حفيظ نقادي
كلية الحقوق جامعة سعيدة
ملخص
الادعاء المباشر هو إجراء مكتوب موجه لأحد أطارف الخصومة تعلن المحكمة فيه عن ساعة، تاريخ الجلسة، مكانها، الهدف من الحضور ووصف محل النازع. لضمان حقوق الدفاع لأن التكليف إجراء من إجراءات التحقيق بعد رفع الدعوى قضائيا. وقد حصر المشرع الجزائري حالات الادعاء المباشر في خمس حالات، من خلال المادة337من قانون الإجراءات الجزائية الجزائري.
الكلمات المفاتيح: ادعاء، الخصومة، التكليف بالحضور.
Résumé
La citation directe est une procédure écrite pour l’une des parties au litige, par laquelle le tribunal déclare la date, l’heure et le lieu de l’audience, ainsi que l’objectif de la présence et la description du litige. Pour garantir les droits de la défense, l’assignation est une procédure d’enquête après le dépôt de la plainte devant les services juridiques.
Mots clés: Citation directe, litige, assignation.
Abstract
The private prosecution is a written procedure to either party in litigation, with which the court of first instance declares the date, time and place of the hearing, thus the aim of presence and description of the claim, to protect the rights of defense because the summon is an investigation procedure after the deposit of the complaint to legal services. The Algerian legislator has limited private prosecution in five cases in the article 337 of the Algerian Criminal Procedure Code.
Keywords: Private prosecution, litigation, the summon.
مقدمة
قد تتسبب الجريمة في وقوع ضرر ينشأ بمقتضاه حق للمتضرر في المطالبة بالتعويض عن هذا الضرر عن طريق دعوى مدنية يرفعها لهذا الغرض أمام القضاء المدني. ومع ذلك فقد خول له قانون الإجراءات الجزائية الجزائري أن يرفع تلك الدعوى استثناء أمام القضاء الجزائي بالتبعية للدعوى العمومية التي تكون قد تحركت أو رفعت فعلا من قبل النيابة العامة(1).
ولكن قد تقع الجريمة ولا تعلم بها النيابة العامة، أوقد تعلم بها ولكن لسبب أو لآخر ترى عدم إقامة الدعوى العمومية عنها، فلا يتمكن المتضرر من هذه الجريمة والحال كذلك أن يطالب بالتعويض عن الضرر الذي أصابه من تلك الجريمة أمام القضاء الجزائي مع رغبته في ذلك، إذ قد يرى أن سلوك الطريق الجزائي أفضل له من الطريق المدني. ولهذا السبب فقد منحه المشرع حق إقامة الدعوى العمومية حتى يمكنه أن يباشر دعواه المدنية بالتبعية لها. فالمتضرر أو المضرور أو المدعي الشخصي في هذه الحالة يحل محل النيابة العامة في تحريك الدعوى العمومية، وتنتهي مهمته بالنسبة لتلك الدعوى عند هذا الحد فقط فلا يتجاوزه إلى مباشرتها، إذ تصبح مباشرة تلك الدعوى من اختصاص النيابة العامة وحدها.
فالادعاء أو التكليف المباشر بالحضور أمام المحكمة هو الإجراء الذي يحل بمقتضاه المدعي بالحق الشخصي محل النيابة العامة في إقامة الدعوى العمومية(2).
وحق المتضرر أو المدعي بالحق الشخصي في إقامة الدعوى العمومية يعتبر من أثار النظام الاتهامي. وهو يحقق التوازن مع سلطة النيابة العامة في إقامة تلك الدعوى إذا قررت عدم إقامتها وهو ما يحقق مصلحة المجتمع، كما يحقق مصلحة المتضرر في الاستفادة من الإجراءات الخاصة بالدعوى العمومية والتي تتسم بصفة خاصة بالسرعة وحرية الإثبات ومبدأ الاقتناع الشخصي، للحصول على حقه في التعويض عن الضرر الذي أصابه.
ومع ذلك يجب الانتباه إلى أن هذا الحق يمثل استثناء خطيرا لشخص عادي لا يقتصر دوره على مجرد الحلول محل النيابة العامة، بل يمثل الادعاء المباشر خروجا على قاعدتين(3):
الأولى: احتكار النيابة العامة سلطة تحريك الدعوى العمومية، فالمتضرر إنما يكسر هذا الاحتكار باستعماله حقه في الادعاء المباشر فتتحرك الدعوى دون أدنى تدخل من النيابة العامة.
