عصر البطالمة321-30 ق.م
دكتور فاضل كاظم حنون
جامعة واسط– كلية التربية
توطئة: سياسة البطالمة في إدارة مصر:
يمثل دخول الإسكندر المقدوني إلى مصر عام 332 ق.م نقطة تحول في تاريخها إذ انتهي تاريخ العصر الفرعوني وبدأ العصر البطلمي، وبه دخلت موجة كبيرة من الإغريق [(1)]، على الرغم من أن الإغريق لم يأتوا إليها مع الاسكندر، بل إن العلاقات بين الطرفين ترجع إلى أقدم من ذلك، فقد استعان الملك بسماتيك مؤسس الأسرة السادسة والعشرين (663- 619 ق. م) بالإغريق في تكوين جيش قوي للدفاع عن بلاده، وفي عهد الملك أمازيس (570- 527 ق. م) تم نقل الجنود المرتزقة وأسكنهم مدينة منف، إذن يمكننا أن ندرك عمق العلاقة الوثيقة التي كانت بين الإغريق والمصريين منذ القرن السابع قبل الميلاد، حتى أنهم أصبحوا يمثلون أحد المكونات المهمة في المجتمع المصري القديم [(2)] وحين دخل البطالمة لمصر وبسطوا سيطرتهم عليها لم يعمدوا إلى إخضاع جميع رعاياهم لنظام قانوني موحد بل تركوا كل فئة منهم تطبق أنظمتها القضائية التي تعمل بها من قبل. [(3)]
لقد سار الملوك البطالمة على السياسة نفسها التي سار عليها الفراعنة الذين حكموا مصر قبلهم، وهي الحكم الإلهي المطلق، وبذلك أصبح الملوك البطالمة في نظر المصريين يحكمون مصر لكونهم ورثة عرش الفراعنة، أي أساس نظرية الحق الإلهي المطلق [(4)]، بني النظام السياسي في مصر على فكرة الملكية الإلهية وعد بهذا الملك إلها بين البشر [(5)]، فضلا عن ذلك فقد انتهج بطليموس الأول ممارسة الشعائر الدينية التي كانت تصاحب تتويج الفراعنة، التي تتلخص في ضرورة تعرف الآلهة على الملك لأنه سليلا لها، ويتم ذلك التتويج عادة في معبد بتاح بمدينة منف أمام ممثلي مختلف المعابد المنتشرة في مصر، [(6)] وقد عرفت عبادة بطليموس أثناء حياته، فقد أصبحت عبادة رسمية بصفة محلية في مدينة بطوليمية Ptolemais التي أسسها في الصعيد، [(7)] فقد عثر في مدينة منف على لوحة جاء فيها:
“في عهد جلالته….. مثل والده (بتاح) والد الآلهة، والملك مثل (رع) ملك الوجه القبلي والوجه البحري (وارث الإلهين الظاهرين المختار من (بتاح) والذي يعمل العدالة لرع وصورة (آمون الحية) ابن (رع) بطليموس العائش أبديا محبوب بتاح…..). [(8)]
وقد تدرج البطالمة في اتخاذ ألقاب الفراعنة، ومن ثم الانتساب إلى الآلهة المصرية واتخاذ صفاتها حتى اكتملت هذه الألقاب في عهد بطليموس فيلوباتور (المحب لأبيه) الذي نجد بين ألقابه التي أضافها عليه الكهنة المصريون: {حورس الشاب.. حامي البشر.. شبيه الشمس (رع) وملك المناطق العليا والسفلي (الوجهان القبلي والبحري)….. الذي حاز رضا الإله بتاح ومكن له رع من النصر، والصورة الحية لآمون، الخالد إلى الأبد، محبوب إيزيس} [(9)] لكن إلوهية الملوك البطالمة لم تكن معترفا بها إلا عند المصريين، أما الإغريق فقد ظل البطالمة مجرد ملوك في بداية الأمر، لكن هذه الصفة المزدوجة التي تمتع بها البطالمة في الوقت نفسه، كون الملك إلها لرعاياه المصريين ومجرد زعيم بشري لرعاياه الإغريق، لم ترق في أعين الملوك البطالمة، ولهذا سعي البطالمة منذ حكم ملكهم الثاني بطليموس فيلادلفوس إلى كسب الإلوهية في نظر الإغريق أيضا، إذ شاع عند وفاة والده بطليموس سوتير بأنه قد دخل في مصاف الآلهة لا باعتباره مؤسس مدينة بطلمية الإغريقية فقط، لكن بصفة عامة قد انضم إلى الآلهة كلها، كما اتجه إلى الزواج من أخته (أرسينوي) تماما كما يفعل الفراعنة، على الرغم من أن زواج الأخ من أخته لم يكن معروفا على الإطلاق في أي مدينة من المدن الإغريقية، لم يخرج على هذه العادة إلا بطليموس الثالث، أما جميع من حكموا بعد ذلك وحتى نهاية العصر البطلمي فقد لجئوا إلى هذا التقليد [(10)] وكان لهذه السياسة الدينية المرنة والسهلة، جليل الأثر في صياغة نظرية الحكم في مصر البطلمية، وقد حققت هذه النظرية للبطالمة أمرين هما:
- لقد عد الملك البطلمي خليفة للفرعون، أذن فإنه هو وحده الذي يصدر التشريعات القانونية.
- أكد هذا الاتجاه من احترام للدين المصري، وبهذا علا شأن رجال الدين علوا عظيما، وأغدقوا عليهم المنح والامتيازات وإعفاء الكهنة من الأعمال التي كانت تفرض على الشعب، فقد حاول الحكام البطالمة كسب ود الكهنة بقدر الإمكان والتقرب إليهم حتى يضمنوا ولائهم. [(11)]
ولهذه الأسباب توجه البطالمة نحو مزج الديانات المصرية والديانات الإغريقية وقربوا بين كل إله مصري ونظيره من آلهة الإغريق، فعلى سبيل المثال: عثر على تمثال للإله المصري حورس ويرتدي الزي العسكري في هيأة مقاتل ويشبه إلى أبعد الحدود هرقل البطل الأسطوري المعروف في أساطير الإغريق، [(12)] ولكن مزج الديانات ظهر بصورة أوضح في الإله الجديد الذي اخترعه البطالمة والذي حمل اسم (سرابيس) وأقاموا له المعابد الضخمة وخاصة في الإسكندرية وفي منف، وقد اعتقد المصريون أنه اندماج الإلهين أوزوريس وأبيس أما الإغريق فقد تصورا أنه أحد آلهتهم، وكان هذا الإله المستحدث يتمتع بالنفوذ نفسه الذي يتمتع به من قبل الإله آمون رع خلال عصر الإمبراطورية الحديثة أيام الفراعنة. [(13)]
وهكذا أصبح الملوك البطالمة آلهة في نظر البطالمة كما كانوا في نظر المصريين أيضا، وأن اختلف الأسلوب المتبع للوصول إلى تلك النتيجة، فكان عند المصريين إلها لأنه وريث الفراعنة وقد كانوا آلهة، وكذلك البطالمة فقد عدوه آلهة أيضا.
لهذا تعددت التشريعات القانونية بتعدد الجنسيات فكان هناك تشريع القانوني مصري الذي خضع له المصريون، وتشريع قانون بطلمي الذي خضع له البطالمة، أي إن مصر كانت ملتقي التشريعات القانونية [(14)]وكان لذلك أثر كبيرا على الحياة القضائية في مصر القديمة.
اقتضت ضرورة البحث تقسيمه إلى محاور عدة: استعرضنا في المحور الأول التشريع القانوني المعتمد في القضاء ويشمل الموضوعات الآتية التشريع القانوني المصري القديم والتشريع القانوني إبان عصر البطالمة، وخصصنا المحور الثاني منه للهيئات القضائية وقد عالج المحاكم المصرية والمحاكم البطلمية والمحاكم المختلطة، وبينا في المحور الثالث إجراءات إقامة الدعوى شمل إجراءات متعددة، وهي إجراءات رفع الدعوى والمحاكمة ورسوم الدعوى والدعوى العامة والدعوى الخاصة، والمحور الرابع: الجرائم في العصر البطلمي وهي: 1. الجرائم العامة. 2. الجرائم الخاصة. وقفينا البحث بخاتمة استعرضنا فيها أهم ما تمخض عنه من نتائج.
المحور الأول: التشريع القانوني المعتمد في القضاء
- التشريع القانوني المصري القديم
تركت مصر الفرعونية أرثا في جانب التشريع القانوني [(15)] ينسجم مع عطاءها الثر في مجال الحياة الأخرى وهو مستمد لوجوده من أرض مصر أي أنه كان متجاوبا مع متطلبات وسمات المجتمع الذي نشأ به [(16)] أن الاعتقاد الذي آمن به المصريون هو أن الآلهة هي التي كانت تحكم مباشرة أرض مصر، ومن ثم أصبح سكان مصر أكثر إدراكا لذلك صعدت الإلهة إلى السماء وتركت وراءها مباشرة الحكم لابنها الفرعون، [(17)] ومن شدة تمسكهم بالعادات والتقاليد الدينية وصفهم هيرودوت أكثر الشعوب تمسكا بالدين. [(18)]
وعلى الرغم من أن المصريين كانوا أكثر الشعوب القديمة تمسكا بأهداف الدين، غير إن التشريع القانوني الفرعوني لم يصطبغ بالصبغة الدينية، فكانت الأخلاق هي الطابع الغالب عليه، والعدالة سمة من سماته وهدف من أهدافه، فهو قائم على اللازمة الأخلاقية، وفيه روح العدالة ومعبر عن واقع المجتمع المصري منذ تكونه، [(19)] ولقد مر تطور القانون في مصر القديمة بمراحل عدة، اختلفت تبعا لظروف وعوامل سياسية واجتماعية واقتصادية ودينية تداخلت وتضافرت في تشكيله، فالمرحلة الأولى مثلتها عهد الدولة القديمة (2850- 2052 ق. م)، فلقد حرص المصريون القدماء كل الحرص على تحقيق العدالة، فكانت العدالة بهذا المعني الهدف الأساسي للتشريعات المصرية القديمة، وقد أورد المؤرخ الإغريقي “ديودور الصقلي” أن الملك مينا (حوالي 3200 ق. م) لم يقتصر على توحيد البلاد بل وحد القوانين المصرية أيضا، فجعل القانون الذي وضعه “تحوت” [(20)] ساريا في مصر العليا بعد أن كان سائدا من قبل في مصر السفلي، إلا أنه لم يصل شيء من هذا القانون المكتوب الذي أصدره “تحوت” ويبدو أن هذا القانون كان في الواقع أمرا صادرا من الملك بما له من –سلطة إلهية وسلطة تشريعية، فالقانون في مصر سواء أكانت صادرة عن العرف أو مبنية على الأحكام الصادر من الملك، إنما هي أحكام إلهية لأن الحاكم يمثل ظل الإله في هذه الأرض، فأحكامه أحكام إلهية [(21)] فالفرعون في نظر رعيته مشرع موحي إليه من آلهة من أجل الخير العام، فما يقوله الملك هو قانون لشعبه. [(22)]
أما المرحلة الثانية لتطور القانون في مصر القديمة، هي مرحلة عهد الدولة الوسطي ونهاية عهد الهكسوس [(23)] حيث مثلت هذه المرحلة فترة مضطربة في تاريخ مصر القديمة منذ نهاية الأسرة السادسة ودخول الهكسوس تعرضت إلى التفكيك والأدل على ذلك ما قاله أحد الحكماء: (أن قوانين القاعة الخاصة “قاعة العدل” قد طرحت خارجا بحيث يدوسها الناس في الشوارع ويمزقها المعوزون بالطرقات) [(24)] ويتضح من النص أن القوانين التي تنظم الحياة لم تعد ذات قيمة فالعامة تدوس عليها في الطرقات والفقراء ويقطعونها في الطريق.
