أ. مساعد بن عبد الرحمن حمزة سحلي*
ملخص البحث:
جاءت هذه الدراسة تحت عنوان: التدابير الاحترازية دراسة مقارنة بين الشريعة والقانون, والتي هدفت إلى التعرف على مفهوم التدابير الاحترازية في الشريعة والقانون. والتعرف على أهم الضوابط للتفرقة بين العقوبة والتدابير الاحترازية في الشريعة والقانون. والتعرف على أوجه الشبه والاختلاف بين التدابير الاحترازية والعقوبة في الشريعة والقانون, إضافة إلى التعرف على أنواع التدابير الاحترازية في الشريعة والقانون. وتم تحديد مشكلة الدراسة في تساؤل رئيس هو (ما هي التدابير الاحترازية في الشريعة والقانون؟) ولتحقيق أهداف الدراسة اتبع الباحث المنهج الوصفي الذي يعتمد على تفسير الوضع القائم (ما هو كائن) ووصف الظاهرة المدروسة. وقد قام الباحث بتحليل بعض القضايا السابقة, وبعد تحليل البيانات الخاصة بالقضايا السابقة توصل الباحث إلى عدد من النتائج والتي من أبرزها, تتشابه العقوبة والتدابير الاحترازية في العديد من الخصائص فكلاً منهما يخضع لمبدأ (المشروعية) كما أنهما لا يصدران إلا بحكم قضائي, وكذلك فإنهما يخضعان لمبدأ (الشخصية), واجتمعت التشريعات المعاصرة واستقر الفقه الحديث على ضرورة توافر شرطين أساسيين تفرضهما طبيعة التدابير, يلزم توافرهما لإيقاع أي نوع من أنواع التدابير هما ارتكاب جريمة سابقة, وتوافر الخطورة الإجرامية. وفي ضوء هذا النتائج والنتائج الأخرى فقد تقدم الباحث بعدد من التوصيات والتي من أبرزها يقترح الباحث على المنظم السعودي أن ينص على إبعاد الأجنبي في مشروع العقوبات البديلة وقصره على الكبار فقط دون الصغار, مع مراعاة عدم إبعاد الأجنبي إذا كان متزوجاً من سعودية أو لديه منها طفل يقيم بالمملكة, اهتداء واقتداء بصنيع المنظم الفرنسي المار بيانه آنفاً, ويقترح الباحث على المنظم السعودي النص على المصادرة كتدبير احترازي في مشروع العقوبات البديلة, وذلك لأن الأشياء والوسائل المنقولة الخطرة لا تدخل تحت الحصر, وهي ذات طبيعة متنوعة ومتجددة.
Abstract:
This study was entitled: Precautionary Measures A Comparative Study between Shari ‘a and Law, which aimed at identifying the concept of precautionary measures in Shari’ a and law. Identifying the most important controls to differentiate between punishment and precautionary measures in sharia law. Identifying similarities and differences between precautionary measures and punishment in sharia law, as well as the types of precautionary measures in sharia law. The problem of the study was identified in the President’s question (what are the precautionary measures in sharia law?) To achieve the study’s objectives, the researcher followed a descriptive approach based on the interpretation of the status quo (what is an object) and the description of the phenomenon studied. The researcher analyzed some of the previous issues. After analysing the data on the previous cases, the researcher reached a number of findings, the most notable of which, punishment and precautionary measures are similar in many characteristics, both subject to the principle of (lawfulness) and are subject to the principle of “legality”. (personal), contemporary legislation has met and recent jurisprudence has established the need for two prerequisites imposed by the nature of the measures, which need to be made available to commit any kind of measure, namely the commission of a previous crime, and the existence of criminal gravity. In the light of these and other findings, the researcher made a number of recommendations, the most prominent of which the researcher proposes to the Saudi regulator to provide for the alien’s removal in the alternative penalties project and to be limited to adults only below the young, bearing in mind that the alien should not be deported if he is married to a Saudi woman or has a child residing in the Kingdom, to guide and follow the manufacture of the French regulator who has described above. The researcher proposes that the Saudi regulator provide for confiscation as a precautionary measure in the draft alternative sanctions, because dangerous objects and means of transport are not restricted and are of a varied and renewed nature.
المقدمة:
اختلف فقهاء القانون في الطبيعة العقابية للتدابير الاحترازية هل هي ذات طبيعة قضائية أم أنها إجراءات إدارية؟ ومرد ذلك الخلاف بناء على الاتجاهات السياسية الجنائية المختلفة والمتجاذبة حيال فكرة المسئولية الشخصية والتي تتمثل في الإيلام المقصود للمجرم مقابل الجريمة التي ارتكبها, وفكرة الخطورة الإجرامية والمتمثلة في استبدال فكرة الخطورة بالجريمة بغية إصلاح المجرم والقضاء على أسباب الإجرام لديه([1]), ونتيجة لهذا الاختلاف آنف الذكر انقسمت التنظيمات الجنائية حيال نظامي العقوبة والتدبير الاحترازي إلى ثلاثة أقسام: الأول الاقتصار على الاعتراف بالعقوبات, والثاني الاقتصار على التدابير الاحترازية, والثالث: الاعتراف بالنظامين معاً, فالتنظيم الأول هو مسلك التنظيمات التقليدية التي لا تعترف بالتدابير الاحترازية كنظام مستقل, والتنظيم الثاني هو مسلك التنظيمات التي تبنت بصفة مطلقة تعاليم المدرسة الوضعية وأنكرت وظيفة العقوبة في المجتمع, أما التنظيم الثالث فهو مسلك أغلب التشريعات الجنائية الحديثة التي تعترف بالعقوبة والتدبير الاحترازي على حدٍ سواء وتضع لكل منهما نصوصاً خاصة في قانون العقوبات وتحدد مجال تطبيقه والقواعد العامة التي تحكمه, ومن أمثلة ذلك القانون الإيطالي والألماني والسويسري واليوناني والدانماركي واللبناني والسوري والليبي والعراقي([2]), كما يترتب على ذلكم الخلاف مدى خضوع التدابير الاحترازية لقانون العقوبات أو القانون الإداري, ويرى الرأي الراجح في الفقه إلى أن التدابير الاحترازية جزاء جنائي كما أنها ذات طبيعة قضائية وتخضع لقانون العقوبات([3]).
ونتيجة لهذا الاختلاف كان لا بد من التعرف على التدابير الاحترازية كأحد الأساليب التي تتبع من أجل الحد من الجريمة وكذلك تساهم في إصلاح المجرم, وبالتالي تأتي هذه الدراسة للتعرف على التدابير الاحترازية في الشريعة والقانون.
أهداف البحث:
يسعى الباحث من خلال هذه الدراسة إلى تحقيق جملة من الأهداف والتي من أبرزها:
1. التعرف على مفهوم التدابير الاحترازية في الشريعة والقانون.
2. التعرف على أهم الضوابط للتفرقة بين العقوبة والتدابير الاحترازية في الشريعة والقانون.
3. التعرف على أوجه الشبه والاختلاف بين التدابير الاحترازية والعقوبة في الشريعة والقانون.
4. التعرف على أنواع التدابير الاحترازية في الشريعة والقانون.
أهمية الدراسة:
تتمثل أهمية الدراسة فيما يلي:
1. لم يتم تناول هذا الموضوع بهذه الطريقة في الدراسات السابقة فيما يتعلق بالشريعة الإسلامية والقانون, ولم يتم ربطها فيما سبق بالشريعة الإسلامية وما تضمنته من حوافز في خلال هذا السياق
2. البحث والدراسة في مدي فاعلية التدابير الاحترازية في مكافحة الجريمة, ومدى الاستفادة منها في الحد من الأفعال التي تعد من الجرائم والوقاية من ارتكابها.
مشكلة الدراسة:
إن عملية مكافحة الجريمة ووقاية المجتمع من وقوعها هي غاية لا يمكن تحقيقها بعقاب مرتكبها فحسب, فالعقوبة لا تفي وحدهابتلك الغاية في كثير من الأحيان, والشاهد على ذلك الزيادة المستمرة في وقوع الجريمة وارتفاع معدلات العودة لها.هذا يدل على محدودية وقصور العقوبة في مواضع متعدد من الإيفاء بغاية حماية المجتمع, ومن هنا جاء البحث والتفكير في وسيلة أخرى لمكافحة الجريمة والإجرام وتلافي مواطن القصور, فكانت تلك الوسيلة متمثلة في التدابير الاحترازية, فصارت مكملة للعقوبة, وعليه ومن خلال ما تقدم تتضح مشكلة الدراسة والتي تسعى للإجابة على تساؤل رئيسي يتمثل هو (ما هي التدابير الاحترازية في الشريعة والقانون؟).
أسئلة البحث:
يتمثل السؤال الرئيسي للدراسة في (ما هي التدابير الاحترازية في الشريعة والقانون؟) ويتفرع من هذا السؤال الأسئلة الفرعية التالية:
1. حقيقة التدابير الاحترازية في الشريعة الإسلامية والقانون؟
2. ما ضوابط التفرقة بين العقوبة والتدابير الاحترازية في الشريعة والقانون؟
3. ما أبرز أوجه الشبه والاختلاف بين التدابير الاحترازية والعقوبة في الشريعة والقانون؟
4. التعرف على أنواع التدابير الاحترازية في الشريعة والقانون؟
منهج الدراسة:
اتبع الباحث المنهج الوصفي الذي يعتمد على تفسير الوضع القائم (ما هو كائن) ووصف الظاهرة المدروسة, وهذا الأمر ينطبق على هذه الدراسة من حيث دراسة القوانين التي تنص على التدابير الاحترازية, وتصويغها لتطبيقها على الأفعال المعاقب عليها, والنظر في المبادئ المتبعة لفرضها والضمانات الناتجة عنها. والمنهج التحليلي الذي انتقل فيه من الجزء إلى الكل.
حدود الدراسة:
وتتمثل في حدود موضوعية وحدود مكانية وزمنية:
1. الحدود الموضوعية: سيتم دراسة التدابير الاحترازية دراسة مقارنة بين الشريعة والقانون بشكل عام.
2. الحدود المكانية والزمنية: يتم تطبيق هذه الدراسة في المملكة العربية السعودية مدينة جدة خلال الفصل الثاني للعام الدراسي 1443هـ
مصطلحات الدراسة:
– التدبير, لغة: قال ابن منظور: (التدبير في الأمر أن تنظر إلى ما تؤول إليه عاقبته, والتدبير أن يتدبر الرجل أمره, ويديره, أي أن ينظر في عواقبه)([4]).
– الاحترازية, لغة: أحرزت الشيء أحرزه إحرازاً إذا حفظته وضممته إليك, وصنته عند الأخذ, واحترزت من كذا وتحرزت أي توقيته وأحترز منه, وتحرز: جعل نفسه في حرز منه, وأحرزت المرأة فرجها, أحصنته, وأحترز من كذا أي تحفظ منه.
– وإذا أردنا أن نعرف التدابير الاحترازية باعتباره لقباً من الناحية اللغوية نقول:”التدابير الاحترازية هي العواقب التي يحصن منها الإنسان نفسه”([5]).
– التدابير الاحترازية في الاصطلاح: هي (مجموعة من الإجراءات تواجه خطورة إجرامية كامنة في شخصية مرتكب جريمة لتدرأها عن المجتمع) ولم تخرج التعريفات الأخرى في الفقه إذ أنها تعتبر التدابير الاحترازية مجموعة من الإجراءات وضعت تحت تصرف المجتمع, و تستهدف مواجهة الخطورة الاجرامية التي يمثلها الجاني من أجل وقاية المجتمع من الجريمة)([6]).
الدراسات السابقة:
أولاً: دراسة الطريمان “2013م بعنوان: (بدائل العقوبات السالبة للحرية كنموذج للإصلاح في نظام العدالة الجنائية– دراسة تأصيلية مقارنة) ومن أبرز أهداف الدراسة إجراء التحليل والمقارنة بين قوانين العقوبات والأنظمة المحلية لمعرفة موقفها من العقاب بالعمل للنفع العام كبديل للعقوبة السالبة للحرية. ومن أهم ما توصلت إليه الدراسة تندرج عقوبة العمل للنفع العام ضمن العقوبات التعزيرية في الشريعة الإسلامية ويؤصل لها من باب السياسة الشرعية. النظام الجزائي في المملكة العربية السعودية يستوعب عقوبة العمل للنفع العام, لأنها تندرج ضمن عقوبات التعزير, إلا أنه لا يوجد آلية تنظم الحكم بهذه العقوبة,وتحدد الجهة المسئولة عن تنفيذها, وكذلك الأعمال التي يمكن المعاقبة بها.
تختلف دراستي عن الدراسة السابقة من حيث التأصيل الكلي لمفهوم التدابير الاحترازية بالإضافة إلى الإسهاب في بيان التعزير بالخدمة الاجتماعية مع تطبيقاتها القضائية الحديثة بالإضافة إلى إجراء دراسة ميدانية حديثة للتعرف على آراء المختصين في الجوانب القانونية والقضائية لبيان دور التعزير في الخدمة الاجتماعية في إصلاح الفرد وحماية المجتمع.
ثانياً: دراسة حوتان2015م: (دور العقوبات البديلة في إصلاح الجناة) وقد هدفت الدراسة إلى معرفة واقع تجربة المملكة العربية السعودية في مجال تطبيق العقوبات والتدابير البديلة للسجون. ومن أهم ما توصلت إليه الدراسة إن أدوار الشركاء الاستراتيجيين تتمثل في تحملهم من مؤسسات ومنظمات مدنية جزءاً من التكاليف التي تطلبها برامج رعاية المسجونين وأسرهم.
الفرق بين الدراستين: تختلف دراستي عن الدراسة السابقة من حيث التأصيل الكلي لمفهوم التدابير الاحترازية بالإضافة إلى الإسهاب في بيان التعزير بالخدمة الاجتماعية مع تطبيقاتها القضائية الحديثة.
ثالثاً: دراسة القحطاني2014م: (العقوبات البديلة في قضايا الأحداث – دراسة مقارنة) وقد هدفت الدراسة إلى توضيح مفهوم العقوبات البديلة ومفهوم الأحداث. والوقوف على واقع استخدام العقوبات البدلية في قضايا الأحداث في المملكة العربية السعودية. ومن أهم ما توصلت إليه الدراسة العقوبات البديلة في قضايا الأحداث توجه حديث نسبياً في السياسة الجنائية ولا بد من توافر جملة من الضوابط النظامية والاجتماعية والآليات لتفعيله.
الفرق بين الدراستين: تختلف دراستي عن الدراسة السابقة في أن دراسة (القحطاني) قاصرة على الأحداث فقط بينما تتعلق دراستي بجميع الجناة, كذلك تميزها من خلال التأصيل لمفهوم التدابير الاحترازية بالإضافة إلى الإسهاب في بيان التعزير بالخدمة الاجتماعية مع تطبيقاتها القضائية الحديثة.
رابعاً: دراسة الجامع 1421هـ, بعنوان (الجزاءات والتدابير المجتمعية البديلة من السجن في الفقه الجنائي المعاصر وموقف الشريعة الإسلامية منها ومدى تطبيقها أمام القضاء بالمملكة العربية السعودية) هدفت الدراسة إلى التعريف بالعقوبات ونظام السجون قديماً وحديثاً وبيان موجباته وضوابطه. اتجاه القضاء نحو تقبل وتطبيق بدائل السجن عملياً في الواقع. ومن أهم ما توصلت إليه الدراسة لا مجال لعقوبة السجن في جرائم الحدود (إلا بالنسبة لمن يرون أن النفي يكون بالسجن, كالمالكية والحنفية والشافعية على الرأي الراجح) ولا في مجال جرائم القصاص ومجال السجن هو جرائم التعزير.
الفرق بين الدراستين: تختلف دراستي عن دراسة (الجامع) من حيث التأصيل لمفهوم التدابير الاحترازية بشكل موسع بالإضافة إلى الإسهاب في بيان التعزير بالخدمة الاجتماعية والتركيز على التدابير الاحترازية.
خامساً: دراسة الحجيلان (2010م) بعنوان (التعزير بالخدمة الاجتماعية) وقد هدفت الدراسة بيان الحكم الشرعي المبني على الأدلة الشرعية, والمقاصد المرعية لهذه العقوبة التعزيرية والموازنة بين المصالح والمفاسد المترتبة على العمل بها. ومن أهم ما توصلت إليه الدراسة إن الخدمة الاجتماعية مهنة حديثة نسبياً, وإن كانت أصولها الأولى قديمة, لكن الدين الإسلامي أكد المشاركة الإنسانية ووسع دائرة العمل فيها في صور ومجالات متعددة حتى شبه المجتمع المسلم بالبنيان المرصوص وبالجسد الواحد, وقد تطورت الخدمة الاجتماعية في العصر الحديث حتى أصبحت تؤدي بواسطة أفراد قد أعدوا إعداداً علمياً يقوم على أسس ومبادئ علمية.
الفرق بين الدراستين: تختلف دراستي عن دراسة (الحجيلان) في أن بحثه جاء مختصراً في حديثه عن التعزير بالخدمة الاجتماعية, كما أنه قد أغفل التأصيل لمفهوم التدابير الاحترازية بشكل موسع.
خطة الدراسة:
اقتضت طبيعة الدراسة تقسيمها إلى: مقدمة: وخمسة مباحث وخاتمة.
المقدمة: تتضمن: مشكلة الدراسة, أسئلة البحث, أهداف البحث, أهمية الدراسة, أهمية الدراسة, منهج الدراسة, حدود الدراسة, مصطلحات الدراسة, الدراسات السابقة, خطة الدراسة.
المبحث الأول التدبير الاحترازي جزاء جنائي وذو طبيعة قضائية.
المبحث الثاني: التمييز بين التدابير الاحترازية والعقوبة.
المطلب الأول: تعريف العقوبة.
المطلب الثاني: تعريف التدابير الاحترازية.
المطلب الثالث: ضابط التفرقة بين العقوبة والتدبير الاحترازي.
المطلب الرابع: أوجه التشابه والاختلاف بين العقوبة والتدابير الاحترازية.
المبحث الثالث: شروط التدابير الاحترازية.
المبحث الرابع: أنواع التدابير الاحترازية.
