بشرى زكاغ (*)
ملخص:
انطلاقًا من الزاوية التاريخية والمعرفية، سنتناول في بحثنا هذا التحولات الكبرى التي شهدتها المنظومة الثقافية المغربية خلال مرحلة الاستعمار، من خلال التعرض للمظاهر الثقافية والاجتماعية والمعرفية التي أفرزتها صدمة الحداثة واللقاء مع الآخر المختلف والغريب، على أساس أن تدبير الشأن الثقافي بالمعنى الحديث لم يتأت للمغرب إلا من خلال اطلاعه على الآخر المختلف ونهج أساليبه في العصرنة والتحديث.
الكلمات المفتاحية: الاستعمار الفرنسي، تدبير الشأن الثقافي، الموروث، التحديث
Managing Cultural Affairs in Morocco
During Colonial Times
Bouchra Zougagh ([**])
Abstract: Adopting a history of knowledge approach, the article examines the major transformations to Moroccan culture during the colonial period resulting from the exposure to cultural, social, and intellectual manifestations of the clash with modernity, and the encounter with a strange and different «other». Managing cultural affairs in the modern sense, argues the author, originated in Morocco as a result of observing the «other» and imitating the other’s modes of being modern.
Key words: French Colonialism, Management of Cultural Affairs, Heritage, Modernization.
مقدمة
مع مطلع القرن العشرين، دخل المغرب الزمن الحديث عبر صدمة الاستعمار وصدمة الحداثة؛ فالمغرب، البلد القوي تاريخيًا والمعتز بكيانه وموروثه التليد، وقف عاجزًا أمام مداهمة الظاهرة الكولونيالية له، مع ما عناه ذلك من زوالٍ للسيادة وانخراط في تبعية سياسية واقتصادية وثقافية عميقة وطويلة المدى، إضافة إلى صدمة الحداثة وما تعنيه من ضرورة الانخراط في سيرورة الانفتاح على الآخر الغريب ونهج أساليبه في التحديث وما رافقها من تجهيز وعصرنة.
كان من طبيعة الإصلاحات والتحولات تلك أن تحدث تغيرات عميقة في البنى كافة، ابتداء من البنى الاقتصادية إلى الاجتماعية والديموغرافية إلى السياسية، ليشير ذلك كله إلى تحولات شاملة، ثقافية في جوهرها بكل ما تحمله كلمة ثقافة من معنى. وإذا كان من السهولة بمكان بالنسبة إلى الباحث عزل الظاهرة السياسية عن مثيلتها الاقتصادية، فإن الأمر سيغدو مستعصيًا إذا تعلّق بالثقافة، كونها ببساطة ذلك الشمل الشامل الذي لا يتجزأ في حياة الإنسان، وفي ترابط أجزائه معنى وجود الكائن الفرد والمجتمع على حد سواء.
إن التفكير في الشأن الثقافي المغربي خلال القرن الماضي هو تفكير في تحولات كبرى شهدتها المنظومة الثقافية المغربية، لا من زاوية قطاعية تعزل الثقافة عن بقية القطاعات الأخرى، أو حتى من زاوية الوصاية باعتبار الثقافة شأنًا حكوميًا صِرفًا، بل من زاوية أنه تفكير تراكمي يسعى إلى رص البنى وإدماج جميع المتدخلين، بالإضافة إلى رصد الأفكار والتحولات الثقافية في شموليتها وحتميتها، في محليتها وخصوصيتها وفي انفتاحها وتلاقحها مع الثقافة الغربية وحداثتها. فما هي الإصلاحات والتشريعات التي سنّتها فرنسا في المغرب في ما يخص التراث المادي وغير المادي؟ وكيف تمكنت السلطات الفرنسية من تضييق الخناق على اللغة العربية والدين الإسلامي وجميع النظم الثقافية الرمزية؟ وما هي المظاهر الثقافية والاجتماعية والمعرفية التي أفرزتها صدمة الحداثة، واللقاء مع الآخر المختلف والغريب؟
الحداثة تنادي الثقافة المغربية
تتجلى أهمية المغرب التاريخية والثقافية من خلال الدور الطلائعي الذي أداه خلال العصور القديمة كملتقى لحضارات البحر الأبيض المتوسط، وكذا الدور الاستراتيجي الذي قام به إبان الفتوحات الإسلامية، حين ظل على مر عصور خلت يشكّل القاعدة الخلفية الأساسية لانتشار الإسلام في إسبانيا وأوروبا شمالًا، وأفريقيا جنوبًا، وهو ما جعل علاقاته واتصالاته وقوافله التجارية تتسع لتشمل مسافات وبلدانًا بعيدة. وكان من شأن ذلك كله أن يجلب للحضارة المغربية المزيد من الانفتاح والتأثر والتلاقح، الأمر الذي جعلها تتسع وتتنوع، ولا تكف عن الأخذ والعطاء من مختلف الحضارات الإنسانية. غير أن تدبير الشأن الثقافي بالمعنى الحديث لم يتأت للمغرب إلا من خلال اطلاعه على الآخر المختلف (صدمة الحداثة)، ومن صدمة الحداثة هذه «علّمنا العالم الحديث أن نتواجد بسِمات لا تعكس جوهر ذاتنا، بل سمات الآخر بالمعنى الثقافي»([1]).
كان المغرب، شأنه شأن كثير من الدول، وقبل أن يداهمه الاستعمار، قد وقف منبهرًا أمام تفوّق أوروبا الحديثة علميًا وعسكريًا واقتصاديًا وثقافيًا. ولذلك، بدأ فعلًا اتصالات ذات طبيعة دبلوماسية مع بعض الدول الغربية، قصْد سن محاولات ومشاريع إصلاحية، حتى يستطيع الاندماج في الاقتصاد الرأسمالي العالمي من جهة، والخروج من التخلف من جهة أخرى. لكن هذه الإصلاحات الأولية فشلت أمام ثقل الموروث التاريخي والثقافي وكثرة الأزمات الداخلية المستفحلة، كما اعتُبِر «تزايد الأطماع التوسعية الرأسمالية عاملًا إضافيًا في استفحال هذه الأزمات وانفجارها الدرامي في نهاية الأمر»([2]).
يتعلق الأمر بطبيعة الدولة القائمة وتقاليدها التاريخية الخاصة، «ثم نوعية التراتبيات المحلية في أجهزة السلطة السياسية، علاوة على طبيعة المشروعيات السائدة في الحقل السياسي المحلي»([3]). وإضافة إلى ما سبق، ظل التعليم المغربي متأخرًا عن نظيره في المشرق، وفي الوقت الذي عمدت فيه كل من مصر وإيران والدولة العثمانية إلى ترجمة الكتب العامة والمدرسية الغربية وإنشاء مدارس لتكوين نخبة على النمط الغربي، تمكِّن هذه الدول من الانتقال السريع للانخراط في سلسلة من الإصلاحات الواسعة، ظل التعليم المغربي تقليديًا، ومقتصرًا على المدارس القرآنية العتيقة، «واعتبر ذلك عاملًا ثقافيًا إضافيًا عطّل ظهور نخبة متنورة قادرة على خلق أفكار حداثية وعصرية تساير العصر وتساهم في إحداث التغيير المطلوب»([4]). لذلك، وصف إدموند بورك «المجتمع المغربي فيما قبل الحماية بأنه صيغة من صيغ الأنظمة الأبوية، وبما أنه لم ينجح أبدًا في خلق مدن حرة أو توليد بورجوازية مستقلة كما نجحت أوروبا الغربية، فإن السياسة أضحت فيه عبارة عن سلسلة من المتغيرات في إطار شبكة من العلاقات الزبونية أو علاقات السادة والأتباع»([5])، فهي إذًا صورة مجتمع في مأزق كما عبّر الباحث، الأمر الذي عطّل مسيرة الإصلاح والتحديث إلى حين ظهور سياق تاريخي جديد تقوده قوة السلاح وعنف الآلة الحربية.