أما المرحلة المهمة لتطور القانون المصري هو عصر الدولة الحديثة، إذ أصدر الفرعون حور محب (1340- 1298 ق. م) أهم تشريعا قانونيا مكتوبا، وتكون من حوالي عشر مواد قانونية عالجت جوانب مختلفة من الحياة في مصر القديمة، فضلا عن تعليمات إدارية متعددة، ومقدمة وخاتمة شرح بها الفرعون الأسباب الموجبة لإصداره، وتضمنت إجراءات متعددة اتخذت لمنع اغتصاب سفن النقل التي تستعمل في تسليم الضرائب، وإجراءات خاصة بمساعدة ملاك السفن الذين سرقت حمولة سفنهم التي كانت مرسلة للفرعون، فضلا عن إجراءات لمنع اغتصاب جلود حيوانات الفلاحين، وإجراءات ضد الابتزاز والرشوة في تحصيل ضريبة الدخل العام، وإجراءات ضد من يجمعون بدون وجه حق الحبوب والخضروات، ومتضررة ويبدون أنها عالجت المسألة الجنائية، وإجراءات لمنع استعمال الرقيق في عمل بدون وجه حق. [(25)]
المرحلة الأخيرة من تطور القانون المصري القديم الرابعة والعشرين (735- 721 ق. م) فقد أصدر الفرعون (باك آن رن ف 727- 721 ق. م) أو كما تسميه المصادر بوخوريس [(26)] وليس لدينا النصوص الكاملة للتشريع القانوني للفرعون (باك آن رن ف) ولكن استطاع الباحثون الوقوف على نظم القانون هذا عن طريق ما رواه المؤرخون القدامى، لقد عادت بفضل هذا التشريع الصبغة المدنية وزال عنها الطابع الديني كما سادت النزعة الفردية ونظمت المعاملات على أساس حرية التقاعد، وأهم ما تضمنه قانون بوخوريس: حصول المرأة على المساواة التامة بالرجل، فأصبح الزواج عقدا كسائر العقود مبنيا على حرية التعاقد، وكان للمرأة تتفق على الصداق الذي يدفعه لها وعلى النفقة التي يلتزم بها شهريا أو سنويا، وأصبح الطلاق من حق الرجل وفي حال الطلاق التي تلزم الزوجة به زوجها، فكان عليها أن تدفع مبلغ من المال للزوج، وأكد حق للمرأة أن تشرط في عقد الزواج على زوجها بعدم زواجه من امرأة ثانية، وقد أخذ قانون بوخويس بمبدأ الحرية في التقاعد والتراضي من دون تأدية اليمين الدينية، ومنع تقاضي فوائد على الفوائد المتجمدة ومنع المطالبة بأكثر من ضعف الدين مهما طالت مدته، وسع أحكام الرهن لمصلحة الزوجة على زوجها لضمان تنفيذ شروط الزواج. [(27)]
وقد ظل هذا التشريع القانوني يطبق على المصريين في أيام البطالمة، بل يعتقد إن البطالمة أنفسهم قد تولوا تقنين هذا القانون وأطلق عليه (القانون الوطني) Khoras Nomos. [(28)]
أسس التشريع القانوني للفرعون بوخوريس على فلسفة المساواة، التي شملت المساواة للطبقات الاجتماعية والدينية، إذ ساوي ما بين المصريين جميعا، وألغي الامتيازات الدينية، وعمت المساواة الأسرة في شمولها، وتساوت حقوق الأبناء، والمرأة بالرجل، والأخ بالأخت، كما جعل هذا القانون استقلالية تامة للذمة المالية لكافة أفراد الأسرة. [(29)]
أما المشرع الأخير الذي حكم خلال عهد الأسرة السادسة والعشرين (672- 525 ق. م) هو الفرعون أحمس الثاني (أمازيس 570- 526 ق. م) في حين جعله مؤرخا آخر هو الفرعون الأخير من هذه الأسرة وامتد حكمه حتى عام 525 ق. م ويعد تشريع الفرعون أحمس الثاني ما هو إلا تعديل لتشريع الفرعون بوخوريس (باك آن رن ف 727- 721 ق. م) السابق الإشارة إليه.
اعترف تشريع أمازيس بالملكية العقارية الفردية وأباح لأصحاب الأراضي حق التصرف فيها، وأدخل طريقة الأشهاد بالميزان فيما يتعلق بالبيع وسائر العقود الناقلة للملكية، وتتلخص هذه الطريقة في وجود ميزان وقطعة نحاس والعين المراد نقل ملكيتها وحضور طرفي العقد والشهود، وأوجبت ثبوت العقود الكتابية، أي وجود كتابة العقد كما احتفظت بحد الفائدة التي فرضتها قوانين (باك آن رن ف) في حين يكفي لإثبات الزواج الإقرار به عند الإحصاء، كما جاز الاعتراف بالأولاد قبل عقد الزواج، وبدأت تباشر المساواة بين جميع الأفراد تنمو شيئا فشيئا وتنتقل من المساواة في الأمور الدينية (كالدفن) إلى المساواة المدنية أيضا، واستردت المرأة الكثير من حقوقها مثل حق الإرث والتصرف فيه من دون الرجوع إلى الابن الأكبر، كما كان لها الحق بالتصرف بأموالها من دون الرجوع إلى موافقة زوجها، وزال امتياز الابن الأكبر في الأسرة مع تقلص فكرة الملكية المشتركة. [(].
وهنا يلزمنا القول بأن الإرث القانوني الذي خضع له الناس في مصر القديمة، كان يتكيف دائما مع اختلاف المراحل التاريخية التي مر بها التاريخ المصري القديم وكان إرثا كبيرا عميقا، جمع بين السلطات القانونية والقضائية والتشريعية في يد الملك الإله، وكانت الأحكام تصدر باسم الملك وحده باعتباره صاحب السلطة الأولى في مصر القديمة.
- التشريع القانوني إبان عصر البطالمة
يرجع الإرث القانوني للبطالمة للقرن السابع قبل الميلاد إذ تمكن دراكون Dracon بعد أن خولته الطبقة الحاكمة في أثينا من تدوين القانون وعرفت بشريعة دراكون عام 612 ق. م وضع هذا القانون نتيجة لمطالبة طبقة العامة بتدوين التقاليد العرفية لوضع حد لاحتكار الإشراف لعلم القانون، أشتهر دراكون بالعقل والحزم وبمعرفته الواسعة للشرائع وعلى الأخص للمسائل المتعلقة بالتقاليد والحقوق العائلية، وقد اقتصر عمله في الأساس على تنظيم القوانين التي استطاع أن يفرضها بقوة شخصيته كانت من جهة مقتبسة عن العادات والتقاليد المتوارثة لكنها من جهة ثانية قد عدلت بصورة تلائم حاجات العصر، [(31)] على الرغم من إن مدونة دراكون لم تصلنا إلا إننا وصلتنا محتواها من خلال المصادر التي تناولت الإصلاح السياسي اليوناني، تميزت هذه المدونة من حيث الشكل بأنها من مظاهر الديمقراطية لأن دراكون كان يتكلم باسم الشعب. [(32)] لكن قوانين دراكون لم تتطرق إلا إلى جانبا محددا من مشاكل المجتمع، وفي وسط هذه الظروف التي شهدت تسلط الطبقة الارستقراطية واستئثارها بكل جوانب السلطة من جهة، وسخط العامة وطبقة التجار وتحفزها من جهة أخرى، تولي منصب الحكم شخص اسمه صولون Solon قام بوضع التشريعات من أجل ضمان المصالح المتضاربة بين طبقات المجتمع، كانت أهم قوانينه: تشمل إلغاء الرهون العقارية والديون، سواء أكانت للأفراد أم للدولة، كما حدد مساحة الأراضي التي يحق للفرد امتلاكها، أطلق سراح جميع من استرقوا وأعاد كل من بيع رقيقا من خارج البلاد، أصدر عفوا عاما أطلق به كل من سجن، وأعاد إلى البلاد كل من نفي لأسباب سياسية، قسم الشعب إلي أربع طبقات على أساس نسبة الدخل. [(33)]
كتب صولون قوانينه على ملفات خشبية وضعت في ساحة عامة يقرؤها الناس، ولم يدع كما ادعي أغلب المشرعين بأنه إله من الإله أنزلت عليه هذه الشرائع، وهذا يعطي تشريعه السمة المدنية. [(34)]
أما التشريع القانوني في عهد البطالمة فقد استند إلى فكرة تأليه الملك وهي امتداد إلى فكرة تأليه الفراعنة المصريين، فمشيئة الملك- الفرعون وإرادته هي القانون، [(35)] وتبعا لهذا أصبح الملك البطلمي أيضا هو المهيمن على التشريع في مصر البطلمية، ولكن من ناحية أخرى فإن البطالمة لم يمكنهم تجاهل، إن مصر بلد له إرث قانوني يستوجب احترامه وعدم تجاهله، لذلك أثر البطالمة الإبقاء عليه ليطبق على المصريين [(36)] أما الهيكل التشريعي للبطالمة فيعتمد على التشريعات الملكية التي تصدر من قبل الملوك البطالمة، البروستجماتا (Prostagmata) وهي عبارة عن أوامر صادرة من الملك بمقتضى السلطة التشريعية المطلقة التي يمتلكها ويهدف منها معالجة شؤون البلاد سواء تعلق الأمر بمسألة عامة لكافة أنحاء البلاد أو مسألة خاصة بجهة أو جماعة معينة، وكانت تصدر غالبا بعبارة (بناء على أمر الملك) مع ذكر اسم الملك وبواسطة هذه الأوامر الملكية كان البطالمة يشرعون لمصر بأكملها أي للمصريين والإغريق. [(37)]
المرحلة الثانية تبدأ بالإصلاح القضائي الذي تم بصدور أمر ملكي عام 118 ق. م من بطليموس الثامن (إيرجيتيس الثاني، الخير) وترتب عليه تحديد اختصاص المحكمة بحسب اللغة التي كتبت بها الدعوة أو العقد فإن استعملت اللغة الإغريقية كان من اختصاص المحاكم الإغريقية، وإن كتبت باللغة المصرية كانت المحاكم المصرية هي المختصة أيا كانت جنسية الأطراف وكانت الخط الديموطيقي هو الخط المستخدم في هذه المرحلة بالنسبة للمصريين، إذ اعتمد على لغة الدعوة أو العقد في تحديد المحكمة المختصة بها [(38)] عنون هذا التشريع القانوني بعبارة: (عفو شامل) ولم يستثن من هذا العفو إلا القتلة وأولئك الذين خرقوا الحرمات المقدسة حتى عام 118 ق. م، وما جاء بهذا العفو:
الديباجة… (إعلان عفو شامل لكل الجرائم التي ارتكبت في البلاد قبل شهر برمودة من العام الثاني والخمسين من حكم الملك بطليموس إيرجيتيس الثاني” 28 آذار عام 118 ق. م ولا يستثني من ذلك إلا القتلة ولصوص المعابد)). [(39)]
وقد صنفنا فقرات هذا التشريع إلى أبواب متعددة تبعا إلى الموضوعات التي عالجتها فقرات التشريع وهي:
أولا: الجانب الاقتصادي:
- يلغي كل المتأخر من الضرائب إلا في حالة المزارعين الملكيين الذين يزرعون نصيبهم بمقتضى إيجار وراثي.
- يجب تفحص المخالفات فيما يخص المكاييل والموازيين التي يستعملها محصلو دخل الحكومة النوعي.
- أولئك الذين يزرعون من جديد أرض الكروم أو أرض بساتين الفاكهة التي كانت قد أصبحت بورا سيملكون هذه الأراضي دون ضرائب لمدة خمس سنوات، أما السنين الثلاث التي تلي ذلك فيدفعون ضرائب مخففة، أما الأراضي التي تقع في الإقليم المرتبط بالإسكندرية فإن زارعيها يعطون ثلاثة أعوام أخرى من دون ضرائب.
- تلغي الغرامات التي وقعت على أولئك الذين لم يقوموا بتوريد الحسك والبوص لإصلاح الجسور (جسور النيل).
- تلغي الغرامات التي وقعت على أولئك الذين لم يزرعوا قطع أرضهم علة حسب القانون، وما بعد صدور القانون فإنه يطبق الغرامة بحقه.
- ترفع الغرامات التي فرضت على أولئك الذين لم يؤدوها على حسب القانون ولكن فيما يخص احتكار الزيت.
- تلغي الغرامات التي وقعت على أولئك الذين قطعوا أشجارا في حوزتهم دون إذن من الحكومة. [(]
إن الأوضاع التي مرت بها مصر قبل صدور هذا التشريع كانت مرحلة مضطربة ناتجة من بدء الضعف والتدهور لسلطة البطالمة الذي بدأ منذ عهد بطليموس فيلوباتور (221- 205 ق. م) متمثلة بالاضطرابات والحروب والتآمر بين الحكام البطالمة أنفسهم، والسياسة الخاطئة التي اتبعها ملوك تلك المرحلة وأهمها فرض الضرائب الباهظة والغرامات على المزارعين الذي انعكس بدوره على تردي الأوضاع الاقتصادي إذ اضطروا أولئك المزارعين إلى ترك الأراضي الزراعية وإهمالها ولهذا فطن إيرجيتيس الثاني لهذا الجانب، وعالج الأوضاع الاقتصادية المتردية الناتجة عن إفرازات المرحلة السابقة من جانب، ولأهمية بناء اقتصاد الدولة المصرية وطمعه بزيادات ثرواته من جانب آخر. [(41)]
ثانيا: الحقوق المدنية للمواطنين:
الأفراد الذين اشتركوا في النهب وهربوا بسبب ذلك سيسمح لهم إذا عادوا إلى وطنهم أن يزالوا حياتهم التي كانوا عليها من قبل ذلك وما بقي من أملاكهم لاتستولي عليها الحكومة. النزول عن ديون الحكومة التي كان قد فرضها الحاكم العسكري فيما يتعلق بتوليهم الوظيفة (ومن المحتمل إن كل الموظفين أصحاب المكانة كان عليهم أن يدفعوا مبالغ ضخمة مقابل وظائفهم).
في مقدور كل أولئك اللذين يملكون أراض فعلا وكانوا قد استولوا عليها بطريقة غير قانونية في خلال الاضطرابات أن يضموها إلى ملكيتهم بأن يدفعوا إيجار سنة من المحصول، ثم يتسلمون الأرض ثانية من الملوك بوصفها هبة قانونية، هذا ولن يفرض عليهم غرامات عن السنين السابقة، كما يثبت الوطنيون المصريون الذين استولوا بصورة غير قانونية على أراضي من أراضي الجنود المرتزقة وتصبح هذه الأراضي ملكا لهم.
