في تدبير الشأن التربوي
خالد أمجيدي
مفتش التوجيه التربوي
بأكاديمية الدار البيضاء الكبرى
الحديث عن مفهوم المشروع، يحيلنا في هذا العصر، على مفهومين متميزين ومتكاملين في الوقت نفسه، هما: المشروع project والشرعية se projeter؛ حيث يحيل المفهوم الأول، على إعداد خطة أو استراتيجيا متكاملة وفق بنية تتأسس على منطق عقلاني، يراهن على إمكانيات التحقق الفعلي؛ في حين يفيد المفهوم الثاني المرتبط بالشرعية، الاستشراف المستقبلي للمشروع، سواء تعلق الأمر باستراتيجيا أو بذات أو شخصية، كإمكانه وطاقة بشرية متميزة، مبدعة وخلاقة، تشكل ركيزة أساسية، في المستقبل، للتنمية المتجتمعية.
من هنا، يأتي المفهوم الحقيقي للمشروع، كما ترصد إليه الباحث، الأستاذ خالد أمجيدي، ضمن مقاربته للمشروع، التي ركزت على منهجية أو سيرورة المشروع، باعتبارها دعامة أساسية للحكامة الجيدة في تدبير الشأن التربوي، وهي المنهجية المتأسسة على المنظور النسقي المتكامل؛ الذي يدخل في اعتباره كافة العناصر الضرورية لتحقيق نجاعة الحكامة الرشيدة، حكامة ترتكز على الحقوق والواجبات، ومفعلة، في الوقت نفسه، لمبدأي المساءلة والشفافية في تدبير الممارسة البيداغوجية والشأن التربوي داخل منظومة التربية والتكوين.
مدخل:
يندرج الإصلاح الراهن للنظام التعليمي ضمن سياق أعم يرتبط بنمط من الاقتصاد يبحث عن سبل تحسين فاعليته، وارساء معايير الجودة في بنياته الإدارية والخدماتية، ومضاعفة منتوج الرأسمال البشري، مع توظيف الوسائل التكنولوجية الحديثة إلى أقصى حد ممكن. وذلك لمواجهة الظرفية التي تعرفها الأنظمة الإنتاجية الحالية، والتي تتميز بتزايد الضغوطات على النفقات العمومية، بفعل تأثير عوامل داخلية وخارجية. لذا أصبح من الضروري نهج خيارات جديدة في ما يخص توظيف الموارد المادية والمالية، تشمل التدبير المرتكز على النتائج، واعتماد إطار النفقات على المدى المتوسط، وعقلنة الاختيارات الميزانياتية (RCB) Rationalisation des choix budgétaires. وبتبني خيار الحكامة الجيدة، وتبني نظام التدبير المندمج للنفقاتGestion Inegree de la Depense (GID) ، عند نهاية العشرية التي قطعها الميثاق الوطني للتربية والتكوين، ليؤسس النظام التربوي المغربي لمرحلة جديدة في الإصلاح، تعتمد أكثر على مفاهيم وآليات وطرق حديثة في تدبير الشأن التربوي بالنظر إلى مرجعياتها المؤطرة وتوجهاتها الاستراتيجية التي تنشد التنمية المستدامة.
إن الحكامة الجيدة اتجاه جديد في التدبير الحديث للشأن العام New Public Management، ظهر مع بداية التسعينيات، داخل الأوساط الجامعية الأنكلوسكسونية. واقترن ظهورها بالحاجة إلى معالجة الإشكالات التي تعوق سير وتدبير الإدارات العمومية وبلورة مساعي التنمية الاقتصادية والاجتماعية . ويرتكز هذا المفهوم بالأساس، على إدخال أساليب حديثة في إدارة أعمال الأنظمة العامة وبنية اشتغالها، وإدخال قيم جديدة مثل المنافسة، وقياس الأداء بواسطة مؤشرات موضوعية ودقيقة، قد لوحظ غيابها أو تعطيلها في الأنظمة التعليمية التقليدية.
إن النموذج التقليدي في تنظيم الشأن التربوي، الذي كان يركز على تراتبية جامدة وأحادية ولا يمنح للبنيات القاعدية إلا هامشا ضئيلا، والذي كان يعتمد على احترام التعليمات العمودية كمرجع يكاد يكون وحيدا؛ إن هذا النمط في قيادة النظام التعليمي أبان اليوم عن محدوديته، لأنه غير قادر على استيعاب تعقيدات الواقع التربوي، الذي تتداخل فيه العديد من الأبعاد العلمية والتربوية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية ؛ لأنه لا يتيح للمكونات التربوية على اختلاف مواقعها أن تتكيف وعناصرها البنيوية المحيطة والمتداخلة، وأن تسهم في الاستجابة لحاجياتها وتحدياتها.
غير أن مفهوم الحكامة الجيدة، يتعرض لما هو أبعد من الحقل الضيق المتعلق بالإدارة العامة والأدوات والعلاقات والأساليب الخاصة بها، ليشمل شبكة العلاقات بين مختلف المتدخلين والمستفيدين؛ سواء كأفراد أو كأعضاء أو كشركاء خارجيين في مؤسسات اجتماعية وتربوية وسياسية واقتصادية. فالحقل الدلالي للمفهوم، لا ينصب فقط على فعالية المؤسسة من حيث إدارة الشأن التربوي، ولكن يركز أيضا على قيم أساسية، ينبغي أن تقوم عليها المؤسسة وتدافع عنها، مثل المشاركة والمساءلة والرقابة والنزاهة.
1. العوامل الداعية إلى اتجاه الحكامة الجيدة:
تتمحور أشغال تحديث القطاع العمومي في العديد من الدول حول ست عناوين أساسية ([1]):
– تحديث الوظيفة العمومية؛
– تغيير البنيات التنظيمية؛
– تركيز الحكامة على النتائج؛
– توظيف ميكانيزمات اقتصاد السوق لتقديم الخدمات العمومية،
– مراجعة أدوار الهيآت الرقابية؛
– تحديث المسؤوليات وآليات الرقابة.
بالإضافة إلى الدواعي الخارجية المتعلقة بتحديث الإدارة طبقا للنسق الدولي العام الذي ينتج منذ عقود نماذج إرشادية ومعيارية موجهة لتحقيق شروط الجودة في جميع المجالات الحيوية، هناك دواعي داخلية تسعى إلى تبني إطار الحكامة الجيدة:
– الحاجة الملحة إلى بلورة أهداف اللامركزية واللاتمركز،
– الحاجة إلى ثقافة دائمة للتفاوض بين الفاعلين الاجتماعيين وإرساء آليات المشاركة في اتخاذ القرار، تعيد صياغة العلاقة بين المتدخلين على أساس مفهومي التوافق والتعاقد؛
– الحاجة إلى بلورة آليات موضوعية واستراتيجة لتيسر سيرورة التخطيط والتنفيذ والرقابة والمحاسبة.
– الحاجة إلى نظام متطور لتدبير الموارد البشرية والمادية والمالية، وتعبئة مختلف الطاقات وترشيد استثمارها لتأمين شروط الجودة؛
– الحاجة إلى إعادة صياغة الهندسة البنيوية والوظيفية لاشتغال المنظومة؛
– الحاجة إلى رفع قدرة الإدارة على تعبئة مختلف الشركاء بما لها من موارد بشرية ولوجيستيكية؛
– البحث عن تقليص الفوارق وإرساء آليات تمكن من تحقيق تكافؤ الفرص؛
– الحاجة إلى مراجعة نمط توزيع السلطة / المسؤوليات وتنظيم الأدوار بين مختلف المتدخلين.