مع تعرّض المغرب للاستعمار المتعدد الأهداف والصفات، ستتجلى واضحة أهميةُ العوامل الدينية والثقافية والسوسيولوجية في تجسيدها العمق التاريخي المغربي، وتحديد الكيفية التي سيتم من خلالها صوغ مشروع التحديث والإصلاح داخل مجتمع تقليدي كالمغرب، وتوطين الحداثة، التي لا تُعتبر في أي حال موطنه الأصلي. «وخلاصة القول إذن إن هذا الإصرار على الدمج بين الحداثة والتقليد، أدى إلى إنتاج وضع تاريخي خاص قوامه إما حالة من التكيف أو حالة من الصدام والنزاع بين نمطين حضاريين مختلفين جذريا»([6])، من جهة نمط قائم ومنذ قرون خلت على نظم ثقافية ميثولوجية شفاهية ومقدسة (الزوايا، المساجد، الأضرحة، المواسم والأعياد الدينية..)، ومن جهة أخرى نمط حديث يفرض ذاته قائم على النظام المعرفي الحديث وعلى المعرفة التجريبية والكلمة المطبوعة. هذا التساكن بين الصراع والتكيف، ورغم ما كان يعانيه من توترات، تَوخى تحديد موقع المغرب في الزمان والمكان، وخدمة القضايا الأساسية المتصلة بالشأن الثقافي، وربط رهانه بالرهان السياسي الإصلاحي، وهو ما بلور الوعي بضرورة النهوض بالقطاع على النحو الذي يليق بتاريخ المغرب، وتمكينه في نهاية المطاف من تحديث بناه والتقدم تدريجيًا، ومن ثم البدء بنقلة ثقافية ومعرفية جديدة.
ولأن مجتمعنا المغربي سعى جاهدًا خلال القرن الماضي وقرون قبله إلى الحفاظ على هويته وحمايتها ممّا يتهددها من الخارج، فإنه أصبح مدعوًا في إطار هذا الزخم الهائل من المتغيرات – صدمة الاستعمار وصدمة الحداثة – إلى إعادة النظر في تدبير الشأن الثقافي وكذا المسلّمات والبديهيات التي تحكمت فيه، والقيم والآليات التي تداولت على أراضيه؛ ذلك أن مفهوم الحداثة «كمنتوج تاريخي طويل الأمد» هو، رغم الغموض الذي يتلبس به وإيحاءاته المتباينة، «أيديولوجيا كونية للتغيير الشامل»([7])، وما على المجتمعات التقليدية كالمغرب إلا أن تفتح الأبواب على مصاريعها، لتهب عليها رياح الحداثة وأسلوبها وقيمها الجديدة حاملة شعار: «نحن هنا حضرنا إلى أراضيكم لنمكّنكم من الخروج من التخلّف وتحقيق الإصلاح والتقدم المنشود.»
جدير بالذكر أن قبل دخول الاستعمار الأراضي المغربية، راجت في الأوساط الاستعمارية نقاشات واسعة حول كيفية التدخل، فكان هناك من انحاز إلى خيار القوة والسلاح، وكان هناك من دافع عن الطرق السلمية. وضمن الخيار السلمي الذي ادّعى الاستعمار أنه انحاز إليه «تقليلًا من حجم الخسائر التي قد تلحق بالسياسة الفرنسية الخارجية، وحفاظاً على وضع جاليتها المستقرة في شمال أفريقيا»([8])، نجد إدموند دوت (E. Doutté) «الذي اقترح طرقًا مختلفة لدخول المغرب، وأهمها الاستعانة بالوسطاء، وهم اليهود المغاربة والجزائريون، والجزائريون المسلمون القاطنون بالمغرب الشرقي»([9]). وفي الاتجاه نفسه نجد إدموند دوشو (E. Dechaud) يقول: «من المؤكد أن فرنسا إذا أرادت يومًا أن تفرض ولو سيطرتها المعنوية على المغرب، فإنها لن تستطيع ذلك إلا بمساعدة من العناصر الجزائرية»([10]). هذه الإشارة تؤكد توجّه المستعمرين نحو تقديم المستعمرة الجزائرية في تغيرها وتحديثها نموذجًا على المغرب أن يقتدي به، وهو ما يؤكد أن الحداثة كظاهرة، سواء بالنسبة إلى المغرب أو إلى بقية بلدان شمال أفريقيا، إنما جاءت في سياق توسعي استعماري، جعل هدفه الأساسي تيسير سبل التغلغل الرأسمالي داخل المجتمعات غير الأوروبية. ويؤكد هذا الأمر أيضًا العزلة التي فرضتها الجالية الأوروبية على نفسها في المغرب، سواء في المدن أو في القرى، كي تحافظ على سيطرتها وتفوّقها الحضاري؛ إذ إنها كانت تعيش في مجتمع مغلق: حي خاص ومحلات تجارية خاصة ودور سينما وأندية ثقافية ورياضية واحتفالات خاصة أيضَا: «لقد كانت تنفرد بنمط خاص وتقطع قدر الإمكان خيوط التواصل مع الغير في الوقت الذي كانت تقدم نفسها كنموذج للحياة العصرية دون أن تعطي لغيرها الوسائل لبلوغ هذا النموذج»([11]).
مأسسة قطاع الثقافة خلال الاستعمار
نقصد بالمأسسة في هذا السياق «عملية إيجاد وتكوين أصول وقواعد الممارسات والعمل الممنهج، أو إنها طراز مستمر في السلوك الاجتماعي أو طريقة ثابتة للسلوك الجماعي. وبهذا فهي مجموعة علاقات اجتماعية منظمة لاحتواء وتنظيم جهود الأفراد من أجل تحقيق أهداف مشتركة»([12]). على هذا الأساس، فإن المقصود بمأسسة قطاع الثقافة في المغرب يفرض الحديث عن حضور المؤسسة والقواعد الضابطة التي تقود النشاط الثقافي وفق أهداف تم تسطيرها مسبقًا، ولن يتأتى الحديث عن ذلك إلا مع دخول الاستعمار وتولّي السلطات الفرنسية تسيير الإدارة المغربية، حيث اختلفت الإصلاحات والتشريعات خلال فترة الاستعمار عن بقية المراحل الأخرى التي مر منها قطاع الثقافة في المغرب؛ إذ عمدت فيها السلطات الفرنسية إلى سد الفراغ القانوني بسن نصوص قانونية لحماية التراث الثقافي المادي في المغرب – ما دام أنه لم يتعارض مع سياسة الفرنسيين التوسعية – لكن مع تهميش مقصود للتراث غير المادي، خاصة ما تعلق منه باللغة والدين والعادات والتقاليد والممارسات الشفوية المختلفة، في مقابل فسح المجال أمام الثقافة الفرنسية للانتشار والتوسع.
التراث المادي
كان لتعيين الجنرال هوبير ليوتي في منصب المقيم العام للإدارة الفرنسية في المغرب، الأثر الكبير في إحداث مجموعة من التغييرات طاولت جميع المجالات، خاصة المجالين الاقتصادي والعقاري؛ إذ استفادت الإدارة الفرنسية من تجربتها الفاشلة في الجزائر خلال السنوات الأولى من الاستعمار، فلم تجد ما تستولي عليه فورًا كملْكية عمومية، فركزت اهتمامها في المغرب على توسيع الوعاء العقاري العمومي، وإضفاء الشرعية على ملكية الأراضي، ولا سيما تلك التي تهافت عليها الأوروبيون عندما كان الملّاك المغاربة يفرون خائفين من جيوش المستعمر وعنف الآلة الحربية. ولأن الموروث التاريخي المغربي كان في شقه المادي قد استفاد أيضًا من هذه الإصلاحات، فإن الهدف الأول والأخير للمقيم العام لم يكن سوى حماية المصالح الاقتصادية الفرنسية، وضمان استيلائها على أكبر حصة من الملْكية العمومية والخاصة، حتى لو أدى الأمر إلى تدمير الموروث التاريخي نفسه؛ «ففي مدينة وجدة، ومن أجل توسيع المدينة الأوروبية، حطمت سنة 1921م الأسوار الغربية والشمالية للمدينة القديمة»([13])، من دون أي مراعاة لقيمتها التاريخية والتراثية. لكن من مزايا هذا التجربة أن الإدارة الفرنسية وجّهت اهتمامها أيضًا نحو تقنين التراث المعماري عبر إصدار سلسلة من الإجراءات التشريعية، في شكل ظهائر سلطانية بلغ عددها حوالي 13ظهيرًا أو مرسومًا وزاريًا، فضلًا عن تأسيس مصالح عدة تهتم بهذا التراث المادي بجوانبه التقنية والعلمية المختلفة.
سنّت الإدارة الفرنسية أول قاعدة تشريعية بشأن المعالم التاريخية عبر ظهير 26 تشرين الثاني /نوفمبر 1912([14])، وكانت تتعلق بحماية الموروثات المادية القديمة التي تمس تاريخ المغرب، أكانت على شكل بنايات معمارية أم على شكل منقولات فنية.
تضمّن ذاك الظهير سبعة أبواب مقسمة إلى أربعين فصلًا، تعلق الباب الأول بتقييد المباني التاريخية في كناش (سجل) خصوصي، واهتم الباب الثاني بتاريخ التقييد، والباب الثالث بتخصيص منطقة لوقاية المباني التاريخية والموضوعات البهيجة، وركز الباب الرابع على ضرورة تقييد الأحجار المكتوبة وما شابهها، بينما عُني الباب الخامس بالمحافظة على المنقولات الفنية والتاريخية مثل النقوش والكتابات القديمة والتماثيل والنقود… وخُصص الباب السادس لكيفية إجراء البحث والاكتشافات في مجال الآثار، وثبت الباب السابع الشروط العامة التي تتعلق بإجراءات العمل بهذا الظهير.