- تلغي بعض الخدمات التي كان على الجنود المرتزقة أن يفرضوها على أصحاب الأراضي الذين ذكروا في الفقرة السابقة. [(42)]
- إن إقطاع الأراضي وتوزيعها من قبل البطالمة كان الغرض منه نشر الثقافة الإغريقية، فضلا عن زيادة المستعمرات في البلاد الخاضعة لنفوذهم، والهدف الأساس لهذا العمل اجتذاب أكبر عدد من الجنود لضمان استمرار احتلال مصر والتوسع خارجها وأن أراضي الهبات أو المنح تظل مملوكة للملك البطلمي ولا يتمتع المقطع له الأرض سوى بحق حيازتها والانتفاع بها طوال فترة بقائها تحت تصرفه، فقد كان للملك أن يسحبها منه في أي وقت يشاء، كما كانت ترجع إلى الأراضي الملكية متى زالت صفة الشخص المقطعة له. [(43)]
- لا ينبغي أن يحجز على أشخاص المزارعين الملكيين، وكذلك العمال الذين يعملون في المعامل التي يكون فيها للتاج مصلحة بسبب دين إذ يمكن الحجز على سلعهم، ولكن ذلك لا يطبق على الآلات اللازمة لأعمالهم.
- هذه الفقرة تحدد موضوع السلطة عند الإغريق وعند السكان المصريين، والقانون هنا يحدد أنه في الحالات التي يكون فيها إغريقي يتنازع مع آخر مصري فإن المسألة يحدد الفصل فيها على حسب اللغة التي دونت بها الوثائق فإذا كانت الوثائق باللغة الديموطيقية فإن القضية ينظر فيها قاض مصري ليحكم فيها على حسب القانون المصري، وإذا كانت الوثائق باللغة الإغريقية فإن القضية تقدم أمام قاض إغريقي، وإذا كان الفريقان المتخاصمان مصريين فإن القضية يفصل فيها أما قاض مصري.
- تبقي الأراضي أو المنازل التي اشتريت من التاج ملكا شرعيا للمشترين… إن الأسطر التي أعقبت الفقرة السابقة قد وجدت مهشمة ولا يمكن استنباط شيء منها يمكن الأخذ به.
- إن أصحاب البيوت التي احترقت أو دمرت يمكنهم أن يعيدوا بناءها كما كانت، وكذلك المعابد يمكن إعادة بنائها ولكن على شرط ألا يزيد ارتفاعها عن عشرة أذرع.
- إن أولئك الذين يعملون مزارعين أو عمال مصانع في خدمة الملك قد أصبحوا محميين من اضطهاد الموظفين مثل الحكام الحربي للمقاطعة والسكرتير المالي وضباط الشرطة وغيرهم.
- لا ينبغي لحكام المقاطعات الحربيين ولا الموظفين الآخرين أصحاب الوظائف المالية أن يجبروا أي فرد من الناس على أن يشتغل لحسابهم دون أجر.
- لا ينبغي أن يجبر عمال النسيج على العمل للموظفين دون أجوز مجزية.
- لا يجوز لأي موظف أن يستولي على القوارب لاستعماله الشخصي.
- لا يجوز لأي موظف أن يسجن أي فرد من أجل مخاصمة شخصية أو من أجل دين له، وإذا كان لديه أية تهمة يوجهها لأي شخص فعليه أن يرفع دعواه أمام المحكمة المختصة.
- لا ينبغي لحكام المقاطعات الحربيين وكذلك الموظفين الآخرين أصحاب الرتب العالية إن يستولوا لأنفسهم على أراضي جيدة، ويزرعونها لاسيما إذا كانت تزرع فعلا من قبل بوصفها جزء من أرض التاج بزراع ملكيين. [(44)]
شهدت المدة الواقعة بعد معركة رفح عام 217 ق. م [(45)] حتى صدور هذا التشريع حدوث عدد من الثورات التي قام بها المصريين ضد حكم البطالمة، الذين استهانوا بسكان مصر، ولم يكن وضع الموظفين أحسن حالا من بقية طبقات المجتمع الأخرى، وبعد النصر الذي تحقق في معركة رفح الآنف الإشارة إليها، فطن البطالمة إلى أسباب هذه الثورات، فبدوا بتغيير سياستهم تجاه الجنود العسكريين وكافة الموظفين الحكوميين، فعمد البطالمة بدءا من عهد بطليموس الرابع (221- 204 ق. م) إلى إعطاء بعض الامتيازات لصغار للموظفين كما سمح لهم بتولي بعض المناصب، واحترام حقوقهم وعدم التجاوز على حرياتهم. [(46)]
قد يبرر إصدار بطليموس إيرجيتيس الثاني التشريع القانوني (الإصلاح القضائي) برغبة المشرع البطلمي في تحجيم دور المحاكم المصرية بالتبعية للتشريع المصري وإعطاء الفرصة للمحاكم الإغريقية لكي تبتلع اختصاص المحاكم المصرية حيث إن اللغة الإغريقية قد انتشرت في البلاد وخاصة بالنسبة للطبقة المثقفة ومنها محورو العقود كما أنها كانت لغة التعامل الرسمية في البلاد وبالتالي كان من الطبيعي أن يكثر اللجوء إليها في إبرام التصرفات مما يفتح الباب على مصراعيه أمام تطبيق القانون الإغريقي.
المحور الثاني: الهيئات القضائية
تعددت في العصر البطلمي الجهات ذات الاختصاص القضائي، فإلي جانب المحاكم المصرية كانت هناك محاكم إغريقية وأخرى مختلطة وإلي جانب هذه المحاكم التي يمكن أن نعدها محاكم عادية كانت هناك محاكم خاصة يقتصر اختصاصها على قضايا معينة وهي:
المحاكم المصرية:
أطلق عليها ((لاوكريتاي)) وهي امتداد للمحاكم المصرية التي كانت موجودة في العصر الفرعوني وقد احتفظ البطالمة بالنظام القضائي الموجود في البلاد على غرار ما فعلوا بالنسبة لقانونهم، ولم يمنعهم ذلك أن يدخلوا عليه ما شاؤا من تعديلات تتناسب والأوضاع السياسية الجديدة وتمكنهم من أحكام رقابتهم على القضاة المصريين، وقد تعددت وتنوعت المحاكم المصرية:
- المحكمة الكبرى (حت –ورت) تقع مسؤوليتها المباشرة تحت سلطة الملك، وهو بدوره يقوم بتعيين موظفيها.
- المحكمة المحلية: وجدت في أقاليم مصر القديمة محاكم محلية لكل إقليم أو مدينة يلزم فيها إصدار حكم دون الرجوع إلى السلطات المركزية.
- محكمة الجاجات (djadjat): إن هذه المحكمة لها دلالة إدارية واستشارية إلى جانب الواجبات القضائية حتى اعتقد أنها تختص بالأحكام المدنية من دون الجرائم.
- محكمة المحققين: (Knbt- sdmy): (محكمة المستمعين) أو (محكمة المحققين).
- محكمة دير المدينة: وقد اقتصر نشاطها على الدور القانوني.
- محكمة المعبد (محكمة الكهنة): وهي تخص كل ما يتعلق بأمور الكهنة وأملاكهم.
- المحكمة الاستثنائية (الخاصة): وهي المحكمة التي لا تخضع في كيفية تشكيلها وإجراءاتها للقواعد الاعتيادية، وسميت هذه المحكمة أيضا بمحكمة المقربين وخصصت للحكم على الأشخاص المقربين للملك سواء من الكهنة أم ممن تربطه بهم روابط اجتماعية وعائلية بالملك. [(47)]
كانت هذه المحاكم في العهد البطلمي تتشكل من قضاة مصريين وإلي جانبهم كان هناك موظفا قضائيا هاما وهو المدعي العام وتتمثل وظيفته في تلخيص القضايا وإعدادها وتلاوة المستندات أمام المحكمة وتنفيذ ما تصدره من أحكام وقد كانت للمدعي العام أهمية كبيرة إلى حد اعتباره رئيس المحكمة، فقد كانت تمر بين يديه كافة الالتماسات والوثائق المقدمة إلى المحكمة، ويدعو المحكمة للانعقاد، بل يبدو أنه كان أيضا يوقع الأحكام التي تصدرها، وكان يمثل المحكمة في فترات انعقادها ويبدو أن هذا الموظف كان يشرح أركان الدعوة ولا يترك للقضاة إلا مهمة إصدار الحكم الذي يتفق مع ذلك، وكان إغريقيا بعكس الحال بالنسبة للقضاء حيث كان مصريا. [(48)] ولعل البطالمة قد استحدثوا مهمته تيسيرا لتعريف العدالة في المحاكم الوطنية، غير إن هنالك تحولا قد حدث في نطاق اختصاص هذه المحاكم فبعد أن كانت تختص بالفعل في الدعاوي التي يكون طرفاها من المصريين، أصبحت تختص بكافة الدعاوي التي تكتب باللغة المصرية بغض النظر عن جنسية طرفا الخصومة، وقد تم هذا التحول أثر مرسوم الإصلاح القضائي الذي صدر عام 118 ق. م [(49)]إي أنهم وضعوا قانونا موحدا للمصريين والإغريق، وعلى كل حال لا نستطيع اعتبار المحاكم المصرية في عهد البطالمة سليلة المحاكم الفرعونية العليا، فكل القرائن تشير إلى أن تلك المحاكم المصرية البطلمية كانت أقل منها شأنا.
2- المحاكم البطلمية:
تعددت في العصر البطلمي المحاكم ذات الاختصاص القضائي وهي:
- محاكم المدن (الحرة) الإغريقية)
أنشأ البطالمة بعض المدن الإغريقية بقصد تهيئة البيئة المناسبة لمعيشتهم وهي (نوكراتيس) [(50)] (الإسكندرية) و(بطوليمية) [(51)]، على النمط اليوناني الخاص بدولة المدينة [(52)] لذلك فمن المحتمل أنها كانت لها مقاعد عامة نفس الهيئات التي ضمها نظام المدينة اليونانية لدى الإغريق وهي المجلس الشعبي ومجلس الشيوخ والحكام، وإن الملك يرأس هذا التجمع، وكأنه صاحب حق الإلهي في العرش [(53)] ودعيت هذه المدن بـ (المدينة الحرة) [(54)] وكان لها محاكمها وكانت تتمتع ببعض الاستقلال السياسي لذا فنحن نرجح أنها تمتعت باستقلال قضائي أيضا تحت إشراف الملك الذي كان ينظم عن طريق هذا الاستقلال القضائي، ويبدوا أن لهذه المدن محاكمها الخاصة على نمط المحاكم الشعبية في اليونان وتختص بالنظر في المنازعات التي تنشأ بين مواطني هذه المدن [(55)]
فيما يخص مدينة نوكراتيس كان لها قانونها الخاص الذي كان موجودا قبل الحكم البطلمي وقد سمح البطالمة لمواطني هذه المدينة بالاستمرار في تطبيق قانونهم، إما بالنسبة لمدينة بطوليمية التي أنشأها بطليموس سوتير (305- 285 ق. م) فإن لها تنظيم سياسي مماثل لأثينا وغيرها من المدن اليونانية [(56)] بما في ذلك مجلس تشريعي خاص بها، ومن المحتمل أن يكون قانون هذه المدينة قد صدر من مجلسها التشريعي، لكننا لا نعلم شيئا عن دور الملك بالنسبة لهذا القانون وغيره من القوانيين التي كان يصدرها المجلس وهل كان يلزم تصديقه لنفاذها أم لا [(57)] أما مدينة الإسكندرية فقد اختلفت بصددها الآراء، اعتقد أصحاب الرأي الأول أنها لم تتمتع باستقلال سياسي ولم يكن لها مجلس تشريعي، بل كان مصدر قانونها الخاص التشريعات الملكية، [(58)] بينما ذهب أصحاب رأي آخر إلى أن الإسكندرية كانت مدينة إغريقية لذلك لابد من أنها كانت على الأقل في بداية عهدها تتمتع بكافة عناصر الحياة العامة في المدينة الإغريقية، أي بجمعية شعبية ومجلس يصدر قوانينها ومحاكم ولكنه نتيجة للأحداث العنيفة التي شهدتها المدينة [(59)] حد البطالمة من استقلال المدينة الذاتي ومن ثم فقدت مجلسها التشريعي. [(60)]
تألفت المحاكم القضائية الإغريقية من ثلاثة قضاة، ومدع عام (eisagogeus) وكاتب (grammateus) ومحضر (hyperetes) فضلا عن القضاة، وتستمد هذه المحاكم سلطتها من سيادة الجماعة التي تألف سكان المدينة، لهذا كان من الضروري انتخاب أعضاءها من مواطني المدينة، ويتبدل هؤلاء الأعضاء حسب جلسات المحكمة [(61)] ولهذه المحكمة دورا كبيرا في حسم الخلافات القضائية بين المدن الإغريقية. [(62)]
- المحاكم الإغريقية خارج المدن الحرة:
هي المحاكم التي أنشأها البطالمة خارج المدن الحرة لتطبيق القانون الإغريقي فيما ينشأ بينهم من منازعات مدنية أو جنائية خاصة ويمتد اختصاصها أيضا إلى المنازعات الناشئة بين النزلاء الأجانب في مصر من الإغريق، وهي محكمة ملكية متنقلة وتعرف أيضا “محكمة القضاة الأغريق” (chrematistai) [(63)] كما أنها كانت تتولي النظر في القضايا التي تمس مالية الدولة وفي هذه الحالة كان يرأسها أحد رجال الخزانة العامة [(64)] وكانت القضايا تنظر أمام محاكم القضاة الإغريق نتيجة لإحالتها إليها أو لتقديم الشكاوى مباشرة إليها بإيداعها في الصندوق (angeion) المخصص لهذا الغرض وكان قضاة المحكمة يقومون بتحقيق الشكوى قبل إعلان المدعي عليه للحضور، كان يتولي إعلانه أما كاتب المحكمة أو المدعي نفسه، وفيما خص القضاة الذين يعملون في هذه المحكمة فهم قضاة غير متخصصين، ويتم اختيارهم عن طريق الاقتراع من بين الأفراد الذين يتطوعون للقيام بهذه الوظيفة ولعل هذا النظام كان متبع أصلا في أثينا [(65)] لذلك لم يعرف عدد القضاة الذين تتكون منهم المحكمة على وجه التحديد [(66)] إلا أن هذا العدد لم يكن إجباريا إذ عثر على بعض الأحكام الصادرة عن هذه المحاكم، وكانت صادرة من قاض واحد، ولربما أخذت هذه المحاكمة جانب السرية في جلسات المحاكمة، وكانت كل محكمة تختص بالنظر في منطقة تشمل الأقاليم، ولم يكن لها مقر ثابت، وإنما تتم بين عواصم هذه الأقاليم إذ تعقد جلساتها للفصل في الدعاوي الخاصة بكل إقليم، ولم تكن هيأة القضاة في المحكمة مستديمة وإنما لمدة معينة، ويرجح أن المحكمة كانت لا تنعقد إلا في عواصم المديريات المختلفة، والمدن الكبيرة [(67)] وكان يحق لها الانتقال إلى المدن الإغريقية الحرة للفصل في قضايا الإغريق من غير سكان هذه المدن. [(68)]
ج- المحاكم الإدارية
كانت المخالفات الإدارية التي تقع من الموظفين وتتضمن إخلالا بواجباتهم الوظيفية تعرض على قضاء خاص من طبيعة إدارية وكان الملك وكبار الموظفين يقومون بتوقيع العقوبات التي تناسب التقصير الذي وقع من قبل الموظفين الذين يهملون في أعمالهم أو يتعسفون في تنفيذها كذلك كانت هذه المحاكم تختص بالفصل في المشاكل الإدارية التي تحدث بين الإدارة والأفراد، أيضا اختص القضاء الإداري بالنظر بالدعاوي التي تنطوي على مساس بموارد الملك التي من شأنها الإضرار بمصالح الخزانة البطلمية، بل إن الدعاوي الخاصة بالزراع أو الصناع أو العمال الذين يعملون في خدمة الملك لم تكن تعرض على المحاكم العادية بل كان يتولي الفصل فيها موظفين إداريون باختصاص قضائي. [(69)]
وعند مراجعة نص الأمر الملكي الذي أصدره الملك بطليموس إيرجيتيس الثاني عام 118 ق. م نلمس بشكل واضح فقرات متعددة تخص القضاء الإداري وتنظيمه وعدم التجاوز على حقوق الزراع والعمال والأعمال الإدارية من قبل الموظفين الإداريين:
لا يجوز لأي موظف أن يستولي على قوارب لاستعماله الشخصي.
