الأستاذ رشيد الإدريسي
جامعة عين الشّق
دار البيضاء-المغرب
التأويل والحضور الدائم:
ضوابط التأويل أو حدوده أو قواعده أو قوانينه… من الموضوعات التي استأثرت باهتمام الباحثين بمختلف اختصاصاتهم، وتبرز أهمية الحدود عند استحضارنا لشدة ارتباط التأويل بكل النصوص الحاسمة في حياة البشر. فالتأويل لم يرتبط فقط بالنصوص الأدبية التي تقوم على نسبة متفاوتة من الغموض، بل لقد ارتبط كذلك بالنصوص الدينية والتاريخية بل وحتى بالنصوص القانونية التي تتطلب نوعا من أحادية المعنى ضمانا لمصالح البشر الذين يحتكمون إليها. وأكثر من ذلك فإن التأويل مرتبط بكل الظواهر الإنسانية، لأنه هو الذي يعطيها معناها الذي يبنيه كل حسب تكوينه ورؤيته للعالم والأشياء التي تؤثته. فعندما نتحدث عن التأويل، فإننا نتحدث عن نشاط يمارسه كل واحد منا دون أن يعي ذلك، والوعي به هو درجة عليا من التعامل معه، لأنه إذاك يتحول من موضوع مفكر به إلى موضوع مفكر فيه، وهو حتى عندما يفكر فيه، فإنه يفكر فيه بواسطته، فيكون موضوعا وأداة لمعالجة الموضوع في الآن نفسه
إن التأويل، مهما ادعى المُؤَول من عدم اكتراثه بالحدود التي يلزم اعتمادها ليكون التأويل راجحا، يصبو دائما ليكون مقنعا بتجاوبه مع النص وإظهار ارتباطه به وليس فقط اتخاذه منطلقا لإعطاء الحرية للذات لتقوله ما شاءت وتنطقه بما لا يَحتمل قولَه. فهناك المعطيات التاريخية والبنيوية التي تسمح لكل قارئ إذا استحضرها أن يحكم على تأويل ما بأنه مقبول أو مرفوض، وهي التي تمكنه من معرفة المعنى الأول للألفاظ والجمل، وعلاقتها بعضها مع بعض وما ترمي من وراء ذلك إلى بثه من دلالات متعددة ومتفاوتة على مستوى القوة الإقناعية. وهذا هو ما يرفضه ” تيار حديث في التحليل يمكننا نعته بالعدمي، والذي يتخذ كشعار له تصريحات مثل ” كل شيء تأويل ” أو ” ليس هناك وقائع، ولكن هناك فقط تأويلات”، وهم يرمون من وراء ذلك إلى إثبات أنه في هذا المجال لا وجود لحقيقة مطابقة، وبأن التأويلات تتوقف فقط على هوية الذات المؤولة، بل على الوسط الاجتماعي الذي تنتمي إليه “[1]، وهي مواقف تتقاطع مع تصورات المتصوفة من حيث المغالات في التأويل وعدم الاكثرات بالمعاني الأولى للمفردات المعجمية والبناء عليها، قبل الخروج إلى المجاز.
إن مثل هذه الأقوال يصعب رفضها ببساطة، إذ أنها لم تأت نتيجة تأمل مجرد في اللغة، بل جاءت نتيجة تجارب وتعامل ملموس مع النصوص التي تشكل المادة الخام التي يشتغل عليها أصحاب هذه التيارات من فلاسفة ومتصوفة وتأويليين…والتفاعلات اللغوية اليومية تثبت ذلك بجلاء، حيث تفهم التصريحات البسيطة بأشكال مختلفة، وتؤدي المواقف السياسية الواضحة إلى ردود فعل متباينة بتباين الأفهام، فينتج عن ذلك تحالفات وتصادمات ويعاد بسبب ذلك “تغيير” وجه العالم سياسة وثقافة ودينا…لدرجة يمكننا القول معها بأن الحياة تأويل لكن ليس بمعنى فقدان الحقائق والمعالم التي يلتقي حولها الكثير من المتلقين، وإلا لما كانت الحياة ممكنة. الحياة تأويل، ما في الكون كلام لا يتأول، هي مبادئ مقبولة ولكن بمعنى تعدد الفهم بالنسبة للقول الواحد، واختلاف وجهات النظر للظواهر، سواء أكانت لغوية أم غير ذلك، وهو سر التجدد وسر الحيوية التي تطبع حياة الإنسان، بحيث يمكننا القول بأنه بانعدام التأويل بهذا المفهوم تنعدم الحياة ويسود الجمود والموت.
بين النظرية والتطبيق
وبناء على هذا التصور، عمل الكثير من الدارسين، قديما وحديثا، على تسييج عملية التأويل وضبطها حتى لا يعبث بالنصوص ويتم نشر الفوضى. ويعتبر محمد مفتاح من الذين أولوا هذا الموضوع أهمية خاصة، بل أكثر من ذلك يمكن اعتباره من الذين حكم كل كتاباتهم أحد الثوابت الأساسية المتمثل في الانطلاق من الوعي بأهمية المنهج عموماوالعملية التأويلية خصوصا، والمتتبع لإنتاجه الغزير يلاحظ ذلك انطلاقا من كتبه الأولى. وقد لازمه هذا الهم في كل كتاباته بما فيها “دينامية النص، تنظير وإنجاز”[2]، و”مجهول البيان”[3] و”التلقي والتأويل، مقاربة نسقية”[4]، و”التشابه والاختلاف – نحو منهاجية شمولية”[5]، و”المفاهيم معالم، نحو تأويل واقعي”[6] ، و”مشكاة المفاهيم، النقد المعرفي والمثاقفة”[7]، إضافة إلى كتبه الأخرى. وحتى دون الرجوع إلى مضامين كل هذه المؤلفات، يلاحظ القارئ من خلال العناوين الفرعية على وجه الخصوص، طغيان هذا الهم المعرفي؛ فمصطلحات من قبيل التنظير والمقاربة والتأويل والنقد…كلها تحيل على الرغبة في وضع منهج واضح المعالم يسعف في تحليل النصوص والثقافة وظواهرها المختلفة.
وبقدر اهتمامه بالتنظير، فإن الدكتور محمد مفتاح لم يأل جهدا لإعطاء التظهير حيزا شاسعا من هذه المؤلفات؛ فالتطبيق عنده لا ينفصل عن البناءات النظرية التي يعمل على تطويرها بقدر اتساع اطلاعه وتعميق تفكيره في مختلف القضايا التي شغلته، وذلك بهدف وضع المفاهيم على المحك، “ليطمئن من في قلبه شك بأن هناك ارتباطا بين النظرية والممارسة، وليقتنع من كان سليم النية خالص الطوية أن [تحليل مفتاح] ليس هراء ولا سند له أو أسقط على النص الواضح إسقاطا”[8].
وإذا كانت المفاهيم من متعلقات المنهج وأجزائه التي بواسطتها تتشكل الشبكة الاصطلاحية التي يعتمد عليها الباحث في قراءة النص والواقع… فإن محمد مفتاح لم يتوقف عن اشتقاق مفاهيم عدة ظلت تغتني بتوالي كتاباته، حتى أصبح من الممكن بل من الضروري وضع معجم لكل مفاهيمه ومقارنتها فيما بينها وربطها بما يتقاطع معها من مفاهيم النقاد والباحثين العرب والغربيين قديما وحديثا، وذلك لتسهيل عملية قراءة مؤلفاته وإدراجها في سياق عام، قصد فهمها بشكل أشمل ورفع بعض الالتباسات التي تكتنفها والتي لا تعرى منها كل المؤلفات التي تندرج في إطار العلوم الإنسانية.
الاشتغال على المفاهيم والقيام بحفريات في أصولها، هو إذن أحد الثوابت الأساسية في كل ما كتبه هذا الناقد، لكنه في ذلك لا يقف عند حد التعريف وإظهار الحدود، بل يجتهد للإمساك بخلفياتها النظرية والإيديولوجية، يقول محمد مفتاح: “إنه ينبغي أن لا يغرب عن بال القارئ العربي والإسلامي المعاصر أن لكل تيار تأويلي مشروعه الفكري والسياسي الخاص به، فإذا ما انحاز إلى تيار معين، فإنه انحاز إلى مشروعه. لذلك، فإن على ذلك القارئ ن يحلل الأسس الإبستيمولوجية والتاريخية الخاصة بكل تيار حتى إذا انحاز ينحاز عن بينة وإذا رفض يرفض عن بينة”[9]. ولذلك فقد عمل على كشف هذه الخلفيات وإغناء هذه المفاهيم في أحيان كثيرة، وقراءتها من خلال مخزون الثقافة العربية الإسلامية الذي لا يتوقف عن استحضاره في كل كتبه تقريبا، متجاوزا مرحلة الاقتراض إلى مرحلة الخلق والابتكار. وقد كان هذا البعد من الأسباب التي دفعت لجنة إحدى المؤسسات الثقافية إلى اتخاذ قرار منح جائزتها له معللة ذلك بقولها: “فالناقد يمتلك دراية واسعة معمقة بالتراث العربي، ومتمثل بشكل واع للنظريات النقدية الحديثة، كذلك تكشف أعمال الباحث عن عدم الركون إلى الاستعارة السهلة لما هو جاهز أو سائد مكرس، بل يعمد إلى التركيب الخلاق والتشييد الفعلي لعناصر نظرية ومنهاجية تفيد من مختلف العلوم الإنسانية، بقدر إفادتها من العلوم الدقيقة. لهذا كله تعد منجزاته في مجملها خير تجسيد للعمل المعرفي المنتظم الذي يؤصل للفكر النقدي الحديث”[10].
مركزية التأويل وجدل التراث والحداثة
التأويل كما يقول تودوروف: “نص يصبو إلى تحديد معنى نص آخر “[11]، وهدفه الإجابة عن سؤال : كيف نفهم النصوص؟ وكيف نستخرج معناها؟ وما هي شروط قبول هذا المعنى أو رفضه ؟ إن مفهوم التأويل من المفاهيم الجامعة المرتبطة بعدة مفاهيم أخرى، والتي نجدها حاضرة في أكثر من مؤلف من مؤلفات محمد مفتاح. ومسوغ حضور هذا المفهوم لديه، كما رأينا أعلاه، يرجع إلى مركزيته في كل الثقافات الإنسانية؛ ففي كل المجتمعات، من أكثرها بدائية إلى أكثرها تطورا وتجريدا، نواجه بسلسلة من التصورات التي يكون لها وضع المفاتيح التي بواسطتها يتم فهم الواقع والتاريخ وفهم خطابات الآخرين. وارتباطا بمجال اشتغال مفتاح، فإن هذا الاهتمام يمكن إرجاعه إلى ما يسميه بمستويات تلقي النصوص، فهذه الأخيرة تختلف باختلاف أسلوب النص الخاضع للتحليل غموضا ووضوحا، وباختلاف مرامي مؤلفيها ومقاصد المتلقي وخلفياته، وكذا باختلاف سياق التلقي وما يحيط بالقارئ من ظروف عامة وخاصة، تجعل تأويله يميل نحو فهم بذاته ويجافي فهما آخر قد تكون له الغلبة في بيئة وعصر مختلفين.
يقول محمد مفتاح: “مسألة التأويل شائكة وشاسعة وعريقة ذات أبعاد فلسفية وسياسية وميتافيزيقية”[12]، وقد ارتبط التأويل بالعهدين القديم والجديد وحاول الفكر الحديث التنظير له من خلال التأويليات و الفلسفة الظاهراتية والتفكيكية والسيميائيات والعلم المعرفي، كما كان للثقافة العربية الإسلامية إسهامها الحاسم في هذا المجال، بحيث يمكن القول بأن التأويل رفضا ومساندة كان محور هذه الثقافة، ويكفي هنا استحضار بعض عناوين الكتب التي تتحدث عن قانون التأويل وذم التأويل وإنكار المجاز…لمعرفة مدى الاختراق الذي مارسه التأويل في مختلف المجالات المعرفية العربية من فقه وعلم أصول وفلسفة وبلاغة وعلم كلام وعلم مناظرة… وغيرها من العلوم التي يمكن قراءتها من زاوية الموقف من التأويل ومن زاوية اشتغاله فيها كأداة واشتغالها به كموضوع.
لقد كان اشتغال محمد مفتاح بالمنهج السيميائي، حافزا له للاهتمام بموضوع التأويل في وقت جد مبكر في مختلف أطوار مشروعه الفكري، إذ نعرف جميعا أن السيميئيات بدأت تشق طريقها في سنوات الستينيات، وذلك بتأثير من شارل ساندرز بورس وفيرديناند دو سوسير، وقد انطلقت في بداياتها الأولى دون أن يكون لها علاقة مباشرة مع قضية التأويل، بل لقد كان من ضمن غاياتها في هذه المرحلة تأسيس نظرية ذات طموح علمي، ففهمت بشكل دوغمائي، وطبقت بشكل ميكانيكي شبه رياضي وتم التعامل معها وكأنها علم كوني يفسر كل النصوص، وعملت ما أمكنها على جعل التحليل مقتصرا على النص دون غيره. فلما تطور النقاش وأخذ المكون التداولي يحظى بالأهمية ويؤخذ بعين الاعتبار، وبدأت تشيع مدارس جمالية التلقي المتأثرة بفلسفة الظواهر والتحليل النفسي والتأويليات القديمة والحديثة…تغير الأمر وانخرطت السيمياء في طرح قضية التأويل ومحاولة معالجتها انطلاقا من مفاهيم سيميائية مع استحضار التراث الضخم الذي خلفته مختلف الحقول المعرفية في تناولها لهذا الموضوع. لذلك فقد انتبه محمد مفتاح إلى الموضوع في كتبه الأولى، خاصة مع “مجهول البيان” الذي عقد فيه فصلا لطرح الموضوع، ليصبح بعد ذلك ثابتا من ثوابت كتبه اللاحقة، وهو ما سمح له بمناقشة المفهوم عبر مراحل متتالية وإغنائه بشكل متدرج، كلما اتسع اطلاعه على مختلف العلوم التي عالجته وكلما بين له التطبيق الحدود والإمكانيات.
وبقدر إلمامه بثمرات الفكر الحداثي فيما يخص التأويل، فقد كان مفتاح مطلعا على ما يزخر به التراث العربي في هذا المجال ودائم الاستحضار له، إذ لا يتوقف عن التذكير بما يسميه بالتيار “العقلاني” الذي يدرج ضمنه علماء أصول الفقه وبعض الفلاسفة من أمثال ابن رشد. فقد وضع هؤلاء مقاييس تأويلية تحد من الانسياق مع الهوى، وأهمها في نظره: “المطلق والمقيد والعموم والخصوص والإجمال والتفصيل والظاهر والمؤول والتعارض والترجيح والناسخ والمنسوخ … والسياق والمساق ومراعاة الاستعمال العربي”[13]، وغيرها كثير مما كان يتحكم في عملية تلقي النصوص والتي كانت تختلف دلالاتها من تيار إلى آخر.
والأساس بالنسبة لمفتاح هو إثبات ترابط الدراسات الحديثة بتلك التي ظهرت في عصور سابقة، وهو ما يؤكده في إطار حديثه عن التيارات الحديثة حيث يقول “من أهدافنا أن نؤكد أن هذه الاتجاهات [يقصد الاتجاهات الانثروبولوجية والسيميائية المتعددة] حافظت على الرهان الفلسفي القديم وهو أن المعنى الباطن أهم من المعنى الظاهر، وعلى أطروحة تقسيم معنى النص إلى ظاهر وباطن. لهذا نجد فيها هذه القسمة الثنائية: المعنى الظاهر/المعنى الباطن… أو تحت أسماء وشعارات أخرى : المعنى الظاهر /المعنى العميق؛ المعنى البارز / المعنى الأساسي؛ التشاكل المعطى / التشاكل المبني؛ التشاكل الظاهر / التشاكل العميق.”[14]
و الاستفادة من التراث العربي الإسلامي لدى مفتاح، لا تنطلق من رؤية تفاضلية، بل الهدف منها هو توسيع مفهوم التأويل وإمداده بالأدوات اللازمة ليكون أكثر إحكاما. وإلا فإنه يعي جيدا أن التأويل الأصولي الذي اعتمد بعض قواعده في أكثر من كتاب، كان يهدف إلى إبداء حقيقة كلام الله الذي هو الظاهر والباطن المحيط بكل شيء، وإلى الدفاع عن شريعته بالتأكيد على الطاعة المطلقة، وإلى الترغيب في الدار الآخرة”[15]… وأما التأويل الحديث فهو كما يؤكد :”وليد فلسفة الموت والعدم: موت (…) وموت الإنسان وموت العقل وموت المؤسسات… وهو نتيجة ليبيرالية أوروبية وديمقراطية اجتماعية وخلفيات عرقية.. وهو متأثر بالنزعة العلمية المعاصرة التي تشغلها الهيمنة على الكون وعلى الإنسان…”[16]. و ما سمح لمفتاح بالجمع بين هذين العالمين المختلفين هو أنه وضع هذه الخلفيات بين قوسين، وتعامل مع تلك الضوابط بوصفها مبادئ صورية متعالية تتحكم في كل تأويل. و هو ما مكنه من بناء جسور والربط بين التأويل القديم والتأويل الحديث دون أي حرج يذكر.
التأويل بين النص ونزوعات الذات
التأويل قديما وحديثا تجاذبته عدة تيارات حددها بعضهم في ثلاث التأويل الباطني وهو ما نجد نماذج منه لدى بعض المتصوفة الإشراقيين ولدى بعض المتحيزين لطرف سياسي في مختلف مراحل التاريخ الإسلامي والذين كانوا يعملون على تأويل مختلف النصوص لاكتساب الشرعية وجعل النصوص المركزية ناطقة بما يريدون، مساندة لهم في صراعهم مع التيارات المعادية لهم. وهذا النوع من التأويل نجد له تطبيقات لدى الثاقافت الأخرى سواء منها البهودية المسيحية أو الأسيوية، بل إن الدارس يجد له نماذج حتى بالنسبة للعصر الحديث الذي نظر فيه إلى العلم بوصفه “النص” المقدس لهذا العصر، فحاول أكثر من باحث وفيلسوف وسياسي إعطاءه دلالات وتأويله بطريقة تتوافق مع تصوراته وبالتالي إكساب هذه الأخيرة الشرعية اللازمة لجعلها أكثر إقناعا.
وهذا النوع من التأويل الباطني هو الذي سماه مفتاح بالتأويل المتطرف، وقد حاول أمبرطو إيكو السيميائي المعروف توضيح إواليات اشتغاله فبين كيف أنه يقوم على المهارة غير المراقبة في الانزلاق من مدلول إلى مدلول، ومن تشابه إلى تشابه، ومن ترابط إلى آخر. و يمكن تعريفه بكونه نوعا من الإيحاء الذي ينطلق من علامة محددة، “مارا بسلسلة تترابط فيما بينها إلى أن ينتهي الأمر إلى علامة لا علاقة لها البتة مع التي تم الانطلاق منها”[17]. وهذا هو ما دفع إيكو إلى القول بأن الإيحاءات في هذا النوع من التأويل تتكاثر بطريقة سرطانية لدرجة أنه في كل مرحلة لاحقة تنسى وتطمس العلامة السابقة، وذلك لأن الحيدان والانحراف يسمح بالانزلاق بشكل كلي من علامة إلى أخرى، ويزج بالمؤول في رحلة متاهية بين العلامات والأشياء، لا هدف لها سوى تسويغ الأراء الذاتية للمؤول سواء أكانت سياسية أم دينية أم غير ذلك[18].
أما النوع الثاني فهو التأويل الحرفي وهو في الحقيقة نسميه تأويلا تجاوزا، وإلا فإن لفظ الشرح هو الأكثر دلالة على محتواه، إذ أنه يكتفي بملامسة سطح الكلام ولا يغوص في دلالاته العميقة التي قد تكون ثاوية في النص تنتظر القارئ المقتدر الذي يخرجها من حيز الوجود بالقوة إلى حيز الوجود بالفعل. وقد وجد في الثقافة العربية الكثير ممن تبنوا هذا النوع من التأويل وممن أنكروا المجاز واعتبروا أن الحقيقة هي القاعدة في اللغة. وقد كانت تحكم هذا النوع من القراءة الرغبة في الحد من الانقسانات داخل المجتمع الواحد ووضع نوع من الحواجز في مواجهة أصحاب النوع الأول من التأويل الذي ذكر أعلاه، وليس معنى ذلك أن أصحاب هذا التصور كانوا يتقيدون بما يقولون ويلتزمون بقراءة النص قراءة حرفية، فالنظرية شيء والتطبيق شيء آخر، إن النظرية هنا ما هي في الحقيقة إلا وسيلة من وسائل الصراع مع المختلفين في (الرأي/ التأويل) ومحاولة محاصرتهم وإبراز الذات بمظهر المتقيد بحدود الألفاظ المدرجة في النص الخاضع للتأويل، وعدم السماح للهوى بالانخراط في عملية الانزلاق من علامة إلى أخرى دون ضابط أو قيد، وهو مما يؤاخذ عليه الآخرين.
ويقع تيار وسيط ووسطي بين هذين التصورين، هو ما يسميه مفتاح في أكثر من إشارة بالتيار المعتدل، وهذا النوع من التأويل يعترف بمعاني العلامات الحرفية كما يعترف لها بدلالات رمزية؛ فأصحابه إذن يرون أن أي عملية تأويلية لا يمكن أن تنطلق إلا بعد التسليم بالمعنى الحرفي للنص، أي المستوى الحرفي للملفوظات، لكنه لا يقف عند هذا الحد كما هو الشأن بالنسبة للتأويل الظاهري. إن هذا النوع الأخير ينطلق من مسلمة لا يقبل عنها بديلا وهي أنه “داخل حدود كل لغة، يوجد معنى حرفي للمفردات المعجمية، وهو ذلك المعنى الذي تقدمه المعاجم في بدء شرحها لكل مفردة، أو ذلك الذي يذكره رجل الشارع ابتداء إذا سالناه عن معنى كلمة محددة”[19]. وهذا النوع يأخذ بنوع من الجدلية بين مبادرة المؤول والوفاء للنص، يناصر مقولة انفتاح النص وتعدد القراءات وحرية القارئ، لكنه يلزم المؤول بمراعاة استعمال اللغة واحترام النص للحد من جماح التأويل، ودفع المؤول إلى مساءلة النص بدل مساءلة نزوعاته الذاتية.
وذكرنا لبعض منطلقات أمبرطو إيكو هنا ليس اعتباطيا، فمسار هذا السيميائي يتقاطع مع مسار محمد مفتاح بشكل واضح، فإيكو استفاد من الدراسات التي سبقته وانفتح على التداوليات الحديثة واستثمر تراث بورس الأمريكي وتراث رولان بارط الفرنسي، كما رجع إلى التراث اليوناني بعمق من خلال كتب عدة[20] . كما أن أمبرتو إيكو حاول، على غرار مفتاح، أن يوظف مفاهيم تعصم من الذاتية المتطرفة والنسبية اللا أدرية، مقتفيا سنن محللي الخطاب “الأنجلوسكسونيين” الذين أسهموا بحظ وافر في وضع بعض القيود التأويلية”[21]، فالعملية التأويلية كما يقول مفتاح : “لها رهان تريد أن تعززه وتسنده أو أن تخلقه وتصطنعه اصطناعا، وللفوز بالرهان فلا بد من الانتصار على المعوقات مهما اختلفت أنواعها وأصنافها. ولتحقيق النصر فإنها تلتجئ إلى وضع مبادئ وصياغة قوانين لتضبط في ضوئها – نفسها وتحاكم خصومها إذا تجاوزوا تلك القوانين وهتكوا حرمتها”[22]
قيود التأويل
لقد عمل مفتاح على الإلمام بالكثير من منطلقات هذه التيارات وغيرها، لذلك فقد استفاد منها وقرأ ما توصلت إليه المناهج الحديثة في هذا المجال ووظفه من زاوية نقدية، كما استفاد من قراءة التراث العربي وحاول استثمار الكثير من أفكاره. إلا أن محمد مفتاح بحكم اقتراب منطلقات مشروعه النقدي من التيار الثالث الذي يندرج ضمنه مشروع أمبرطو إيكو، فإنه سعى في أكثر من كتاب إلى تسييج العملية التأويلية وعدم تركها تنطق النص بالمستحيلات. وهذا ما نجده قد تبناه ودافع عنه، حيث اقترح عدة ضوابط للتأويل، استنتجها من الاقتراحات المتضاربة التي وقف عندها، والتي حصرها في مجموعة قيود نذكر من بينها:
الخصائص اللغوية المشتركة بين فئة من الناس، فهذا العنصر هو الذي يحدد المعنى، إذ أن معرفة المعجم والتركيب والدلالة هي الأدوات التي تمكن من التوصل إلى ضبط المعنى، مع الأخذ بعين الاعتبار معرفة مواقف المتلفظ وآرائه، والاستغناء عن أحد هذين المكونين يؤدي إلى إفقار التأويل أو الوقوع في المنهاجية البيوغرافية والتحليل النفسية.
ونظرا لما للسياق من أهمية، سواء في التراث العربي أو الغربي، فقد اعتمده مفتاح كقيد هو الآخر وأعطاه معنى واسعا، إذ أدرج ضمنه الأعراف الاجتماعية والثقافية والشروط التداولية، وما يصحبها من ضبط للزمان والمكان والأشخاص وجنس الخطاب، ذلك أن “كل نص أدبي ينتج ضمن محددات معينة وأطر معينة في إطار تلق معين من قبل مرسل ومتلق معينين”[23] ومراعاة هذه الجوانب من ضمن ما يضمن تأويلا عادلا ومنسجما وعقلانيا للنصوص.
