دراسة في سوسيولوجيا صناعة القانون
محمد سعيد عبد المجيد ([·])
الملخص
تحددت مشكلة البحث في مناقشة وتحليل “مدى تعبير قانون التظاهر عن الواقع الاجتماعي في المجتمع المصري ” باعتباره نموذجاً لمدى الارتباط بين صناعة القانون والواقع الاجتماعي”.
وإذا كان مفهوم الحرية في مصر ما بعد ثورتي 25 يناير 2011 ، 30 يونيو 2013″، قد اختلف، وبات كل مواطن يشعر بحقه القانوني في التعبير عن رأيه وفي التظاهر السلمي – مع ضمان حماية المؤسسات والمنشآت العامة – فكان من الضرورة بمكان إصدار قانون للتظاهر يحدد الأطر التي تضمن للمواطن ممارسة حقه وللدولة احترامها وهيبتها في نفس الوقت. ولكن التساؤل الذي يفرض نفسه في هذا الصدد هل قانون التظاهر الجديد – 107 لسنة 2013 – يعبر عن الواقع الاجتماعي في المجتمع المصري بعد ثورة 25 يناير 2011 وما تلاها من موجات ثورية؟ هذا ما شكل منطلقاً أساسياً للدراسة الحالية.
ومن أهم نتائج الدراسة عدم تعبير قانون التظاهر عن الواقع الاجتماعي الحالي للمجتمع المصري بسبب تضمنه للعديد من الملاحظات والعيوب الجوهرية، والعبارات والألفاظ المطاطة التي تؤثر بشكل كبير في حق الأفراد في التجمع السلمي، وصولاً إلى تفريغ هذا الحق من مضمونه، عبر اشتراطات صعبة، وقيود تبدو تعجيزية في كثير من الأحيان.
Demonstration Law and Social Reality:
A Study of Sociological Law Making
Mohamed S. Abd El-Mgeed
Abstract
The study determined the problem in the discussion and analysis of “extent to which Demonstrate Law on the social reality in Egyptian society” as an example of the extent of correlation between law making and social reality.
If the concept of freedom in Egypt after the revolution of ” 25 January 2011 and 30 June 2013″ may different, and now every citizen feels right legal to express his opinion in peaceful demonstrate – while ensuring the protection of institutions and public installations – was necessary to pass a demonstrate law defines frameworks to ensure that the citizen to exercise their right and the State to respect and prestige at the same time., but the question that arises in this regard Is new Demonstrate Law – 107 for the year 2013 – expresses the social reality in Egyptian society after the revolution of 25 January, 2011 and subsequent waves of revolutionary? That’s what shape a fundamental premise of the current study.
تمهيد:
إن الحق في التظاهر والتجمع السلمي هو جزء لا يتجزأ من الحق في حرية التعبير، ويشكل أداة رئيسية لنيل الحقوق المشروعة، والتعبير عن تدني مستويات الحياة، كما أنه يعد خياراً للبقاء، ولمواجهة الظلم الاجتماعي والأوضاع المتردية وانحيازاتها الواضحة، كما يعد الحق في التظاهر والخروج في مسيرات سلمية أحد الحقوق الأساسية في كل نظام ديمقراطي موجود في العالم، وينظر إليه بوصفه تعبيراً عن كرامة الإنسان وعن حريته في ممارسة حياته ورغباته دون وجود عوائق.
لذا اعترف الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في ديسمبر 1948″ بموجب المادتين 19 – 20 منه بحق كل إنسان في التمتع بحرية الرأي والتعبير، وبالاشتراك في التجمعات والجمعيات السلمية، ولم يضع هذا النص أية قيود على ممارسة هذا الحق، بل أقر به مطلقاً دون أية قيود قد تعوق ممارسته (1).
وبالإضافة إلى ذلك أقرت المادة 21 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية الصادر في ديسمبر 1966″ الحق في التجمع السلمي، فتنص على أن “يكون الحق في التجمع السلمي معترفاً به”، ولا يجوز أن يوضع من القيود على ممارسة هذا الحق إلا تلك التي تفرض طبقاً للقانون وتشكل تدابير ضرورية، في مجتمع ديمقراطي، لصيانة الأمن القومي أو السلامة العامة أو النظام العام أو حماية الصحة العامة أو الآداب العامة أو حماية حقوق الآخرين وحرياتهم” (2).
كما نصت المادة 73 من الدستور المصري الجديد “الصادر في يناير 2014” على أن “للمواطنين حق تنظيم الاجتماعات العامة، والمواكب والتظاهرات، وجميع أشكال الاحتجاجات السلمية، غير حاملين سلاحاً من أي نوع، بإخطار على النحو الذي ينظمه القانون، وحق الاجتماع الخاص سلمياً مكفول، دون الحاجة إلى إخطار سابق، ولا يجوز لرجال الأمن حضوره أو مراقبته، أو التنصت عليه” (3).
ويتضح من هذا النص أن شرط الإخطار – مع كونه شرطاً أساسياً – لا يجوز أن ينتقص من الحق ذاته؛ لأن النص الدستوري بكشفه عن حق التظاهر، فإنما قصد بذلك إتاحته أولاً، وأن كل ما يرد على الحق من قيود لا تعطل محتواه أو تفرغه من مضمونه، بحيث يصبح مجرد كلمات مكتوبة لا صدى لها على أرض الواقع.
وإذا كان مفهوم الحرية في مصر ما بعد ثورة 25 يناير 2011 قد اختلف، وبات كل مواطن يشعر بحقه القانوني في التعبير عن رأيه وفي التظاهر السلمي – مع ضمان حماية المؤسسات والمنشآت العامة –.
فكان من الضرورة بمكان إصدار قانون للتظاهر يحدد الأطر التي تضمن للمواطن ممارسة حقه، وللدولة احترامها وهيبتها في نفس الوقت، ولكن التساؤل الذي يفرض نفسه في هذا الصدد هل قانون التظاهر الجديد – القانون رقم 107 لسنة 2013 – يعبر عن الواقع الاجتماعي في المجتمع المصري بعد ثورتي “25 يناير 2011، 30 يونيو 2013 “؟ هذا ما شكل منطلقاً أساسياً للدراسة الحالية.
أولاً: مشكلة البحث:
إن القانون يوفر الإطار الأساسي لقيام الدول من خلال الدور المهم الذي يلعبه في حل المشاكل الأساسية التي قد تواجه المجتمع (4)، وهو تعبير عن إرادة المجتمع، كما أنه يعكس احتياجات وآمال المجتمع، وبالإضافة إلى ذلك فهو ترجمة لمبادئ العدالة العليا (5). ولذلك يعد القانون مكوناً أساسياً من مكونات تحقيق التنمية الشاملة، ويتحقق ذلك من خلال ما يكفله من أمن واستقرار يحتاج إليه المجتمع في أثناء تنفيذ السياسات التنموية (6).
أما التشريع “صناعة القانون” فيحتل موضع الصدارة بين سائر مصادر القانون، فهو أهم مصادر القاعدة القانونية على الإطلاق في معظم القوانين الحديثة (7).
وتعد صناعة القانون عملية اجتماعية دينامية تتأثر بالقوى الاجتماعية المسيطرة، وبالأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية السائدة.
لذا تأتي أهمية دراسة صناعة القوانين ومحاولة تحليلها ورؤية آثارها المختلفة من أن وظيفة القانون تتمثل في تحقيق التوازن بين مصالح الأفراد بما يحقق العدل ويمنع سيطرة القوي على الضعيف، وكذلك التوفيق بين المصلحة الخاصة ومصلحة الجماعة بما يوفر علو المصلحة العامة بغير إهدار للمصلحة الخاصة (8).
ويأتي إصدار الرئيس “عدلي منصور” لقانون ينظم التظاهر – القانون رقم 107 لسنة 2013 بتنظيم الحق في الاجتماعات العامة والمواكب والتظاهرات السلمية “،والمنشور في الجريدة الرسمية” العدد 47 مكرر في 24 نوفمبر 2013″(9) – مثالاً واضحاً على أهمية تواءم وتعبير صناعة القوانين عن الواقع الاجتماعي، خاصة في ظل ما شهدته الساحة السياسية من حالة الشد والجذب بين التيارات والقوي الثورية من جانب، والحكومة من جانب آخر بشأن جدوى إصدار قانون ينظم التظاهر بعد ثورة 25 يناير وما تلاها من موجات ثورية استطاع بها الشعب المصري أن يقضي على نظامين استبداديين – نظامي مبارك والإخوان – عن طريق التظاهر السلمي.
وفي ضوء ذلك تعد محاولة فهم كيفية صناعة القوانين – المتغيرات الاجتماعية التي تلعب دوراً في صنع القوانين، والقوى الاجتماعية التي تشكل فاعلية صنع أو تغيير القوانين، وكذلك أدوار المصالح المرعية، ومصادر القوى الداخلية المؤثرة في صناعة القوانين – مجالاً جديراً بالبحث والدراسة.
ووفقاً لهذا تحددت مشكلة البحث في مناقشة والكشف عن “مدى تعبير قانون التظاهر عن الواقع الاجتماعي في المجتمع المصري” بوصفه نموذجاً لمدى الارتباط بين صناعة القانون والواقع الاجتماعي. وذلك من خلال دراسة ميدانية تنطلق من ثلاثة محاور أساسية:
المحور الأول: إجراء تحليل سوسيو – مقارن لنصوص قانون التظاهر المصري مقارنة بنصوص قوانين التظاهر في بعض الديمقراطيات الغربية (فرنسا – بريطانيا – الولايات المتحدة الأمريكية) للوقوف على مدى تتبع المشرع المصري في تنظيمه لحق التجمع والتظاهر السلمي لمبادئ قوانين التظاهر بهذه الديمقراطيات.
المحور الثاني: تطبيق دليل المقابلة على عينة عمدية بالحصة من أساتذة وخبراء القانون وشباب التيارات والقوى الثورية المختلفة لاستطلاع رؤيتهم لمدى تعبير قانون التظاهر عن الواقع الاجتماعي في مصر بعد ثورة 25 يناير 2011 وما تلاها من موجات ثورية، وإيجابيات وسلبيات قانون التظاهر.
المحور الثالث: تنظيم عدد من جماعات النقاش Group Discussions مع شباب التيارات والقوى الثورية وأساتذة وخبراء القانون لإثراء قضايا الدراسة الميدانية.
ثانياً: هدف البحث وتساؤلاته:
هدف البحث بصورة أساسية إلى الكشف عن “مدى تعبير قانون التظاهر عن الواقع الاجتماعي في المجتمع المصري باعتباره نموذجاً لمدى الارتباط بين صناعة القانون والواقع الاجتماعي في مصر”، وذلك من خلال محاولة الإجابة على التساؤلات التالية:
- ماهية صناعة القانون؟
- ما مظاهر التغير الاجتماعي في المجتمع المصري قبل وبعد ثورة 25 يناير وما تلاها من موجات ثورية؟
- هل انطلق المشرع المصري في تنظيمه لحق التجمع والتظاهر السلمي من نفس مبادئ الديمقراطيات الغربية؟
- هل قانون التظاهر يعبر عن الواقع الاجتماعي في المجتمع المصري بعد ثورة 25 يناير وما تلاها من موجات ثورية؟
- ما إيجابيات وسلبيات قانون التظاهر؟
ثالثاً: مفهومات الدراسة:
1 – مفهوم التظاهر Demonstrate:
التظاهر – هي مظاهرة أو تظاهرة – فعل سياسي جماعي، وهو تعبير عن الرأي متبوعاً بضغط من أجل تحقيق مطالب المتظاهرين، لذا يعد التظاهر أحد أشكال المشاركة السياسية، كما أنه يتطلب تنظيماً وتحديداً للأولويات، وهذا من السمات المهمة في أي مجتمع (10).
وحق التظاهر منصوص عليه في مواثيق حقوق الإنسان الدولية كحق أساسي، وهو جزء من حق ” التعبير عن الرأي”، وأيضاً جزء من حق ” المشاركة السياسية”، وسبب اعتباره حق ليس فقط الإيمان بأن الإنسان يولد به، فبسببه أيضاً حدثت تطورات سياسية شهدتها أوروبا منذ القرن الثالث عشر – منها الميثاق الكبير في بريطانيا الذي قيد حقوق الملك وزود حقوق المواطن – ومع الثورة الفرنسية تكرر الأمر بصورة أوضح، عند ولادة ميثاق حقوق الإنسان والمواطن سنة 1789، والذي أعطى حقوق أوسع للمواطن منها “حقوق التعبير”، كما تكرر في ثورات أخرى (منها إعلان قيام الولايات المتحدة الأمريكية) مما أعطى حق التظاهر اليوم صبغة عالمية (11).
والتظاهر ليس حقاً مطلقاً بل هو حق تنظمه قوانين خاصة بكل دولة – تنظم المكان والتوقيت والمدة الزمنية – وغالباً يقوم بذلك لجنة متخصصة (12).
ويرتبط بمفهوم التظاهر عدد من المفهومات مثل التمرد والاحتجاج والإضراب، فالتمرد Rebellion هو رفض تنفيذ الأوامر، ويمكن تعريفه بأنه مجموعة السلوكيات التي تهدف إلى التأثير على سلطة أو إحلال سلطة محل السلطة القائمة فيما إذا كانت حكومة أو رئيس دولة، ويمكن أن يحدث التمرد باستخدام أساليب سلمية مثل العصيان المدني، أو قد يشمل أساليب عنيفة (13).
وقد أطلق لفظ المتمردين عبر التاريخ على العديد من الجماعات التي تعارض حكوماتها، فقد استخدم لوصف العديد من ثورات الفلاحين التي حدثت في جنوب غرب فرنسا في القرنين السادس والسابع عشر (14). ومن أشهر حركات التمرد في العصر الحديث حركة تمرد في مصر، حيث ترتب عليها – مع انحياز المؤسسة العسكرية المصرية ودعم غالبية الشعب المصري – الإطاحة بنظام حكم الإخوان وإسقاطه بشكل كامل.
أما الاحتجاج فهو أسلوب للتعبير عن رأي جماعة أو حزب سياسي أو فرد، ويحدث عادة في منطقة ذات شهرة واسعة لإحداث تأثير يشعر به غالبية شرائح المجتمع، وفي نهايته دائماً ما يتحول إلى صراع بين المحتجين والشرطة (15).
كما يعرف الإضراب بأنه وسيلة من وسائل الاحتجاج الاجتماعي والسياسي، تستخدم بهدف التأثير على قرارات أو سياسات الدولة (16).
ووفقاً لما سبق فأقصد بالتظاهر في هذه الدراسة “حق الإنسان في التعبير عن رأيه بشكل سلمي، وحقه في استخدام كافة الطرق والأساليب السلمية – التي لا تؤدي إلى الإضرار بمصالح أفراد المجتمع أو مؤسسات الدولة – للضغط على السلطة القائمة للاستجابة لمطالبه المشروعة”.
2 – مفهوم صنع القانون Law Making:
تناولت الدراسات مفهوم “صنع القانون” من خلال توضيح الجوانب ذات الصلة الوثيقة به، فبعضها تناول المفهوم من زاوية توضيح الاختلاف بين فلسفة القانون وسوسيولوجيا القانون، والبعض تناوله من حيث ربطه بأبستمولوجيا القانون، والبعض الآخر تناول المفهوم من خلال ربطه بالتشريع والتنمية القانونية.
فمن ناحية الاختلاف بين فلسفة القانون وسوسيولوجيا القانون يلاحظ أن فلسفة القانون تهتم بالمستوى النظري فيما سوسيولوجيا القانون تعد بحث تجريبي يقوم على الدراسات الامبيريقية والإحصاءات، بالإضافة إلى ذلك لا يهتم علماء اجتماع القانون إلا بالواقع الاجتماعي للقانون (تأثير قانون معين على” أفراد المجتمع، آراء الناس حول مدى تعبير القانون عن واقعهم) فيما فيلسوف القانون ينظر إلى مضمون القانون، كما يحافظ علماء الاجتماع على الموضوعية في تحليل الأمور فيما فلاسفة القانون يطلقون أحكاماً قيمية تتعلق بمدى عدالة الأحكام (17).
أما من ناحية أبستمولوجيا القانون فقد حاول البعض ومن أشهرهم ” كلسن Klsn” صياغة أبستمولوجيا قانونية تقوم على تحليل القواعد القانونية بدون النظر لأي معايير أخرى مثل الأخلاق والوقائع الاجتماعية والتاريخية (18).
وعلى العكس ترى النظرة السوسيولوجية للقانون أن البيئة الاجتماعية هي المكان الذي نبحث فيه عن القواعد القانونية (الأعراف والتقاليد)، وخاصة عن مدى توافق التشريع القانوني مع متطلبات المجتمع، فالقانون ليس سوى ظاهرة اجتماعية، والقانون لا يكون ذو تأثير إن لم يلاقي القبول من أفراد المجتمع، ثم إن على القانون أن يتغير تبعاً للتغيرات الاجتماعية، وفي هذا الاتجاه يمكن تصنيف اتجاهات نظرية مختلفة مثل أفكار بنتام Bentham وإيهرينغ Ahreinng، وكارل ماركس Marx الذي رأى في القانون انعكاس للمصالح الاقتصادية للطبقة المسيطرة (19).
أما من ناحية علاقة صنع القانون بالتشريع والتنمية القانونية فتتضح من خلال أهمية صناعة القانون “التشريع” في العصر الحديث المتمثلة في أن الأنظمة التشريعية قد تدفع المجتمع إلى الأمام إذا كانت تؤكد على الحرية والعدل، وقد تعود بالمجتمع إلى الخلف إذا كانت غير واضحة ومتناقضة وتقيد الحريات (20).
ويرتبط بعملية التشريع والتنمية القانونية أهمية الالتزام بالعوامل التي تعزز من جودة الصياغة القانونية وتجعلها داعمة للحكم الرشيد، ومن أهمها ديموقراطية الصنع التي تدعم الاستقرار التشريعي، فالصياغة التشريعية الجيدة هي التي لا تأتي ناقصة، أو غير واضحة، بل تكون مؤدية للغرض الذي جاءت من أجله، وتعكس الواقع الاجتماعي، وكذلك كون هذه الصياغة متطورة تعزز القدرة التنافسية للتشريع، الأمر الذي يتطلب القيام بدراسة وافية ولفترة كافية له (21).
وفي هذا الصدد رأي “هابرماس Habermas” عدم إمكانية حصول القواعد القانونية على مشروعية بمجرد الارتكاز على العقلانية، فاستخدام القواعد القانونية كمجرد أدوات واختصارها في كونها أوامر صادرة عن السلطة التشريعية ينفي عن القانون كل مشروعية (22).
ووفقاً لما سبق فأقصد بصنع القانون في هذه الدراسة “وضع قواعد تشريعية مستقاة ومعبرة عن الواقع الاجتماعي، وتدعم الاستقرار، وتساعد على تطوير المجتمع، وتحقق مصالح جميع فئات المجتمع وليس مصالح فئة محددة”.