لا يجوز لأي موظف أن يسجن أي فرد من أجل مخاصمة شخصية أو من أجل دين له، وإذا كان لديه أية تهمة يوجهها لأي شخص فعليه أن يرفع دعواه أمام المحكمة المختصة.
لا ينبغي لحكام المقاطعات ولا الموظفين الآخرين أصحاب الوظائف العالية أن يجبروا أي فرد من الناس على أن يشتغل لحسابهم دون أجر. [(70)]
فكل الدعاوي الخاصة بزراع أو عمال أو صناع يعملون في خدمة الملك أو خارج القصر تعرض على المحاكم التي يفصل فيها موظفون إداريون يتمتعون باختصاص قضائي إداري. [(71)]
د. المحاكم العسكرية
نظرا لتمتع رجال الجيش بامتيازات سياسية واجتماعية كبيرة في البلاد، فقد أنشأت محاكم خاصة للفصل في القضايا التي يكون أطرافها من رجال الجيش، وكان عدد قضاة هذه المحكمة يتكون من عشرة قضاة، يقع الاختيار على أحدهم ليكون رئيسا لجلسة واحدة أو لدورة انعقاد واحدة، وكان اختصاص هذه المحكمة شاملا لكافة الدعاوي أيا كان نوعها بشرط أن يكون طرفاها أو أحدهم من رجال الجيش، ي[(72)] ولم يتبين ما إذا كان القضاة العشرة المكونين للمحكمة محل البحث من العسكريين أم من غيرهم، وما إذا كانت تطبق قانونا عسكريا أم القانون البطلمي أم غيره؟ فالعبرة بتحديد المحكمة العسكرية هو بتكوينها من قضاة عسكريين أو بتطبيقها لقانون عسكري وليس من مجرد مثول متخاصمين عسكريين أمامها. [(73)]
ونحن نتفق مع رأي الصافوري من إن هذه المحكمة إغريقية، بدليل إن مثول المتخاصمين العسكريين أمام المحكمة قد يكون بصفتهم مواطنين إغريق وليس بصفتهم جنود، من جانب آخر فإن تكوين المحكمة من عشرة لا يعنى أن هذه المحكمة عسكرية لأنه ليس هناك ما دل على إن هذا العدد بالذات يخص المحاكم العسكرية، فقد رأينا فيما سبق إن المحكمة الإغريقية خارج المدن الحرة لم تكون مقيدة في تكوينها بعدد من القضاة مما يجعل الرقم المذكور غير ذي دلالة. [(74)]
هـ- المحاكم الملكية:
سار الملوك البطالمة على السياسة نفسها التي سار عليها الفراعنة الذين حكموا مصر، فقد قام نظام الحكم على أساس الحكم الإلهي المطلق، وبذلك أصبح الملوك البطالمة في نظر المصريين يحكمون مصر باعتبارهم ورثة عرش الفراعنة، أي على أساس نظرية الحق الإلهي المطلق، [(75)] وقد تدرج البطالمة في اتخاذ ألقاب الفراعنة، وبالنتيجة الانتساب إلى الآلهة المصرية واتخاذ صفاتها حتى اكتملت هذه الألقاب في عهد بطليموس الرابع:
(حورس الشاب.. حامي البشر… شبيه الشمس (رع) وملك المناطق العليا والسفلي (الوجهان القبلي والبحري).. الذي حاز رضا الإله بتاح ومكن له رع من النصر، الصورة الحية لآمون، الخالد إلى الأبد، محبوب إيزيس) [(76)]
ويعد الملك كبير القضاة في البلاد، فهو لم يكن مصدر السلطات كافة فحسب بل كان أيضا يعنى بتصريف العدالة، حتى إن رعاياه كانوا يعدونه ملاذهم الأعلى الذي يفزعون إليه إذا حاق به ظلم، ولذلك وجد في القصر الملكي بالإسكندرية باب يدعي “باب الأحكام” (chrematistikon pylona) وهو يمثل مقر المحكمة الملكية التي كان يرأسها الملك وتضم إلى عضويتها مدع عام أو مفوض للتحقيقات، وهذا النوع من المحاكم كانت تعقد في القصر الملكي، أو أي مكان يحدده الملك [(77)] ولا يمكن عد هذه المحكمة بديلة عن القصر بل هي جزء منه، وتعد أعلى درجة من المحاكم الأخرى وهي تهتم بالقضايا الخطرة التي تهم أمن البلاد أو القضايا الدينية الهامة، على اعتبار أن الملك البطلمي إله في نظر المصريين والبطالمة، أو أنها تشمل القضايا التي لم يقتنع طرفا النزاع بها، بما صدر من المحاكم الأخرى، وهذا يؤكد وجود نوع آخر من المحاكم وهو المحاكم الاستئنافية التي تخص الطعون في قرارات المحاكم الأخرى ويعتقد أنه كان يمكن الاستئناف من أحكام محاكم القضاة المصريين إلى محكمة عليا في الإسكندرية، لكنه لا يوجد أي دليل على ذلك بيد أنه لما كان قانون الإسكندرية يعترف بحق الاستئناف من أحكام المحاكم فإنه لا يبعد أنه كان يمكن الاستئناف لا من أحكام القضاة المصريين فحسب بل أيضا من أحكام سائر القضاة، وإذا صح ذلك فلا يستبعد أن القضايا المستأنفة كانت تعرض على محكمة الملك في الإسكندرية. [(78)]
وقد وجدت محكمة استئناف بالإسكندرية يمكن أن تستأنف أمامها الأحكام العادية الصادرة من المحاكم الأخرى، ورئيس هذه المحكمة يطلق عليه (الاركيديكاننس) ولم يكن سوى محكمة استئناف واحدة في مدينة الإسكندرية. [(79)]
ومن أبرز القضايا التي عرضت على هذه المحكمة هي القضية المعروفة بقضية هرمياس التي استمرت لمدة عشرين عام إبان حكم الملك بطليموس ايرجيتيس الثاني (125- 117 ق. م) وتدور هذه القضية حول دار يعود إلى رجل فارسي يدعي (بطليموس) متزوج من حفيدة رجل يدعي (هرمون بن هرمياس) وقد ترك بيته وغادر مصر، ومرت السنون إلى أن ظهر أحد أقارب (هرمياس) المدعو أبولو نيوس أثار الموضوع من جديد. إذا استأنف قضية البيت ويبدو إن الذين استولوا على بيته كانوا من الذين يعملون بدفن الموتى، قدم هرمياس قضيته أمام قاضي منطقة طيبة الذي كان يرأسها (ديونيتسوس) إلا أن قضيته قد رفضت فستأنفها مر ثانية أمام الحكام العسكري لمدينة طيبة إلا أنه في النهاية استناد إلى الإصلاح القضائي البطلمي سارت العدالة في مجراها وظفر أصحاب الحقوق بحقوقهم على الرغم من إنهم من أرومة مصرية. [(80)]
ح- المحاكم المختلطة:
أنشئ هذا النوع من المحاكم للفصل في المنازعات التي تحدث بين شخصين جنسياتهم مختلفة، والمعلومات عن تشكيل هذه المحكمة قليلة، فلربما أنها كانت تتكون من عدد غير محدد من القضاة المصريين والبطالمة معا. [(81)] اختصت هذه المحاكم بالنظر في الدعاوي التي يكون الطرفان فيها مختلفي الجنسية (مصري وبطلمي) وكانت تلك المحاكم تختص بالفصل في المسائل المدنية والجنائية المشتركة بين أطراف لا ينتمون إلى قومية واحدة، وتقلص اختصاص هذه المحاكم بعد صدور الإصلاح القانوني لبطليموس السابع عام 118 ق. م الذي نص على أن لغة العقد هي التي تحدد اختصاص المحكمة، ويفهم من ذلك أن المسائل الجنائية بين طرفين من قوميات مختلفة، ظلت المحاكم المختلطة مختصة بها [(82)] وتتشكل هذه المحاكم عادة من قضاة بطالمة بالاستعانة بقضاة مصريين في حين أنها تطبق القانون البطلمي وتعتمد بشكل كبير على الإصلاحات التي أصدرها البطالمة، ويبدو أن القاعدة العامة هي أن الملك كان ينيب عنه محكمة مختلطة للفصل في قضايا بين طرفين ينتميان إلى جنسيتين مختلفتين. [(83)]
ونظرا لقلة المعومات عن هذا النوع من المحاكم فنحن نجهل أي تشريعات قانونية كانت تطبق هذه المحاكم، فإذا كان أحد الخصوم مصريا والآخر من البطالمة، فهل تطبق المحكمة المختلطة التشريع المصري أو البطلمي، وما معيار تحديد التشريع الواجب تطبيقه. يبقي هذا التساؤل غير محدد الإجابة.
لذلك لم يعد هنالك ذكر لهذا النوع من المحاكم في المصادر الأثرية إبان القرن الثاني قبل الميلاد [(84)] ويبدو أن وجودها انعدم إبان هذا القرن لعدم ورود ذكر لها في التعديل القضائي عام 118 ق. م السالف الذكر.