المطلب الأول: التدابير الشخصية السالبة للحرية.
المطلب الثاني: التدابير المانعة للحقوق.
المطلب الثالث: التدابير العينية.
المبحث الخامس: مدى جواز الجمع بين العقوبة والتدابير الاحترازية
الخاتمة: تتضمن النتائج والتوصيات.
المبحث الأول
التدبير الاحترازي جزاء جنائي ذو طبيعة قضائية
اختلف الفقه الجنائي فيما إذا كان للتدابير الاحترازية صفة الجزاء من عدمه إلى اتجاهين فيرى الاتجاه الأول أن التدابير الاحترازية ليس لها صفة الجزاء تأسيساً على أن العقوبة جزاء مؤلم ينفذ بعد ارتكاب الجريمة وليس لمنع ارتكاب جرائم في المستقبل, فالعقوبة من شأنها الإيلام وليس العلاج, أما التدابير الاحترازية فهي إجراءات مانعة تطبق بعد ارتكاب الجريمة فلا تهدف إلى إيلام الجاني ولكن تدرأ خطره حماية للمجتمع مستقبلاً, فالعقوبة تحقق القانون الرادع أما التدابير فتحقق القانون المانع([7]). وقد صدر عن محكمة النقض الإيطالية سنة1940م حكماً يرى أن التدابير الاحترازية لا تتمتع بالطبيعة الجزائية([8]). ويرى الاتجاه الثاني أن التدابير الاحترازية لها صفة الجزاء, تأسيساً على أن الوظيفة الوقائية للتدابير وإن كانت تختلف عن وظيفة العقوبة إلا إنها تعد من قبيل الجزاءات الجنائية بالمعنى الواسع لفكرة الجزاء المنطوي على الجزاء الرادع والجزاء الوقائي وبناء على ذلك فإن الجزاء الجنائي ينقسم إلى عقوبات وتدابير([9]) ونرى أن أسباب هذا الخلاف بين الفريقين يرجع إلى مسألة كانت ولا تزال مثاراً للخلاف بين أصحاب كل مذهب, خاصة وأن لها اتصال وثيق بالمشكلة الفلسفية الكبرى ألا وهي حرية الإنسان في الاختيار وهل هو في تصرفاته مخير أم مسير, ويمكن رد هذه الآراء المختلفة في العصر الحديث إلى مذهبين أساسيين التقليدي والوضعي.
أولاً: المذهب التقليدي أو المذهب الروحاني
فأما عن المذهب التقليدي فهو السائد أولاً بين المشتغلين بالمسائل الجنائية في العصر الحديث ابتداء من أواخر القرن الثامن عشر, وقد تأثر أنصاره بتعاليم مذهب الروحانيين من الفلاسفة خاصة بآراء الفيلسوف (كانت Kant), وكان من أثر ذلك افتراضهم أن الأصل في الإنسان الحرية المطلقة في تصرفه واختياره, بحكم طبيعة العقل المركبة فيه, فإن أقدم على الجريمة فقد أخطأ يشعر ضميره, كما يشعر الناس بقبحه ومخالفته للخلق القويم فتحق عليه المسئولية الجنائية, طالما أنه أتاها باختياره وهو مدرك لشرها وكان في وسعه أن لا يأتيها, فأساس المسئولية الجنائية هو قيام المسئولية الأخلاقية أي الأدبية ونتيجة لهذا المبدأ إذا انعدمت حرية الاختيار لدى شخص ما لجنون أو صغر سن, انتفت مسئولية ضميره فلا يمكن إسناد الخطأ إليه أي لا يمكن اعتباره مخطئاً وبالتالي لا تنهض قبله المسئولية الجنائية, وقد وضع القانون الفرنسي سنة 1810م على ضوء هذه الآراء وعلى أساسه بنى أحكامه في المسئولية والعقاب, وعلى نهج القانون الفرنسي سار المنظمون في الدول المختلفة في وضع قوانين العقوبات([10]).أما أصحاب المذهب الوضعي أو الواقعي فيكتفون بمجرد صدور الجريمة من الفرد, فخطورة الفرد لا ذنبه ومسئوليته الأدبية, هي التي يعنى بها المجتمع, أو بعابرة أخرى إن أساس المسئولية الجنائية هي الخطورة على المجتمع ويكفي في ذلك صدور الجريمة من الفرد أي إسناد الفعل الضار بالأمن إليه, فالمسألة ليست مسألة جريمة وعقاب وإنما هي مسألة اعتداء ودفاع, دفاع ضد العاقل المميز ودفاع أيضاً ضد غير العاقل ومن في حكمه ممن أصيبوا في أهليتهم فيخلون بأمن المجتمع, وتختلف وسيلة الدفاع عن المجتمع تبعاً لاختلاف الأشخاص, كما أن التعبير بالعقوبة عن هذه الوسيلة خطأ في التسمية, لأن فكرة التكفير وإرضاء الشعور بالعدل لا يعنى بها المجتمع عند تقرير هذه الوسيلة, فهو إنما يعنى بالدفاع عن نفسه ووقاية أمنه في المستقبل, وقد كان لهذا المذهب الواقعي فضله في لفت نظر الباحثين إلى الاهتمام بشخص المجرم والعناية بالمجرمين وملاحظة اختلاف طبائعهم وخطورتهم عند تقرير العقوبات والوسائل الملائمة لكل منهم, مما أدى إلى ظهور تشريعات جنائية جديدة تُعنى بملاحظة الظروف الخاصة بكل مجرم وإيقاف التنفيذ والعقوبات غير المحددة المدة ووسائل إصلاح المجرمين الأحداث وأنظمة معتادي الإجرام والمشبوهين والمتشردين والنظم الوقائية وذلك على خلاف المذهب التقليدي الذي يعنى بالجريمة دون المجرم([11]). وقد رأى بعض العلماء الجنائيين أن من المصلحة التوفيق بين تلك المذاهب والنظريات المختلفة وذلك في سبيل الوصول إلى حلول عملية مثمرة في كبح الإجرام, ونتيجة لذلك أنشأ ثلاثة من كبار أساتذة القانون الجنائي وهم (فون هامل) و (فون لست) و(بران) أنشأوا الاتحاد الدولي للقانون الجنائي وذلك سنة 1889م. وعقد هذا الاتحاد عدة مؤتمرات دورية في بلاد مختلفة وكانت له نشرة دورية تتضمن مجموعة أعماله, وكان يضم أساطين المشتغلين بالمسائل الجنائية في سائر الدول على اختلاف نزعاتهم ومذاهبهم, وقد انتهى هذا الاتحاد إلى تقرير مذهب يتلخص في أن العقوبات على اختلاف أنواعها ونظمها, مهما يكون لها من فائدة يجب أن تكمل بوسائل أخرى اصطلح على تسميتها بالنظم الوقائية. ويراد بها وسائل تتخذ مع الجناة إلى جانب العقوبة أو حتى بدون عقوبة, وليست الفكرة منها إضافة جزاء آخر إلى العقوبة الأصلية بقصد إيلام الجاني والتكفير عن ذنبه, وإنما اتخاذ طريقة ترمي إلى ضمان عدم عودته إلى الجريمة, سواء بمعالجته أو تعليمه أو تضييق نطاق حريته ومراقبته. والأصل فيها أن لا يحدد القاضي مدتها بل تترك تحديد نهايتها عادة للسلطة التنفيذية تقرره حين يصلح أمر المجرم أو يظهر أن لا خطر منه, ومن ذلك القبيل إرسال الصغار إلى الإصلاحيات, وكذلك إرسال المجرمين معتادي الإجرام إلى الإصلاحية الخاصة بهم, وإدخال المدمنين على المسكرات والمخدرات في مصحة خاصة ومراقبة المشبوهين, والمتشردين إلى غير ذلك([12]). ولو طبقنا عناصر العقاب هذه على التدابير الاحترازية نجدها واضحة مستوفاة, فهي بحسب طبيعتها تنطوي على إيلام المحكوم عليه, وتتقرر بناء على الجريمة وترد على شخص المجرم, ولا تتقرر إلا بحكم جنائي([13]). وهذا ما يرجحه الباحث أو يميل إليه, لأن فيه جمعاً وتوفيقاً صالحاً بين المذاهب سالفة البيان, كما أنه ينسجم مع نظرية المسئولية في الشريعة الإسلامية فإن التدابير الاحترازية تكمل قصور العقوبة في مواضع لا يجوز توقيعها كحالة المجرم المجنون, وفي مواضع أخرى تبدو غير كافية لمواجهة الخطورة الإجرامية,كحالة المجرم المعتاد كما أن إخضاع التدابير الاحترازية لقاعدة الشرعية وإسنادها إلى القضاة ضمان من التعسف والاستبداد الإداري([14]).
ومن المهم بيانه أن نظرية المسئولية في الشريعة الإسلامية تقوم على أساسين: أولهما: أن العقوبة فرضت لحماية المجتمع وحفظ نظامه وتحقيق الأمن له, فهي ضرورة اجتماعية مرعية يفرضها وجود الجماعة, وكل ضرورة تقدر بقدرها. ثانيهما: أن العقوبة العادية لا يستحقها إلا من كان مدركاً مختاراً من المكلفين, فإذا لم يكن المكلف مدركاً فلا مسئولية عليه وبالتالي فإنه لا يعاقب ولكن هذا لا يمنع المجتمع من أن يحمي نفسه من الشخص غير المسئول بالوسائل المناسبة لحاله ولحال المجتمع ولو كانت هذه الوسيلة عقوبة طالما تلائم حال المعاقب وهي التي تعرف بالعقوبة الخاصة أو بالعقوبة غير العادية كإيداع الصغير الذي لا يميز في إحدى الإصلاحيات, ووضع المجنون الذي لا يمكن عقابه في مستشفى إلى أمد محدود أو غير محدود حتى يؤمن شره ويصلح حاله, وذلك من التعازير التي يقصد بها حماية المجتمع من جهة وإصلاح وتأديب المجرم من جهة أخرى([15]).
ويتضح مما سبق أن للشريعة الإسلامية قصب السبق على سائر التنظيمات البشرية, وأن الشريعة الغراء تجنب المكلفين مرارة التجربة وتوافر لعقولهم اقتصاداً في التدبير يقيهم ويلات التجارب ومرارة الأحداث والله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إلى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾([16]). كما يتضح أن الشريعة الإسلامية ترجح مذهب حرية الاختيار, وذلك لأن الله تعالى قد متع الإنسان بالإرادة, فبوسعه الاستعانة بها في تصرفاته واختياراته بقدرته على الكسب من الخير والاكتساب من الشر والله سائله عن ذلك الكسب والاكتساب([17]).
المبحث الثاني
التمييز بين التدابير الاحترازية والعقوبة
تقسيم: لما كانت التدابير الاحترازية جزاء قضائيا فإنه من المتعين تعريفها والتمييز بينها وبين العقوبة, وبيان معيار التفرقة بين كل منهما, وبيان أوجه التشابه وأوجه الاختلاف بين كل منهما في مطلب مستقل وسنبدأ في تعريف العقوبة أولاً على النحو التالي:
المطلب الأول: تعريف العقوبة
تعرف العقوبة على أنها: (الجزاء المقرر لمصلحة الجماعة على عصيان أمر الشارع)([18]). ومن المهم التذكير بأن الأصول التي تقوم عليها العقوبة في الشريعة ترجع إلى أساسين, الأول منهما يذهب إلى محاربة الجريمة ويهمل شخصية المجرم, في حين أن الثاني يذهب إلى العناية بشخصية المجرم ولا يهمل محاربة الجريمة. فالأسس التي تعنى بمحاربة الجريمة الغاية منها حماية المجتمع من الإجرام, في حين أن الأسس التي تعنى بشخص المجرم الغاية منها علاجه وإصلاحه.
وقد شيدت نظرية العقوبة في الشريعة على هذين الأساسين على نحو جامع يسمح بحماية المجتمع من الإجرام في جميع الأحوال بصفة مطلقة, وبالعناية بذات المجرم في أكثر الأحوال ما لم تتصل جريمته بكيان المجتمع, فيقدم حينئذ حق المجتمع وأمنه واستقراره ويهمل شخص المجرم, ففي جرائم الحدود تقرر الشريعة حماية المجتمع من الجريمة وأهملت شخص الجاني بصفة تامة, كما أنها تتجه في جرائم القصاص والدية إلى حماية المجتمع من الجريمة وإهمال شأن الجاني إلا إذا عفى المجني عليه أو وليه فتكون شخصية الجاني محل اعتبار, لأن آثار الجريمة قد زالت بالعفو فلا تؤثر حينئذ على كيان المجتمع, كما أنها تتجه في جرائم التعازير إلى إعمال العقوبة منفردة ومجتمعه, فإذا كانت ظروف الجاني لا تسمح بالتخفيف نظر القاضي في تقدير العقوبة واختيار نوعها إلى حماية المجتمع, وإذا كانت ظروفه تقتضي التخفيف نظر القاضي في تقرير العقوبة واختيار نوعها إلى شخصية الجاني, وكذلك إذا كانت ظروف الجريمة تقتضي التخفيف نظر القاضي بما له من سلطة في اختيار العقوبة وتقدير كميتها لحماية المجتمع من الإجرام مع ملائمة العقوبة لشخصية المجرم([19]).
المطلب الثاني: تعريف التدابير الاحترازية:
من المهم بيانه قبل أن نشرع في تعريف التدابير الاحترازية أن نبين أن للجريمة ناحيتين, ناحية واقعية وأخرى قانونية, وإذا كان المجنون ومن في حكمه قادرا على ارتكاب الجريمة من الناحية الواقعية, فإنه غير قادر على فعلها من الناحية القانونية, وبالتالي فإنه لا يتوجه إليه الخطاب بالقاعدة القانونية المنوطة على شقي التكليف والجزاء([20]). من هنا تظهر أهمية التدابير الاحترازية والتي تعرَّف على أنها (مجموعة من الإجراءات تواجه خطورة إجرامية كامنة في شخص مرتكب جريمة لتدرأها عن المجتمع)([21]). ويتضح من هذا التعريف السمات الأساسية للتدبير الاحترازي, فهي مجموعة من الإجراءات تقتضيها مصلحة المجتمع في مكافحة الإجرام, وبالتالي فإنها ذات طابع إجباري وقسري ملزم لو كان الجاني يستفيد منها بصورة مباشرة, كما أن التدبير الاحترازي يرتبط بصورة وثيقة بفكرة الخطورة الإجرامية وذلك حين ثبوتها من شخص ارتكب جريمة([22]). فالتدبير الاحترازي إجراء يؤدي إلى جعل الجاني الخطر في موقف يستحيل معه الضرر أو زيادة هذا الضرر([23]), كما تعرف التدابير الاحترازية على أنها: (مجموعة من الإجراءات العلاجية التي ينص عليها القانون ويطبقها القاضي قسرا على المجرم لمواجهة الخطورة الإجرامية الكامنة في شخصه ودرئها عن المجتمع)([24]). كما تعرف على أنها: (معاملة فردية يرجى من تطبيقها على الفرد الخطر مواجهة خطورته وأبعادها على المجتمع قبل أن تتحول إلى جريمة وهي معاملة قسرية قانونية)([25]). ويرى البعض أنه يمكن تعريف التدابير على أنها: (مجموعة من الإجراءات القضائية الصادرة ضد الأشخاص الطبيعيين والمعنويين والأشياء لمواجهة الخطورة الإجرامية التي تتواجد لديهم إذا ما ارتكبت جريمة من أجل الدفاع عن المجتمع) ([26]).
ويرى البعض أن التعريف الجامع المانع للتدبير الاحترازي هو: (مجموعة من الإجراءات القضائية غالباً “الإدارية” في بعض الحالات, منصوص عليها في القانون, تصدر ضد الأشخاص “الطبيعية” و “المعنوية” لمواجهة الخطورة التي توجد لديهم في حالة ارتكابه الجريمة, أو بسبب حالتهم الخطرة للدفاع عن المجتمع وحمايته) ([27]).
ويرى الباحث: أن هذا التعريف قد أصابه الخلط في عدم التمييز بين التدابير الاحترازية وما يشبهه من أفكار, فهناك فرق بين التدابير الاحترازية وبين التدابير المانعة, فالأولى تناط بالجريمة وتقدر بقدر الخطورة الإجرامية للمجرم التي تظهر بارتكاب جريمة, أما التدابير المانعة فإنها تناط بالخطورة التي تظهر قبل ارتكاب الجريمة, فالتدابير المانعة لا تعد عقوبات جنائية كما لا يعد الشخص الذي تتخذ ضده مجرماً ولا متهماً وقد نص قانون الإجراءات الجنائية الكويتي في المادة (23) على ذلك([28])
كما أنه يجب التفريق بين التدابير الاحترازية وبين التدابير الاجتماعية فإذا كانت التدابير الاحترازية تتخذ بعد الجريمة لمجانبة العودة إليها كما قدمنا آنفاً, فإن التدابير الاجتماعية تتخذ قبل الجريمة لمواجهة الظروف الاجتماعية التي قد تؤدي إلى توافر الخطورة وبعبارة اخرى فإن التدابير الاحترازية فردية بحته, فهي لا تتخذ إلا ضد المحكوم عليه أما التدابير الاجتماعية فإنها ذات صبغة جماعية أي أنها تتجه إلى شريحة من أفراد المجتمع في ظل السياسة الاجتماعية([29]). وبناء على ما تقدم يرى الباحث عدم صلاحية النص على الإجراءات الإدارية في تعريف التدابير الاحترازية سيما وأن القضاء هو الحارس الطبيعي للحريات.
المطلب الثالث: ضابط التفرقة بين العقوبة والتدبير الاحترازي
تعد العقوبة والتدبير الاحترازي نوعان من نفس الجنس ووسيلتان مختلفتان لتحقيق ذات الهدف وقد انقسم الفقه حيال إيجاد ضابط للتفرقة بين العقوبة والتدبير الاحترازي إلى رأيين, فيرى الأول أن ضابط التفرقة يتمثل في أن العقوبة جزاء جنائي وسيلتها إلى المنع من الإجرام هي الإيلام, أما التدبير الاحترازي فوسيلة إلى المنع من الإجرام هي العلاج, فحيث يكون الإيلام في الجزاء غالباً على الإيلام أو مساوياً له كان الجزاء تدبيراً احترازياً([30]).