2.خصائص ومنطلقات من أجل دعم الحكامة الجيدة:
إن الحكامة، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، منهج في التدبير يتوخى حسن التنظيم للبنيات والهياكل والآليات والمساطر، ويشجع التشارك بين المسيرين والمساهمين باعتماد مبدأ العقلنة والموضوعية في اتخاذ القرار وفي توزيع المسؤوليات وصقل القدرات ودعم التواصل داخليا وخارجيا. ويشمل المصطلح مفاهيم: المشاركة، الشفافية، تقاسم المعلومات، حقوق وواجبات المساهمين، مسؤوليات المسيرين، التعاقد بين مختلف المتدخلين، تفويض المهام، آليات التتبع والمراقبة والتحليل في اتخاذ القرار، عدم تمركز السلطة، العدالة وتكافؤ الفرص … ؛ ولبلورة ذلك، فهي ترتكز على جملة من المقومات والدعائم كمنطلقات لتطوير الممارسة التدبيرية ودعم قدرات المشرفين عليها:
– الانتقال من ممارسة إدارية متمركزة على الأنشطة والتدبير اليومي للمهام والتنفيذ الآلي لها، إلى نهج تدبيري قائم على الأهداف والنتائج والمبادرة والخلق والابتكار المميز؛
– تحقيق الأهداف والتدابير من خلال إرساء العمل بمنهجية المشروع داخل كل إدارة مع تحديد ميزانية كل مشروع بشكل دقيق عبر ما يسمى بـــــ (budget programme)؛
– الانتقال من منطق الوسائل والمساطر إلى منطق البرامج والنتائج،
– منح الآمرين بالصرف هامشا أكبر في استعمال الاعتمادات الموضوعة رهن إشارتهم، مقابل الالتزام بتحقيق نتائج محددة مسبقا؛
– إرساء ثقافة الشفافية والتواصل الاستراتيجي حول الأوراش المفتوحة؛
– إرساء تشخيص دوري ونسقي لآليات اشتغال المنظومة؛
– اعتماد مخططات موضوعاتية / قطاعية لتوظيف الموارد، يتضمن آجال التنفيذ ومؤشرات الإنجاز؛
– إرساء ميكانيزمات موضوعية ودقيقة لتتبع المشاريع وتقويمها داخل الإدارة؛
– إرساء وتعزيز الإدارة الإلكترونية؛
– إرساء آليات للتنسيق بين مختلف بنيات الإدارة التربوية ومختلف القطاعات العامة والخاصة وهيآت المجتمع المدني؛
– استناد قواعد التعامل بين مختلف المتدخلين إلى التفاوض والتوافق والتعاقد؛
– تمتع مختلف الأعضاء في شبكة المنظومة بدرجة مميزة من الاستقلالية والمسؤولية؛
– مراعاة حاجيات وانشغالات المستفيدين ومختلف مكونات المجتمع المدني والنقابات في سيرورة اتخاذ القرار؛
3. نسق الحكامة الجيدة:
بعيدا عن كل اختزال، قد يؤدي إلى النظر إلى الأنظمة ومشاريعها بمعزل عن أنساقها الداخلية والخارجية، نحاول في الشكل الموالي، اقتراح نوع من التقسيم يبين الترابطات والتمفصلات لسيرورة اتخاذ القرار، مع الأخذ بعين الاعتبار الأبعاد التقنية والسوسيوثقافية وأهم المحطات الحاسمة والعناصر المتدخلة في هذه السيرورة ؛ علما أنه في الواقع قد يكون الأمر أعقد من ذلك، حيث يتميز النسق، حسب إدكار موران، باعتباره وحدة شاملة منظمة من التداخلات العلائقية بين جملة من العناصر والعمليات والأفراد، وتتسق هذه الوحدة الشمولية ارتباطا بالمكونات المحيطة بها ([2]). وهناك ثلاثة عناصر أساسية ينبغي التأكيد عليها في تعريف النسق:
– انسجام الوحدة الشاملة، وتحيل هذه الوحدة على مفهوم الكل أو الكلية وتميز كل نظام بالنظر إلى محيطه الاجتماعي والاقتصادي والسياسي؛
– بنية تنظيم التداخلات العلائقية وهرمية /تراتبية المبادلات بين العناصر والعمليات والأفراد، حيث إن العناصر لا تشكل إطارات مغلقة ومنعزلة، بل ترتبط فيما بينها وفق سلسلة من القواعد والسيرورات والأساليب الخاصة بحقل انتماء النسق ذاته؛
– نجاعة تنظيم التداخلات العلائقية، حيث إن الخاصية الموحدة لنظام ما، لا ترتبط بالتفاعلات في حد ذاتها، بل بفعالية ونجاعة تنظيم هذه التفاعلات والتداخلات العلائقية وبالمبادئ المنظمة لها، مما يجعلها تتساوق ضمن ترتيب معين أو تعمل وفق أساليب وأنماط مميزة وفعالة.
يبين الشكل أو الترسيمة، أهمية الانسجام والمطابقة بين توجهات الإطار العام وأهداف المشاريع ومواءمة الموارد والوسائل المستعملة لبلوغها، ومدى فعالية النتائج المتوخاة ونجاعتها بالنظر إلى رهانات وانتظارات وحاجات ومصالح المستفيدين، ومحورية الفاعلين في بلورة وتفعيل محتويات ومضامين الشراكة والتعاقد وفي الإشراف على سيرورة تتبع وتأطير المشاريع وتدبير مختلف المبادلات الرامية إلى ذلك.
4. الحكامة ومنهجية المشروع:
من أجل تعزيز وإنجاح سيرورة تغيير أنماط تدبير النظام التربوي وإرساء أدوات قياس النتائج وتخطيط عمليات التقويم، تطلب الأمر توظيف كفايات وأدوات خاصة، مما حمل الوزارة على اعتماد منهجية ومقاربة التدبير بالمشروع “Project management office”PMO ، من خلال فرق عمل خاصة تدعم ثقافة المشاريع وتعمل على بلورتها على أرض الواقع، ومن خلال تنميط وتوحيد الإجراءات والتدابير وأدوات التتبع والتأطير أيضا عن طريق التكوين والمواكبة من أجل ترسيخ النظام الجديد في التدبير (التدبير المرتكز على النتائج وبواسطة المشروع).
5. أهمية التدبير بواسطة المشروع:
تعد “مقاربة المشروع”، منهجية تروم إلى حسن أجرأة جملة من التدابير تتسق وتنتظم داخل مجال منسجم ومتكامل العناصر والمكونات . وتقوم هذه المقاربة على رؤية استراتيجية للتدبير والتطوير، تستدعي آليات التخطيط والتنسيق والقيادة والإشراك والمشاركة وتقاسم المعلومة والتأهيل والتحفيز للموارد البشرية، بغية تحقيق أهداف تطويرية معينة ونتائج مرجوة. وحينما يهم تدبير المشروع العديد من المشاريع تجتمع على هدف واحد، نتحدث أنداك عن تدبير برنامج، كما هو الحال في البرنامج الاستعجالي لوزارة التربية الوطنية الذي أصبح في صيغته النهائية يضم 27 مشروعا. ويعول المسؤولون على منهجية التدبير بالمشروع لإدخال عناصر التحديث في المنظومة وتحقيق أهداف البرنامج الاستعجالي. ونعرض فيما يلي أهم التصريحات التي تم تقديمها في هذا الشأن ([3]):
– “إن هذه المنهجية ستغير الكثير في ممارساتنا وطرق اشتغالنا الاعتيادية واليومية بالقطاع بالنظر لما ستحدثه من تغيرات قد تجعلنا أمام وضعيات جديدة من التساؤلات والمسؤوليات. وأعتقد أن هذا المستوى من التدقيق والصرامة سيمكننا غدا من تقديم الحصيلة بوضوح ومسؤولية للمجتمع الذي عبأ طاقات وموارد هامة . وإذا كنا عند الموعد وفي مستوى التطلعات، سنفتخر كلنا لما حققناه، وإذا حدث العكس على الأقل سنكون مؤهلين لتحديد الأسباب”. (السيد احمد اخشيشن، وزير التربية الوطنية وزير التربية الوطنية و التعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي).
– “باعتماد التدبير بالمشروع في تفعيل البرنامج الاستعجالي، تكون الوزارة قد انخرطت في إتمام تحديث نظام تدبيره وخلقت بذلك الشروط الموضوعية لتفعيل وأجرأة مفامهيم اللامركزية واللاتركيز”. (السيدة لطيفة العبيدة، كاتبة الدولة لدى وزير التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي).
– “تكمن أهمية هذه المقاربة في تغيير طرق الاشتغال وتبني التدبير بالمشروع وإدخال نظام دقيق للتتبع والتدبير وتنزيل أهداف البرنامج الاستعجالي من خلال رزنامة أدوات ومؤشرات التتبع. وبالنظر إلى الإكراهات التقنية والتنظيمية وآجال التنفيذ ومسألة التواصل ومقاومة التغيير، فإن اعتماد هذه المقاربة أمر جد حاسم لإنجاح البرنامج الاستعجالي. وخلق مناخ داخلي إيجابي وشروط موضوعية لتفعيل الإصلاح بتوحيد وتبسيط التدابير والإجراءات وتوفير أليات التدبير والتتبع عن قرب والتنسيق مواكبة الفاعلين الداخليين في القطاع”. (السيد يوسف بلقاسمي الكاتب العام المكلف بالتعليم المدرسي).