المحور الثالث: إجراءات إقامة الدعوى
تختلف إجراءات رفع الدعوى باختلاف طبيعتها، وهي تشتمل على الإجراءات الآتية:
إجراءات رفع الدعوى والمحاكمة
تحدث أرسطو عن الخطبة القضائية ويعرف لنا ماهيتها بكلام يسهم في تحديد مفهومها، إذ قال إنها تتوجه إما إلى الاتهام وإما إلى الدفاع، ومهمة المتقاضين لا تخرج بالضرورة عن القيام بواجب من هذين [(85)] وفي أغلب وثائق القرن الثالث استخدمت صيغة معينة في تحرير الشكاوي، فإن الشكاوى تشبه الخطابات من حيث أنها كانت تبدأ بعبارة التحية وتنتهي بعبارة الوداع، مع فارق واحد، هو أن الشكاوى كانت تستخدم في ذلك عبارات أكثر كلفة وتفخيما وكباقي أنواع الخطابة، فقد اشتهرت الخطابة القضائية، إذ كانت الدعاوي والرد عليها في المحاكم ميادين قول مترامية الأطراف، ولما كانت شريعة البلاد تقتضي أن يتكلم صاحب القضية في قضيته، فلا يجوز توكيل محام، كان أصحاب القضايا يلجأون إلى الخطباء يلتمسون منهم تأليف الخطب ليحفظوها ويتلوها في مجالس القضاء. [(86)]
ومما يجدر أيضا بالملاحظة أن طريقة كتابة الخطابات كانت كطريقة كتابة الشكاوى أي على وجه لفائف البردي في سطور تتقاطع عموديا مع نسيجها، وقد كان لب الشكوى ينقسم ثلاثة أقسام، يشرح أولها الوقائع التي أدت إلى تقديمها، ويحوي ثانيها طلبات الشاكي ويتضمن ثالثها أحيانا دعاء للملك، أما في أغلب الأحيان فكان يتضمن ما يؤكد أن الملك بإعطاء الشاكي حقه يثبت عدالته وحسن طويته ويبرهن على أنه حامي رعيته وملاذهم الأعلى وكان لب الشكوى يبدأ بقول المشتكي “لقد أضر بي (فلان)” وفي بعض الأحيان كان يكتفي بذكر اسم المدعي عليه فقط، وفي أحيان أخرى كان يضاف إلى ذلك اسم أبيه وجنسيته ومقره وكل ما يساعد على التعرف عليه، وقد اشتهر العديد من الخطباء اليونانيين مثل لوسياس (حوالي 440- 380 ق. م) الذي كان محاميا قامت شهرته بالدرجة الأولى على الخطب القضائية مما يكتبه للمتقاضين، وقد اعتبره معاصروه أشهرهم وأبرعهم، إذا كان أقدر الخطباء على تقمص شخصية موكله وفهم ظروفه. [(87)]
كانت الشكوى توجه دائما إلى الملك، وتسلم إما إليه شخصيا أو إلى ممثله في الإسكندرية، وإبان القرن الثاني قبل الميلاد كان يسمح لأصحاب الشكاوى الموجهة إلى الملك بتقديمها إلى حكام المديريات أو المحاكم، غير أنه عند نهاية هذا القرن عدل عن هذا الترخيص، ويسمح أن تحال الشكوى إلى محكمة الملك أو إلى محاكم أخرى إذا طلب الشاكين ذلك، وعند إحالة الشكوى إلى محكمة الملك كان يتبع ذلك إعلان المدعي عليه للمثول أمام المحكمة، وكانت القضايا تنظر أمام محاكم القضاة المصريين والمحكمة المختلطة أما نتيجة لإحالتها إليها بعد فشله في تسوية النزاع وديا، أو نتيجة لتقديم الشكاوى إلى هذه المحاكم مباشرة، ويتعذر علينا أن نتبين من معلوماتنا الراهنة كيفية إعلان المدعي عليه للحضور أمام هذه المحاكم. [(88)]
إن الغالبية العظمي من الشكاوى من القرن الثالث قبل الميلاد كانت تحرر على وجه البردي في سطور تتقاطع عموديا مع نسيج اللفافة، التي كان عرضها عادة حوالي 22 سم أما طولها فكان يتوقف على طول الموضوع، مما يدعو إلى الاعتقاد بأنه كان لا يجوز في القرن الثالث تحرير الشكاوى بأي شكل كان أو على أية قطعة ورق يجدها صاحب الشكوى أو كاتبها بل يبدو أنه كان يوجد ورق خاص لهذا الغرض، على نحو ما يوجد اليوم ورق خاص عليه طابع الحكومة لتقديم الطلبات الرسمية، أي إن الشكوى كانت تقدم مكتوبه بالتفصيل وعلى المدعي عليه أيضا الرد على الاتهامات الواردة بالشكوى كتابة وجلب القرائن التي يستند عليها كتابة أيضا، والغرض من الإجراءات الكتابية هو إبطال تأثير ومفعول بلاغة أو فصاحة أحد طرفي الدعوى على القضاة الذين يكونون عرضة للميل أو الهوى أمام المرافعات الماهرة والمثيرة للعواطف، [(89)] وعند البدأ في النظر بالدعوى يطلب من الخصمان إثبات حضورهما وعند تغيب أحدهما كان الخصم الحاضر يطلب إثبات تغيب خصمه عن الحضور، وكان من الجائز أن ينوب شخص آخر عن آخر في إجراءات التقاضي بشرط الحصول على إذن بذلك من المحكمة، وكان من الجائز أن ينوب الزوج عن زوجته بحكم القانون، وكان للمدعي عليه أن يبدي قبل مناقشة موضوع الدعوى، دفعا شكليا، كالدفع بعدم اختصاص المحكمة بنظر الدعوى أو الاعتراف على تشكيل هيئة المحكمة، ونجاح أي من هذه الدفع الشكلية كان يستتبع عدم الاستمرار في نظر الدعوى، كذلك من الممكن إنهاء النزاع قبل الدخول في تفاصيل القضية، أما بالمصالحة بناء على رغبة طرفي الخصومة أو توصية المحكمة وإما باعتراف المدعي عليه بصحة الدعوى أو حلفه يمينا بعدم صحتها. [(90)]
وتبدأ مناقشة الدعوى بشرح الشاكي دعواه وإبداء طلباته ويليه المدعي عليه الذي يعرض وجوده دفاعه، ثم تناقش الأدلة التي يستند إليها كل من الطرفين سواء كانت شهادة شهود أم وثائق مكتوبة، ومن الجدير بالذكر إن نظام المحاماة كان معروفا في العصر البطلمي أمام المحاكم المصرية والإغريقية واستمر حتى عهد الملك بطليموس السادس (فيلومتور- المحب لأمه) (180- 145 ق. م) الذي أصدر أوامر إلى وزير ماليته يحظر فيه على المحامين الدفاع في القضايا المتصلة باقتصاد الدولة وإن من يثبت قيامه منهم بالدفاع في مثل هذه القضايا ملحقا الضرر باقتصاد الدولة يدفع غرامة تعادل ضعف ما ألحقه من الضرر، ويحرم من ممارسة مهنة المحاماة، وإذا ضبط يمارس هذه المهنة مرة أخرى يقبض عليه وتصادر أملاكه لخزانة الدولة [(91)] وفي هذه الوثيقة التي ورد بها ذكر ذلك المرسوم الملكي نجد خمسة من المزارعين الملكيين بالفيوم يتوجهون إلى الملك بطليموس فيلوميتور وزوجته كليوباترا الثانية بالتماس يتهمون فيه مسؤول قريتهم سوكنوبايونيسوس ويدعي تيسينوفيس ببعض التجاوزات والاختلاسات العينية والنقدية، وقدموه للمحاكمة أمام المسؤول الإداري الأعلى، وتدعي وظيفته الابيميلتيس (المسؤول الإداري الأعلى عن كل المؤسسات الإدارية والقضائية وشبهت سلطاته بالوزير الفرعوني) والكاتب الملكي ومحكمة الخريماتيستاي (chrematistikon pylona) ولكنهم علموا إن المتهم سوف يستعين عند المحاكمة بخدمات محام محترف، فكتبوا هذا الالتماس للملك يذكرونه فيه بالمرسوم الذي يحضر على المحامين الترافع في القضايا المتصلة باقتصاد الدولة حتى لا يلحقوا به الضرر، ومن المحتمل إن يكون هذا المرسوم قد صدر عن الملك بطليموس الثاني لأنه وجه إلى ابوللنيوس الذي كان وزير مالية فيلادلفوس، ولكن يبدو إن هذا الحظر على عمل المحامين في الأمور المتصلة باقتصاد الدولة كان معمولا به في عصر القوة البطلمي (عهد البطالمة الثلاثة الأوائل) أما بعد أن دب الضعف في أوصال الحكم البطلمي في القرن الثاني قبل الميلاد، فقد ضعفت سيطرة الدولة على الأوضاع الداخلية والخارجية ولجئ حاكم القرية المتهم باختلاس من أموال الدولة إلى مساعدة محامين للدفاع عنه يدل على إن القرار ربما أصدره فيلادلفوس في هذا الصدد ربما أصبح من ذلك الحين في طي النسيان ولم يعد يأبه به مم اضطر المزارعيين الملكيين المدعين إلى تذكير الملك به حتى لا يخسروا قضيتهم. [(92)]
وكان للقضاة عند الاقتضاء الرجوع إلى خبراء الحكومة في القانون لمعرفة رأيهم فيما لهم من مشاكل قانونية، وعندما يتوصل القضاة إلى تكوين اقتناعهم كانوا يصدرون حكمهم، وكان الحكم يتلى في الجلسة، وكان من عادة القضاة أن يلزموا من خسر الدعوى بالإقرار بالحكم الصادر لصالح خصمه. [(93)]
- رسوم الدعوى:
سواء قدمت الدعوى مباشر إلى المحكمة (بغض النظر عن نوعها) أم أحيلت إليها من الملك، كان على الخصمين أن يودع 10/ 1 أو 15/ 1 من المبلغ المتنازع عليه إذا كانت الدعوى مدنية، ويدفع هذا الرسم سواء كانت الدعوى مدنية أو دعوى متعلقة بجريمة خاصة، ولا شك أن قيمة الرسم المستحق في الحالة الأخيرة كانت تقدر على أساس قيمة التعويض المطلوب في الدعوى، ويتحمل الرسم نهائيا الطرف الذي يخسر الدعوى، سواء كان هو المدعي أم المدعي عليه أما من حكم لصالحه فكان من حقه استرداد ما دفع، وفي حالة تصالح المدعي عليه مع المدعي، قبل الحكم كان المدعي عليه هو الذي يتحمل قيمة الرسم، ويبدو إن هذا الرسم المستوفي كان يدفع للعاملين بالمحاكم، ومن جهة ثانية يكون رادعا ماليا للحد من الاختصام وإثارة المشاكل بين سكان بلاد النيل وبدا هذا واضحا إبان مرحلة الضعف التي مرت بها دولة البطالمة. [(94)]
الدعاوى العامة:
كانت الدولة تتولى في الدعاوي العامة إقامة الدعوى بواسطة موظفيها المختصين، وفي الدعاوي الإدارية والدعاوي الخاصة بموارد الملك يتولي الموظفون المختصون تقديم الشكوى أو إقامة الدعوى. [(95)]
الدعاوي الخاصة:
الدعاوي الخاصة بالأفراد سواء منها تلك التي تتصل بعقود أم تلك التي تتعلق بجرائم خاصة، يقدم الشاكي أو المجني عليه نفسه شكواه أو يرفع دعواه إلى الجهة المختصة، فكان المدعي أو المجني عليه يقدم شكواه إلى المحكمة المختصة مباشرة وأحيانا أخرى إلى الملك أو القائد أو أحد الموظفين الإداريين الآخرين وكانت الشكاوى المواجهة الى الملك تسلم الى ديوان الشكاوى، ومثل هذه الشكاوى قد يفصل فيها بواسطة محكمة الملك، وقد تحال إلى المحكمة المختصة. [(96)]
المحور الرابع: الجرائم في العصر البطلمي
حدد التشريع القانوني البطلمي الأفعال التي تعتبر جرائم وفرض عقوبة على مرتكبيها، فالعقوبة أداة هامة لتحقيق السلام الاجتماعي وتحقيق الأهداف التي تتوخاها الدولة بما يحقق بسط النظام العام والسياسة التي تستهدفها الهيئة الحاكمة، ومثلما أحسن البطالمة استغلال المعتقدات الدينية لتنفيذ سياستهم وتركيز نفوذهم وسيطرتهم، أحسنوا في رسم السياسة الاقتصادية والاجتماعية لكي يمكنهم الحصول على أكبر قدر من الموارد الاقتصادية التي كانوا يهدفون لها، قد أجادوا أيضا في رسم سياسة العقوبة لكي تكون أداة ناجحة لتنفيذ المخطط الاستغلالي الذي رسموه لأحكام السيطرة الاقتصادية على مصر. [(97)]
الجرائم العامة:
الجرائم العامة هي التي تنطوي على مساس بالصالح العام، ويتمثل الصالح العام في مصالح الملك والحكومة والمجتمع بصورة عامة، ركز البطالمة اهتمامهم بهذه الجرائم العامة، فأكثروا من تجريم الأفعال التي تؤدي إلى المساس بمصلحة عامة، كما شددوا العقاب على مرتكبيها، وتشمل الجريمة الاقتصادية، الجريمة الدينية، والإدارية.