الثانية: اختصاص القضاء المدني بنظر دعاوى التعويض المدني، وكان مؤدى هذه القاعدة لجوء المتضرر إلي المحكمة المدنية المختصة، لكن المشرع بتقريره تقديم الادعاء المباشر أمام القضاء الجنائي قد خرج على هذه القاعدة.
وقد تناول المشرع الجزائري الادعاء أو التكليف المباشر في الحضور أمام المحكمة في المادة 337مكرر من قانون 90/ 24 المؤرخ في18/08/1990 المعدل لقانون الإجراءات الجزائية، التي تجيز للمدعي المدني بأن يكلف المتهم مباشرة بالحضور أمام المحكمة في الجرائم التالية :
ترك الأسرة، عدم تسليم طفل، انتهاك حرمة منزل، القذف، إصدار شيك بدون رصيد، وفي الجرائم الأخرى ينبغي الحصول من النيابة العامة على ترخيص للقيام بالتكليف المباشر بالحضور أمام المحكمة، ولذلك فإن حق المدعي الشخصي في إقامة الدعوى العامة ليس مطلقا، إذ يلزم توافر شروط موضوعية وإجرائية لاستخدامه واتخاذ إجراءات معينة لكي يرتب عليه أثره.
وللوقوف أكثر على هذا الموضوع، فقد قسمته لثلاث مباحث أساسية:
المبحث الأول: الشروط الموضوعية للادعاء أو التكليف المباشر بالحضور أمام المحكمة.
المبحث الثاني: الشروط الإجرائية للادعاء أو التكليف المباشر بالحضور أمام المحكمة.
المبحث الثالث: آثار الادعاء المباشر.
المبحث الأول : الشروط الموضوعية للادعاء أو التكليف المباشر بالحضور أمام المحكمة
الادعاء المباشر كما يسميه المشرع المصري في المواد 232 و233 من قانون الإجراءات الجنائية أو التكليف المباشر المصحوب بشكوى أمام محكمة الجنح في المادة337 مكرر ق. ا. ج. كما يسميها المشرع الجزائري، هو تحريك الدعوى العمومية من خلال رفع المضرور من الجريمة دعواه المدنية أمام المحكمة الجزائية مباشرة على من يتهمه بارتكاب الجريمة ضده. وسميت مباشرة إشارة إلي أنها لم تمر قبل رفعها بالطريق الطبيعي، وهو طريق النيابة العامة(4).
ويظهر من خلال قراءة نص المادة 337 مكرر .ق. ا. ج. أن المشرع الجزائري رخص للمدعي المدني في غير الجنح المذكورة أعلاه تكليف المتهم للحضور مباشرة أمام محكمة الجنح بشرط الحصول على ترخيص النيابة العامة، في حين أجاز تكليف المتهم بالحضور مباشرة أمام محكمة الجنح في الجنح المذكورة دون حاجة إلي ترخيص من وكيل الجمهورية.
ومن خلال استقراء نصي المادتين 333، 337 مكرر. ق. ا. ج نستخلص طائفة من الشروط الموضوعية التي يجب توافرها في إجراء التكليف بالحضور المباشر وهي:
المطلب الأول: المضرور فقط هو صاحب الحق في الادعاء المباشر
لا يقبل الادعاء المباشر والذي تقام به الدعوى العمومية والمدنية إلا من المضرور فقط. ويقصد بالمضرور الشخص الذي أصابه ضرر شخصي من الجريمة. والمضرور غير المجني عليه، فهذا الأخير هو من وقع عليه الاعتداء أومن أصابه العدوان من الجريمة ولو لم يصبه ضرر منها، 0.
فالمجني عليه في جريمة القتل مثلا هوا لقتيل أما المضرور فهو الوارث أو القريب، والمجني عليه في جريمة سرقة الوديعة هو المودع لديه بينما المضرور هو المودع أو صاحب الوديعة، ففي مثل هذه الحالات لا يقبل الادعاء المباشر من المجني عليه(5).