بالفعل، فإن اعتماد هذه المقاربة، دفع إلى إعادة صياغة أساليب اشتغال فرق العمل ووظائفها وبنياتها، لبلورة تصور جديد يستمد مرجعيته النظرية والمنهجية من حقول حديثة وعديدة معرفية واقتصادية وتربوية وإدارية واجتماعية وسياسية؛ كما مكن من إرساء تصور يقوم على التدبير المرتكز على النتائج والتخطيط الاستراتيجي للأهداف ويهتم بمخرجات Output كل محطة من محطات سيرورة التنفيذ والإنجاز، بعيدا عن الارتجالية والهدر في الموارد البشرية والمادية والمالية والزمنية.
إن إعداد المشروع وقيادته وتأطيره وتقويمه عمليات، ليست بالسهلة والبسيطة؛ بل هي عمليات مركبة، تختلف من حيث درجة تعقيدها باختلاف المشاريع وآليات اشتغالها. وتتطلب توفير إطار عمل على المدى المتوسط، يمكن من تفعيل السياسات التعاقدية والالتزام بالنتائج وتقديم الحسابات في إطار الشفافية، خاصة مع المصالح اللاممركزة. كما أن إدارة مشروع يقتصر على عمليات البناء والتوسيع للطاقات الاستيعابية للتلاميذ، يختلف عن إدارة مشروع تنموي يتضمن تحسين جوانب بنيوية وخدماتية وتأطيرية ويوظف وسائل أكبر ويستدعي مشاركة أوسع ويرصد ميزانية أضخم ويتطلب تتبعا ومراقبة أوثق.
6.منزلقات في فهم التدبير بالمشروع:
هناك العديد من المنزلقات في مقاربة التدبير بالمشروع، يعددها تيري قسطنطين وزملاؤه، انطلاقا من دراسة ميدانية، في منزلق ([4])، نذكر أهمها في النقط التالية:
1) اختزال التدبير بالمشروع في توظيف طرائق أو تقنيات معينة أو بلورة مساطر جديدة لدواعي عديدة:
– اعتماد وصفات “جاهزة لاستعمال”؛
– الرغبة في الوصول إلى نتائج سريعة،
– اختزال التدبير بالمشروع في نمط معين من التنظيم؛
2) قصور الجهود على مستوى التحسيس والتكوين بسبب التركيز على نموذج مثالي للمشروع على حساب فرق العمل الميدانية؛ مما قد يؤدي بهذه الأخيرة إلى رفض بعض التدابير، فالتدبير بالمشروع لا يملى وإنما هو موضوع اتفاق وتفاوض وإقناع، خصوصا حينما يتعلق الأمر برهانات تغييرية مهمة.
3) بعض الممارسات السيئة في تدبير الموارد البشرية العاملة بالميدان التي قد تشكل عوائق في تطوير ثقافة المشروع:
– عدم تأهيلها لمسايرة التغيرات والتطورات في مجال الاختصاص؛
– عدم تشجيع التجارب الناجحة والإشادة بما تحمله من جديد على مستوى المعارف والمهارات والكفايات،
– التفاوت بين الكفايات المطلوبة والكفايات المتوفرة؛
– عدم وضع تحفيزات مادية داعمة للجهود المبذولة في تنفيذ تدابير المشروع بشكل عادل، ومنتظم وظهور تفاوتات كبيرة في منح التعويض، لا تستند على منطق واضح وموحد.
4) عدم توضيح دور رئيس المشروع:
– مهام غير موزعة بشكل محدد؛
– هامش للتصرف غير واضح؛
– غياب تواصل مع الهيئة المركزية لقيادة المشروع؛
– عدم منح رئيس المشروع وسائل العمل اللوجيستية لتتبع تنفيذ التدابير.
ويمكن أن نضيف إلى ذلك بعض النقط التي تم تداولها في دورة تكوينية بالدار البيضاء، شاركت فيها ثلاث أكاديميات (أكاديمية الشاوية ورديغة وأكاديمية دكالة عبدة وأكاديمية الدار البيضاء الكبرى)، حول منهجية التدبير المشروع MS PROJECT ، وهي على كل حال ملاحظات ينبغي تفاديها في مقاربة التدبير بالمشروع.
– سوء تقدير قابلية الإنجاز لبعض تدابير المشاريع؛
– عدم الملاءمة بين الوسائل والأنشطة والنتائج؛
– تداخل المهام داخل الفرق وتعارضها؛
– عدم الملاءمة بين معطيات الواقع / والتدابير المتخذة؛
– غياب آليات حقيقية للشراكة وللتعاقد؛
– تأخر الجهاز التشريعي عن مسايرة التحولات والتطورات ومتطلبات التحديث؛
– غياب منطق موحد وعادل في توزيع الوسائل وفي التحفيز والمنح،
– سوء تقدير كلفة بعض التدابير؛
– عدم إشراك الفئات المستهدفة ومختلف المتدخلين؛
– تغيير نطاق تنفيذ المشروع؛
– بطء في تنفيذ التدابير وتأخير في صرف الميزانية؛
– التأرجح في آليات تتبع المشروع وعدم الاستقرار على معايير ثابتة.
7. التدبير بالنتائج والمقاربة الجديدة للميزانية:
لقد تم اعتماد هذا النوع من الميزانية في العديد من الدول المتطورة السباقة في هذا المجال ([5]):
– الولايات المتحدة Loi sur les Resultats et les Performances de l’Etat (LRPE) (1993)
– بريطانيا سنة (Contrats de Service Public (CSP) et les Contrats de (1993
Prestation de Services (CPS)
– كندا Rapport sur les projets et les priorités (1994)
– اليابان Systeme devaluation de l’ensemble des politiques de l’fitat (2001)
– فرنسا Projet de loi de finances (2001)
تعوض المقاربة الجديدة لتدبير الميزانية المرتكزة على النتائج، منطق الوسائل الذي كان سائدا إلى عهد قريب. فهي تحاول أن تقترب أكثر من الاستجابة لمتطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية المنشودة، وضمان فعالية أكبر للنفقات العمومية وترشيدا أوضح للموارد. حيث نركز على سلسلة منطقية وعملية للنتائج (مدخلات – عمليات – مخرجات على المدى قريب – مخرجات على المدى المتوسط – مخرجات على المدى البعيد)، تترجم خلالها أهداف مبنية على حاجيات وأولويات، وموضوعية وواقعية وقابلة للقياس ومحددة الآجال إلى نتائج مبرهنة وواضحة الأثر على المدى المتوسط والبعيد، من خلال توظيف وتعبئة الموارد الضرورية (بشرية، معلوماتية، مالية ومادية وتقنية) ووضع مؤشرات لتتبع الإنجازات.
8.المقاربة الجديدة للميزانية:
تمخضت المقاربة الجديدة للميزانية عن ملاحظة أساسية، مفادها أن المنهجية التقليدية التي كانت سائدة ومعتمدة في صرف الميزانية، تنطوي على تعقد الميكانيزمات المالية وجمود المساطر والإجراءات المتبعة في تدبيرها، مما أدى إلى ضعف مردوديتها وتفاقم الاختلالات المترتبة عنها، وانحصار الاستثمارات وعدم القدرة على إنجاز المشاريع ومواكبة التحولات والمستجدات الوطنية والدولية، خاصة في ظل الأزمة المالية العالمية، وظرفية اقتصادية تتسم بتقلص الموارد واحتدام المنافسة الدولية. لذلك، كان من الضروري الانتقال إلى منهجية مختلفة تتجاوز مساوئ المنهجية التقليدية وتقوم على أسس حديثة وعقلانية ورؤية مبادرة واستشارفية، تتخلى عن منطق الوسائل والإجراءات وتهتم أكثر بالنتائج ومؤشرات النجاعة في التسيير المالي.
يمكن إجمال مداخل المقاربة الجديدة في ثلاثة مستويات؛ المدخل الأول، هو عبارة عن سيرورة تقنية ومعلوماتية تمكن من التدبير المحكم والسريع في إطار نظام مندمج للتدبير بين جميع المتدخلين في عملية صرف الميزانية، يعرف بنظام التدبير المندمج للنفقات ([6]) Gestion Intégrée de la Dépense (GID)؛ والمدخل الثاني، عبارة عن إطار قانوني يعيد النظر في القواعد والإجراءات والمساطير المؤطرة للشأن المالي العمومي سواء بشكل مباشر، أو غير مباشر؛ في اتجاه تبسيط مساطر تنفيذ الإنفاق، وتقليص التكاليف وآجال معالجة عمليات الإنفاق، وإتاحة المعلومات المتعلقة بوتيرة التنفيذ، وتدعيم اللامركزية في تدبير الإنفاق . أما المدخل الثالث، فهو رقابي يندرج في إطار الحركة الشاملة لتحديث الإدارة العمومية، ويعيد النظر في منظومة المراقبة وهيكلتها، بتصور حديث لمفهوم المسؤولية من حيث ربطها بالمؤشرات والنتائج لا بالإجراءات والوسائل، وذلك من أجل تعزيز الفعالية والكفاءة في التسيير الإداري.
تجدر الإشارة، إلى أن نظام التدبير المندمج، يهدف كذلك إلى تقليص مسار النفقة العمومية مع تعزيز التواصل بين الأنظمة المعلوماتية المماثلة لدى مختلف الهيآت المتدخلة في هذا المسار، ويتعلق الأمر بالآمرين بالصرف والآمرين المساعدين بالصرف والمراقبين والمحاسبين، بالإضافة إلى المسؤولين عن البرمجة ووضع الميزانية. ويتغيى هذا النظام ضمان التتبع الآلي لاستعمال اعتمادات الميزانية وتسرع مسلسل تنفيذ النفقة مع تفادي تكرار المهام والتدخلات. كما يهدف إلى تيسير التتبع الآلي للتنفيذ المحاسبي للميزانية وإعداد إحصائيات ذات مصداقية ومنسجمة بين مجموع المتدخلين، مما سيسهل إعداد قوانين التصفية المحاسباتية.
إن الإصلاحات الجارية في مجال تدعيم الحكامة الجيدة في مالية الدولة، ينتظر منها أن تسهم في دعم مصداقية المالية العامة، وضمان شروط الشفافية المالية والسلامة فيها، وتحقيق تقدم مهم في ما يخص التحكم في عمليات إعداد وتنفيذ ومراقبة ميزانية الدولة، ولعل ذلك من شأنه أن يسهم في تحديث هياكل الاقتصاد وتعزيز تنافسيته، وإصلاح الإدارة العمومية، وتخليق الحياة العامة.
09 الحكامة الجيدة ومقاومة التغيير:
تعد مقاومة التغيير من أولى التحديات التي تعترض صياغة وتنفيذ تدابير التحديث في مشروع ما أو برنامج ما. فعلى الرغم من أن التغيير هو الصفة الملازمة لتحديث البنيات الإدارية والخدماتية وتطوير العمل التربوي والإداري، إلا أنه قد يلقى مقاومة من قبل الموظفين لأسباب عديدة متباينة. والمقاومة تعبير ظاهري أو باطني لردود الفعل الرافضة للتغيير، وهي ظاهرة طبيعية شأنها شأن التغيير نفسه. قد ترتبط أسابها بعوامل شخصية مثل الخوف من المجهول وتفضيل الاستقرار والقلق والاضطراب في العلاقات والعادات والممارسات، وقد ترتبط بطريقة إحداث التغيير مثل الوقت والموارد المتوفرة للتكيف واحترام الأفراد والمهارات ومصداقية التغيير.
وقد ترجع المقاومات / الإخفاقات أيضا إلى العوامل التالية:
– محدودية عملية تحليل الحاجيات وسوء تقدير ما يتطلبه التغيير من تأطير مصاحب؛
– دفاتر تحملات غير واضحة أو يتم تعديلها من حين لآخر؛
– انخراط ضعيف للمسؤولين والمعنيين بالأمر؛
– ضعف الدعم المقدم من قبل الهيآت التدبيرية.
حينما يخوض الموظف تجربة وضعية انعطافية جديدة، هناك جملة من المصافي FILTRES التي تنتصب بين الوقع الحقيقي والواقع المتمثل بشكل دينامي وغير ثابت. وقد تتعلق هذه المصافي بالماضي الثقافي والقيمي و/أو بالحاضر الاجتماعي والمهني و/ أو بالمستقبل المأمول (رغبات، تطلعات، مشاريع، رؤى …)، فهذه المصافي تتدخل بعوامل عديدة ومختلفة، لتحجب عن الفرد إدراك الواقع الحقيقي للتغيير عبر ما يسميه موسكوفيتشي بخطاطات أو أنظمة التمثل للأشخاص أو للأشياء وللوقائع Schèmes de représentation. ويعطي سيرج موسكوفيتشي (Serge Moscovici, 1961) وظيفتين كبيرتين للتمثل، وظيفة الموضوعانية (Objectivation) ووظيفة الإرساء (Ancrage) ([7]) تجعل الموضوعانية الأشياء واقعية / ملموسة: “تزيل التطرف الدلالي بتجسيده، وقد تذهب إلى تشييئ وتطبيع الموضوع، فهي تجعل من التمثل واسطة بين المفهوم والمدرك أو الصورة الذهنية. بمنحها رؤية عامة مكتملة نسبيا عن الموضوع. ويتيح التمثل إدخال معلومات جديدة و”تدجين الغريب” ([8])، وهذه هي وظيفتها الإرسائية.
يمكن وصف التمثلات الأساسية التي تؤثر في سلوكات تقبل التغيير أو رفضه بالتمثلات الاجتماعية، وذلك لكونها تبنى خلال التفاعلات الاجتماعية، وتؤدي وظيفة اجتماعية بين المجموعات المهنية (تسهيل سيرورة التواصل والمساهمة في تلاحم المجموعات وخلق دينامية تفاعلية بينها لتحقيق أهداف مشتركة ومتعارف عليها).
- منحنى تقبل التغيير:
يتضمن منحنى تقبل التغيير المستوحى من أبحاث إليزابيت كيبلر روس Elisabeth Kubler-Ross حول سيرورة “الحداد” فترتين كبيرتين ([9]):
– فترة تنازلية، نشهد فيها مواقف سلبية غير منتجة : رفض ومقاومة وقلق وتوتر …
– فترة تصاعدية، نشهد فيها مواقف إيجابية ومنتجة ومتجهة نحو المستقبل، تتطلب استراتيجيات تعديلية ونوعا من التحفيز والدعم لاستمرارية التطلع إلى وضع أفضل وعدم الانتكاس.
إن التدبير المصاحب لمنعطف التغيير غالبا ما ينحصر في:
– تزويد الموظف بوثائق ومراجع للتطبيق؛
– تنظيم تكوينات؛
– إتاحة فرص للتواصل حول المشاريع.
ما هو أكيد، أن الاشتغال على هذه الجوانب شيء مهم، لكنه غير كاف لتحقيق نجاح كبير في المشروع، إذا لم نهتم برصد مسبق لتهديدات الرفض، وإذا لم نهتم بتأمين شروط التنزيل والتطبيق، وبتحضير انخراط الأفراد ومشاركتهم في سيرورة التغيير. فالتركيز على الفاعلين (تحديد الأطراف المعنية ؛ تحديد أدوار ومسؤوليات مختلف الأطراف المعنية ؛ تحديد الشروط والمستتبعات المتعلقة بوضعية العمل ؛ تحديد هامش التصرف والتعاون ؛ بيان حدود التعديلات الممكنة والتوافقات بشأنها) منطلق أساسي لبلوغ أهداف المشروع . هناك عوامل أخرى تعتبر مفتاحا لنجاحه:
– تجنب الشائعات؛
– إقناع الفاعلين بجدوى التدابير التي يتضمنها، وأن المشروع يندرج ضمن رهان التطوير المستمر للمؤسسة؛
– تقليص مدة استيعاب المشروع وصرف اعتماداته لتجنب التمثلات السلبية والمعيقة للتغيير المنشود؛
– التركيز على التكوين وضمان تكوينات جيدة،
– إحداث قطيعة مع الأشكال التقليدية والقديمية في التنظيم؛
– المرور عبر فترة انتقالية محايدة ؛ وتدبير منعطف التغيير؛
– الانخراط في سيرورة جديدة للتنظيم (طرق جديدة، مهن جديدة، آليات جديدة).
10. الحكامة والعقلانية في سيرورة التدبير:
تتناول مقاربات الحكامة الجيدة أربع أوجه للعقلانية: معرفية وبنيوية وطرائقية وتقويمية. فالعقلانية المعرفية / التصورية، هي التي تؤلف الروية الاستراتيجية المتقاسمة والموجهة والمؤطرة للعمل وما ينبغي أن يترتب عنه من نتائج وأهداف، وذلك وفق ما يمكن تعبئته من موارد بشرية وما يمكن كذلك توفيره وجلبه من موارد مالية ومادية، وبالنظر أيضا لما قد يطرح من صعوبات ومخاطر وتحديات ورهانات. أما العقلانية البنيوية في هذا المجال، فتهم بنية سيرورة اتخاذ القرار، ونتحدث هنا عن العلاقة الترابطية بين مختلف المكونات والمواقع المعنية (محلية، إقليمية، جهوية، مركزية)، وتشمل أساليب التداول والمشاركة والتوافق والتعاقد. وبخصوص العقلانية الطرائقية، فتوجه اختيار وتوظيف الطرائق وآليات الاشتغال المعتمدة لتنفيذ القرار وتأطيره. فيما يتعلق بالعقلانية التقويمية، فتركز النظر على معايير ومؤشرات تقويم النتائج ومدى انسجام ومواءمة المساطر المتبعة. فالحكامة الجيدة لا تختزل سيرورة التدبير في بعد من هذه الأبعاد، بل تستحضرها جميعا لبلورة أهداف التنمية القطاعية بتفعيل آليات التتبع والتعديل والتحليل والمشاركة والتوافق، مع الأخذ بعين الاعتبار احتياجات البنيات القاعدية والمحلية ومكونات وعناصر السياقات والأنساق الوسيطية والعامة.
11. مراحل سيرورة اتخاذ القرار:
إن سيرورة اتخاذ القرار، منهج يتضمن سلسلة من المراحل والخطوات والتفاعلات المتتالية التي تقود متخذه إلى اختيار حل يبدو له أنه الأمثل والأكثر إقناعا وإرضاء. ولقد أجمع الباحثون على ضرورة اتباع هذه الخطوات لتحقيق الاستغلال الأمثل للموارد والإمكانات المتاحة، وفيما يلي نعرض مقتضيات هذه الخطوات:
11. 1. الخطوة الأولى: تحديد المشكل:
إن أول خطوة في عملية اتخاذ القرار، هي تحديد الهدف المراد تحقيقه بشكل إجرائي وموضوعي، ضمن إطار زمني محدد يتيح التقويم والتحقق من بلوغ الهدف . وقد تكتسي هذه الخطوة سهولة أو صعوبة أكبر بقدر تعقيد المشكلة والملابسات المحيطة بها والنتائج المترتبة عنها، وبقدر توفر الإمكانات والموارد البشرية والمالية والمادية اللازمة لتنفيذ القرار، وكذلك بقدر ضيق أو اتساع الوقت المسموح به للوصول إلى حل للمشكلة. وتفيد أيضا هذه الخطوة الأولى في تحديد نوعية المشكلة وطبيعتها (تنظيمية أو سلوكية أو تقنية أو مادية الخ)، كما تفيد في التمييز بين مستويات الأهداف الواجبة والمرغوبة وبين الحاجيات والضروريات والتحسينيات.
فهذه الخطوة الأولى أساسية لدراسة الموقف بدقة والتعرف على المشكلة الحقيقية وللتأكد من الإحاطة بمختلف جوانب المشكل.
11. 2. الخطوة الثانية: جمع البيانات والمعطيات:
تقتضي هذه الخطوة جمع البيانات المتعلقة بالمشكلة بشكل ناجع، فالقرار الجيد يظل رهينا بما هو متوفر من معلومات موثوقة عن الموقف الإشكالي، وبقدرة المسؤول على ترتيبها بأسلوب منطقي وعقلاني؛ ولعل هذا يتطلب الإدراك الواضح للعناصر الهامة والمتعلقة بالقرار وتحديد أدوار مختلف الأطراف المشاركة في صنعه.
11. 3. الخطوة الثالثة: البحث عن الحلول والبدائل الممكنة:
يساعد تحقيق الخطوتين السابقتين بشكل دقيق يساعد على وضع الحلول والبدائل والرسائل الممكنة والكفيلة للوصول إلى الهدف. وتستدعي هذه العملية نمطا من التفكير المنطقي والابتكاري، الذي يساعد على الاستباق والتنبؤ وتوليد الأفكار والحلول.
تتطلب عملية تحديد المشكلة تحليلا علميا دقيقا وتستدعي سيرورة للتفكير المنطقي (logical thinking)؛ أما إيجاد بدائل للمشكلة، فيتطلب تفكيرا ابتكاريا (creative thinking) للحصول على حلول مبتكرة وحلول للبدائل الممكنة.
11. 4. الخطوة الرابعة: تقويم البدائل:
في حالة توفر الوقت يمكن إخضاع البدائل المقترحة للتجربة، وذلك لقياس مزايا كل بديل من حيث تكلفته ومن حيث نتائجه المحتملة ومن حيث واقعيته وقابليته للتحقق وإمكانية تنفيذه. ويمكن الاعتماد على جملة من المعايير لإنجاز عملية التقويم، من بينها على سبيل المثال:
– أهمية الأهداف التي يحققها كل بديل؛
– درجة ملاءمة كل بديل لسياق اشتغال المنظومة؛
– المردود المادي والمعنوي المتوقع من كل بديل،
– مقدار الجهد الذي يتطلبه كل بديل،
– الإمكانات المتطلبة في كل بديل،
– الوقت اللازم لتنفيد البديل،
11. 5. الخطوة الخامسة: اختيار الحل الأمثل:
الخطوة الأخيرة في عملية اتخاذ القرار، هي اختيار البديل الأفضل بعد دراسة ما تم القيام به من أجل تقويم هذه البدائل. ويقترح الهواري مجموعة من الوسائل المساعدة على اختيار البديل الأمثل، منها:
– المقارنة الموضوعية،
– الاستعانة بالخبراء والمستشارين المتخصصين؛
– ترتيب البدائل ترتيبا تنازليا بحسب أولويتها؛
– دراسة إيجابيات وسلبيات كل بديل مطروح؛
– الاستعانة بالطرق والأدوات الرياضية (شجرة القرارات مثلا) ووضع المشكلات وبدائلها في شكل أرقام ورموز.
11. 6. الخطوة السادسة: التنفيذ والمتابعة:
بعد مرحلة اختيار البديل الملائم وإطلاع من لهم علاقة به لضمان موافقتهم ومساندتهم، تأتي مرحلة تنفيذ البديل. وتتطلب هذه المرحلة تهيئة المستلزمات المادية والبشرية المستمرة لمراحل التنفيذ، ثم التحقق من مدى التقدم في بلوغ الهدف ورصد المعوقات التي قد تعترضه وتوقع الانحرافات المحتملة من أجل معالجتها والعمل على تجاوزها.
11. 7. الخطوة السابعة: تقويم الحل:
يرتكز كل تدبير فعال على تقويم مراحل التقدم في تحقيق الأهداف. ويرتكز هذا التقويم على مقارنة النتائج المحصل عليها والنتائج المنتظرة أو المتوقعة . فإذا بينت العملية التقييمية بأن هناك فارقا ملحوظا بين نقطتي المقارنة، يتعين الإقدام على تعديلات تصحيحية.
غير أن هذه السيرورة العقلانية لا يمكن دائما تحقيقها بحذافيرها في الواقع التنظيمي، بالنظر لتعذر إمكانية الإلمام بجميع العوامل المتصلة بالمشكل. كما أن فعاليتها لا تظهر إلا في بعض السياقات الخاصة، حيث الأهداف المحركة للسلوك جلية والإمكانات المادية والبشرية الضرورية متوفرة والوقت اللازم لتنفيذها متاح؛ وحينما يتوفر متخذ القرار على بدائل عديدة تتيح له المفاضلة والاختيار. كما أن العقلانية ترتهن وتتحدد بقدرة العقل البشري على استحضار جميع القيم والمعارف والمعلومات المرتبطة بالقرار، في سياق نفسي واجتماعي له شروطه وإكراهاته؛ وهذا ما يسميه سيمون بالعقلانية المحدودة (H.A.Simon, 1976).
ضمن هذا الإطار الفكري، يقترح بعض الباحثين طرقا تتغيى بلوغ القرار الأمثل بنهج إحدى المقاربتين: المقاربة التحليلية والمقاربة الحدسية في اتخاذ القرار.
12.الحكامة الجيدة بين المقاربة التحليلية والمقاربة الحدسية في اتخاذ القرار:
إن عملية اتخاذ القرار داخل الأوساط المهنية العمومية، عملية تتسم بالدينامية والتعقيد أحيانا. وبقدر أهمية النتائج المتوخاة وحجم الموارد البشرية والمادية المستثمرة فيها، بقدر أهمية القرارات التي تتخذ في كل مرحلة من مراحل تقدم المشاريع، نظرا لما يمكن أن يترتب عنها من نتائج ومستتبعات سواء تعلق الأمر بالتغيير المحدث على مستوى جودة الخدمات المقدمة أو على مستوى تطوير بنيات العمل وآليات الاشتغال الناظمة له أو على مستوى تحسين كفايات الأطر العاملة فيه؛ وترتبط هذه العملية بجملة من المحددات، منها:
– وضوخ الروية أو الأهداف المرسومة؛
– وضوح المساطر القانونية والمالية المؤطرة؛
– مدى توفر الإمكانات البشرية المادية المطلوبة؛
– مدى توفر برامج لتطوير وتأهيل كفايات الأطر العاملة؛
– طبيعة مناخ العمل ونسقيه الداخلي والخارجي المؤثران فيه (المتغيرات المهنية والإدارية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية الشارطة لمحيط العمل)؛
– اتساع أو ضيق البدائل المتاحة؛
– واقعية تقدير الوقت اللازم لإنجاز المهام؛
– مدى توفر الوسائل اللوجيستية والتواصلية لجمع المعلومة وتسهيل المهام.
12. 1. المقاربة الحدسية في اتخاذ القرار:
تتمثل النظريات الحدسية المسماة أيضا بنظريات اتخاذ القرار الطبيعي، تتمثل في مختلف الطرائق العملية والأكثر ارتباطا بمجريات الواقع؛ حيث يجد متخذ القرار نفسه محاصرا ومحدودا بمحدودية المعلومة ومحدودية الزمن ومحدودية القدرة على معالجتها. وتعتمد هذه الاساليب أكثر في المجالات التي تتسم بالاستعجال والتعقيد (المجال العسكري والطب الاستعجالي وحالات الكوارث ….) (R. Lipshitw, et al 2001)؛ وترتكز النظريات الحدسية على نماذج وصفية تقوم على ثلاث مبادئ أساسية: المبدأ الأول، هو أن القرارات تتخذ بناء على تقويم عام وتعاقبي وسريع لمختلف الخطط الممكنة، ولا يتم في هذا التقويم مقارنة كل الخيارات الممكنة. المبدأ الثاني، هو استحضار التجارب السابقة للتعرف على الوقاع الحالية وضبطها، واختيار حل مناسب لها دون القيام بتحديد دقيق لجميع الخيارات الممكنة. أما المبدأ الثاني، فيتجلى في كون متخذ القرار لا ينتظر الحل الأمثل، بل يستعمل معيار الرضا لإيقاف البحث عن المعلومات بمجرد أن يجد خطة مقبولة لذلك.
12. 2. المقاربة التحليلية في اتخاذ القرار:
ترتكز المقاربة التحليلية على طرائق مبرمجة لجمع المعلومات وتشفيرها برموز، ومعالجة هذه المعطيات من أجل الحصوا، على نتائج موثوقة وناجعة. وتتطلب هذه الطرائق أو النماذج المعيارية منهجا صارما لمقارنة مختلف البدائل الممكنة. كما تفترض إمكانية تحديد وقياس العوامل المتدخلة من حيث درجة تأثيرها ونجاعتها. فالمقاربة التحليلية ترتكز إذن، على برمجيات منطقية أو رياضية للقيام بمقارنات تفاضلية تنطلق من فرضية وجود علاقة سببية مباشرة بين الفعل ونتائجه. وهناك استراتيجيات تحليلية عديدة لمقارنة القرارات أو الاختيارات أو البدائل الممكنة، فمثلا المقاربة التحديدية متعددة الأبعاد (AMC) Analyse Multicritère، تهدف إلى مقارنة بدائل أو حلول أو مشاريع عديدة حسب معايير مختلفة من حيث وحدة قياسها. ويستند بعضها على تحليل الفائدة المتوقعة (من 20 إلى 50 سنة)، بالنظر إلى ما تتطلبه من كلفة Analyse Couts/Avantages. ومنها ما يميز الاختيارات بالتركيز على عنصر واحد وباعتماد الإقصاء التتابعي بالارتكاز على استراتيجيات تعويضية Stratégies Compensatoires؛ حيث يتم تنسيب المعلومات حسب فئاتها، كما يمكن أن تعوض القيم الهامة (السمات الإيجابية) غياب أنواع أخرى من المعلومات (السمات السلبية) (Stefan K. Reed, 1999). وتتميز المقاربة التحليلية بكونها توظف جملة من الطرائق والأساليب لبلوغ القرار الأمثل إزاء وضعية إشكالية ما كما أن نجاعتها تتجلى أكثر خلال مرحلة التخطيط، وحينما نتوفر على معطيات ناجعة ووافية وحينما تكون الإكرهات الزمنية لمعالجتها أخف وأقل.
13.الحكامة ومسألة تأهيل الأطر الإدارية:
إن مسألة التكوين المستمر للأطر الإدارية التربوية داخل منظومة التربية والتكوين، مسألة هامة وذات بعد استراتيجي؛ حيث إن البحث عن إطار جديد لتشخيص وتحليل التدابير الخاصة بالموارد البشرية، يمكن أن يغير بشكل عميق منهجية اشتغال المنظومة، وقد كان اختيار فريق الخبراء الكنديين، ضمن برنامج PROCADEM، حكيما، حينما راهنوا مند البداية على تحسين القدرات التدبيرية لدى المسؤولين في تدبير الشأن التربوي، كمنطلق للإصلاح الإداري وتطوير المنظومة. حيث تم تكوين 32157 إطار (شكلت الدار البيضاء لوحدها % 21.3 من نسبة النساء المؤطرات) في المجالات الثلاثة للبرنامج: التدبير التشاركي GP والتدبير المرتكز على النتائج GAR والتواصل الاستراتيجي CS.
لقد عمل هذا الفريق أيضا، على إعداد دليل مرجعي للمهن وللكفايات Référenciel des emplois et des compétences (REC)، يمكن أن يصير الأداة المرجعية الأساسية في تدبير الموارد البشرية، سواء العاملة بالإدارات المركزية أو الجهوية أو الإقليمية ؛ حيث هم مختلف المناصب التي تتضمنها هيكلة وزارة التربية الوطنية بمنهجية مميزة في التبويب. إلا أن الملاحظ، هو أن هذا الدليل أنجز بشكل سريع جدا وتنقصه الدقة في شروط الترشيح للمناصب ومؤهلاتها العلمية والمهنية، وأغفل الشواهد التي تمنحها وزارة التربية الوطنية داخل المراكز التابعة لها: مركز التوجيه والتخطيط التربوي (دبلوم مفتش أو مستشار)، مركز تكوين المفتشين التربويين …؛ وبالتالي، فإننا نعتقد أنه ينبغي ملاءمة هذا الدليل حتى يصبح مطابقا للواقع المغربي وغير مستنسخ حرفيا مما هو معمول به في دولة مثل كندا. ونظرا لجوانب قصور أخرى، تتعلق على الخصوص بمحدودية نظام الإحصاء الحالي لموظفي وزارة التربية الوطنية، فإن مساعي بلورة نظام متطور كالتدبير التوقعي للموارد البشرية GPEC، يتطلب مراجعات منهجية وتقنية على مستويات عديدة.
نظام التأخير
في دراسة قام بها فريق الخبراء الكنديين ([10]) بمشاركة أطر مغربية شملت 246، مستجوبا يشغلون مواقع المسؤولية إما بالمصالح المركزية أو بالأكاديميات أو بالنيابات، تبين أن % 67 من هؤلاء المسؤولين، لم يتلقوا تكوينا خاصا سواء في مجال تدبير الموارد المادية والمالية أو في أي مجال من المجالات الإدارية والاقتصادية أو القانونية؛ وحول مجموعة من الكفايات (تخطيط الميزانية، إعداد الميزانية، توزيع الموارد، البحث عن مصادر تمويلية، تدبير الممتلكات، إرساء المحاسبة، تنفيذ الميزانية، تتبع صرف الميزانية، المحاسبة المالية) ذكر تقرير PROCADEM أن قلة من المسؤولين فقط الا تتجاوز نسبتهم % 20) يتوفرون على الكفايات المطلوبة في مجال عملهم، وأن ما بين % 40 إلى % 70 من رؤساء أقسام الأكاديميات، ليس لديهم معارف كافية في هذه المجالات المذكورة ؛ وهم بالتالي في حاجة كبيرة إلى دورات تكوينية لإعادة تأهيلهم. وعلى كل حال، فإنه بجانب مخطط تكويني موحد لتطوير كفايات هذه الفئة الهامة بالنظر إلى أهمية المناصب التي تشغلها ودورها الاستراتيجي، يؤكد التقرير، أنه يجدر بكل مسؤول أن يتوفر على مخطط تكويني لاستكمال معارفه وخبراته، خاصة في مجال تخطيط الميزانية وتنفيذها والمحاسبة المالية . كما يوصي التقرير بضرورة وضع مخطط تكويني ملائم لهذه الفئة من المسؤولين، وتنظيم دورات تكوينية ولقاءات تنسيقية في هذا الشأن.
14. الحكامة الجيدة ومساعي إقرار اللامركزية في تدبير منظومة التربية والتكوين:
لقد نص الميثاق الوطني للتربية والتكوين على جملة من التدابير الرامية إلى إقرار اللامركزية، من بينها:
– التقليص من الاختصاصات التسييرية والتدبيرية للإدارة المركزية داخل المنظومة؛
– إعادة هيكلة نظام الأكاديميات وتوسيعها لتصبح سلطة جهوية للتربية والتكوين تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال الإداري والمالي؛
– تعزيز المصالح الإقليمية المكلفة بالتربية والتكوين، من حيث الاختصاصات وجعلها تندرج في إطار الهيكلة الجهوية؛
– إحداث هيئات متخصصة في التخطيط والتدبير والمراقبة في مجال التربية والتكوين على المستوى الجهوي والإقليمي والمحلي.
وقد تم بالفعل، تجسيد جملة من هذه التدابير الواردة في الميثاق والرامية إلى إقرار اللامركزية والحكامة الجيدة، نذكر منها([11]):
– مراجعة اختصاصات المصالح المركزية لقطاع التربية والتكوين وحصرها في الوظائف الاستراتيجية كالتأطير والتنظيم والتقييم،
– إحداث جهاز المفتشية العامة للتربية والتكوين؛
– إحداث الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين وتحديد اختصاصاتها ومهامها ؛ ومنحها صفة مؤسسات عمومية متمتعة بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي خاضعة لوصاية الدولة؛
– إعادة هيكلة المصالح الإقليمية للأكاديميات ومراجعة اختصاصاتها؛
– مراجعة النظام الأساسي الخاص بمؤسسات التربية والتعليم العمومية؛
– مراجعة منهجية إعداد مشروع الميزانية؛
– إقرار نظام أساسي جديد لموظفي قطاع التربية الوطنية،
– اعتماد نظام جديد للتعويضات لفائدة مختلف فئات موظفي الوزارة،
– إشراف الأكاديميات على عملية تعيين خريجي مراكز التكوين حسب الحاجيات على مستوى النيابات والجماعات المتواجدة داخل نفوذها الترابي؛
– وضع مقاربة جديدة للتباري على مناصب المسؤولية؛ تتوخى الشفافية وتحقيق مبدأ تكافؤ الفرص بين الأطر،
– تفعيل دور اللجان الثنائية المتساوية الأعضاء، وتعزيز الحوار مع النقابات والجمعيات كشركاء أساسيين في دعم أوراش الإصلاح المفتوحة؛
– إحداث موقع خاص بتدبير الموارد البشرية على شبكة الأنترنيت؛
– تخصيص اعتمادات سنوية لتمويل مشاريع المؤسات.
إلا أن التقييم الأولي لحصيلة هذه الإنجازات، أبرز جملة من مظاهر الاختلال، نذكر منها ([12]):
– عدم الملاءمة بين البنيات الإدارية الحالية للمنظومة واختصاصاتها الجديدة ([13])؛
– عدم الانخراط الفعلي لمختلف فعاليات المجالس الإدارية للأكاديميات وضعف أداء لجانها التقنية؛
– طغيان ثقافة التنميط والتنفيذ على ثقافة التجديد والابتكار والمبادرة؛
– محدودية مبادرات الشراكة وعدم تغطيتها لكل المجالات، وخاصة من لدن الجماعات المحلية؛
– ضعف التدابير المحفزة للبحث العلمي؛
– عدم مسايرة الموارد المخصصة لدينامية إصلاح المنظومة؛
– ضعف تأهيل وتنظيم المصالح الإدارية المكلفة بالتدبير المالي والمادي،
– ضعف التوثيق في مصالح ومكاتب التدبير المالي والمادي؛
– محدودية نظام الإحصاء ورصد المعلومات؛
– غياب التنسيق بين مصالح الأكاديميات والنيابات في شأن تحديد الحاجيات وتنفيذ الميزانية؛
– غياب التتبع المرحلي لتنفيذ الاعتمادات المفوضة للنيابات الإقليمية؛
– تباطؤ ملحوظ في تنفيذ الميزانية (ضعف نسب الالتزام بالنفقات ونسب الأداء، تضخم المبالغ المسجلة في خانة الباقي أداؤه، ارتفاع حجم الاعتمادات غير الملتزم بنفقتها).
14. التقويم والحكامة:
تندرج عمليات تقويم الحكامة الجيدة في إطار سيرورة تحديث الإدارة العمومية، ويتوقف نجاحها على التمييز بين ثلاث وظائف مستوحاة من الطرق الحديثة في التقويم والمراقبة ([14]):
– وظيفة استراتيجية تهم عمليات التخطيط واتخاذ القرار (رؤية مستقبلية، تحديد أهداف)؛
– وظيفة تدبيرية تهتم بواقع أو حال اشتغال البنيات التنظيمية سواء الإدارية أو الخدماتية؛
– وظيفة تعديلية (تشخيص، مراقبة، محاسبة من أجل تصحيح الممارسات وتصويب العمل لبلوغ النتائج المنتظرة).
ترتكز الحكامة على تدبير يتجه نحو النتائج، من خلال تحديد الأهداف والنتائج المتوقعة وعقلنة الاختيارات الميزانياتية. وتكمن أهميتها في كونها تخبر المسؤولين والرأي العام بما تم إنفاقه وما تم إسداؤه من خدمات؛ ولكن يطرح التساؤل إلى أي حد يمكن أن تخبرنا عن تأثير هذا على المجتمع وما هي الشروط العلمية والتنظيمية والعملية الضامنة لتحقيق وظائف التقويم المذكورة سالفا؟
إن التقويم بعد أساسي من أبعاد الحكامة الجيدة، شريطة أن يكون مدمجا في سيرورة اتخاذ القرار وسابقا لسيرورة الإنتاج. حيث يتحتم القيام بتقويم قبلي لوضعيات انطلاق المشاريع من قبل خبراء ومهنيين متخصصين، ثم تقويم بعدي يبرز ما تم تحقيقه من أهداف تطويرية. وبين وضعية الانطلاق والوضعية المنشودة هناك بالتأكيد مؤشرات للتتبع والقياس وآجال لتنفيذ الأعمال وإمكانيات لتصويب وتعديل الخطط. وتعتبر بالطبع مشاركة الفاعلين والشركاء في تحديد الأهداف ودعم سيرورة اتخاذ القرار أساسية، تجسيدا لمبادئ الدمقرطة. والتقويم لا ينبغي أن يقتصر على مخرجات المشاريع ونتائجها التطويرية التي تظل مرتبطة بالفئات المعنية مباشرة وبالمستويات التقنية والإدارية على المدى القريب أو المتوسط؛ بل ينبغي الاهتمام بالنتائج التأثيرية على المدى البعيد والتي تمتد إشعاعا إلى عامة المجتمع. والتقويم هنا أيضا، بقيادة أطر متخصصة وذات كفاءة عالية، ينبغي أن يستند إلى معايير علمية ومهنية وتربوية واجتماعية وسياسية وأخلاقية ضمن نماذج معيارية أو أطر إرشادية موجهة بمنظور عقلاني (انظر الشكل أعلاه)، في إطار ما يسمى بالتحليل المتعدد المعايير (AMC) L’ANALYSE MULTICRITERE الذي تهم نتائجه كل الفاعلين والمتدخلين في إطار الحكامة الجيدة. ولعل هذا يفيد من جهة في عدم اختزال فعالية المشاريع بناء على معايير اقتصادية صرفه؛ ومن جهة أخرى، يوضح لكل من يتهم النظام التعليمي بالعقم، أهمية المجهودات التي تبذل وجدوى المشاريع والأوراش المفتوحة وما ينفق فيها من مبالغ مالية. ومن بين المعايير التي ينبغي أن تحظى بأولوية في التقييم ما يلي:
- معايير الانسجام (critères de cohérence): تقييم المطابقة بين الأهداف والوسائل المستعملة لبلوغها، مدى انسجام الوسائل فيما بينها، مدى ارتباط المناهج فيما بينها، نجاعة صنافات الأهداف المعلنة أو المضمرة التي تتسق حولها مجمل الأهداف.
- معايير المطابقة (critères de conformité): تتجلى في مراقبة وتتبع التدابير والإجراءات التشريعية المنظمة للقطاع.
- معايير التلاحم (critères de cohésion): تحاول هذه المعايير رصد مختلف أوجه التضامن والتآزر الأخلاقي والمهني الدينامي، والاعتراف المتبادل بين أهم الفاعلين ومنهم المستفيدون من الخدمات المقدمة.