ولتحقيق هذه الرؤية يجب أن تأتي صناعة القانون كثمرة لدراسة علمية، وأن تكون مستقاة من واقع اجتماعي يمليها، ويتأتى ذلك من خلال إقامة حوار مجتمعي جاد حول القوانين قبل إصدارها، ودعوة أهل الرأي والمتخصصين للإدلاء بآرائهم في مشروع القانون تجنباً للثغرات القانونية التي تؤدي إلى ذيوع الفساد وخاصة عند تطبيق القوانين، وأيضاً من خلال عمل دراسة مقارنة مع القوانين المحيطة بنا، للتعرف على التطور التشريعي الحادث في العالم – والذي يفرض نفسه على الجميع – لا سيما إذا كان لموضوع التشريع المقترح جذور أو امتدادات في اتفاقيات دولية.
وكذلك يتضمن تحقيق هذه الرؤية ضرورة مهارة المشرع، بمعنى قيام المشرع بترجمة ما يعرض عليه إلى قواعد محددة” النصوص القانونية “، والصياغة التشريعية الجيدة هي التي تقوم بتحويل الأفكار والأهداف إلى نصوص قانونية تؤدي فقط ما هو مطلوب دون أن تتضمن ما لا يراد، وأن تتسم بالوضوح والقابلية للفهم من المخاطبين بأحكامها، ولا يترتب عليها مشاكل عند التطبيق.
3 – مفهوم الواقع الاجتماعي Social Reality:
غالباً ما يستخدم علماء الاجتماع مفهوم الواقع الاجتماعي للإشارة إلى الأبعاد أو الجوانب أو الظروف أو العوامل أو المتغيرات الاجتماعية المتعلقة بفئة أو شريحة أو مجتمع معين أو بعدد من الفئات أو المجتمعات التي تشترك في بعض الصفات (23).
وقد حاول البعض توضيح معنى المفهوم من خلال تناول العلاقة الجدلية بينه وبين الوعي الاجتماعي، وفي هذا الصدد أكد البعض ممن يتبنى الاتجاه المثالي “لهيجل Hegel” على الصفة الاجتماعية للواقع الاجتماعي، أي على علاقة الإنسان بالإنسان، وبالتالي فهم لا يرون فيه معنى مادياً أو اقتصادياً، ومن هؤلاء “جورج جيرفيتش Gurvitch” الذي رأى أن وعي الناس هو الذي يحدد واقعهم وليس العكس، وفي المقابل أكد الاتجاه الماركسي على أن الصفة المادية الاقتصادية للواقع الاجتماعي هي العنصر الأساسي في المفهوم، فنجد كارل ماركس لا يفصل الواقع الاجتماعي أي تلك العلاقات الاجتماعية التي تنشأ بين الأشخاص في مجتمع معين عن أسلوب الإنتاج. وبالتالي فهو لم يلغي أو يقلل من أهمية العلاقات الاجتماعية، أو العناصر الأخرى لكنه يعدها ضمن البنية الفوقية للواقع التي تتبع وتتأثر عنده في البنية التحتية للواقع التي تتمحور حول العنصر الاقتصادي. لذا نجده يقرر بأن وجود الأشخاص هو الذي يحدد وعيهم وليس العكس (24).
ووفقاً لذلك فأقصد بالواقع الاجتماعي في هذه الدراسة “مجمل الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية السائدة في المجتمع في فترة زمنية معينة”. وجميع هذه الأوضاع تتجسد بصورة مترابطة ومتكاملة في ضوء تجليات الوعي الاجتماعي (الذاتي والموضوعي) سواء على مستوى الأشخاص أو الجماعات أو المجتمعات المحلية، أو على مستوى المجتمع ككل وتنظيماته المختلفة.
رابعاً: التوجه النظري للدراسة:
تنطلق هذه الدراسة من المنطلقات النظرية للمدرسة النقدية في علم الاجتماع “مدرسة فرانكفورت” وخاصة نظرية “رأس المال الثقافي” لعالم الاجتماع الفرنسي بيير بوردو Bourdi P، وأيضاً أعمال باسيرون Passeron وبرنشتين Bernstein، ومايكل أبل Apple، ويورغن هابرماس Habermas (25).
والمقولة النظرية الرئيسية التي يبني عليها “بوردو” نظريته هي أن الثقافة نسق رمزي Symbolic System أو كما أطلق عليها اسم القوة الرمزية، وهو يقصد بذلك أن الأنساق الرمزية في أي مجتمع تعتبر أدوات للهيمنة الاجتماعية والسياسية، وبهذا فإن الثقافة كنسق رمزي هي رأسمال، وهي موضوع للصراع بين القوى الاجتماعية المتعددة، وتهدف كل قوة من القوى الاجتماعية في المجتمع إلى الهيمنة على ميدان الثقافة أو إنتاج وتوزيع رأس المال الثقافي فيه، وذلك بهدف احتكار العنف الثقافي في المجتمع، أي احتكار القدرة على فرض معاني ومبادئ بناء على الوقائع الاجتماعية، ووفق مصالح هذه القوى الاجتماعية (26).
ووفقاً لهذا يشير العنف الرمزي إلى كل سلطة تتمكن من فرض معاني محددة، وتضفي عليها الصفة الشرعية من خلال إخفاء علاقات القوة التي تتأسس عليها هذه السلطة، ويترتب على ذلك أن العنف السياسي ليس فقط استبداد الدولة وممارستها الإكراه والقسر على الأفراد والجماعات، بل هو نظام سياسي واجتماعي وثقافي يقوم بإدخال علاقات الهيمنة إلى النفوس، ويدفع الأفراد إلى الإيمان اليقيني بالتقسيم التدرجي للمجتمع بوصفه نظاماً بديهياً وعلاقة طبيعية بين الحاكم والمحكومين، كما تمارس الدولة العنف الرمزي عن طريق القوانين التي تصدر معبرة عن الطبقة المهيمنة والمسيطرة، ومن خلال بث الأفكار والمعاني التي تعبر عن موضوعية وصدق هذه القوانين (27).
وعلى هذا النحو تفرض نظرية العنف الرمزي نوعاً من الهيمنة على نظرية إعادة الإنتاج التي تجعل العنف جزءاً من البناء الاجتماعي، وتجعل من السلطة المهيمنة مؤسسات لها القدرة على بث روح الخضوع في جميع أفراد المجتمع، وفي هذه الحالة يحدث العنف الرمزي من خلال الموافقة على القوانين التي تصدرها السلطة، وموافقة الخاضعين على الأفكار والمعاني الشرعية، والعمل بإخلاص للمحافظة على النظام الاجتماعي المسيطر وتدرجه الهرمي (28).
كما أكد “هابرماس” أن الاستغلال الاقتصادي والسيطرة الطبقية والظلم السياسي يؤثران تأثيراً واضحاً في تزييف أنماط التفاعل والاتصال الرمزي، كما أن المصالح التي تخدم أنماط الإنتاج المعاصرة، لم تعد فحسب مجرد مصالح طبقية، وإنما هي مصالح صيغت في ضوء الوعي التكنوقراطي وتعبر عن ضرورات فنية (29).
وبتطبيق الأفكار السابقة على موضوع الدراسة الحالية يرى الباحث أن المؤسسات التشريعية تعد من أهم المؤسسات التي توظفها الطبقات المسيطرة لممارسة العنف الرمزي من خلال إصدار القوانين التي تحافظ على مصالحها وتدعم سيطرتها على المجتمع، حيث كان المجتمع المصري قبل ثورة 25 يناير 2011 يعيش مرحلة من الإحباط – خاصة مع تناقص فرص إشباع احتياجاته الأساسية – أدت إلى عدم قدرة الفرد على الدفاع عن نفسه، نتيجة ما يحيق به من أخطار وجودية (سياسية – اقتصادية – اجتماعية – ثقافية)، وبما فرض التظاهر السلمي كأحد أشكال المواجهات السلمية لنيل الحقوق المشروعة، والتعبير عن تدني مستويات الحياة، وكخيار للبقاء، ولمواجهة الظلم الاجتماعي والأوضاع المتردية وانحيازاتها الواضحة.
وإذا ما كانت مرحلة الإحباط بما تتسم به من الظلم الاجتماعي وسوء العدالة الاجتماعية والانحيازات الطبقية ما تزال سمة من سمات المجتمع المصري حتى الآن – على سبيل المثال عدم تطبيق الحد الأقصى للمرتبات حتى الآن، واستثناء بعض الفئات منه، واستمرار غول التضخم والغلاء، وعدم قدرة فئات كثيرة على إشباع احتياجاتها الأساسية وغير ذلك من مظاهر – كل ذلك يجعل من قانون تنظيم حق التظاهر وفقاً لنظرية رأس المال الثقافي نوع من أنواع العنف الرمزي تحاول من خلاله الدولة في مصر نشر ثقافة الصمت، وتفتيت وتشتيت المعارضين – خاصة من فئة الشباب -.
خامساً: قضايا الدراسة:
1 – التحليل السوسيولوجي لصنع القانون:
يعد مؤلف “روح القوانين” للمفكر والفيلسوف الفرنسي “مونتسكيو Montesquieu” من الإسهامات المبكرة في سوسيولوجيا صنع القانون”، حيث أسس مونتسكيو لهذا الاتجاه بحديثه عن تميز القانون بخاصيتين هما النسبية والحتمية، فالقانون يتبدل تبعاً للظروف، وكذلك يخضع لما يشبه قانون السببية، فما هو إلا نتاج أسباب موضوعية متعلقة بالمجال الاجتماعي، ويلاحظ هنا التقارب بين آراء مونتسكيو وماركس في حديثه عن أسباب نشأة وتطور القوانين حيث رأى أن هذه الأسباب متعددة، وقد ظهر ذلك في الطريقة التي نظر بها مونتسكيو لتطور مفهوم النظام السياسي في “روح القوانين” (30).
كما ظهر اهتمام علماء الاجتماع الكبير بصنع القانون في إطار اهتمامهم بعملية التنمية القانونية، فنجد أن تحليلات الرعيل الأول من علماء الاجتماع لا تخلو من التركيز على عملية التطور القانونية في المجتمع البشري، وقد ظهر هذا في التحليلات السوسيولوجية الأولى “لدوركايم Durkheim” على سبيل المثال لعمليات انتقال المجتمعات الآلية إلى المجتمعات العضوية، وكيف صاحبت عمليات الانتقال متغيرات بنائية وهيكلية كبيرة، لا سيما تلك التغيرات التي طرأت على النظم الاجتماعية والنظام القانوني، والقواعد الأخلاقية التي أشار إليها دور كايم بوضوح في نظريته عن التضامن الاجتماعي (31).
كذلك اهتم “ماكس فيبر Weber بعملية صنع وتطوير القوانين أو القواعد العامة التي تعمل على تنظيم التشريعات القانونية في كل من المجتمعات القديمة الشرقية والغربية أو المجتمعات الحديثة، كما اهتم فيبر بكيفية إقامة العدالة وتحقيق الترشيد القانوني، كما ناقش الدور الحيوي للقضاة في تحقيق الاستقرار في المجتمع، ومؤهلاتهم التي من المفترض أن يتمتعوا بها (32).
وأيضاً ميز فيبر بين علم الاجتماع القانوني وفقه القانون من حيث تركيز فقه القانون على دراسة القانون وشرعيته وتكوينه أو ظهور نصوص موضوعة، بينما يهتم علم الاجتماع القانوني بالبحث وبتحديد طبيعة تأثير القانون على النشاط الاجتماعي للأفراد، وأيضاً تناول فيبر أدوار العديد من الفئات المهنية القانونية مثل المحامين، والقضاة، والإداريين، والمشرعين، والعملاء الذين يترددون على هذه الفئات، ويدخل في هذا رؤية فيبر لتطوير التنظيمات القضائية في إطار تحليلاته المعروفة عن عملية التحول البيروقراطي، وعملية التغير الاجتماعي (33).
كذلك تعكس التحليلات السوسيولوجية الحديثة التي أشار إليها “بوتومور Bottomore” العلاقة بين عملية التنمية القانونية والتغير الاجتماعي، وأهمية التشريع في المجتمعات الحديثة، وأنساق الضبط الاجتماعي أو العلاقة المتبادلة بين القانون والبناء الاجتماعي ، كما ركز بوتومور على تحليل عملية التنمية والتشريعات القانونية في عدد من المجتمعات الحديثة مثل بريطانيا والاتحاد السوفيتي، وكذلك اهتم بتحليل نوعية التشريعات القانونية التي ظهرت في عدد من الدول النامية خلال العقود الأخيرة، وفي هذا السياق تناول بوتومور عمليات التنمية للترشيد المستمر للقانون أو بالأحرى عمليات صنع القانون وإصدار التشريعات المختلفة بصورة مستمرة، وقد تناول بوتومور عدد من الأمثلة لهذه العمليات، وكيفية تبني بعض المجتمعات النامية مثل تركيا عمليات الأخذ بالقوانين الأجنبية لترشيد قوانينها الوطنية مثل أخذ الحكومة التركية للقوانين السويسرية في مراحل تاريخية سابقة، أو أخذ الحكومة الهندية للعديد من القوانين البريطانية (34).
كما اهتمت النظرية السوسيولوجية الحديثة بدراسة القانون، وعملية التنمية القانونية وصنع القانون، وفي هذا الإطار قدم عالم الاجتماع الألماني “نيكولاس ليهمان N. Luhman” – في مؤلفه النظرية السوسيولوجية للقانون – أطروحة متميزة في علم اجتماع القانون، ووفقاً لليهمان فالقانون يوفر الإطار الأساسي لقيام الدول، كما أن المحامين والقضاة والمشرعين من وجهة نظره يمثلون الموارد البشرية الرئيسية للدولة، أما النظرية القانونية فهي توفر القاعدة الملائمة للتنظير حول طبيعة المجتمع، كما ناقش ليهمان من خلال كتابه كيف يمكن لعملية صنع القوانين الوضعية والتنمية القانونية القيام بحل المشاكل الأساسية التي قد تواجه المجتمع (35).
وكذلك تناولت بعض التحليلات السوسيولوجية الهامة صنع القانون من زاوية التشريع الذي يتم صياغته وإصداره لاحتواء الصراعات الاجتماعية وحسمها، على” حد قول “شامبليس W.J. Chamblis”. كما أن بعضها تناوله من زاوية أهمية صنع القانون كمسألة أبستمولوجية ترشد القانون وتقوي دوره في الحياة العامة كما ظهر في تحليلات “بودجورتسكي Podgorecki”، و”رومان توماسكي R. Tomasic” الذي اعتبر صنع القانون والتشريع من الأدوات التي تخدم وتنفذ الأهداف المختلفة لما يسمى بالهندسة الاجتماعية (36).
وما سبق يعكس تنامي الاهتمام السوسيولوجي بدور عملية صنع القانون في التنمية القانونية، وقد ازداد هذا الاهتمام في الوقت الحاضر في ظل النمو المتزايد للقوانين التي تصدر سواء على المستوى المحلي أو الدولي، وبالتالي اتجهت الدراسات السوسيولوجية المعاصرة نحو الاهتمام بدراسة تأثير الظروف الاجتماعية والعوامل البيئية في صياغة القوانين، وتوجهات النظم التشريعية المعاصرة، والمصالح التي تحرص على تحقيقها، وكذلك الاهتمام بعمليات الإصلاح القضائي والتنمية القانونية والتشريعية، وحماية حقوق الإنسان، وحل مشكلات التدخل السياسي في السلطات القضائية، وكيفية زيادة فاعلية وكفاءة المؤسسات القضائية مثل المحاكم.
2 – قانون التظاهر والتغير الاجتماعي في المجتمع المصري:
أحاول في هذا الجزء الإجابة على تساؤل رئيسي هو: هل قانون تنظيم حق التظاهر يعبر عن التغيرات الاجتماعية الجذرية التي شهدها المجتمع المصري بعد ثورتي “25 يناير 2011، 30 يونيو 2013″؟
وفي الإجابة على هذا التساؤل نجد أن المجتمع المصري شهد العديد من التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الحاسمة بداية من منتصف القرن العشرين مع قيام ثورة 23 يوليو 1952 وإلغائها للتعددية السياسية والأحزاب، ومروراً بتطبيق سياسات الانفتاح الاقتصادي والسماح بالتعددية السياسية في المرحلة الساداتية، ووصولاً إلى تطبيق سياسات الخصخصة وتعديل انتخاب رئيس الجمهورية من نظام الاستفتاء إلى الاقتراع المباشر في فترة حكم الرئيس السابق محمد حسني مبارك.
وقد أدت سياسات الإصلاح الاقتصادي والخصخصة التي اتبعها نظام مبارك إلى ارتكاب هذا النظام العديد من الجرائم الاجتماعية في حق مصر والمصريين على مدار ثلاثين عاماً، وكان أكبر وأهم هذه الجرائم هو تخلي الدولة في عصره عن دورها الاجتماعي تجاه مواطنيها، وهي الجريمة الأم التي أفرزت العديد من الجرائم الأخرى، التي تبدأ بالإفقار المتعمد للشعب والنهب المنظم لثرواته، ولا تنتهي عند حد حرمانه من حقوقه الاقتصادية والاجتماعية، بعد حرمانه من حقوقه السياسية والقانونية، وهو ما يمثل التربة الخصبة التي نمت فيها بذور الغضب المصري لتثمر في 25 يناير 2011 ثورة أطاحت بمبارك ونظامه (37).
كما تمثل تراجع الدور الاجتماعي للدولة في قيام شرائح اجتماعية “فئوية مختلفة” في المجتمع المصري بتبني ثقافة الإضرابات والاحتجاجات بوسائلها المختلفة، للتعبير عن المطالب الحياتية الملحة والمباشرة، التي أصبحت أكثر ضرورة مع السياسات الاقتصادية التي تبنتها الحكومة المصرية، وتنامي عملية خصخصة القطاع العام والخدمات الاجتماعية مثل الصحة والتعليم، ومن هنا أصبح الإضراب أو الاحتجاج، أياً كانت صورته، خياراً متاحاً للتعبير عن مطالب من قبل المطالبة بدفع الأجور المتأخرة، أو زيادة الأجور، أو المطالبة بتثبت العمالة المؤقتة وغيرها، وبات الموظف الحكومي أو الموظف بالقطاعات الأخرى موظفاً مناضلاً” (38).