وعليه لا يجوز اللجوء للادعاء المباشر إلا من قبل المضرور من الجريمة دون غيره، ولو كان هو المجني عليه. والضرر هو سبب الدعوى المدنية بالتعويض، ولا يتصور أن ترفع دعوى دون أن يتوافر سببها، واشتراط توافر صفة المضرور هو ما يستخلص من مقتضى المادة 337 من فقرتها الأولى السالفة الذكر التي تذكر صراحة لفظ المدعي المدني.
وقد تجتمع صفة المضرور والمجني عليه في شخص واحد-وهذا هو الغالب –كما هو الشأن في جرائم الإيذاء والسرقة.
وعلى أية حال فإن المدعي المدني المضرور من الجريمة ليس مطالبا بإثبات الضرر الذي لحق به من جراء الجريمة، إذ يقع على قاضي الحكم عبء استخلاص هذا الضرر والتقرير بوجوده أو بانتفائه.
فيكفي لقبول الادعاء المباشر أن تفصح الوقائع التي يستند إليها المضرور من وجود ضرر لحق به، وعن توافر الصلة المباشرة بين هذا الضرر وبين الجريمة التي وقعت(6).
فإذا لم يتولد عن الجريمة ضرر فذلك يعني عدم وجود مضر ور، ولا يجوز تبعا لذلك إقامة الدعوى العمومية عن تلك الجريمة عن طريق الادعاء المباشر حيث لا يوجد مدع بالحق المدني، مثال ذلك جريمة الشروع في القتل أو الشروع في السرقة أو جرائم الشروع عموما.
المطلب الثاني: أن تكون الجريمة مما يجوز فيها الادعاء المباشر
من خلال قراءة نص المادتين 333، 337 مكرر من ق. ا. ج يتبين أن إقامة الدعوى العمومية من قبل المضرور تقتصر على الجرائم التي لها وصف الجنحة فقط، وهذه الجرائم تتمثل في الإهمال العائلي وعدم دفع النفقة وهما الفعلان المعاقب عليهما بالمادتين330 و331من ق .ع، وهما الجنحتان المنصوص عليهما في القسم الخامس من الفصل الثاني من الباب الثاني تحت عنوان ترك الأسرة، وجنحة عدم تسليم طفل طبقا للمادتين 327و328من ق. ع، وجنحة انتهاك حرمة مسكن طبقا للمادة 295 من ق. ع و جنحة القذف طبقا للمادتين296 و298 من ق. ع، وأخيار جنحة إصدار شيك بدون رصيد طبقا للمادة 374 من ق. ع.
يلاحظ أن المشرع الجزائري، لم يوسع نطاق التكليف بالحضور المباشر أمام المحكمة ليشمل كل الجنح، كما فعل المشرع الفرنسي (7)، بل حصر نطاقه في ست جنح نصت عليها الفقرة الأولى من المادة 337 من ق. ا. ج، أما باقي الجنح الأخرى، فلا يمكن للمضرور القيام بالتكليف بالحضور إلا بترخيص من النيابة العامة بحسب الفقرة الثانية من المادة سالفة الذكر ، لهذا يظهر أن الادعاء المباشر ك وسيلة لتحريك الدعوى العمومية لا يكون إلا في الجنح الست، ولا يجوز استعمال هذا الإجراء في مواد الجنايات، وهذا بالنظر إلى خطورتها وجسامة عقوبتها، ولحرص المشرع الجزائري على عدم عرضها أمام القضاء إلا بعد إجراء التحقيق فيها.
وهنا يبقى على المضرور حق تحريك الدعوى العمومية والمطالبة بتعويض الأضرار التي أصابته من جراء وقوع الجناية عن طريق الادعاء المدني أمام قاضي التحقيق بحسب المادتين 2 و72من ق. ا. ج.
أما فيما يتعلق بنص الفقرة الثانية من المادة 337 مكرر ق. ا. ج، التي تجعل التكليف المباشر بالحضور في غير الجنح الست متوقفا على ترخيص النيابة العامة، فإن المشرع الجزائري لم يضع معيارا يمكن الاعتماد عليه لمنح المدعي المدني رخصة القيام بالتكليف بالحضور أمام المحكمة، متى كانت دعواه مستوفية للشروط الشكلية والموضوعية، ولهذا يرى البعض أن نص هذه الفقرة يثير من ناحية تطبيقه صعوبات عملية، إذ كيف لعضو النيابة العامة أن يمنح رخصة في حالات ويرفض منحها في حالات أخرى، الأمر الذي يجعل مسألة ما يسمى بالرخصة متوقفة على مازج أهواء عضو النيابة العامة المطروحة أمامه الشكوى، لذلك كان على المشرع الجزائري أن يوسع نطاق التكليف بالحضور المباشر أمام المحكمة، ليشمل كل مواد الجنح والمخالفات مع بعض الاستثناءات، وإلغاء ما يسمى بالرخصة التي تمنحها النيابة العامة(8).