وقد حدد هذا الظهير أصناف التراث الواجب المحافظة عليها وترتيبها، وتم في 4 أيلول/سبتمبر 1914 تثمينه وتتميمه بظهير شريف([15]) خُصص لتصنيف المباني التاريخية ذات الصبغة الخاصة أو المعنوية، فضلًا عن تنظيم الوعاء العقاري، وترتيب المواقع والمناظر الطبيعية، وتحديد مناطق الحماية حول المعالم التاريخية. وجرى تغيير هذا الظهير وتتميمه بظهير ثالث صدر في 21 آب/ أغسطس 1916 ([16])، جعل أولى أولوياته حماية المناطق المحيطة بالمعالم التاريخية وبالمواقع والمناظر الطبيعية، وأيضًا تنظيم عمليات تصنيف المساجد والزوايا والمدارس والنوافير والمنازل والمرافق التجارية. كما صدر ظهير رابع بتاريخ 19 تشرين الثاني/ نوفمبر 1920([17]) رُتِّبت بموجبه مناطق الحماية الخاصة بموقع وليلي وبمدن مراكش وفاس والرباط ومكناس، وظهير خامس بتاريخ 28 شباط/ فبراير 1921([18])، أُنشئت بمقتضاه المديرية العامة للمعارف العمومية والفنون الجميلة والصنائع القديمة. ثم صدر ظهير سادس بتاريخ 4 حزيران/ يونيو 1922([19])، والمتمم لظهير 13 شباط/ فبراير 1914 بشأن المحافظة على المواقع والمعالم التاريخية ومناطق الحماية الفنية. وصدر ظهير سابع بتاريخ 1 نيسان/ أبريل 1924([20]) لإعادة تنظيم مصلحة المعالم التاريخية والقصور السلطانية والإقامات، مع إعطائها اسمًا جديدًا هو «مصلحة الفنون الجميلة والمعالم التاريخية». وصدر ظهير ثامن بتاريخ 21 شباط/ فبراير 1927([21]) يتعلق بفتح وتنظيم متحف الصنائع القديمة والفنون الإسلامية في المغرب. وفي 27 أيلول/ سبتمبر 1935 صدر ظهير تاسع يُعنى بحماية واستعمال المعالم التاريخية والمواقع ذات الأهمية الخاصة بالنسبة إلى السياحة([22]). أمّاّ الظهير العاشر، فصدر بتاريخ 31 أيار/ مايو 1935([23])، وحُذفت بموجبه مصلحة «الفنون الجميلة والمعالم التاريخية» وتحويل صلاحياتها لسلطات أخرى. وصدر الظهير الحادي عشر بتاريخ 21 حزيران/ يونيو 1940([24]) بشأن تغيير ظهير 13 شباط/ فبراير 1914 المتعلق بالمحافظة على المعالم التاريخية والمواقع. كما صدر الظهير ما قبل الأخير بتاريخ 21 تموز/ يوليو 1945([25])، ويتعلق بالمحافظة على المعالم التاريخية والمواقع والنقوش والتحف الفنية والصنائع القديمة، وحماية المدن العتيقة والأشكال الهندسية الجهوية. ويُعتبر ظهير 28 حزيران/ يونيو 1954 آخر ظهير صدر في عهد الحماية، وتم بمقتضاه تغيير الظهير السابق الصادر في 21 تموز/ يوليو 1945([26]).
مكّنت هذه التشريعات من تثمين المعمار التاريخي المغربي وحفظه في خانة المعالم التراثية الواجب حمايتها، وإن لم يكن هذا الأمر مقصودًا لذاته من طرف السلطات الفرنسية، لكنه تحقق بالفعل.
التراث غير المادي
في معرض تناول التراث غير المادي في المغرب خلال فترة الاستعمار، ينبغي التمييز أولًا بين مرحلتين: المرحلة الممتدة بين سنتي 1912 و1925، وهي فترة حكم ليوتي، والمرحلة اللاحقة التي عُرف فيها عن ليوتي دهاؤه السياسي وقدرته على التوفيق بين استتباب الأمن والاستقرار عن طريق احترام المعتقدات والعادات الدينية للأهالي، وعدم المساس بالمؤسسات الاجتماعية القائمة، واعتماد التنظيمات الإدارية والسياسية المحلية من جهة، وتنفيذ أوامر مسؤوليه واستكمال مخطط فرنسا التوسعي من جهة أخرى، وذلك في إطار ما عُرفِ بـــ«السياسة الثقافية الناعمة» لدى ليوتي و«التي صرفت انتباه المغاربة عن استيلاء الفرنسيين عن البلاد»([27])، ومكّنت فرنسا من إخضاع السهول الأطلسية وجبال الأطلس المتوسط، ومواجهة قبائل الريف في إطار التحالف مع إسبانيا.
ثم شهدت المرحلة اللاحقة تغيرات نوعية ومواجهة حقيقية بين الأهالي والسلطات الفرنسية، التي لم تبد أي تحفّظ في مهاجمة المقدسات والمعتقدات وجميع أشكال الثقافة الرمزية. وفي مقابل الطابع الحمائي الذي وفرته الإدارة الفرنسية في المغرب لمصلحة الآثار والمعمار وغير ذلك من أشكال التراث المادي عن طريق سن قواعد تشريعية ثابتة، عرف التراث غير المادي، مجسَّدًا في اللغة والعادات والتقاليد والدين، تهميشًا مقصودًا، «كما عرفت الصناعة التقليدية تراجعًا بالغًا»([28]) وكسادًا أدى إلى انهيار رؤوس الأموال المغربية الضعيفة الموظفة في القطاع، حيث كانت مؤسسات التصدير والاستيراد الأوروبية في المغرب «تغرق السوق الداخلية بصناعات أجنبية لا تسمح للصناعة التقليدية المغربية بمنافستها، مثل الأحذية اليابانية والأوروبية والنسيج البريطاني والياباني كذلك»([29])، مع تبخيس المنتوج التقليدي المغربي الذي وقف عاجزًا منهزمًا أمام المنتوجات الصناعية الفرنسية والإيطالية والإنكليزية وحتى اليابانية والصينية التي غزت الأسواق، وهو الأمر الذي خلف أعدادًا كثيرة من الصنّاع العاطلين من العمل، وزاد من أزمة المدن المغربية ومأساة سكانها.
كان هذا التهميش ذا أبعاد استراتيجية طويلة المدى هدفت على نحو خاص إلى ترسيخ الاختراق الثقافي الفرنسي بعد الانسحاب العسكري، وتفكيك المجتمع المغربي قدر الإمكان، حيث قال ليوتي في خطاب شهير له: «فيما واجهنا في الجزائر حتات شعب وحالة لا تجانس، وجدنا بالعكس من ذلك في المغرب أمة ودولة»([30])، ولمواجهة ذلك «لجأ المسؤولون الفرنسيون إلى ترديد بدون ملل أو حرج أسطوانة الفوضى المغربية»([31])، كحالة تطابق الواقع بعد الاستعمار وليس قبلها، بل اعتُبر ذلك الواقع الفوضوي الهدف الأساسي للاستعمار وغايته، «ولذلك عمل عدد كبير من الجرائد والنشرات الفرنسية، خاصة ‹Le Bulletin du Comité de l’Afrique Française›، على ترويج أطروحات الفوضى المغربية وعجز السلطان عن المحافظة على الأمن والانضباط»([32])، وتتلخص الأطروحات الأساسية لهذا التصور في أن المغرب مجتمع يعيش في فوضى شاملة ومستمرة، ولا ترجع هذه الفوضى المغربية إلى مجرد ظرفية أزمت هياكل الدولة والمجتمع وإنما هي «فوضى تاريخية تمثل جزءًا عضويًا من بنية الكيان المغربي نفسه. وبالتالي يمكن أن يجد الاستعمار مكانه كبديل وحيد وموحد قادر على تجاوز هذه التعارضات المستعصية»([33]). ولبلوغ ذلك، أوجدت السلطات الفرنسية لفظة تتلخص فيها هذه المقاصد كما يقر العروي، وهي كلمة مراقبة «التي تعني التوجيه والترويض والتسيير»([34])، حيث خولت الإدارة الفرنسية للقواد والشيوخ والأعوان سلطة مطلقة في مراقبة كل مغربي وزجه في السجن من دون محاكمة ومنعه من التنقل من دون رخصة، أبعد من ذلك حُرم المواطن المغربي من أبسط حقوقه السياسية والمدنية، وهو الأمر الذي زاد من تشتت المجتمع وفراغ الفضاءات العمومية، «حيث أصبح كل مغربي يخشى جاره ويرى فيه عميلًا للأجنبي» ([35])، الأمر الذي دفعه إلى الانزواء في مسكنه حفاظًا على أمنه وحريته، غير مبال بمصير وطنه وأمته.