وبالتوازي مع سياسات الإفقار المتعمد المسماة بسياسات الإصلاح الاقتصادي والخصخصة راح الفساد ينتشر – في ظل نظام مبارك – بسرعة؛ ويعم كل أركان ومستويات النظام والمجتمع المصري على حد سواء، وتعين على الفئات المهمشة، في ظل هذه الأجواء، أن تبحث عن آليات أخرى، غير الأحزاب والمؤسسات الرسمية القائمة للتنفيس عن غضبها واحتجاجها (39). ولم يكن غريباً مع تنامي الفساد والإحساس بالظلم، وازدياد الفقر واتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء أن تتصاعد الأعمال الاحتجاجية على نحو ملحوظ في السنوات الخمس الأخيرة من نظام مبارك (40). وترتب على ذلك ظهور عدد كبير من الحركات والجماعات الاحتجاجية – من أهمها حركة شباب 6 أبريل، وحركة كفاية، والجمعية الوطنية للتغيير، ومجموعة كلنا خالد سعيد – التي أسهمت في طرح العديد من القضايا المرتبطة بالإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي على أجندة المجتمع المصري، وساعدت على إعادة تسييس قطاعات واسعة من المجتمع مثل العمال والشباب والفلاحين والموظفين بعد فترة طويلة من الركود (41) وأهمية طرح الحركات لهذه القضايا يتمثل في أن الهدف السياسي للثورة هدف أساسي، ولكنه لم يكن الهدف الوحيد، فإذا اقتصرت عليه أي ثورة قل أثرها وخمدت سريعاً، أما الثورة الحقة كما يرى “يوسف زيدان” فلا بد من اقتران مساراتها الثورية، ومن التوازي بينها: ثورة سياسية، ثورة اجتماعية، ثورة تعليمية، ثورة معرفية، ثورة إدارية… لأن هذه المسارات جميعاً تدفع بعضها بعضاً، وبهذا الدفع تتقدم الجمعات الإنسانية بعد ثوراتها (42).
وقد انعكس ظهور الحركات الاجتماعية الجديدة على الشخصية المصرية بصورة واضحة، وتجسد ذلك في كسر حاجز الخوف المزمن من أجهزة الأمن، مما شجع شرائح اجتماعية عديدة على الخروج عن صمتها ونبذ سلبيتها، فازداد زخم الوقفات الاحتجاجية والإضرابات التي عبرت من خلالها فئات كثيرة مهمشة عن مطالبها الفئوية أو الاجتماعية، كرفع الحد الأدنى للأجور أو تحسين ظروف العمل ومستوى الخدمات.. إلخ (43). وفي هذا الصدد يرى “على ليلة” أن أهمية هذه الحركات – بالنسبة للشخصية المصرية – يتمثل في كونها قد لعبت دوراً محورياً في تطوير وعي المثقفين والجماهير في المجتمع المصري (44).
وقد مهد كل ما سبق لحدوث التحول الأبرز على الإطلاق في النظام السياسي المصري في العقود الأخيرة، والذي تمثل في قيام ثورة 25 يناير 2011 التي أطاحت بحكم الرئيس السابق محمد حسني مبارك، وفرضت انتخاب أول رئيس مدني، وهو الدكتور محمد مرسي الذي أطاحت به الموجة الثانية من ثورة 25 يناير التي تمثلت في تظاهرات 30 يونيو، 3 يوليو 2013″.
وفي هذا الصدد يرى سعد الدين إبراهيم أن ثورة 25 يناير – وثورات الربيع العربي بصفة عامة – جاءت بسبب الاستبداد السياسي الذي مارسه نظام مبارك طوال 30 عاماً، وغياب الحريات العامة والانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان، ولأن الشباب (18 – 40) هم الكتلة السكانية الأبرز في مصر – وفي المجتمعات العربية – ولأنهم الأكثر شعوراً “بالحرمان النسبي” والأكثر قدرة على التواصل والحركة، فلم يكن مستغرباً أن يكونوا طليعة المحتجين، وضاعف من غضبهم وتحوله إلى “ثورة” استبداد حاكمهم في تجاهل مطالبهم، التي كانت “متحشمة” ومتواضعة للغاية في البداية (45).
كما يرى “أحمد زايد” أن ثورة المصريين في الخامس والعشرين من يناير 2011 جاءت بسبب مجموعة من الأسباب، يأتي في مقدمتها وهن الدولة أو ضعفها في إدارة موارد المجتمع، ونمو الحرمان وتعدد مصادره، ونمو الأفكار الثورية وتعدد مصادرها أيضاً (46).
وما سبق يثير التساؤلات حول مدى تواءم قانون تنظيم حق التظاهر مع الواقع الاجتماعي الجديد الذي فرضته ثورة 25 يناير وما تلاها من موجات ثورية؟ حيث وضعت معظم القوانين الأساسية المنظمة لحق التظاهر خلال الربع الأول من القرن الماضي (أي خلال فترة الاحتلال الإنجليزي لمصر وخلال الحرب العالمية الأولى) – ومنها القوانين رقم 10 لسنة 1914 ورقم 14 لسنة 1923 وقوانين أخرى سنة 1929 و1955 (47). – خلاصتها أن حق التظاهر في مصر مقيد وفي يد السلطة التنفيذية أو السلطات الأمنية أكثر مما هو في أيدي سلطة قضائية.
كذلك تثور التساؤلات حول مدى تناسب القانون مع التغير الكبير الذي حدث في ثقافة الإنسان المصري – خاصة فئة الشباب -؟، حيث اختفت ثقافة الخوف والسلبية والقبول بالواقع الظالم، وظهرت سمات الإيجابية والفعالية والتصميم على تغيير الواقع المحبط.
وأيضاً تثور التساؤلات حول القانون في ظل عدم تحقق الهدف “الرئيسي لثورة 25 يناير المتمثل في تغيير النظام، وتحقيق شعار ثورة 25 يناير الشهير وهو “العيش – والحرية – والعدالة الاجتماعية” لكافة فئات الشعب خاصة فئة الشباب، ولا أعتقد أن تغيراً كبيراً قد حدث حتى الآن، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي، ولا شك أن التساؤلات السابقة تشكل منطلقاً رئيسياً للدراسة الميدانية.
سادساً: الإجراءات المنهجية للدراسة:
أ –المنهج المستخدم في الدراسة: استعان الباحث بالأساليب المنهجية التالية:
- المنهج الكشفي الاستطلاعي: نظراً لحداثة الموضوع، والحاجة للحصول على بيانات مفصلة للكشف عن آراء واتجاهات شباب التيارات والقوى الثورية، وأساتذة وخبراء القانون لمدى تعبير قانون التظاهر عن الواقع الاجتماعي في المجتمع المصري بعد ثورة 25 يناير وما تلاها من موجات ثورية، وإيجابيات وسلبيات قانون التظاهر.
- المنهج المقارن: من خلال إجراء تحليل سوسيو – مقارن لنصوص قانون التظاهر المصري مقارنة بنصوص قوانين التظاهر في بعض الديمقراطيات الغربية (فرنسا – بريطانيا – الولايات المتحدة الأمريكية).
ب – أدوات جمع البيانات: اعتمدت الدراسة على مصدرين أساسيين لجمع البيانات الميدانية وهما:
- المقابلات غير المقننة Unstructured Interviewing:
تعد المقابلة غير المقننة أو المتعمقة In – Depth Interview بوصفها أداة استكشافية أسلوباً مهماً لتحديد نوعية البيانات الهامة لدراسة لاحقة، وهي تعتبر مقابلة اثنوجرافية تمكن الباحث من أن يسبر أغوار مشاعر فرد معين أو مجموعة محدودة من الأفراد تجاه قضايا أو ظواهر معينة، وأن يتعرف على اتجاهاتهم أو خبراتهم أو مواقفهم (48).
وقد قام الباحث بإجراء المقابلات غير المقننة من خلال اتباع خطواتها المنهجية (49) المتمثلة في ترجمة جميع أسئلة البحث إلى أهداف يمكن قياس مدى تحقق كل واحد منها بواسطة عدد من الأسئلة، ثم تصميم دليل مقابلة يحتوي على عدد من الأسئلة المترابطة والمتدرجة والمفتوحة النهاية بهدف الحصول على بيانات مفصلة عن موضوع الدراسة، ثم الخطوة الثالثة المتمثلة في الدراسة الأولية للتأكد من أن الدليل بما فيه من أسئلة أصبح صالحاً للتطبيق، وقد تم ذلك من خلال عرض الدليل على عدد من المحكمين من ذوي الخبرة في هذا المجال (عدد من أساتذة علم الاجتماع والقانون بالجامعات المختلفة) للتأكد من صياغة الأسئلة ودلالتها اللفظية ومدى ارتباطها وصلتها بتحقيق أهداف الدراسة. وكذلك من خلال التطبيق على عدد محدود ممن تنطبق عليهم مواصفات من ستجري عليهم المقابلة النهائية، وقد استفاد الباحث من ملاحظات المحكمين واستبعد بعض العبارات غير المرتبطة بالموضوع، وتم استخدام العبارات التي أبرزت عملية التحكيم وجود اتفاق عليها، وأخيراً تأتي الخطوة الرابعة المتمثلة في إجراء المقابلات بما تتضمنه من ضرورة سعي الباحث لتوفير جو ودي يعين كل من الباحث والمبحوث على تفهم كل منهما الآخر.
وقد تم تطبيق دليل المقابلة على عينة عمدية بالحصة بلغ حجمها 30 مفردة مقسمة بالتساوي بين عينة من أساتذة وخبراء القانون بكليات الحقوق بجامعات (طنطا، المنصورة، والإسكندرية)، وعينة من شباب التيارات والقوى الثورية المختلفة (التيار الشعبي – حركة تمرد – حركة 6 أبريل) للتعرف على موقفهم من قانون التظاهر ومدى تعبيره عن الواقع الاجتماعي في المجتمع المصري.
وقد اشتمل الدليل على ثلاثة محاور رئيسية تدور حول مظاهر التغير الاجتماعي في المجتمع المصري قبل وبعد ثورة 25 يناير وما تلاها من موجات ثورية، ومدى تواءم قانون التظاهر مع الواقع الاجتماعي بعد ثورة 25 يناير، وقانون التظاهر بين الإيجابيات والسلبيات.
2 – جماعات النقاش Group Discussions:
لجماعات النقاش أهمية كبيرة في الدراسات الكشفية تتمثل في الكشف عن معلومات وبيانات تساعد في إثراء قضايا الدراسة لذا قام الباحث بتنظيم عدد من جماعات النقاش (مجموعتين كل مجموعة مكونة من خمسة أفراد) – بعض شباب التيارات والقوى الثورية وأساتذة وخبراء القانون – لاستخلاص وتنقيح بعض الآراء حول موضوع الدراسة.
ج – مجالات الدراسة:
- المجال المكاني: تمثل المجال المكاني في هذه الدراسة في مصر بوصفها إطاراً مكانياً بنطاقه الأوسع، وفي نطاقه الأضيق تمثل في اختيار عدد من المحافظات المختلفة التي ينتمي إليها شباب التيارات والقوى الثورية، وأيضاً بالنسبة لعينة خبراء وأساتذة القانون، حيث تم اختيار عدد من أساتذة وخبراء القانون بكليات الحقوق بجامعات (طنطا، والمنصورة، والإسكندرية) – وهي تمثل محافظات الغربية والدقهلية والإسكندرية – بما يسمح بإجراء المقارنة بين رؤى مختلفة.
- المجال البشري: تمثل المجال البشري في المحافظات التي تم اختيار العينة منها:
- نوع العينة:
العينة عمدية بالحصة وفقاً لمعيار نوع الخبرة (الدراسة الأكاديمية ” أساتذة وخبراء القانون” في مقابل الخبرة الميدانية” شباب التيارات والقوى الثورية”).
- كيفية اختيار العينة:
بلغ إجمالي عدد أساتذة وخبراء القانون في العينة (15) مفردة، حيث حرص الباحث على الالتزام بأسس وإجراءات العينة العمدية بالحصة من خلال اختيار حصص متساوية من الجامعات التي تم التطبيق فيها، حيث تم اختيار خمسة مفردات من أساتذة القانون من كليات الحقوق من الجامعات المختارة (طنطا، والمنصورة، والإسكندرية) – حسب الرغبة في المشاركة في البحث -، و(15) مفردات من شباب التيارات والقوي الثورية المختلفة بواقع (5) مفردة من كل تيار (التيار الشعبي – حركة تمرد – حركة 6 أبريل).
- المجال الزماني: استغرقت الدراسة الميدانية شهرين متواصلين هما: يناير وفبراير 2014.
سابعاً: قانون التظاهر المصري: تحليل سوسيو– مقارن:
حاولت من خلال هذا الجزء إجراء تحليل سوسيو – مقارن لنصوص قانون التظاهر المصري مقارنة بنصوص قوانين التظاهر في عدد من ديمقراطيات العالم الغربي (فرنسا – بريطانيا – الولايات المتحدة الأمريكية) للوقوف على مدى تتبع المشرع المصري في تنظيمه لحق التجمع والتظاهر السلمي لمبادئ قوانين التظاهر بالديمقراطيات الغربية.
ولتحقيق هذا الهدف سنتناول أهم ما ورد من بنود في قوانين التظاهر والتجمع السلمي في عدد من ديمقراطيات العالم الغربي، مع التركيز على ما يتعلق بالقيود المفروضة على حق التظاهر والتجمع السلمي بشكل عام – وبالتحديد إجراءات التنظيم والإخطار والعقوبات المفروضة -، ثم بعد ذلك نحاول القيام بتحليل سوسيو – مقارن لنصوص قانون التظاهر المصري بالمقارنة مع نصوص قوانين التظاهر بهذه الديمقراطيات.
- قوانين التظاهر في بعض ديمقراطيات العالم الغربي:
فرنسا:
نظم القانون الفرنسي الحق في التظاهر السلمي في إطار حرية التعبير المكفولة دستورياً، حيث نظم ذلك الحق المرسوم بقانون الصادر بتاريخ 23 / 10 للعام 1935 وأسماه ” بالتجمع في مكان عام”، وتنص المادة الأولى من هذا المرسوم على أن “كل موكب أو جمهرة أو تجمع من الأشخاص، وبشكل عام كل مظاهرة في الأماكن العامة تخضع للالتزام بالتصريح المسبق”. أما المادة الثانية فقد حددت الجهة المختصة باستلام طلب التصريح وهي البلدية الكائنة بمكان المظاهرة، فيجب أن يقدم طلب التصريح إلى هذه الجهة، على الأقل خلال الثلاثة أيام، وعلى الأكثر خلال الخمسة عشر يوماً السابقة على موعد المظاهرة، ويجب أن يتضمن طلب التصريح كافة التفاصيل المتعلقة بالتظاهرة مثل أسماء ومحال إقامة المنظمين للمظاهرة، إضافة إلى توقيعات ثلاثة منهم على الأقل، ويجب أن يشير كذلك إلى الهدف من المظاهرة والمكان والتاريخ والساعة المحددة للتجمع، والسلطة المستلمة تمنح أصحابه على الفور إيصالاً بالاستلام (50).
وفيما يتعلق بإمكانية إلغاء المظاهرة، فوفقاً للمادة الثالثة “إذا قدر رئيس الشرطة أن المظاهرة المخطط لها ذات طبيعة خطرة على النظام العام يستطيع أن يأمر بمنعها عن طريق خطاب كتابي يرسل إلى محل إقامة الموقعين على التصريح، ورئيس البلدية يحول خلال 24 ساعة التصريح وصورة من قرار المنع لرئيس المتصرفية الذي يستطيع في هذه الحالة أن يعتمد القرار أو يلغيه”، وفيما يتعلق بالعقوبة المقررة لمن يخالف هذه القواعد فقد نصت المادة 431 – 9 من قانون العقوبات على أنه “يعاقب بالحبس لستة أشهر وغرامة 7500 يورو كل تنظيم لمظاهرة غير مصرح بها أو مصرح بها، ولكن على نحو غير دقيق أو ممنوعة” (51)، وكذلك المادة 431 – 10 من نفس القانون جرمت المساهمة في كل مظاهرة مع حمل السلاح، وعاقبت المتظاهر على هذا النحو بالحبس لثلاث سنوات وغرامة 45000 يورو، كما أجاز القانون استخدام السلاح الناري في فض التظاهرة من خلال المادة 431 –3عبر تصريح صادر من السلطة المختصة بعد الحضور إلى مكان التظاهرة عينها، وتتكون من رئيس البلدية أو نائبه ورئيس مركز الشرطة، وأمر تجمع الدرك الإقليمي وضابط مباحث وشرطي بمنصب رئيس دائرة، ويقررون جميعهم ذلك بعد التشاور، وبعد إطلاق تحذيرات مسبقة ومتكررة (52).
2 – بريطانيا:
حدد القانون البريطاني التظاهر في أنه تجمع 20 شخص أو أكثر في الهواء الطلق مباشرة”، وحدد المكان العام بأي طريق رئيسي أو أي طريق في حدود قانون الطرق، حيث يكون للجمهور حرية الدخول في منطقة محددة، ويتم الإخطار بكافة تفاصيل التظاهرة – تاريخ وزمن المظاهرة، المسار الذي ستسلكه المظاهرة، أسماء وعناوين منظمي المظاهرة – قبلها بستة أيام على الأقل، وهو الحد الأدنى للإخطار عبر تصريح كتابي من السلطات، وتملك الشرطة البريطانية كامل الصلاحية للأمور التالية: تحديد أو تغيير مسار المظاهرة، ووضع أي شرط آخر بخصوص المظاهرة المنوي إقامتها، وتغيير موقع المظاهرة، وتحديد مدة المظاهرة، وتحديد عدد الأشخاص الذين يمكن حضورهم، ومنع أي تظاهر أو مظاهرة من شأنها أن تؤدي إلى غلق شارع أو إلى عرقلة حركة المرور على الطرق العامة أو الممرات الخاصة (53).
ويحظر القانون التظاهر نهائياً حول المنشآت والممتلكات أو تعطيل الحياة العامة أو أي مخاطر تضر بالسلامة الشخصية أو إعاقة البرلمان، مع حظر مكبرات الصوت أو الأبواق أو نصب الخيام أو أي معدات حيث من حق الشرطة القيام بمصادرتها فوراً، ووضع القانون شروط متعلقة بحجم اللافتات أو الأعلام ومستوى الضوضاء، وأي أمور يعتبرها مأمور الشرطة بالمنطقة المحددة ضرورية (54).
وفيما يتعلق بالعقوبات فيقع المتظاهرون تحت طائلة القانون الجنائي حال التظاهر بدون تصريح، أو التقصير المتعمد في الالتزام بأي شرط يتم فرضه على المتظاهرين، ويعاقب الشخص الذي ينظم احتجاجات عامة وهو على علم بحظرها أو يشارك فيها أو يحرض عليها، ويمكن لرجل الشرطة إلقاء القبض فوراً عليه بدون إذن من النيابة، أو إيقاف وتفتيش أي شخص دون أي شبهة في حدود المنطقة المحددة، على أساس الاعتقاد بإمكانية حدوث عنف أو البحث عن سلاح، وتصل العقوبات إلى السجن لمدة لا تتجاوز 3 أشهر أو غرامة مالية تصل إلى 5000 جنيه إسترليني، ومع أن قانون إصلاح الشرطة والمسئولية الاجتماعية البريطاني لعام 2011 ألغي ظاهرياً تقييد التظاهر على بعد كيلو متر من البرلمان إلا أنه أبقى حرية الخيار بيد الشرطة لتحدد المسافة المسموح للمتظاهرين سلمياً أن يقفوا فيها على بعد من البرلمان، وهذا يعني أن الشرطة بحسب اعتباراتها يمكنها أن تمنع إقامة اعتصامات على بعد كيلو متر من المباني الحكومية والبرلمان (55).