وترتيباً على هذا الرأي فإن الإيداع في مأوى علاجي, أو مستعمرة زراعية أو في إصلاحية, وحظر الإقامة, وإبعاد الأجنبي وإسقاط الولاية, أو الوصاية, أو القوامة, أو الوكالة وإغلاق المحل, والمصادرة, والاختبار القضائي تعد جميعها من التدابير الاحترازية وليس من العقوبات لكون نسبة الألم فيها غير غالبة([31]).
أما الرأي الثاني فيتجه إلى أن معيار التمييز بين العقوبة والتدابير هو أن التدابير الاحترازية تستمد نظامها الإجرائي من فكرة الخطورة الإجرامية وبعبارة أخرى يتجه التدبير الاحترازي إلى المستقبل دفعاً ليدرأ خطورة كامنة قد يبطنها المجرم وينوي الإقدام عليها فلا شأن له بالماضي, وليس من أهدافه أن يكون حساباً منصباً على سلوك الجاني الإجرامي الذي اقترفه ويترتب على هذا مراعاة حصر الإيلام المرتبط بالتدبير في أضيق نطاق وبالقدر الضروري الذي يحقق الغاية من التدبير, كالتدابير السابلة للحرية والمقيدة لها.
كما ينبغي مراعاة النظر إلى المحكوم عليه على أنه مريض لا على أنه آثم وبالتالي فلا وجه لتحقيره وإلقاء اللائمة عليه([32]).
المطلب الرابع
أوجه التشابه والاختلاف بين العقوبة والتدابير الاحترازية
أولاً: أوجه التشابه بين العقوبة والتدابير الاحترازية:
تتشابه العقوبة والتدابير الاحترازية في العديد من الخصائص كما أن بينهما اختلافا في خصائص أخرى, ونتناول أوجه التشابه والاختلاف على النحو التالي:
تتشابه العقوبة والتدابير الاحترازية في أن كلاً منهما يخضع لمبدأ (المشروعية) كما أنهما لا يصدران إلا بحكم قضائي, وكذلك فإنهما يخضعان لمبدأ (الشخصية), كما أنهما يتفقان في القسرية وبيانه مفصلاً على النحو التالي:
1. مبدأ الشرعية: يخضع كل من العقوبة والتدابير الاحترازية لمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات فيجب النص صراحة على العقوبات والتدابير في القانون, وبالتالي فإنه لا يجوز للقاضي توقيع تدبير احترازي غير منصوص عليه في القانون, ولو كان بصدد حالة خطرة ولا يجوز له تحوير نطاق أو طبيعة التدبير, وإن كان جانب من الفقه يرى أن مبدأ الشرعية يكون في التدابير الاحترازية أكثر مرونة([33]).
ويرى الباحث: أن هذا الرأي له حظ وافر من القبول لا سيما وأن سلطة القاضي تقديرية وليست تحكمية, فنظام التعزير المعروف في التشريع الجنائي الإسلامي ميدان فسيح لتطبيق فكرة التدابير الاحترازية, ومع ذلك فإن مقتضيات السياسة الجنائية المتمثلة في الاجتهادات الفكرية والنظريات الفقهية في وزارة العدل بالمملكة العربية السعودية قد أسفرت عن مشروع نظام العقوبات البديلة, ولا يخفى أن السياسة الجنائية تهدف إلى تحقيق هدفين متلازمين هما تحقيق الحماية الاجتماعية, والاتجاه نحو إصلاح وتأهيل المجرم([34]).
2. ضرورة تدخل القضاء لإيقاع العقوبة والتدابير الاحترازية: تشترك التدابير الاحترازية مع العقوبات في أنها تنال من حرية المحكوم عليه أو حقوقه المالية, ومن المعلوم أن القضاء هو الحارس الطبيعي للحريات, وبالتالي فإن صدور التدابير الاحترازية من منصة القضاء يعد ضمانة لا غنى عنها, فمن المعلوم أن للحكم القضائي سمتان: أولهما: صدوره من محكمة تتبع جهة قضائية, ثانياً صدوره بما للمحكمة من سلطة قضائية أي أنه يصدر في خصومة وترتيباً على ما تقدم فإن القرار الصادر من هيئة غير قضائية لا يعد حكماً ولو كان من بين أعضائها أحد القضاة([35]). وأيضاً فإن توقيع التدابير الاحترازية مترتب على توافر الخطورة الإجرامية وهي مسألة موضوعية يستقل بتقديرها ونظرها قاضي الموضوع للفصل في العناصر اللازمة لثبوتها من عدمه, فقد يتأثر القاضي في تقدير العقوبة بالباعث الذي دفع الجاني إلى ارتكاب الجريمة, فهو عنصر في الخطورة الإجرامية للجاني, لأنه يحدد مدى قدرته واستعداده لارتكاب الجريمة([36]).
3. قسرية وإلزامية كل من العقوبة والتدابير:بالرغم من أن التدابير الاحترازية ذات طبيعة علاجية إلا أنها تشترك مع العقوبة في أنهما يطبقان دون توقفهما على رضاء المحكوم عليه([37]). كما أن في تطبيق التدابير تحقيقا لمصلحة اجتماعية عامة, فلا يخفى أن الفرد جزء من نسيج المجتمع فحتمية علاج الخطورة الإجرامية وإن كانت نفعيه للمحكوم عليه, إلا أنها تساهم في تحقيق الدفاع عن المجتمع وهي من الخصائص المشتركة بين العقوبة والتدابير الاحترازية([38]).
ثانياً: أوجه الاختلاف بين العقوبة والتدابير الاحترازية:
بالرغم من وجود قدر من التشابه بين العقوبة والتدابير, إلا أن هنالك اختلافا كبيرا بينهما, من حيث الأساس والمضمون, ومن حيث مدة كل منهما, ومن حيث خضوع كل من العقوبة والتدابير لأحكام خاصة به, وكذلك من حيث إمكان مراجعة التدبير الاحترازي بعد تقديرها وذلك على التفصيل الآتي:
1. الأساس والمضمون:
رغم اشتراك العقوبة والتدابير في الأخذ بمبدأ الملاءمة والتأثير باعتباره مبدأ عاماً إلا أن هنالك اختلافاً كبيراً بينهما في الأساس والمضمون فتوقيع العقوبة منوط بارتكاب الجريمة بركنيها العام والخاص, فالجريمة عمل غير مشروع يصدر عن إرادة جنائية يقرر لها القانون جزاء. وبالتالي يستحق العقوبة من اختار طريق الخطيئة, وينبني على ذلك تضمن العقوبة إيلام مقصود يتلاءم مع خطيئة الجاني, إذ لا عقوبة بغير خطيئة, ودون إغفال للضرر الذي نال المجتمع من جراء تلك الجريمة, فأساس تقدير العقوبة التي يقتنع بها القاضي ويبرمها في حكمه هو أساس شخصي موضوعي يقصد منه الإيلام([39]).
أما التدابير الاحترازية فيمكن إيقاعها على الجريمة في جانبها القانوني وجانبها الواقعي على حد سواء وبهذا تتميز عن العقوبة التي يقتصر إيقاعها على الجريمة في جانبها القانوني فقط عند صدورها من شخص يتمتع بإرادة جنائية معتبرة, وهذا ما يجعل التدابير الاحترازية منوطة بالخطورة الإجرامية وجوداً وعدماً بعد حصول الجريمة على أرض الواقع, يستوي في ذلك صدورها من عديمي التمييز والإدراك كالمجنون والصغير فضلاً عن غيرهم من كاملي الأهلية, فتوافر الخطورة الإجرامية سبب حتمي لفرض التدبير, وزوال الخطورة سبب لانقضائه, وبالتالي فإن الإيلام ليس مقصوداً لذاته في التدبير الاحترازي وإن تضمن تنفيذه ألماً تفرضه طبيعة التدبير, خاصة إذا كان التدبير سالباً أو مقيداً للحرية, فذلك إيلام غير مقصود, وبهذا يظهر أن الغاية من إيقاع التدبير هي غاية نفعية تحمي المجتمع من خطورة المجرم لتحول بينه وبين ارتكابه جرائم جديدة في المستقبل([40]).كما يظهر أن أساس العقوبة هي الخطيئة وأساس التدبير الاحترازي هي الخطورة الإجرامية.
2. اختلاف المدة:
لما كان التدبير يدور مع الخطورة الإجرامية وجوداً وعدماً, وكانت الخطورة الإجرامية قابلة للتطوير والزوال, فإن المنظم والقاضي على حد سواء لا يمكنهما الجزم بتحديد مدة التدبير, وبالتالي فإنه من المنطق أن يكون التدبير مرناً وغير محدد المدة ليتفق مع الخطورة الإجرامية اتفاق السبب والمسبب من حيث نوعه ومدته, كما أنه لا يجوز النطق بالتدبير مع إيقاف تنفيذه([41]).
والأصل في عدم التحديد أن يكون مطلقاً دون تقييد, فيختص القاضي بالنطق بالتدبير الذي يراه ملائما لشخصية المحكوم عليه وسنه وظروفه وسجله الجنائي, وبعد ذلك يدخل عليه التعديل أو التغيير أو التبديل متى كان أكثر ملائمة لشخصية المحكوم عليه ولعوامل حالته الخطرة([42]). والغالب أن يكون عدم التحديد نسبياً, فيوضع للتدبير حد أدنى أو حد أقصى أو الاثنان معاً ([43]).
أما العقوبة فإنها تتميز بالجمود والثبات فتكون سلطة القاضي في إنزالها تقديرية وليست تحكمية إذ أن السلطة التقديرية التي يتمتع بها القاضي هي عبارة عن عملية تطبيق النصوص القانونية المجردة في مجال يترك فيه المنظم للقاضي حرية التقدير في حدود التنظيم القانوني اعتماداً على فطنته وحسن تقديره, فمن المعلوم أن السياسة العقابية الحديثة ترمي إلى تفريد العقاب بغية توقيع العقوبة المناسبة لجسامة الجريمة ولشخصية مرتكبها([44]).
3. خضوع كل من التدابير الاحترازية والعقوبة لأحكام خاصة:
تخضع التدابير الاحترازية لأحكام خاصة تفرضها طبيعتها وهي بهذا الاعتبار تتباين مع العقوبة, فلا تخضع التدابير للظروف المخففة, فإذا رأى القاضي إنزال تدبير معين للقضاء على الخطورة الإجرامية التي تكشفت له في شخصية المحكوم عليه, فإنه يجب إنزال ذلك التدبير دون غيره حماية للمجتمع وتأهيلا للمحكوم عليه, كما أنه لا يجوز النطق بالتدبير مع إيقاف التنفيذ([45]). إذ أن الهدف منه مواجهة الخطورة الإجرامية وذلك لا يتحقق إلا بالتنفيذ الفوري, كما لا تعد التدابير الاحترازية سابقة في العود وذلك على خلاف العقوبة الجنائية([46]). كما أن الأحكام الصادرة بالتدبير لا تنقضي بالتقادم([47]).
4. يجوز مراجعة التدبير الاحترازي بعد تقريره:
ينفرد التدبير الاحترازي عن العقوبة بقابليته للتعديل لتعلقه بفكرة الخطورة الإجرامية, فمن المكن تعديل مدته ونوعه وإعادة النظر فيه من القاضي كلما اقتضى الحال ذلك التعديل([48]).
المبحث الثالث
شروط التدابير الاحترازية
اجتمعت التشريعات المعاصرة واستقر الفقه الحديث على ضرورة توافر شرطين أساسيين تفرضهما طبيعة التدابير, يلزم توافرهما لإيقاع أي نوع من أنواع التدابير أولهما: ارتكاب جريمة سابقة, وثانيها: توافر الخطورة الإجرامية, وبناء على ذلك يتعين تناولهما بشيء من التفصيل على النحو التالي:
أولاً اتجاه اشتراط الجريمة السابقة:
يعد مبدأ صيانة حرية الأفراد من أهم المبادئ التي تحمي الأفراد من التوسع في الجزاء, وبيانه أن للدولة إنشاء قواعد تجريمية يقع على عاتق الأفراد الالتزام بها التزاماً أصلياً, يتمثل في الامتناع عن إتيان السلوك المحظور, وعن تحقيق ذات الواقعة في تلك القاعدة, ويبقى للفرد بعد ذلك حقه في ممارسة جميع أنواع السلوك الأخرى, ما دامت خارجة عن الحدود التي رسمتها القاعدة للواقعة المجرمة, فإذا ارتكب الفرد السلوك المحظور كان للدولة الحق في مطالبة الجاني قضائياً بتحمل الجزاء المقدر ضمن القاعدة التجريمية, يستوي في ذلك أن يكون الجزاء هو العقوبة أو التدبير الاحترازي لكونهما نوعين لجنس واحد هو الجزاء الجنائي([49]).
ومن المهم بيانه أن الجريمة تقوم على عدة عناصر, فهي تفترض ارتكاب عمل يتمثل في الجانب المادي لها وهو السلوك الإجرامي سواء كانت صورته إيجابية كالضرب والسرقة, أو سلبية كالامتناع على اختلاف صوره, كما تفترض الجريمة أن العمل غير مشروع استناداً لنصوص قانون العقوبات والقوانين المكملة لها, فيكون العمل غير مشروع ما لم تطرأ عناصر أخرى عارضة وإضافية تدل على أن العمل خاضع لأسباب الإباحة كحالة الدفاع الشرعي عند ارتكاب جريمة قتل مع توافر شروط الدفاع الشرعي وانتفاء موانعه. وأيضاً تفترض الجريمة صدور العمل غير المشروع عن إرادة جنائية معتبرة قانونياً, بأن تكون مميزة حرة ومختارة, فإذا تخلفت الإرادة الآثمة انتفى قيام المسئولية الجنائية لانتفاء الركن المعنوي, وأخيراً تفترض الجريمة أن القانون قد قدر لها عقوبة أو تدبيراً احترازياً يمتاز كل منهما بطابع جنائي بحت([50]).
ومن المهم التنبيه إلى أنه لا اعتبار لتوافر الركن المعنوي للجريمة عند إيقاع التدبير, فالقصد الجنائي علم بعناصر الجريمة وإرادة متجهة إلى تحقيق هذه العناصر أو قبولها([51]), فالجريمة في هذا المجال لا ينظر إليها بمظهرها القانوني, وإنما ينظر إليها بمظهرها الواقعي, وبالتالي فإن الخطأ الواقع هو القرينة الكاشفة عن توافر الحالة الخطرة, إذ أنه من المعلومات أنه لا جريمة بغير خطأ وبغض النظر عن أهلية مرتكب ذلك الخطأ. ومن المهم بيانه أن الجريمة تنقسم تبعاً للصورة التي تتخذها الآثار المادية المترتبة على الخطأ إلى جرائم ضرر وجرائم خطر, فجرائم الضرر تكون فيها صورة العدوان الفعلي الحال على المصلحة التي يحميها المنظم أي أن الأثر قد تحقق بالفعل, كجريمة القتل والجرح والسرقة وإتلاف المال, أما جرائم الخطر فتتخذ صورة العدوان المحتمل على المصلحة التي يحميها المنظم, والعدوان المحتمل هو التهديد بالخطر ومثاله نقل طفل أو عاجز عن الحركة إلى مكان بعيد عن العمران, أو تجريم المنظم لوضع النار في مكان, أو مجرد قيادة السيارة بسرعة تهدد الأرواح بالخطر أو جرم الشروع, فالمنظم ينظر في ذلك إلى الاحتمال الغالب, وذلك اعتداد منه بالأثر المستقبل للعمل باعتباره غالب الاحتمال, وتكون أهمية التفرقة بين جرائم الضرر وجرائم الخطر في أن جريمة الضرر تهدد مصلحة معينة تستحق جزاء أشد من جريمة الخطر والتي تهدد ذات المصلحة([52]).
ثانياً: اتجاه عدم اشتراط الجريمة السابقة:
إذا كان اشتراط ارتكاب جريمة سابقة هو اتجاه أغلب التشريعات, فقد ذهب اتجاه من الفقه إلى نقد توافر هذا الشرط تأسيساً على أن اشتراط وجود جريمة سابقة يجرد التدابير الاحترازية من وظيفتها الأساسية ويتعارض مع طبيعتها, وبيانه أن وظيفة التدابير هي مواجهة الخطورة الإجرامية والتصدي لها حتى لا تتحول إلى نـزوع إجرامي يفتك بالمجتمع, وبناء على ذلك إذا ثبت بالفعل توافر الخطورة الإجرامية لدى شخص معين, تعين إيقاع التدبير الاحترازي المناسب بحقه دون أن يرتكب جريمة سابقة, فليس من المنطق انتظار من تبدت منه الخطورة حتى يرتكب جريمة لاتخاذ التدبير الملائم بحقه. فتقدير أن الجريمة السابقة هي القرينة الوحيدة على توافر الخطورة الإجرامية غير صحيح, فثمة قرائن أخرى تدل على توافر الخطورة الإجرامية, فإذا وجدت وكانت قاطعة في دلالتها على توافر الخطورة, وجب إيقاع التدبير الاحترازي دون التعلل بحصول جريمة سابقة([53]).
وأما عن طبيعة التدابير الاحترازية, فتفترض عدم اعتدادها بماضي من توقع عليه, وإنما تتطلع إلى المستقبل لمنعه من ارتكاب الجريمة وحماية للمجتمع, وبالتالي فإن اشتراط ارتكاب جريمة سابقة يعد مناقضاً لطبيعة التدابير الاحترازية, إذ إن التدابير ليست جزاء لجريمة قد ارتكبت بل هي إجراء لمواجهة خطورة إجرامية كامنة قد تتوافر فيمن ارتكب جريمة بالفعل أو فيمن لم يرتكبها بعد ولكن توافرت قرائن تدل على احتمال بحصولها([54]).