ونجد في مرتبة تالية مبدأ عدم التناقض الذي تتبناه النظرية التي تقول بمقاصد المؤلف، والذي بمقتضاه يسمح بتأويلات متعددة لكنها لا يناقض بعضها بعضا كما تسمح بذلك التفكيكية، فالقراءات المتعدد حسب هذا المبدأ، تلقي مزيدا من الضوء على معنى النص الأدبي وتغنيه وهو أمر مقبول، أما غير المقبول فهو “التأويلات اللامتناسبة منطقيا، لأنها إذا وجدت تحطمت أهم دعامتين يقوم عليهما مفهوم النص هما: الانسجام والتعقيد المنظم”[24]
والملاحظ أن محمد مفتاح في مجموع هذه المنطلقات، يتقاطع مع القدماء ومع كل من إيكو وراستيي… الذين لم يطلقا العنان للمؤول ليقرأ النص كيفما اتفق، إذ نبه “في غير ما موضع إلى أن التأويل القائم على التشاكل مقيد بالنظام الوظيفي للغة الذي يقدم مؤشرات تأويلية كالتشبيه والاستعارة والترادف والاشتراك والتمثيل والكناية وتحصيل الحاصل والتناقض، كما أنه مشروط بملاءمة الأعراف الاجتماعية والشروط التداولية”[25]. نقول عن مفتاح إذن بأنه وسطي، على الأقل نطريا، لأنه كما يمكن للقارئ أن يلاحظ بعودته لكتبه، يسمح لنفسه في الكثير من الحالات بتوظيف بعض أساليب القراءة التفكيكية، مما يجعله متفلتا من القيود التي وضعها في أكثر من كتاب.
النص بين الحقيقة والاحتمال
إن طرح موضوع التأويل مرتبط شديد الارتباط بالتصور الذي يحمله الدارس عن النص، فإذا ما انطلق الباحث من كون النصوص شفافة، وبكون المعنى الحرفي يغني عن المعاني الأخرى، فإن موضوع التأويل يصبح غير ذي معنى. لذلك فإن مفتاح لم تفته هذه الحقيقة، فعمل على الوقوف عند مفهوم النص في كتابه “التشابه والاختلاف”، وعمل فيما بعد على التفصيل في الأمر في كتابه “المفاهيم معالم”. وكعادته دائما فقد استحضر معطيات من مختلف الثقافات التي أمكنه الاطلاع عليها، وخاصة الثقافة اليونانية والثقافة العربية الإسلامية والثقافة الحديثة في شقها الأنكلوساكسوني أو الفرنكفوني. وهو ما انتهى به إلى تحديد مجموعة من الاستعارات التي ارتبطت بالنص وعرف بها في مختلف الثقافات.
لقد نظر للنص من زاوية الثقافة اليونانية باعتباره نسيجا وبوصفه وثاقا يوثق المعلومات والمعنى، ومن هذه الزاوية فقد افترض فيه أن يحتوي على معنى قار وحقيقي ونهائي؛ “أي أنه يعبر عن الحقيقة ويحتوي عليها”[26] ولكن هذه الحقيقة ليست دوما معطاة سلفا، بل لا بد بالنسبة للكثير من النصوص من عملية استنباطية بهدف استخراجها، وهو ما يفسر تعدد مدارس التأويل واتجاهاته عبر القرون. ونظرا لأن هذه الاجتهادات ارتبطت بالكتاب المقدس من توراة وإنجيل فإن المعنى الواحد كانت له الغلبة، إذ هو الذي “يضمن الاستمرار والتعاقد الاجتماعي ونقل المعرفة وتعزيز العادات والتقاليد”[27]
وإذا كان الأمر كذلك بالنسبة للثقافة اللاتينية، فإن للنص في الثقافة الإسلامية خصائصه واستعمالاته وميتافيزيقاه التي يمكن تبينها بالرجوع إلى استعمالاته لدى الأصوليين والمفسرين والمتصوفة والمؤرخين. و الغالب في الحقل العربي الإسلامي على تعريف النص، هو معاني البروز والظهور وغاية الشيء ومنتهاه، وهي معاني يشترك فيها مع ألفاظ أخرى مثل الفصاحة والبيان والوحي والكلمة والخطاب والكشف؛ كما أن كلمة بلاغة تعني غاية الشيء ومنتهاه. إلا أن التعامل من النص بوصفه نسيجا نجد له هو الآخر ما يضاهيه في الثقافة العربية من خلال الوقوف على تصور العرب للكلام؛ فهذا الأخير برز فيه هذا البعد بشكل واضح، إذ تم الحديث عن الكلام بوصفه حللا وبرودا ومعاطف وديباجا ووشيا، وهو ما تم تطويره مع عبد القاهر الجرجاني الذي تحدث عن النظم الدال على التأليف والجمع.
لقد أدت هذه العملية الاستكشافية بمفتاح إلى أن مفهوم النص في ثقافتنا القديمة، يعرف الكثير من الغموض ويشكو من قلة الضبط لشروط انبثاقه الاصطلاحي، وقد زاد من ذلك ربطه بالمعنى الحرفي على يد الشافعي خاصة، الذي عرفه بوصفه “المستغنى فيه بالتنزيل عن التأويل”. إلا أن من يقوم بتجميع معاني النص اللغوية والاصطلاحية ويقارنها بمعاني Texte، يتبين له بما لا يدع مجالا للشك، أن هناك التقاء وبعض التشابهات بين الطرحين.
ونظرا لوجود هذه التشابهات وخضوعا للأمر الواقع، فإن مفتاح تبنى مفهوم النص مع الأخذ بعين الاعتبار لكل التيارات المختلفة حديثا وقديما. وما تجدر الإشارة إليه هو أن حكم مفتاح على مفهوم النص في التراث العربي بكونه يتأسس على رؤية ضيقة وخاصة، قد يقبل على المستوى المعجمي، لكنه على مستوى الممارسة يظل مفهوما واسعا، ويمكننا أن ندرج فيه الكثير من المفاهيم التي تتحدث عن تعدد دلالات النص ولا نهائيتها، وهي المفاهيم التي يمكن استخلاصها مما وصلنا من البلاغيين والمتصوفة من قراءات للنصوص الدينية، وهو نفس ما قام به الكثير من أصحاب النظريات الحديثة التي استثمرت القبالة اليهودية أو التراث الهرمسي…فهذه الأخيرة وغيرها وإن كان قد تم ربطها بخلفيات نظرية علمية، إلا أنها لم يكن لها لتفهم على هذا الشكل بدون استحضار المعطيات القديمة.
النص ودرجات المعنى
يلجأ مفتاح في معرض توضيحه لمفهوم التأويل، إلى الحديث عن النص بوصفه أحد المكونات الحاسمة في الميل إلى تبني هذا التصور أو ذاك في العملية التأويلية، ومرة أخرى لا يفوته الوقوف على مجموعة من الآراء التراثية المتعلقة بهذه القضية والتي سوف نرى فيما بعد كيف نظر إليها العرب وغيرهم. ولكن ما يهمنا هنا هو طريقة استثمار مفتاح لهذه المعطيات التراثية، يقول : “إنه ليس من الصواب القول في ثنائية حادة: إن اللغة شفافة كل الشفافية أو معتمة كل الإعتام. و قد تفطن القدماء أنفسهم، وخصوصا الأصوليين، إلى درجات الدلالة ومستوياتها، فاعتمدوا على تقابل بين المحكم والمتشابه، وجعلوا درجات بينهما؛ والدرجات هي النص والظاهر والمجمل والمؤول”[28]. إلا أن مفتاح لا يكتفي بالتوقف عند حد التذكير بهذه المفاهيم بل يلجأ إلى إخراجها من تقابليتها والنظر إليها بوصفها تدرجا في الدلالة مع الحرص على استعمال مفاهيم معاصرة، مما جعله يخرج بالنمذجة التالية:
الواضح وهو ما لا يقبل التأويل، ويدرج ضمنه الأوامر والنواهي الصريحة الحقيقية، مهما كان مصدرها وكذا بعض الفصول القانونية وأوامر ونواهي الضابط والطبيب والمعلم ..، و بعض بنود الدستور..، وبعض الآيات القرآنية”[29]. وهذا في الحقيقة هو الحد الأدنى من أجل تحقيق التواصل بين أعضاء الجماعة، لذلك يعلق مفتاح قائلا “إنه من الشطط اعتبار هذه الأفعال الكلامية معتمة وملبسة” وذلك لمعرفته أن هناك اتجاهات متطرفة في تنظيراتها للمعنى، بحيث تذهب إلى أنه لا وجود لهذا الاخير أصلا وأن كل قراءة هي إساءة قراءة.
ويلي هذا النوع من النصوص مجموعة أخرى يلخصها مفتاح في نمذجة تبدأ بما يسميه بالبيِّن: وهو من الكلام مما لا يحتمل معنى آخر، ولكنه يقبل التأويل عند الضرورة؛ مما يجعله حمال أوجه.ٍِِِِ يليه الظاهر: وهو ما يحتمل عدة تأويلات، ولكن يختار أظهرها وأكثرها ملاءمة لسياق النص والسياق العام. إضافة إلى المحتمل: وهو الكلام الذي ينبغي تأويله ليستقيم معناه ويدرك فحواه بحسب قوانين لسان العرب، وقوانين العادات والأعراف لإدخاله ضمن معارف المتلقي ومجموعته. أما الممكن: وهو ما كان موجزا من الكلام متيحا لعدة تأويلات؛ ولكن المؤول يتخذ ما وجد من مؤشرات لبناء موضوعة أو تشييد قصة. على عكس العمي وهو ما كان غير محدد المعنى ولا محدد الدلالة، ولا مقبولا من الناحية التداولية المعتادة، لذلك يحتال المؤول عليه حتى يصير له معنى ودلالة ومضمونا.