3 – الولايات المتحدة الأمريكية:
نظم القانون الفيدرالي الأمريكي التظاهر في الأماكن العامة من خلال النص على ضرورة إبلاغ الجهات المسئولة القريبة من مكان التظاهرة بإذن كتابي مسبق، ويحظر القانون نهائياً الاقتراب من كافة المؤسسات والهيئات العامة، ويمنع القانون منعاً باتاً إغلاق الشوارع، ويتم الإخطار بالتظاهرة قبل ثلاثة أيام عن طريق الاتصال تليفونياً بأقرب جهة أمنية وبالاتصال الشخصي، مع تحديد الموعد بالساعة من البداية للنهاية، ولا يسمح باستمرارها ليوم كامل أو المبيت، ويتم فضها في السادسة مساء والعودة في اليوم التالي إذا أراد المتظاهرون، ويسمح القانون باستعمال مكبرات الصوت ورفع الشعارات واللوحات عدا الممنوعة قانوناً بعد الحصول على تصريح خاص، وحتى الساعة السادسة، مع تعهد المنظمون بتنظيف المكان واتباع قواعد المرور سيراً أو عند امتلاك سيارة، ويحظر القانون الكتابة نهائياً على جدران المنازل أو السيارات ويسمح بالملصقات في أماكن محددة فقط (56).
ويعطي القانون الحق للشرطة في فض التظاهرة إذا ما حدثت أعمال شغب حفاظاً على الأرواح، ويتم إلقاء القبض على المشاغبين إذا ما استعمل العنف اليدوي، بالإضافة إلى تحرير مخالفات كتابية لأي خروج عن القواعد واعتقال مرتكبيها حال الاعتداء على أي منشأة، ولا يسمح بدخول المتظاهرين إذا زاد العدد عن طاقة المكان وفق رؤية الشرطة، كما جرم القانون 18 المعدل في 2011 كل المتظاهرين حال قيامهم باختراق المباني الحكومية، أو وجودهم في منطقة بها مسؤولون حكوميون عن علم أو غير علم، وهذا يستدعي الاعتقال الفوري وفقاً لتحديث القانون القديم – الذي سن في 1971 وتم تعديله في 2006 – القسم رقم 1752 من الباب 18، ومع التعديل الجديد يمكن توقيف أي شخص يتواجد في تلك الأماكن، بالتزامن مع وجود مظاهرة أو حركة احتجاجية ما (57).
ومما سبق يمكن القول إن المشرع في الديمقراطيات الغربية انطلق من رؤية تقوم على مبادئ أساسية هي:
- الحق في التظاهر والخروج في مسيرات سلمية هو أحد الحقوق الأساسية في كل نظام ديمقراطي موجود في العالم، كما أن التظاهر على خلفية سياسية أو اجتماعية هو تعبير عن استقلالية الإرادة الفردية وحرية الفرد في الاختيار أو الرفض، وهي المشمولة في إطار كرامة الإنسان كحق دستوري.
- حرية التعبير وحرية التظاهر غير مطلقة ويمكن تقييدها في ظروف استثنائية مثل: منع وقوع أي خطر وتقليل حجمه، والعمل ضد مثيري الشغب، والحفاظ على أمن وسلامة الجمهور، وهذه الشروط تهدف إلى ضمان ممارسة حرية التعبير.
- في حالة التظاهر يجب إجراء موازنة بين رغبة أفراد المجتمع في التعبير عن معتقداتهم وأفكارهم عبر التجمع والتظاهر السلمي، وبين الحفاظ على سلامة الأفراد وممتلكاتهم، والحفاظ على النظام والأمن العام، فلا وجود للحرية بدون نظام وحرية التجمع والتظاهر لا تعني التنصل من أي نظام عام أو حرية إثارة الشغب.
والتساؤل الذي يفرض نفسه الآن: هل انطلق المشرع المصري في تنظيمه لحق التجمع والتظاهر السلمي من نفس المبادئ السابقة؟ هذا ما ستحاول الدراسة الإجابة عليه في الجزء التالي:
ب – قانون التظاهر المصري: تحليل سوسيو – مقارن:
فيما يلي نتناول نصوص القرار بقانون رقم 107 لسنة 2013 (58) بتنظيم الحق في الاجتماعات العامة والمواكب والتظاهرات السلمية بالتحليل السوسيو – مقارن لمناقشة ما يعكسه هذا القانون من توجهات ومصالح تشريعية.
بداية، يتشكل القانون من 25 مادة موزعة على أربعة فصول، ويختص الفصل الأول المتضمن سبع مواد بالأحكام العامة والتعريفات، والثاني بالإجراءات والضوابط التنظيمية بالتجمعات العامة والمظاهرات، والباب الثالث بالعقوبات، والرابع مكون من ثلاث مواد خاصة بالأحكام الإجرائية.
الفصل الأول “الأحكام العامة والتعريفات“ ويضم:
المادة الأولى تنص على “حق المواطنين في تنظيم الاجتماعات العامة والمواكب والتظاهرات السلمية والانضمام إليها، وذلك وفقاً للأحكام والضوابط المنصوص عليها في هذا القانون”.
ويعد تأكيد حق المواطنين في تنظيم الاجتماعات العامة والمواكب والمظاهرات من إيجابيات القانون، ومواكبة للواقع الاجتماعي بعد ثورة 25 يناير وما تلاها من موجات ثورية.
أما المادة الثانية فتتناول تعريف الاجتماع العام والاجتماعات الانتخابية، حيث عرفت الاجتماع العام بأنه “كل تجمع يقام في مكان أو محل عام يدخله أو يستطيع دخوله أشخاص دون دعوة شخصية مسبقة لا يقل عددهم عن عشرة أشخاص لمناقشة أو تبادل الآراء حول موضوع ذي طابع عام. ويعتبر من الاجتماعات العامة في تطبيق أحكام هذا القانون الاجتماعات الانتخابية التي يتوافر فيها عدد من الشروط هي أن يكون الغرض منها اختيار مرشح أو مرشحين لعضوية المجالس النيابية أو سماع برامجهم الانتخابية، وأن يكون قاصراً على الناخبين وعلى المرشحين أو وكلائهم، وأن يكون الاجتماع في الفترة المقررة للدعاية الانتخابية”.
وتعد هذه المادة مثالاً على عدم التحديد والوضوح في عبارات القانون بعكس ما هو مفترض أن يحدث في صياغة عبارات أي قانون، فجاء تعريف الاجتماع العام واسعاً فضفاضاً، فمن الممكن وفقاً لهذا التعريف اعتبار تجمع عشرة أفراد لمناقشة موضوع ما في الشارع أو في المواصلات أو الحدائق العامة اجتماعاً عاماً، ومن ثم يخضع هؤلاء الأفراد لبنود هذا القانون، بما يعني فتح المجال أمام التعسف والتسلط في تفسير بنود القانون من قبل جهات الأمن.
والمادة الثالثة تختص بتعريف الموكب ” الموكب هو كل مسيرة لأشخاص في مكان أو طريق أو ميدان عام يزيد عددهم على عشرة للتعبير سلمياً عن آراء أو أغراض غير سياسية”.
والرابعة بتعريف التظاهرة ” هي كل تجمع لأشخاص يقام في مكان عام أو يسير في الطرق والميادين العامة يزيد عددهم عن عشرة، للتعبير سلمياً عن آرائهم أو مطالبهم أو احتجاجاتهم السياسية”.
أما المادة الخامسة فهي تشير إلى “حظر الاجتماع لأغراض سياسية في أماكن العبادة أو في ساحاتها أو ملحقاتها، كما يحظر تسيير المواكب منها وإليها أو التظاهر فيها”.
وتعد هذه المادة أيضاً من إيجابيات هذا القانون، خاصة بعد ما عانى منه المجتمع المصري في الفترة السابقة من استخدام مكثف لأماكن العبادة المقدسة في تحقيق الأهداف السياسية التي لا تخلو من الانتهازية، والأمثلة على ذلك كثيرة ومنها الاستفتاء على دستور 2012 – “نعم” تؤدي لدخول الجنة و”لا” تدفع الفرد للنار، والانتخابات البرلمانية والرئاسية وغير ذلك -.
والمادة السادسة “يحظر على المشاركين في الاجتماعات العامة أو المواكب أو التظاهرات حمل أية أسلحة أو ذخائر أو مفرقعات أو ألعاب نارية أو مواد حارقة أو غير ذلك من الأدوات أو المواد التي تعرض الأفراد أو المنشآت أو الممتلكات للضرر أو الخطر، كما يحظر عليهم ارتداء الأقنعة أو الأغطية لإخفاء ملامح الوجه بقصد ارتكاب أي من تلك الأفعال”.
ويعد حظر حمل الأسلحة من إيجابيات القانون، حيث يشكل عنصراً مهماً لحفظ أمن المجتمع والمتظاهرين السلميين معاً، خاصة بعد ما انتشر من مواجهات عنيفة ودموية في المظاهرات ناتجة عن حمل الأسلحة، وتبادل إلقاء التهم بين المتظاهرين والأمن عن المتسبب في ذلك. ولكن ما يؤخذ على هذه المادة أنها تمثل قيداً على حرية الملبس وحرية المعتقد الديني – على سبيل المثال قد تؤول على أنها تحظر النقاب ومن ثم تصطدم مع من يرى أن نقاب النساء المسلمات فرض -، ولم توضح نصوص القانون ما هي الضوابط التي تضمن عدم تعسف أجهزة الأمن في تطبيق هذا النص؟، وكيف يمكن لهذه الأجهزة التمييز بين من يرتدي قناعاً أو غطاء بقصد ارتكاب جريمة من عدمه؟
والمادة السابعة تحظر على المشاركين في الاجتماعات العامة أو المواكب أو التظاهرات الإخلال بالأمن أو النظام العام أو تعطيل الإنتاج أو الدعوة إليه أو تعطيل مصالح المواطنين أو إيذاءهم أو تعريضهم للخطر أو الحيلولة دون ممارستهم لحقوقهم وأعمالهم أو التأثير في سير العدالة أو المرافق العامة أو قطع الطرق أو المواصلات أو النقل البري أو المائي أو الجوي أو تعطيل حركة المرور أو الاعتداء على الأرواح أو الممتلكات العامة أو الخاصة أو تعريضها للخطر.
وتعد هذه المادة أيضاً من المواد التي تتسم بعدم التحديد والوضوح حيث اشتملت على مفاهيم وعبارات مطاطة وواسعة كالأمن العام والنظام العام، وهما من المفاهيم سيئة السمعة التي يمكن تفسيرها بأكثر من معنى حسب ما تريده السلطة الحاكمة، ومن ثم يمكن لها استخدام هذه المادة للتنكيل بالمعارضين لسياساتها، كما أن النص في ذات المادة على حظر المظاهرات التي تعطل الإنتاج يمثل قيداً على الاحتجاجات الفئوية والعمالية، ويتعارض مع حقوق العمال والأفراد المكفولة دستورياً، وأيضاً وفقاً لنص المادة يعد الاعتصام هو الآخر محرماً، حتى ولو لم يذكر ذلك التحريم صراحة، نظراً لإمكانية تفسيره على أنه يعطل مصالح المواطنين أو يؤثر في المرافق العامة أو الطرق.
الفصل الثاني “الضوابط التنظيمية للاجتماعات“ ويضم:
المادة الثامنة للإخطار “يجب على من يريد تنظيم اجتماع عام أو تسيير موكب أو تظاهرة أن يخطر كتابة بذلك قسم أو مركز الشرطة الذي يقع بدائرته مكان الاجتماع العام أو مكان بدء سير الموكب أو التظاهرة، ويتم الإخطار قبل بدء الاجتماع العام أو الموكب أو التظاهرة بثلاثة أيام عمل على الأقل وبحد أقصى خمسة عشر يوماً، وتقصر هذه المدة إلى أربع وعشرين ساعة إذا كان الاجتماع انتخابياً، على أن يتم تسليم الإخطار باليد أو بموجب إنذار على يد محضر، ويجب أن يتضمن الإخطار البيانات أو المعلومات الخاصة بمكان الاجتماع العام أو مكان وخط سير الموكب أو التظاهرة، وميعاد بدء وانتهاء الاجتماع العام أو الموكب أو التظاهرة، وموضوع الاجتماع العام أو الموكب أو التظاهرة، والغرض منها، والمطالب والشعارات التي يرفعها المشاركون في أي منها، وأسماء الأفراد أو الجهة المنظمة للاجتماع العام أو المواكب أو التظاهرة وصفاتهم ومحل إقامتهم ووسائل الاتصال بهم”.
ويحمل النص على وجوب إخطار المتظاهرين لقسم الشرطة الذي يقع بدائرة التظاهر أو الاجتماع أو الموكب، عن التظاهرة بمدة لا تقل عن 3 أيام – على الرغم من تماثل ذلك مع القانون الفرنسي والأمريكي – شيئاً من التعسف، حيث لم يستثن القانون بعض الحالات من شرط الإخطار كالتظاهرات أو التجمعات العفوية مما يتعارض بشدة مع رغبة القوى السياسية في تنظيم مظاهرات بوصفها رد فعل لبعض الأحداث الطارئة، خاصة أن هناك بعض الحالات الاستثنائية مثل رفض البعض لقانون التظاهر ذاته، فكيف للرافضين للقانون أن يتقدموا بالإخطار – والذي يعد من وجهة نظرهم قبولاً بالقانون – وهو ما حدث بالفعل في تظاهرات رافضي القانون من شباب الثورة أمام مجلس الشوري عقب إصدار القانون، مما ترتب عليه قيام وزارة الداخلية بالقبض على عدد من شباب القوى الثورية لخرقهم القانون، وأوجد ذلك نوعاً من العداء الشديد بين النشطاء السياسيين ووزارة الداخلية، خاصة بعد صدور أحكام مشددة بحق هؤلاء الشباب. وأيضاً زاد العداء بعد عدم تطبيق الداخلية لنفس المادة في حالة التجمعات المؤيدة للنظام الحاكم أو التي تحاصر كل من ينتقد سياسات هذا النظام “حصار سينما ومسرح راديو لمنع تصوير برنامج الإعلامي الساخر باسم يوسف مثلاً”، كما يثور التساؤل عن ضرورة شرط الإخطار إذا ما طبقنا ذلك على التظاهرات السلمية التي خرجت في الثلاثين من يونيو 2013 على سبيل المثال دون إخطار أو إذن من السلطة المصرية التي كانت وقتها شرعية على الورق الرسمي للدولة عبر صناديق الاقتراع، قبل أن تفقد شرعيتها مع رفض الملايين لاستمرارها في السلطة.
كما أنه من الممكن أن تتحايل الشرطة على استلام الإخطار في بعض الحالات التي لا تتفق مع مصالحها، كالتظاهرات الرافضة لوزير الداخلية أو المطالبة بإقالته على سبيل المثال، ولم يوضح القانون ما هي الضوابط والعقوبات التي تضمن عدم مماطلة قسم الشرطة في استلام الإخطار الذي يرسله منظمو الاجتماع العام أو المظاهرة، وأيضاً هناك تقييد كبير على المتظاهرين من خلال الأمور التي يجب أن يتضمنها الإخطار، لاسيما تحديد موعد بدء وانتهاء المظاهرة، وشعارات المظاهرة، وأسماء الأفراد أو الجهة المنظمة للاجتماع العام أو المواكب أو التظاهرة وصفاتهم ومحل إقامتهم ووسائل الاتصال بهم، وفي هذا تجاهل للشعارات التلقائية التي قد تأتي بشكل عفوي أثناء التظاهرة، وتجاهل لإمكانية انضمام عدد من المتظاهرين للتظاهرة أثناء حدوثها، وبشكل عام تشكل هذه الشروط الإدارية مجموعة من القيود التي تحد من فعالية المظاهرات التي تقوم في الأساس للضغط على الحكومات للانصياع إلى مطالبها، مما يعكس بالأساس سعي الحكومة إلى تفريغ الحق في التظاهر السلمي من مضمونه الأساسي، وهو القدرة في التأثير على صانعي القرار فيما يتعلق بمطالب المتظاهرين.
والمادة التاسعة تتناول شأناً تنظيمياً حيث تنص على أنه “يصدر وزير الداخلية قراراً بتشكيل لجنة دائمة في كل محافظة برئاسة مدير الأمن بها، تكون مهمتها وضوح الإجراءات والتدابير بتأمين الاجتماعات العامة والتظاهرات وسبل التعامل معها في حال خروجها عن السلمية، وفقاً لأحكام هذا القانون”.
وتحمل هذه المادة اقتراباً كبيراً في الإجراءات التنظيمية من الديمقراطيات الغربية على الرغم مما يمكن أن يؤخذ على صياغتها، حيث لم تقدم المادة ضمانات حقيقية لتأمين وحماية المتظاهرين، ولم يحدد فيها من المسئول عن مراقبة عمل تلك اللجنة؟” ومن الذي يحاسب هذه اللجنة في حال إفراطها في استخدام القوة أو عدم تأمينها للمظاهرات بالإجراءات والتدابير المناسبة؟ هل وزير الداخلية أم الأجهزة القضائية؟
وتتعلق المادة العاشرة بجواز منع التظاهرة أو التظلم، فتنص على أنه “يجوز لوزير الداخلية أو المختصين عند وجود معلومات أو دلائل على تهديد الأمن والسلم أن يصدر قراراً بإرجائها أو تغيير مسارها، على أن يبلغ مقدمي الإخطار قبل الميعاد بأربع وعشرين ساعة على الأقل مع عدم الإخلال بالاختصاص الخاص بمحكمة القضاء الإداري، ويجوز لمقدمي الإخطار التظلم إلى قاضي الأمور الوقتية بالمحكمة الابتدائية الخاصة على أن يصدر قراره على وجه السرعة”.
وتعطي هذه المادة – على الرغم من تشابهها مع نصوص قوانين التظاهر في الديمقراطيات الغربية – سلطات واسعة لوزير الداخلية في إلغاء أو نقل أو إرجاء التجمعات السلمية في حال توافر معلومات جدية أو دلائل عن وجود ما يهدد الأمن والسلم، وهي عبارات مطاطة وغير محددة خاصة في ظل عدم تحديد مدة للفصل في تظلم الأفراد من قرار الوزير أمام قاضي أحكام الأمور الوقتية – الاكتفاء فقط بعبارة على وجه السرعة -.