هذا خلاصة ما انتهى إليه أنصار ذلك الاتجاه, والرد على رأي أنصار ذلك الاتجاه يتمثل في أن الخطورة الإجرامية أمر كامن في الوجدان لا يمكن الاهتداء إليه إلا إذا اتخذ مظهراً نزوعياً حركياً ينبئ عن تأصل العدوان والإجرام في نفس الجاني, ولا يلزم من ذلك إتمامه للجريمة لإيقاع التدبير بل يكفي في ذلك شروعه فيها, فقد سبق بيان أن العدوان إما فعلي وإما محتمل وهذا لإسباغ الحماية القانونية على حرية الفرد, وإلا أضحت حريات الأفراد معرضة لأهواء القضاة ورحمتهم, فضلاً عن اعتساف السلطات التنفيذية وانحرافها حيال الاستيقاف والقبض والتفتيش والتحري لمجرد أن للمجرم حياة ماضية وسوابق جنائية مسطورة في صحيفته الجنائية, فروح العدالة تأبى ذلك كله بل تتأذى منه, فإنه من المقرر في قواعد الشريعة وكلياتها أن الحكم بالشك غير جائز, كما أن الظن مستند الأحكام وأن الحكم بغير بينة حكم على خلاف الشرع([55]).
ولا يخفى أن المجرم في نظر القانون هو كل شخص صدر بحقه حكم قضائي نهائي بإدانته, وبناء على ذلك فإن المتهم في مرحلة التحقيق وأثناء فترة المحاكمة لا يعد مجرماً, ذلك بأنه من القواعد الدستورية والفقهية المستقرة أن المتهم برئ حتى تثبت إدانته بحكم قضائي([56]). فالقاعدة أنه لا تدبير بلا جريمة, وحسناً فعل المنظم السعودي حين نص في المادة الأولى من نظام العقوبات البديلة بقوله: (العقوبات البدلية هي: الأعمال والتدابير والإجراءات البديلة لعقوبة الجلد أو السجن الذي لا تتجاوز مدته ثلاثة سنوات, والتي تخضع لسلطة القضاء التقديرية, ويكون من شأنها تحقيق المصلة المرجوة من العقاب وضمان حق المجني عليه وحقوق المجتمع), يتضح من التعريف سالف البيان أن المنظم السعودي قد أخذ بقاعدة لا تدبير بلا جريمة اهتداء واقتداء وإرساء لمبدأ حجية الأحكام ومبدأ عدم جواز محاكمة الشخص أكثر من مرة في جريمة واحدة([57]).
المبحث الرابع
أنواع التدابير الاحترازية
تمهيد وتقسيم:
تنقسم التدابير الاحترازية إلى عدة أقسام بحسب الأساس الذي يستند إليه التقسيم, فمن حيث موضوع التدابير: تنقسم إلى تدابير شخصية وتدابير عينية, فالتدابير الشخصية هي التي يكون موضوعها شخص المحكوم عليه بها مثل إيداعه في مكان معين. والتدابير الشخصية تنقسم إلى تدابير مانعة للحرية أو مقيدة لها أو تدابير تقرر الحرمان من بعض الحقوق. أما التدابير العينية فهي التي يكون موضوعها شيئاً مادياً مثل مصادرة الأشياء التي يعتبر صنعها أو اقتناؤه لها أو بيعها أو استعمالها غير مشروع([58]). كما تنقسم من حيث طبيعتها إلى:
أ. تدابير تأهيلية تهدف إلى عقد مصالحة بين المحكوم عليه ومجتمعه وذلك بعلاجه إن كان مريضاً, أو تهذيبه وتقويمه إن كان منحرفاً, أو تعليمه مهنة إن كان عاطلاً, ومن ذلك الإيداع في مستشفى للعلاج, أو مؤسسة تهذيبية وتعليمية.
ب.التدابير التعجيزية: والمقصود بها تجريد المجرم من كافة الوسائل المادية المستعملة في ارتكاب الجريمة والإضرار بالمجتمع, مثل المصادرة وإغلاق المؤسسة أو إخضاعها للحراسة.
ج. التدابير الإبعادية: والمقصود بها الفصل بين المجرم وبين مكان معين يهيأ له ارتكاب الإجرام, مثل اعتقال من اعتاد على الإجرام, وإبعاد الأجنبي عن البلاد, وحظر الإقامة في المكان الذي يمارس فيه الشخص إجرامه. ([59])
كما يمكن تقسيمها إلى تدابير استئصالية كالإعدام والنفي والحجز المؤبد, وتدابير قمعية كالسجن والغرامة, وتدابير إصلاحية يقصد بها إزالة آثار الجريمة بالتعويض عن الضرر أو إعادة المال إلى ما كان عليه, وتدابير اجتماعية كحظر الإقامة في مكان معين أو المنع من ممارسة وظيفة أو حرفة أو مهنة معينة, وتدابير علاجية كالوضع في مستشفى للأمراض النفسية([60]).
وأيضاً يمكن تقسيمها من حيث سلطة القاضي في إنزالها إلى تدابير احترازية وجوبية وجوازية, فالتدابير الوجوبية هي التي يلتزم القاضي بتوقيعها, أما الجوازية فهي التي يكون للقاضي فيها سلطة تقديرية فيوقعها أو يصرف النظر عنها حسب تقديره([61]).
وتجدر الإشارة إلى أن التشريعات الجنائية الحديثة تعرف الأنواع المار ذكرها من التدابير الاحترازية إلا أن موقف تلك التشريعات لا يسير في اتجاه واحد, فمن التشريعات من يفسح مجالاً خاصاً للتدابير الاحترازية وذلك بجعلها في باب أو فصل مستقل عن العقوبات كالتشريع اللبناني, ومن التشريعات من يقتصر على العقوبات فقط دون إغفال التدابير الاحترازية, وذلك بالنص عليها إما في قوانين خاصة, أو إما مطوية تحت اسم العقوبات التبعية والعقوبات التكميلية وقد سار على هذا التشريع الفرنسي, ويعكس ذلك الاختلاف بين التشريعات مشكلة كثر حولها الجدل والنقاش وهي مشكلة الجمع بين العقوبات والتدابير الاحترازية([62]). وسيأتي بحثها تباعاً في المباحث القادمة, ولما كان تقسيم التدابير الاحترازية في علم العقاب على أساس وسائلها في مواجهة الخطورة الإجرامية من أهم التقسيمات, فإن أغلب التشريعات قد أخذت به لبساطته وسهولة تطبيقه في العمل, ومن تلكم التشريعات القانون اللبناني, حيث قسم التدابير إلى تدابير شخصية مانعة للحرية, وتدابير شخصية مقيدة للحرية, وتدابير مانعة للحقوق وتدابير عينية([63]).
المطلب الأول: التدابير الشخصية السالبة للحرية
يمكن تقسيم التدابير الشخصية السالبة للحرية في التدابير الآتية: الإيداع في إحدى مصحات الأمراض العقلية, والمؤسسات العلاجية, والإيداع في مؤسسة للرعاية الاجتماعية أو إصلاحية قانونية, وتدبير الاعتقال والعزلة, والإيداع في منشأة زراعية أو دور للعمل ونبحث كل منها فيما يلي.
1. تدبير الإيداع في إحدى مصحات الأمراض العقلية والمؤسسات العلاجية:
وتسمى أيضاً بالمصحات القضائية أو الجنائية, وهي منشآت يودع فيها من قضي ببرائته في جريمة لجنون أو عاهة عقلية قد تكون ناتجة عن تسمم كحولي أو جراء إدمان للمخدرات, ولذا تتسم حالة الشخص بخطورة على نفسه وعلى مجتمعه([64]).
وحسناً فعل المنظم السعودي حين نص في المادة (43) من نظام مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية على أنه (يجوز بدلاً من إيقاع العقوبة على المدمن بسبب تعاطي المواد المخدرة أو المؤثرات العقلية, الأمر بإيداعه في إحدى المصحات المخصصة لهذا الغرض, وتحدد اللائحة الحالات التي يجوز فيها الأمر بإيداع المدمن للمصحة والجهة التي تأمر بإيداعه وشروط الإفراج عنه), وكذلك فعل المنظم المصري في قانون المخدرات رقم (182) لسنة 1960م فقد نص على عدة تدابير منها: بالنسبة لمن سبق الحكم عليه أكثر من مرة في إحدى الجنايات المقررة بقانون المخدرات يمكن اتخاذ التدابير الآتية:
– الإيداع في إحدى مؤسسات العمل.
– تحديد الإقامة في جهة معينة.
– منع من الإقامة في جهة معينة
– الإعادة إلى الموطن الأصلي.
– حظر التردد على أماكن أو محال معينة.
– الحرمان من ممارسة مهنة أو حرفة معينة([65]).
كما نص في المادة (342) من قانون الإجراءات الجنائية على أنه: (إذا صدر أمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى أو حكم ببراءة المتهم وكان ذلك بسبب عاهة في عقله تأمر الجهة التي أصدرت الأمر أو الحكم إذا كانت الواقعة جناية أو جنحة عقوبتها الحبس بحجز المتهم في أحد المحال المعدة للأمراض العقلية إلى أن تأمر الجهة التي أصدرت الأمر أو الحكم بالإفراج عنه, وذلك بعد الاطلاع على تقرير مدير المحل وسماع أقوال النيابة العامة وإجراء ما تراه لازماً للتثبت من أن المتهم عاد إلى رشده) ([66]).
2. الإيداع في مؤسسات للرعاية الاجتماعية أو إصلاحية قانونية:
يعد هذا التدبير من التدابير المهمة في مواجهة الأحداث والأشخاص الخطرين إجرامياً من المتشردين, ويتم إيداع الأحداث في هذه المؤسسات لاختلاف طبيعتها عن المؤسسات العقابية من حيث الأهداف وشخصيات العاملين فيها, فالغاية من هذا الإيداع هو الوقاية من احتمال إجرام هذه الطائفة, ويتحقق ذلك من خلال توفير برامج تعليمية وتهذيبية, بالإضافة إلى برامج تدريب وعمل على مهن معينة وتنمية قدرات خاصة لدى هذه الطائفة فقد نص قانون الأحداث المصري رقم (31/1974) في المادة (13) على “جواز إيداع الحدث في إحدى مؤسسات الرعاية الاجتماعية للأحداث التابعة لوزارة الشئون الاجتماعية أو المعترف بها منها, وإذا كان الحدث ذا عاهة يكون الإيداع في معهد مناسب لتأهيله, ولا تحدد المحكمة في حكمها مدة الإيداع. ويجب ألا تزيد مدة الإيداع على عشر سنوات في الجنايات وخمس سنوات في الجنح وثلاث سنوات في حالات التعرض للانحراف, وعلى المؤسسة التي أودع بها الحدث أن تقدم إلى المحكمة تقريراً عن حالته وسلوكه كل ستة أشهر على الأكثر لتقرر المحكمة ما تراه في شأنه”.([67])
حسناً فعل المنظم السعودي حين نص في المادة رقم (15) من نظام الأحداث النافذ على ما يلي:
1. إذا لم يكن الحدث متماً (الخامسة عشرة) من عمره وقت ارتكابه فعلاً أو أفعالاً معاقباً عليها, فلا يفرض عليه سوى تدبير أو أكثر من التدابير الآتية: الإيداع في مؤسسة اجتماعية أو علاجية لمدة لا تتجاوز سنة, بشرط أن يكون متماً (الثانية عشرة) من عمره وقت ارتكابه الفعل المعاقب عليه.
2. إذا كان الحدث متماً (الخامسة عشرة) من عمره وقت ارتكابه فعلاً أو أفعالاً معاقباً عليها فتطبق عليه العقوبات المقررة عدا عقوبة السجن, فيعاقب بالإيداع في الدار مدة لا تتجاوز نصف الحد الأقصى للعقوبة الأعلى المقررة لذلك الفعل ودون التقيد بالحد الأدنى لتلك العقوبة. وأما إذا كانت الجريمة مما يعاقب عليه بالقتل, فيعاقب بالإيداع في الدار مدة لا تتجاوز عشر سنوات..
3. تدبير الاعتقال والعزلة:
ينزل هذا التدبير بالمجرمين المعتادين على الإجرام, بهدف عزلهم عن المجتمع وإبعادهم عنه, وقد سبق نقل كلام العلامة الشوكاني في هذا الصدد, ومن الخير إعادته في هذا الموضع لمناسبته, قال في نيل الأوطار ما نصه: (إن الحبس وقع في زمن النبوة وفي أيام الصحابة والتابعين فمن بعدهم إلى الآن في جميع الأعصار والأمصار من دون إنكار, وفيه من المصالح ما لا يخفى لو لم يكن منها إلا حفظ أهل الجرائم المنتهكين للمحارم الذين يسعون في الإضرار بالمسلمين ويعتادون ذلك ويعرف من أخلاقهم, ولم يرتكبوا ما يوجب حداً ولا قصاصاً, حتى يقام ذلك عليهم فيراح منهم العباد والبلاد, فهؤلاء إن تركوا وخلي بينهم وبين المسلمين بلغوا من الإضرار بهم إلى كل غاية, وإن قتلوا كان سفك دمائهم بدون حقها, فلم يبق إلا حفظهم في السجن والحيلولة بينهم وبين الناس بذلك حتى تصح منهم التوبة, أو يقضي الله في شأنهم ما يختاره)([68]). وظاهر من عبارة الشوكاني تصنيف المجرمين بحسب ما يعرف من خطورتهم واعتيادهم على الإجرام, وحبسهم مدة غير محددة, وذلك هو مراد الأنظمة الوضعية المعاصرة في تقنين التدابير الاحترازية, فإن العبرة بالمعنى والمسميات مهما اختلفت الأسماء والاصطلاحات ولعل في قوله تعالى: ﴿إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾([69]), ما يشير إلى تصنيف المخالفين لأمر الله ورسوله بحسب اختلاف خطورتهم وإجرامهم.
وقد نصت المادة الثالثة من القرار الوزاري رقم (365) وتاريخ 21-1-1432ه الصادر عن وزارة الداخلية السعودية على أنه:(تعتبر الأحكام الجزائية التي تسجل في صحيفة السوابق هي الأحكام النهائية المكتسبة للقطعية التي تصدر في القضايا الجزائية إذا توافرت فيها الشروط الآتية:
أ. أن تكون العقوبة الجزائية على أمر محظور ومعاقب عليه شرعاً أو نظاماً وبعد ثبوت الإدانة بناء على حكم نهائي بعد محاكمة تجري وفقاً للوجه الشرعي طبقاً للمادة (3) من نظام الإجراءات الجزائية.
ب. أن تكون العقوبة المحكوم بها إما:
1. حداً شرعياً غير حد المسكر.
2. حد السكر للمرة الرابعة فأكثر.
3. السجن مدة لا تقل عن ثلاث سنوات.
4. إذا اجتمعت عقوبتان من العقوبات الآتية (الجلد الذي لا يقل عن ثمانين جلدة, السجن الذي لا يقل عن سنتين, الغرامة التي لا تقل عن عشرة آلاف ريال) والمقصود باجتماع العقوبات ما يتقرر شرعاً أو نظاماً أو بهما مجتمعين([70]).
4. الإيداع في منشأة زراعية أو دور للعمل:
يتخذ هذا التدبير بشأن طائفة معينة من الأشخاص ذوي الخطورة الإجرامية, التي يخشى معها تركهم دون عزلهم عن أفراد المجتمع, وتتمثل هذه الطائفة في الأفراد المعتادين على الإجرام والمتشردين الذين لا مأوى لهم ولا عمل, وبالتالي فإن إيداع هذه الطائفة في منشآت العمل ليتاح لهم تعلم الحرف والمهن, التي تساعدهم في كسب العمل وصرف الوقت في المنافع التي تعود عليهم بجني المال من طرقه المشروعة, مما يعزز لديهم نبذ الجريمة والكسل والانسجام مع المجتمع مرة أخرى([71]).
ويلاحظ على جميع التدابير سالفة البيان أنها وإن اشتركت في سلب الحرية الشخصية, إلا أنها تنوعت وسائلها تبعاً لتقسيم المحكوم عليهم, وطبقاً لمعايير موضوعية وواقعية إلى فئات معينة, وفقاً للسن والجنس والعود والحالة العقلية والاجتماعية, وهي الطريقة الحديثة في التصنيف حيث تجري على المحكوم عليه مختلف الفحوصات كالفحص الطبي والنفسي والعقلي ووضعه الاجتماعي, وبعد ذلك يتم تحديد درجة التحفظ التي يجب أن يوضع فيها والمؤسسة العقابية الملائمة له, ونوع الخدمات الاجتماعية التي يحتاجها وأسرته, والعلاج الطبي والعقلي والنفسي اللازم للمحكوم عليه, والحرفة التي تتفق مع رغبات وميول المحكوم عليه, والتعليم الذي يحتاج إليه والرياضة البدنية التي تتناسب مع قدراته([72]). وقد تبنت القوانين العربية تصنيف وتقسيم المحكوم عليهم فأخذ بهذا الإجراء المنظم السعودي في المادة (10) من نظام السجن والتوقيف السعودي, كما أخذ به القانون الإماراتي في المادة (24) من قانون السجون الإماراتي وكذلك فعل القانون الجزائري في المادة (24) من قانون السجون الجزائري, وأيضاً القانون الليبي في المادة (19) والمادة (23) من قانون السجن الليبي, وقد أفرد المشرع العراقي فصلاً مستقلاً لتصنيف المحكوم عليهم, وذلك في الفصل الرابع من قانون السجن العراقي, فقد أناط باللجنة الفنية مهام القيام بتصنيف المحكوم عليهم, كما خصص مكاناً في السجن يسمى مركز الاستقبال والتشخيص, إذ يودع فيه المحكوم عليه بعد صدور الحكم بالإدانة على أن لا تقل مدة حبسه عن سنة لغرض دراسته وتشخيص حالته, وبعد الانتهاء من التصنيف ينقل المحكوم عليه إلى القسم الذي تعينه اللجنة الفنية التي تقرر برنامجاً للعلاج لكل سجين, يتضمن درجة التحفظ والقسم الأنسب, والعلاج الجسمي والعقلي والمساق الثقافي والتدريب المهني والرياضة المناسبة([73]).
ويقترح الباحث على المنظم السعودي الأخذ بالإجراءات المنصوص عليها في قانون السجون العراقي لكونها قد أقسطت المحكوم عليه حقه من الرعاية اللاحقة بعد صدور الحكم, مما يوفر ضمانة في تأهيله وصلاحه أثناء وبعد تنفيذ محكوميته, فمن المعلوم أن السجن قد يكون أحد العوامل الإجرامية إذا ما أخفق في أداء رسالته.