وإذا كان مفتاح قد أوضح، في كتابه “مجهول البيان”، أن الخلفيات النظرية فيما يخص التأويل، مختلفة بين التصور التراثي والتصور الحديث وذكر بذلك، فإنه في هذه الحالة كذلك يشير إلى أن هناك من قد يعترض على هذا الاقتراض بحجة أن هذه المفاهيم وضعت أصلا لاستنباط قواعد فقهية ومعايير أخلاقية، ورد مفتاح هذه المرة هو تعليمي توجيهي بالدرجة الأولى، إذ يهدف إلى تنبيه الذين يتعاملون مع النصوص الدينية ومع غيرها وكأنها واضحة إلى أن الأمر خلاف ذلك؛ فهي تقوم على مستويات من المعنى تتتراوح ما بين الشديد الوضوح والشديد الغموض وبينهما درجات من المعنى يصعب أحيانا الحسم فيها بشكل قاطع، لذلك فقد نوع المفاهيم فجعلها عبارة عن سلم ذي درجات، مراعاة لخصائص الثقافة العربية الإسلامية قراءة وإبداعا.
النص والمنعطف الحديث
لقد أعيد النظر في مفهوم النص مع الدراسات الحديثة سواء لدى الغرب أو غيرهم، حيث تم التركيز حديثا على جوانبه المتعلقة بالاحتمال أكثر من تلك المتعلقة بالحقيقة والمعنى القار الوحيد. والمحتمل والممكن والمعاني المتعددة هنا، ينظر إليها بوصفها إنتاج لسيرورة دلالية غير منتهية تسهم في إيجادها ذات قارئة منتجة، وهو ما بلوره تيار فلسفة الظواهر وما بعد الحداثة الذين يشتركان في حديثهما عن النص باعتباره فسيفساء مكوناتها مستقاة من نصوص أخرى، مما يجعل النصوص تؤكد النصوص،كما يقول مفتاح، والتواصل ينتج التواصل واللغة تحيل على اللغة، ومما يحقق انتظاما ذاتيا بحيث لا يحيل النص على الخارج بل ولا يحيل على المؤلف.
ومراعاة لما وصلت إليه المناهج الحديثة، فإن تصور مفتاح يعمل على تجاوز الثنائية الحادة القائمة على الحقيقة والاحتمال، ويدعو إلى تبني تصور مركب مؤداه أن النص يدل على الحقيقة والاحتمال وعلى الممكن، وهو ما عبر عنه من خلال لفظة (حقملة) التي هي عبارة عن تركيب مزجي بين الألفاظ السابقة. يقول محمد مفتاح: “إن تلك الثنائية الحادة: الحقيقة/ الاحتمال جرت كثيرا من الضحايا، وأدت إلى سوء الفهم والتفاهم والتقدير والتأويل؛ وهي ثنائية قديمة قدم وجود التواصل باللغة والطبيعة وبما قام مقامهما، فهي موجودة في كل التراث البشري. إذ هناك من لا يرى إلا الحقيقة اللغوية وهناك من يرى عكسها. وقد آن الأوان لتجاوز هذه الثنائية بتعقيدها حتى يمكن مراعاة الوقائع النصية وسياقاتها وأنواعها ومستويات دلالاتها وآليات تأويلها”[30]، وذلك اعتمادا على تدريج لاستراتيجيات القراءة وتدريج المعنى والمضمون وتدريج المفهوم. ووعيا منه بعدم سهولة هذه المأمورية، فإن مفتاح يقدم مقترحا يحاول من خلاله تركيب هذه الاستراتيجيات اعتمادا على المكتسبات الحديثة والمعاصرة وعلى معطيات التراث التي يتم إدراجها بشكل ضمني.
التأويل وطرق اشتغال الذهن
إن تصور النص بهذا الشكل الحديث، والذي نجده حاضرا في أكثر من حقل معرفي، أوحى إلى الكثير من الدارسين بوضع مجموعة من الخطوات التي يمكن اتباعها لتوضيح العمليات التي يلجأ إليها القارئ أثناء القراءة والتأويل، وهذا هو نفس ما قام به مفتاح، إذ حصرها في ثلاث استراتيجيات ذات علاقة بعلم النفس المعرفي هي التصاعدية “التي تعني الانتقال من الخاص إلى العام بتتبع متتاليات النص من الحرف إلى الكلمة إلى الجملة، ومن الجملة إلى التي تليها إلى أن يمكن عقل معنى النص، والإمساك بدلالته والظفر بمغازيه”[31]. وفي مقابل ذلك نجد الاستراتيجية التنازلية التي تنطلق من العام إلى الخاص، ومن الكلي إلى الجزئي، ومما هو مذكور لاستنباط غير المذكور”[32]، وهنا يمكن إدراج التنبؤ بنهاية نص ما بمجرد الاطلاع على بدايته واستحضار بعضا من المكونات الممكنة بمجرد الاطلاع على العنوان.
أما الاستراتيجية الثالثة فهي ما يسمى بالاستكشافية، وفيها ينطلق المؤول من بعض المؤشرات ويعمل انطلاقا منها على بناء قراءة بعينها للحصول على المعنى بعد التجربة والخطأ. ويجيء في المستوى الرابع استراتيجية الاستقياس وهي آلية قديمة اعتمدت من طرف الكثير من العلوم، وهي تعتمد على المشابهة للربط بين المعروف واللامعروف، والاطلاع على خصائص الثاني انطلاقا من الأول. وحتى يؤطر هذه الاستراتيجيات الأربع، فإنه يقترح طرفين متقابلين الاستراتيجية الاستدوانية التي تحتوي التصاعدية والاستكشافية وفي مقابلها الاستراتيجية الاستئطارية التي تحتوي الاستقياسية والتنازلية.
وكل هذه الاستراتيجيات جميعا قد توظف من أجل تحليل نص بعينه، كما أنه يمكن توظيف البعض منها لتحليل نصوص علمية أو أدبية “واضحة”، كما هو الشأن بالنسبة للاستراتيجية التصاعدية والتنازلية، أو تحليل بعض النصوص الجديدة بواسطة استراتيجيتا الاستكشاف والاستقياس.
التأويل بالفعل والطبيعة البشرية
لقد اهتم مفتاح كما ظهر لنا ذلك جليا، من خلال ما رأيناه، بالتقنيات المساعدة على التأويل والتي بواسطتها يستطيع أن يجعل المؤول من عملية فك شفرات النص عملية شديدة الفعالية، بحيث يستطيع أن ينتج الدلالة مع مراعاة حدود بعينها لا يتجاوزها لكي لا تنقلب القراءة من عملية مضبوطة إلى نوع من الهذيان الذي لا تحكمه بنيات النص الخاضع للتحليل. ويمكننا القول بأن محمد مفتاح برع على هذا المسوى بشكل مقنع، فالمفاهيم التي رصدها لتحقيق هذا الإجراء بلغت من الغنى والتنوع والعمق درجة تجعلها قادرة على تحليل الكثير من النصوص. وقد عمل على توضيح ذلك في أكثر من كتاب مختبرا لها على نصوص مختلفة المشارب، لكن إلى جانب هذا الملمح “التقني” ،هناك جانب إيديولوجي يرغب مفتاح من خلاله في تقديم نوع من المفاتيح التي بواسطتها يمكن للقراء والمؤولين فهم النصوص فهما خاصا، اعتمادا على ما يسميه بالأوليات الانثروبولوجية أو الفطريات.
طرح محمد مفتاح تصوره هذا عن الفطريات أول الأمر في كتابه “مجهول البيان”، وقد حاول تطويره في كتبه التالية. في البداية تحدث مفتاح عما سماه بالطبيعة البشرية وربطها بما سماه الأصوليون بالضرورات الخمس التي جاء الشرع لحمايتها. وعلى غرار ما قام به في تناوله لمفهوم النص وفي محاولة تقديمه لمجموعة ضوابط تأويلية، فإنه في تناوله لهذه الفرضية المتعلقة بالفطريات لم يكتفي بالإحالة على الدراسات الحديثة، بل لجأ مرة أخرى إلى التراث العربي الإسلامي، فحاول من خلاله إثبات أنه يتضمن إشارات لهذه الطبيعة البشرية التي اعتبرها أحد ضوابط التأويل الأساسية، التي بمقتضاها يعمل المؤول على فهم النصوص انطلاقا من الضروريات الخمس التي يعمل الدين على حفظها والمتعينة في المحافظة على النفس والنسل والمال والعقل والدين. وهي ضرورات كونية حسب مفتاح، ذلك أن مكونات الجنس البشري واحدة وإن اختلفت الظرفيات التي يعيش فيها، والتسميات التي يمنحها إياها. “وعلى هذا فإن كل نص أو كل خطاب يحتوي عليها جميعها أو على بعضها، ومن ثمة فإن على الباحث أن يتوجه للبحث عنها وأن يلتمس تخريجات ملائمة لما يظهر أنه يناقضها”[33].
من هذا المنطلق يذهب مفتاح إلى أن أي نص أدبي مهما كان الجنس الذي ينتمي إليه، يعبر عن تلك الطبيعة، وتصبح بذلك كل النصوص مشتركة في “ثوابت أو نوى من المعاني لا تعدوها، وإنما يختلف المؤلفون في تأويلهم لها باعتبار كل مؤلف مؤولا. فالنص ليس له إلا معنى وحيد مستمد من “شيء” محصور عددا ولكنه لا يحاط بمعانيه في نفس الوقت، فهو ثابت من حيث الجوهر وهو متغير من حيث التأويل، فهو مطلق ونسبي”[34].
وكما هو واضح هنا، فإن محمد مفتاح يحاول إضاءة هذه الفرضية التأويلية بالعودة إلى أطروحة المقاصد الأصولية، على الرغم من الفارق الموجود بين الأطروحتين، إذ أن الأولى عامة بينما هذه الأخيرة شديدة الخصوصية، الأولى وصفية بينما الثانية معيارية، وبغض النظر عن هذه الملاحظات، فإن ما يستوقفنا هو أن مفتاح أدرج هذه الأطروحة في معرض حديثه عن قيود التأويل، ومن شروط القيد أن يكون واضحا محدد المعالم. وما نلاحظه هنا هو عكس ذلك تماما، إذ يبقى التصور في حدود التخمين، لأجل ذلك فهو لا يتوقف عن المطالبة بضرورة الاطلاع على علوم أخرى لتأكيدها، وضرورة معرفة تراتبية هذه الحاجات ومدى قبولها لها أو رفضها، كما أن مفتاح يستعمل تعابير من قبيل “وإذا ما صح هذا الفرض” مما يعني أن هذا الأمر ما زال في طور الاختبار.
من هذا المنطلق فإن مفتاح لم يتوقف في الكتب اللاحقة عن محاولة تأكيد فرضيته، وإغنائها وتغيير تسمياتها. ولذلك ففي مقدمة كتابه “التلقي والتأويل” يقول : “الكتاب الحالي يهدف إلى ترسيخ ما ورد في كتاب مجهول البيان بطرح الضرورات البشرية، وإلى توضيح مبادئه الإنسانية الطبيعية والإنسانية “الكونية” الاصطناعية، وإلى الكشف عن غاياته الظاهرة والخفية”[35]. ويسترسل في شرح مبتغاه فيقول : “لهذا وضعنا فرضية أصلية اشتققنا منها ثلاث فرضيات : الفرضية الأصلية هي أن الضرورات البشرية من حياة وممات وما صاحبها وتبعها من سيولة وجنس وتدين وتملك، مدار التدافع البشري بوسائله المختلفة ومنها اللغة. وأما الفرضيات الفرعية فهي :
أن الآليات المنطقية والرياضية والتقييسية آليات إنسانية كونية نابعة من الفطريات الإنسانية وكفاياتها التخييلية وتفاعلاتها المحيطية
أن تفاعلات الإنسان مع محيطه تحتم على كل ضروب سلوكه اللغوية وغيرها أن تكون مؤَطرة ومغياة.
أن ما تغياه مفكرو المغارب إلى منتصف القرن الهجري التاسع من كتاباتهم وتأويلهم هو توحيد الأمة وتوحيد الدولة للقيام بأعباء الجهاد.”[36]
وزياد في التوضيح يقول مفتاح : “نعني بالأوليات الأنثروبولوجية الحياة واللغة والطعام والشراب والجنس والانتماء والتملك والتدين. وقد عبرت عنها اللغة بمفردات مترادفة ومتداخلة ومتماثلة ومتشابهة، وهذا يعني أن مدار المعجم اللغوي هو هذه الأوليات ومع صعوبة حصرها ووجود بعض الفراغ في اللغة، فإنه مما لا شك فيه أن كل مفردة تحتوي على كثير من هذه الأواليات. وإذا رجعنا إلى التراث اللغوي نجده يعبر عنها صراحة بالمفردات أو إيحاء بالعادات والأعراف والسياق. وقد اقترحنا ثماني أوليات تقابلها ثمان أخرى مما يؤدي إلى : الحياة/ الممات؛ اللغة/ الصمت؛ الطعام/ الجوع؛ الشراب/ العطش؛ الجنس/ الحصر؛ الانتماء/ الوحدانية؛ الملك/ الفقد؛ الدين/ الإلحاد. ولغيرنا أن يزيد فيولد أزواجا أخرى مثل الحرب/ السلام؛ اللغة اللفظية/ اللغة الإشارية؛ الملك/ التملك… كما له أن ينقص فيردها إلى زوجين اثنين: الحياة/ الممات؛ الحركة/ السكون”[37]
ولا شك أن هذه النظرية تطرح فكرة الجوهر الإنساني ومدى وجوده، وقد أجاب مفتاح عن هذا السؤال في كتابه “مشكاة المفاهيم” في معرض حديثه عن أرسطو، فذهب إلى إمكانية وجود هذا الجوهر”إذا ما صدقنا بعض أعمال الأنثروبولوجيين وعلماء النفس الاجتماعيين التي يدعي أصحابها أن “هناك خاصيات متكررة في فكر البالغين خلال ثقافات وحقب تاريخية”، مستدلين بأبحاث أنجزت حول تفكير الأطفال والبالغين على السواء. وقد جاءت النتائج مؤكدة لتلك الدعوى؛ أي أن هناك بنية فطرية خاصة بتأويل السلوك وأن تصورات الذهن للرغبات والمعتقدات فطرية”[38] والملاحظ مرة أخرى أن مفتاح يمزج بين شيئين، فالقول بكون تصورات الذهن للرغبات والمعتقدات فطرية شيئ والقول بانعكاسها وتجسدها في اللغة شيء أخر مختلف تمام الاختلاف.
وقد أفاض مفتاح في طرق هذا الموضوع فسماه تسميات عدة من بينها القولبة والتي يعرفها هي الأخرى “بكونها تعني أن الكائن البشري مزود بفطريات لاكتساب معارف تنمو فيه خلال سيرورة نموه بدون خضوع للعملية التعليمية أو للتجربة عند بعض الباحثين؛ لكنها تعني عند آخرين أنها تصقل بالتجربة وبالمحيط وبالمثاقفة. ومن يقرأ ما كتب في فلسفة الذهن يجد أدبيات غزيرة حول هذه القضية تنتمي إلى علوم مختلفة؛ على أن الاتجاه الغالب يعتقد أن هناك فطريات بشرية كونية تجعل التصورات ثقافية متطابقة، وهذا ما أدركه القدماء أنفسهم. فابن رشد مثلا، كما يؤكد مفتاح يقر بوجود قوانين شعرية مشتركة لجميع الأمم أو للأكثر، مثل المحاكاة والقياس والتمثيل والتشبيه، ومثل ميل الإنسان الطبيعي للالتذاذ بالوزن وبالألحان؛ والاشتراك هنا يقصد به الإواليات والآلات لا العوائد الخاصة بكل فرد فرد، وكل جماعة جماعة وكل أمة أمة؛ أي الأوائل التي للكائن البشري بالطبع”[39]. ويقول في “مشكاة المفاهيم” : ” نقصد بالفطريات ما يميز الكائن البشري من غيره بصفة خاصة، وما يشترك فيه مع كائنات أخرى بصفة عامة. إن ما يمتاز به هو العقلانية المتجلية في الوعي، وفي القصد، وفي الحوافز، وفي اللغة، وفي الدين… وما يشترك فيه مع غيره فهو حب الحياة، وحب المتعة، والملاذ، والشهوات، وحب التملك، وغيرها مما يؤدي إلى التعاضد وإلى التدافع والتزاحم[40].