كان المسجد، بفعل قداسته، المتنفس الوحيد الذي احتفظ بثقة المواطن المغربي للقاء أفراد جماعته والتعارف والتشاور معهم من دون خوف خيانة أو تجسس، وهو ما دفع بالسلطات الفرنسية إلى تضييق الخناق على الدين الإسلامي وشن حرب لا هوادة فيها على كل معالمه، ومن ثم «انتشرت في الأوساط الشعبية دعاية قوية مضادة للفرنسيين الذين اتُّهموا بهدم مساجد وجدة والإساءة إلى سكانها»([36]). وفي الحقيقة كان لتلك الدعاية سند من الواقع، «ذلك أن الفرنسيين علّقوا أعلامهم فوق أبراج المدينة وفوق منارة المسجد الأعظم»([37])، بل تطلعوا أحيانًا إلى محو العقيدة الإسلامية من حياة المغاربة ككل، خصوصًا الأمازيغيين بحيث كان يجري إقناعهم وإقناع العرب بأن إسلامهم لا يتجاوز مظاهره الخارجية الكاذبة، وبأن طقوسهم ساكنة جامدة بعيدة عن كل روحانية بل تتغلغل فيها الوثنية البربرية القديمة. وحتى بالنسبة إلى العرب، سعى الفرنسيون جاهدين إلى تدليس العقيدة الإسلامية وإزاحتها عن طريق الشرع والسنّة، من خلال توسيع نشاط الزوايا وتوليتهم في كثير من المناطق.
وتميزت السياسة الثقافية الفرنسية في المغرب أيضًا، ومنذ وقت مبكر، بالرغبة في فرض لغتها وثقافتها على حساب اللغات المحلية، وخاصة اللغة العربية التي كانت فرنسا ترى فيها العدو الأول بامتياز، بسبب ارتباطها بالدين الإسلامي الذي هو المحرك الأساسي لثقافة المقاومة، فشنّت عليها أيضًا حربًا ضروسًا تلخصها، على المستوى التنظيري، المنشورات والرسائل التي أصدرها المقيمون العامون وبعض أركان السلطة الفرنسية في المغرب، وعلى المستوى العملي تأسيس المدارس الفرنسية والمدارس الفرنسية -البربرية والمدارس الفرنسية – الإسلامية، مع العلم بأن هذه المدارس لم تُفتح في وجه أبناء الشعب عامة بل اقتصرت على نخبة معيّنة عقد عليها المسؤولون الفرنسيون آمالًا مستقبلية. إضافة إلى ذلك، فسحت السلطات الفرنسية المجال أمام نشاط الأخوات المسيحيات وشجعت دورهن في تعليم الإناث وتقريب القيم والعادات الغربية من وعيهن، في مقابل إغلاق الكثير من المدارس التقليدية ودُور القرآن، ومحاربة المدارس التي أسسها أنصار الحركة الوطنية المغربية، وترك التعليم العربي يندثر إلى الدرجة التي جعلت الناقد التونسي مصطفى شلبي – وليس في ذلك اختلاف بين السياسة التي نهجتها فرنسا في تونس والمغرب – يصف وضع الثقافة العربية في هذه الفترة بما يلي: «كنا نعتقد أن ثقافتنا أصابها التلف والتلاشي لأننا لم نعد نجد لها أثرًا في الكتب المدرسية، في الوقت الذي تحول فيه الكتاب – الفرنسي – بالنسبة إلينا إلى سفينة نوح»([38])، أي إلى طوق النجاة الوحيد والممكن.
علاوة على ذلك، عمدت السلطات الفرنسية إلى فرْنسة أغلب القطاعات الحيوية المغربية، بما في ذلك الإدارة والاقتصاد والإعلام والجيش، ومن ثم حاصرت جميع مقومات الثقافة المغربية الرمزية ووضعتها في مواجهةٍ غير متكافئة مع الثقافة الفرنسية، «ثم تطورَ وتوسعَ هذا الحصر إلى مفهوم نفساني ثقافي، أرغم المغاربة على تناسي كل ما يُذكِّر بحضور إسلامي عربي حتى وإن كان من عمل السكان الأصليين، بغية الوصول إلى صفحة بيضاء يمكن إذن أن تنقش فيها مبادئ الحضارة الغربية الفرنسية»([39])، ومن ثم جُرّد الفرد المغربي من كل ما كان يملكه ماديًا ومعنويًا، حيث فقد أرضه ودينه ولغته وثقافته، ووقف عاجزًا ضعيفًا غير محصَّن أمام الآخر القوي والمُهاب، ومن دون أي سلاح مادي أو معنوي، ومن ثم انزوى في ركن ساكن من بيته متطلعًا إلى مأساته واقتراب تلاشيه. ماذا فعل الاستعمار في النهاية؟ «قطع ما تبقى من روابط بين ما هو في مستوى التاريخ – المخزن، المدينة، الشرع، الثقافة العربية – وما هو دونه – الزوايا وبدعها، القبائل وأعرافها، العشائر وعاداتها، الأسر ومروياتها – اندس الاستعمار بين الكيانين، فقضى على الأول بالتدهور والإهمال وعلى الثاني بالتقهقر والانقراض»([40]).
رافق ذلك الانتشار التدريجي لقيم الحداثة الغربية في النسيج المجتمعي المغربي – والقائمة على إعلاء الذات الفردية وتوسيع مجال الاختيارات أمام الأفراد وانتشار فكرة المساواة – وشيوع قيم تحرر الأفراد والفئات الاجتماعية (المرأة والطفل)، وذلك في مقابل التنازل عن القيم القديمة القائمة على تراتبية قوامها أهمية رأس المال الرمزي والشرف في تحديد المكانة الاجتماعية للأشخاص، وأولوية علاقات القرابة وأخلاقيات الضمير والطاعة والولاء والاتكال على الأقدار، مع ما يلازم ذلك من اختلاط واضح في سلّم القيم نتيجة تداخلها وتعارضها أحيانًا.
ذلك هو جُل المظاهر الثقافية والاجتماعية التي أفرزتها صدمة الحداثة، واللقاء مع الآخر المختلف والغريب، وهو السياق «الذي فُتحت فيه بقوة السلاح وعنف الآلة الحربية المتطورة، تلك الأبواب أو الحدود التي كانت بالأمس مؤصدة كليًا أو جزئيًا»([41])؛ مظاهر انتشرت تدريجيًا في مختلف البنى الاجتماعية، وتجذرت بمرور الزمن في النسيج المجتمعي والثقافة المغربية، فسكنت اللاوعي وانفلتت من رقابة الذات وسلطتها، ومن ثم مارست استيهاماتها في عدد من الممارسات الثقافية التي أنجزها عدد من المثقفين، أدباء وفنانين ومسؤولين عن قطاع الثقافة في المغرب.
المجالات الثقافية الكبرى
ليس غريبًا أن يكون للممارسات الثقافية المغربية مجال عريض باعتبارها متجذرة في صميم حياة الأفراد والمجتمع، ومُكوِّنة حيزًا كبيرًا من المظاهر الخاصة والعامة، في إطار يلتقي فيه الجميل بالوظيفي، وفي ارتباط وثيق بالمواسم الدينية والمناسبات الاجتماعية، وكذا بظروف البلاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
وإذا كانت الآثار المعمارية والمنشآت التاريخية وأشكال التعبير الشفوي والرمزي قد ظهرت وازدهرت في فترات تاريخية سابقة ومتباعدة، لم يكن لمغاربة العصر الحديث دور فيها، فإن ثمة أشكالًا وممارسات ثقافية حديثة تعرّف إليها المغاربة من خلال صدمة الحداثة والاستعمار، فمارسوها وطوروها لتلائم أوضاعهم التاريخية والاجتماعية، ولتكون محل احترام وإعجاب من طرف الخارج أيضًا.
ولعل أهم مكسب حصّلته الثقافة المغربية في احتكاكها بالحضارة الغربية، كان توثيقها إثنوغرافيًا وتاريخيًا، أي كتابة تاريخ المغاربة الاجتماعي والثقافي اعتمادًا على التقصي العلمي، في الوقت الذي اقتصر فيه المؤرخون آنذاك على كتابة التاريخ السياسي. بمعنى آخر، يرجع فضل توثيق أسلوب حياة المغاربة ومجموع تقاليدهم وعاداتهم وقيمهم وأدواتهم وفنونهم ومأثوراتهم خلال فترة الاستعمار وما قبلها إلى مجهود الإثنوغرافيين الأجانب، وما ألّفوه من كتب ودراسات وروايات، «حيث عملت فرنسا على المتابعة العلمية المثابرة لمستجدات المجتمع المستعمَر»([42]). في هذا السياق «برز نموذج الإداري أو الضابط الذي يتولى دراسة وتحليل منطقة نفوذه، حيث كانت المونوغرافيا تتوج أحيانًا المرحلة التدريبية لرجال جهاز الحماية»([43])، وهذا هو السياق الذي برزت فيه عبقرية جاك بيرك، منجِز دراسة «البنى الاجتماعية بالأطلس الكبير»، وروبير مونتاني، منجز دراسة «البربر والمخزن»، إضافة إلى آخرين أمثال موليراس وفوانو.. وعلى سبيل المثال، تحدث أوغست موليراس في كتابه le Maroc inconnu عن المجتمع الريفي، وتميز بالانتباه الشديد إلى التفصيلات وبقدرته على الوصول إلى مجتمع الحريم الريفي، حيث وصف هذا الحيّزَ النسائي وتمايزت إشارته بين موقفين، موقف وصف فيه المرأة بأنها صلبة ومسيطرة على شؤون الأسرة والقبيلة وتهتم بجُل الأعمال، «فالنساء لا يتحجبن، وخصالهن طبيعية محضة، يشتغلن في الأرض ويحملن المعاول، ذلك أنه في أماكن عدة يستحيل حرث الأرض لصعوبتها، إنهن من يقمن بأعمال الحرث والبستنة، وأخذ القطيع إلى المرعى، الرجال لا يقومون بشيء بأي شيء تقريبًا»([44])، وموقف بدا مشدودًا فيه إلى رغبة طاولت جُل الإثنوغرافيين الأجانب، وهي إظهار سحر الشرق، متحدثًا عن جمال النساء الريفيات وغلاء مهورهن.
على غرار موليراس، نجد لوي فوانو، وهو من الباحثين الفرنسيين الذين كانت «بحوثهم مصممة بهدف استخدام المعرفة حول المجتمعات المستعمرة حديثًا، لتسهيل حكمها بطريقة خاصة فعالة»([45])، يتحدث في دراسة مونوغرافية عن وجدة، حاضرة المغرب الشرقي، و«تمتاز هذه الدراسة بأن أثبت صاحبها ملاحق ضمّنها الوثائق المعتمدة في بحوثه، واعتبرها حججًا استدل بها على ما أورد من وقائع تاريخية»([46])، مستفيدًا في ذلك من عمله في الإدارة الفرنسية بمدينة وجدة مدة غير يسيرة، وهو ما أهّله للاطلاع على كثير من الوثائق التي يصعب الوصول إلى مكامنها حتى في وقتنا الحاضر، فضلًا عن معاينته الوقائع التي عاصرها مدة إقامته في وجدة. وعلى غرار ما أنجزه فوانو عن مدينة وجدة، قدّم شارل جون ماري لوتورنو دراسة مهمة عن مدينة فاس، وفي وقت لاحق قدّم كاستون دو فردان دراسة أخرى عن مدينة مراكش، لتتوالى الدراسات المنوغرافية التي أنجزها الأجانب حول مدن المغرب وبواديه، محيطة بالجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وصفًا وشرحًا وتحليلًا، حيث حققت «المعرفة العلمية بالمغرب خلال الأربع والأربعين سنة للحماية تقدمًا لا جدال فيه»([47])، الأمر الذي جنّب حياة المغاربة الاجتماعية وذاكرتهم الثقافية النسيان والتلاشي، بل مكّنها أيضًا من سبل النقد والتعديل والانفتاح لتجاوز الانكماش والتقهقر، وهو الأمر الذي جعل الثقافة المغربية في هذه الفترة حبلى بالممارسات والأجناس والمظاهر المتعددة من فنون وممارسات ومعارف وآداب، بدءًا ممّا تداوله الباحثون إلى ما ألّفوه من مدوّنات تضمّها الخزائن العامة والمكتبات الخاصة، إلى التعبير الشفوي بألوان وأشكال وأدوات شتّى، من شعر وأمثال وأحاج وقصص وحكايات وفولكلور، إلى الفنون على اختلاف أنماطها وأدواتها..
فالحكاية الشعبية المغربية، شأنها شأن مثيلاتها في كثير من بلدان العالم، من الكثرة والتنوع بحيث يصعب حصرها أو تحديد معالم إنتاجها وانتشارها زمنيًا وجغرافيًا؛ ذلك أنها جمعت في صياغتها وإنتاجها بين مصدرين: الأول، يجسّده الإنسان المغربي البسيط الذي كان لسانه معبّرًا عن تفكيره وواقعه البسيط في بُعده المعيشي والوجودي، والثاني يجسده الإنسان المغربي المفكر والفيلسوف الذي راح يراقب ظواهر الكون وموجوداته من أجل تعليلها وتفسيرها وشرحها. وكلاهما لم يعدم سلاسة اللغة الشفوية وأسرار رموزها، بل راح ينسج ويؤلف الأحداث والوقائع ويضغطها في قوالب سردية جميلة وجذابة قد تطول أو تقصر، لكن من المؤكد أنها أدت دورها وبلّغت رسالتها لأفراد الشعب، خاصة خلال فترة الاستعمار.
امتدت ظاهرة الإعجاب بالحكايات بين فئات الشعب المغربي فترة طويلة، واعتُبرت مادة دسمة خففت من حدة شظف عيش الفئات الشعبية وطول ليالي الشتاء البارد وقساوتها وجوعها. لكن، وفي أول لقاء جمع الثقافة المغربية بالثقافة الغربية ودخول كثير من الأنماط والظواهر الثقافية الغربية إلى المجتمع المغربي، بدأ نجم السرديات الشعبية في الأفول، حيث تضاءل الاهتمام والطلب على استهلاكها وتم تعويضها بتجليات أكثر حداثة وعجائبية ترسخت أكثر بدخول المذياع إلى المدن والقرى، وتعويض طقس التحلق حول الجد والجدة أو الراوي وهو يحكي، بمذياع آلي تنبعث منه ألوان مختلفة من الأصوات والحكايات الغريبة، الأمر الذي دفع بعض المفكرين والمهتمين بالثقافة الشعبية، سواء مغاربة أو أجانب، إلى النظر في شأن حفظ الذاكرة والتراث الشعبي المجسَّد في الحكايات، فأصدر «كل من محمد الفاسي وإميل ديرمينغهيم E. Dermenghem مجموعة ‹حكايات فاسية› باللغة الفرنسية سنة 1926». وفي سنة 1940([48]) نُشر كتاب إدموند ديستانغ Textes berbères en parler des Chleuhs du Sous (Maroc) (نصوص بربرية في عامية سوس) الذي اهتم «بلون خاص من الحكاية الشعبية المغربية، ويتعلق الأمر بالحكاية الخرافية بمظاهرها المختلفة من حيوانية ونباتية وجمادية»([49]). ثم توالى فيض الحكايات وجمعها وتدوينها ونشرها ونقلها من إطارها الشفوي المحض والمتسم باتساع الخيال وحرية التعبير وسهولة تبدل وتغير عوالم الحكاية بما يوافق المكان والزمان، إلى عالم مغلق ومُنْتَه وغير قابل للتغيير، ويجسده النص المكتوب.
أمّا الفولكلور المغربي المعاصر، فقد ارتبط هو أيضًا بفترات المقاومة والنضال العسكري ضد المستعمر، حيث اقترنت الموسيقى المحلية والرقص والغناء الشعبي بالمقاومة وتحدي المستعمِر، الأمر الذي مكّن من الحفاظ على العناصر الأساسية للفولكلور الوطني، والتجديد فيه ليلائم فترة الالتزام بقضية المقاومة وتحرير البلاد. في إثر ذلك، وقّع هذا الفن حضوره الفاعل في الثقافة المغربية، الأمر الذي سمح بتأهيله وبعثه بعد سنوات تهميش وطمس، ومن ثم ترسيخ تأثيره في سلوكات المغاربة المختلفة، أيًا كانت عناصره: الشعر الشعبي والزجل والنثر؛ الألغاز والنوادر والأمثال والأغاني؛ الملاحم والرقصات وشعائر الاحتفالات؛ والفنون والحِرف وطرق الكلام الشعبية؛ اللهجات والأقوال السائدة بين أفراد المجتمع والطب الشعبي؛ التشبيهات الشعبية والصيغ الساخرة والإيماءات والرموز؛ طقوس حفلات الميلاد والزواج والختان؛ مواسم الحرث والجني وغيرها. هذه الأنماط الفولكلورية هي التي تستمر اليوم في تمكين المغرب من صورة الأمة المتجذرة في التاريخ، بما تغدقه عليه من إمكانات سياحية وثقافية ذات قدرة على الجذب والاستقطاب.
بذلك ظل الفولكلور، ولا يزال، مجسّدًا في تصرفات المغاربة وقيمهم ومبادئهم وهفواتهم وإنجازاتهم، وحاضرًا حضورًا لا يمكن تجاهله أو نكرانه حتى وإن ادّعت بعض الذوات الواعية المنحازة إلى سمات التحضر الغربي هجره ونكرانه؛ فممارساته لا تزال تقبع في منطقة اللاوعي، حيث لا سلطة للذات عليها لا تنفك تمارس حضورها واستيهاماتها واستعلاءاتها وارتداداتها، وهو ما أكدته أغلب الدراسات السوسيولوجية.
بالنسبة إلى الموسيقى، لا يمكن الجزم بإمكانية استحضار جميع الخصائص العامة للتراث الموسيقي المغربي، وذلك لاعتبارات عدة، أهمها الغنى على صعيد الأنماط، والتنوع داخل كل شكل، ناهيك عن التعدد اللغوي والثراء الشكلي (آلات ولباس وطقوس)، من دون إغفال ذلك التباين على الصعيد الموسيقي الصِّرف من حيث الإيقاعات والمقامات. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن «سبل الكشف عن واقع الموسيقى في فترات التاريخ المغربي المختلفة – انطلاقًا من العصر البربري، ومرورًا بفترات الجوار القرطاجي والاحتلال الروماني والبيزنطي والفتح الإسلامي، وحتى عهد الحماية الفرنسية في مطلع القرن العشرين- ما زالت متشعبة وغير معبدة» ([50])، لكن هناك قرائن عدة تؤكد أن هذا التاريخ تأرجح بين فترات ازدهار ونهضة ونكوص وتقهقر.
وقد عرف فن الموسيقى المغربية خلال فترة الاستعمار ركودًا وتهميشًا مقصودًا، وكنا أشرنا سابقًا إلى أن السلطات الفرنسية جعلت من أولى أولوياتها طمس الهوية المغربية في شقها الروحي والشفوي، ووجهت حصارها خصوصًا إلى فن الموسيقى والغناء توجسًا وحرصًا على عدم انبعاث فن غنائي رفيع في المغرب قد يجيش له الوجدان الجمعي، فيكون عاملًا محركًا يساهم في إذكاء الوعي الوطني لدى الشعب، في مقابل فتح الطريق أمام انتشار الثقافة الفرنسية وأنماطها الحداثية.
غير أن المغاربة تداركوا هذا الخطر وتشبثوا بهذا الفن ومارسوه. وفي ظروف صعبة تشكلت بعض الأنوية الموسيقية من عدد من الفنانين والموسيقيين الرواد في بعض المدن، وُجِد على رأس كل منها علَم من أعلام الموسيقى المغربية العصرية الناشئة في تلك الفترة.
أمّا بالنسبة إلى المسرح كممارسة فنية وثقافية، «فبدايته الأولى بالمغرب تعود إلى فترة الاستعمار، وتحديدًا إلى سنة 1923، عندما قام أعضاء فرقة محترفة ضمت فنانين تونسيين ومصريين بجولات فنية في عدد من المدن المغربية»([51])، لعرض مسرحية تراجيدية تروي بطولات صلاح الدين الأيوبي وانتصاراته التاريخية على الصليبيين. وبعد هذه التجربة مباشرة أُسست رابطة الطلاب في فاس من أجل إعادة تمثيل مسرحيات عربية (لبنانية ومصرية) وأخرى أوروبية (لموليير وشكسبير)…
«لقد عمل المسرح في هذه الفترة على نشر الوعي الثقافي والوطني، الذي استهدف التحريض والتحفيز من أجل مواجهة المستعمر، ولذلك لجأت قوات الحماية إلى القمع واستعمال السلاح لوقف نشاط المسرح المغربي»، لكن اعتماد المسرح المغربي في بداياته على حماسة العاملين في المجال، من ممثلين ومخرجين، مكّنه من تجاوز جميع محاولات الحظر الذي فرضتها السلطات الفرنسية عليه. كما أن هذه الحماسة كانت من العوامل الأساسية التي أدت إلى إثارة إمكانات جديدة في المجال، وهو ما مكّن المسرح المغربي من تحقيق ازدهار كبير في مسيرته؛ المسيرة التي كانت تنتكس أحيانًا كثيرة بحكم الحظر والتضييق على ممارسيه، ثم تعود تنبعث بين الفينة والأخرى أكثر نشاطًا وحيوية بفعل تشبث ممارسيه وجمهوره وحماستهم.
ويُعتبر الفن التشكيلي بدوره وليد مرحلة الاستعمار؛ إذ ظهر عدد من الرسامين العصاميين «في سياق ثقافي ظل ينظر إلى الصانع التقليدي المسؤول الوحيد عن إنتاج النماذج الفنية والثقافية التي تحمل مدلولات رمزية»([52]). وقدّم هؤلاء الرسامون أعمالًا فنية امتازت بالجِدة والحداثة مع وفائها للخيال الجمعي والهوية المشتركة، «لكن افتقادهم التكوين الفني والتقني والفكري، الذي هو معيار الممارسة عالميًا، سيدفع بهم إلى محاولة تقليد الفنانين الأوروبيين المستقرين في المغرب، وعلى رأسهم ج. ماجوريل وج. هانيون وإ. لوجرون وه. روسو»([53]). لقد ترك هؤلاء أثرهم وتراءت بصماتهم في أولى لوحات الفن التشكيلي المغربي، وتلك كانت البداية الأولى للرسم والتشكيل والتصوير في المغرب تبعها بعض الحضور المحتشم لرسامين مغاربة في صالونات ومعارض فنية غربية.
ساهمت هذه المعارض في بناء الملامح الأولية للفن التشكيلي في المغرب وتعريف الجمهور المغربي به، ومن ناحية أخرى «شارك الرسامون المغاربة في بعض المعارض الدولية: في الإسكندرية وسان فرانسيسكو وبروكسيل وواشنطن ولندن وفيينا..» ([54]). وقد شكّل ذلك فرصة لإطلالة الفن التشكيلي المغربي المعاصر على العالم، الأمر الذي زاد من شهرة الفنانين وتزايد الاهتمام والإقبال على لوحاتهم، غير أن الفن التشكيلي المغربي في هذه الفترة «ظل حبيس الممارسة الغربية وغير قادر على التخلص من عقدة لوحة الحامل Chevalet»([55]). كما أنه ظل عاجزًا تمامًا عن تمتين العلاقة الإبداعية بين السمات الجمالية المؤسِّسة للفن المعاصر والهوية المغربية في إرثها الجمالي المحلي، الأمر الذي جعل الاهتمام الخارجي بالفن التشكيلي المغربي يتجاوز التشجيع إلى التهميش، نظرًا إلى عجز الفنانين عن منح الخصوصية الفن التشكيلي المغربي الخصوصية والتميّز.
لقد أصبح في حكم اليقين أن الثقافة المغربية تأثرت بالثقافة الفرنسية، بوعي منها أو بغير وعي، وطوعًا أو كرهًا، متحمسة أو مجبرة، وسعت ما أمكن للاستفادة منها ومن حداثتها، سواء تعلق الأمر بالتوثيق والمأسسة أو التضييق والمهاجمة، إذ إن التضييق نفسه كان يشد انتباه المغاربة إلى موروثهم الثقافي ويزيدهم تمسكًا به ودفاعًا عنه.
خاتمة
لمّا كان الإنسان المغربي مسكونًا بهاجس العيش على ما تجود به ثقافته وحضارته، ومأخوذًا بالحاجة المستديمة إلى ترسيخ وجوده وتاريخه، فإنه أسلم زمام أمره وأسلس قيادة إرادته إلى من يعتبرها علة حضوره وفلسفة وجوده في الحياة: إلى ثقافته الروحية من جهة وتراثه الحضاري والمادي من جهة أخرى. ومن هذا المنطلق شعر بأهمية مد جسور التواصل والتلاقي مع إرثه العمراني والتراثي والفولكلوري وتوثيق الصلة به بحيث تصبح من طبيعة ممارساته اليومية.
لذلك نجد المجتمع المغربي، أفرادًا وجماعات، يقرن جوهر هويته ووجوده بالعامل الثقافي أكثر من غيره، سواء في شقه المادي أو في شقه غير المادي، من دون أن يعطي أهمية كبيرة لباقي العوامل، ولا سيما العوامل الطارئة عليه، على اعتبار أن إحساس الفرد المغربي بانتمائه إليها هو بمثابة إعلان حصوله على سمة المرور من طبيعة الوجود العبثي وما يفرزه من ضياع وتلاشٍ، إلى طور العلة وسبب الوجود وما ينتج منها من أنسنة ثقافية ووجود حضاري.
غير أن مع مطلع القرن الماضي توافرت للمغرب، الذي وقف بتاريخه المجيد وثقافته العريقة في مواجهة صدمتي الاستعمار والحداثة، سبل جديدة للتلاقي والتواصل مع ثقافة وحضارة حديثة لم يكن له عهد بهما، الأمر الذي دفع الثقافة المغربية وموروثها التليد إلى سفر اضطراري نحو الحداثة والتحديث، حيث فُرض عليهما كثير من التغيرات والتشريعات وأيضًا الكثير من التضييق والطمس، بل شنت السلطات الفرنسية في محطات ومناسبات عدة حربًا لا هوادة فيها على الثقافة المغربية، وخاصة على معالمها وممارساتها الرمزية واللامادية. ورغم ذلك، وجدت هذه الثقافة، بألوانها وممارساتها المختلفة، القوة اللازمة لتنفلت من موت كان يبدو محقَّقًا، لكن سبل البقاء هذه لم تحل دون ظهور أشكال جديدة متأثرة بالثقافة الفرنسية، الأمر الذي زاد من غناها ورصيدها المعرفي كمًا ونوعًا.
في إثر هذا السفر الاضطراري نحو الحداثة، تحولت الثقافة المغربية إلى ثقافة نقدية ومنفتحة تغتني وتتطور باستمرار في احتكاكها بالآخر الغربي، تمامًا كما اغتنت في ما سبق بعناصر الثقافات الشرقية والأفريقية القديمة والثقافة العربية الإسلامية. كما أثّ رت ثقافة الغرب، وبشكل واضح، في فكر وممارسات كثير من الباحثين والفنانين والأدباء، منهم مصطفى الشلبي مثلًا الذي أقر بـــ «أن الثقافة الفرنسية ساهمت في تشكيل وعيه وخطابه النقدي، ومكّنته من توحيد خطاباته القديمة»([56]). لكن من الواجب أن نقر بأن هذا الاعتراف بتأثر الثقافة المغربية والعربية إيجابًا بثقافة المستعمر وحضارته لم يكن التوجه الوحيد الذي نهجه مثقفونا؛ فمنهم من انحاز إلى آثارها السلبية، معتبرين أن مرافقة التقصي العلمي للمجتمع المغربي وثقافته إنما جاءت في سياق ظاهرة عامة اتصلت بعلاقة المعرفة بالسلطة، وأن الثقافة الغربية ظلت من منطلق مركزيتها تنظر إلى ثقافة المجتمعات التي استعمرتها نظرة احتقار ودونية وحوّلتها إلى مجرد ثقافات سابحة في فلكها، ومن ثم طغت نزعة الهيمنة والسيطرة لديها على بقية الثقافات الأخرى. وهي نظرية معرفية جديدة عُرفت بنظرية «ما بعد الاستعمار»، وتسلَّح بها كتّاب العالم الثالث بعد الحرب العالمية الثانية، خصوصًا كتّاب أفريقيا وآسيا، لمجابهة تمركز الثقافة الغربية وسطوتها، وذلك من أجل تقويض مقولاتها الفكرية المهيمنة. عقب ذلك، أنجز عدد من أصحاب هذه النظرية أطروحات وازنة في هذا المجال، لكن ذلك لم يكن ممكنًا من دون اعتماد آليات منهجية يعود الفضل في طرحها إلى مفكرين غربيين أمثال ميشيل فوكو وجاك دريدا وجاك لاكان، وفي ذلك تشديد ثان على أن ثقافة الغرب وفّرت لثقافات الدول التي استعمرها فرصًا حقيقية للنقد والانفتاح والتطور، وهو الأمر الذي كان سيغدو مستحيلًا من غير هذا اللقاء.
المصادر والمراجع
References
العربية
الأسود، صادق. علم الاجتماع السياسي: أسسه وأبعاده. الموصل: مطابع جامعة الموصل، 1986.
بورك، إدموند. الاحتجاج والمقاومة في مغرب ما قبل الاستعمار، 1860-1912. ترجمة محمد أعفيف. الرباط: جامعة محمد الخامس أكدال، 2013. (نصوص وأعمال مترجمة؛ 17)
بوين، دونا لي. «شمال أفريقيا: بدايات القرن العشرين إلى الحاضر.» ترجمة آمال عبد الهادي. تاريخ المشاهدة 8/1/2016، على الموقع الإلكتروني: http://sjoseph.ucdavis.pdf
تفاسكا، أحمد. تطور الحركة العمالية في المغرب، 1919-1939. بيروت: دار ابن خلدون، 1980.
الخديمي، علال. «الأصداء الوطنية لاحتلال مدينة وجدة سنة 1907.» مجلة كلية الآداب، العدد 3 (عدد خاص بندوة حاضرة المغرب الشرقي: مدينة وجدة من التأسيس إلى الوقت الحاضر) (1992) ص 205 - 222.
سافيدان، باتريك. الدولة والتعدد الثقافي. ترجمة المصطفى حسوني. الرباط: دار توبقال للنشر، 2011. (معالم)
عبد الجليل، عبد العزيز. مدخل إلى تاريخ الموسيقا المغربية. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1983. (عالم المعرفة؛ 65)
العروي، عبد الله. مجمل تاريخ المغرب، ج 3: من الغزو الإيبيري إلى التحرير. ط 2. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2004.
عياش، ألبير. المغرب والاستعمار: حصيلة السيطرة الفرنسية. ترجمة عبد القادر الشاوي ونور الدين السعودي؛ مراجعة وتقديم إدريس بن سعيد وعبد الأحد السبتي. الدار البيضاء: دار الخطابي، 1985. (معرفة الممارسة)
لمريني، فريد. معيقات التحول الليبرالي في المغرب: صراع الحداثة والتقليد. الرباط: دفاتر وجهة نظر، 2006. (دفاتر وجهة نظر؛ 10)
المنيعي، حسن. «أوضاع المسرح المغربي.» (موقع وزارة الثقافة). تاريخ المشاهدة 17/11/2015، على الموقع الإلكتروني: http://www.minculture.gov.ma
مهلة، ناجم. «الجاليات الأجنبية بوجدة تحت الحماية». مجلة كلية الآداب، العدد 3 (عدد خاص بندوة حاضرة المغرب الشرقي: مدينة وجدة من التأسيس إلى الوقت الحاضر) (1992) ص 169 - 176.
الأجنبية
Benítez Fernández, Montserrat [et al.], dirs. Évolution des pratiques et représentations langagières dans le Maroc du XXIe siècle. Paris: L’Harmattan, 2013. (Espaces discursifs)
Brives, Abel. Voyages au Maroc, 1901-1907. Alger: A. Jourdan, 1909.
Burke, Edmund. «La Hafidiya «Août 1907-Janvier 1908»: Enjeux sociaux et luttes populaires.» Hespéris-Tamuda 31 (1993): 101-115.
______. Prelude to Protectorate in Morocco: Precolonial Protest and Resistance, 1860-1912. Chicago: University of Chicago Press, 1976. (Studies in Imperialism)
Chelbi, Mustapha. Culture et mémoire collective au Maghreb. Nanterre: Académie européenne du livre, 1989.
Déchaud, Edmond. Le Commerce algéro-marocain. Alger: Impr. algérienne, 1906.
Destaing, Edmond. Textes berbères en parler des Chleuḥs du Sous (Maroc): Transcription avec notes et index. Paris: P. Geuthner, 1940. (Bibliothèque de l’école des langues orientales vivantes; 6)
Doutté, Edmond. Rapport à Monsieur le Gouverneur général de l’Algérie: Des moyens de développer l’influence française au Maroc, 1ère partie: Analyse des moyens généraux d’influence. Paris: F. Levé, 1900.
El Fasi, Mohammed et Émile Dermenghem. Contes fasis: Recueillis d’après la tradition orale. Traduits de l’arabe et publiés par Mohammed el Fasi et Émile Dermenghem; avec une introduction par Émile Dermenghem. Paris: Éditions d’Aujourd’hui, 1976. (Les Introuvables)
Mouliéras, Auguste. Le Maroc inconnu, première partie: Exploration du Rif (Maroc septentrional). Paris: Librairie Coloniale et Africaine, Joseph André, 1895.
Schmidt, Samantha. « French Colonialist Journals and Morocco: A Decade of Debate before the Protectorate.» (Thesis Presented to the Graduate School of Clemson University in Partial Fulfillment of the Requirements for the Degree Master of Arts History, May 2011).
Tozy, Mohamed, dir. Dimensions culturelles, artistiques et spirituelles: Rapport thématique. [Rabat: s. n.], 2005. (Cinquantenaire de l’indépendance du Royaume du Maroc)
Voinot, Louis. Oudjda et l’amalat, Maroc. Oran: L. Fouque, 1912. (Publications de la Société de géographie et d’archéologie de la province d’Oran)
[*] باحثة في قضايا الثقافة والتواصل والواقع الافتراضي في مركز دراسات كلية الآداب، جامعة محمد الأول، وجدة، المغرب.
[**])··( Researcher on cultural issues and virtual reality. Center for studies at Mohammed I University, Oujda, Morocco.
[1] باتريك سافيدان، الدولة والتعدد الثقافي، ترجمة المصطفى حسوني، معالم (الرباط: دار توبقال للنشر، 2011)، ص 30.
[2] فريد لمريني، معيقات التحول الليبرالي في المغرب: صراع الحداثة والتقليد، دفاتر وجهة نظر؛ 10 (الرباط: دفاتر وجهة نظر، 2006)، ص 13
[3] المصدر نفسه، ص 22.
[4] Edmund Burke, Prelude to Protectorate in Morocco: Precolonial Protest and Resistance, 1860-1912, Studies in Imperialism (Chicago: University of Chicago Press, 1976), 150.
[5] إدموند بورك، الاحتجاج والمقاومة في مغرب ما قبل الاستعمار، 1860-1912، ترجمة محمد أعفيف، نصوص وأعمال مترجمة؛ 17 (الرباط: جامعة محمد الخامس أكدال، 2013)، ص 42-43.
[6] لمريني، ص 19.
[7] المصدر نفسه، ص 7.
[8] Samantha Schmidt, «French Colonialist Journals and Morocco: A Decade of Debate before the Protectorate,» (Thesis Presented to the Graduate School of Clemson University in Partial Fulfillment of the Requirements for the Degree Master of Arts History, May 2011), 43.
[9] Edmond Doutté, Rapport à Monsieur le Gouverneur général de l’Algérie: Des moyens de développer l’influence française au Maroc, 1ère partie: Analyse des moyens généraux d’influence (Paris: F. Levé, 1900), 24-25.
[10] Edmond Déchaud, Le Commerce algéro-marocain (Alger: Impr. algérienne, 1906), 102.
[11] ناجم مهلة، «الجاليات الأجنبية بوجدة تحت الحماية»، مجلة كلية الآداب، العدد 3 (عدد خاص بندوة حاضرة المغرب الشرقي: مدينة وجدة من التأسيس إلى الوقت الحاضر) (1992)، ص 176.
[12] صادق الأسود، علم الاجتماع السياسي: أسسه وأبعاده (الموصل: مطابع جامعة الموصل، 1986)، ص 206.
[13] مهلة، ص 174.
[14] الجريدة الرسمية، العدد 5، بتاريخ 29 نونبر 1912، ص 25 - 26.
Bulletin officiel du Protectorat de République Française, n° 5, du 29 novembre 1912, p.25-26.
ملحوظة: لم تصدر الجريدة الرسمية بالمغرب (في عد الحماية) في نسختها العربية سوى بتاريخ 1 فبراير 2013
[15] الجريدة الرسمية، العدد 70، بتاريخ 4 شتنبر 1914، ص 365 - 368.
[16] الجريدة الرسمية، العدد 173، بتاريخ 21 غشت 1916، ص 712 - 713.
[17] الجريدة الرسمية، العدد 361، بتاريخ 30 مارس 1920، ص 340 – 344.
[18] الجريدة الرسمية، العدد 437، بتاريخ 8 شتنبر 1921، ص 768 - 769.
[19] الجريدة الرسمية، العدد 508، بتاريخ 18 يوليوز 1922، ص 1158.
[20] الجريدة الرسمية، العدد 603، بتاريخ 18 نونبر 1924، ص 1458.
[21] الجريدة الرسمية، العدد 755، بتاريخ 12 أبريل 1927، ص 849.
[22] الجريدة الرسمية، العدد 1197، بتاريخ 4 أكتوبر 1935، ص 1536.
[23] الجريدة الرسمية، العدد 1183، بتاريخ 28 يونيو 1935، ص 1048.
[24] الجريدة الرسمية، العدد 1448، بتاريخ 26 يوليوز 1940، ص 393.
[25] الجريدة الرسمية، العدد 2177، بتاريخ 16 يوليوز 1954، ص 134.
[26] الجريدة الرسمية، العدد 2180، بتاريخ 6 غشت 1954، ص 2247.
[27] Burke, Prelude to Protectorate in Morocco, 320.
[28] Edmund Burke, «La Hafidiya «Août 1907-Janvier 1908»: Enjeux sociaux et luttes populaires,» Hespéris-Tamuda 31 (1993),. 103.
[29] أحمد تفاسكا، تطور الحركة العمالية في المغرب، 1919-1939 (بيروت: دار ابن خلدون، 1980)، ص 11.
[30] عبد الله العروي، مجمل تاريخ المغرب، ج 3: من الغزو الإيبيري إلى التحرير، ط 2 (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2004)، ص 173.
[31] المصدر نفسه، ص 174.
[32] Schmidt, «French Colonialist Journals and Morocco,» 34.
[33] ألبير عياش، المغرب والاستعمار: حصيلة السيطرة الفرنسية، ترجمة عبد القادر الشاوي ونور الدين السعودي؛ مراجعة وتقديم إدريس بن سعيد وعبد الأحد السبتي، معرفة الممارسة (الدار البيضاء: دار الخطابي، 1985)، ص 7.
[34] العروي، ص 174 - 175.
[35] Burke, Prelude to Protectorate in Morocco, 287.
[36] Abel Brives, Voyages au Maroc, 1901-1907 (Alger: A. Jourdan, 1909), 416.
[37] علال الخديمي، «الأصداء الوطنية لاحتلال مدينة وجدة سنة 1907،» مجلة كلية الآداب، العدد 3 (عدد خاص بندوة حاضرة المغرب الشرقي: مدينة وجدة من التأسيس إلى الوقت الحاضر) 1995)، ص 214- 215.
[38] Mustapha Chelbi, Culture et mémoire collective au Maghreb (Nanterre: Académie européenne du livre, 1989), 11.
[39] العروي، ص 177.
[40] المصدر نفسه، ص 179.
[41] لمريني، ص 13.
[42] عياش، ص 7.
[43] المصدر نفسه، ص 7.
[44] Auguste Mouliéras, Le Maroc inconnu, première partie: Exploration du Rif (Maroc septentrional) (Paris: Librairie Coloniale et Africaine, Joseph André, 1895), 56.
[45] دونا لي بوين، «شمال أفريقيا: بدايات القرن العشرين إلى الحاضر،» ترجمة آمال عبد الهادي، ص 316، تاريخ المشاهدة 2016/1/8، على الموقع الإلكتروني: http://sjoseph.ucdavis.pdf
[46] Louis Voinot, Oudjda et l’amalat, Maroc, publications de la Société de géographie et d’archéologie de la province d’Oran (Oran: L. Fouque, 1912).
[47] عياش، ص 14.
[48] Mohammed el Fasi et Émile Dermenghem, Contes fasis: Recueillis d’après la tradition orale, traduits de l’arabe et publiés par Mohammed el Fasi et Émile Dermenghem; avec une introduction par Émile Dermenghem, Les Introuvables (Paris: Éditions d’Aujourd’hui, 1976).
[49] Edmond Destaing, Textes berbères en parler des Chleuḥs du Sous (Maroc): Transcription avec notes et index, bibliothèque de l’école des langues orientales vivantes; 6 (Paris: P. Geuthner, 1940).
[50] عبد العزيز عبد الجليل، مدخل إلى تاريخ الموسيقا المغربية، عالم المعرفة؛ 65 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1983، ص 8.
[51] حسن المنيعي، «أوضاع المسرح المغربي،» (موقع وزارة الثقافة)، تاريخ المشاهدة 17/11/2015، على الموقع الإلكتروني: http://www.minculture.gov.ma
[52] Mohamed Tozy, dir., Dimensions culturelles, artistiques et spirituelles: Rapport thématique, cinquantenaire de l’indépendance du Royaume du Maroc ([Rabat: s. n.], 2005), 37.
[53] Ibid., 37.
[54] Ibid., 38.
[55] Ibid., 40.
[56] Chelbi, Culture et mémoire, 272.