والمادة الحادية عشرة تنص على أنه ” تتولى قوات الأمن في إطار الإجراءات والتدابير وطرق التعامل التي تضعها اللجنة المنصوص عليها في المادة التاسعة اتخاذ ما يلزم من إجراءات وتدابير لتأمين الاجتماع العام أو الموكب أو التظاهرة المخطر عنها، والحفاظ على سلامة المشاركين فيها، وعلى الأرواح والممتلكات العامة والخاصة، دون أن يترتب على ذلك إعاقة الغرض منها، وإذا صدر خلال الاجتماع العام أو التظاهرة أي فعل من المشاركين فيها يشكل جريمة يعاقب عليها القانون أو خروج عن الطابع السلمي للتعبير عن الرأي يكون لقوات الأمن بالزي الرسمي، وبناء على أمر من القائد الميداني المختص فض الاجتماع العام أو تفريق الموكب أو التظاهرة، والقبض على المتهمين بارتكاب الجريمة. ويجوز لمدير الأمن المختص مكانياً قبل الفض أو التفريق أو القبض أن يطلب من قاضي الأمور الوقتية بالمحكمة الابتدائية المختصة ندب من يراه، لإثبات الحالة غير السلمية للاجتماع العام أو الموكب أو التظاهرة، ويصدر القاضي أمره على وجه السرعة”.
ووفقاً لنص هذه المادة فإن للأجهزة الأمنية – وتحديداً الضابط الميداني – سلطات تقديرية واسعة في تحديد الحالات المخالفة التي يعاقب عليها القانون، وحالات خروج المظاهرات عن الطابع السلمي، دون الوضع في الاعتبار الواقع الفعلي للتظاهرات – احتمالية دخول مندسين إلى داخل التظاهرات السلمية لإفشال أهدافها خاصة انتقاد السلطة الحاكمة -، مع ملاحظة أن المادة اكتفت بالإشارة إلى أنه يجوز، وليس يجب – والفرق كبير بينهما – لمدير الأمن المختص مكانياً، قبل الفض أو التفريق أو القبض، أن يطلب من قاضي الأمور الوقتية بالمحكمة الابتدائية المختصة ندب من يراه، لإثبات الحالة غير السلمية للاجتماع العام أو الموكب أو التظاهرة، ويصدر القاضي أمره على وجه السرعة – نفس العبارة الغير محددة في المادة السابقة -. وأيضاً هناك نوع من التطرف والمغالاة في النص على تطبيق مبدأ العقاب الجماعي – الذي اشتهر بتطبيقه على الجنود والسجناء – بما يتنافى مع أبسط حقوق الإنسان، وإعطاء الأجهزة الأمنية الغطاء الشرعي لاستخدام العنف من أجل فض التظاهرات.
والمادة الثانية عشرة تختص بالتعامل الأمني المتدرج في حالة فصل الاجتماع، فتنص على أنه “تلتزم قوات الأمن في الحالات التي يجيز فيها القانون فض أو تفريق الاجتماع العام أو الموكب أو التظاهرة في أن تقوم بذلك وفقاً للوسائل والمراحل الآتية: أولاً: مطالبة المشاركين في الاجتماع العام أو الموكب أو التظاهرة بالانصراف الطوعي بتوجيه إنذارات شفهية متكررة وبصوت مسموع، بفض الاجتماع العام أو الموكب أو التظاهرة متضمنة تحديد وتأمين الطرق التي يسلكها المشاركون لدى انصرافهم. ثانياً: في حالة عدم استجابة المشاركين في الاجتماع العام أو الموكب أو التظاهرة للإنذارات بالانصراف تقوم قوات الأمن بتفريقهم وفقاً للتدرج الآتي: استخدام خراطيم المياه، ثم الغازات المسيلة للدموع، وأخيراً استخدام الهراوات”.
وعلى الرغم من إيجابية التعامل الأمني المتدرج في حالة فض وتفريق التظاهرة، فإن نص المادة لم يضع قيوداً على استخدام القوة المفرطة ضد المتظاهرين، فرغم أن القانون وضع خطوات تدريجية لفض وتفريق التظاهرات في حالة خروجها عن الإطار السلمي، إلا أنه لم يضع قيوداً تحد من الإفراط في استخدامها، فعلى سبيل المثال كان من الممكن أن يضع إطاراً زمنياً لكل وسيلة من وسائل فض التجمع، فمثلاً يتم توجيه إنذارات شفهية لمدة ساعة بحيث يكون جميع المتظاهرين على علم بها، لا سيما المظاهرات التي تحتوي على أعداد كبيرة من خلال استخدام مكبرات الصوت، أو إذاعة التحذيرات في أكثر من مكان إذا كانت المظاهرة في أماكن وشوارع متفرقة، يليها استخدام خراطيم المياه، وبعد مدة معينة استخدام الغازات المسيلة للدموع، وأخيراً استخدام الهراوات، ولكن في حدود معينة.
وتنص المادة الثالثة عشرة على أنه “في حالة عدم جدوى الوسائل المبينة في المادة السابقة في فض وتفريق المشاركين في الاجتماع العام أو الموكب أو التظاهرة أو قيامهم بأعمال العنف أو التخريب أو الإتلاف للممتلكات العامة أو الخاصة، أو التعدي على الأشخاص أو القوات، تقوم قوات الأمن بالتدرج في استخدام القوة على النحو الآتي: استخدام الطلقات التحذيرية، ثم استخدام قنابل الصوت أو قنابل الدخان، ثم استخدام طلقات الخرطوش المطاطي، وأخيراً استخدام طلقات الخرطوش غير المطاطي، وفي حالة لجوء المشاركين في الاجتماع العام أو الموكب أو التظاهرة لاستعمال الأسلحة النارية بما ينشأ معه توافر حق الدفاع الشرعي، يتم التعامل معهم برد الاعتداء بوسائل تتناسب مع قدر الخطر المحدق بالنفس أو المال أو الممتلكات”.
ووفقاً لنص المادة، أباح القانون الاستخدام المفرط للقوة من قبل الأجهزة الأمنية، حيث أباح استخدام الخرطوش المطاطي وغير المطاطي دون وضع قيود واضحة على استخدام تلك الوسائل التي قد تفضي إلى القتل أو الإصابة بعاهات مستديمة، كما أباح القانون للشرطة التعامل مع المتظاهرين بوسائل – لم يحددها – تتناسب مع قدر الخطر المحدق في حالة استخدام المتظاهرين للأسلحة النارية، ولا لوم على الشرطة في ذلك، ولكن كان يجب وضع عدد من القيود مثل توجيه الضرب إلى السيقان والأقدام في حالات الضرورة القصوى، والبعد عن المناطق القاتلة في جسم الإنسان.
والمادة الرابعة عشرة تنص على أنه “يحدد وزير الداخلية بقرار منه بالتنسيق مع المحافظ المختص حرماً آمناً معيناً أمام المواقع الحيوية كالمقار الرئاسية، والمجالس النيابية، ومقار المنظمات الدولية والبعثات الدبلوماسية الأجنبية، والمنشآت الحكومية والعسكرية والأمنية والرقابية، ومقار المحاكم والنيابات والمستشفيات والمطارات والمنشآت البترولية والمؤسسات التعليمية والمتاحف والأماكن الأثرية وغيرها من المرافق العامة، ويحذر على المشاركين في الاجتماع العام أو الموكب أو التظاهرة تجاوز نطاق الحرم المنصوص عليه في الفقرة السابقة”.
وتتشابه هذه المادة بشكل كبير مع ما هو موجود في نصوص الديمقراطيات الغربية، إلا أن ما يؤخذ عليها أن القانون لم يحدد مساحة حرم التظاهر أمام المرافق والمنشآت الحيوية والمهمة، وإنما ترك مسألة تقديرها لوزير الداخلية بالتنسيق مع المحافظ المختص، ولم يحدد القانون على أي أساس يتم تحديد مساحة الحرم؟ وهل سيختلف من منشأة إلى أخرى أم سيعمم؟ كما لم يقدم بديلاً في حال زيادة أعداد المتظاهرين عن الحرم المذكور؟
والمادة الخامسة عشرة تمنع التظاهر دون إخطار في أماكن محددة سلفاً فيصدر المحافظ المختص قراراً بتحديد منطقة كافية داخل المحافظة تباح فيها الاجتماعات العامة أو المواكب أو التظاهرات السلمية للتعبير السلمي فيها عن الرأي دون التقيد بالإخطار”.
وعلى الرغم من أن القانون يتيح للمحافظ المختص تحديد منطقة كافية داخل المحافظة تباح فيها التظاهرات بدون الحاجة إلى إخطار، فإن القانون تغافل عن أمور مهمة، فلم يحدد الأسس التي يتم على أساسها تحديد المنطقة الكافية التي تباح فيها التظاهرات؟ هل يتم التحديد وفق عدد المتظاهرين، وفي حالة زيادة عدد المتظاهرين عن مساحة المنطقة المخصصة لذلك فما هو الحل؟، وبالإضافة إلى ذلك فإن القانون يبدو بعيداً عن واقع التظاهرات الفعلي في مصر حالياً، والتي تخرج بشكل غير محدد المسار غالباً، كما تخرج في كثير من الأحيان من مناطق مختلفة وفي توقيتات مختلفة.
الفصل الثالث “العقوبات“ ويضم:
المادة السادسة عشر “مع عدم الإخلال بأية عقوبة أشد في قانون العقوبات أو في أي قانون آخر يعاقب على الأفعال المنصوص عليها في المواد التالية بالعقوبات المقررة لها”.
المادة السابعة عشرة تتعلق بالعقوبات بإحراز السلاح وتنص بـ “يعاقب بالسجن المشدد مدة لا تقل عن سبع سنين وبالغرامة التي لا تقل عن مائة ألف جنيه ولا تجاوز ثلاثمائة ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين لكل من حاز أو أحرز سلاحاً أو مفرقعات أو ذخائر أو مواد حارقة أو مواد نارية أثناء مشاركته في الاجتماع العام أو الموكب أو التظاهرة”.
والمادة الثامنة عشر تنص على أنه “يعاقب بالسجن أو بالغرامة التي لا تقل عن مائة ألف جنيه ولا تجاوز مائتي ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من عرض أو حصل على مبالغ نقدية أو أية منفعة لتنظيم اجتماعات عامة أو تظاهرات بقصد ارتكاب أي من الأفعال المنصوص عليها في المادة السابعة من هذا القانون، أو توسط في ذلك، ويعاقب بالعقوبة ذاتها كل من حرض على ارتكاب الجريمة حتى ولو لم تقع”.
والمادة التاسعة عشر تنص على أنه “يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تجاوز خمس سنين وبالغرامة التي لا تقل عن خمسين ألف جنيه ولا تجاوز مائة ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من خالف الحظر المنصوص عليه في المادة السابعة من هذا القانون”.
والمادة العشرون تنص على أنه “يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة والغرامة التي لا تقل عن ثلاثين ألف جنيه ولا تجاوز خمسين ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من ارتدى أقنعة أو أغطية لإخفاء ملامح الوجه بقصد ارتكاب جريمة أثناء الاجتماع العام أو الموكب أو التظاهرة، أو كل من خالف الحظر المنصوص عليه في المادتين الخامسة والرابعة عشر من هذا القانون”.
المادة الحادية والعشرون تنص أنه “يعاقب بالغرامة التي لا تقل عن عشرة آلاف جنيه ولا تجاوز ثلاثين ألف جنيه كل من قام بتنظيم اجتماع عام أو موكب أو تظاهرة دون الإخطار المنصوص عليه في المادة الثامنة من هذا القانون”.
والمادة الثانية والعشرون: “مع عدم الإخلال بحقوق الغير حسني النية تقضي المحكمة في جميع الأحوال بمصادرة المواد أو الأدوات أو الأموال المستخدمة في إحدى الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون”.
وما يؤخذ على المواد السابقة المختصة بالعقوبات هو التوسع في تغليظ وتعميم العقاب في تجاهل لمبدأ مهم من المبادئ التشريعية وهو التناسب بين العقوبة والجريمة، وعلى سبيل المثال المادة الحادية والعشرون تعمم العقاب على التظاهرات أو المواكب أو الاجتماعات العامة التي تقام بدون شرط إخطار، دون أن تستثنى من ذلك المظاهرات المباحة التي لا تحتاج إلى إخطار والواردة في المادة (15) من القانون، وكذلك معاقبة من يتجاوز الحرم المحدد للتظاهرة بالسجن مدة لا تزيد على سنة والغرامة التي لا تقل عن ثلاثين ألف جنيه ولا تجاوز خمسين ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين، دون أن يقدم بديلاً في حال زيادة أعداد المتظاهرين عن الحرم المذكور، كما أن تغليظ العقوبة – لتصل إلى الحبس مدة قد تصل إلى خمس سنين، وبالغرامة التي قد تصل إلى مائة ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين” المادة 19″ – في حالة المظاهرات التي تعطل الإنتاج يعد تشدداً في غير محله في وجه فئات عمالية فقيرة يعد التظاهر السلمي وسيلتها الوحيدة للحصول على حقوقها المشروعة.
الفصل الرابع “الأحكام الإجرائية“ ويضم:
المادة الثالثة والعشرون: “يلغي القانون رقم 14 لسنة 1923 والمنصوص عليه في ديباجة هذا القرار بقانون، ويلغي كل ما يخالف هذا القانون من أحكام”.
المادة الرابعة والعشرون: “يصدر مجلس الوزراء القرارات اللازمة لتنفيذ أحكام هذا القانون”.
المادة الخامسة والعشرون: “ينشر هذا القرار بقانون في الجريدة الرسمية ويعمل به اعتباراً من اليوم التالي لنشره”.
تعقيب
مما سبق يمكن الإجابة على التساؤل الذي فرض نفسه في نهاية الجزء السابق الخاص بقوانين التظاهر في عدد من الديمقراطيات الغربية ألا وهو: هل انطلق المشرع المصري في تنظيمه لحق التجمع والتظاهر السلمي من نفس مبادئ هذه الديمقراطيات؟ وبداية، فعلى الرغم من أن القانون ظاهرياً ينطلق من نفس المبادئ التي تنص على كون الحق في التظاهر والخروج في مسيرات سلمية هو أحد الحقوق الأساسية في كل نظام ديمقراطي، وأن حرية التعبير وحرية التظاهر غير مطلقة، فإن نصوص القانون لم تعكس هذا التوجه؛ إذ تضمن العديد من الملاحظات والعيوب الجوهرية التي تؤثر بشكل كبير في حق الأفراد في التجمع السلمي، وصولاً إلى تفريغ هذا الحق من مضمونه، عبر اشتراطات صعبة، وقيود تبدو تعجيزية في كثير من الأحيان، مع منح الأجهزة الأمنية سلطات تقديرية واسعة في تطبيق مواد القانون، من دون وجود قيود رقابية أو محاسبية على أدائها في هذا السياق، فهي الخصم والحكم في آن واحد. وعلى سبيل المثال استخدام عبارات مطاطة وفضفاضة مثل الأمن العام والنظام العام وغير ذلك من المفاهيم سيئة السمعة التي كان من المفترض عدم العودة لاستخدامها مرة أخرى بعد الواقع الاجتماعي الجديد الذي فرضته ثورة 25 يناير. وأيضاً كان من المثير للتعجب النص في القانون على حظر المظاهرات العمالية من خلال استخدام مصطلحات تخضع للتأويل – مثل حظر المظاهرات التي تعطل الإنتاج أو تعطل مصالح المواطنين بما يتعارض مع أبسط حقوق العمال والأفراد -. وبالمقارنة مع الديمقراطيات الغربية نجد أنها تضع القيود على حق التظاهر في الظروف الاستثنائية – إثارة الشغب، لجوء المتظاهرين للعنف – وليس على المشاع، بل إن القانون لم يستثن بعض الحالات من شرط الإخطار كالتظاهرات أو التجمعات العفوية – تظاهرات 25 يناير 2011، 30 يونيو 2013 على سبيل المثال -.
وإذا رأى البعض أن قانون التظاهر المصري ظاهرياً يبدو أكثر ليناً قياساً بالديمقراطيات الغربية خاصة فيما يتعلق بالعقوبات فإن العبرة هنا ليست بالشكل، وإنما بالمضمون – وبمعنى آخر فالعبرة في كيفية تطبيق القوانين وليس بما يرد في النصوص من ألفاظ – فالأجهزة الأمنية في الديمقراطيات الغربية تخضع لرقابة صارمة من الأجهزة الرقابية ومنظمات حقوق الإنسان في هذه الدول، كما أن هذه الأجهزة تمتلك رصيداً كبيراً من الثقة فيها عند أفراد المجتمع بعكس ما هو موجود في مصر، فوزارة الداخلية لها تاريخ طويل من عدم الثقة في ممارساتها، بل إن ممارسات الأجهزة الأمنية التعسفية والاستبدادية كانت سبباً رئيسياً من أسباب قيام ثورة 25 يناير، لذا يعد منح وزارة الداخلية سلطات تقديرية واسعة في تطبيق مواد القانون، من دون وجود قيود رقابية أو محاسبية على أدائها ثغرة كبيرة من ثغرات قانون التظاهر بجانب الثغرات الأخرى التي سبق ذكرها.
ويتفق الطرح السابق مع ما ذهبت إليه “ثريا عبد الجواد” عما يتسم به النظام القانوني المصري عبر التاريخ من صفة أساسية لازمة، وهي صفة التفرد أو الانفراد بالسلطة، بمعنى أن القوة داخل جهاز الدولة دائماً ما تحتكر من قبل جماعة واحدة، أو من قبل فرد يتوافر فيه القدرة على ممارسة القوة، وهنا تتركز عملية إصدار القوانين داخل النظام المصري في أيدي قلة من الصفوات، حيث تركت هذه السمة بصماتها الواضحة أيضاً على التاريخ السياسي للمجتمع المصري، وبالذات على المحكومين منهم، فدفعت بعضاً منهم إلى العزوف عن المشاركة تارة، ودفعت بعضهم الآخر إلى السير في ركاب الحكام تارة أخرى، أملاً في الخلاص وطلباً للعلو، فانتشر الفساد السياسي، وضمرت الثقافة السياسية للمواطنين وانعزل العامة من الناس تحت سيف القوة عن التعبير عن آرائهم، وتوارت آمال المثقفين في استنهاض الهمم، وشحذ الطاقات من خلال الأحزاب السياسية (59).
وبشكل عام فإن ما سبق يعكس أهمية الدراسة المتأنية للقوانين قبل إصدارها لتلافي الثغرات الكبيرة الموجودة بها، كما يعكس أهمية الحوار المجتمعي قبل إصدار أي قانون حتى لا يعبر فقط عن مصالح الطبقة المسيطرة، وأهمية وضع ضوابط وضمانات على أداء الشرطة حتى لا تقوم الأجهزة الأمنية باستغلال السلطات المخولة لها بشكل يخالف جوهر القانون. وذلك من خلال العمل على تفعيل دور القضاء ومنظمات المجتمع المدني في الرقابة والإشراف على عمل الشرطة عند فض التظاهرات التي تخرج عن النطاق السلمي، وكفالة الضمانات اللازمة للحفاظ على التظاهرات والاعتصامات والإضرابات العمالية السلمية باعتبارها حقاً أصيلاً لا يستطع أحد المساس به أو تجريمه.
ثامناً: تحليل بيانات دليل المقابلة وجماعات النقاش:
أ – الخصائص العامة للعينة:
تمثلت أهم الخصائص العامة لعينة الدراسة فيما يلي:
1 – الخصائص العمرية:
بلغ المتوسط الحسابي للسن في العينة بشكل عام (40) عاماً – في عينة أساتذة وخبراء القانون (47) عاماً، وفي عينة شباب التيارات والقوى الثورية (33) عاماً -.