الجرائم الاقتصادية:
لقد شكلت الجرائم الاقتصادية أكبر الجرائم عددا وأكثرها أهمية في مصر البطلمية، وهذا ليس بغريب إذ حكم البطالمة البلاد عن طريق الاحتكارات الاقتصادية محاولين بذلك الحصول على أكبر مورد مادي ممكن للخزانة البطلمية، فنفوذهم في مصر ارتكز أساسا على استغلال موارد مصر الاقتصادية استغلالا منتظما، [(98)] فكل عرقلة لحسن سير العمل في تلك السياسية الاقتصادية كان جريمة يعاقب عليها القانون، فجميع الأفعال التي تؤدي إلى الإضرار بموارد الدولة الاقتصادية كانت جرائم معاقبا عليها، فأي فعل يقوم به أحد موظفي الإدارة المالية ويستتبع المساس بالموارد الاقتصادية كان جريمة، وقد عدت من قبيل الجرائم اختلاس المبالغ التي يجمعها الموظف على سبيل الضريبة، بل إن مجرد الإهمال كان يعد جريمة، وإتباع أسلوب غير شرعي أدى إلى تفويت أموال على الخزانة مثل أوزان غير دقيقة في المكاييل. [(99)]
كما أن الأفعال التي يرتكبها ملتزمو الضرائب كانت معاقبا عليها إذا أدت إلى الإضرار بحصيلتها، فعلى سبيل المثال عد من بين الجرائم قيام أشخاص بالجباية على الرغم من عدم إدراج أسمائهم في عقود الالتزام، وكذلك عدم مراعاة الأساليب الصحيحة في جباية الضرائب، وإهمال تسوية الحساب مع ((الايكونوموس Oikonomos)) بل إن دافع الضريبة كان يعاقب متى امتنع عن إعطاء البيانات التي كلفه القانون بإبرازها، أو متى أعطي بيانات غير صحيحة وليس أدل على ذلك من أن بطليموس الخامس أمر بأن يقدم إلى محكمته الموظفون الذين يسجنون الأهالي بسبب منازعات مفتعلة أو يستخدمون وسائل التعذيب وكان وزير المالية يفصل مباشرة أو يعهد إلى مساعديه (hypodioiketai) بالفصل في الأخطاء التي يرتكبها الأوريكونوموي أو النورماكي أو جامعو الضرائب، ولذلك كانت ترسل إلى وزير المالية الشكاوى المقدمة ممن يسئ إليهم مرءوسوه فنجد وزيرا للمالية يفرض غرامة على كاتب قرية في منتصف القرن الثاني، ونجد مساعد وزير المالية يفصل في الشكاوى المقدمة بسبب تصرفات مرءوسيه وخاصة الأويكونوموي أو النورماكي. [(100)]
وهناك العديد من الوثائق الديموطيقية التي دونت بها الضرائب المستحصلة من إجراءات البيع التي كان يطلق عليها ضريبة العشر، فعلى سبيل المثال لا الحصر نورد ما جاء في البردية المرقمة (10537) وهي محفوظة في المتحف البريطاني وهي:
{مستند عن ضريبة دفعتها ((تيأنتي)) ابنة (جحو) وهذه الضريبة خاصة بثمن شراء بيت رجل يدعي ((بابوخى)) بن ((اوى- رع)) وتعود لعام، 284 ق. م وقد تعهدت به بدفع ضريبة العشر عن البيت الذي اشترته، وتتحمل كافة العقوبات في حال لم تسدد مبلغ الضريبة، وقد شهد على عملية التسجيل (اكزناتوس) مأمور الضرائب الذي كان موظفا إغريقيا. [(101)]
وقد تراوحت العقوبة في الحالات السابقة بين الإعدام، كما في حالة من يقوم بتزييف المكاييل مرورا بمصادرة الأموال كما في بعض حالات من يهمل في الإبلاغ عن قيمة ثروته، أو الموظف الذي يهمل أداء عمله، وتعد من الجرائم الاقتصادية، الأفعال التي تمس الممتلكات الملكية، فإشعال النار في المحاصيل على الأراضي الملكية، أو سرقة مواشي مملوكة لمزارع الملك، وحتى إهمال الموظفين في جمع المحصول أو في تحصيل المستحقات لدى المزارعين الملكيين/ وكذلك امتناع الفلاح عن استغلال الأراض المفروض عليه زراعتها، وكل هذه الأفعال تعد جرائم اقتصادية معاقبا عليها، وكانت العقوبة في هذه الحالة مالية تنحصر في الغرامة والمصادرة. [(102)]
كما إن بعض الأفعال التي تؤدي إلى المساس بحسن سير سياسة الاحتكار كانت معاقبا عليها فمن يخالف الحظر المفروض على عصر الزيت بواسطة الأفراد كان مرتكبا لجريمة وكذلك من يقوم بتهريب الزيت من خارج البلاد إلى داخلها، والموظف الذي يسلم الحبوب الزيتية لغير معاصر الزيت الحكومية، أو يسلم الزيت لغير التاجر المقرر للتوزيع يعد مرتكبا الجرائم الاقتصادية، وقد كانت العقوبة للجرائم الاقتصادية عبارة عن غرامة تسدد للخزانة الملكية تتراوح بين ضعفين إلى خمسة أضعاف الخسارة التي لحقتها مع مصادر الشحنة كاملة. [(103)]
الجرائم الدينية:
وتندرج تحت هذا العنوان جرائم متعددة وهي التي تمس بأي شكل مقدسات الإلهة ومن أهمها السرقة ونهب حقوق الآلهة أو إتلاف ما بها من محصولات، كذلك اعتبر من الجرائم الدينية التصدي أو الاعتداء على من يلجأون للمعابد وأيضا امتهان المقدسات الدينية والتعدي على مكانه الآلهة والتجاوز عليها بالكلام [(104)]ونظرا لعد التجاوز على الآلهة من الجرائم العظمي لأنها تمس سيادة الفرعون- الإله الذي هو الملك البطلمي، وبالتالي التقليل من شأنه، فقد وصلت عقوبة غالبية هذه الجرائم الدينية، الإعدام. [(105)]
وقد جعلت هذه الجرائم خيانة عظمى لأنها تمس فكرة حق الملوك البطالمة الإلهي، وكان القانون البطلمي لا يفرق بين الدولة والتاج على اعتبار أن الدولة هي من ممتلكات الملك ورثها بموجب الحق الإلهي، [(106)] وبما إن الملك كان يحكم بوصفه امتداد للفراعنة، فأن الصبغة الدينية للحكم في مصر، ولهذا السبب فإن المساس بأمن الدولة كان يعد بمثابة المساس بسلامة الملك نفسه، وعدت جرائم خيانة الملك أو التآمر ضد الدولة أو القيام بالثورة عليه، لقد بلغ الأمر حد اعتبار عدم إطاعة الأوامر الملكية ضربا من ضروب المساس بالذات الملكية كما اعتبر في نفس المرتبة الحنث باليمين الملكية [(107)] لذلك كانت تفرض ضرائب لصالح المعابد يطلق عليها ضريبة (أبو مويرا)) وقد حولت لصالح الملك البطلمي المؤله، فقد أشارت إلى هذه أوراق البردي المرقمة، 10530 و 10536 و 10535 المحفوظة بالمتحف البريطاني التي تعهدت بها ((تيأنتى ابنة جحو) بدفع الضرائب عن شرائها بيت من (تيحور ابنة حارسائيسى)) الذي كتبه الكاهن ((أوزير- ور بن اسبوتو)) خادم الإله بطليموس بن بطليموس. [(108)]
الجرائم الإدارية:
تظهر هذه الجرائم في حالات تزوير الأوراق الرسمية من حيث تغيير الشخص لاسمه أو لقبه، ومن الجرائم الإدارية الأحرى انتحال الانتماء إلى عنصر غير العنصر الذي ينتمي إليه حقيقة [(109)] إذ أن اسم الشخص والعنصر الذي ينتمي إليه كانا على أكبر درجة من الأهمية في ذلك العنصر، إذ بناء عليها يحدد ما للشخص وما عليه من التزامات، ويترتب على ذلك أيضا القانون الواجب التطبيق طبقا لمبدأ القوانين والمحاكم، كما عدت من الجرائم الإدارية أيضا عدم قيام أحد الأشخاص بتسجيل نفسه في السجلات الحكومية عند إجراء التعداد لغرض معرفة كمية الضرائب المستحقة على الأفراد وفي 11 من أبريل سنة 114 ق. م أمر بطلميوس التاسع سوتير الثاني بأن كافة الاتهامات التي توجه للموظفين الخاضعين للإدارة المالية المركزية يجب ألا تعرض على أي هيئة قضائية عادية، ولا على أي موظفين آخرين بل يجب إرسالها إلى وزير المالية، أما العقوبة في هذه الحالات فقد تكون في غاية الشدة للموظف المشترك في هذه الجريمة وتتدرج من الغرامة والسجن المؤبد لحد الإعدام، أما الشخص الذي يقوم بتزوير جنسيته فإن عقوبته كانت مصادر ربع ثروته، ونفس العقوبة في حالة التلاعب في القيد عند الإحصاء والتعداد. [(110)]
ولعله لم يقصد بذلك أن يفصل وزير المالية بنفسه في كل الشكاوى التي كانت تقدم إليه ضد مرءوسيه في طول البلاد وعرضها بل أن الجهة الوحيدة المختصة بالفصل في هذه الشكاوى هي الإدارة المالية، ولما كان يتعذر على وزير المالية ومساعديه الفصل في كل هذه الشكاوى، فيبدو أنه كان مقررا أن رئيس كل جماعة من موظفي الإدارة المالية كان يفصل، بالنيابة عن وزير المالية.
الجرائم الخاصة:
هي تلك الأفعال التي تنطوي على اعتداء على الأفراد أو ممتلكاتهم أو حقوقهم، ويدخل فيها جرائم القتل والاعتداءات البدنية والسرقة والإتلاف والزنا والاغتصاب، وقد واجه المشرع هذه الجريمة ووضع لها من العقوبات ما بلغ الموت، ولا شك أن الهدف من وراء هذا التشديد حماية أمن المجتمع وأخلاقه من الانهيار ولاسيما أن هذه الجريمة كانت كفيلة وحدها بتقويض أركان المجتمع، وقد كان جزاء الزنا يتمثل في جلد الزاني وجدع أنف الزانية، وكان الجزاء على اغتصاب المرأة الحرة خصي الفاعل. [(111)]
ومن الجرائم التي تقع على الأفراد جريمة القتل، وهي من الجرائم الكبيرة التي تصل عقوبتها إلى حد الإعدام، وتشمل هذه العقوبة أيضا من رأي جريمة قتل أو تعذيب ولم ينقذ المجني عليه على الرغم من قدرته، وفي حالة عجزه عن المساعدة كان من الواجب عليه الإبلاغ عن المجرم وإلا جزاءه الجلد والحرمان من الطعام لمدة ثلاثة أيام. [(112)]
وكانت جريمة الاعتداء على الأموال وسرقتها تعد من أخطر الجرائم، وكان الجزاء عليها يتفاوت في شدته تبعا للظروف التي تحيط بارتكابها، ومن الظروف المتشددة للجزاء عليها ارتكاب السرقة ليلا أو مع حمل السلاح أو اشتراك عدد من الأشخاص في ارتكابها، وكان عقوبة السرقة هو رد الشيء المسروق أو دفع قيمته فضلا عن مصادرة أملاكه أو إلزامه دفع غرامة. [(113)]
كما عرف القانون البطلمي جرائم الاعتداء بالطرد بالقوة من المسكن وابتزاز الأموال والحيلولة دون تنفيذ الإجراءات القانونية، والعقوبة في هذه الحالات كانت تتمثل في تعويض المجني عليه كما توقع عقوبة الغرامة التي كان يدخل في تقدير قيمتها طبيعة القوة المستعملة ومدى الضرر الذي أصاب المجني عليه. [(114)]
الخاتمة:
بعد دراستنا للقضاء في مصر القديمة إبان عصر البطالمة 321- 30 ق. م نعرض أهم الاستنتاجات التي توصل إليها البحث، وكما يلي:
- إن البطالمة عنوا باحترام عادات المصريين وقوانينهم، وأنهم مع ذلك لم يفرضوها على نزلاء البلاد من الأجانب بل أنشأوا لهم من القوانين من يلائمهم، فكان للمصريين قوانينهم وللإغريق وغيرهم من الأجانب قوانينهم.
- لما كان أغلب الأجانب من الإغريق، فقد كان طبيعيا ألا يرشد البطالمة بوجه عام في تشريعهم الجديد إلا بالقوانين والعادات الإغريقية كان لابد من أن يعهد بتصريف العدالة بين المتخاصمين إلى قضاة مصريين أو إغريق حسب جنسية المتخاصمين ليكونوا بذلك أقدر على فهم لغتهم وقوانينهم وعاداتهم، ولذلك يوجد قضاة مصريون للفصل في قضايا المصريين على وفق الأحكام القوانين المصرية، كما كان يوجد قضاة إغريق للفصل في قضايا الأجانب على اختلاف نحلهم وعلى وفق التشريع الإغريقي الجديد.
- لم يكن من اليسير على الدوام تنظيم اختصاص المحاكم على وفق الجنسية المتخاصمين فقط، لأنه لم يحظر على الإغريق أن يتعاقدوا وفقا لأحكام القانون الإغريقي إذا كان في ذلك مصلحة لهم، ولذلك حرر الإغريق عقود باللغة المصرية، والمصريين حرروا عقدا باللغة الإغريقية هذا إلى أنه لم يكن هناك مفر من أن يؤدي التعامل بين المصريين والإغريق إلى قضايا يكون فيها طرفا الخصومة من جنسيتين مختلفتين، ولذلك تم استحداث المحكمة مختلطة.
