بالنظر في النزاعات الناشئة عن تطبيق ظهير 2 مارس 1973

الأستاذ / محمد القدوري

محام بهيئة المحامين بالرباط

من المعلوم أنه بموجب الفصل الأول من ظهير 2 مارس 73 استرجعت الدولة الملك الخاص، العقارات الفلاحية أو القابلة للفلاحة التي كانت وقت صدور الظهير المذكور، خارج نطاق المجالات الحضرية للمدن المغربية، وعلى ملك أشخاص ذاتيين أجانب، أو على ملك شركات لم يثبت أنها كانت عند صدور الظهير المذكور تتوفر على مقر بالمغرب وأن جميع رأسمالها أصبح مملوكا بدء من 07 مارس 1973 لأشخاص ذاتيين مغاربة أو شركات يملكها مغاربة ورأسمالها مغربي، وفق ما نص عليه الفصل 4 من الظهير المشار إليه.

وقد جاء في الفصل الثاني من الظهير المذكور أنه. “تعين بقرارات وزارية مشتركة لوزير الداخلية ووزير الفلاحة والإصلاح الزراعي ووزير المالية، العقارات المنقولة ملكيتها إلى الدولة، كما يحدد فيها التاريخ الذي تتم ابتداء منه حيازة العقارات المذكورة “، وأن الحيازة المذكورة تتم بواسطة لجن تتألف من عامل الإقليم أن من ينوب عنه بصفة رئيس، وممثل لمصلحة أملاك الدولة، وممثل لوزير الفلاحة.

وفي نطاق تطبيق الظهير المذكور تبين أن عددا من العقارات التي ينطبق عليها ألفيت وقت إحصائها واسترجاع حيازتها، بين يد أشخاص مغاربة، تشبثوا بأنه اشتروها من ملاكها الأجانب قبل صدور الظهير المذكور وأدوا لهم ثمن ذلك وحازوها منهم، مما ترتب عنه نشوء عدد من النزاعات، بشأن انطباق أو عدم انطباق الظهير المذكور على تلك الأراضي التي وجدت بيد أشخاص مغاربة.

ولحسم المنازعات التي تحدث بسبب مثل الادعاءات المذكور أنشئت لجنة ثلاثية بمقر المحافظة العامة للأملاك العقارية، أسندت إليها مهمة دراسة المنازعات الناشئة عن تطبيق الظهير المذكور، وفحص ادعاءات الأشخاص المغاربة (الطبيعيين أو المعنويين) الذين وجدوا حائزين لبعض العقارات المعنية بالاسترجاع.

وتتلخص الإجراءات التي سلكت مع الحائزين المذكورين أن اللجنة المعنية بالاسترجاع تتسلم منهم وثائقهم التي بموجبها يدعون ملكية العقار موضوع الاسترجاع، التي غالبا ما تكون عبارة عن عقد شراء، أو هبة…، مبرم مع المالك الأجنبي، وتسلم لهم وثيقة في شكل سند يبرر استمرارهم في حيازة العقار المعني، إلى أن تبت اللجنة الثلاثية المذكورة في وضعيتهم، وبعد أن تقوم اللجنة بدراسة الوثائق التي يتوفرون عليها، تتخذ أحد موقفين:

إما أن توافق على موقف المعني بالأمر، وهنا يكون عليه، من أجل استرجاع ملكية عقاره، أن يبرم مع مصلحة الأملاك المخزنية عقد شراء، بثمن رمزي غالبا، أو بثمن معتدل يختلف من حالة لأخرى في بعض الحالات، يتم تحديده من قبل لجنة أخرى، وبعد إبرام عقد التفويت المذكور وتقييده بالمحافظة العقارية يصير المستفيد من العقار المعني بالنازلة مالكا للعقار المذكور، وتنتهي المسألة، ويحسم النزاع، علما بأنه حدث في عدة حالات أن أبدت اللجنة المعنية رأيا إيجابيا لصالح بعض الأشخاص، ثم بدا لها أن تعدل عن موقفها، وتتخذ قرارا سلبيا بالرفض؛ ولم أعلم بحالة معاكسة، أبدت فيها اللجنة رأيا سلبيا ثم عدلت عنه وأبدت رأيا إيجابيا لصالح المعني بالأمر،

  • وإما أن ترى اللجنة أن الوثائق التي يحتج بها المعني بالأمر لا تكفي في نظرها، لاعتباره مالكا للعقار موضوع الاسترجاع، وأن التفويت الذي يدعيه لم يثبت في نظرها، فتقرر رفض طلبه.

وفي الحالتين الأخيرتين يكون على المعني بالأمر -إن لم يرضه قرار اللجنة الثلاثية المعنية -أن يلتجئ إلى القضاء للاعتراف له بحقه في ملكية العقار المعني.

وفي حالة ما إذا وقع اختيار المعني بالأمر على عدم الاستسلام لقرار اللجنة، وقرر اللجوء إلى القضاء، يقع التساؤل عن المسطرة التي على المعني بالأمر أن يسلهما، وما هو القرار الذي يتعين عليه أن يوجه ضده طعنه، أهو قرار اللجنة الثلاثية، أو هو القرار الوزاري المشترك؟

أولا: موقف القضاء من طبيعة قرارات اللجنة الثلاثية:

علما بأن اللجنة الثلاثية المعنية لا تعقد دورات منتظمة، ولا تبدي رأيها في النزاعات التي تعرض عليها إلا بعد مدد طويلة، قد تصل إلى سنوات، مما يكون م عه أجل الطعن في القرار الوزاري المشترك، إن قلنا بأنه يبدأ من يوم العلم به أو من استرجاع العقار من المعني بالأمر قد انقضى.

إن الجواب على السؤال مر، من الوجهة القضائية، خلال ثلاث مراحل:

ففي مرحلة أولى: كان القضاء (ممثلا في الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى) يقبل الطعن في مقررات اللجنة الثلاثية، وقد أفضت قرارات قضائية إيجابية في هذا المجال إلى استرداد عدد من العقارات، تنفيذا لأحكام قضائية من هذا القبيل،

وفي مرحلة ثانية، وبعد إنشاء المحاكم الإدارية: تغير موقف الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى، واتجه إلى القول بأن مقررات اللجنة الثلاثية ليست إلى مجرد آراء استشارية لا تتصف بصفة القرار الإداري ولا تستجمع مقوماته، ولا تكون قابلة للطعن بالإلغاء، وأخذت تقضي بعدم قبول طلبات الإلغاء التي توجه ضد مقررات اللجنة الثلاثية، بناء على أن تلك القرارات لا تستجمع مقومات القرار الإداري،

وفي مرحلة ثالثة: رجع القضاء إلى موقفه الأول معتبرا مقررات اللجنة الثلاثية قرارات إدارية قابلة للطعن عن طريق دعوى الإلغاء.

ويلاحظ أن محكمة الاستئناف الإدارية، بعد إحداثها، جنحت إلى تبني الموقف الثاني القاضي بأن مقررات اللجنة الثلاثية ليست مقررات إدارية قابلة للطعن عن طريق دعوى الإلغاء، وإنما هي مجرد آراء استشارية، وذلك رغم ما عرفه القضاء من تحول قبيل إحداثها.

وقد أدى هذا الاضطراب القضائي إلى تدخل المشرع، لمحاولة حل المشكل الناجم عن انصرام أجل الطعن في المقررات الوزارة المشتركة، فأصدر القانون رقم 05.42 المأمور بتنفيذه بالظهير الشريف رقم 1.06.14 الصادر في 15 محرم 1427 (06/02/14) الذي حدد فيه أجل الطعن في القرارات الوزارية المشتركة في 60 يوما من تاريخ نشرها، وفتح أجلا جديدا للطعن في القرارات الوزارية المشتركة التي نشرت قبل ذلك، مدته 60 يوما من تاريخ نشر القانون المذكور (الذي هو فاتح
صفر 1427 الموافق ل (06/03/02 ؛ غير أن هذا التدخل من المشرع، الذي يبدو أنه لم يكن في موضعه، لم يعالج المشاكل المتفاقمة الناجمة عن تطبيق ظهير 2 مارس 1973 وظل المتضررون من الظهير المذكور يعانون من هذه المشكلة، التي هي في الواقع والمآل، مشكلة مؤقتة، باعتبار أن عدد العقارات التي تم استرجاعها وتبين أنها معتمرة من قبل أشخاص مغاربة تمسكوا بأنه اشتروها من ملاكها الأجانب، وأن ملكيتها انتقلت إليهم بسبب ما، أو أنها مالك لهم في الأصل، هي مشاكل معدودة، وهي آيلة إلى الانقراض، ولكن ذلك لا ينزع على عاتق المهتمين من الباحثين، ولا على عاتق المحاكم المعنية، أن تتفرغ الجهد الجدي لإعطاء حلول منصفة لجميع الأطراف، منسجمة مع مبادئ القانون الإداري، ومع ما يقتضيه تطور النوازل التي تطرأ بشأنه من اجتهاد وإبداع.

ثانيا: تأملات في طبيعة القرارات التي تصدرها اللجنة الثلاثية المكلفة بالنظر في النزاعات الناشئة عن تطبيق ظهير 2 مارس 1973:

يبدو أن أول ملاحظة ينبغي التنبه لها، هي أن “موقف اللجنة ” السلبي الذي يأتي بعد موقف لها إيجابي، هو قرار يختلف عن القرار السلبي الذي يصدر عنها بداية، وأن طبيعة القرارين ليست واحدة:

  1. ذلك أن الأمر، في حالة صدور قرار سلبي بعد سبق صدور قرار إيجابي بشأن ذات الواقعة، لا يشكل أصلا مجرد قرار أو رأي للجنة المعنية، حتى نكون بحاجة إلى التساؤل عن الوصف الذي ينبغي أن يعطى له، أهو قرار إداري أو ليس بقرار وإنما هو مجرد رأي، لكون الأمر في هذه الصورة، يتعلق بسحب قرار إيجابي سابق، أبدته اللجنة الثلاثية لصالح المعني بالأمر، وبلغته وشخصته في حقه، أو حق ورثته، أو خلفه الخاص، وقد سبقت الإشارة إلى أن القرارات الإيجابية للجنة الثلاثية تكفي سندا لاسترجاع العقارات التي تعنيها.

ومن هنا يتضح أن الطعن ينصب في هذه الصورة على قرار السحب، وليس على قرار رفض عدم تطبيق تدبير الاسترجاع، مما يجعل القول -هنا -بأن الطعن انصب على مجرد رأي، ينطوي على سوء تصور لواقعة، وشكل -حسب التعبير القضائي -فساد التعليل يتنزل منزلة انعدامه.

  1. أما بالنسبة للقرار السلبي الذي تبديه اللجنة لأول وهلة، فإن الأثر العملي والواقعي والقانوني المترتب عنه لا يدع مجالا للشك في أنه، بدوره، قرار إداري مستجمع لجميع مقومات القرار الإداري القابل للطعن، سواء من ناحية المعيار الشكلي، الناجم عن اتصاف الجهة المصدرة له بالصفة الإدارية، أو من ناحية المعيار الموضوعي، الناجم عن طبيعة النزاع الذي يحسمه ذلك القرار.

ومن مؤيدات هذا الموقف أنه لو كانت قرارات اللجنة الثلاثية مجرد آراء استشارية، لما كانت بحاجة لأن تتراجع عن بعضها مما أصدرته لصالح بعض المعنيين بالأمر وتسحبها، وتصدر بعد السحب قرارات سلبية، لأن ذلك سيكون منها من قبيل العبث الذي تنزه عنه أفعال وأقوال العقلاء.

ومن أدلة ذلك أيضا أنه لو كانت قرارات اللجنة المذكور، عموما، مجرد آراء استشارية لما ترتب عن الإيجابي منها التزام إدارة الأملاك المخزنية برد العقار المعني بها لأصحابه، كما تم في عديد من القضايا.

ومن أدلة ذلك أيضا أنه لا يعقل ولا يتصور أن يفضي القرار الإيجابي للجنة إلى رد العقار لأصحابه وتقرير “مديونة” الدولة المغربية بقيمة ذلك العقار، بينما لا يعطي قرار اللجنة السلبي مجرد حق من صدر ضده بالطعن فيه؛ فإن هذه مقابلة باطة ومجحفة، إذ لا يستسيغ عاقل أن يترتب عن قرار إيجابي امتلاك من صدر لصالحه عقارا، على حساب الدولة، قد تضاهي قيمته مآت الملايين من الدراهم، ولا يكون لمن صدر في حقه قرار سلبي مجرد حق الطعن فيه، ومن هنا يقع التساؤل حول السبب الداعي إلى التمييز بين صفة القرار السلبي، وبين صفة القرار الإيجابي وما المبرر لهذا التمييز، الذي يجفاه المنطق السليم.