2 – الخصائص النوعية:
بلغ عدد الذكور في إجمالي العينة (21) مفردة بنسبة بواقع (12) مفردة في عينة أساتذة وخبراء القانون، و(9) مفردة في عينة شباب التيارات والقوى الثورية، كما بلغ عدد الإناث في إجمالي العينة (9) مفردة بنسبة بواقع (3) مفردة في عينة أساتذة وخبراء القانون، و(6) مفردة في عينة شباب التيارات والقوى الثورية.
ب – مظاهر التغير الاجتماعي في المجتمع المصري قبل وبعد ثورة 25 يناير وما تلاها من موجات ثورية:
1 – مظاهر التغير الاجتماعي في المجتمع المصري قبل وبعد ثورة 25 يناير وما تلاها من موجات ثورية:
رأى أفراد العينة أن أهم مظاهر التغير الاجتماعي الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في المجتمع المصري قبل وبعد ثورة 25 يناير، وما تلاها من موجات ثورية تتمثل فيما يلي:
فمن الناحية الاقتصادية تتمثل أهم مظاهر التغير الاجتماعي من وجهة نظر أفراد العينة في تطبيق الدولة لسياسات الانفتاح الاقتصادي والخصخصة مما ترتب عليه زيادة معدلات الفقر والبطالة، وتدهور أحوال الفقراء ومحدودي الدخل، وغياب العدالة الاجتماعية في توزيع الدخل. ومن الناحية السياسية تتمثل مظاهر التغير الاجتماعي في التعديلات الدستورية التي أدخلها الرئيس السابق حسني مبارك على النظام السياسي والتي تتمثل في تحويل انتخاب رئيس الجمهورية من نظام الاستفتاء إلى نظام الاقتراع المباشر، وظهور العديد من الجماعات الاحتجاجية الاجتماعية والسياسية مثل حركة كفاية، وحركة شباب 6 أبريل والجمعية الوطنية للتغيير، ومجموعة كلنا خالد سعيد، وقيام ثورة 25 يناير، وانتخاب أول رئيس مدني، واحتكار الحكم من خلال جماعة الإخوان المسلمين، “أخونة الدولة المصرية”، ونشأة التيار الشعبي، وظهور حركة تمرد، وتظاهرات 30 يونيو، و3 يوليو 2013، ومن الناحية الاجتماعية تتمثل مظاهر التغير الاجتماعي في انتشار قيم الفساد والرشوة في العديد من المستويات، وتنامى الظلم الاجتماعي، وتدهور أحوال التعليم والصحة، واختفاء قيم التعاون والتسامح والتساند الاجتماعي، وتراجع قيمة العمل المنتج، وانتشار قيم اللامبالاة في قطاعات واسعة من المجتمع المصري، وغياب الأمل والأمان المادي والمعنوي، وتبني ثقافة الإضرابات والاحتجاجات بوسائلها المختلفة، وتآكل الطبقة الوسطى.
ولا شك في أن المظاهر السابقة التي ذكرها أفراد العينة تعكس التغير الكبير في الواقع الاجتماعي للمجتمع المصري بما يفرض على المشرع ضرورة مراعاة هذا التغير عند إصدار أي قانون جديد.
2 – مظاهر التغير في الثقافة السياسية للشباب بعد ثورة 25 يناير وما تلاها من موجات ثورية:
أكد (21) من أفراد العينة أن معظم مظاهر التغير في الثقافة السياسية للشباب المصري بعد ثورة 25 يناير وما تلاها من موجات ثورية كانت إيجابية، وتتمثل في اختفاء ثقافة الخوف والسلبية والعجز عن المطالبة بالحقوق، وظهور سمات الإيجابية والفعالية ورفض الواقع الظالم، والتصميم على الحصول على الحقوق المسلوبة، والتحرر من الحواجز والقيود التي مارسها نظام مبارك، وارتفاع الوعي السياسي، وزيادة معدلات المشاركة السياسية. وفي المقابل أكد (9) من أفراد العينة على أن معظم مظاهر التغير كانت سلبية وتتمثل في عدم احترام الشباب للرأي الآخر، والتركيز على المصالح الشخصية، والانهيار الأخلاقي، وتعجل الحصول على نتائج فورية للثورة، ولجوء بعضهم إلى العنف والبلطجة والحرق والتدمير للحصول على مطالبه.
وتعكس الآراء السابقة لأفراد العينة ما ترتب على ثورة 25 يناير 2011 من تغير للمفاهيم السياسية السائدة بشكل جذري، وظهور ثقافة سياسية جديدة قائمة على الإيجابية، ونهاية ثقافة الخوف السياسية التي سادت في ظل حكم مبارك. أما المظاهر السلبية فترتبط بالغياب النسبي للدولة، وضعف الأجهزة الأمنية.
3 – مدى تحقيق ثورة 25 يناير لأهدافها الرئيسية “عيش – حرية – عدالة اجتماعية“:
رأى (23) من أفراد العينة أن ثورة 25 يناير لم تنجح في تغيير النظام، ولم تنجح في تنفيذ شعارها الشهير وهو “العيش –والحرية – والعدالة الاجتماعية” لكافة فئات الشعب خاصة فئة الشباب، حيث كان العامل الرئيسي – كما قال أحد المبحوثين في جماعات النقاش – في سعي الشباب المصري إلى تغيير النظام، من خلال الاعتراضات والمظاهرات والاعتصامات متمثلاً في غياب أي أمل في التغيير السلمي سواء للنظام الحاكم أو سياساته من خلال مؤسسات كالأحزاب أو مؤسسات المجتمع المدني المختلفة، وقد عاش الشباب المصري في ظل نظام مبارك سنوات، بمشاعر الإحباط واليأس من إمكانية تغيير المجتمع المصري إلى الأفضل سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي”.
وفي المقابل، رأى (7) من أفراد العينة أن الثورة حققت بعض أهدافها من خلال خارطة الطريق التي وضعت بعد تظاهرات 30 يونيو، و3 يوليو 2014، ولكن التحقيق الكامل لأهدافها يتطلب المزيد من الوقت، وفي هذا يقول أحد المبحوثين “إن طول فترة استمرار حكم نظام مبارك جعل المجتمع المصري يعيش حالة من التساند الوظيفي بين نظام سياسي سلطوي فاسد بكل مؤسساته وسياساته، وبين ثقافة سياسة تقوم على الترويع والصمت والانسحاب والفردية، وكل منها يعيد إنتاج الآخر ويدعمه”.
إن الآراء السابقة قد تعكس استمرار الظروف والأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي كانت سبباً رئيسياً من أسباب قيام ثورة 25 يناير.
وهو ما يفرض ذلك تساؤلات كثيرة عن إصدار قانون للتظاهر في مواجهة حق من الحقوق الأساسية للإنسان، وهو حق مشروعية التظاهر السلمي والإضراب والاعتصام، فضلاً عن مقاضاة الدولة وفضح أجهزتها القمعية، وإجبار النظام على التفاوض مع القوى المجتمعية المحتجة مثل القضاة وأساتذة الجامعة والعمال، والفقراء والفلاحين والمهندسين والصحفيين والمدرسين والأطباء والمحامين والأدباء، وبعض المهن الهامشية وسكان العشوائيات، وهو ما يعني أن الاحتجاج والتظاهر السلمي وسيلة أساسية للتعبير عن هموم وقضايا كل فئات المجتمع – الدفاع عن استقلال القضاء، والمطالبة بالحريات وانتزاع الحقوق الاقتصادية المسلوبة، والدفاع عن الأرض الزراعية المغتصبة، والبحث عن الحق في السكن، ووجود الخبز والمياه النقية والخدمة الصحية، واستقلال الجامعة وحقوق الإنسان.
ج – قانون التظاهر والواقع الاجتماعي للمجتمع المصري:
1 – مدى وجود حاجة ملحة لإصدار قانون التظاهر:
رأى (18) من أفراد العينة أنه لم تكن هناك حاجة ملحة لإصدار قانون ينظم التظاهر في الوقت الحالي، وذلك للأسباب التالية من وجهة نظرهم: “مصر تمر بظروف استثنائية، والتظاهر فيها هو الأسلوب الوحيد لبعض القوى المحركة لثورة يناير ويونيو للتعبير عن رأيها”.
- ” التظاهر حق اكتسبه المصريون من ثورة 25 يناير وامتدادها في 30 يونيو”.
- ” كان من الأفضل تأجيل إصدار هذا القانون، ليصدر من البرلمان المقبل بعد انتخابه، وبعد إجراء حوار مجتمعي واسع حول القانون”.
- ” ليس من حق حكومة انتقالية إصدار قانون حيوي”.
- ” صدور القانون بهذا الشكل من شأنه زيادة التعاطف مع جماعة الإخوان”.
- ” التظاهر حق ونشاط ديمقراطي صحي إيجابي، يحتاج إلى الحماية وليس التقييد القانوني، وما يحتاج إلى الضبط والتقييد القانوني هو تدخل السلطة في التجمعات السلمية، ومحاولاتها الدائمة لفرض سيطرتها على المجال العام، وقيامها باستخدام القوة في التعامل مع المظاهرات”.
- ” قانون التظاهر الجديد هو نفس القانون الذي رفضته القوى السياسية في عهد الرئيس المعزول محمد مرسي لكن مع بعض التعديلات الطفيفة، ومن ثم لم تكن هناك حاجة إليه، ولا سيما في ظل وجود قوانين الطوارئ والعقوبات”.
وفي المقابل رأى (12) من أفراد العينة أنه كان من الضروري إصدار قانون ينظم حق التظاهر للأسباب التالية:
- ” تقليل حجم العنف في الشارع”.
- ” في جميع دول العالم تكون المظاهرات بتصريح وللتعبير عن الرأي، وليس للتخريب أو الخرطوش والمولوتوف”.
- ” الخلط الذي يقع فيه الكثيرون بين الوسيلة السلمية المتعارف عليها للتعبير عن الرأي وبين السلوكيات الغوغائية التي تصاحبها أفعال لها توصيفات جنائية بقانون العقوبات”.
- ” يضع القانون حداً لممارسات جماعة الإخوان التي تعرقل انطلاق خريطة الطريق”.
- على حد قول أحد المبحوثين في جماعات النقاش “من أجل توقف نزيف الدم في الشوارع”.
- ” القانون تأخر كثيراً، فهو يحمي حقوق المواطن والدولة معاً”.
- ” مصر في حاجة إلى قانون ينظم عملية التظاهر، ويكون عن طريق مجلس منتخب إلا أن الأمن القومي أهم من أشياء كثيرة يمكن أن نضعها بالحسبان، وأهم من عبارات رنانة قد يتشدق بها البعض”.
- ” حق التظاهر حق أصيل من حقوق الإنسان، ولكن شأنه شأن أي حق للإنسان، يجب عند ممارسته ألا يترتب عليه الإضرار بحقوق الغير”.
وتعكس الآراء السابقة الجدل الكبير حول إصدار قانون التظاهر في الوقت الحالي، فالأغلبية – خاصة القوى الثورية – أكدت أنه لم تكن هناك حاجة ضرورية لصدور القانون في هذا التوقيت، لأن صدور القانون بهذا الشكل يعتبر مقصوداً به القوى الثورية – والتي غالباً في حالة ثورة منذ 25 يناير إلى الآن – ومن ثم فالحكومة تضع القوى الثورية في نفس كفة الإخوان، وذلك من شأنه زيادة الغضب الشعبي من الحكومة، وعلى العكس رأت نسبة ليست بالقليلة حاجة البلاد الماسة إليه في الوقت الحالي – خاصة أساتذة القانون – في ظل ما تشهده البلاد من أحداث فوضى وشغب مستمرة، منوهين على أنه تأخر كثيراً ومطلوب العمل على تفعيله سريعاً، وبشكل عام تعكس هذه الآراء عدم حدوث حوار مجتمعي كاف قبل إصدار القانون.
2 – مدى كون إصدار القانون لتحقيق هدف وحيد هو منع أي مظاهرات لأنصار الرئيس المعزول:
رأى (17) من أفراد العينة أن القانون صدر بالأساس لمنع أي مظاهرات لأنصار الرئيس المعزول. وأكد المبحوثين أن السلطة الحالية تستخدم فزاعة الإخوان لتقييد الحريات، وتمرير إجراءات استبدادية، مثلما جرى في فرض حالة الطوارئ والحظر، والتهيؤ لمزيد من القرارات والقوانين، مثل قانون الإرهاب الذي يبدو بديلاً عن فرض حالة الطوارئ لأطول فترة ممكنة، على الرغم من أن القوانين والإجراءات الطبيعية الموجودة تكفل معاقبة كل من يتجاوز أو يخرق القانون، ولا داعي لإجراءات استثنائية، كما أن ” التظاهر ليس منحة تمنحها الحكومة متى شاءت وتسحبها متى تشاء، لكنه حق اكتسبه المصريون ودفعوا ثمنه من دماء آلاف الشهداء والمصابين، ولا يمكن التخلي عنه أو اتخاذ العنف الذي شهدته مصر في الفترة الأخيرة مبرراً لمنع التظاهر والاعتصام بشكل مطلق”.
وعلى العكس رأى (13) من أفراد العينة أن هذا الكلام غير صحيح، ” فعندما يصدر قانون من وجهة نظرهم، إنما يصدر ليتم تطبيقه بشكل عام على جميع المواطنين، وليس صادراً لتطبيقه على فئة أو تيارات معينة كالإخوان أو أنصار المعزول، وإنما يطبق على جميع التيارات والفئات التي تنظم المظاهرات، والإخوان يرددون هذا الكلام، وينتقدون القانون لأنهم هم الوحيدون على الساحة الذين ينظمون المظاهرات والإرهاب حالياً، ويجب التأكيد على أن الإرهاب الذي يمارس في بعض المظاهرات يحتاج إلى قانون يواجهها، ويتعامل معها، خاصة أن مظاهرات الإخوان من وجهة نظرهم ذات طلبات غير مشروعة وغير قابلة للحل، فمشكلة الإخوان مشكلة مستعصية، لأنهم يطالبون بمطالب خيالية كعودة الرئيس المعزول، والعمل بالدستور المعطل، وعودة مجلس الشوري”.
3 – الموافقة على كون الظروف السياسية الراهنة ليست ملائة لصدور قانون للتظاهر لأن الثورة لا تزال مستمرة، والتظاهر أداتها الرئيسية لتحقيق أهدافها:
اتفقت آراء أفراد العينة في هذا العنصر مع النقاط السابقة، فرأى (18) من أفراد العينة أن الظروف السياسية الراهنة لم تكن ملائمة لإصدار قانون للتظاهر، ومن وجهة نظرهم “فالحكومة التي جاءت على أكتاف ثورة خرج خلالها الملايين إلى الشوارع – ومارسوا حقهم الطبيعي في التظاهر والاحتجاج – عليها احترام هذا الحق، ودعمه وتوفير الحماية اللازمة للمتظاهرين السلميين ومواجهة أي متظاهر يخرج عن السلمية بالقانون، بدلاً من السعي لمنع التظاهر من الأساس ولجميع الفئات”.
وفي المقابل أكد (12) من أفراد العينة عكس ما سبق، فالقانون من وجهة نظرهم لا يمنع المظاهرات، لأنه حق أساسي للمواطنين، وإنما الهدف منه تنظيم المظاهرات فقط لتخرج بشكل سلمي لا يعطل مصالح المواطنين أو يعرضهم للخطر، ولا يتعارض ذلك مع قضية كون الثورة ما زالت مستمرة، فالضرورة كانت ملحة لإصدار هذا القانون، الذي يعد من وجهة نظرهم من أهم التشريعات في ظل الظروف السياسية الراهنة، والعنف المتزايد في البلاد، وما دام أن تنظيم المظاهرات يتم وفقاً للقانون، خاصة أن الحكومة لا ترغب في تطبيق قرارات أو إجراءات استثنائية لمواجهة العنف والإرهاب الذي يحدث خلال المظاهرات، فكان لا بد من إصدار قانون ينظم المظاهرات بشكل سلمي، دون الإضرار بمصالح البلاد والمواطنين.
4 – الموافقة على أسلوب تعامل قوات الأمن مع المظاهرات التي تشهدها البلاد بشكل يومي:
أكد (21) من أفراد العينة رفضهم لأسلوب تعامل الأمن مع المظاهرات التي تشهدها البلاد بشكل يومي بسبب تجاوزات الأمن الكثيرة مع المتظاهرين، مما يؤدي لفقدان الثقة في الأجهزة الأمنية مرة أخرى من جهة، ويعيد لذاكرة الشباب الممارسات الاستفزازية للداخلية – التي كانت سبباً من أسباب قيام ثورة 25 يناير – من جهة أخرى. والدليل على ذلك من وجهة نظرهم أعداد القتلى والمصابين المتزايدة بشكل يومي غير مسبوق.
وفي المقابل أكد (9) من أفراد العينة العكس، بل إنهم يرون ” أن الأمن يستخدم مع المتظاهرين أسلوب اللين”، وذلك لمراعاة مواثيق حقوق الإنسان والأعراف والمنظمات الدولية، ويعتمد على أسلوب تفريق المتظاهرين بتوجيه إنذارات شفهية من القائد الميداني بواسطة مكبرات الصوت، ثم استخدام المياه المندفعة، ثم استخدام الغازات المسيلة للدموع، حرصاً منه على دماء المصريين وعدم حدوث مواجهة بين الأمن والمواطنين، ولكن ما يحدث من تظاهرات أمام مؤسسات الدولة والمصالح الحكومية جريمة يجب مواجهتها بحسم، والقبض على المخالفين للقانون وعدم الاكتفاء بتفريقهم؛ إذ إن التظاهر أمام جهات حكومية وتعطيل العمل، وتعطيل مصالح المواطنين جريمة يعاقب عليها القانون، لذا فهم يطالبون قوات الأمن بأن تكون أكثر حسماً مع المتظاهرين، فما يحدث من مظاهرات بشكل يومي غير مقبول ولا يرضي أحداً، ويجب مواجهته بحسم، فإذا تم القبض على البعض، فلن تتكرر المظاهرات أمام الجهات الحكومية والإضرار بمصالح المواطنين والبلاد”.
ولا شك في أن الآراء السابقة تؤكد ما سبق أن أكدنا عليه في الإطار النظري من عدم حدوث حوار مجتمعي كاف قبل إصدار القانون مما تسبب في هذا الجدل الكبير حول القانون.
5 – مدى تعبير قانون التظاهر عن الواقع الاجتماعي للمجتمع المصري بعد ثورة 25 يناير وما تلاها من موجات ثورية:
أكد (19) من أفراد العينة عدم تعبير قانون التظاهر عن الواقع الاجتماعي الحالي للمجتمع المصري للأسباب التالية من وجهة نظرهم ووفقاً لتعبيراتهم:
- ” الشعب المصري اعتاد الديمقراطية وعرف طريقها ولن يقبل أن ينتزعها منه أحد”.
