ثلاثة أشهر من تاريخ إبرامه، وفي حالة عدم وجود هذه المصالح ترسل النسخة داخل نفس الأجل إلى الوزارة المكلفة بالشؤون الخارجية، وتتولى هاته الأخيرة إرسال النسخة إلى ضابط الحالة المدنية وإلى قسم قضاء الأسرة لمحل ولادة كل من الزوجين، أما إذا لم يكن للزوجين أو لأحدهما محل ولادة بالمغرب فإن النسخة توجه إلى قسم قضاء الأسرة بالرباط وإلى وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية بالرباط.

فالغاية من نص المشرع على هذا الإجراء هو إشهار عقد الزواج لدى المصالح المغربية، وتسجيله بالسجلات الممسوكة لدى ضابط الحالة المدنية المختص كما هو الحال بالنسبة للزواج المبرم طبقا للمادة 65 من المدونة، وذلك بموجب المادة: 68 التي جاء فيها: “يسجل نص العقد في السجل المعد لذلك لدى قسم قضاء الأسرة، ويوجه ملخصه إلى ضابط الحالة المدنية لمحل ولادة الزوجين، مرفقا بشهادة التسليم داخل أجل خمسة عشر يوما من تاريخ الخطاب عليه.

غير انه إذا لم يكن للزوجين أو لأحدهما محل ولادة بالمغرب، يوجه الملخص إلى وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية بالرباط…” .

فخلاصة القول، إن الإجراء المتضمن بالمادة: 15 يعتبر إجراءا إداريا، يهدف إلى تسجيل نسخ عقود الزواج في سجلات الحالة المدنية بمحل ولادة كل من الزوجين، ومن تم إذا أدلي بعقد زواج غير مستوف لهذا الإجراء في دعوى قضائية بالمغرب، فإنه لا تأثير له على الدعوى، ويجب اعتماد هذا العقد، طالما انه جاء مستوفيا للشروط المنصوص عليها في المادة: 14. كما انه يمكن تدارك هذا الإجراء ولو خارج الأجل المحدد في المادة: 15.

خاتمة

إن اغلب الإشكالات التي تثيرها المادتين: 14 و15 من مدونة الأسرة هي ناتجة عن اصطدام المرجعية الدينية الذي تتميز بها مدونة الأسرة، مع المرجعية اللائكية للتشريعات الغربية المنظمة للزواج ضمن مقتضيات القانون المدني.

ومن تم فإن تطبيق المادتين يتطلب نوعا من المرونة، لا تغفل القيم والمبادئ الإسلامية من جهة، واستحضار فلسفة إقرارهما، بغرض رفع الحرج والمعاناة عن المغاربة القاطنين بالخارج من جهة أخرى. فلا شك أن تطبيق مقتضيات مدونة الأسرة بصفة عامة على المغاربة المقيمين بالخارج وبصفة خاصة ما يتعلق بزواجهم، يعكس تنافسا جديا خفيا، وظاهرا بين دول الإقامة الراغبة في الإدماج، وبين بلدهم الأصلي المتمسك بالهوية الوطنية، وأن من شأن التشدد في تطبيق المادتين أعلاه سيكون ضحاياه هم المغاربة.

كما أن التطبيق العملي للمادتين افرز عدة مشاكل، يرجع بعضها إلى جهل المواطنين بالخارج للمقتضيات القانونية الواجب سلوكها في إنجاز عقود زواجهم، وجعلها منسجمة مع القانون الوطني، وهو ما يحتم على الأجهزة الإدارية والقضائية المغربية بالداخل والخارج القيام بدورها في التحسيس بأهمية مسطرة الزواج المنصوص عليها في المادتين: 14 و15، حتى تكون زيجاتهم مطابقة للقانون، ومرتبة لأثارها في بلد الإقامة وبلدهم الأصلي.


[*] محمد بادن: نائب وكيل الملك لدى مركز القاضي، المقيم بالعيون وتاوريرت. باحث بصف الدكتوراه بوحدة التكوين والبحث في قانون العقود والعقار بكلية الحقوق، جامعة محمد الأول بوجدة.