ومن هنا، يمكن القول بكل اطمئنان: إن قرارات اللجنة الثلاثية: قرارات إدارية صادرة عن جهة إدارية، ومؤثر في الوضعية القانونية للطاعن وتستجمع كل مقومات القرار الإداري، القابل للطعن بالإلغاء، سواء بالمعيار الوظيفي أو بالمعيار الشكلي.

هذا من الوجهة النظرية، والواقعية، بحسب آثار قرارات اللجنة الثلاثية.

وهنالك تحليل آخر، يفضي إلى ذات النتيجة، ويجعل الطعن مقررات اللجنة الثلاثية قرارات إدارية، والطعن فيها هو في ذات الوقت، وبصفة أوتوماتيكية، طعنا في القرارات الوزارية المشتركة، التي تكمن وراءها.

ذلك أن المسطرة المتبعة في نطاق تطبيق ظهير 2 مارس 73، أوجبت إزاء المقررات الوزارية المشتركة، سلوك مسطرة المرور عبر اللجنة الثلاثية، وهو ما يعني أن مسطرة التظلم، إلزامية بالنسبة لهذه القرارات، وتشترط. فيها شكليات من حيث الجهة المختصة بتلقيها، فصارت شبيهة بالتظلمات في القرارات التي تصدر عن رؤساء الجماعات المحلية، والتظلمات التي تصدر في الميدان الضريبي، وشبه ذلك من الحالات التي يوجب فيها نص خاص وجوب توجيه تظلم قبل اللجوء إلى القضاء، استثناء من اختيارية التظلم، كمبدأ عام.

وانطلاقا من هذا، فإن الطعن الذي ينصب على قرار اللجنة الثلاثية، يتناول في الحقيقة، وبشكل مباشر، القرار الوزاري المشترك الكامن وراءه باعتبار الالتجاء إلى اللجنة إنما كان تظلما من القرار الوزاري المشترك، إلا أنه تظلم قدم وفق المسطرة المتبعة في شأنه حالة أن اللجنة المذكورة لا تعقد جلسات مستمرة وإنما تنعقد خلال فترات متباعدة، مما يجعل الرأي السلبي للجنة المذكورة رفضا لذلك التظلم، ويكون الطعن في هذا الرفض هو في ذات الوقت طعنا في القرار الوزاري المشترك المتظلم منه، المندمج بمقرر اللجنة الثلاثية اندماجا لا يقبل التجزئة، والا فكيف يتصور أن يقوم شخص، خلال ستة 1975 أو سنة 1997، أو سنة 2004، بالطعن في قرار وزاري مشترك صدر منذ سنين؟ بعد أن كان المعني بالأمر قد طمئن (بالبناء للمجهول) على حقه بعد أن سلمت له وثيقة تبرر استمراره في القرار المذكور إلى أن تجيبه اللجنة.

ومن جهة أخرى فإنه بناء على ما هو معروف فقها وقضاء من أن دعوى الإلغاء هي دعوى عينية، توجه ضد القرار المطعون فيه، لا ضد أشخاصه، وأخذا بعين الاعتبار أن كل الجهات والأجهزة المعنية (وزارة الفلاحة، ووزارة الداخلية، ووزارة المالية ) تشارك عادة، في مناقشة الطعون التي ترفع ضد مقررات اللجنة الثلاثية، بل وتضاف لذلك جهات أخرى، منها الوكيل القضائي، والمحافظ على الأملاك العقارية، والمحافظ العام، والوزير الأول، والدولة المغربية…؛ فإن الطعون التي ترفع في شأن النزاعات التي تهم العقارات المسترجعة، وتعنون بأنها مرفوعة ضد مقرر اللجنة الثلاثية المشتركة، هي في الواقع طمون تمس جوهر القرار الوزاري المشترك المدعم لقرار اللجنة المعني (اسميا) بالطعن، مما يشكل في الحقيقة والواقع طعنا في القرار الوزاري المشترك.