- تقدم الشكاوى مكتوبة إلى الملك أو المحكمة الخاصة، وكانت الإجابة تقدم كتابة أيضا، وإن هذه المحاكم كانت تستخدم نماذج معدة سلفا لتقديم الشكاوى.
- كان القضاء البطلمي على قسمين رئيسين: أحدهما تناول الشكاوى التي لها صبغة إدارية أو تمس موظفي الإدارة وعمال المالية، والقضايا التي لها تأثر هام بموارد الملك، والقضايا المدنية والجنائية التي تمس أشخاصا يخدمون هذه الموارد، مثلا فلاحي مزارع الملك وعمال الصناعات التي تحتكرها الحكومة، أما القسم الآخر، فإنه يتناول القضايا التي تخص رجال الجيش.
- ولكي لا تتحمل الخزانة العامة أية خسارة عند اشتباكها في نزاع مع الأهالي، حظر على المحامين أن يدافعوا عن المتهمين ضد مصالح الخزانة العامة وإلا تعرضوا لعقوبة صارمة.
- أنشأ البطالمة أيضا محاكم خاصة لرجال الجيش فقد كانوا يتمتعون بمنزلة ممتازة في البلاد بسبب اعتماد البطالمة عليهم في تأييد سلطانهم في الداخل وفي تكوين إمبراطوريتهم في الخارج وإذا صح أن هذه المحاكم ألغيت بعد القرن الثالث، فهل إلغاؤها يرجع إلى أنه لم يعد للجيش عندئذ من الأهمية ما كان له من قبل، أم إلى الإقلال من الامتيازات الممنوحة لرجال الجيش الأجانب بعد موقعة رفح إرضاء للمصريين؟ أم إلى هذين السببين مجتمعين؟ أم إلى أسباب أخرى؟ هذا ما لا نستطيع الإجابة عنه إزاء قلة ما لدينا من المعلومات، وكل ما يمكننا الإدلاء به هو ما نرجحه من أن رجال الجيش كانوا يحاكمون أمام محاكم خاصة في خلال القرن الثالث قبل الميلاد على الأقل.
- عند متابعة نظام التجريم والعقاب البطلمي هناك عدة ملاحظات:
- إن الجرائم العامة كانت في مجملها تدور حول مخالفة السياسة الاقتصادية للدولة ومصلحة الخزانة البطلمية أو المصلحة الملكية.
- إن العقوبات المالية كالمصادرة والغرامة كانت هي السائدة لأنها تحقق فلسفة البطالمة الاستغلالية وإثراء الخزانة البطلمية.
- إن المشرع البطلمي كان مقلا في اللجوء للعقوبات البدنية، فالإعدام لا نجده إلا في الجرائم العامة فقد، أما في أغلب تلك الجرائم الخاصة كافة فلا محل له.
- إن تحريك الدعوى الجنائية لم يكن بيد الدولة في الحالات كافة بل في الجرائم العامة فقط، أما في الجرائم الخاصة فقد كان تحريك الدعوى الجنائية من اختصاص المجني عليه أو أهله حتى لو تعلق الأمر بجريمة قتل عمد باعتبارها جريمة خاصة.
الهوامش:
[(1)] اسم بلاد الإغريق (Greece) وهو اسم أطلقه الرومان على كل البلاد وتحديدا على المناطق التي سكنتها قبيلة الجراينين، وهم جماعة سكنوا شرق إقليم بؤتيا من (ابيلا) واشتركوا مع أهل اخليس (أخيل) في تأسيس مدينة سميت بـ (كوماي) (Gumay) وسميت كذلك ببلاد اليونان العظمي (Magma- Graecia) ويطلق على هذا الاسم على جميع المستوطنات اليونان التي استقرت في جنوب شرق إيطاليا، ومنها جاءت تسمية الإغريق نسبة إلي هذه البلاد…. للمزيد ينظر: الجندي، إبراهيم عبد العزيز معالم التاريخ اليوناني، (القاهرة، 1988م) ج1، ص3.
[(2)] أبو بكر، فادية محمد، دراسات في العصر الهلليسنتي، (الإسكندرية، 1998)، ص 20، 24.
[(3)] زناتي، محمود سلام، تاريخ النظم الاجتماعية والقانونية في مصر، (أسيوط، 1987) ص 105.
[(4)]أبو طالب، صوفي حسن، مبادئ تاريخ القانون، (القاهرة، 1963) ص 512، مكاوي، فوزي، الشرق الأدنى في العصرين الهلينستي والروماني، (القاهرة، 1999)، ص 169.
[(5)] سعيد، أحمد أمين محمود، النظم السياسية القديمة عبر العصور، ط 1، (بيروت، 1999) ص 22.
[(6)] المرصفاوي، فتحي، تاريخ القانون المصري، دراسة تحليلية (القاهرة، 1978) ص 250.
[(7)] يحيي، لطفي عبد الوهاب، دراسات في تاريخ مصر، ج 1، عصر البطالمة، (الإسكندرية، ) ص 182.
[(8)] حسن، سليم، مصر القديمة، ج 16 (القاهرة، 2001) ص 579.
[(9)] للمزيد من هذه الألقاب ينظر: Gauthier, H. and Sottas, H. Un Décret Trillingue en L’honneur de Ptolémée IV, (French, 1985). P p. 55- 102.
[(10)] المرصفاوي المصدر السابق، ص ص 249- 253.
[(11)] للمزيد ينظر:
Mendoza Barbara, Bronze Priests of Ancient Egypt from the middle Kingdom to the Greaco- Roman Period, (California, 2006) p p 198- 208.
[(12)] نال هيرقل (هيراكليس الإغريقي) وهو ابن جوبيتر شهرة كبيرة في الأساطير القديمة الإغريقية، للمزيد ينظر: سلامة، أمين، الأساطير اليونانية والرومانية، (الإسكندرية، 1988) ص ص 134- 145.
[(13)] السقا، محمود، فلسفة وتاريخ تاريخ القانون المصري، (القاهرة، 1994)، ص 88.
[(14)] بسيوني، عادل، الوسيط في تاريخ القانون المصري، (القاهرة، 1997) ص ص 138. 139.
[(15)] إن أهم موارد التشريع القانوني في مصر القديمة هي 1. المراسيم الملكية 2. البرديات القانونية 3. الكتابات القانونية على جدران القبور 4. المسلات 5. كتابات المؤرخين الكلاسيكيين والرحالة الأجانب، للمزيد ينظر: حنون، فاضل كاظم، القضاء في بلاد وادي النيل حتى عام 525 ق. م/ دراسة تاريخية، أطروحة دكتوراه غير منشورة، جامعة بغداد، كلية الآداب، 2011، ص ص 7. 26.
[(16)] مهران، محمد بيومي، الثورة الاجتماعية في مصر الفراعنة، (الإسكندرية، 1999)، ص 231.
[(17)] الزيباري، محمد صالح طيب صادق، النظام الملكي في العراق دراسة مقارنة مع النظام الملكي المصري، أطروحة دكتوراه غير منشورة، جامعة بغداد، كلية الآداب، 1989م، ص 173.
[(18)] ايفانز، أ. ج، هيرودوت، ترجمة: أمين سلامة، مرجعة: كمال الملاح، (الإسكندرية، بلا) ص 83.
[(19)] La, J. Pienne (1965,p 39 religion et la Morale dans L’ Egypte antique, (Paris,
[(20)] الإله تحوت Thot: هو إله القمر Moon God وإله الحكمة Wisdom God وهو المسؤول عن الكتابة والرسم والفلك والصيدلة للمزيد ينظر: Jordan, Michael Dictionary of Gods And Goddesses, Second edition, (New York, 2004) p 313.
[(21)] للمزيد ينظر: حنون، المصدر السابق، ص ص 64- 84.
[(22)] سليم، سعيدي، القانون والأحوال الشخصية في كل من العراق ومصر 2050- 332 ق. م رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة منتوري كلية العلوم الاجتماعية والإنسانية، 2010، ص 47.
[(23)] إن كلمة الهكسوس لا تعنى قوم اي لا تعنى اسما علما وإنما هي لقب أطلقه المصريون القدماء على كل حاكم غريب يحكم بلادا غريبة أي بالمعنى الواسع حكام المناطق الأجنبية، للمزيد ينظر: الفتيان، أحمد مالك، وعامر سليمان، محاضرات في التاريخ القديم، (الموصل، ص ص 271- 277).
[(24)] برستد، جيمس هنري، فجر الضمير، ترجمة: سليم حسن، (القاهرة، 1999) ص 208.
[(25)] للمزيد ينظر: لبيب، باهور، وصوفي حسن أبو طالب، تشريع حور محب، (القاهرة، 1972) ص ص 38- 74.
[(26)] أبو طالب، صوفي حسن، تاريخ النظم القانونية الاجتماعية، (القاهرة، 2007) ص 131.
[(27)] عبد الحليم، نبيلة محمد، معالم التاريخ الحضاري والسياسي في مصر الفرعونية، (الإسكندرية) ص 278.
[(28)] مهران، محمد بيومي، الثورة الاجتماعية الأولى في مصر الفراعنة، (الإسكندرية، 1999) ص 232.
[(29)] السقا، محمود، فلسفة وتاريخ القانون المصري من شروق العصر الفرعوني إلي غروب العصر الروماني، (القاهرة، 1994) ص 70.
[(] مؤنس، حسين، تراث مصر القديمة، (القاهرة، 1939) ص ص 53، 54.
[(31)] عياد، محمد كامل، تاريخ اليونان، (القاهرة، 1980). ص 224.
[(32)] أبو طالب، صوفي حسن، تاريخ النظم القانونية والاجتماعية، (القاهرة، 2007)، ص 139.
[(33)] للمزيد ينظر: القيسي، محمد فهد، ورسل حمود عذاب، صولون دراسة في سيرته وتشريعاته، وقائع المؤتمر العلمي الدولي السابع، 12- 13/ 3/ 2014 مجلة كلية التربية جامعة واسط، (بغداد، 2007) ص ص 924- 927.
[(34)] للمزيد ينظر: الفتيان، أحمد مالك، دراسات في التاريخ القديم، (بغداد، 2011) ص ص 416- 419.
[(35)] White, J. M Ancient Egypt, (London, 1970), P. 17.
[(36)]غازي، طه عوض، فلسفة وتاريخ ونظم القانون المصري- قبل الفتح الإسلامي لمصر (القاهرة، 2007) ص ص 153- 155.
[(37)] عبد الغني، محمد السيد محمد، جوانب من الحياة في مصر في العصرين البطلمي والروماني، (الإسكندرية، 2001) ص 87.
[(38)] المرصفاوي، فتحي، تاريخ القانون المصري دراسة تحليلية للقانونين الفرعوني والبطلمي ، (القاهرة، 1978) ص ص 307- 308.
[(39)] عرف هذا التشريع أيضا بـ (الإصلاح القضائي) ينظر. بسيوني، عادل الوسيط في تاريخ القانون المصري، (القاهرة، 1997) ص 161.
[(] حسن، مصر القديمة، ج 16، ص ص 436- 444.
[(41)] الصافوري، محمد علي، تاريخ القانون المصري، (القاهرة، 1994) ص 246، فرح، أبو اليسر، تاريخ مصر في عصري البطالمة والرومان، (القاهرة، 2002) ص ص 57، 72.
[(42)]حسن، مصر القديمة، ج 16، ص 440.
[(43)] المرصفاوي، فتحي، تاريخ القانون المصري- دراسة تحليلية للقانونين الفرعوني والبطلمي، (بيروت، 1978) ص ص 360، 365.
[(44)] حسن، مصر القديمة، ج 16، ص ص 436- 444.
[(45)] تقع رفح على حدود مصر الشرقية فيها حدثت معركة مشهورة في تاريخ الدولة البطلمية سنة 219 ق. م بين ملك مصر بطليموس الرابع (فيلوباتر) وبين ملك السلوقيين انطيخوس الثالث وقد كتب النصر فيها للجانب المصري حيث استرد فيها بطليموس جوف سوريا… للمزيد من المعلومات عن معركة رفح: ينظر: Bar- Kochva, Belalel, The Seleucide army, London, 1976, p. 128- 141
[(46)] غازي، طه عوض، فلسفة القانون المصري في العصرين الفرعوني والبطلمي (القاهرة، 2001) ص ص 216- 217.
[(47)] للمزيد عن هذه المحاكم وعملها ينظر: حنون، المصدر السابق، ص ص 123- 146.
[(48)] أبو طالب، صوفي، مبادئ تاريخ القانون (القاهرة، 1971) ج 2 ص 528، زناتي، محمود سلام، تاريخ النظم الاجتماعية والقانونية في مصر، (أسيوط، 1987) ص 254.
[(49)] عبد الباقي، محمد فهمي، محاضرات في تاريخ مصر البطلمية، (القاهرة، 2009) ص 231.