- ” لجميع الشعوب الحق في التظاهر وعلى جميع الحكومات أن تستجيب لرغبة الشعب”.
- ” على الدولة أن تحل مشكلات الناس وتستجيب لمطالبهم قبل فرض قيود على حقهم في التعبير والتظاهر” -.
- على حد قول أحد المبحوثين في المناقشات الجماعية: ” الشعب المصري لم تخلق له الأسوار إلا ليتسلقها، ولا القوانين التعسفية إلا ليخترقها، وعلى الحكومة أن تعي ذلك جيداً”.
- كما قال أحد شباب القوى الثورية في المناقشات الجماعية: ” كفانا عودة للوراء، الثورة لن تسمح بالتنازل عن أي حق انتزعته بالقوة، ودفعنا ثمنه دماً وجراحاً وسجوناً”.
- ” السلطة الموجودة الآن على سدة الحكم جاءت عن طريق التظاهر، فكيف تنقلب عليه؟”.
- ” القانون قد يكون سبباً في شق الصف الوطني وانضمام بعض القوى الفاعلة في الشارع إلى تنظيم تظاهرات مستمرة للاعتراض عليه”.
- ” القانون سيضع النظام ما بين الصدام وعدم القدرة على تنفيذ القانون”.
- إصدار القانون ردة لقوانين دولة حسني مبارك المستبدة.
وفي المقابل أكد (11) من أفراد العينة أن قانون التظاهر يعبر عن الواقع الاجتماعي الحالي للمجتمع المصري للأسباب التالية:
- ” ما يشهده هذا الواقع من أحداث عنف وشغب من جانب جماعة الإخوان”.
- ” شيوع الفوضى في الشارع المصري وضياع هيبة الدولة”.
- ” الشعب المصري يعاني الأمرين من تظاهرات جماعة الإخوان”.
- ” الإضرابات الفئوية المتزايدة والتي تؤدي لوقف عجلة الإنتاج والتنمية”.
- كما يقول أحد أساتذة القانون: “كل من يقف ضد قانون التظاهر، فهو لا يريد بالبلاد خيراً، ويصر على استمرار الفوضى وقطع الطرق وترويع الآمنين”.
- القانون مرتبط بحدث وواقع اجتماعي تم فرضه بموجب ثورة 30 يونيو، والتداعيات التي لحقته من أعمال عنف قامت بها الجماعة المحظورة.
- ” قانون التظاهر جاء منظماً وليس مانعاً للمظاهرات”.
- ” جميع دول العالم لا تسمح بالمظاهرات بدون قانون يحكمها، وينظمها بل ويحدد نوعيتها، وأماكنها”.
إن الآراء السابقة لأفراد العينة قد تعكس مدى اختلاف وجهات النظر بين الرؤية الأكاديمية المحافظة والرؤية الشبابية الثورية التي ترى أن استكمال تحقيق أهداف الثورة يحتاج إلى المزيد من الموجات الثورية – والتي تعد التظاهرات السلمية أداتها الرئيسية – وليس لتقييد حق أصيل لهذه الموجات الثورية ألا وهو حق التظاهر السلمي.
كما قد تعكس هذه الآراء ما سبق أن أكدنا عليه في الإطار النظري من أن قانون تنظيم حق التظاهر وفقاً لنظرية رأس المال الثقافي يعد نوعاً من أنواع العنف الرمزي، تحاول من خلاله الدولة في مصر نشر ثقافة الصمت، وتفتيت وتشتيت المعارضين – عدم التجمع والاتصال –خاصة من فئة الشباب.
د – نصوص قانون التظاهر ما بين الإيجابيات والسلبيات:
1 – رؤية أفراد العينة لإيجابيات وسلبيات قانون التظاهر:
رأى (12) من أفراد العينة أن إيجابيات قانون التظاهر أكثر من سلبياته، ومن أهمها، من وجهة نظرهم، ما يلي:
- ” قانون التظاهر ينظم حق التظاهر شأنه شأن جميع الحقوق، فلا يجوز أن يكون حق التظاهر حقاً مطلقاً، وإلا فقد ينقلب إلى فوضى ما لم يكن له إطار تقف الدولة حارسة له وعليه، وحفاظاً على ما تتعرض له مصالح الدولة ومصالح المواطنين التي تنهار وتتعطل جراء المظاهرات والمسيرات”.
- ” قانون التظاهر جاء لينظم أمرين الأول: حق التظاهر بوصفه حقاً دستورياً منصوصاً عليه في كافة دساتير العالم بشرط أن يكون التظاهر سلمياً؛ وهذا الحق من الحقوق الأساسية الذي يكفل حرية الرأي والتعبير وعرض وجهة النظر الأخرى هو أصل من أصول الديمقراطية، ولكن إذا خرج التظاهر عن حدود السلمية أو صدرت عنه أعمال بلطجة أو أفعال شائنة فيتم تطبيق هذا القانون.
- والثاني: حق الدولة في تنظيم أي اجتماعات أو تنظيمات يمكنها تحقيق الصالح العام بما في ذلك مصلحة الوطن والمواطن معاً، وهذا يعتبر الفيصل الذي يفصل بين الحق الدستوري وبين تنظيم استعماله”.
- تحمل نصوص القانون إيجابيات كثيرة منها المادة التي تحظر الاعتصام في أماكن الحظر أو تجاوز المواعيد المقررة للتظاهر ” المادة 7″، فالاعتصام على حد قول أحد المبحوثين – حتى وإن كان سلمياً: – ” كلام فاضي، وتجاوز للحدود، فلا معنى أن تقوم مجموعة من المواطنين بالاعتصام في الميادين والطرق، وتشويهها، فإذا كانت هناك ضرورة للاعتصام فيمكن أن يتم الاعتصام أمام الجهة التي نظم من أجلها الاعتصام، وفي مواعيد محددة، وعدد معين محدود ينظمون الاعتصام بشكل رمزي ممثلين عن الجهة المعتصمة، فالغرض من الاعتصام توصيل رسالة محددة يجب التعبير عنها بصورة حضارية منظمة تليق بدولة محترمة، ولكن ما نراه أن الاعتصامات تشوه الميادين، وتقطع الطرق، وتعطل المرور، وتضر بمصالح المواطنين، ولا بد من وجود قانون ينظم هذه المسألة”.
وفي المقابل أكد (18) من أفراد العينة أن سلبيات قانون التظاهر أكثر من إيجابياته، وتتمثل أهم هذه السلبيات من وجهة نظرهم فيما يلي:
- ” توقيت إصدار القانون سيئ، وبنوده مشبوهة تعمل على تكبيل حرية التعبير التي هي حق مشروع ومكفول للجميع”.
- ” عدم جواز الترويج للقانون بفكرة وجود قانون التظاهر في دول العالم بما لا يخدم صالح الوطن، فأي قانون تنظيمي يوضع من أجل صالح الشعب وليس الحكومة، وروح الدساتير في القانون الدولي تعني أن لجميع الشعوب الحق في التظاهر، وعلى جميع الحكومات أن تستجيب لرغبة الشعب”.
- ” الشروط المجحفة الموضوعة في القانون، التي تؤدي لمنع التظاهر نهائياً وليس تنظيمه”.
- ” قانون التظاهر بصورته الحالية لن يصلح تنفيذه إلا على المظاهرات الفئوية قليلة الأعداد”.
- ” القانون يحوي ألفاظاً فضفاضة ومطاطة تحتمل الكثير من التأويل، كما أنه لم يتعرض للمظاهرات كبيرة العدد التي تصل إلى المليونيات، حيث يصعب تحديد المشاركين بها ومن ثم يصعب أيضاً التحكم بها، حيث تزداد أعدادها بلا حساب وتزداد معها تجاوزات المشاركين”.
- ” المادة 7 التي يترتب عليها منع الاعتصام غير متوافقة مع المواثيق الدولية لحقوق الإنسان التي تجيز الاعتصامات لكن في أطر محددة”.
- ” القانون يحتوي على بعض المواد غير المقبولة، والتي تشكل تضييقاً على الحريات ومنها طول المدة المطلوبة للإخطار قبلها، وهي 3 أيام “المادة 8″، وكان من الأفضل تقصير مدة المطلوبة للإخطار المسبق إلى 24 ساعة فقط”.
- ” إن شرط الإخطار المسبق لوزارة الداخلية “المادة 8″، وأن يكون لها حق الرفض بدون إبداء الأسباب غير متطابق مع المواثيق الدولية والقوانين الخاصة بحقوق الإنسان، فمن المفروض أن يكون مجرد إخطار الداخلية هو شرطاً للموافقة الفورية على تنظيم التظاهرة”. وفي هذا يقول أحد المبحوثين ” أنا مع إبلاغ الشرطة دون انتظار الموافقة من عدمها، ويكون ذلك بغرض حماية المتظاهرين لا غير”. وكان من الأفضل من وجهة نظر المبحوثين الاكتفاء بالإخطار وإلغاء حق وزارة الداخلية في الاعتراض، أو كان من الأفضل النص على اللجوء للقضاء للمطالبة بإلغاء التظاهر – فكيف تكون سلطة إعطاء الترخيص للمظاهرة في يد الداخلية وفي نفس الوقت عليها واجب مراقبتها والتعامل معها؟ – وحتى يتم إبعادها عن الصراعات السياسية حتى تتفرغ لتحقيق الأمن العام والجنائي، بدلاً من استنزافها في التصدي للمطالب الفئوية والقضايا السياسية.
- ” موافقة الشرطة أمر عبثي، فكيف نضع الشرطة الآن في مواجهة مع المواطنين في وقت نحاول بناء الثقة بينهم مرة أخرى؟، والحل يكمن في نشر الوعي بحق التظاهر وكيفية ممارسته”.
- ” المادة التي تنص على حق وزير الداخلية في إلغاء التظاهرة في أي وقت في حال وجود أخطار أمنية – المادة 10 – تعد ثغرة وذريعة قانونية للحكومة لإلغاء التظاهرات بالقانون؛ فواجب الداخلية هو حماية وتأمين المتظاهرين وليس منعهم من هذا الحق الأصيل.
- “القانون أغفل عملية تأمين المظاهرات “فما دام قد استوفى منظمو المظاهرة أوراقهم القانونية المطلوبة فمن حقهم الحصول على تأمين لمظاهرتهم”، والداخلية، كما حدث سابقاً، لا تستطيع تأمين المظاهرات الكبيرة أو منع المندسين، وكذا فإن منظمو المظاهرة أنفسهم لن يمكنهم ذلك خاصة إذا كان خط سير المظاهرة يمر في أماكن عدة”.
- ” المادة التي تنص على رد قوات الداخلية العنف بالمثل – المادة 13 – أمر بالغ الخطورة وانتهاك لحقوق الإنسان، فالمفترض أن تقوم وزارة الداخلية بإلقاء القبض على المخالفين للقانون أحياء، وليس قتلى، ومحاسبتهم بالقانون وتوقيع أقصى العقوبات عليهم ليكونوا عبرة لغيرهم”.
- ” كان من الأفضل تعديل بعض أحكام قانون العقوبات، لأن ما يحدث على الساحة الآن هو تظاهرات غير سلمية، لا ينظمها هذا القانون أصلاً، وإنما هي تعد جرائم جنائية ينظمها قانون العقوبات”.
- ” العقوبات في قانون التظاهر شديدة إلى حد كبير، ويلزم إعادة النظر فيها حتى تحقق أهم المبادئ التشريعية وهي التناسب بين العقوبة والجريمة”.
- ” ارتفاع قيمة الغرامات المالية بالقانون، قياساً بحالة الفقر التي يعيشها العمال والبسطاء، الذين يطالبون بحقوقهم، إضافة إلى خلط كثير من الأمور بين التظاهرات السياسية والتظاهرات الاجتماعية وشتان الفارق بينها”.
- وتعكس الآراء السابقة تباين ردود أفعال القوى السياسية المختلفة من قانون التظاهر، وتحفظ أغلبية أفراد العينة في توقيت إصداره ونصوصه وتأثيراته على الواقع الاجتماعي الحالي للمجتمع المصري، كما تعكس هذه الآراء أهمية وضرورة نشر الوعي الثقافي بحق التظاهر حتى يحترمه الجميع.
2 – مدى الموافقة على قيام الحكومة بتعديل قانون التظاهر:
وافق (20) من أفراد العينة على ضرورة قيام الحكومة بتعديل بنود قانون التظاهر بسبب عدم إجراءها حواراً حقيقياً حول قانون التظاهر قبل إصداره مما تسبب في الإشكاليات الكثيرة الموجودة بالقانون من وجهة نظر القوى السياسية، مما أدى إلى عودة حالة العداء الشديدة بين هذه القوى الثورية ووزارة الداخلية مرة أخرى. والدليل على أهمية هذا التعديل أن الحكومة دعت القوى السياسية – بعد إصدار القانون – لتقديم مقترحاتها حول القانون لتعديله لامتصاص حالة الغضب بين القوى الثورية ومحاولتها لإظهار عجز الحكومة عن تنفيذ القانون.
وفي المقابل رأى (10) من أفراد العينة أنه من الأفضل عدم تعديل بنود القانون في الوقت الحالي – خاصة وأن الدولة رخوة وتعاني من الارتباك الشديد – والانتظار حتى إجراء انتخابات مجلس الشعب وهو الذي يقوم بتعديله إذا كان هناك بعض المواد التي تحتاج إلى التعديل، ويقول أحد المبحوثين في ذلك ” البلاد تمر بمرحلة من انعدام الوزن الإداري واحتقان سياسي واجتماعي واقتصادي، ولا تحتمل أدنى مزايدات سياسية جديدة، خاصة أن القوى السياسية القابعة على الساحة الآن ليس لديها رؤية جيدة لآفاق المستقبل الذي حلم به الشعب النازح غالبيته إلى الميادين إبان الثورة، كما أن ما أطلقنا عليها القوى الثورية تاه أغلبها بين المصالح الشخصية وغزل التطلعات السياسية”.
وتعود بنا الآراء السابقة لأفراد العينة للفكرة الأساسية التي انطلق منها البحث الحالي ألا وهي ضرورة الاهتمام بسوسيولوجيا صناعة القانون حتى تصدر القوانين مستمدة ومتوائمة مع الواقع الاجتماعي وغير منفصلة عنه من جهة، وغير متحيزة لمصالح الفئة المسيطرة على حساب الغالبية العظمى من أفراد المجتمع من جهة أخرى.
تاسعاً: النتائج العامة للدراسة:
لقد وضعت هذه الدراسة يدها – من خلال إطارها النظري والميداني “التحليل السوسيو مقارن، ودليل المقابلة” – على عدد كبير من النتائج التي تجيب عن التساؤلات الرئيسية التي انطلقت منها الدراسة، وذلك على النحو التالي:
التساؤل الأول: ماهية صناعة القانون؟
- صناعة القانون تعني وضع قواعد تشريعية مستقاة ومعبرة عن الواقع الاجتماعي، وتدعم الاستقرار، وتساعد على تطوير المجتمع، وتحقق مصالح جميع فئات المجتمع وليس مصالح فئة محددة.
- تعد صناعة القانون عملية اجتماعية دينامية تتأثر بالقوى الاجتماعية المسيطرة، وأدوار المصالح المرعية، ومصادر القوى الداخلية، والأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية السائدة.
- لكي تحقق صناعة القانون التنمية القانونية يجب أن تأتي صناعة القانون كثمرة لدراسة علمية، وأن تكون مستقاة من واقع اجتماعي يمليها، ويتأتى ذلك من خلال إقامة حوار مجتمعي جاد حول القوانين قبل إصدارها، ودعوة أهل الرأي والمتخصصين للإدلاء بآرائهم في مشروع القانون.
- وفقاً للاتجاه النظري للدراسة تعد المؤسسات التشريعية من أهم المؤسسات التي توظفها الطبقات المسيطرة لممارسة العنف الرمزي من خلال إصدار القوانين التي تحافظ على مصالحها وتدعم سيطرتها على المجتمع.
التساؤل الثاني: ما مظاهر التغير الاجتماعي في المجتمع المصري قبل وبعد ثورة 25 يناير وما تلاها من موجات ثورية؟
- أكد أفراد العينة أن المجتمع المصري شهد العديد من مظاهر التغير الاجتماعي الاقتصادية والسياسية والاجتماعية قبل وبعد ثورة 25 يناير وما تلاها من موجات ثورية بما يفرض على المشرع ضرورة مراعاة هذا التغير عند إصدار أي قانون جديد.
- أكد أغلبية أفراد العينة أن معظم مظاهر التغير في الثقافة السياسية للشباب المصري بعد ثورة 25 يناير، وما تلاها من موجات ثورية كانت إيجابية، وتتمثل في اختفاء ثقافة الخوف والسلبية، وظهور سمات الإيجابية والفعالية ورفض الواقع الظالم، والتصميم على الحصول على الحقوق المسلوبة، والتحرر من الحواجز والقيود التي مارسها نظام مبارك، وارتفاع الوعي السياسي، وزيادة معدلات المشاركة السياسية.
- رأت الغالبية العظمى من أفراد العينة أن ثورة 25 يناير لم تنجح في تغيير النظام، ولم تنجح في تنفيذ شعارها الشهير وهو ” العيش – والحرية – والعدالة الاجتماعية” لكافة فئات الشعب – خاصة فئة الشباب – بما يعكس استمرار الظروف والأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي كانت سبباً رئيسياً من أسباب قيام ثورة 25 يناير، وذلك في مقابل أقلية ترى أن الثورة حققت بعض أهدافها من خلال خارطة الطريق التي وضعت بعد تظاهرات 30 يونيو، و3 يوليو 2014، ولكن التحقيق الكامل لأهدافها يتطلب المزيد من الوقت.
التساؤل الثالث: هل انطلق المشرع المصري في تنظيمه لحق التجمع والتظاهر السلمي من نفس مبادئ الديمقراطيات الغربية؟
- ظهر من خلال التحليل السوسيو – مقارن أنه على الرغم من أن قانون التظاهر المصري ظاهرياً ينطلق من نفس المبادئ التي تنص على كون الحق في التظاهر والخروج في مسيرات سلمية هو أحد الحقوق الأساسية في كل نظام ديمقراطي، وأن حرية التعبير وحرية التظاهر غير مطلقتين، فإن نصوص القانون لم تعكس هذا التوجه، حيث تضمن العديد من الملاحظات والعيوب الجوهرية، والعبارات والألفاظ المطاطة التي تؤثر بشكل كبير في حق الأفراد في التجمع السلمي، وصولاً إلى تفريغ هذا الحق من مضمونه، عبر اشتراطات صعبة، وقيود تبدو تعجيزية في كثير من الأحيان.
- كما أنه بالمقارنة مع الديمقراطيات الغربية نجد أنها تضع القيود على حق التظاهر في الظروف الاستثنائية ” إثارة الشغب، لجوء المتظاهرين للعنف”، وليس على المشاع، في حين أن القانون لم يستثن بعض الحالات من شرط الإخطار كالتظاهرات أو التجمعات العفوية “تظاهرات 25 يناير 2011،30يونيو 2013 على سبيل المثال”.