خلاصة:
تعتمد منهجية المشروع تعتمد سيرورة عقلانية وعملية حديثة، قوامها التعاقد والمبادرة والاجتهاد من أجل التطوير المستمر، سيرورة تفرض شروطا ضامنة للحقوق والواجبات ومفعلة لمبدأي المساءلة والشفافية ولمقتضيات الحكامة الجيدة في تدبير الشأن التربوي والممارسة البيداغوجية. غير أن هذا يتطلب اهتماما أكبر بتطوير أساليب وطرق تدبير الموارد البشرية والمادية والمالية، وتأهيل العنصر البشري للتعامل بشكل جيد مع المستجدات التنظيمية والتقنية، ومسايرة التطورات باعتماد استراتيجية استباقية تستشرف اتجاه التحولات العالمية بمعرفة متقدمة ..؛ كما يقتضي التفعيل الميداني للمشاريع، تحقيق جملة من الشروط: مراجعة الهيكلة الحالية للمصالح المركزية والجهوية والإقليمية لتأهيلها للنهوض بمهامها الجديدة؛ مراجعة وتحيين النصوص القانونية والأنظمة التشريعية وجعلها مواكبة لدينامية الإصلاح؛ إحداث الوكالة الوطنية للتقويم والتوجيه ؛ اعتماد تقنيات وأساليب التدبير الحديثة في مجال تدبير الموارد البشرية (إرساء نظام معلومات مندمج للتدبير، تحيين الدليل المرجعي للوظائف والكفاءات، اعتماد التدبير التوقعي للموارد البشرية)، تبسيط وإيضاح المساطر القانونية وتصحيح جوانب القصور المرتبطة بها ؛ إيضاح أدوار مختلف الفاعلين ؛ تشجيع الممارسات الإبداعية ونشرها وتنسيق المجهودات الناجحة وتقاسم التجارب التطويرية ؛ إصلاح نظام مراقبة الالتزام بالنفقات وتبسيط المساطر وتسريع وتيرة تنفيذ الميزانية وتعزيز التحكم في تدبير الميزانية ؛ وأخيرا العمل على مواكبة التغيير باستراتيجية تواصلية ملائمة لمختلف الفاعلين الأساسيين واختيار السبل الصحيحة والمناسبة لتحقيق الأهداف التنموية.
المراجع
– المملكة المغربية، اللجنة الخاصة بالتربية والتكوين، الميثاق الوطني للتربية والتكوين، 2001.
– المملكة المغربية، وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي، البرنامج الاستعجالي 2009 -2012.
– المملكة المغربية، وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي، تقرير المفتشية العامة، يوليو 2010.
– بوعشيق احمد، الحكامة المحلية على ضوء الميثاق الجماعي الجديد، في المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، ع 65 – 2005، ص 2001.
– مصطفى محسن، مدرسة المستقبل، رهان للإصلاح التربوي في عالم متغير، منشورات الزمن، الدار البيضاء، 2009.
– جون كيشارد وميشال هيتو، التوجيه التربوي بين النظريات والتطبيق، ترجمة خالد امجيدي، عالم الكتب الحديث، عمان، الطبعة الأولى 2009.
– المملكة المغربية، وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي، المنتدى الوطني للإصلاح – نهج الحكامة وإقرا اللامركزية واللاتمركز، يوليوز 2005.
– Brayant D. .1., et al., Synthétiser deux modes d’approche de la prise de décision pour le commandement et le contrôle, In Revue militaire canadienne, Printemps 2003, p. 29- 34.
– EMF – Réussir act / février 2007 / Orga Consultants, site: http://www.bakchich.info/IMG/pdf/reussir ACT T2 vl2.pdf consulté le 03/08/2010.
– Gustin André. Mangement des établissements scolaires, De l’évaluation institutionnelle à la gestion stratégique. Édition De Boeck Université. Bruxelles 2001.
– Jens Kromann Kristensen, Walter S. Groszyk et Bemd Biihler, L’élaboration et la gestion des budgets centrées sur les résultats, in Revue de l’OCDE sur la gestion budgétaire ; volume 1 n° 4. OCDE. Paris, 2002.
– JODELET D. (1984) – Représentation sociale : phénomènes, concept et théorie, in MOSCOVICI S. (DIR.) (1984) – Psychologie sociale, Paris, PUF, 357 – 378.
– Klein G. Leedom D. K., Adelman 1, et Murphy. I., Critical Indicators in Naturalistic Décision Alaking Fourth Conférence on Naturalistic Décision Making, Warrenton, VA. 1997.
– Lipshitz R., Klein G., Orasanu .1., & Salas E., hiking Stock 0. (Naturalistic Décision Making, Journal of Behavioral Décision Making. 14,2001. p. 331-352.
– Mohammed Harakat, l’apport de l’évaluation à la bonne gouvmance des services publics, in Revue Diwan Al madhalim, N° 4-5 / 2006. Rabat.
– Mostapha Fikri, la bonne gouvernance administrative au Maroc : Mission impossible, Espace art et culture, Mohammedia, 2005.
– OCDE, Gouvernance, Revue de l’OCDE sur la gestion budgétaire, Volume 1 – N°
1, Paris 2001, Site :http://www .oecd.org/dataoecd/13/16/33657514.pdf consulté le 03/05/2009.
– OCDE, Revue de l’OCDE sur la gestion budgétaire, Volume 2 – N° 4, Paris 2003, Site :http://www.oecd.Org/dataoecd/12/6/33657930.pdf consulté le 03/05/2009.
– OCDE, lettre d’information, GRH, avril 2004. Site :http://www.oecd.org/dataoecd/56/33/31612511.pdf, consulté le 03/08/2010.
– PROCADEM, Rapport sur l’identification des besoins de formation en getion matérielle et financière, décembre 2009.
– REED S. K., Cognition Theories et Applications, de Bocek Université, 1999, p. 507.
– Ali Sedjari, La mise à niveau de l’administration face à la mondialisation, L’Harmattan, Paris, 1999.
– Tony Bovaird et Elke Loffler, Evaluation de la qualité de la gouvemanceÂ: indicateurs, modèles et méthodologie, in Revue Internationale des sciences administrative, vol 69 N°3 – 2003. Bruxelles.
[1] OCDE, lettre d’information, Avril 2004. Site: http://www.oecd.org/dataoecd/ 56/33/31612511.pdf, consulte le 03/08/2010.
[2] Gustin André. Mangement des établissements scolaires, De l évaluation institutionnelle a la gestion strategique.
Edition De Boeck Université. Bruxelles 2001.
[3] المملكة المغربية، وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكرين الأطر والبحث العلمي، فلاش إخباري، العدد 103، الجمعة 30 أبريل 2010.
[4] Thierry Constatin et als, Dejouer les pieges de la gestion de projet, Edition d’organisation, Paris. 2000.
[5] Jens Kromann Kristensen, Walter S. Groszyk et Bernd Bühler, L’élaboration et la gestion des budgets centrées sur les résultats, in Revue de l’OCDE sur la gestion budgétaire ; volume 1 n° 4.0 CDE. Paris, 2002.
[6] شرع في توظيف هذا النظام في المغرب منذ يناير 2009 بوزارة الصحة والزراعة والمندوبية السامية للمياه والغابات ثم في موجة ثانية خلال شهر مارس 2009، شمل التطبيق وزارة النمو الاجتماعي ووزارة الشباب والرياضة والمندوبية السامية لتخطيط.
[7] جون كيشارد وميشال هيتو، التوجيه التربوي بين النظريات والتطبيق، ترجمة خالد امجيدي، عالم الكتب الحديث، عمان، 2009.
[8] المرجع السابق.
[9] EMF – Réussir act / février 2007 / Orga Consultants, site : http: / /www.bakchich.info / IMG/pdf/réussir ACT 12 vl2.pdf consulté le 03/09/2010.
[10] PROCADEM, Rapport sur l’identification des besoins de formation en gestion matérielle et financière, décembre 2009.
[11] وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي، المنتدى الوطني للإصلاح – نهج الحكامة وإقرار اللامركزية واللاتمركز، يوليوز 2005.
[12] تقرير المفتشية العامة للتربية والتكوين، يوليو 2010.
[13] جاء في تقرير للمفتشية العامة للتربية والتكوين المنجز خلال الفترة الممتدة من فبراير 2009 إلى متم شهر يونيو 2010 أن الهيكلة التنظيمية لجل الأكاديميات والنيابات أصبحت متجاوزة ولا تسمح بأداء المهام المنوطة بها على الوجه الأكمل ولا تنسجم مع الوظائف الإدارية والخدماتية التي تنص عليها النصوص التنظيمية. على سبيل المئال لا يزال التوجيه التربوي لا يتمتع ببنيات إدارية داخل الأكاديميات والنيابات تسمح له بالارتقاء بما يناط به من مهام استراتيجية لتطوير المنظومة.
[14] Mohamed Harakat, l’apport de l’évaluation à la bonne gouvernance des services publics, Diwan Al Madhalim, N° 4-5 / 2006.