[(50)] نقراطيس أو ناوكراتيس وباليونانية بالإنكليزية Naucratis وترجمتها بتصرف:” المدينة ذات السطوة على السفن “بي عمرو Piemro بالمصرية، حاليا كوم جعيف التابعة لمركز إيتاي البارود، محافظة البحيرة، في القطاع الكانوبي من نهر النيل، على بعد 72 كم من جنوب شرق الإسكندرية التي أصبحت فيما بعد عاصمة مصر البطلمية، الإسكندرية، كانت فترة كبيرة من تاريخها المبكر، المستعمرة اليونانية الدائمة الوحيدة في مصر عملت كمركز تبادل وتكامل تجاري وثقافي للفنون والثقافتين اليونانية والمصرية، نشأت قبل مدينة الإسكندرية بأكثر من قرنين من الزمان وكانت مدينة تجارية كبيرة على فرع النيل الكانوبي وليست على البحر المتوسط وإنما كان تتصل بالبجر المتوسط عن طريق فرع من فروع النيل وكان الأكبر بينهم وكان يسمي بالفرع الكانوبي وهي مدينة إغريقية فرعونية وقد أقامها ملوك الأسرة 26 كمستوطنة للإغريق فقط الذين استقروا في مصر في تلك الفترة من تجار وجنود لأن الجيش المصري وقتها اعتمد بشكل كبير على الجنود الإغريق فقرر ملوك تلك الأسرة عمل مستوطنة خاصة بهم حتى لا تقع حساسية بينهم وسكان البلاد الأصليين من المصريين. للمزيد ينظر مدينة نقراطيس http://www.marefa.org/index
[(51)] تعد بطوليمية المدينة الإغريقية الثالثة التي أنشئت في مصر عقب الفتح المقدوني، وقد شيدت هذه المدينة غربي النيل حيث كانت توجد قبلها مدينة مصرية، تدعي (بسوي، Psoi) ثم أطلق المصريون عليها في عهد البطالمة اسم (بطوليمية) أي باسم الذي أنشأها بطليموس، وتشغل اليوم بلدة المنشية، وهي تقع جنوبي سوهاج بحوالي 10 كم جانبا من موقع بطوليميس التي اختفت معالمها تماما، ومن المحتمل جدا أن مهندسي بطلميوس الأول اتخذوا من الإسكندرية نموذجا يحتذون به في تشييد هذه المدينة الجديدة، التي لابد من أن يكون بطلميوس قد أرادها أن تكون إسكندرية منطقة طيبة، كانت المدينة تتمتع بكافة مظاهر نظم المدن الإغريقية الحرة… ينظر: زكي، رضوي، بطوليميس المدينة الإغريقية المفقودة في مصر، موقع المكتبة الافتراضية العلمية العراقية، http://www.kanhistorique.org/Archive/2010/issue08/ptolemais
[(52)] بعد انهيار الحضارة الموكينية مع مطلع القرن العاشر قبل الميلاد وسيادة العنصر الدوري ساد التخلف والانهيار بلاد اليونان لمدة 200 عام تقريبا، وشهدت هذه الفترة امتزاج العناصر الجديدة بالسكان القدامى مما أدي إلى ظهور مجتمع جديد أهم معالمه، دولة المدينة، للمزيد ينظر: مصطفي محمود درويش، وإبراهيم السايح مقدمة في تاريخ الحضارة الرومانية واليونانية، تاريخ اليونان (الإسكندرية، 1999)، ص 18.
[(53)] للمزيد ينظر: يحيي، لطفي عبد الوهاب، اليونان، مقدمة في التاريخ الحضاري، (الإسكندرية، 1991) ص ص 103- 104.
[(54)] Gustave, The Greek City Glotz and its Institutions, (London, 1929, p. 390).
[(55)] Michael, Gagarin, and David Cohen, Ancient Greek Law, (America, 2005) p. 134
[(56)]للمزيد عن النظام السياسي والقضائي في أثينا ينظر: فهمي، محمد تاريخ اليونان، تقديم: محمد زيتهم محمد العزب، (الجيزة، 1999) ص ص 44- 53.
[(57)] زناتي، محمود سلام، تاريخ لقانون المصري، (الإسكندرية، 1987) ص 251.
[(58)] غازي، طه عوض، فلسفة وتاريخ نظم القانون المصري، (القاهرة، بلا) ص 222.
[(59)] للمزيد عن هذه الأحداث والاضطرابات ينظر: السعدني، محمود إبراهيم، تاريخ مصر في عصر البطالمة والرومان، ج 2، (القاهرة، 1996) ص ص 91. 104.
[(60)] نصحي، إبراهيم، دراسات في مصر في عهد البطالمة، (القاهرة، 1959) ص ص 27. 29.
[(61)] عبد العال، زكي، تاريخ النظم السياسية والقانونية والاقتصادية على الأخص من الوجهة المصرية، (القاهرة، 1935) ص 244.
[(62)] ميخائيل، ملاك تامر، إجراءات القبض والتقديم أمام المحكمة الجنائية الدولية (دراسة تحليلية مقارنة) رسالة ماجستير منشورة كلية السياسة والقانون، الأكاديمية العربية المفتوحة بالدنمارك، 2014، ص 10.
[(63)] الصافوري، محمد علي، تاريخ القانون المصري، (المنوفية، بلا) ص 286.
[(64)] يطلق على هذا الموظف لقب (الديوكتيز Dioketes) ويعد رئيس الإدارة المالية المركزية وله مهام واسعة جدا حتى إن منصبه قورن مع منصب الوزير الفرعوني إذ أنه لا يخضع سوا للملك وتكون تحت سلطاته جميع المراسلات والسجلات الخاصة بالشؤون المالية وكذلك الكتبة وأمناء الخزائن، للمزيد ينظر: عبد الباقي، محمد فهمي، محاضرات في تاريخ مصر البطلمية، (القاهرة، 2009) ص ص 128. 130.
[(65)] كان القضاء في أثينا جزءا من اختصاص الجمعية العامة ومجلس الشورى ومن حق أي مواطن أن يساهم فيه للمزيد ينظر: Versteeg Russ, Law in The Ancient World (New York, 2002)pp 198- 204.
[(66)] أشار الأستاذ زناتي بأن مجموع القضاة ثلاثة ينظر: زناتي، المصدر السابق، ص 179، عبد الباقي، المصدر السابق، ص 231، بينما أشار رأي آخر إلي أنها تتكون من عشرة قضاة، وإن كان قد أضاف إلي أن هذا العدد لم يكن إلزاميا، ينظر: الحفناوي، عبد المجيد، تاريخ القانون المصري، (الإسكندرية، بلا) ص 154.
[(67)] عبد الباقي، المصدر السابق، ص ص 231- 232.
[(68)] الصافوري، المصدر السابق، ص 288.
[(69)] غازي، فلسفة وتاريخ نظم القانون المصري قبل… ص ص 171. 172.
[(70)] حسن، مصر القديمة، ج 16، ص ص 442- 444.
[(71)] زناتي، محمود سلام، تاريخ النظم الاجتماعية والقانونية في مصر، (أسيوط، 1987) ص 172.
[(72)] عبد الباقي، المصدر السابق، ص ص 232- 233.
[(73)] زناتي، المصدر السابق، ص 258.
[(74)] الصافوري، المصدر السابق، ص 291.
[(75)] للمزيد ينظر: Ramsdell Goodnough, Erwin, The Political Philosophy of Hellenistic Kingship, (Yale University Press, 1928) p. 55- 59
[(76)] يحيي، لطفي عبد الوهاب، دراسات في تاريخ مصر، ج 1، عصر البطالمة، (الإسكندرية، بلا) ص ص 179- 180.
[(77)] صالح، عبد العزيز، وآخرون موسوعة تاريخ مصر عبر العصور- تاريخ مصر القديمة، (القاهرة، 1997) ص 413.
[(78)] غازي، فلسفة وتاريخ نظم القانون المصري قبل… ص ص 169- 170.
[(79)] المرصفاوي، فتحي، تاريخ القانون المصري، دراسة تحليلية للقانون الفرعوني والبطلمي، (بيروت، 1987) ص 308.
[(80)] للمزيد ينظر: حسن، مصر القديمة، ج 16، ص ص 445- 462، غازي، فلسفة وتاريخ نظم القانون…. ص 268.
[(81)] نصحي المصدر السابق، ص 52.
[(82)] المرصفاوي، فتحي، تاريخ القانون القديم، (الإسكندرية، 1983) ص 319.
[(83)] حسن، السيد العربي، الوجيز في تاريخ القانون المصري، (حلوان، بلا) ص ص 232- 233.
[(84)] الصافوري، المصدر السابق، ص ص 288- 289.
[(85)] ينظر: الخطابة، أرسطو، طاليس، تحقيق: عبد الرحمن بدوي، (القاهرة، 1959) ص ص 16- 25.
[(86)] الحوفي، أحمد، فن الخطابة، الطبعة الخامسة، القاهرة، 2007، ص ص 194- 195.
[(87)] خفاجة، محمد صقر، تاريخ الأدب اليوناني، (القاهرة، 1956) ص 142.
[(88)] السقا، محمود، فلسفة وتاريخ القانون المصري، من شروق العصر الفرعوني إلي غروب العصر الروماني، (القاهرة، 1994) ص 108.
[(89)] عبد الغني، المصدر السابق، ص 80.
[(90)] المرصفاوي، تاريخ القانون المصري، ص 314.
[(91)] Fraser, P. M, Ptolemaic Alexandria, (Oxford, 1972), Vol. 1 p 502
[(92)]عبد الغني، المصدر السابق، ص ص 87- 88.
[(93)] حسن، أحمد، إبراهيم، تاريخ القانون المصري في العصر البطلمي ودراسة في القانون الروماني، (القاهرة، 2012) ص 167.
[(94)] زناتي، تاريخ النظم الاجتماعية……. ص 174.
[(95)] فودة، عبد المجيد، نظم القانون المصري قبل الفتح الإسلامي، القسم الأول (القاهرة، 200) ص 110.
[(96)] المرصفاوي، المصدر السابق، ص 294.
[(97)] غازي، فلسفة وتاريخ نظم القانون….. ص 255.
[(98)] أبو بكر، فادية محمد، دراسات في العصر الهللينستي، (القاهرة، 1998) ص 243.
[(99)] المرصفاوي، تاريخ القانون…..ص 393.
[(100)] يعد هذا الموظف عماد النظام الإدارة المالية فهو الذي يقوم بالإشراف على كافة مصادر الدخل الملكي، ينظر: فرح، أبو اليسر، تاريخ مصر في عصري البطالمة والرومان، (القاهرة، 2002) ص 92.
[(101)] موقع المكتبة الافتراضية العلمية العراقية، http://libub.sempertool.dk.tiger.sempertool.dk/libhub?func=search&fro msimplesearch=1&language=ar&qu+ery=Demotic+Papyri
Glanville S. R. K Catalogue of Demotic Papyri in the British Museum, Vol. 1. A (London, 1987) p. 40
[(102)] يحيي، ج 1، المصدر السابق، ص ص 167- 168.
[(103)] Griffith, G. T Hellenistic Civilization, 3rd edn (London, 1952) pp. 191- 192
[(104)] للمزيد عن سياسة البطالمة الدينية ينظر: يحيي، لطفي عبد الوهاب، دراسات في العصر الهلنستي، أبعاد العصر الهلنستي ودولة البطالمة، (بيروت، 1988) ص ص 180- 184.
[(105)] المرصفاوي، تاريخ القانون المصري، دراسة تحليلية، ص 396.
[(106)] عبد الباقي، المصدر السابق، ص 229.
[(107)] المرصفاوي، تاريخ القانون المصري، دراسة تحليلية ص 395.
[(108)] للمزيد: ينظر حسن، مصر القديمة، ج 15، ص ص 84. 91.
[(109)] عبد الباقي، المصدر السابق، ص 230.
[(110)] المرصفاوي، تاريخ القانون المصري، دراسة تحليلية ص 397.
[(111)] محمود، منال محمود محمد، الجريمة والعقاب في مصر القديمة، (القاهرة، 2003) ص 150.
[(112)] زناتي، تاريخ النظم الاجتماعية، ص 355.
[(113)] المصدر نفسه، ص 365.
[(114)] غازي، فلسفة وتاريخ القانون في العصرين…، ص 261.
الملخص باللغة العربية:
يدرس الموضوع القضاء في مصر إبان عصر البطالمة 321- 30 ق. م التشريع القانوني المعتمد في القضاء وهي التشريع القانوني المصري القديم، والتشريع القانوني إبان عصر البطالمة وتطرق إلي الهيأة القضائية وهي المحاكم المصرية والمحاكم البطلمية والمحاكم المختلطة، وبحث في إجراءات رفع الدعوى والمحاكمة ورسوم الدعوة والدعوة العامة والخاصة، وتحدث عن الجرائم في العصر البطلمي وهي الجرائم العامة والخاصة وأنواعها.
Abstract
Studying the subject of the judiciary in (321- Egypt during the Ptolemaic period 30 B.C.) , the legislation approved legal in the judiciary and the legal statute of the ancient Egyptian, and the legislation is legal during the Ptolemaic era, and addressed to the Authority Judicial an Egyptian courts and courts Ptolemaic and mixed tribunals, and discuss the procedures for lifting the lawsuit and trial fees and call and call public and private, and talked about the crimes in the Ptolemaic era, a public and private crimes
and types.