وتطبيقا للقواعد العامة، يمتنع على المضرور تحريك الدعوى العمومية بطريق الادعاء في الأحوال الآتية:
أ-إذ كان المدعى عليه قاضيا أو عضوا من أعضاء الحكومة أو موظفا أو أحد ضباط الشرطة القضائية لجريمة وقعت أتناء تأدية وظيفته أو بسببها، وذلك تطبيقا للمواد من 573 إلى577من ق. ا .ج.
ب-إذا كان قاضي التحقيق واضعا يده على الدعوى أو إذا أصدر أمرا بعدم وجود وجه لإقامة الدعوى تطبيقا للمادة 175 ق .ا. ج، فلا يجوز الادعاء المباشر من المضرور أمام المحكمة.
ج-لا يجوز للمضرور رفع الادعاء المباشر عن جنحة ارتكبت في الخارج، لأن المواد582 و583من ق. ا .ج لا تسمح بتحريك الدعوى العمومية على جريمة ارتكبت في الخارج، إلا بطلب النيابة العامة بناء على شكوى من الشخص المضرور.
د-لا يجوز الادعاء المباشر في الجرائم الواقعة من الأحداث، وذلك بحسب المادة 452 ق. ا. ج.
المطلب الثالث: أن تكون الدعوى العمومية والدعوى المدنية مقبولتين
يشترط لاستعمال الادعاء المباشر أن تكون الدعوى العمومية مقبولة، لأن الأصل هو رفع الدعوى المدنية أمام المحاكم المدنية، وحين أجازها المشرع أمام المحاكم الجنائية فإن ذلك يكون تبع الدعوى عمومية (9).
وتتعدد أسباب عدم قبول الدعوى العمومية، فقد يكون بسبب التقادم، أو بالعفو الشامل، أو بوفاة المتهم، أو سبق صدور الحكم في الدعوى، أو بصدور قرار بأن لا وجه لإقامة الدعوى.
وتكون الدعوى المدنية مقبولة إذا تمت إقامتها بإجراءات صحيحة من شخص له صفة ومصلحة في إقامتها، ويترتب على عدم قبول الدعوى المدنية أنها تعد عائقا أمام آلية الادعاء المباشر ولا تتحرك بالتالي الدعوى العمومية. والأمثلة كثيرة على إخفاق الادعاء المباشر بسبب عدم قبول الدعوى المدنية.
المبحث الثاني : الشروط الإجرائية للادعاء أو التكل ي ف المباشر بالحضور أمام المحكمة
بالإضافة للشروط الموضوعية السابق بيانها هناك شروط إجرائية لابد من استيفائها لإعمال حق الادعاء المباشر. وتتمثل هذه الشروط فيما يلي:
المطلب الأول: تقديم شكوى مصحوبة بصفة الادعاء المباشر أمام وكيل الجمهورية
أن يكون الادعاء المباشر من المضرور في صورة شكوى يتقدم بها إلى شخص وكيل الجمهورية، فإذا لم تتضمن الشكوى صراحة اتخاذ صفة المدعي الشخصي، فإن هذا لا يعتبر تحريكا للدعوى العمومية وإنما مجرد تبليغ بالجريمة، وفي هذه الحالة يبقى على النيابة العامة حسب الأحوال التصرف فيها ولتتخذ ما تراه بشأنها وفقا لما تتمتع به بحسب الأصل من حرية تقدير(10).
ويلاحظ أن المشرع في المادة 337 مكرر من ق. ا. ج، لم يتطرق لمصطلح شكوى أصلا على خلاف نص المادة72 من قانون الإجراءات الجزائية، المتعلقة بالادعاء المدني، حين أجاز لكل من تضرر بجريمة أن يدعي مدنيا بأن يتقدم بشكواه أمام قاضي التحقيق المختص، فإن البعض يرى” أنه إذا كان المشرع الجزائري قد أغفل ذكر مصطلح شكوى، فإنه من البديهي أن لا نجد ما يفيد وجود البيانات التي يجب أن تتضمنها شكوى المدعي المدني في التكليف المباشر بالحضور أمام المحكمة، يضيف أنه على الرغم من ذلك فإن الواقع العملي وما جرى عليه العرف القضائي أثبت أنه لا يمكن للمدعي المدني أن يكلف المتهم بالحضور أمام المحكمة مالم يتقدم بشكوى مكتوبة أمام وكيل الجمهورية”(11).