و هنا لا بد من إبداء بعض الملاحظات على هذه الآراء التي يوضح بعضها بعضا، فهي ولا شك تنطوي على نوع من الجرأة، لكن عن جرأتها تنتج بعض الثغرات التي يمكن تحويلها إلى أسئلة تبحث عن جواب. فالفرضية الثالثة التي المذكورة هنا والتي من المفترض فيها أن تكون مبنية على الفرضية الأصلية، تطرح أكثر من سؤال. فقد يفهم توحيد الأمة بوصفه قضاء على المذاهب ورغبة في اكتساب القوة والمنعة، وبالتالي فهو تعبير عن التملك وحب الحياة، لكن الجهاد يخرق ذلك لأنه أصلا تطوع من طرف الأفراد للتضحية بحياتهم من أجل أهداف معلومة ذات غايات في كثير من الحالات لا علاقة لها أصلا بهذه الحياة الدنيا. كما أن الجهاد ليس بالضرورة دفاعيا حتى نقول عنه بأنه يمكن فهمه بوصفه دفاعا عن الحياة والنفس والمال والعرض، إذا ما أردنا أن نفهمه انطلاقا من التصور الأصولي، فالجهاد قد يكون هجوميا ونعرف نتيجة ذلك النقاش الذي دار بين العرب المسلمين والمستشرقين الذين ذهبوا إلى أن الإسلام انتشر بحد السيف. ونقول زيادة في التوضيح الجهاد ليس تمسكا بالحياة، بل أحيانا هو محاولة للتخلص منها طلبا للشهادة، وقد يرد بأن الشهيد يبحث عن الحياة الأبدية وأن الشهيد في التصور الإسلامي لا يموت، وهو قول صحيح لكن عندما يتم التسليم به تنهار إذن ثنائية الموت والحياة ولا تصبح كونية كما يراد لها أن تكون من طرف هذه الأطروحة.
كما أننا يجب أن نميز بين الضرورات البشرية والآليات المنطقية، فهذه الأخيرة قد نقبل الحديث بشأنها لأن هناك دراسات علمية مخبرية تنتمي إلى العلوم المعرفية والذكاء الاصطناعي وفلسفة الذهن تبثث ذلك. فحديث مفتاح عن مؤلفات تحكمها آليات كونية وإنسانية كآلية التناسب التي تحولت إلى مشابهة وآليات المنطق الكونية الاصطناعية كالمقايسة التي تفرض على الإنسان الحديث عن التحيز وعن الجهات، والتي تحدد من طرف الدارسين[41] في فوق/ تحت، يمين/ يسار، أمام/ خلف، داخل/ خارج، الاتصال/ الانفصال، الاجتماع/ الافتراق أمر مقبول، لكن عندما يتعلق الأمر بالضرورات البشرية المتعلقة بالجنس والحياة والممات والسيولة والتدين والتملك…فإن الموقف يختلف. كما أن القول بأن مدار التدافع بين الناس يقوم على هذه العناصر تجاوزا يمكن التثبت منه في الحياة المعيشة، لكن عندما يذهب مفتاح إلى أن هذه الأوليات موسعة أو مكثفة تتحقق، في أية فقرة ولو كانت قصيرة، بالفعل أو بالقوة، أو بالقوة وحدها، فإن المسألة تتعقد أكثر ويصبح من المستحيل التسليم بها. فهناك مستويات إذن في هذا التصور بعضها يمكن التسليم به والبعض الآخر لا يمكن.
التأويل بلزوم ما لا يلزم
إن الحديث بشكل عام عن هذا الافتراض، ومحاولة تطبيقه على نص شاسع قد لا يظهر محدودية مقدرته التأويلية، وهذا ما نلمسه عند حديث مفتاح عن رحلة ابن بطوطة فهو يذهب إلى أن هذه الفطريات هي ما تعبر عنه كل جملة من جمل الرحلة بكيفية صريحة أو بكيفية مضمرة. فقد تحدث الرجل عن نسائه وجواريه وأبنائه وتملكاته وفقدانه، وعن التدين والإلحاد والإسلام والكفر، والتعاضد والتدافع… إنها فطريات بشرية نوعية وحيوانية شمولية؛ ولذلك، فإنها لم تتناقض مع معرفته الخلفية، لتشابه أو تماثل الفرع مع الأصل فتحدث عن كل ذلك بدون غضاضة أو تحرج “فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله”[42]، ففي حديثه هذا يظهر وكأن الأمر يتعلق بتحليل موضوعاتي لا أكثر ولا أقل، ولكن عندما يحاول الباحث تجريب فرضيته على نص قصصي أو شعري، آنذاك تبرز عقبات يصعب تجاوزها، وتتحول العملية التاويلية إلى إلوام النفس بما لا يلزم، وللوقوف على ذلك بالملموس نكتفي بتقديم مثالين اثنين.
ففي تحليله لمنقبة صوفية تتعلق بأبي زكرياء يحيى بن لا الأذى الرجراجي، الذي كان يحتطب فأصاب قنفذا في رجله، فندم على ذلك وجبر كسره واعتنى به إلى أن عوفي، يحاول مفتاح استخراج بعضا من الفطريات الكامنة فيها، فيقف عند غريزة المحافظة على الحياة، فيشرحها كالتالي مستخرجا لها من النص قائلا : “فهذا الرجل العابد المجاب الدعوة يبذل كل ما في وسعه لسد رمق حياته، يأخذ المنجل ويحتطب السدر ويصيب القنفذ ولكنه يخشى عليه أن يموت فيعتني به إلى أن يسترد عافيته” [43]، ثم يعلق على ذلك بقوله: “إن هذا مثل للدعوة إلى المحافظة على الحياة في بيئة تعاني من شظف العيش وقلة الموارد”[44]. والملاحظ أن هذا الحادث قد يفهم بوصفه نوعا من الرفق بالمخلوقات الضعيفة من التي لا تقدر على حماية نفسها في مواجهة الإنسان، ونوعا من الورع الذي يدفع صاحبه إلى الترفع عن إلحاق الأذى والضرر بالحيوانات، مما يجعله مستفظعا ارتكاب ذلك في حق الإنسان، خاصة وأن ما ارتكبه هذا الصوفي كان غير مقصود، ومع ذلك فقد لام نفسه ووبخها وحاول إصلاح ما أفسده بغير قصد منه.
فنحن في هذه الحالة أمام حادث، مغزاه المضمر هو سمو الأخلاق ورهافة الإحساس وتجسيد القيم الإنسانية التي لا تسمح لصاحبها أن يلحق أي أذى مهما قل شأنه وإن كان غير مقصود بأي من مخلوقات الله. هذا هو التأويل المنسجم مع معطيات المجال التداولي العربي الإسلامي، أما الحديث عن غريزة الحفاظ على الحياة التي فسر بها مفتاح معطيات النص هاته، فقدرتها التأويلية في هذا السياق شبه منعدمة؛ وذلك لأن الحفاظ على الحياة التي استند إليها والتي بناها على نظرية المقاصد الأصولية لا تتحدث عن مطلق الحياة، بل المقصود هو حياة الإنسان، وليس الإنسان بإطلاق بل الإنسان البريء الذي لم يرتكب جرما، وإلا لما شاعت بين الناس أمثال تربط الحياة بالقتل كقول العرب “القتل أنفى للقتل” وقول القرآن الكريم “ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب”. كما أن الحيوان حسب رؤية المجال الذي وجد فيه هذا النص، ما خلق أصلا إلا لتنزع منه الحياة وليضحى به، وحسب الرؤية الإبراهيمية نسبة إلى إبراهيم، فإن التضحية بالحيوان أي قتله هي التي ضمنت للإنسان (إسماعيل) الحياة، وهو ما يؤكد مرة أخرى وبمعنى آخر أن القتل أنفى للقتل، وأنه في كثير من الحالات يضمن الحياة ويحقق على أرض الواقع غريزة المحافظة عليها.
ونفس هذه المقدرة التأويلية الناقصة نجدها ماثلة، عند محاولة استخراج بنية الجنس من هذه المنقبة. يقول مفتاح في معرض حديثه عن هذا الجانب:” إذا كانت الحاجة الأولية التدينية واضحة لا تحتاج إلى إثبات لأن كتب المناقب والكرامات والسير النبوية ألفت من أجلها، كما أن ضرورة المحافظة على الحياة ينبغي أن تكون من البديهيات إذ لا شيء سابق عليها، ولكن مسببها هو الممارسة الجنسية مختف وراء السطور. و لذلك يمكن أن ينازع في القراءة التي تدل عليه. و لكن المنازِع عليه أن يتساءل عن مصير وجوده. و إذا ما فعل، فإن تلك القراءة تصبح من الضروريات”[45]. والملاحظ أن الأستاذ في محاولته إثبات تعبير هذه المنقبة عن هذه الضرورة لم يعمل سوى على إثبات عكس ذلك، إذ في هذا التحليل تحدث عن تواري الجنس بين السطور، لكنه لم يبرزه بواسطة التحليل كما تحدث عنه بوصفه مسبب الحياة وهذا إثبات لا علاقة له بالنص، بل هي قاعدة عامة يمكن أن تذكر في معالجة كل النصوص حتى تلك التي لا ترد فيها أية إشارة من قريب أو من بعيد بشكل مضمر أو واضح للجنس. وفي الختام يوجه خطابه إلى الذي ينازع في طرحه لهذه الضرورة بشأن هذا النص داعيا له إلى التساؤل عن مصير وجوده. ومرة أخرى التساؤل هنا لا علاقة له بالنص البتة فوجود المنازِع رهين بالجنس فعلا لكن النص لا يشير إلى ذلك بالضرورة.