المطلب الثاني: التدابير الشخصية المقيدة للحرية
تختلف هذه التدابير كما يظهر من اسمها عن التدابير الشخصية السالبة للحرية, فالتدابير الشخصية المقيدة للحرية تعطي قسطاً من الحرية الشخصية للمحكوم عليه, إلا أن هذه الحرية مصحوبة ببعض الضوابط والقيود التي تطيف بها منعاً من قيام المحكوم عليه ارتكاب أية جريمة أخرى تهدد أمن وسلامة المجتمع. وسوف نقسم دراستنا لهذه التدابير على النحو التالي:
1. الوضع تحت المراقبة: يقصد بهذا التدبير تقييد حرية المحكوم عليه مدة من الزمن بالقدر الذي يمكن من ملاحظته والإشراف على سلوكه وطريقة عيشه, ومنعه من الانجراف إلى الظروف التي تسقطه في حمأة الجريمة في المستقبل, وتلك هي غاية التدبير الاحترازي([74]). ومع ذلك فقد ذكر المشرع المصري هذا التدبير ضمن العقوبات, لكونه لم يفرد نصوصاً خاصة للتدابير في نظام قانوني خاص ومستقل, ومراقبة البوليس توقع على الرجال والنساء معاً دون الأحداث إذا كانت أعمارهم لا تزيد على خمس عشرة سنة, فللأطفال المعرضين للانحراف في هذا السن تدابير خاصة نص عليها قانون الطفل رقم (12 لسنة 1996), وهي تغني عن تطبيق مراقبة البوليس عليهم, وقد نص المشرع المصري على المراقبة كعقوبة أصيلة وذلك في القانون رقم (98 لسنة 1945) الخاص بالمتشردين والمشتبه فيهم والمعدل بالقانون رقم (110 لسنة 1980), كما نص عليها كعقوبة تبعية في المادة(28) من قانون العقوبات, أو كعقوبة تكميلية مثل حالة العود إلى السرقة التامة (مادة 320 عقوبات) ([75]), ومن أحكام المراقبة أنها إذا كانت عقوبة أصلية أو تكميلية, فإن مدتها تبدأ من اليوم المحدد في الحكم, أما إذا كانت تبعية فإنها تبدأ من اليوم التالي لانتهاء العقوبة الأصلية.
وحسناً فعل المنظم السعودي في مشروع العقوبات البديلة حين نص في المادة الرابعة على مايلي:(مع مراعاة العقوبات البديلة المنصوص عليها في الأنظمة الأخرى:
أ. يجوز للقاضي -في الحق العام- استبدال عقوبة السجن المحكوم بها على الكبار بالقيام بأعمال ذات نفع عام, لصالح جهة عامة, أو القيام بأعمال اجتماعية أو تطوعية وله أن يقيد حرية المحكوم عليه, كما يجوز له إحالة المحكوم عليه إلى العلاج الطبي أو النفسي والاجتماعي وأن يضاف إليه ما يناسب من الأعمال والعقوبات البديلة التالية:
1. تعليم مهنة معينة والتدرب على ممارستها.
2. عدم مغادرة المنزل.
3. الإفراج المشروط.
4. عدم حيازة الأسلحة أو استعمالها أو حملها.
5. الحرمان من إصدار الشيكات.
6. المنع من قيادة السيارات أو أحد أنواعها.
7. المنع من الاتصال ببعض الأشخاص أو دخول أماكن معينة.
8. المنع من مزاولة بعض الأعمال ذات الطبيعة المهنية أو الاجتماعية أو التجارية.
9. تقييد الحرية خارج السجن في نطاق مكاني محدد ومناسب.
10. المنع من السفر..).
2. منع ارتياد أماكن معينة: نص المنظم السعودي في المادة الرابعة في مشروع العقوبات البديلة على المنع من الاتصال ببعض الأشخاص أو دخول أماكن معينة, وذلك في حق الكبار فقط, والحكمة التي يمكن استظهارها من وراء هذا المنع هو توافر صلة سببية لها تأثير على إرادة المحكوم عليه ووعيه تحمله على اقتراف الجناية, فإذا تحقق القاضي من وجود تلك الصلة أو مظنتها, قضى بها بلا تردد, ومثاله أن يمنع القاضي المحكوم عليه من التواجد في الملاعب الرياضية لثبوت أن المحكوم عليه يثير الشغب أو التعصب الرياضي ويحرض عليه, مما يؤدي إلى وقوع التشاجر والفوضى وحدوث خسائر بشرية وفي الممتلكات العامة. ومثاله أيضاً منع دخول المجنون ومن في حكمه إلى الأماكن العامة كالمساجد والأسواق والحدائق العامة والمتنزهات, إذا تبين للقاضي أنه يؤذي الناس ويفسد أموالهم أو طمأنينتهم, وقد ورد في الشريعة المباركة نظير ذلك, روى ابن عمر م أن رسول الله r قال: (من أكل من هذه الشجرة, فلا يقرب مساجدنا يؤذينا بريح الثوم)([76]).
3. إبعاد الأجنبي: الإبعاد هو إلزام الأجنبي بمغادرة أراضي الدولة, وذلك تعبير عن سيادتها في مواجهة من يخالف أحكام الدولة, ويخشى من ارتكابه جرائم جديدة تنبئ عن خطورته([77]). فمن المعلوم أن وجود الأجنبي لا يخلو أن يكون إما لعمل أو تجارة أو سياحة أو لأداء شعائر دينية كالحج والعمرة, فإذا ثبتت خطورته الإجرامية على البلاد تعين إبعاده, ففي قانون العقوبات اللبناني نص على أنه إذا كانت العقوبة المحكوم بها جنائية, كان القاضي مخولاً في طرد الأجنبي بموجب فقرة في الحكم إذا شاء, أما إذا كانت العقوبة جنحة وكان النص يجيز الإخراج فيعود للقاضي تقرير ذلك بفقرة خاصة في الحكم كما يعود له أن لا يقضي به. أما إذا سكت النص الجنحي عن الإخراج فالقاضي ممنوع من إخراجه من البلاد.
وقد نص المنظم السعودي على إبعاد الأجنبي في أنظمة خاصة, منها نظام مكافحة الإرهاب وتمويله النافذ, فقد نصت المادة (53/2) من ذات النظام على أنه: (2- يبعد غير السعودي المحكوم عليه بالسجن في أي من الجرائم المنصوص عليها في النظام عن المملكة بعد تنفيذ العقوبة المحكوم عليه بها, ولا يسمح له بالعودة إليها), كما نصت المادة (56/2) من نظام مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية النافذ على أنه (يبعد غير السعودي عن المملكة بعد تنفيذ العقوبة المحكوم بها عليه, ولا يسمح له بالعودة إليها, فيما عدا ما تسمح به تعليمات الحج والعمرة), والإبعاد يمكن أن يكون تدبيراً أو عقوبة لكثير من المخالفات, وهو في معنى النفي ومن هنا قال الحافظ ابن حجر معلقاً على نفي النبي r للمخنثين: (وفي هذه الأحاديث مشروعية إخراج كل من يحصل به التأذي للناس عن مكانه إلى أن يرجع عن ذلك أو يتوب)([78]). وقال: (وهذا الحديث أصل في إبعاد من يُستراب به في أمر من الأمور)([79]). كما نص القاضيان الماوردي وأبو يعلي على مشروعية نفي المعزَّر: (إذا تعددت ذنوبه إلى اجتذاب غيره إليها واستضراره بها)([80]). وجاء في الطرق الحكمية ما نصه: (وعزَّر أيضاً صلى الله عليه وسلم بالحرق, وعزَّر أيضاً بالهجر, وعزر بالنفي, كما أمر بإخراج المخنثين من المدينة ونفيهم, وكذلك الصحابة من بعده, كما فعل عمر رضي الله عنه بهجر ضُبيح, ونفى نصر بن حجاج)([81]). وقال ابن تيمية ما نصه: (فهذا لم يصدر منه ذنب ولا فاحشة يعاقب عليها, لكن كان في النساء من يفتتن به, فأمر بإزالة جماله الفاتن, فإن انتقاله عن وطنه مما يضعف همته وبدنه ويعلم أنه معاقب, وهذا من باب التفريق بين الذين يخاف عليهم الفاحشة والعشق قبل وقوعه, وليس من باب المعاقبة([82]).
وكلام ابن تيمية في نفي عمر t لنصر بن حجاج, ظاهر في التفريق بين التدابير للمصلحة العامة وبين العقوبة, ويقترح الباحث على المنظم السعودي أن ينص على إبعاد الأجنبي في مشروع العقوبات البديلة وقصره على الكبار فقط دون الصغار, مع مراعاة عدم إبعاد الأجنبي إذا كان متزوجاً من سعودية أو لديه منها طفل يقيم بالمملكة, اهتداء واقتداء بصنيع المنظم الفرنسي المار بيانه آنفاً.
4. المنع من الإقامة في مكان معين: يقصد بهذا التدبير منع المحكوم عليه من الإقامة في محافظة أو مدينة معينة, وذلك لعزله عن عوامل بيئية أو ظروف معينة من شأنها دفع الجاني إلى ارتكاب جريمة جديدة, ولذا فإن هذا التدبير يفرض إذا كانت الجريمة قد ارتكبت بمناسبة ظروف اجتماعية أو أخلاقية سائدة في منطقة معينة من الدولة([83]).
وحسناً فعل المنظم السعودي حين نص في مشروع العقوبات البديلة على تقييد حرية المحكوم عليه خارج السجن في نطاق مكاني محدد ومناسب, وكذلك منعه من الاتصال ببعض الأشخاص, أو دخول أماكن معينة وعدم مغادرة المنزل وذلك بالنسبة لكبار السن, وأما بالنسبة لصغار السن فقد نص على عدم مغادرة المنزل مدة معينة تحت كفالة الولي أو الوصي ومسئوليته, وذلك في المادة الرابعة من المشروع. وتأصيل ذلك في الشريعة المباركة منتزع من قطع الذرائع المحرمة وسدها, فقد روى عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه y قال: جاءني رسول الله r يعودني عام حجة الوداع وبي وجع قد اشتد بي, فقلت: يا رسول الله بلغ مني الوجع ما ترى وأنا ذو مال, ولا ترثني إلا ابنة لي, أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: “لا” قلت: فالشطر؟ قال: “لا” قلت: الثلث؟ قال: “الثلث والثلث كثير إنك إن تذر ورثتك أغنياء, خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس, وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت فيها حتى ما يجعل في في امرأتك” قال: قلت: يا رسول الله أ أخلّف بعد أصحابي؟ فقال: “إنك لن تخلف فتعمل عملاً صالحاً إلا ازددت به رفعة ودرجة, ولعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام, ويضر بك آخرون, اللهم أمض لأًصحابي هجرتهم, ولا تردهم على أعقابهم, لكن البأئس سعد بن خولة “يرثي له رسول الله r, أن مات بمكة)([84]). وقال ابن عبد البر في التمهيد: (وفيه دليل على قطع الذرائع في المحرمات لأن سعداً وإن كان مريضاً فربما حمل غيره حب الوطن على دعوى المرض. فلذلك قال رسول الله r:(اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم, ولكن البائس سعد بن خولة”. وقال أيضاً: (وفيه دليل على أن المهاجر لا يجوز له المقام بالأرض التي هاجر منها أكثر مما وقت له وذلك ثلاثة أيام)([85]).
المطلب الثالث: التدابير المانعة للحقوق
لا يخفى أن الشريعة الإسلامية السامية هي أساس ومصدر الحقوق ومنشؤها, ومعلوم أن الحق مكنة تقررها مصادر الشريعة الإسلامية أو الأنظمة لشخص معين, يستطيع بمقتضاها ممارسة سلطات وتصرفات معينة على الموضوع الذي ترد عليه هذه المكنة([86]). ومن المعلوم أيضاً أنه لا يجوز لصاحب الحق أن يستعمل حقه استعمالاً غير مشروع, وقد أجمع الفقه الإسلامي وبعض التشريعات العربية التي اقتبست منه على أن استعمال الحق يكون غير مشروع في الحالات التالية:
1. إذا لم يقصد به سوى الإضرار بالغير, ولو ترتب على ذلك تحقق نفع لصاحبه.
2. رجحان الضرر على المصلحة رجحاناً كبيراً, إذا ثبت أن ثمة تفاوتاً جسيماً في الفائدة التي تعود على صاحب الحق جراء استعماله حقه وبين الضرر الذي يترتب علي غيره بسبب هذا الاستعمال.
3. عدم مشروعية المصلحة التي يرمي صاحب الحق إلى تحقيقها, كمن يستعمل منزله أو محله التجاري في أعمال منافية لأحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية([87]).
ونتناول في هذا المطلب جملة من التدابير المانعة لبعض الحقوق التي لها صلة مباشرة بالجريمة وظهر للقاضي أن هنالك ارتباطاً وثيقاً بين تلك الحقوق وبين الخطورة الإجرامية لدى المجرم على نحو ينذر بوجود خطر من تركه يستقل بتلك الحقوق على المجتمع, وهي عن النحو التالي:
1. المنع من ممارسة مهنة أو وظيفة أو نشاط:
يقصد بهذا التدبير حرمان المحكوم عليه من ممارسة بعض الأعمال أو المهن التي أساء استعمالها في الجريمة, ومثال ذلك الصيدلي الذي يبيع أدوية لا تصرف إلا بإذن خاص من الطبيب أو بعد موافقة المرجع الطبي والجهات ذات الصلة, أو أن يبيع أدوية محظورة غير مصرح بها أو غير مسجلة في الدولة, أو الطبيب, الذي يجهض حاملاً مخالفاً أحكام الشريعة والنصوص النظامية الواردة في هذا الخصوص, وكذلك السائق الذي يخالف نظام المرور, فحينئذ يمكن منع المحكوم عليه من ممارسة مهنته([88]).
وقد نصت بعض التشريعات على المنع من ممارسة المهنة أو الوظيفة كعقوبة تكميلية, كالقانون المصري وذلك في المادة (27) و (200) من قانون العقوبات, وكذلك قانون الجزاء الكويتي في المادة (66)([89]). كما نصت عليه بعض التشريعات كعقوبة تبعية, كالقانون الليبي في المادة (35) من قانون العقوبات([90]). وتجدر الإشارة إلى أنه وإن كان من الجائز للجهات التأديبية بمختلف مجالسها ولجانها وقف الفصل في الدعوى التأديبية إلى حين الفصل في الدعوى الجنائية, إلا أن ذلك غير ملزم لها, ويرى فقهاء القانون الإداري أنه من المصلحة لدرء التعارض بين الأحكام أن تكون للحكم الجنائي حجية الشيء المحكوم فيه أمام القضاء الإداري([91]).
كما يحسن التنبيه إلى أن الحكم الجنائي إذا قضى بالعزل من الوظيفة كعقوبة تبعية أو تكميلية, فإن ذلك يؤدي إلى انقضاء الدعوى التأديبية والتي لا ترفع –كأصل عام– إلا على الموظف العام خلال ممارسته أعباء وظيفته إلا في أحوال استثنائية ([92]).
2. إسقاط الولاية أو الوصاية أو القوامة:
جاء في الفروق ما نصه:(… وأما محل التتمات فكالولاية في النكاح, فإنها تتمة وليس بحاجية بسبب أن الوازع الطبيعي في الشفقة على المولى عليها يمنع من الوقوع في العار والسعي في الإضرار, فقرب عدم اشتراط العدالة كالإقرارات لقيام الوازع الطبيعي فيها, غير أن الفاسق قد يوالي أهل شيعته فيؤثرهم بولايته, كأخيه وابنته ونحو ذلك, فيحصل لها المفسدة العظيمة, فاشترطت العدالة, وكان اشتراطها تتمة لأجل تعارض هاتين الشائبتين, وهذا التعارض بين هاتين الشائبتين هو سبب الخلاف بين العلماء في اشتراط العدالة في ولاية النكاح. وهل تصح ولاية الفاسق أم لا؟ وفي مذهب مالك قولان, وكذلك اشتراط العدالة في الأوصياء تتمة أيضاً, لأن الغالب على الإنسان أنه لا يوصي على ذريته إلا من يثق بشفقته, فوازعه الطبيعي يحصل مصلحة الوصية, غير أنه قد يوالي أهل شيعته من الفسقة فتحصل المفاسد ولا يتهم في المعاملات والتزويج, فكان الاشتراط تتمة كما تقدم في ولاية النكاح, وتعارض الشائبتين هو سبب الخلاف بين العلماء في اشتراط العدالة في الأوصياء)([93]).
يتضح مما تقدم أن العدالة شرط تحقق المصلحة وسلامة التصرف للوصي والولي, وأن الفسق على الضد من ذلك فبه تحصل المفاسد في المعاملات كالتزويج, فتفوت المصالح ولا شك أن للجريمة تأثير على العدالة وتقدير ذلك متروك لقاضي الموضوع, ويقصد بتدبير إسقاط الولاية أو الوصاية إنهاء سلطة الولي أو الوصي على نفس الصغير وماله, وينزل هذا التدبير إذا تبين أن الولي أو الوصي غير جدير بالثقة في رعايته لشؤون الصغير, وأنه يحتمل أن يستغل سلطته عليه في ارتكاب جريمة ضده, وقد يكون الإسقاط كلياً يستغرق كافة سلطات الوصي أو الولي, وقد يكون جزئياً, كما أن الإسقاط قد يكون عاماً يشمل جميع الصغار الخاضعين للمحكوم عليه, وقد يكون خاصاً ببعضهم, طبقا لنص المادة (90) من قانون العقوبات اللبناني, ويكون إسقاط الولاية أو الوصاية مدى الحياة أو لأجل يتراوح بين ثلاث سنوات وخمس عشرة سنة, ولا يمكن أن يقضي به لمدة أدنى من المدة التي حكم بها على الأب أو الأم أو الوصي من عقوبة أو تدبير احترازي مانعين للحرية طبقاً لنص المادة (93) من قانون العقوبات اللبناني([94]). ويكون الإسقاط من الولاية أو الوصاية إلزامياً في ثلاث حالات:
الأولى: إذا ارتكب الولي أو الوصي, جناية أو جنحة بحق الولد أو اليتيم.