ولا خلاف في وجوب أن تتوافر في الشكوى بحسب القواعد العامة، بيان اسم المدعي المدني وصفته واسم المدعى عليه ولقبه وهويته الكاملة وسبب الدعوى وموضوعها والمحكمة المختصة بنظر الدعوى(12).
المطلب الثاني: إيداع مبلغ الكفالة لدى كتابة ضبط المحكمة
توجب الفقرة الثالث من المادة 337 مكرر من ق. ا. ج على أنه “ينبغي على المدعي المدني الذي يكلف متهما تكليفا مباشرا بالحضور أمام المحكمة أن يودع مقدما لدى كاتب الضبط المبلغ الذي يقدره وكيل الجمهورية”. وهذا النص تطبيق طبيعي لالتزام كل ارفع دعوى بدفع المصاريف القضائية المقررة للدعوى التي يرفعها، والأصل أن لا يقام الادعاء المباشر بتكليف المتهم بالحضور أمام المحكمة إلا إذا كان ارفعها قد سدد المبلغ الذي قدره وكيل الجمهورية، أما بخصوص مصاريف الدعوى التي تستحق للخزينة العامة بسبب هذا التكليف بالحضور التي رفعها المدعي المدني، فإن المادتين 366و 367 من ق. ا. ج تقضيان بالازم دفع هذه الرسوم والمصاريف على عاتق من صدر الحكم بإدانته سواء المتهم أو المدعي المدني عن إساءة حقه في الادعاء مدنيا. وأكثر من هذا فإذا كان الادعاء قد قام على الكذب والافتراء كان هناك محل لمساءلة المدعي المدني لارتكابه جريمة الوشاية الكاذبة المنصوص عليها في المادة 300 من قانون العقوبات الجزائري.
المطلب الثالث: تبليغ المتهم ورقة التكليف بالحضور أمام المحكمة
ينبغي تبليغ المتهم و رقة التكليف بالحضور أمام المحكمة، وقد نظم المشرع الجزائري في المادة 440من ق .ا. ج كيفية هذا الإعلان، فبعد أن تقوم النيابة العامة بجدولة القضية مع تحديد مكان وزمان وتاريخ الجلسة، يسلم للمدعي المدني شكواه مشفوعة بختم وكيل الجمهورية، على أن يقوم المدعي المدني بتبليغ المتهم ورقة التكليف بالحضور مصحوبة بشكواه، وهذا من خلال المحضر القضائي الكائن مقره بدائرة اختصاص محل إقامة المتهم.
كما يجب احترام ومراعاة المواعيد الخاصة بالتبليغ بالتكليف بالحضور الواردة في قانون الإجراءات المدنية والإدارية (13)، نظار لارتباط هذه المواعيد بفكرة حقوق الدفاع، فالمتهم بحاجة إلى أجل كاف ومعقول لتحضير دفاعه.
ولا يجوز وفقا للأري السائد توجيه التهمة إلى المتهم في الجلسة من جانب المدعي المدني دون سبق تكليفه بالحضور(14). وفي كل الأحوال، فإنه إذا لم يكن المتهم قد أبلغ بورقة التكليف بالحضور أمام المحكمة، أو شاب التبليغ عيب جوهري فلا يحق للمحكمة أن تتعرض للدعوى والا كان حكمها باطلا (15).
المبحث الثالث : آثار الادعاء المباشر
إذا تحققت شروط الادعاء المباشر-شكلا وموضوعا-أمام المحكمة، ترتب على ذلك النتائج التالية:
المطلب الأول: بالنسبة للمدعي المدني
ليس للمدعي بالحق المدني بعد التكليف المباشر بالحضور سوى مباشرة دعواه المدنية فقط، وتطبق عليه، تبعا لذلك، القواعد التي تطبق على الخصوم، وليس له دور في مباشرة الدعوى العمومية(16).
ويترتب على ذلك نتائج لعل أهمها أنه ليس للمدعي المدني أن يطلب من المحكمة توقيع أقصى العقوبات على المتهم. وليس له حق الاستئناف إلا في الشق المدني دون الشق الجنائي(17).
كما أن تنازل المدعي المدني عن دعواه المدنية أمام المحكمة، لا تأثير له على الدعوى العمومية.
كما لا يجوز للمتضرر بعد تنازله أن يعود مرة ثانية أمام محكمة الجنح ليقيم دعواه المدنية، إذ أنه برجوعه يكون قد تخلى عن إجراءات الادعاء المباشر وتنازل عن هذا الطريق، ولا يوجد أمامه بعد ذلك إلا الطريق الأصلي وهو طريق القضاء المدني إذا لم يثبت أنه تنازل عنه أيضا (18).
المطلب الثاني: بالنسبة للنيابة العامة
إذا كانت الخصومة الجنائية رابطة قانونية إجرائية أطرافها ثلاثة: النيابة والمتهم والقاضي، فمعنى ذلك أنه يترتب على قبول الادعاء المباشر بطريق تكليف المتهم بالحضور تحريك الدعوى العمومية وبدء الخصومة الجنائية، وبالتالي تلتزم النيابة العامة بمباشرة الدعوى واستعمالها حتى تصل بها إلى غايتها وهو صدور الحكم.
وجدير بالذكر، أن دور النيابة إنما يصبح متعلقا بمباشرتها للدعوى العمومية فقط، لكن ذلك لا يعني أن يكون تحريك الدعوى أو قبولها من جانب المحكمة منوطا بقبول النيابة العامة، فالدعوى تدخل في حوزة المحكمة من قبل المدعي المدني ويتصل بها قضاؤها سواء وافقته النيابة العامة وطلبت العقوبة أم لم توافقه(19).
ومن صور مباشرة النيابة العامة الدعوى العمومية التي تم تحريكها أن تطلب تعديل وصف التهمة أو تعديل القيد الوارد بورقة التكليف بالحضور.
المطلب الثالث: بالنسبة للمحكمة
عند قبول المدعي بالحق المدني بهذه الصفة أمام المحكمة، فإنه يعتبر خصما للمتهم في الدعوى المدنية، وتكون النيابة العامة الخصم في الدعوى الجنائية، ويكون المدعى عليه في الدعوى المدنية هو المتهم و المسئول عن الحقوق المدنية، ويكون المتهم هو المدعى عليه في الدعوى الجنائية وحده.
وهنا تنظر المحكمة في الدعوى المدنية التابعة استثناء للدعوى العمومية. ويعبر عن هذا المعنى بقاعدة تبعية الدعوى المدنية للدعوى العمومية، فلا توجد الأولى بمفردها أمام المحكمة دون الثانية.
واذا قضت المحكمة بعدم اختصاصها بنظر الدعوى العمومية يتعين عليها أيضا أن تقضي أيضا في نفس الوقت بعدم اختصاصها بنظر الدعوى المدنية بالتبعية، واذا قضت بعدم قبول الدعوى العمومية لعدم توافر أحد شروط إجراءات قبولها أو بطلانه، فإنه يجب عليها أن تقضي أيضا بعدم قبول الدعوى المدنية بالتبعية (20).
لهذا فلا يجوز إذن على المحكمة المختصة أن تفصل في موضوع الدعوى المدنية قبل أو بعد الفصل في موضوع الدعوى الجزائية، بل يجب عليها أن تفصل في موضوع الدع وتين العمومية والمدنية في وقت واحد وبحكم واحد، والا تكون قد خالفت النصوص القانونية من ناحية وخرجت على مبدأ التبعية من ناحية أخرى، فتبعية الدعوى المدنية للدعوى العمومية تلازمها منذ إقامتها وأتناء مباشرتها حتى صدور الحكم فيها.
خاتمة
قد يسيء المدعي بالحق المدني استعمال الحق الذي خوله إياه المشرع الجزائري في الادعاء أو تكليف المتهم بالحضور أمام المحكمة، وقد تتمثل هذه الإساءة في التشهير بالمتهم والكيد له، أو في الرغبة في تسريع الدعوى المدنية وإعداد أدلتها الباطلة.
لذلك قرر المشرع الجزائري بداية إعفاء المتهم الذي قضي ببراءته من كل المصاريف القضائية، وعلى هذا نصت المادة 364 من ق .ا. ج “إذا أرت المحكمة أن الواقعة موضوع المتابعة لا تكون أية جريمة في قانون العقوبات أو أنها غير ثابتة أو غير مسندة للمتهم قضت ببراءته من المتابعة بغير عقوبة ولا مصاريف”.
كما بين المشرع الجزائري أن المتهم يمكنه أن يطالب المدعي بالحقوق المدنية أمام المحكمة المختصة، بتعويض الضرر الذي لحقه بسبب رفع الدعوى المدنية عليه، وهذا ما نصت عليه المادة367 من ق.ا.ج” في الحالة المنصوص عليها في المادة364، إذا كان المدعي المدني هو الذي حرك الدعوى العمومية تقضي المحكمة في حكمها نفسه في طلبات التعويض المدني المرفوعة من الشخص المحكوم ببراءته ضد المدعي المدني عن إساءة حقه في الادعاء مدنيا”.
إضافة لهذه المسؤولية المدنية، فقد يسأل المدعي المدني جنائيا إذا توافرت بادعائه أركان جريمة البلاغ الكاذب، والتي نصت الفقرة الأولى من المادة300 من قانون العقوبات الجزائري على عقوبتها “كل من أبلغ بأية طريقة كانت رجال الضبط القضائي أو الشرطة الإدارية أو القضائية بوشاية كاذبة ضد فرد أو أكثر أو أبلغها إلي سلطات مخول لها أن تتابعها أو أن تقدمها إلي السلطة المختصة أو إلي رؤساء الموشى به أو إلى مخدوميه طبقا للتدرج الوظيفي أو إلى مستخدميه يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلي خمس سنوات وبغرامة من 500 إلى 15.000دينار ويجوز للقضاء علاوة على ذلك أن يأمر بنشر الحكم أو ملخص منه في جريدة أو أكثر على نفقة المحكوم عليه”.
الهوامش :
1 – المواد 2 و72 من قانون الإجراءات الجزائية الجزائري.
2-د. عبد القادر القهوجي، “شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية دارسة مقارنة”، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، 2007، ص 171.
3 – د. سليمان عبد المنعم، “أصول الإجراءات الجنائية”، الكتاب الأول، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، 2003، ص418.
4- د. علي شملال، “السلطة التقديرية للنيابة العامة في الدعوى العمومية”، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق، بن عكنون، 2007، ص187.
5- د. سالم عياد الحلبي، “الوسيط في شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية”، الجزء الأول، مكتبة التربية، بيروت، 1996، ص205. ود. علي شملال، “السلطة التقديرية للنيابة العامة في الدعوى العمومية”، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق، بن عكنون، 2007، ص187.
6- د. سليمان عبد المنعم، “المرجع السابق”، ص 422
7- المادة 392 من قانون الإجراءات الجزائية الفرنسي.
8- د. علي شملال، “المرجع السابق”، ص193.
9- د. محي الدين عوض، “القانون الجنائي إجراءاته في التشريعين المصري والسوداني”، المطبعة العالمية، القاهرة، 1964، ص141.
10- د. فوزية عبد الستار، “شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية”، دار النهضة العربية، القاهرة، 1975، ص109.
11- د. علي شملال، “المرجع السابق”، ص194.
12- د. حسن الجوخدار، “شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية”، مكتبة دار الثقافة، عمان، 1977، ص 71.
13- المادة 439 من قانون الإجراءات الجزائية الجزائري.
14- د. فوزية عبد الستار، “الادعاء المباشر”، دار النهضة العربية والكتاب الجامعي، 1977، ص 154
15- قرار الغرفة الجزائية رقم134280المؤرخ في 12/05/1997 المنشور في المجلة القضائية، العدد الأول، 1997.
16- د. فوزية عبد الستار، “الادعاء المباشر”، المرجع السابق، ص 162.
17- د. جلال ثروت ود. سليمان عبد المنعم، “أصول المحاكمات الجزائية”، المؤسسة الجامعية، بيروت، 1996، ص 110.
18- المادة 472 من قانون الإجراءات الجزائية الجزائري.
19- د. سليمان عبد المنعم، “المرجع السابق”، ص437.
20- عبد القادر القهوجي، “المرجع السابق”، ص463