وقد حاول مفتاح في أكثر من كتاب سد هذه التغرة باللجوء في حالات عدة[46] إلى تحليل النص انطلاقا من شرح الألفاظ واستحضار مرادفاتها وقلبها، وهو ما يؤدي إلى تغييب النص بوصفه علاقات بين علاماته وهو ما يجعل النص غائبا بإطلاق. وهنا يلجأ إلى استحضار موضوعات الجنس والدين والسيولة وغيرها لكن دون ربطها بالدلالة العامة للنص أي دون استحضار محور تأويلي يكون هو الموجه لعملية التأويل. لذلك يمكننا القول بأن هذا التصور يمكن أن يتخذ وسيلة لتحليل المعجم مع بقاء تحفظات عدة، أما النصوص فالمسألة فيها نظر.
ومن باب المقارنة، وإظهارا لمحدودية هذا النوع من التأويل بالفطريات، يمكننا استدعاء تصور قريب نسبيا من هذا الافتراض وهو للأنتربولوجي الفرنسي جورج دوميزيل[47] Georges Dumezil، فهذا الأخير، وهو من كبار المؤرخين والفيلولوجيين ودارسي الأساطير والأديان، وقد حاول على مدى عشرات السنين بناء فرضية يحاول بواسطتها تفسير الحضارة الهندو-أوروبية وليس الإنسانية، فانتهى بعد مقارنات أساطير وأديان المنطقة وبعد دراسات مدققة للغاتها، إذ كان يقرأ ما يقرب من أربعين لغة، إلى أن هذه النصوص كانت منظمة حسب بنية سردية متشابهة، وإلى أن الأساطير تعبر عن تصور للمجتمع منظم حسب ثلاث وظائف : الوظيفة الروحية والسيادية؛ الوظيفة الحربية؛ ووظيفة الإنتاج والخصب. وهو يذهب إلى أن الوظيفة الثلاثية توجد ماثلة في المعجم والأساطير وفي النصوص المؤسسة لروما القديمة وفي المؤسسات الاجتماعية وفي نظام الطبقات لدى الهنود وفي الإكليروس ونظام النبالة وفي غيرها، ولا تحتاج إلا إلى القارئ المسلح بالمفاهيم التحليلية من أجل استخراجها من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل.
فجورج دوميزيل، في تحليله للثقافة الهندو-أوروبية ينطلق من رؤية تعمل على التقريب بين المجموعات المبنينة والتي يربطها معنى واحد، ولا يقف عند التفاصيل المعزولة، هدفه دائما فهم المختلف ظاهريا انطلاقا من المؤتلف على مستوى العمق وعلى مستوى البنية الثقافية لكل من روما وثقافة المنطقة السكاندينافية وفي إيرلاندا وفي الهند، ففي هذا المجال الجغرافي الواسع نجد الوظائف الثلاث دائمة التوارد. وذلك لأن دوميزيل بنيوي النزعة، مثله في ذلك مثل محمد مفتاح، وإن كان هذا الأخير لا يستعمل هذا المصطلح بنفس الكثرة، ويستعيض عنه بمصطلح “نسق” « Système » ، وكلاهما سواء. ودوميزيل نفسه كان في وقت من الأوقات مترددا في استعمال أي من المصطلحين، وقد رفض في مرحلة من المراحل استعمال لفظ بنية، لكنه عاد واستعمله، يقول:” ليست هناك وسيلة لتعويض لفظ “بنية”، لقد فكرت في لفظ “نسق” في البداية، لكن فيكتور ﮔولدسميت وجهني إلى أنه من الأفضل الاحتفاظ بـ”بنية”، ذلك لأن لفظ نسق كان ملتبسا لأنه كان يتم ربطه بالأنساق الفلسفية بل والرياضية، لكن يجب الانتباه إلى أن لفظ “نسق” في اليونانية يعني “بنية”. كان علي أن أحتفظ بلفظ “نسق”، لأن ذلك كان سيحميني من أن ألحق بالبنيوية من طرف البعض”[48]. فالرغبة في إيجاد بنية أو نسق مشترك لثقافة تنتشر في منطقة جغرافية شاسعة كما هو الشأن بالنسبة لدوميزيل أو للثقافة الإنسانية ككل بالنسبة لمفتاح، هي أحد متعلقات البنيوية التي وجهت إليها انتقادات عدة، لذلك فإن دوميزيل رغم أن البعض رأى في فرضيته هذه مساعدا على معرفة البنيات الرمزية للذهن البشري، ورغم اقتصاده في الوظائف أو الفطريات بلغة مفتاح، فقد ووجه بالنقد من طرف البعض واعتبرت فرضيته أشبه بالأسطورة التي تضاف إلى الأساطير التي عمل على تحليلها، أوهي أسطورة واصفة « métamythe » كما سماها البعض، ولذلك وجب التأمل.
[1] Todorov. Les morales de l’histoire, Grasset, 1991, p.16.
[2] المركز الثقافي العربي، بيروت، الدارالبيضاء، المغرب، 1987.
[3] دار توبقال للنشر،الدارالبيضاء، المغرب، 1990.
[4] المركز الثقافي العربي، بيروت، الدارالبيضاء، المغرب، 1994
[5] بيروت، الدارالبيضاء، المغرب، 1996،
[6] بيروت، الدارالبيضاء، المغرب، 1998.
[7] بيروت، الدارالبيضاء، المغرب، 2000.
[8] مجهول البيان، ص115.
[9] التلقي والتأويل، ص 144
[10] قرار لجنة تحكيم مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية
[11] Todorov. Les morales de l’histoire, p.166.
[12] مجهول البيان، ص 89
[13] مجهول البيان، ص 95.
[14] نفسه، ص 100.
[15] مجهول البيان، ص 113
[16] نفسه، ص 113.
[17] رشيد الإدريسي، سيمياء التأويل: الحريري بين العبارة والإشارة، دار النشر المدارس، الدارالبيضاء، 2000. ص 24.
[18] Voir Umberto Eco, Les limites de l’interprétation, éd. Grasset, 1990.
[19] سيمياء التأويل، ص 29.
[20] انظر كتبه التالية:
Le signe. Bruxelles: Labor, 1988; Paris: Livre de Poche, 1992.
Lector in fabula. Paris: Grasset, 1985.
Sémiotique et philosophie du langage. Paris: PUF, 1988.
Les limites de l’interprétation. Paris: Grasset, 1992.
هذا دون نسيان أن مجال اشتغاله في بعض أعماله الأكاديمية الجامعية ارتبط بفكر القرون الوسطى، ينظر في هذا الصدد:
Le problème esthétique chez Thomas d’Aquin. Paris, PUF, 1993.
Art et beauté dans l’esthétique médiévale. Paris: Grasset, 1997
[21] مجهول البيان، ص 108.
[22] التلقي والتأويل، ص 222.
[23] نفسه، ص 112.
[24] نفسه، ص 112.
[25] نفسه، ص 101.
[26] المفاهيم معالم، ص 26.
[27] نفسه، ص 26.
[28] المفاهيم معالم، ص38.
[29] المفاهيم معالم، ص38.
[30]المفاهيم معالم، ص. 33.
[31] المفاهيم معالم، ص. 33.
[32] المفاهيم معالم، ص. 33.
[33] نفسه، ص 98.
[34] نفسه، ص110.
[35] التلقي والتأويل، ص 7.
[36] التلقي والتأويل، ص 7.
[37] التشابه والاختلاف ص. 78-79.
[38] مشكاة المفاهيم، ص 59.
[39] مشكاة المفاهيم ، ص 85.
[40] مشكاة المفاهيم ، ص 131.
[41] أشار أمبرطو إيكو في مقدمة كتابه “حدود التأويل” إلى نفس الفكرة.
[42] مشكاة المفاهيم، ص 131.
[43] مجهول البيان، ص 130.
[44] مجهول البيان، ص 130.
[45] مجهول البيان، ص130.
[46] انظر ص 162 وما يليها من كتاب التلقي والتأويل.
[47] انظر كتبه التالية:
G. Dumézil, Entretiens avec Didier Éribon, Paris, 1987, Folio. Essai.
L’idéologie tripartite des Indo-Européens, Bruxelles, 1958, Coll. Latomus.
Mythe et épopée, I. L’idéologie des trois fonctions dans les épopées des peuples indo-européens, Paris, 1968, Gallimard.
Mythe et épopée, II. Types épiques indo-européens : un héros, un sorcier, un roi, 1971, Gallimard.
Mythe et épopée, III. Histoires romaines, 1973, Gallimard.
[48] Lettres Actuelles – n° 3 oct-nov. 1993.