- عكس التحليل السوسيو – مقارن لنصوص قانون التظاهر المصري مقارنة بقوانين التظاهر في الديمقراطيات الغربية أهمية الدراسة المتأنية للقوانين قبل إصدارها لتلافي الثغرات الكبيرة الموجودة بها، كما عكس أهمية الحوار المجتمعي قبل إصدار أي قانون حتى لا يعبر فقط عن مصالح الطبقة المسيطرة، وأهمية العمل على تفعيل دور القضاء ومنظمات المجتمع المدني في الرقابة والإشراف على عمل الشرطة عند فض التظاهرات التي تخرج عن النطاق السلمي، وكفالة الضمانات اللازمة للحفاظ على التظاهرات والاعتصامات والإضرابات العمالية السلمية باعتبارها حقاً أصيلاً لا يستطع أحد المساس به أو تجريمه، مع الأخذ في الاعتبار وإمكانية حدوث بعض التجاوزات لهذه القواعد في حالة وجود أزمات وأخطار تهدد الأمن القومي لأي مجتمع، وهو ما تتفق عليه أيضاً كل الديمقراطيات الغربية.
التساؤل الرابع: هل قانون التظاهر يعبر عن الواقع الاجتماعي في المجتمع المصري بعد ثورة 25 يناير وما تلاها من موجات ثورية؟
- عكست آراء أفراد العينة الجدل الكبير حول إصدار قانون التظاهر في الوقت الحالي، فالأغلبية – خاصة القوى الثورية – أكدت أنه لم تكن هناك حاجة ضرورية لصدور القانون في هذا التوقيت، وكان من الأفضل ترك هذه المهمة للبرلمان القادم، لأن صدور القانون بهذا الشكل يُعد مقصوداً به القوى الثورية – والتي غالباً في حالة ثورة منذ 25 يناير إلى الآن – ومن ثم فالحكومة تضع القوى الثورية في نفس كفة الإخوان، وذلك من شأنه زيادة الغضب الشعبي من الحكومة. وعلى العكس رأت نسبة ليست بالقليلة حاجة البلاد الماسة إلى قانون التظاهر في الوقت الحالي – خاصة أساتذة القانون – في ظل ما تشهده البلاد من أحداث فوضى وشغب مستمرة، منوهين على أنه تأخر كثيراً ومطلوب العمل على تفعيله سريعاً.
- رأى أغلبية أفراد العينة أن القانون صدر بالأساس لمنع أي مظاهرات لأنصار الرئيس المعزول، وأن السلطة الحالية تستخدم فزاعة الإخوان لتقييد الحريات، وتمرير إجراءات استبدادية، على الرغم من أن القوانين والإجراءات الطبيعية الموجودة تكفل معاقبة كل من يتجاوز أو يخرق القانون، ولا داعي لإجراءات استثنائية، وفي المقابل رأت نسبة ليست بالقليلة أن هذا الكلام غير صحيح، فالقانون صدر لتطبيقه بشكل عام على جميع المواطنين، وليس على فئة أو تيارات معينة كالإخوان أو أنصار المعزول. كما أن الإرهاب الذي يمارس في بعض المظاهرات كان يحتاج إلى قانون يواجهه، ويتعامل معه.
- أكد أغلبية أفراد العينة أن الظروف السياسية الراهنة لم تكن ملائمة لإصدار قانون للتظاهر، وكان على الحكومة احترام حق التظاهر والاحتجاج لسلمي، ودعم وتوفير الحماية اللازمة للمتظاهرين السلميين ومواجهة أي متظاهر يخرج عن السلمية بالقانون، بدلاً من السعي لمنع التظاهر من الأساس ولجميع الفئات. وفي المقابل أكدت الأقلية أن الضرورة كانت ملحة لإصدار هذا القانون، والذي يعد من وجهة نظرهم من أهم التشريعات في ظل الظروف السياسية الراهنة، والعنف المتزايد في البلاد.
- أكد غالبية أفراد العينة رفضهم لأسلوب تعامل الأمن مع المظاهرات التي تشهدها البلاد بشكل يومي بسبب تجاوزات الأمن الكثيرة مع المتظاهرين، مما يؤدي لفقدان الثقة في الأجهزة الأمنية مرة أخرى من جهة، ويعيد لذاكرة الشباب الممارسات الاستفزازية للداخلية – التي كانت سبباً من أسباب قيام ثورة 25 يناير – من جهة أخرى، وفي المقابل أكدت الأقلية من أفراد العينة على العكس، وأن ما يحدث من تظاهرات أمام مؤسسات الدولة والمصالح الحكومية جريمة يجب مواجهتها بحسم.
- أكدت أغلبية أفراد العينة على عدم تعبير قانون التظاهر عن الواقع الاجتماعي الحالي للمجتمع المصري لأن الشعب المصري اعتاد الديمقراطية وعرف طريقها ولن يقبل أن ينتزعها منه أحد، وأن إصدار القانون يعد ردة لقوانين دولة حسني مبارك المستبدة، وفي المقابل أكدت الأقلية أن قانون التظاهر يعبر عن الواقع الاجتماعي الحالي للمجتمع المصري بسبب ما يشهده هذا الواقع من أحداث عنف وشغب من جانب جماعة الإخوان، وبسبب شيوع الفوضى في الشارع المصري وضياع هيبة الدولة، وبسبب الإضرابات الفئوية المتزايدة، التي تؤدي لوقف عجلة الإنتاج والتنمية.
التساؤل الخامس: ما إيجابيات وسلبيات قانون التظاهر؟
- أكد أغلبية أفراد العينة أن سلبيات قانون التظاهر أكثر من إيجابياته، ويتمثل أهمها في التوقيت السيئ لإصداره، وبنوده التي تعمل على تكبيل حرية التعبير التي هي حق مشروع ومكفول للجميع، وبسبب الشروط المجحفة الموضوعة في القانون، والتي تؤدي لمنع التظاهر نهائياً وليس تنظيمه، وبسبب ما يحتوي عليه القانون من ألفاظ فضفاضة تحتمل الكثير من التأويل، وبسبب ارتفاع قيمة الغرامات المالية بالقانون، قياساً بحالة الفقر التي يعيشها العمال والبسطاء، الذين يطالبون بحقوقهم، وفي المقابل أكدت الأقلية أن إيجابيات قانون التظاهر أكثر من سلبياته، ومن أهمها، من وجهة نظرهم، أن قانون التظاهر ينظم حق التظاهر شأنه شأن جميع الحقوق، فلا يجوز أن يكون حق التظاهر حقاً مطلقاً، وإلا فقد ينقلب إلى فوضى ما لم يكن له إطار تقف الدولة حارسة له وعليه، وحفاظاً على ما تتعرض له مصالح الدولة ومصالح المواطنين التي تنهار وتتعطل جراء المظاهرات والمسيرات، كما تحمل نصوص القانون إيجابيات كثيرة منها المادة التي تحظر الاعتصام في أماكن الحظر أو تجاوز المواعيد المقررة للتظاهر.
- وافق أغلبية أفراد العينة على ضرورة قيام الحكومة بتعديل بنود قانون التظاهر بسبب عدم إجراءها حواراً حقيقياً حول قانون التظاهر قبل إصداره مما تسبب في الإشكاليات الكثيرة الموجودة بالقانون من وجهة نظر القوى والتيارات الثورية، وفي المقابل رأت الأقلية أنه من الأفضل عدم تعديل بنود القانون في الوقت الحالي – خاصة أن الدولة رخوة وتعاني من الارتباك الشديد – والانتظار حتى إجراء انتخابات مجلس الشعب وهو الذي يقوم بتعديله إذا كانت هناك بعض المواد التي تحتاج إلى التعديل.
الهوامش
- United Nations Human Rights , Office of the United Nations High Commissioner for Human Rights (OHCHR):The Universal Declaration of Human Rights, 2014 :
http://www.un.org/en/documents/udhr/
- United Nations Human Rights, Office of the United Nations High Commissioner for Human Rights (OHCHR),International Covenant on Civil and Political Rights, 2014 :
http://www.ohchr.org/EN/Pages/WelcomePage.aspx
- جمهورية مصر العربية، رئاسة الجمهورية، مشروع الدستور 2013، الوثيقة الدستورية الجديدة بعد تعديل دستور 2012 المعطل، القاهرة، 2014 م، ص 22
- Niklas Luhmann, A Sociological Theory of Law, Trans, by Elizabeth King – Utz and Martin Albrow , rd5, Taylor & Francis publishers Ltd , UK, 2013, p. vi.
- R Tomasic, The Sociology of Law, Current Sociology, Sage Public, New York, 1985, p. 5.
- Anthony Allott, The Limits of Law, Butterworth, London, 1980, pp. 13 – 16.
- محمد حسين عبد العال، مبادئ القانون، ط 2، دار النهضة العربية، القاهرة، 1998 م، ص 121
- رمضان أبو السعود، همام محمد محمود، المبادئ الأساسية في القانون، منشأة المعارف، الإسكندرية، 1996 م، ص 7
- جمهورية مصر العربية، الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية، القانون 107 لسنة 2013 بتنظيم الحق في الاجتماعات العامة والمواكب والتظاهرات السلمية، الجريدة الرسمية، السنة 56، العدد 47 (مكرر)، القاهرة، 24 نوفمبر 2013:
http://www.alamiria.com/a/index.html
- Kevin J. Callahan, Demonstration Culture: European Socialism & the Second International 1889 – 1914, troubador publishing Ltd,Leicester ,UK, 2010, p. 11: books@troubador.co.uk.
- Wade M. Cole and Francisco O. Ramirez, Conditional Decoupling: Assessing the Impact of National Human Rights Institutions, American Sociological Review, August 2013; vol. 78, 4: pp. 702-725: http://asr.satiepub.eom/content/78/4/702.full
- Kevin J. Callahan, op. cit, p. l5
- John Joseph Lalor , Cyclopedia of Political Science, Political Economy and the Political History of the United States, Bloomsbury Academic, USA, 2003, p. 632.
: and also : Rebellion, Wikipedia, the free encyclopedia – http://en.wikipedia.org/wiki/Rebellion
- Ibid.
– and also: Cynthia A. Bouton , History of Peasant Revolts: The Social Origins of Rebellion in Early Modern France., Journal of Social History, Texas A & M University, Spring, 1993:
http://archive.is/20120713232950/findarticles.com/n/arlicles/mi m2005/is /ai13797293
- John Joseph Lalor, op .cit. p. 635.
- John Scott & Gordon Marshall (eds.), A Dictionary of Sociology, Third Edition, Oxford University Press Inc., New York, 2009, p. 736.
- Miri Levin – Rozalis , Playing by the Rules: Social Representations of”Law” as the Socio – cognitive Mediating Mechanism between Law and Society , Theory & Psychology, February 2007; vol. 17, 1: pp. 5 – 31:
http://tan.sagepub.com/content/l7/1/5.full,pdf)html
وأيضاً انظر: ايبستمولوجيا القانون، جور يسبيديا:
http://ar.iurispedia.org/index.php/
- Jane E. Anderson , Law, Knowledge, Culture: The Production of Indigenous Knowledge in intellectual Property Law , Edward Elgar Publishing Limited , Uk , 2009, pp. 30 – 31
أيضاً: ايبستمولوجيا القانون، جوريسبيديا، مرجع سابق.
- John Sutton ,_Law/Society: Origins, Interactions, and Change, SAGE Publications, Inc, UK ,2001 ,pp. 13 – 15:
http://www.uk.sagepub.com/books/Book11410.
أيضاً: ايبستمولجيا القانون، جوريسبيديا، مرجع سابق.
- Kulsar Kalman , Development and Law , The Scope of Law in Gudied Social Change , American Sociological Review, No I, 2, 1981, pp. 143 – 150.
- Michael Zander, The Law – Making Process, Sixth Edition, Cambridge University Press, UK, 2004, pp. 53 – 57.
- Hugh Baxter, Habermas: The Discourse Theory of Law and Democracy, Stanford University Press, California, USA, 201l, p. 60.
أيضاً: ايبستمولجيا القانون، جور يسبيديا، مرجع سابق.
- John R. Searle, The Construction of Social Reality, The Free Press, New York , 1995 ,p. 7.
- Ernest Mandel and Steve Bloom, Revolutionary Marxism and Social Reality in the 20th century, collected essays, Humanities Press ,New Jersey, 1994, pp. 78 – 79.
- تم الرجوع إلى:
- إيان كريب، النظرية الاجتماعية من بارسونز إلى هابر ماس، ترجمة: محمد حسين غلوم، سلسلة عالم المعرفة، العدد 244، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، أبريل 1999، ص ص 322 – 332
- Gabriel Peters, Explanation, understanding and determinism in Pierre Bourdieu’s Sociology, History of the Human Sciences, February 2014, vol. 27 no. 1124 – 149:
http://hhs.sagepub.com/content/27/l/l24.full.pdf+html
- David Swartz, Culture and Power: The Sociology of Pierre Bourdieu, University of Chicago Press, USA, 1997. pp. 65 – 70.
- وأيضاً أنظر: نظرية الهابيتوس والرأسمال الرمزي عند بيير بورديو:
http://www.doroob.com/?p=21247
- Todd Hedrick, Reifying and Reconciling Class Conflict: From Hegel’s estates through Habermas’ interchange roles, European Journal of Social Theory, November 2013; vol. 16, 4: pp. 511 – 529: http://est.sagepub.com/content/16/4/511.full.pdf+html
وأيضاً أنظر: نظرية الهابيتوس والرأسمال الرمزي عند بيير بورد، مرجع سابق.
- Ibid.
- C. K Graham, Ideology and Contemporary Sociological Theory, Prentice – Hall, Inc, New Jersey, 1981, p .6.
- Thomas L. Pangle, Montesquieu’s Philosophy of Liberalism: A Commentary on The Spirit of the Laws, University of Chicago Press, USA, 1989, pp. 20 – 21.
أيضاً: ايبستمولجيا القانون، جور يسبيديا، مرجع سابق.
- عبد الله محمد عبد الرحمن، علم الاجتماع القانوني، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 1998 م، ص ص 306 – 307
- Lsher -Paul Sahni, Max Weber’s Sociology of Law: Judge Mediator, Journal of Classical Sociology, May 2009; vol. 9, 2:pp. 209 – 233:
http://ics.sagepub.com/content/9/2/209.full.ndf+html.
- ibid.
- عبد الله محمد عبد الرحمن، مرجع سابق، ص ص 308 – 310
- Niklas Luhmann, A Sociological Theory of Law, translated by Elizabeth King -Utz and Martin Albrow (ed.) ,2 rd, Routledge, New York, 2014, pp. 103 – 113.
- البسيوني عبد الله جاد، الصراع الاجتماعي وصنع القوانين بمجلس الشعب المصري، الأنجلو المصرية، القاهرة، 2013 م، ص ص 9 – 10
- فرغلي هارون، الجرائم الاجتماعية لعصر مبارك، دار إنسانيات للنشر والتوزيع، القاهرة، 2012 ، ص 5
- خالد كاظم أبو دوح، نحو سوسيولوجيا جديدة لفهم ثورة المصريين، مجلة الديمقراطية، العدد 42، مؤسسة الأهرام، القاهرة، أبريل 2011، ص 55
- حسن نافعة، من الحراك إلى الثورة، مجلة الدوحة، العدد 42، وزارة الثقافة والفنون والتراث، الدوحة، أبريل 2011 ، ص 97.
- إبراهيم العيسوي ” باحث رئيسي”، آفاق النمو الاقتصادي في مصر بعد الأزمة المالية والاقتصادية العالمية، سلسلة قضايا التخطيط والتنمية، العدد 226، معهد التخطيط القومي، القاهرة، يناير 2011، ص 217.
- دينا شحاتة “محرر”، عودة السياسة، الحركات الاحتجاجية الجديدة في مصر، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، مؤسسة الأهرام، القاهرة، 2010، ص 11.
- يوسف زيدان، فقه الثورة، ط 1، دار الشروق، القاهرة، 2013 ، ص 108.
- حسن نافعة، مرجع سابق، ص 99.
- على ليلة، خرائط النخبة المصرية والثورة، مجلة الديمقراطية، العدد 45، يناير 2012، ص 18.
- سعد الدين إبراهيم، عوامل قيام الثورات العربية، مجلة المستقبل العربي، العدد 399، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، مايو 2012، ص ص 126 – 127.
- أحمد زايد، أركيولوجيا الثورة وإعادة البعث للطبقة الوسطى، مجلة الديمقراطية، العدد 42 “القاهرة” أبريل 2011 ، ص 22.
- جمال جبريل، قانون حق التظاهر في الميزان القانوني، مجلة الديمقراطية، العدد 53، يناير 2014، ص 144
- Andrea Fontana and James Frey, Interviewing : The Art of Science, in N. a. Y. L. Denzin (ed.), The Handbook of Qualitative Research, Thousand Oaks: Sage Publications, 1994, pp. 361 – 362
http://ian.ucc.nau.edu/-pms/ci355/readings/fontana%26frey.pdf.
- ibid. pp. 365 – 367
- Donna Gomien , David Harris and Leo Zwaak , Law and Practice of the European Convention on Human Rights and the European Social Charter , Council of Europe Publishing ,1996 pp. 320 – 321:
http://books.google.com.sa/books?id^KksbVYCAE8YC&pg~PA302
- ibid. p. 322
- Wainwright, Anna Morris, and others, The Protest Handbook, Bloomsbury Publishing, 2012, pp. 221 – 222.
http://books.google.com.sa/books?id—AXiyeesUgcwC&dq
- Organization of Peace rights , The Right to Protest Under UK Law: A Civil Liberty in Decline,, 2007, p. 23:
http://books.google.com.sa/books?id-EWr4MgEACAAJ&dq
- ibid. p. 24.
- JohnBeggs QC , George Thomas and Susanna Rickard , Public Order: Law and Practice , Oxford University Press, UK, 2012, p. 130:
http://books.google.com.sa/books?id=iflUDnOthPsC&printsec=frontcover&dq
- DavidMead , The New Law of Peaceful Protest: Rights and Regulation in the Human Rights Act Era , Hart Publishing Limited, 2010, p. 51:
http://books.google.com.sa/books?id=N036LAAACAAJ&hl
- Wainwright, Anna Morris, and others, op. cit, pp. 250 – 252.
- جمهورية مصر العربية، الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية، القانون 107 لسنة 2013 بتنظيم الحق في الاجتماعات العامة والمواكب والتظاهرات السلمية، مرجع سابق.
- ثريا عبد الجواد، العملية التشريعية وقضايا الحريات العامة والفكرية في مصر في الفترة من (1974 – 1990)، ندوة النمو والتنمية لمصر خلال القرنين التاسع عشر والعشرين في الفترة من 20 – 22فبراير 1997 بفندق فلسطين، مؤسسة فريدريش ناومان، مركز بحوث الشرق الأوسط، الإسكندرية، 1997، ص ص 7 – 8.
[·]أستاذ علم الاجتماع المساعد كلية الآداب – جامعة طنطا.