الثانية: إذا ارتكب القاصر جناية أو جنحة بسبب تهاون الولي أو الوصي في تربيته, أو اعتياده إهمال مراقبته.
الثالثة: إذا ارتكب الولي أو الوصي جناية أو جنحة بالاشتراك مع الصغير كأن يسرق الاثنان معاً([95]).
وقد نص المنظم العراقي على هذا التدبير في المادة (111) و(112) من قانون العقوبات العراقي([96]).
ويقترح الباحث على المنظم السعودي النص على تدبير إسقاط الولاية أو الوصاية, وذلك بحق الولي الذي يسيء إلى الصغير فيستغله في امتهان التسول مثلاً أو غير ذلك من الأعمال المنافية, التي لا تتلاءم مع سن الطفل وسلوكه المعتاد, أو كالوصي الذي يأكل أموال اليتامى ظلماً, وكان في حبسه ضرر فاحش لكونه كبيراً في السن, أو كالولي الذي يعتدي على أفراد أسرته بالضرب المبرح لا على سبيل التأديب, وإنما جراء التعاطي للمسكرات والمؤثرات العقلية كالحشيش ومادة الشبو المخدرة, وكذلك الشأن بحق الولي أو الوصي الذي يعضل المولى عليها بغير سبب شرعي معتبر, فتحصل المفاسد من ولايته, لا سيما وأن إسقاط الولاية أو الوصاية لم ينص عليه المنظم السعودي في الأنظمة التي وقف عليها الباحث, كنظام المخدرات والمؤثرات العقلية النافذ, ونظام حماية الطفل النافذ, ونظام الحماية من الإيذاء النافذ, ونظام مكافحة جرائم الاتجار بالأشخاص النافذ, ونظام الهيئة العامة للولاية على أموال القاصرين ومن في حكمهم النافذ.
3. سحب رخصة القيادة:
وهذا تدبير يمكن إنزاله بحق من ارتكب جرائم معينة, كالقتل الخطأ, أو القيادة تحت تأثير المسكر أو المفتر, أو من تكرر منه تجاوز حدود السرعة المحددة نظاماً, وقد يكون سحب الرخصة لمدة محددة, كما قد يكون بصفة نهائية, ويأخذ القانون الفرنسي بهذا التدبير, كما يقرره قانون المرور في مصر في بعض جرائم المرور([97]), حيث نص المنظم السعودي في الفقرة السادسة من المادة الرابعة من مشروع نظام العقوبات البديلة على المنع من قيادة السيارات أو أحد أنواعها, ومع ذلك فقد نصت المادة الخامسة عشرة من ذات المشروع على أنه:(عند إيقاع عقوبة المنع من قيادة السيارات أو أحد أنواعها, يحدد القاضي نوع السيارة, ويلتزم المحكوم عليه بتسليم رخصة القيادة إلى المحكمة, ويأخذ سنداً بذلك, إلا إذا كانت الرخصة مصدر دخله الوحيد وباقي أفراد أسرته, فيكتفى بتعهد مكتوب يتضمن التزامه بعدم قيادة السيارة لغير هذا الغرض وتشعر إدارة المرور بذلك). وتبين من نص هذه المادة أنها وضعت قيداً مانعاً من سحب رخصة القيادة يتمثل فيما إذا كانت الرخصة مصدر دخل المحكوم عليه الوحيد له ولأفراد أسرته, وتجد الإشارة إلى أن ذلك من المسائل الموضوعية التي يقدر ثبوتها قاضي الموضوع بكافة طرق الإثبات, فإذا تبين له أن رخصة القيادة هي مصدر الدخل الوحيد للمحكوم عليه ولباقي أسرته, قضى بإلزامه بكتابة تعهد يتضمن بعدم قيادة السيارة لغير غرض التكسب, مع إشعار إدارة المرور بذلك, ولا شك أن ما نصت عليه المادة الخامسة عشر سالفة البيان, يعد تطبيقاً أميناً لمبدأ ” شخصية المسئولية الجنائية” وهو أحد القواعد الأولية في الشريعة الإسلامية([98]).
4. الحرمان من حق حمل السلاح:
يقصد بهذا التدبير إنهاء مفعول الترخيص بحمل السلاح الذي يقع تحت حيازة من يتخذ بحقه التدبير, وعدم جواز إعطائه ترخيصاً تالياً خلال المدة التي يسري خلالها الحرمان, وبالتالي فإن حيازة المحكوم عليه للسلاح تكون غير مشروعة, وعلة هذا التدبير هو منع المحكوم عليه من استغلال السلاح الذي يحمله ليرتكب بواسطته جريمة في المستقبل. وقد نصت المادة (97) من قانون العقوبات اللبناني على أن “كل من حكم بعقوبة جنائية أو جناحية من أجل جريمة اقترفت بواسطة السلاح أو بالعنف يوجب الحرمان من حق حمل السلاح مدة ثلاث سنوات إلا أن ينطوي الحكم على خلاف ذلك “. ويعني هذا النص أن كل حكم يقضي بعقوبة جنائية أو جنحية من أجل جريمة اقترفت بواسطة السلاح أو العنف, يوجب ذلك الحرمان مدة ثلاث سنوات بقوة القانون ودون حاجة لأن ينطق به الحكم, ومع ذلك يجوز للقاضي أن يقرر في حكمه خلاف ذلك, وفيما عدا هذه الحالة يحكم القاضي بهذا التدبير إذا أجاز له القانون ذلك, أو ألزمه به وحينئذ تتراوح مدة التدبير بين ثلاث سنوات وخمس عشرة سنة([99]).
هذا وقد نص المنظم السعودي على عدم حيازة الأسلحة أو استعمالها أو حملها, وذلك في الفقرة الرابعة من المادة الرابعة من مشروع نظام العقوبات البديلة, وذلك في العقوبات البديلة المحكوم بها على الكبار.
المطلب الرابع: التدابير العينية
تقسيم: يمكن إجمال التدابير الاحترازية العينية وفقاً لتعريف التشريعات المختلفة في التدابير الآتية: المصادرة, غلق المحق, كفالة حسن السلوك, ووقف الهيئة المعنوية عن العمل أو حلها. ويتم بحث هذه التدابير على النحو التالي:
– المصادرة:
تعرف المصادرة على أنها إضافة المال المضبوط في جريمة لجانب الدولة([100]). وهي بهذا الاعتبار تختلف عن الغرامة في كونها تتطلب وجود المال, في حين أن الغرامة حق للدولة يتعلق بذمة المحكوم عليه, ويتوقف تنفيذه على وجود المال الذي ينفذ عليه([101]). وقد عرفتها محكمة النقض المصرية على أنها:(إجراء الغرض منه تمليك الدولة أشياء مضبوطة ذات صلة بجريمة قهراً عن صاحبها وبغير مقابل)([102]). وقد تكون المصادرة عقوبة خالصة أو تدبيراً احترازياً أو تعويضاً, والأشياء التي تجوز مصادرتها, هي الأشياء التي تحصلت من الجريمة كالفائدة التي حصل عليها الموظف المرتشي, وحصيلة ترويج النقود المزيفة, وألعاب القمار, وكذلك الأشياء التي استعملت في ارتكاب الجريمة كالأسلحة والآلات, والأشياء التي من شأنها أن تستعمل في الجريمة والتي أعدها الجاني لاستعمالها ثم وقف نشاطه في مرحلة الشروع([103]).
ويقترح الباحث على المنظم السعودي النص على المصادرة كتدبير احترازي في مشروع العقوبات البديلة, وذلك لأن الأشياء والوسائل المنقولة الخطرة لا تدخل تحت الحصر, وهي ذات طبيعة متنوعة ومتجددة, خاصة إذا احتوت على وسائل تقنية وبرمجيات, فالعالم يعاصر وثبات متسارعة في عالم التكنولوجيا والتقدم العلمي, دون توقف حينئذ يكون النص على المصادرة في مشروع نظام العقوبات البديلة مما يمليه الواقع المسطور, مع التسليم بأن المنظم السعودي قد نص على المصادرة في أنظمة خاصة عديدة منها على سبيل المثال, نظام العلامات التجارية النافذ, ونظام غسل الأموال, ونظام مكافحة الإرهاب وتمويله, ونظام الرشوة وغيرها من الأنظمة.
– كفالة حسن السلوك:
يهدف هذا التدبير إلى إلزام المحكوم عليه بدفع مبلغ معين من المال إلى الخزينة العامة, أو تقديم ضامن أو كفيل لهذا المبلغ, والغاية من هذه الكفالة المادية أو الشخصية إيجاد قيود تمنع المحكوم عليه من إقدامه على الجريمة, فإذا انقضت مدة الكفالة دون أن يرتكب جريمة جديدة استرد مبلغه أو انقضت الكفالة الشخصية, أما إذا ارتكب المحكوم عليه جريمة من طبيعة معينة خلال المدة المحددة للكفالة, فإن ملكية المال تنتقل إلى جانب الدولة. ومن أمثل التشريعات التي نصت على كفالة حسن السلوك قانون العقوبات الإيطالي بالمواد(237- 239)([104]).
وقد نص المنظم السعودي في مشروع العقوبات البديلة على عقوبة الإنذار والتوقيع على عقد أخلاقي بالتوقف عن السلوك, وذلك بحق صغار السن في المادة الرابعة من ذات المشروع.
– إقفال المحل:
وهو تدبير مادي المقصود منه منع صاحب المحل أو الشخص المعنوي من مباشرة عمله في المحل الذي اقترفت فيه الجريمة بفعله أو برضاه([105]). كإغلاق المحل التجاري الذي تكرر فيه بيع سلع فاسدة, أو مغشوشة أو غير صالحة للاستعمال الآدمي, أو إغلاق الصيدلية التي أدين صاحبها بتهمة بيع المواد المخدرة في غير الأحوال المنصوص عليها نظاماً, أو إغلاق الأماكن التي يمارس فيها الفسق والفجور([106]). وعلة إغلاق المحل أساسها أن الاستمرار في استغلال المحل من شأنه إتاحة الفرصة للاستمرار في ارتكاب الجرائم, من خلال ممارسة نفس النشاط المفترض أن فيه من الخطورة الإجرامية ما يهدد بوقوع جرائم تالية, وعليه يكون من شأن تدبير إقفال المحل مواجهة هذه الخطورة بقصد استئصالها ومواجهة احتمال تكرار الجريمة([107]).
ويقترح الباحث على المنظم السعودي النص على هذا التدبير – تدبير إقفال المحل- لأهميته وتلافياً لعيب نقص النص وهو أحد العيوب التي تصيب النصوص التشريعية بالإضافة إلى عيب الغموض والتعارض([108]). ولا شك أن في النص على هذا التدبير من قبل المنظم, وتفعيله من قبل القضاء مساهمة جلية في حفظ النظام العام المتمثل في الأمن العام أو الصحة العامة والسكنية العامة, وصيانة الآداب العامة, وهي صورة الضبط الإداري التي تتسم به الإدارة العامة في ممارسة نشاطها([109]).
وجاء في الطرق الحكمية ما نصه:(وجميع الولايات الإسلامية مقصودها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) ([110]). ولا شك أن في إقفال المحل الذي يكون مصدراً أو سبباً للخطورة الإجرامية, من قبل القضاء تحقيقاً للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
– وقف الهيئة المعنوية عن العمل أو حلها:
من المعلوم أنه لم يعد هنالك محل لإنكار الشخص الاعتباري, فقد أصبح حقيقة عامة في حياتنا ولم يعد مقصوراً على حالات خاصة متنازع فيها, كبيت المال والوقف والمسجد, فمن الواجب الاعتراف له بالشخصية الشرعية والقانونية في الحدود التي تسمح بها طبيعته والأحكام الواردة في شأنه في القانون([111]). ويقصد بوقف الشخص المعنوي أن يحظر عليه مباشرة نشاطه المعتاد خلال مدة محددة دون مساس بوجوده القانوني, ويشمل الحظر كافة نشاط الشخص المعنوي, ويتم تطبيقه ولو استبدل باسمه اسماً آخر أو استبدل بمديريه أو ممثليه أو عماله آخرين([112]).
ومن المهم التنبيه إلى أن الوقف بطبيعته تدبير مؤقت, فلو كان مؤبداً لاختلط بتدبير الحل, وقد جعل المنظم اللبناني الحد الأدنى للوقف شهراً واحداً وحده الأقصى سنتين, وحدد في المادة (108) من قانون العقوبات حالات إنزال هذا التدبير قائلاً:(يمكن وقف كل نقابة أو شركة أو جمعية وكل هيئة معنوية ما خلا الإدارات العامة إذا اقترف مديروها أو أعضاء إدارتها أو ممثلوها أو عمالها باسمها أو بإحدى وسائلها جناية أو جنحة مقصودة يعاقب عليها بسنتي حبس على الأقل). ومثال ذلك لو زور مديره صكاً ليمكنه من الاستيلاء على مال لاحق له فيه, أو ليتيح له التهرب من ضريبة, أو استخدم بعض عماله سيارات مملوكة له في عمليات تهريب, وهذا التدبير جوازي للقاضي يوقعه بإزاء العقوبات التي يستحقها مرتكب الجريمة والشخص المعنوي ذاته.([113])أما حل المنشأة فإجراء يراد به محو الوجود القانوني للشخص المعنوي, من بين الهيئات الاعتبارية التي ترخص لها الدولة بمزاولة نشاطها, ويستلزم حل الهيئة المعنوية زوال اسمها, وتصفية أموالها, وفقد مدير وممثليها وعمالها مراكزهم وصفاتهم, كما يفقد كل مسئول عن الجريمة الأهلية لتأسيس هيئة مماثلة أو إدارتها([114]).
ويقترح الباحث على المنظم في مشروع العقوبات البديلة النص على حل الهيئة المعنوية تحقيقاً للكمال الوجودي للمشروع على النحو الذي أشير إليه آنفاً, خاصة في ظل عدم وجود قانون للعقوبات.
المبحث الخامس
مدى جواز الجمع بين العقوبة والتدابير الاحترازية
من المقرر أن أساس تطبيق العقوبة هو توافر الخطأ لدى الجاني, في حين أن التدابير الاحترازية تكون مقابل الخطورة الإجرامية. ويثور التساؤل عن مدى جواز الجمع بين العقوبة والتدبير, باعتبار أن لكل منهما مناطه, وقبل الإجابة عن هذا التساؤل يتعين القول بأنه لا محل للتساؤل عن الجمع بين العقوبة والتدبير الاحترازي في الحالتين التاليتين([115]):
الحالة الأولى: إذا لم يكن المجرم أهلاً للمسئولية الجنائية كالمجنون وصغير السن, ومع ذلك ثبت للقاضي من جريمته وجود خطورة إجرامية كامنة في نفسه, ففي هذه الحالة لا توقع العقوبة على الجاني وإنما يتخذ بحقه التدبير الاحترازي الملائم.
الحالة الثانية: إذا توافرت الأهلية الجنائية للجاني ولكن لم تتوافر لدية الخطورة الإجرامية, ففي هذه الحالة يحكم عليه بالعقوبة وحدها دون التدبير الاحترازي.
ويبقى التساؤل قائماً عندما تجتمع الخطيئة الجنائية مع الخطورة الإجرامية لدى مجرم واحد, فهل تطبق العقوبة باعتبار أن الأهلية الجنائية متوافرة وكذلك الخطأ الجنائي؟ أم تطبق التدابير الاحترازية باعتبار أن الخطورة الإجرامية متوافرة, كما هو الحال بالنسبة للمجرم المعتاد مثلاً.
وقد انقسم الفقه إلى عدة اتجاهات نبحثها تباعاً فيما يلي:
الرأي القائل بجواز الجمع بين العقوبة والتدبير الاحترازي:
يذهب أنصاره إلى أن توافر كل من الخطأ والخطورة الإجرامية بالنسبة للشخص الواحد يقتضي توقيع كل من العقوبة والتدبير الاحترازي عليه, فالعقوبة بإزاء الخطأ, والتدبير مقابل الخطورة الإجرامية. وقد أخذ بهذا الرأي أغلب التشريعات كالتشريع الألماني, والإيطالي, واليوناني, واللبناني, والفرنسي, والمصري, إلا أن ثمة صعوبة تكمن في تحديد الجزاء الجنائي, الذي يجب إيقاعه أولاً هل يقضى بالعقوبة ابتداء ثم يليها التدبير أم العكس؟ هناك من يرى البدء بالعقوبة قبل إنزال التدبير, تأسيساً على أن توافر الخطأ المنبئ عن الأهلية يبرر تحقيق العدالة والردع العام, فإن تحقق الردع العام نفذ التدبير الملائم لظروف المحكوم عليه, ومن رأى البدء بالتدبير الاحترازي قدر أن العقوبة لا تحقق أغراضها إلا في شخص عادي, وقد يكون التدبير علاجياً الهدف منه علاج شخصية المحكوم عليه حتى تكون صالحة بعد ذلك لكي ينتج تنفيذ العقوبة أثره فيه([116]).
الرأي القائل بعدم جواز الجمع بين العقوبة والتدبير الاحترازي:
يذهب أنصاره إلى رفض فكرة الجمع بين العقوبة والتدبير الاحترازي بالنسبة للمجرم الواحد, وهذا رأي أغلب فقهاء القانون الجنائي, تأسيساً على أن مثل هذا الجمع يهدر مبدأ (وحدة الشخصية الإنسانية), فالعقوبة وسيلة إيلام والتدابير وسيلة علاج, وفي الجمع بينهما تمزيق للشخصية بين أسلوبين مختلفين للمعاملة يحولان دون تحقيق إصلاح وتأهيل المحكوم عليه, يضاف إلى ذلك أن ثمة تقارب في الأغراض بين العقوبة والتدبير الاحترازي, مما يعني إلى أنه من الممكن تغلب أحدهما على الآخر في حالة اجتماعهما لدى مجرم واحد, فإذا تبين للقاضي أن الخطأ أكثر أهمية من الخطورة الإجرامية التي تكشف عنها الجريمة, كحالة المجرم ذي الأهلية, فيكتفى بتوقيع العقوبة عليه دون التدابير, أما إذا كانت الخطورة أشد من الخطأ, كحالة المتشرد الذي يرتكب جريمة بسيطة ويحتمل من ظروفه المعيشية إقدامه على جريمة أشد جسامة من الجريمة الأولى, فإنه يمكن إنزال تدبير احترازي فقط([117]).
هذا وقد رفضت المؤتمرات الدولية مبدأ الجمع بين العقوبة والتدبير بالنسبة للشخص الواحد, ومن أمثلتها المؤتمر الدولي السادس لقانون العقوبات الذي عقد في روما عام (1953م), والمؤتمر الدولي الجنائي والعقابي الذي عقد في لاهاي عام (1953م) بالنسبة للمعتادين على الإجرام, وأخذت بذلك أيضاً توصيات الحلقة العربية الثانية في القانون والعلوم السياسية التي عقدت ببغداد عام (1969م) ([118]).
الرأي التوفيقي بين الاتجاهين:
ويذهب أصحاب هذا الرأي إلى أنه لا توجد حاجة تدعوا إلى الجمع بين العقوبة والتدبير الاحترازي معاً, فمع وجود اختلاف بين العقوبة والتدبير الاحترازي, إلا أن هناك تقاربا بينهما, يجعل من الاكتفاء بأحدهما دون الآخر ممكناً لتحقيق أهدافهما معاً, ودون تعريض السياسة الجنائية للخطر, فإذا كانت خطورة الجاني أشد من خطيئته كحالة المتشرد أو العاهرة التي ترتكب جريمة بسيطة, وتوحي ظروف معيشتها إلى احتمال إقدامها على ارتكاب جريمة أخرى أشد جسامة من الجريمة الأولى فإن من المتعين الاكتفاء بالتدبير دون العقوبة, أما إذا كانت خطيئته أشد من خطورته, فإنه يصار إلى توقيع العقوبة, ولو كان ظروف معيشته توحي باحتمال إقدامه على ارتكاب جريمة تالية([119]).
ويرى الباحث عدم جواز الجمع بين العقوبة والتدبير الاحترازي مطلقاً, باعتبار أن كلا منهما جزاء جنائيا, وبالتالي لا يجوز الجمع بين أكثر من جزاء جنائي عن جريمة واحدة, فضلاً عن أن هناك صعوبات عملية في تحديد طبيعة كل تدبير وصلاحيته بحق المحكوم عليه, والأصل في الجزاء الجنائي معقوليته, ويكون للقاضي الجنائي سلطته التقديرية الواسعة في إيقاع العقوبة, أو التدبير الاحترازي دون أن يجمع بينهما, وبعد أخذه برأي الخبير النفسي أو الاجتماعي, وإلا تعرض المحكوم عليه لعدة جزاءات جنائية قاصمة وباخعة, وليس ذلك من مقاصد العدالة والسياسية الجنائية الرشيدة. وفي أحكام الشريعة الغراء ما يشهد لذلك ويومئ إليه, فالخراج مؤونة فيها معنى العقوبة, وقد علل لذلك الأصوليون –بكونه مؤونة- بأن الخراج في مقابلة بقاء الأرض في أيدي أهلها مستثمرة غير معتدى عليها وعللوا اشتماله على العقوبة بأنه في مقابلة التمكن من الزراعة والإنتفاع, وفي الاشتغال بالزارعة انقطاع لعمارة الدنيا وإعراض عن الجهاد في سبيل الله وذلك سبب للذلة والصغار([120]). وقد تكلم الأصوليون عن التخصيص بالغاية, والمراد بها غاية صحبها عموم يشملها لو لم تأت([121]). ومثلوا لها بقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾([122]), فإنه لو لم تأتِ الغاية بحتى لقاتلوهم أعطوا الجزية أو لم يعطوها, ومثل قولك: (أكرم بني تميم إلى أن يعصوا) فإذا عصوا فلا يستحقون إكراماً([123]). ويتضح مما تقدم ظهور فكرة عدم الجمع بين جزاءين على محكوم عليه, والعدول من جزاء إلى آخر كظاهر الآية. ومن القواعد الفقهية المقررة في هذا الصدد:(لا يجتمع الأصل والبدل)([124]).
وحسناً فعل المنظم السعودي في مشروع العقوبات البديلة حيث نص في المادة الثانية على أنه:(يجوز للقاضي بناء على طلب مكتوب من المحكوم عليه استبدال عقوبة الجلد أو السجن المحكوم بها بإحدى العقوبات المنصوص عليها في هذا النظام, مع مراعاة المصلحة العامة ومصلحة كل من المتهم والضحية, وإذا أخل بها المحكوم عليه فللقاضي إلغاء العقوبة البديلة أو تعديلها أو استبدالها أو إضافة عقوبة بديلة أخرى).
خاتمة الدراسة: تتضمن النتائج والتوصيات:
أولا: النتائج:
من خلال العرض السابق فقد خلص الباحث إلى عدد من النتائج والتي يلخصها فيما يلي:
1. اختلف الفقه الجنائي فيما إذا كان للتدابير الاحترازية صفة الجزاء من عدمه إلى اتجاهين فيرى الاتجاه الأول أن التدابير الاحترازية ليس لها صفة الجزاء تأسيساً على أن العقوبة جزاء مؤلم ينفذ بعد ارتكاب الجريمة وليس لمنع ارتكاب جرائم في المستقبل, ويرى الاتجاه الثاني أن التدابير الاحترازية لها صفة الجزاء, تأسيساً على أن الوظيفة الوقائية للتدابير وإن كانت تختلف عن وظيفة العقوبة إلا أنها تعد من قبيل الجزاءات الجنائية بالمعنى الواسع لفكرة الجزاء المنطوي على الجزاء الرادع والجزاء الوقائي وبناء على ذلك فإن الجزاء الجنائي ينقسم إلى عقوبات وتدابير.
2. تتشابه العقوبة والتدابير الاحترازية في العديد من الخصائص فكل منهما يخضع لمبدأ (المشروعية) كما أنهما لا يصدران إلا بحكم قضائي, وكذلك فإنهما يخضعان لمبدأ (الشخصية)
3. اجتمعت التشريعات المعاصرة واستقر الفقه الحديث على ضرورة توافر شرطين أساسيين تفرضهما طبيعة التدابير, يلزم توافرهما لإيقاع أي نوع من أنواع التدابير هما ارتكاب جريمة سابقة, وتوافر الخطورة الإجرامية.
4. هناك عديد من التدابير الشخصية السالبة للحرية, والتي من أبرزها الإيداع في إحدى مصحات الأمراض العقلية والمؤسسات العلاجية وتسمى أيضاً بالمصحات القضائية أو الجنائية, وكذلك الإيداع في مؤسسات للرعاية الاجتماعية أو إصلاحية قانونية, ويتم إيداع الأحداث في هذه المؤسسات لاختلاف طبيعتها عن المؤسسات العقابية من حيث الأهداف وشخصيات العاملين فيها, فالغاية من هذا الإيداع هو الوقاية من احتمال إجرام هذه الطائفة, وهناك تدبير الاعتقال والعزلة والإيداع في منشأة زراعية أو دور للعمل.
5. توجد طائفة أخرى من التدابير الاحترازية وهي التدابير الشخصية المقيدة للحرية والقصد منها الحد من حرية وتصرفات المحكوم عليه لفترة من الزمن وتتخذ هذه التدابير أشكالا متعددة من أشهرها الوضع تحت المراقبة ومنع ارتياد أماكن معينة فقد نص المنظم السعودي في المادة الرابعة في مشروع العقوبات البديلة على المنع من الاتصال ببعض الأشخاص أو دخول أماكن معينة. وكذلك بعاد الأجنبي ويقصد به إلزام الأجنبي بمغادرة أراضي الدولة, وذلك تعبير عن سيادتها في مواجهة من يخالف أحكام الدولة, ويخشى من ارتكابه جرائم جديدة تنبئ عن خطورته, إضافة إلى المنع من الإقامة في مكان معين. وأيضاً إسقاط الولاية أو الوصاية أو القوامة, وسحب رخصة القيادة الحرمان من حق حمل السلاح وجميع هذه التدابير ترمي للحد من الجريمة.
6. التدابير العينية تعتبر نوعا من أنواع التدابير الاحترازية حيث يتم تقسيم التدابير الاحترازية العينية وفقاً لتعريف التشريعات المختلفة في التدابير الآتية: المصادرة, غلق المحل, كفالة حسن السلوك, ووقف الهيئة المعنوية عن العمل أو حلها.
7. برز خلاف فقهي حول جواز الجمع بين التدابير الاحترازية والعقوبة, حيث انقسم الفقه إلى عدة اتجاهات أهمها:
– الرأي القائل بجواز الجمع بين العقوبة والتدبير الاحترازي: يذهب أنصاره إلى أن توافر كل من الخطأ والخطورة الإجرامية بالنسبة للشخص الواحد يقتضي توقيع كل من العقوبة والتدبير الاحترازي عليه, فالعقوبة بإزاء الخطأ, والتدبير مقابل الخطورة الإجرامية.
– الرأي القائل بعدم جواز الجمع بين العقوبة والتدبير الاحترازي: يذهب أنصاره إلى رفض فكرة الجمع بين العقوبة والتدبير الاحترازي بالنسبة للمجرم الواحد, وهذا رأي أغلب فقهاء القانون الجنائي, تأسيساً على أن مثل هذا الجمع يهدر مبدأ (وحدة الشخصية الإنسانية).
– الرأي التوفيقي بين الاتجاهين: يذهب أصحاب هذا الرأي إلى أنه لا توجد حاجة تدعو إلى الجمع بين العقوبة والتدبير الاحترازي معاً, فمع وجود اختلاف بين العقوبة والتدبير الاحترازي, إلا أن هناك تقاربا بينهما, يجعل من الاكتفاء بأحدهما دون الآخر ممكناً لتحقيق أهدافهما معاً, ودون تعريض السياسة الجنائية للخطر, فإذا كانت خطورة الجاني أشد من خطيئته كحالة المتشرد أو العاهرة التي ترتكب جريمة بسيطة, وتوحي ظروف معيشتها إلى احتمال إقدامها على ارتكاب جريمة أخرى أشد جسامة من الجريمة الأولى فإن من المتعين الاكتفاء بالتدبير دون العقوبة, أما إذا كانت خطيئته أشد من خطورته, فإنه يصار إلى توقيع العقوبة, ولو كان ظروف معيشته توحي باحتمال إقدامه على ارتكاب جريمة تالية.
ثانيا: التوصيات:
1) ويقترح الباحث على المنظم السعودي أن ينص على إبعاد الأجنبي في مشروع العقوبات البديلة وقصره على الكبار فقط دون الصغار, مع مراعاة عدم إبعاد الأجنبي إذا كان متزوجاً من سعودية أو لديه منها طفل يقيم بالمملكة, اهتداء واقتداء بصنيع المنظم الفرنسي المار بيانه آنفاً
2) ويقترح الباحث على المنظم السعودي النص على المصادرة كتدبير احترازي في مشروع العقوبات البديلة, وذلك لأن الأشياء والوسائل المنقولة الخطرة لا تدخل تحت الحصر, وهي ذات طبيعة متنوعة ومتجددة.
3) أهمية يستفيد المنظم السعودي من تطور الفقه القانوني فيما يتعلق بآلية الجمع بين العقوبات والتدابير الاحترازية وبما لا يتعا رض مع الشريعة الإسلامية, وأن يسارع إلى النص عليها خصوصاً في ظل تطور العصر وجرائمه المستحدثة والمتجددة.
4) الحد من التطبيق المستمر لعقوبة السجن خصوصاً لغير معتادي الإجرام وإفساح المجال للعقوبات التعزيرية, إلى جانب تلك الجزاءات والتدابير المجتمعية البديلة عن السجن بغية تحقيق الهدف الإصلاحي للجزاء الجنائي كما ترسمه السياسة الجنائية الحديثة.
5) أهمية العمل على إعداد مشروع إعداد(نظام التدابير والعقوبات البديلة في قضايا الأحداث)
6) الدعوة إلى الاعتناء التام بنشر الثقافة العدلية بأهمية التدابير الاحترازية, لما لها من أهمية كبرى في واقعنا العدلي المعاصر, والدعوة إلى سرعة الأخذ بالتجارب العالمية الناجحة في مجال التدابير والعقوبات البديلة, بما لا يتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية.
7) الحث على الاعتناء التام بدور الملاحظة الاجتماعية ومصحات الأمراض العقلية والمؤسسات العلاجية و مؤسسات الرعاية الاجتماعية أو الإصلاحية من خلال توفير كافة الكوادر البشرية, والإمكانيات المادية؛ للنهوض بها, وزيادة تفعيل دورها المهم في الاهتمام بفئة الأحداث, وإعداد الدورات التدريبية.
8) أهمية العمل على وضع مشروع لوائح استرشادية للتدابير الاحترازية, وطريقة تعامل الجهات التنفيذية معها, تدون الملاحظات وتسجل الإشكالات وترسم حلولها في شكل آراء استرشادية لتجاوز المآخذ وإيجاد الحلول اللازمة لها.
9) يوصي الباحث بأهمية إجراء دارسات ميدانية للتعرف على مشكلات تطبيق التدابير الاحترازية وإيجاد الحلول العلمية والعملية لها من واقع الدراسة الميدانية.
هوامش البحث:
* باحث دكتوراه في الشريعة والدراسات الإسلامية, تخصص: الدراسات القضائية, بقسم الشريعة والدراسات الإسلامية, كلية الآداب والعلوم الإنسانية, جامعة الملك عبد العزيز.
([1]) أحمد فتحي سرور، أصول السياسة الجنائية، در النهضة العربية 1972م، ص192.
([2]) محمود نجيب حسني, شرح قانون العقوبات القسم العام, الطبعة الثامنة، دار المطبوعات الجامعية, ص767-768
([3]) المرجع السابق, ص767-768
([4]) أبو الفضل جمال الدين ابن منظور, لسان العرب (دار صادر, بيروت, 2004م) ,، ص212.
([5]) أحمد بن محمد بن علي المقري الفيومي: كتاب المصباح المنير في غريب الشرح الكبير,(المطبعة الأميرية, القاهرة, الطبعة الخامسة, 1922م) , ص(257.
([6]) عبد الله سليمان: النظرية العامة التدابير الاحترازية,(المؤسسة الوطنية للكتاب-الجزائر- (ب رط) , 1990 م) ص59.
([7]) محمود سامي قرني، مرجع سابق، ص44
([8]) مجدي محمد سيف عقلان، مرجع سابق، ص158
([9]) محمد سامي قرني، مرجع سابق، ص47
([10]) محمد مصطفى القللي, في المسؤولية الجنائية، طبعة جامعة فؤاد الأول، 1948، ص2-3.
([11]) المرجع السابق، ص6-9.
([12]) محمد مصطفى القللي، مرجع سابق، ص18-19
([13]) أحمد فتحي سرور، أصول السياسة الجنائية، مرجع سابق، ص193-194
([14]) محمود نجيب حسني، شرح قانون العقوبات القسم العام، مرجع سابق، ص1044
([15]) عبد القادر عوده, التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي، مؤسسة الرسالة, الطبعة الرابعة عشر، 1422هـ، ج 1، ص386-389)
([16]) سورة فصلت, آية : (33) .
([17]) محمد سعيد رمضان البوطي، الإنسان مسير أم مخير، دار الفكر، الطبعة الرابعة عشرة، ص234
([18]) عبد القادر عودة، مرجع سابق، ج1,ص 609
([19]) عبد القادر عودة، مرجع سابق، ص611-615
([20]) عبد الفتاح الصيفي، القاعدة الجزائية دراسة تحليلية على ضوء الفقه الجنائي المعاصر، المكتب المصري الحديث للطباعة والنشر، 1976م, ص409
([21]) محمود نجيب حسني, مرجع سابق، ص1041
([22]) المرجع السابق، ص1041-1042
([23]) مجدي محمد سيف عقلان، مرجع سابق، ص273.
([24]) سليمة أبو شاقور مالكي، الحماية الجنائية للبيئة عن طريق التدابير الاحترازية، المركز الأكاديمية للنشر, 2016، ص46
([25]) المرجع سابق، ص46.
([26]) محمود سامي قرني، مرجع سابق، ص59.
([27]) محمود سامي قرني، مرجع سابق، ص59.
([28]) أحمد فتحي سرور، أصول السياسة الجنائية، مرجع سابق، ص200
([29]) أحمد فتحي سرور، الوسطية قانون العقوبات، القسم العام، دار النهضة العربية, الطبعة السادسة، 2015، ص943
([30]) رمسيس بهنام, مرجع سابق, ص1087-1090
([31]) محمود سامي قرني, مرجع سابق، ص61-62.
([32]) محمود نجيب حسني, مرجع سابق, ص1042-1043
([33]) عبد الفتاح مصطفى الصيفي، الأحكام العام للنظام الجنائي في الشريعة الإسلامية والقانون، إدارة المطبوعات الجامعية، 2019، ص557
([34]) محمود سليمان موسى الجنائية وتطبيقاتها التشريعية، دار الفكر الجامعي، الطبعة الأولى, ص24
([35]) أحمد أبو الوفا، نظرية الأحكام في قانون المرافعات, طبعة خاصة بديوان المظالم، 1433هـ، ص21
([36]) أحمد فتحي سرور, مرجع سابق، ص652
([37]) عبد الفتاح الصيفي، مرجع سابق, ص557
([38]) محمد سامي قرني, مرجع سابق، ص66
([39]) عبد الفتاح مصطفى الصيفي, مرجع سابق, ص557.
([40]) فتوح عبد الله الشاذلي, علم الإجرام والعقاب, دار المطبوعات الجامعية, 2017, ص381-382.
([41]) المرجع السابق، ص384-386.
([42]) جمال إبراهيم الحيدري، علم العقاب الحديث، مكتبة السنهوري, الطبعة الأولى, 2015، ص95.
([43]) محمود سامي قرني, مرجع سابق, ص68.
([44]) عبد الحميد الشواربي, وعز الدين الدناصوري, طبعة خاصة بديوان المظالم بالمملكة العربية السعودية, ج1, 1433هـ، ص491.
([45]) فتوح عبد الله الشاذلي, مرجع سابق، ص538.
([46]) عبد الحميد الشواربي, مرجع سابق، ص513.
([47]) محمد زكي أبو عامر, دراسة في علم الإجرام والعقاب, دار المطبوعات الجامعية بالإسكندرية, ط 1, 1982م، ص358.
([48]) عبد الفتاح مصطفى الصيفي, مرجع سابق، ص588.
([49]) عبد الحميد الشواربي وعز الدين الدناصوري، مرجع سابق،ج1, ص59-60.
([50]) المرجع السابق،ج1, ص91-92.
([51]) محمود نجيب حسني، النظرية العامة للقصد الجنائي, دار المطبوعات الجامعية, ط 5، 2019م, ص55.
([52]) محمود نجيب حسني، الفقه الجنائي الإسلامي, مرجع سابق, ص493-494.
([53]) فتوح عبد الله الشاذلي, علم الإجرام وعلم العقاب، مرجع سابق, ص395-397، (محمود سليمان موسى, السياسة الجنائية وتطبيقاتها التشريعية, مرجع سابق, ص209- 211.
([54]) فتوح عبد الله الشاذلي, , مرجع سابق، ص397.
([55]) العز بن عبد السلام، قواعد الأحكام في مصالح الأنام, المكتبة الأزهرية للتراث, ط 1437هـ تحقيق أبو بكر محمود عبد الهادي, ج 2، ص92-93.
([56]) فتوح عبد الله الشاذلي، دراسات في علم الإجرام, الظاهرة الإجرامية تفسيرها وعواملها، دار المطبوعات الجامعية, 2017م, ص33.
([57]) أحمد فتحى سرور، أصول السياسة الجنائية , مرجع سابق، ص270-271.
([58]) فوزية عبد الستار, مبادئ علم الإجرام والعقاب، مرجع سابق، ص254.
([59]) خالد محمد عجاج، مبادئ علم العقاب، دار التعليم الجامعي, 2018، ص48-49.
([60]) فرج صالح الهريش، النظم العقابية – دراسة تحليلية في النشأة والتطور, مرجع سابق, ص177-178.
([61]) فوزية عبد الستار, مبادئ علم الإجرام والعقاب، مرجع سابق، 245-255.
([62]) عبد القادر القهوجي, علم الإجرام وعلم العقاب، مرجع سابق، ص316.
([63]) سمير عالية، مبادئ علم الإجرام والعقاب والسياسة الجزائية، مرجع سابق، ص255-256.
([64]) يسر أنور علي وآمال عبد الرحيم عثمان، أصول علمي الإجرام والعقاب، مرجع سابق، ص498-499.
([65]) جلال ثروت, نظم القسم العام في قانون العقوبات, مرجع سابق، ص563-564.
([66]) يسر أنور علي وآمال عبد الرحيم عثمان، أصول علمي الإجرامي والعقاب، مرجع سابق، ص499.
([67]) سليمان عبد المنعم, علم الإجرام والجزاء، مرجع سابق, ص511-512.
([68]) محمد علي الشوكاني، نيل الأوطار في شرح منتقى الأخبار, مرجع سابق, ج 5, ص703.
([69]) سورة التوبة , آية 66.
([70]) وسيم حسام الدين الأحمد، العقوبات البديلة في النظام السعودي – دراسة مقارنة, مرجع سابق, ص106-107.
([71]) طارق عبد الوهاب سليم، المدخل في علم العقاب الحديث، السنة الأولى, مطابع الشرطة, ص295-296.
([72]) خالد محمد عجاج, مبادئ علم العقاب، مرجع سابق، ص79-82.
([73]) خالد محمد عجاج، مبادئ علم العقاب, مرجع سابق, ص83.
([74]) فتوح عبد الله الشاذلي، شرح قانون العقوبات القسم العام, الكتاب الثاني، دار المطبوعات الجامعية، 2018م،ص 252.
([75]) المرجع السابق, ص253-255.
([76]) أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما. (صحيح البخاري 1/292, رقم (816), صحيح مسلم 1/393, رقم (561).
([77]) يسر أنور علي وآمال عبد الرحيم عثمان، أصول علمي الإجرام والعقاب, مرجع سابق، ص501.
([78]) ابن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري.حققه عبد العزيز بن باز، محمد فؤاد عبد الباقي، دار الحديث, القاهرة،1424هـ, ج 1, ص477.
([79]) ابن حجر العسقلاني, فتح الباري شرح صحيح البخاري , مرجع سابق,ج 1، ص385.
([80]) الماوردي, الأحكام السلطانية, مرجع سابق، ص385, وأبو يعلي, الأحكام السلطانية، علق عليه محمد حامد الفقي، دار الكتب العلمية بلبنان، ص279.
([81]) ابن قيم الجوزية, الطرق الحكمية في السياسة الشرعية, حققه وعلق عليه سيد عمران, دار الحديث القاهرة، الطبعة الأولى, 1423هـ, ص226.
([82]) ابن تيمية , مجموع الفتاوى, مرجع سابق.
([83]) يسر أنور على وآمال عبد الرحيم عثمان، أصول علمي الإجرام والعقاب, مرجع سابق، ص501.
([84]) أخرجه البخاري في صحيحه 1/435, رقم (1233).
([85]) ابن عبد البر الأندلسي، التمهيد في الموطأ من المعاني والأسانيد. مرجع سابق, ج 4، ص20-21.
([86]) عبد الرزاق الفحل وآخرون, المدخل لدراسة الأنظمة, الطبعة الأولى, 1413هـ بدون دار طباعة، ص173-174.
([87]) المرجع السابق, ص307-308
([88]) سمير عالية, مبادئ علوم الإجرام والعقاب والسياسة الجزائية، مرجع سابق, ص264.
([89]) محمود سامي قرني, النظرية العامة للتدابير الاحترازية، مرجع سابق، ص214.
([90]) محمود سليمان موسى، السياسة الجنائية وتطبيقاتها التشريعية، مرجع سابق، ص246.
([91]) محمد صبحي نجم, قانون العقوبات القسم العام, النظرية العامة للجريمة, مرجع سابق, ص113.
([92]) وحيد محمود إبراهيم, حجية الحكم الجنائي على الدعوى التأديبية دراسة مقارنة, نادي القضاة، ص433.
([93]) القرافي, الفروق, مرجع سابق، ج 4, ص37-38.
([94]) فوزية عبد الستار, مبادئ علم الإجرام وعلم العقاب، مرجع سابق, ص262-263.
([95]) سمير عالية وهيثم سمير عالية، الوسيط في شرح قانون العقوبات, القسم العام، مرجع سابق، ص533.
([96]) خالد محمد عجاج, مبادئ علم العقاب, مرجع سابق، ص50.
([97]) فتوح عبد الله الشاذلي، علم الإجرام وعلم العقاب، مرجع سابق، ص392.
([98]) عبد القادر عودة, التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي, مرجع سابق، ص394-395.
([99]) فوزية عبد الستار, مبادئ علم الإجرام وعلم العقاب، مرجع سابق، ص263-264.
([100]) حسن صادق المرصفاوي, الإجرام والعقاب في مصر, منشأة المعارف بالإسكندرية, 1973م, ص241.
([101]) المرجع السابق, ص241.
([102]) أحمد فتحي سرور, الوسيط في قانون العقوبات, القسم العم, مرجع سابق, ص1004.
([103]) المرجع السابق, ص1005.
([104]) يسر أنور علي, وآمال عبد الرحيم عثمان، أصول علمي الإجرام والعقاب, مرجع سابق، ص503.
([105]) سليمة بو شاقور مالكي, الحماية الجنائية للبيئة عن طريق التدابير الاحترازية، مرجع سابق، ص94.
([106]) فتوح عبد الله الشاذلي، علم الإجرام وعلم العقاب, مرجع سابق، ص392.
([107]) سليمة بوشاقور مالكي، الحماية الجنائية للبيئة عن طريق التدابير الاحترازية، مرجع سابق، ص95.
([108]) محمد شريف أحمد, نظرية تفسير النصوص المدنية دراسة مقارنة بين الفقهين المدني والإسلامي، أروقة للدراسات والنشر, الطبعة الأولى, 1436هـ, ص12.
([109]) حسين عثمان محمد عثمان, أصول القانون الإداري، دار المطبوعات الجامعية, 2009م, ص167.
([110]) ابن القيم, الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، مرجع سابق، ص200.
([111]) محمد زكي عبد البر، تقنين أصول الفقه, مكتبة دار التراث, 1425هـ, ص220.
([112]) محمد محمد مصباح القاضي، القانون الجزائي النظرية العامة للعقوبة والتدبير الاحترازي, مرجع سابق، ص347.
([113]) المرجع السابق, 347-348.
([114]) سليمة بوشاقور مالكي، الحماية الجنائية للبيئة عن طريق التدابير الاحترازية، مرجع سابق، ص100.
([115]) هشام شحاتة إمام، دروس في علم العقاب, مرجع سابق، ص67.
([116]) علي عبد القادر قهوجي، علم الإجرام وعلم العقاب، مرجع سابق، ص337.
([117]) علي عبد القادر القهوجي، علم الإجرام وعلم العقاب، مرجع سابق، ص338.
([118]) المرجع السابق, ص339.
([119]) هشام شحاتة إمام، دروس في علم العقاب، مرجع سابق، ص: 69-70.
([120]) زكي الدين شعبان، أصول الفقه الإسلامي، مؤسسة علي الصباح للنشر والتوزيع، 1408هـ ص339.
([121]) أحمد بن علي الصهباني الزبيدي، تلخيص الأصول على معاني ذريعة الوصول في علم الأصول، مرجع سابق، ص132.
([122]) سورة التوبة ـ الآية 29.
([123]) أحمد بن علي الصهباني الزبيدي، تلخيص الأصول على معاني ذريعة الوصول في علم الأصول، مرجع سابق، ص132-133.
([124]) بلقاسم قراري، القواعد الفقهية من خلال كتابة المعونة على مذهب عالم المدينة للقاضي عبد الوهاب البغدادي، دراسة تأصيلية وتطبيقية، دار ابن حزم, الطبعة الأولى, 1434هـ ص: 68.
المراجع:
1. ابن تيمية, تقي الدين أحمد. مجموع الفتاوى, تقي الدين أحمد بن تيمية, مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف.1416هـ
2. ابن حجر العسقلاني, فتح الباري شرح صحيح البخاري.حققه عبد العزيز بن باز, محمد فؤاد عبد الباقي, دار الحديث, القاهرة, 1424هـ, ج 1.
3. ابن عبد البر الأندلسي, التمهيد في الموطأ من المعاني والأسانيد. مرجع سابق, ج 4.
4. أبو الفضل جمال الدين ابن منظور, لسان العرب (دار صادر, بيروت, 2004م).
5. ابن قيم الجوزية, الطرق الحكمية في السياسة الشرعية, حققه وعلق عليه سيد عمران, دار الحديث القاهرة, الطبعة الأولى.
6. أحمد أبو الوفا, نظرية الأحكام في قانون المرافعات, طبعة خاصة بديوان المظالم, 1433هـ
7. أحمد بن محمد بن علي المقري الفيومي: كتاب المصباح المنير في غريب الشرح الكبير,(المطبعة الأميرية, القاهرة, الطبعة الخامسة, 1922م)
8. أحمد فتحي سرور, أصول السياسة الجنائية, در النهضة العربية 1972م.
9. أحمد فتحي سرور, الوسطية قانون العقوبات, القسم العام, دار النهضة العربية, الطبعة السادسة, 2015م.
10.بلقاسم قراري, القواعد الفقهية من خلال كتابة المعونة على مذهب عالم المدينة للقاضي
11.بهنام رمسيس, الجريمة والمجرم والجزاء, منشأة المعارف بالإسكندرية, (الطبعة الثانية, 1976م)
12.جلال ثروت, نظم القسم العام في قانون العقوبات, منشأة المعارف, القاهرة (2007م)
13.جمال إبراهيم الحيدري, علم العقاب الحديث, مكتبة السنهوري, الطبعة الأولى, 2015,
14.حسن صادق المرصفاوي, الإجرام والعقاب في مصر, منشأة المعارف بالإسكندرية, 1973م.
15.حسين عثمان محمد عثمان, أصول القانون الإداري, دار المطبوعات الجامعية, 2009م.
16.خالد محمد عجاج, مبادئ علم العقاب, دار التعليم الجامعي, 2018.
17.الزبيدي, أحمد بن علي الصهباني, تلخيص الأصول على معاني ذريعة الوصول في علم الأصول, دراسة وتحقيق نادر سعد عبادي العمري (دار الوفاق, الطبعة الأولى, 1437هـ).
18.سليمان عبد المنعم, علم الإجرام والجزاء, منشورات الحلبي الحقوقية, طبعة أولى, بيروت لبنان (2003م).
19.سليمة أبو شاقور مالكي, الحماية الجنائية للبيئة عن طريق التدابير الاحترازية, المركز الأكاديمية للنشر, 2016م.
20.سمير عالية وهيثم سمير عالية, الوسيط في شرح قانون العقوبات, القسم العام, منشورات الحلبي الحقوقية, بيروت لبنان (2020م).
21.سمير عالية, مبادئ علم الإجرام والعقاب والسياسة الجزائية, منشورات الحلبي الحقوقية, بيروت لبنان (2019).
22.الشوكاني, محمد بن علي, نيل الأوطار في شرح منتقى الأخبار(الطبعة الأولى, المكتبة العصرية,, 2000م, ج5)
23.طارق عبد الوهاب سليم, المدخل في علم العقاب الحديث, السنة الأولى, مطابع الشرطة.
24.عبد الحميد الشواربي, وعز الدين الدناصوري, طبعة خاصة بديوان المظالم بالمملكة العربية السعودية, ج1, 1433هـ
25.عبد الرزاق الفحل وآخرون, المدخل لدراسة الأنظمة, الطبعة الأولى, 1413هـ بدون دار طباعة.
26.عبد الفتاح الصيفي, القاعدة الجزائية دراسة تحليلية على ضوء الفقه الجنائي المعاصر, المكتب المصري الحديث للطباعة والنشر, 1976م.
27.عبد الفتاح مصطفى الصيفي, الأحكام العام للنظام الجنائي في الشريعة الإسلامية والقانون, إدارة المطبوعات الجامعية, 2019.
28.عبد القادر عودة, التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي, مدار الكاتب العربي, بيروت(2008م).
29.عبد الله سليمان: النظرية العامة التدابير الاحترازية,(المؤسسة الوطنية للكتاب-الجزائر- (ب رط), 1990 م).
30.عبد الوهاب البغدادي, دراسة تأصيلية وتطبيقية, دار ابن حزم, الطبعة الأولى, 1434هـ
31.العز بن عبد السلام, قواعد الأحكام في مصالح الأنام, المكتبة الأزهرية للتراث, ط 1437هـ تحقيق أبو بكر محمود عبد الهادي, ج 2.
32.علي عبد القادر القهوجي, شرح قانون العقوبات القسم العام,منشورات الحلبي الحقوقية, 2002م.
33.فتوح عبد الله الشاذلي, علم الإجرام والعقاب, دار المطبوعات الجامعية, 2017م
34.فتوح عبد الله الشاذلي, دراسات في علم الإجرام, الظاهرة الإجرامية تفسيرها وعواملها, دار المطبوعات الجامعية, 2017م.
35.فتوح عبد الله الشاذلي, شرح قانون العقوبات القسم العام, الكتاب الثاني, دار المطبوعات الجامعية, 2018م.
36.فرج صالح الهريش, النظم العقابية – دراسة تحليلية في النشأة والتطور, منشورات جامعة قاريونس, الطبعة الثالثة 2008م.
37.فوزية عبد الستار, مبادئ علم الإجرام وعلم العقاب, دار المطبوعات الجامعية, 2007م
38.القرافي, الفروق, مرجع سابق, ج 4, ص 37-38.
39.كي الدين شعبان, أصول الفقه الإسلامي, مؤسسة علي الصباح للنشر والتوزيع, 1408هـ.
40.مالك بن أنس, الموطأ, مؤسسة المعارف, الطبعة الأولى, 1425هـ
41.الماوردي, الأحكام السلطانية, مرجع سابق, ص 385, وأبو يعلي, الأحكام السلطانية, علق عليه محمد حامد الفقي, دار الكتب العلمية بلبنان.
42.مجدي محمد سيف عقلان, النظرية العامة للتدابير الاحترازية وتطبيقها في التشريع الجنائي اليمني, رسالة دكتوراة.
43.محمد زكي أبو عامر, دراسة في علم الإجرام والعقاب, دار المطبوعات الجامعية بالإسكندرية, ط 1, 1982م.
44.محمد زكي عبد البر, تقنين أصول الفقه, مكتبة دار التراث, 1425هـ.
45.محمد سعيد رمضان البوطي, الإنسان مسير أم مخير, دار الفكر, الطبعة الرابعة عشرة,
46.محمد شريف أحمد, نظرية تفسير النصوص المدنية دراسة مقارنة بين الفقهين المدني والإسلامي, أروقة للدراسات والنشر, الطبعة الأولى, 1436ه.
47.محمد صبحي نجم, قانون العقوبات, القسم العام, دار الثقافة, الطبعة الرابعة, 1433ه.
48.محمد مصطفى القللي, في المسئولية الجنائية, طبعة جامعة فؤاد الأول, 1948.
49.محمود سليمان موسى السياسة الجنائية وتطبيقاتها التشريعية, دار الفكر الجامعي, الطبعة الأولى,
50.محمود نجيب حسني, شرح قانون العقوبات القسم العام, الطبعة الثامنة, دار المطبوعات الجامعية.
51.محمود نجيب حسني, النظرية العامة للقصد الجنائي, دار المطبوعات الجامعية, ط 5, 2019م.
52.وحيد محمود إبراهيم, حجية الحكم الجنائي على الدعوى التأديبية دراسة مقارنة, نادي القضاة,
53.وسيم حسام الدين الأحمد, العقوبات البديلة في النظام السعودي – دراسة مقارنة, مرجع سابق
54.يسر أنور علي وآمال عبد الرحيم عثمان, أصول علمي الإجرام والعقاب, دار النهضة العربية,