وليس يخفى أن من خصائص القضاء الإداري توخي الإنصاف، وتحاشي الإغراق في الشكليات، ونهج منهج الإبداع، وإيجاد حلول لمستجدات الأمور من جهة؛ وأن واقع القضاء الإداري في مجال الطعن التي تدور حول ما ينجم عن تطبيق ظهير 2 مارس 73 تشارك في مناقشته غالبا-كما سبق -إلا في النادر القيل جدا: كل من رئيس اللجنة الثلاثية، ومدير الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية، ووزراء المالية، والفلاحة، والداخلية، والوزير الأول، والدولة المغربية؛ يؤطر كل أولئك الوكيل القضائي للمملكة؛ الأمر الذي يجعل الطعن والمناقشة أمام الجهة القضائية الإدارية (المحكمة الإدارية، أو محكمة الاستئناف الإدارية، أو الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى ) تنصب في الحقيقة على صلب مضمن القرار الوزاري المشترك، وليس على مجرد قرار اللجنة الثلاثية، الأمر الذي يمكن الاطمئنان معه إلى أن الطعن في القرارات الوزارية المشتركة هو طمن إداري يتم عبر مسطرة خصوصية تمر عبر اللجنة الثلاثية، وأن رأي اللجنة الإيجابي يشكل استجابة للتظلم من القرارات المذكورة، بينما يشكل رأيها السلبي رفضا للتظلم، ويكون الطعن في القرار السلبي الصادر عن اللجنة طعنا في ذات الوقت في القرار الوزاري المشترك، باعتباره مندمجا اندماجا لا يقبل التجزئة بموقف اللجنة المعنية، وأن هذه القاعدة تنطبق من باب أولى على قرارات اللجنة القاضية بسحب قرارات لها إيجابية سابقة.

ومن الواضح الذي لا شك فيه أنه ليس هناك ما ينقص أو يزيد أو ينقص في الأمر لو أن الطعن وجه مباشرة ضد القرار الوزاري المشترك، وأجابت عنه نفس الإدارات والجهات التي أجابت عن الطعن موضوع النازلة، باعتبارها هي المعنية؟ ألا يكون الطعن واحدا، وألا يكون الجواب واحدا؟ وألا يكون الهدف واحدا ؟، وهو بالنسبة للطاعن استرجاع عقاره، وبالنسبة للمطعون ضدهم معاكسته في ادعاءاته؟ وما هي الفائدة من التعقيد، في دعوى تعرف فقها وقضاء بأنها دعوى عينية، المقصود والجوهر فيها هو فحوى القرار لا أشخاصه، ألا يكون ما ذكر عبثا؟ … يجب أن تنزه عنه، وأن تتنزه عنه، أقوال وأفعال العقلاء.

هذا هو الموقف الذي يبدو منصفا وقانونيا ومنطقيا؛ وفي خاتمة هذه الدراسة الوجيزة، يكون من المناسب استعراض موجز بعض القرارات القضائية الصادرة في الموضوع.

ففي نازلة من صميم هذا الموضوع قالت الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى ([1])”… إن المقرر المطعون فيه الصادر في شكل رسالة جوابية من اللجنة المذكورة إلى الطاعنة المستأنف عليها، قد ناقش عقد البيع المدلى به من طرف المعني بالأمر، معتبرا أن العقد المذكور غير منتج ولا يمكن أن يقيد في السجل العقاري، لأنه أبرم بين أطراف جميعهم يحملون الجنسية الأجنبية وأن المقرر الصادر عن وزير العقد لفائدة الطاعنة المذكورة القاضي بحيازتها للجنسية المغربية عن طريق الزواج لا يستوفي شرطي وجوب طلب الحصول على الجنسية المغربية قبل 02 مارس 73… مستنتجة – أي اللجنة- من كل ذلك أن العقار المذكور يظل خاضعا لمقتضيات ظهير 02/03/73،… وأنه بتحليل كل هذه الاستنتاجات والتأكيدات الواردة في القرار المطعون فيه يتضح أن اللجنة المذكورة قد تعدت نطاق اختصاصها، وبتت في نقط قانونية تخرج عن دائرة دراسة النزاعات الناتجة عن تطبيق ظهير 73/03/02،… مما قدر معه المجلس الأعلى أن الحكم المستأنف واجب التأييد، بناء على هذه العلل والأسباب التي تحل محل العلل المنتقدة في الحكم الابتدائي “.

وفي نازلة تتعلق بادعاء شخص أنه اشترى العقار موضوع الاسترجاع، فعرض طلبه على اللجنة الثلاثية واتخذت فيه قرارا إيجابيا، لصالحه، ثم عدلت عن قرارها المذكور، وقررت رفض طلبه، فطعن المعني بالأمر في هذا القرار الأخير، وقضت المحكمة الإدارية بالرباط. بالاستجابة لطلبه، بحكمها 1218 الصادر يوم 07/01/22 في الملف 415/03 غ، واستأنفته الإدارة، فقضت محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط ([2]) بإلغائه والحكم تصديا بعدم قبول الطلب بعلة أن قرار اللجنة الوزارية المشتركة ليس قرارا إداريا، وإنما مجرد رأي استشاري.

وقد سبق للغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى أن قضت في نوازل عديدة بإلغاء قرارات صادرة عن اللجنة الثلاثية، وتم تنفيذ القرارات القضائية المذكورة، واسترجع المحكوم بموجبها عقاراتهم، وذلك قبل أن تلجأ الإدارة إلى “ابتكار” الدفع بعدم القبول، الذي أخذت تتمسك به في مثل هذه القضايا، وانساقت وراءه بعض الأحكام والقرارات، مما أدى إلى زعزعة بعض الاستقرار القضائي الذي عرفه هذا المجال الحساس، حيث ما يزال التردد هو السائد في هذا المجال، مما يقتضي وقفة
تأمل، لسلوك الطريق الصحيح المنصف.

هذا، ويجدر الذكر بأن الطعون التي يرفعها ذووا الشأن في هذا المجال إلى القضاء، وتجيب عنه جميع الإدارات والمسؤولين والأجهزة التي شاركت في اتخاذ القرار الوزاري المشترك القاضي بنقل ملكية العقار محل الطعن إلى الدولة، يفضي إلى مشاركة جميع الأطراف والأجهزة المعنية في النقاش ، مما تكون معه الطعون المذكورة موجهة في الواقع، ضد القرار الوزاري المشترك المعني بالطعن، باعتبار القرار الوزاري المشترك يشكل وحدة عضوية مع قرار اللجنة الوزارية المشتركة ؛ مما يصح معه القول إن الطعن والحالة ما ذكر موجه توجيها سليما، كل ما في الأمر هو أنه وجه وفق المسطرة المقررة في
مثل هذه النوازل، التي هي نوازل خاصة، آيلة بحكم وضعها الانتقالي إلى الانقراض ؛ وأعطي بالمسطرة الخاصة أن عرض النزاع أولا على اللجنة يشكل تظلما من نوع خاص، وأن الطعن في قرار اللجنة هو بمثابة طعن في قرار صريح برفض التظلم، مما يجعله يشمل القرار المتظلم منه وفحوى الجواب عن التظلم، في آن واحد.

ومن ناحية أخرى، فإنه عندما يتعلق الأمر بطعن مرفوع ضد قرار للجنة الثلاثية يقضي بسحب قرار لها إيجابي سابق، يتنقل الأمر من البحث في طبيعة القرار الإيجابي بالموافقة، إلى البحث في طبيعة القرار السلبي القاضي بسحب تلك الموافقة بعد منحها وتشخيصها بتبليغ فحواها لمن يعنيه الأمر.

ومن خلال التحليلات السابقة، يمكن القول، دون أدنى تردد، إن القرارات السلبية التي تصدرها اللجنة الثلاثية بداية، أو بعد سبق إصدارها قرارا إيجابيا، تعد كلها قرارات إدارية مؤثرة في الوضع القانوني والاقتصادي لمن تعنيه، وتكون بذلك قابلة للطعن بالإلغاء بسبب الشطط؛ وأن أجل رفع الطعون المذكورة ينبغي أن يحسب من يوم تبليغ موقف اللجنة من ” التظلم ” المرفوع إليها، أو- عند الاقتضاء – من يوم حصول العلم اليقيني بالموقف المذكور، لكون اللجنة لا تعقد دورات منتظمة، مما لا يعقل معه استخلاص رفضها الضمني من مجرد سكوتها مدة من الزمن، كما هو معلوم، ومتبع في مجال الطعون الإدارية.


[1] قرار رقم 600 صادر بتاريخ 20 يونيو 2002، ملف إداري عدد 01/1/4/685، غير منشور.

[2] قرار صادر بتاريخ 28 نوفمبر 2007 في الملف 39/07/5، غير منشور.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading