بقلم الدكتور ماجد أحمد المومني
- تمهيد:
لكي تنتظم حياة الناس ويشعروا بالأمن والاطمئنان جاءت الشرائع السماوية بما يكفل لهم ذلك الأمان والاطمئنان. وهي من العدالة والشمول ما يجعل تطبيقها صالح لكل زمان ومكان.
فاشتملت الشريعة الإسلامية على الخصوص باعتبارها: رحمة للعالمين قال تعالى:( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ) الأنبياء:107، وباعتبارها شاملة للأمم والشعوب وفي كل ناحية أو زاوية من هذا الكون قال تعالى: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ) الفرقان: 1، (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ) الفرقان: 56.
وباعتبارها صالحة لكل زمان ومكان قال تعالى: (صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ) البقرة: 138.
أقول: اشتملت الشريعة الإسلامية باعتبارها للعالمين كافة على أحكام وتشريعات تنظيم حياة الأفراد والجماعات في كل زمان ومكان.. وهذه الأحكام والشرائع كانت مرجعاً في القوانين الدولية وفي أحكام الميراث والزواج والطلاق أو الانفصال بمفهوم الغرب المعاصر ومن هذه الأحكام والشرائع.. قانون العقوبات.. فجعل الحدود.. في القتل العمد، والقتل الخطأ والزنا والسرقة وقذف المحصنات الغافلات وشرب الخمر والتولي يوم الزحف.. والردة عن الإسلام.. إلى غير ذلك من وقائع وأحداث جعل البت فيها للقضاة وولاة المسلمين.
وما يهمنا بهذا الموضوع هو القصاص.. ومن ألوان هذا القصاص السجون، فالله جعل القصاص لأن به حياة الناس.. بأمان واطمئنان، قال تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ) البقرة: 179.
وأباح السجون باعتبارها وسيلة لدرء المفاسد والشرور لمن تخول له نفسه إيقاع الأذى والضرر بالناس.. قال تعالى: (قَالَتْ فَذَٰلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ۖ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ ۖ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ ) يوسف: 32.
وكان جواب يوسف عليه السلام: أن اختار السجن واستعصم عن الوقوع بالفاحشة، قال تعالى: (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ۖ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ ) يوسف: 33.
وحتى ينتظم البحث لابد من تناول المواضيع التالية:
- تعريف السجن لغة واصطلاحاً
- مشروعية السجن في تعاليم الإسلام
- السجن في القوانين الوضعية
- مقارنة العقوبة به.. طبقاً للشريعة والقوانين
- توصيات
- أولاً: تعريف السجن:
لغة واصطلاحاً: معنى السجن في اللغة هو مكان الحبس.. والحبس يعني حجز المتهم في مكان محكم لمدة يقررها القضاء الشرعي أو المدني بسبب ارتكاب المتهم جريمة أو جنحة أو مخالفة للقوانين أو الشرائع. وهذا الحجز يعني عقوبة.. ومدة هذا الحجز يفصله قرار الحكم الصادر عن المحاكم النظامية والشرعية أو الدولية.
ولقد ورد لفظ السجن في كثير من الآيات القرآنية الكريمة والتي أشرنا إلى بعضها في المقدمة.
أما معنى السجن في الاصطلاح الشرعي، فقد عرفه “ابن القيم” بأنه مكان الحبس الشرعي المحصن لمنع وحجز الشخص المتهم بمخالفة أو جنحة أو جريمة من الفرار.. ومدة هذا الحجز والحب تقرره المحاكمة الشرعية يصدرها القضاة الشرعيون طبقاً للشريعة الإسلامية.
وهذه العقوبة عادة تكون.. إما لدرء المفاسد والشرور ممن تخول له نفسه إيقاع الأذى بالآخرين.. أو تكون لمن ارتكب أذى سبب جروحاً في الآخرين.
قال تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ) المائدة: 45.
والحبس كان في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وفي عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه على طريقة المنع من التصرف، حيث لم يكن في عهدهما مكان معد لحبس المدان، ولكن عندما اتسعت رقعة الإسلام ودخلت به شعوب وأقوام وأمم مختلفة في عهد عمر ابن الخطاب رضي الله عنه، أصبحت الحاجة ماسة إلى تحقيق أماكن بالسجون وإلى تعيين ولاة وقضاة لتنظيم حياة المسلمين.. وكان أول سجن في المدينة المنورة في عهد عمر ابن الخطاب رضي الله عنه عندما اشترى داراً من صفوان بن أمية، وجعلها حبساً.
ثانياً: مشروعية السجن:
في تعاليم الإسلام: أكثر العلماء وفقهاء الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة، قالوا: إن السجن عقوبة مشروعة في الإسلام.. واستدلوا على ذلك بما ورد بالقرآن الكريم في كثير من الآيات المحكمات.. ومنها قوله تعالى: (كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ) المطففين: 7، (وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ) الانفطار: 14، (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ) يوسف:33.
والسجن لون من ألون العقوبة.. ووسيلة لدرء المفاسد والشرور والأذى، ولكنه ليس باللون الفريد فقد ورد بالقرآن الكريم ألوان أخرى منها ما فصلته الآية الكريمة التالية: قال تعالى: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) المائدة: 33.
كما ويوجد ألوان أخرى من ألوان العقوبة التي أقرتها الشريعة الإسلامية منها: التعزير/ لشهادة الزور، وقذف المحصنات الغافلات.
- والجلد مائة جلدة للزاني والزانية وثمانين جلدة لقذف المحصنات الغافلات.
- والدية المسلمة لأهل المقتول/ عن طريق الخطأ..
- وألوان أخرى من العقوبات حددتها الحدود/ مثل قطع يد السارق والرجم للزاني المتزوج والقتل للمرتد عن الإسلام، أو الشرك بالله واللعان للمتزوجين/ بغير شهود.. وهكذا.
فالقصاص والعقوبة بألوانها التي أسلفنا مباحة في تعاليم الإسلام.
- ثالثاً: السجن في القوانين الوضعية:
السجن في القوانين الوضعية موجود في جميع أنحاء العالم، وهو حسب تشريعات وقوانين كل بلد.. وهذه القوانين وإن اختلفت في النصوص والتشريعات فمدة العقوبة بالسجن لها سقف هو السجن المؤبد، ثم تتراوح المدة طبقاً لهذه القوانين ونوع الجرائم.
وبعض القوانين في بعض البلدان تصدر أحكاماً لا تتفق مع منطق العقل كأن يكون الحكم/ ثلاث أو أربع مؤبدات/ أو أن يصل الحكم إلى مئات السنين مع أن متوسط ما يعيشه الإنسان في أرقي أمم الأرض لا يتجاوز السبعين أو الثامنين على أبعد تقدير.
ومفارقة أخرى في القوانين الوضعية أن بها استثناءات كعقوبة حمل السلاح/ مباحة لليهودي من مواطني إسرائيل بينما تجرم حامل السلاح إن كان عربيا حتى ولو كان من مواطنيها قبل إنشائها.
وكذلك ما فرضته الولايات المتحدة على المحكمة الدولية لجرائم الحرب باستثناء الجنود الأمريكيين من الأحكام.. واستعمال المكاييل المختلفة والمعايير المتباينة بإصدار الأحكام.. فهدم البيوت على رؤوس أصحابها وجرائم الاغتيالات والقتل والحصار والتشريد الذي تمارسه إسرائيل في الأراضي المحتلة في القطاع والضفة والجولان وجنوب لبنان تعتبره دفاعاً عن النفس، بينما مقاومة الاحتلال يعد في نظرها إرهاباً.
إنها شريعة الغاب، يمتلكون جميع أنواع أسلحة الدمار الشامل ويطورونها وعسكروا الفضاء بها، ويحرمون على غيرهم امتلاكها.. قال تعالى: (وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) المائدة: 64.
وعلى العموم فالقوانين الوضعية لا ترقى إلى التشريعات السماوية في سموها ونزاهتها وعدلها مع وحدة المعيار.. قال تعالى: (وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّـهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ) المائدة:49.
رابعاً: توصيات:
- المساواة أمام القانون فلا يوجد استثناءات مهما كانت الشهرة والحسب والنسب وأصحاب المال والأعمال والمراكز.
- العدل أساس الملك.. وهذا العدل واجب حتى مع أولئك الذين بينهم وبين الحاكم خصومة أو اختلاف.. قال تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا) النساء:105.
ومن العدل قول الحق ولو كان على النفس أو الوالدين أو الأقربين.. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) النساء: 135.
ج- الأحكام الصادرة، حسب تشريعات الطوارئ أو حفظ الأمن أو مكافحة الإرهاب جميعاً وبدون استثناء أحكام ظالمة وجائزة ولا تتفق مع أحكام الشرائع السماوية.. وأفرزتها غطرسة قوة أمريكا وظلم الاحتلال الإسرائيلي.. قال تعالى: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا) المائدة: 32.