[1] مرسوم عدد: 646- 266 بتاريخ: 29 يناير 1970. الجريدة الرسمية عدد: 258/ 70 الصادرة تطبيقا لظهير 20 أكتوبر 1965 المتعلق باختصاصات الأعوان الديبلوماسيين والقنصليين المغاربة في الخارج.

[2] الحكم عدد: 241 الصادر بتاريخ: 13 فبراير 2006 في الملف رقم: 1839/ 05. غير منشور.

[3] محمد الشافعي: “الزواج المدني في القانون الفرنسي”. مجلة المحامي. العدد: 34. السنة: 1999. الصفحة: 117.

[4] الاتفاقية المعتمدة من طرف الجمعية العامة للأمم المتحدة في 18 دجنبر 1979 والمصادق عليها من طرف المغرب بتاريخ: 14 يونيو 1993، بموجب الظهير الشريف رقم: 361.33.1 الصادر بتاريخ: 26 دجنبر 2000. منشورة بالجريدة الرسمية عدد: 4866.

[5] رتب المشرع المغربي حكم البطلان على مثل هذا الزواج، بموجب المادة: 57 التي جاء فيها: “يكون الزواج باطلا: إذا وجد بين الزوجين أحد موانع الزواج المنصوص عليها في المواد 35 إلى 39 أعلاه”.

[6] الحكم عدد: 156 الصادر بتاريخ: 1 مارس 2007 في الملف رقم: 837/ 2006. غير منشور.

[7] القرار عدد: 1413 الصادر بتاريخ: 23 ماي 2007 عن الغرفة الشرعية أحوال شخصية في الملف رقم: 71/ 2007. مجلة المحاكم المغربية. العدد: 109. السنة: يوليوز -غشت 2007. الصفحة: 146.

[8] القرار الصادر بتاريخ: 14 يونيو 2007 في الملف رقم: 798/ 2006. المنتقى من عمل القضاء في تطبيق مدونة الأسرة. منشورات جمعية نشر المعلومة القانونية والقضائية. العدد: 10. السنة: فبراير 2009. الصفحة: 100.

[9] القرار عدد: 10 الصادر بتاريخ: 17 يناير 2007 في الملف رقم: 194/ 10/ 2006. غير منشور.

[10] نفس القرار السابق.

[11] القرار عدد: 1041 الصادر بتاريخ: 18 أبريل 2007 عن غرفة الأحوال الشخصية في الملف رقم: 494/ 2007. مجلة المحاكم المغربية. العدد: 109. السنة: يوليوز -غشت 2007. الصفحة: 137.

[12] نفس القرار السابق. الصفحة: 137.

[13] القرار عدد: 1413 الصادر بتاريخ: 23 ماي 2007 عن الغرفة الشرعية أحوال شخصية في الملف رقم: 71/ 2007. مجلة المحاكم المغربية. العدد: 109. السنة: يوليوز -غشت 2007. الصفحة: 146.

[14] القرار عدد: 10 الصادر بتاريخ: 17 يناير 2007 في الملف رقم: 194/ 10/ 2006. غير منشور.

[15] القرار عدد: 129 الصادر بتاريخ: 28 فبراير 2007 في الملف الشرعي رقم: 442/ 2/ 1/ 2006. غير منشور.

[16] القرار عدد: 1041 الصادر بتاريخ: 18 أبريل 2007 عن غرفة الأحوال الشخصية في الملف رقم: 494/ 2007. مجلة المحاكم المغربية. العدد: 109. السنة: يوليوز -غشت 2007. الصفحة: 137.

[17] الحكم الصادر في الملف رقم: 2341/ 1/ 05 بتاريخ:18 غشت 2005. غير منشور. انظر في نفس الاتجاه:

  • حكم المحكمة الابتدائية بالرباط عدد: 354 الصادر بتاريخ: 20 أبريل 2005 في الملف رقم: 120/ 05. غير منشور.
  • حكم المحكمة الابتدائية بالناظور عدد: 735 الصادر بتاريخ: 25 ماي 2005 في الملف رقم: 78/ 05. غير منشور.
  • حكم المحكمة الابتدائية بفاس الصادر في الملف رقم: 3202/ 1/ 05 بتاريخ: 21 نونبر 2005. غير منشور.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
https://omg10.com/4/10825527
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading