بقلم / جاكلين مورون – ديفيليه
العميد الفخري
أستاذة القانون العام بجامعة باريس 1-بانتيون سوربون (*)
ترجمة د. رجب محمود طاجن
خبير قانوني بمركز الدراسات القانونية والقضائية بوزارة العدل
يثير “النموذج” الفرنسي للعدالة الإدارية دائما العديد من ردود الفعل القوية، سلبية كانت أم إيجابية، كتلك التي قيل بها في بداية القرن العشرين والمؤكدة لعدم استقلال القاضي الإداري الفرنسي بسبب قربه من الإدارة أو تلك التي أطلقها أحد قضاة إيطاليا الشهيرين فيما بعد معلنا أن هذه المؤسسة -أي مجلس الدولة – هي إحدى الإسهامات شديدة الأصالة والثراء التي حققتها فرنسا للعلوم القانونية على نسق تلك التي وهبها القانون الروماني للقانون المدني.
وقد قاد ظهور قاض إداري مستقل إلى التساؤل عما إذا كان وجوده يستند إلى ذاتية وتميز القانون الإداري أو ما إذا لم يكن لذلك الأخير من مصدر سوى ظهور نظام القضاء الإداري المستقل ذاته. والإجابة عن هذين التساؤلين متشعبة وصعبة وتذكرنا بمشكلة العلاقة بين البيضة والدجاجة وبمشكلة القانون والدولة وأيها كان أسبق في الظهور.
وبحسب الأصل، يتأسس رفض وجود قاض خارج عن الإدارة يراقبها على قاعدة أن “الحكم على الإدارة لا يعني سوى إخضاعها للقاضي”. وتتأسس هذه الشكوك الاستباقية ([1]) على قاعدة آخري مفترضة وهي حسن إدارة سلطات الدولة للأموال العامة، وعلى التقليد الفرنسي في التركيز الإداري، الذي استمر مطبقا حتى هذه الأعوام الأخيرة بالرغم من الاتجاه البطيء نحو التغيير. كما أن رفض وجود قاض لرقابة دستورية القوانين حتى وقت قريب يستند أيضا إلى تقديس ممثلي السيادة الوطنية (البرلمان).
وتأثرا بهذه المبادئ، وبهدف تفادي إعاقة العمل الإداري، فإن الإدارة ستقضي هي نفسها في منازعاتها، حيث سيكون هناك قاض داخل الإدارة نفسها ومنها، بما يشير إلى فكرة الإدارة القاضية، ثم نصل أخيرا إلى العدالة الإدارية المفوضة أو الباتة، فالإرادة التشريعية لم تقر منح مجلس الدولة استقلاله الكامل إلا في عام 1872م، ثم تكرس هذا الاستقلال فيما بعد عن طريق المجلس الدستوري في قراراته الشهيرة في 22 يوليو 1980 وفي 23 يناير 1987 م. فقبل ذلك، كان من الممكن، بواسطة قانون إلغاء مجلس الدولة لا بوصفه جهازا استشاريا بل بوصفه جهازا قضائيا. وأيما ما كان الأمر، فقد احتاج مجلس الدولة زمنا طويلا حتى يتحقق الاستقلال الكامل سواء من حيث وظيفته الاستشارية أو من حيث وظيفته القضائية.
وبصفة عامة، لا يمكن أن نهمل أن هناك ثلاثة نماذج قضائية هامة موجودة في عالمنا المعاصر هي النموذج الفرنسي والنموذج الإنجليزي وأخيرا النموذج الألماني. ويمكن القول بأن هناك تقاربا بين هذه النماذج، خاصة أن إنجلترا نفسها قد بدأت في السنوات الأخيرة في الإكثار من إنشاء المحاكم الإدارية المتخصصة من admimistrative Tribunals، وأنشأت في عام 2000 محكمة إدارية Cour admimistrative بهدف الإسراع في تحقيق العدالة المتخصصة التي يكون من السهل اللجوء إليها وبنفقات أقل، وذلك كله دون التخلي عن نظام القضاء الموحد المطبق في البلاد أوعن نموذجها التقليدي في إقامة العدالة، فوجود قضاء إداري متخصص في نظام العدالة الإنجليزي يجعل إقحام الإدارة في الدعوى أمرأ ضروريا ومفترضا.
وفي فرنسا، يعود نظام الازدواج القضائي في الأصل إلى إرادة سياسية Votonté Politique تعود إلى ريبة الثوار تجاه برلمانات النظام القديم، نظرا لإعاقاتها لأعمال الحكومة وتهديد استقلالها. وإذا كانت فرنسا قد قاومت إرباك القاضي لنشاطات الإدارة، ففي إنجلترا، تربك الإدارة القاضي. على أن مقاومة إنشاء قضاء إداري متخصص في إنجلترا يجد أساسه التاريخي في الشك والريبة تجاه وجود قاض متخصص فاقد لاستقلاله في مواجهة السلطة. فيجب في المقام الأول ضمان استقلال القاضي في المملكة المتحدة، في حين أننا في فرنسا نبحث عن استقلال الإدارة.
ويدور الجدل منذ وقت بعيد حول المشروعية السياسية لنظامي القضاء الموحد والقضاء المزدوج. على أن المبرر الحقيقي لنظام الازدواج إنما يكمن في الجوانب الفنية التي تؤكد فائدة وجود قاض متخصص للفصل في المنازعات الإدارية، التي تتمثل في مراعاة طبيعة النشاط الإداري والحفاظ على التوازن بين السلطة والحرية – تطبيقا لفكرة أن الحرية لا تقوم إلا بواسطة نظام وأن النظام لا يعني شيئا بدون حرية – التي يكمن فيها سر الحماية.
فهل يعد القاضي العادي أفضل من هذه الناحية. الإجابة ستكون بالنفي بطبيعة الحال، ففي كل دول النظام القضائي الموحد سيكون من اللازم إنشاء هيئات قضائية متخصصة للفصل في المنازعات التي تثار ضد الإدارة.
وبغض النظر عن مسألة استقلال القاضي الإداري في مواجهة الإدارة، فإن هناك مسائل جوهرية أخرى يجب الوقوف عليها لإمكان الحديث عن نظام للقضاء الإداري مثل تلك المتعلقة باستقلال القاضي الإداري بالنسبة إلى غيره من القضاة (القضاء العادي)، أو تلك المتعلقة بفعالية وتأثير أحكامه، أو المتعلقة بحماية الحقوق الشخصية، وبالبحث عن مفاهيم متطورة ومنفتحة لتحقيق المصلحة العامة، والربط بين المفاهيم القانونية والمفاهيم الاقتصادية من خلال خلق إطار فاعل بين القانون والاقتصاد والتحرر الاقتصادي، وقانون الرضائية والتطورات العملية للقانون الخاص، التي تؤدي معا إلى إضعاف القانون الإداري التقليدي والقاضي الإداري.
ونلاحظ أن هناك اتجاها إجماليا للقانون من ناحية، وبتفسير تكاملي للقواعد القانونية من ناحية أخرى، وبخاصة في ضوء التطورات الحادثة في القانون الأوروبي. وقد صاحبت هذا التطور حركة أخرى مناوئة تسعى إلى التخلص من هذا التطور؛ وهذا التعقيد أو التركيب في المعطيات والمشكلات يعد ظاهرة واضحة تماما ويؤدى إلى إيجاد مؤسسات وقواعد أكثر فنية وتخصصا وملاءمة. على أنه علينا القول، بأن القانون لم يعد يقنن العادي بل الخاص (أي القواعد الخاصة)، بحيث يمكن القول أيضا أنه يوجد في فرنسا قاض إداري خاص ومتخصص. ومثل هذا النظام الذى وجد في فرنسا منذ ما يربو على قرنين من الزمان لم يثر سوى انتقادات بسيطة تتعلق بتطوره، فهو يباشر مهمته في هذا الإطار تماما كمحكمة النقض مما يدفع إلى التساؤل: لماذا نتخلص من نظام يباشر عمله جيدا وتحت تأثير براهين لم تعد مقنعة؟.
ومثل هذا التمهيد الذي يصف القضاء الإداري الموجود في الوقت الحاضر يقود إلى فتح محاور جديدة للمعالجة لا تتعلق بانتقادات آتية من خارج مجلس الدولة كما كان في السابق، بل محاور تتعلق بعلاقات مجلس الدولة بغيره من تشكيلات القضاء الإداري ([2]) وبينه وبين الإدارة ([3]) وأخيرا بينه وبين الهيئات القضائية الأخرى غير القضاء الإداري.
1-الحوار في إطار مجلس الدولة ذاته ومع غيره من تشكيلات القضاء الإداري
أ-علاقة مجلس الدولة بغيره من تشكيلات القضاء الإداري
ظل عدم المساواة من العلامات البارزة لزمن طويل فيما يتعلق بتنظيم القضاء الإداري في فرنسا، فقد كانت المحاكم الإدارية في عام 1953م هي محاكم القانون العام صاحبة الولاية العامة في المنازعات الإدارية بالنسبة للواقع والقانون، في حين ظل اختصاص مجلس الدولة محصورا في الاستئناف فقط. وقد تطورت الأمور شيئا فشيئا بسبب إنشاء جمعية أعضاء المحاكم الإدارية وبسبب تحسين وتطوير العمل القانوني داخل المحاكم الإدارية ذاتها.
فقانون السادس من يناير 1986م (المتعلق بالمحاكم الإدارية) أنشأ كادرا حقيقيا لأعضاء هذه المحاكم، فأعضاؤها يتمتعون بصفة القضاة واستقلالهم مضمون ومؤكد بمقتضى هذا القانون. فقبل ذلك، كانت تبعية المحاكم الإدارية لوزير الداخلية، أما الآن فهي للمجلس الأعلى للمحاكم الإدارية والمحاكم الإدارية الاستئنافية الذي يرأسه أحد نواب رئيس مجلس الدولة، ويدير 38 محكمة إدارية و8 محاكم إدارية استئنافية. ويعد رؤساء المحاكم الإدارية الاستئنافية مستشارين من الناحية الوظيفية، تراقب أعمالهم اللجنة الدائمة لتفتيش القضاء الإداري المكونة حصريا من أعضاء من مجلس الدولة. وهذه الأحكام القانونية تخلق بلا شك التجانس ووحدة التشكيل وهو ما يؤمن الاستقلال.
ويتم تنظيم العمل في المحاكم الإدارية تصاعديا وبطرق ودية، حيث توزع الأعمال بين نائب رئيس مجلس الدولة، رئيس المجلس الأعلى ورؤساء المحاكم الإدارية الاستئنافية ورؤساء المحاكم الإدارية بطريقة تراعي الزيادة المطردة في أعداد القضايا. وتبدو العلاقات بين تشكيلات القضاء الإداري سهلة باتباع وسيلة المعلومات المشتركة المسماة بــــSkipper التي تؤدى إلى تمرير المعلومات على القضاة بما يضمن جودة ووحدة في الأسباب وفي طريقة صياغتها.
كما توجد علاقات تقليدية تربط مجلس الدولة بالدرجات القضائية الأدنى وبخاصة فيما يتعلق بدور مجلس الدولة حين يرفع إليه طلب من إحدى المحاكم الإدارية أو المحاكم الإدارية الاستئنافية يتعلق بمسالة قانونية جديدة تثير صعوبات حقيقية تعرض في منازعات عديدة (هذا الإجراء جاء به قانون 31 ديسمبر 1987م والمتعلق بإصلاح العدالة الإدارية).
وإجمالا، فإنه يوجد إطار عام حقيقي يربط أعضاء تشكيلات القضاء الإداري مكرس بواسطة تقنين العدالة الإدارية Code de justice admimistrative الذي بدأ سريانه اعتبارا من الأول من يناير 2001 ويطبق على سائر أعضاء القضاء الإداري إلى جانب مجلس الدولة.
ب -الحوار في إطار مجلس الدولة ذاته
شكل آخر للحوار معروف بدرجة كبيرة هو ذلك الذي يتم داخل مجلس الدولة نفسه. والناظر إلى هذا الحوار من الخارج يبدو كالناظر إلى ناد بابه مغلق قليلا يخفي التوسط أو الوسطية والحماية والتدبر بحصافة وعقل، أما النظر إليه من الداخل، فيظهر تشكيلا موحدا يضم العديد من الشخصيات من الداخل وأخرى ذات ميول سياسية متنوعة؛ وعلى أساس تبعيتها جميعا للمجلس، فإنه يجب أن تعطي صورة موحدة متجانسة.
وفي السادس من أكتوبر 2006 ذكر نائب رئيس المجلس الجديد بمناسبة مباشرته عمله حول هذه الجزئية ما يلي:
“مثل هذا يعني من جانبنا إرادة الاستماع، الحوار والاحترام المتبادل، رفض الاستعلاء المفتعل، الأشكال من المساحة بالنسبة للإقناع، أحكامنا المبدئية، بل اهتماماتنا.. وأتمنى أن تكون أنشطتنا داخل المجلس كما في خارجه معبرة عن مقتضيات المستوى العالي لواجباتنا؛ فنموذجية مجلس الدولة يجب أن تتجسد في أعضائه”.
وإذا كان تنظيم العمل داخل مجلس الدولة يعكس شكلا مؤسسيا، فإن ذلك يشجع أيضا على المناقشات والجدل والتنافس الذهني. فالرصانة والتدرج والدقة والحرية والمسؤولية والجماعية من سمات هذا “النادي” المزين، حيث يفرض احترام التدرج في إطار هي المؤسسة كما هو الحال على سبيل المثال بالنسبة لصناديق استقبال البريد، التي تأخذ شكل الخزائن شديدة التنظيم في حيادية، تماما كما يشهد على ذلك نظام الترقية بالأقدمية المطبق على الجميع ماعدا الدرجات العليا.
وتعالج القضايا بعناية كبيرة. وإذا كانت الأوامر تصدر من قاض فرد وبشكل يتطور شيئا فشيئا، فإن إعداد وإصدار الأحكام يكون من قبل هيئة وبمشاركة مقرر ومراجع ومفوض الحكومة. فالكبار يتولون الأصغر أو الأحدث بالرعاية، ويباشر كل عضو عمله بحرية تحترم آراء الآخرين. وقد يثور العديد من الخلافات، إلا أنها لا تظهر، حيث لا تثبت في الحكم الصادر، مما يسمح باتجاه موحد للمجلس، فلا تنشر الآراء المخالفة كما هي الحال في إطار المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.
2-علاقة مجلس الدولة بالإدارة
أ-الوظيفة الاستشارية
يتفرد النموذج الفرنسي في القضاء الإداري بثلاث خصائص: وجود قضاء متخصص كما قلنا، وتبعية هذا القضاء الشكلية للسلطة التنفيذية وليس للنظام القضائي، وازدواج الاختصاصات الممنوحة كونها قضائية واستشارية في ذات الوقت. وإذا لم تكن هذه الوظيفة الاستشارية ذات أثر أو حضور كبير بالنسبة لقضاء الدرجات الأولى، فإنها من الأهمية بمكان بالنسبة لمجلس الدولة، ففي لقاء أجري في 3 أكتوبر 2006 م، أعلن نائب رئيس مجلس الدولة الجديد جون مارك سوفيه ما يلي: “تتحدد قوة المجلس وأصالته بمدى المساحة والقرب بينه وبين الحكومة.. وبقدرته وكفاءته كمستشار للسلطة التنفيذية، وبضمير وثقة القاضي، ومن خلال الواقعية والفاعلية التي يجب أن تكرس للتعرف على الإدارة”.
وإذا كانت هذه الوظيفة الاستشارية قديمة جدا، حيث جاء النص عليها في دستور السنة الثامنة للثورة، فإنها تطورت كثيرا في ظل الجمهورية الخامسة (الحالية)، بسبب كثرة القوانين ذات الأصل الحكومي وزيادة المراسيم نتيجة زيادة دور السلطة التفيذية واستحداث نظام اللوائح المستقلة، وكذلك بسبب تولي مهمة الوقوف على اتفاق النصوص مع القانون الأوروبي والدولي. ومجلس الدولة يكون بذلك على دراية كاملة بكل أنشطة الحكومة ويقوم بهذا الدور المشار إليه بشكل كامل ([4]).
وبعبارة أخرى، فإنك تجد مجلس الدولة يشارك بفاعلية في النقاش المجتمعي وفي الخيارات السياسية. كما أنه يعد بحرفية المشروعات التي تقدم من الحكومة إلى البرلمان، فمستشاروه كالحكماء يقدمون المشورة حول ملاءمة المشروع المقترح.
ويشارك مجلس الدولة في الوظيفة الحكومية بشكل مباشر، إذ أن الحوار لا ينقطع في هذا المجال، فربع النواب وثلث المستشارين يعينون من خارج المجلس من الموظفين العاملين في الإدارة، كما أن حوالي ثلث الأعضاء منتدبون لممارسة وظائف لدى الإدارة العاملة ([5]).
وإذا كان ذلك التقارب الشديد مع جهة الإدارة مهددا لاستقلال المجلس، فإنه يعرف-أي المجلس -كيف يفلت دائما من هذه “الأخطار” بإيجاد مساحة من التميز دائما بينه وبين جهة الإدارة. ولذلك فإن استقلال مجلس الدولة كان دائما بعيدا عن كل جدل، فقد عايش كل الأزمات السياسية التي كان من الممكن أن تمس وجوده ذاته، كما حدث بعد سقوط نظام نابليون، وكذلك اختصاصاته، كما حدث في عهد الجنرال ديجول بعد قضية Canal في عام 1962م، وبخصوص مشروع الإصلاح في عام 1969م.
والخلاصة، أن المقولة القديمة التي تعلن أن الحكم على الإدارة لا يعني سوى تولي الإدارة فقدت مضمونها، فالقاضي الإداري الذي يراقب الإدارة وهو على دراية كاملة بها يباشر رقابته الدقيقة لأنشطتها، كما فعل مثلا حينما راقب الخطأ الظاهر في التقدير بهدف الحد من سلطتها التقديرية، وفوق ذلك، فإننا نعتقد اليوم أن القاضي يستطيع بل يجب عليه وبهدف الحفاظ على الأمن القانوني وحقوق المتقاضن ألا يراقب ويعوض فقط، لكن يحدد أيضا للإدارة السلوك الذي يجب عليها أن تحذوه، بل يصل بسلطته إلى حد إصدار الأوامر إليها.
ب-الوظيفة القضائية
في هذا العصر الذي يشهد الكثير من التحولات العميقة، يهتم مجلس الدولة اهتماما كبيرا بمسألتين، هما الأمن القانوني، الذي أفسح له المجلس مكانا في تقريره العام لعام 2006 م ([6])، والفاعلية القانونية. وهاتان المسألتين ترتبطان من ناحية الموضوع.
ففيما يتعلق بمبدأ الأمن القانوني الذي يعبر عنه بوضوح القانون ووضوح الوصول إلى القاعدة القانونية، فإنه يجد أصله في القضاء الأوروبي (محكمة العدل الأوروبية والمحكمة الأوربية لحقوق الإنسان) وفي قضاء المجلس الدستوري الذي أعطى له قيمة دستورية تحول بين المشرع وبين والمساس به.
وقد كرس مجلس الدولة في حكمه في قضية “KPM6” الصادر في 24 مارس 2006 م، مبدأ الأمن القانوني وإن لم يصل إلى حد تكريس مبدأ الثقة المشروعة المعروف في القانون الأوروبي؛ ولذلك، فإن الإدارة يجب عليها تأخذ في الوقت الحاضر مبدأ الأمن القانوني في الاعتبار بالنسبة لأعمالها. ومثل هذا التكريس من قبل القاضي الإداري يؤدى إلى تقوية أواصر الحوار بين القاضي والإدارة، بما يتضمنه ذلك من فرض القاضي على الإدارة على سبيل المثال اتخاذ إجراءات وقتية تدرج في اللوائح الجديدة استجابة لدواعي الأمن القانوني.
أما فيما يتعلق بمبدأ الفاعلية القانونية، فإنه عادة ما يعالج بطريقة سلبية بسبب الجمود الإداري ومسلك الإدارة، الذي يترك المدد المعقولة تمر دون اتخاذ إجراءات سواء لتحويل التوجيهات الأوروبية أو لتطبيق القوانين. فالفاعلية القانونية تم تعميقها بإدخال إصلاحين جوهريين يسمحان للقاضي بأن يعمل من أجل تأكيد احترام حجية الشيء المقضي فيه لقراراته وأحكامه. والمقصود من جانب آخر فيما يتصل بالفاعلية القانونية إمكانية إعطاء القاضي سلطة وقف تنفيذ العمل الإداري في منازعة ما؛ وقد أدخل هذا الإصلاح في عام 2000م، وبمقتضاه عدل تماما الواقع القضائي الذي كان مطبقا في نظر المنازعات، وقد انسجم القاضي الإداري معه بسرعة. والمقصود من جانب آخر فيما يتصل بقرارات العدالة، من إستحداث إعطاء القاضي بواسطة قانون 1995 م سلطة توجيه أوامر إلى جهة الإدارة كي تنفذ خلال مدة معقولة القرارات والأحكام الصادرة.
ومنذ زمن طويل يبدى الفقه ([7]) تعجبه من التحفظات القضائية المغالى فيها، التي أقرها المجلس بالنسبة للإدارة وقلقه من قاعدة “القاضي الذي يدير” التي خلفت العديد من الآثار الكبيرة في جانبي الأمن القانوني والفاعلية القانونية، فالشاغل الأهم حاليا هو ضمان حقوق المتقاضين، والذي من خلاله ينشأ الحوار بين القاضي والإدارة بشكل أصبح أكثر واقعية وفاعلية آخذا في الاعتبار تنوع المراكز الفردية وآثار أحكام العدالة، وقد أحدث مجلس الدولة خطوة جديدة في مجال الفاعلية القانونية في حكمه في قضية “Ass Ac” الصادر في11مايو 2004 م. فيما يتعلق برجعية الحكم بإلغاء القرار الإداري، فقد أقر القاضي على سبيل الاستثناء بسلطته في الترتيب الزمني للآثار السلبية للإلغاء الرجعي على المراكز الفردية، التي تضطرب بشدة كأثر للإلغاء.
ومثل هذه “الإدارة” التي يباشرها القاضي بشكل استثنائي توجد من خلال تغيير أو إعادة تقييم الأسباب التي استند عليها العمل الإداري. فحيث تؤسس الإدارة عملها على سبب غير قانوني، فإن القاضي يملك الشجاعة من خلال قيامه بعملية إبدال في أن يستند إلى سبب آخر غير ذلك الذي استندت إليه الإدارة، وذلك إذا قدر أن هذا السبب الجديد يمكنه تبرير قرار الإدارة (حكم 6 فبراير 2004م Mme Hallal). ونشير أخيرا إلى إمكانية القاضي في الظروف شديدة الخصوصية-وحيث يحكم بالإلغاء الجزئي للقرار-في تعديل قرار الإدارة (حكم 16 ديسمبر2005 م (Groupement forestien des ventes de Nonat: فالإلغاء الجزئي يقود بشكل آلي إلى تحديد إطار جديد للعمل الذي أصدرته الإدارة، أي خلق محيط آمن.
2-العلاقة بين مجلس الدولة والهيئات القضائية الأخرى
· مجلس الدولة ومحكمة النقض
تعود المقابلة بين مجلس الدولة ومحكمة النقض إلى نهاية القرن الماضي. فحيث كان عام 1872 م، منح مجلس الدولة الاستقلال القضائي وأصبح له مجال اختصاص قضائي محدد يرتبط بشكل كبير بفكرة المرفق العام. وفي هذا الإطار، تتولى محكمة التنازع مهمة الفصل في تنازع الاختصاص. وقد أنشئ نظام التنازع الإيجابي لحماية اختصاص القاضي الإداري حيث كان مهددا في البداية.
ويحتفظ القاضي العادي دائما باختصاصه كحام للملكية الخاصة والحريات الفردية؛ ويتمتع القاضي العادي كذلك باختصاص رحب يجد أكثر من مصدر، سواء من القضاء ذاته كما في حالة منازعات منتفعي المرافق العامة الصناعية والتجارية، أو من المشرع كما في قانون 1987 م الذي منح استئناف باريس الاختصاص الاستئنافي بكل قرارات مجلس المنافسة.
وحينما يتعلق الأمر بالمنازعات العادية (غير الإدارية) التي تتزايد بشكل مطرد ويكون للواقع فيها مكان أكبر من القانون (كما في المنازعات المتزايدة الخاصة بعقود اشتراك الخطوط التليفونية والكهربية وحوادث السيارات حتى في الفروض المتعلقة بسيارات تابعة للإدارة)، فلا يوجد اختصاص لمجلس الدولة وإنما للقاضي العادي.
إلا أن ذلك لا يعني أن مجلس الدولة ينزوي بعيدا عن الحوارات الكبرى للمجتمع، ففيما يتعلق بمنازعات المنافسة بمقتضى مرسوم 1986م التي كانت تخرج من اختصاص مجلس الدولة، فإن اعتبارات جوهرية تتعلق بهذه المنازعات أوجدت مجالا لاختصاص مجلس الدولة، ففيما يتعلق بعقود تفويض المرفق العام، لم يعد القاضي العادي محتكرا تطبيق أمر (Ordonnace) عام 986 1م، فقد أصبح المجلس مختصا بجزء من هذه المنازعات؛ وفي ذات الإطار، فإن إقرار قانون 20 يونيو2000 م بوسيلة الطعن لوقف التنفيذ وطعون الحرية يمكن أن تفسر على أنها تسير عكس اتجاه القاضي العادي المتوسع اختصاصه بمقتضى نظرية الغصب، مما أدى إلى إخراج مجلس الدولة فيما سبق من نطاق الجدل بشأن الحريات.
·والعلاقات بين مجلس الدولة والمجلس الدستوري تتميز بالعمق والأصالة، حيث توجد علاقات جوار (فالمجلسان يقعان في مبنيين متواجهين من مباني قصر العدالة)، وعلاقات شخصية (فيما عدا استثناء وحيدا حيث يأتي السكرتير العام للمجلس الدستوري من مجلس الدولة وكذلك أغلبية مقرريه المساعدين العشرة)، وفكرية (من حيث طرق التسبيب المتشابهة).
ومنذ القرار التاريخي للمجلس الدستوري الصادر في عام 1971 م والذي بمقتضاه مد المجلس رقابته إلى تطبيق مقدمة الدستور (دستور الجمهور الرابعة لعام 1946 م)، نلاحظ أن هناك اتجاها حقيقيا نحو دسترة القانون. وإذا كانت قرارات المجلس الدستوري تفرض على كل الهيئات القضائية (م 62 من الدستور)، فإن ذلك لا يتعدى قاعدة حجية الشيء المقضي فيه، فالقضاء مقيد بتفسير القاضي الدستوري للنص الدستوري في نطاق القضية المطروحة وكذلك في نطاق “محددات التفسير” دون أن يتعدى ذلك، كما لا يحوز المجلس الدستوري الاختصاص بنقض أو إلغاء أحكام مجلس الدولة أو محكمة النقض. وعملا، فإن مخاطر التشعب والاختلاف بين المجلس الدستوري وهذه الهيئات نادرة وتتقلص مع مرور الزمن، فالجدل والخلاف المتعلق بعقوبة الحبس في مجال المخالفات قد انتهى بعد أن ألغيت هذه العقوبة في التقنين الجديد للعقوبات، أو ذلك المتصل بالمضمون القانوني للقرار السلبي بالرفض.
أما فيما يتعلق بظهور المبادئ العامة للقانون، التي ازدهرت في قضاء مجلس الدولة في الفترة من عام 1950م إلى عام 1980م على وجه الخصوص، فان المجلس انتفع في قضائه في هذا النطاق من الظروف التاريخية المواتية، التي ارتبطت بغموض محتوى مقدمة دستور 1946 م، وبغياب رقابة الدستورية، فقد اعترف المجلس الدستوري في عام 1971م لنفسه بالاختصاص برقابة تطبيق هذه المقدمة، ونافس بذلك مجلس الدولة في تكريس المبادئ الكبرى والحقوق الأساسية، مثل المبادئ الجوهرية المعترف بها بواسطة قوانين الجمهورية، وأضفى عليها القيمة الدستورية.
· مجلس الدولة والقضاء الأوروبي
وهنا نجد التضاد والتعارض بين مجلس الدولة والهيئات القضائية العليا في الاتحاد الأوروبي، على الرغم من أن المصالحة تعد سهلة، أخذا في الاعتبار بوجود مستشارين من مجلس الدولة في المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ومحكمة العدل للمجموعة الأوربية؛ على أن عامل الزمن كفيل بالتخفيف من حدة هذا التضاد أو التعارض.
والعلاقة بين مجلس الدولة ومحكمة العدالة للمجموعة الأوروبية تتسم بالدقة، فكثيرا ما تدين هذه المحكمة الأخيرة اتجاهات المجلس، كما يعزز هو الآخر هذه الإدانة باتجاهاته القضائية؛ ونقصد بذلك تفسير المجلس لنصوص القانون الأوروبي، حيث لا يعير اهتماما كافيا لهذه المحكمة ونادرا ما يحيل إليها توقيا لتفسير موحد في بعض الموضوعات شديدة الحساسية، كما هي الحال فيما يتعلق بموضوعات الهندسة الوراثية، ذلك لأنه حيث تختص هذه المحكمة بأحد الطلبات بطريق الإحالة، فإن ما انتهت إليه يكون ملزما للقاضي الذي أحال إليها.
· العلاقة الشائكة مع المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان
يغلف اتجاه المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بشأن “المحاكمة العادلة” ([8]) المكرس بالمادة 6/1 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان العديد من المبادئ العامة المشتركة مثل الحق في محاكمة فعالة وخلال مدة معقولة وباحترام مبدأ المواجهة، باعتبارها من الأمور الأساسية لإصلاح العدالة الإدارية وبخاصة في مجال الإجراءات المستعجلة والأوامر.
وغالبا ما تكون للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ملاحظات سلبية على فرنسا بسبب اللوائح وغيرها من القواعد التي تتعارض مع الاتفاقية المشار إليها، وكان ذلك واضحا بشكل كبير في حكم المحكمة الصادر في 28 ديسمبر 1995 م “/ .”Luxembourg Procola c
على أن هذا التواصل بين تقاليد أخرى ولغات وطنية يمثل مصدرا للإثراء المتبادل، وهذا الوضع عجل بإحداث التطور الضروري للتخلص من العديد من عقبات إجراءات المنازعات الإدارية في فرنسا.
وهذه الملاءمة من قبل مجلس الدولة تتوافق مع التطورات الضرورية دون أن تفقده أصالته التي تسمح له دائما أن يبلغ أو يصل إلى أن يكون نموذجا.
(*) حاصلة على دبلوم معهد الدراسات السياسية بباريس (1962) ودبلوم الدراسات العليا في القانون العام (كلية الحقوق بجامعة باريس (1963) ودبلوم الدراسات العليا في العلوم السياسية (كلية الحقوق بجامعة باريس 1964) والدكتوراه في القانون العام والعلوم السياسية (باريس 1967)، ومجازة للتدريس في القانون العام والعلوم السياسية (1972). تولت العديد من المناصب الجامعية الهامة من بينها عمادة كلية الحقوق. أسست العديد من دبلومات الدراسات العليا مثل دبلوم قانون الإنشاء وتنظيم المدن ودبلوم قانون القطاع العام الاقتصادي الذي أدارته فترة من الزمن، كما أشرفت على العديد من دبلومات الدراسات العليا مثل دبلوم قانون البيئة، وشغلت منصب المدير المساعد لمركز دراسات وأبحاث البيئة بجامعة باريس1. كما عملت مستشارة للعديد من الوزراء مثل وزير البيئة ووزير التعليم العالي والبحث، بالإضافة إلى عضويتها في العديد من لجان تحرير المجلات والدوريات العلمية. وقد حصلت على العديد من درجات الدكتوراه الفخرية من العديد من الجامعات مثل جامعة لييج وغيرها من الجامعات، ولها العديد من المؤلفات القانونية القيمة.
[1] ويعبر عن ذلك النحو على التالي: “تدير الإدارة نفسها بنفسها على الدوام وذلك حينما تحكم في المنازعات المتعلقة بها.. فالقرار أو الحكم في القضايا الإدارية هو من صلاحيات الحكومة، ولا يمكنها أن تفوض فيه أو تتنحى عنه، ولا يعدو مجلس الدولة أن يكون الوسيلة لتحقيق هذا القانون، إلا أن القرار الأخير إنما يكون للحكومة وحدها” (من مناقشة أمام مجلس الأعيان في عام 1834م).
[2] بمناسبة ندوة تتعلق بالمحاكم الإدارية أثير موضوع العلاقات بين أعضاء هذه المحاكم ومجلس الدولة، والتي يمكن أن تشبه على أنها رغبة الابن (المحاكم الإدارية) في قتل الأب (مجلس الدولة)، ورغبة في أن يصبح هذا الابن هو الأب. يكون التعيين في مجلس الدولة أو بالمحكمة الإدارية من خريجي المدرسة الوطنية للإدارة، بعد ذلك يكون تعيين المستشارين بمجلس الدولة من نسبة ضئيلة من هؤلاء.
[3] يختار الجزء الأكبر من أعضاء المحاكم الإدارية على أساس مسابقة خاصة، تتركز حصريا في موضوع المنازعات الإدارية.
[4] لم تكن للمجلس إبان الجمهورية الثالثة مشاركة في الصياغة التشريعية بشكل كامل (لأن الأمر كان يستوجب إصدار مرسوم خاص لإمكانية إخضاع مشروع قانون للمجلس لمراجعته وكانت مشروعات القوانين شبه نادرة مقارنة بالاقتراحات التشريعية)، وهو ما تم تداركه بشكل كبير في ظل الجمهورية الخامسة.
[5] ثلث أعضاء مجلس الدولة منتد بون في إدارات الإدارة العامة ومكاتب الوزراء والمؤسسات العامة الكبرى أو لمباشرة التفويضات السياسية (فرؤساء الوزارات الأربع الأول كانوا أعضاء في مجلس الدولة وكذلك العديد من الوزراء). وللعضو العودة إلى المجلس حيث شاء محملا بخبرة عريضة ومعلومات مفيدة. ومثل هذا النظام لا يوجد له مثل في القضاء العادي.
[6] “الأمن القانوني وتعقيد القانون “تقرير منشور عام 2006 م، الوثائق الفرنسية. وأنظر أيضا “الأمن القانوني، تقرير عام سنوي، 1991 م، الوثائق الفرنسية.
[7] أنظر المقالة الشهيرة لـــ جون ريفيرو “في رحاب قصر العدل”
[8] نلاحظ أن المادة 6/1 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان لا تتعلق صراحة إلا بالمحاكمة المدنية والجنائية، وبتأثر من النظام الأنجلو سكسوني، لا تراعي فيه الخصوصية الفرنسية، وبخاصة في نطاق العدالة الإدارية. وتدخل المحكمة بتفسيرها في مجال تطبيق هذه المادة كل منازعة مؤسسة على اعتداء أو خرق للحقوق المدنية وكذلك كل إجراء يحمل طابع الجزاء بما يفتح السبيل أمام رقابة حقوق تدخل في مجال المنازعات الإدارية.





