البعد الإقليمي والدولي

عبد الوهاب معلمي

منذ سنتين في خطابه إلى الشعب المغربي بمناسبة حلول الذكرى الثلاثين للمسيرة الخضراء
(6 نوفمبر 2005) كان أعلن الملك محمد السادس عن مبادرة هي الأولى من نوعها في عهده تتجلى في التقدم إلى الأمم المتحدة، بعد أخذ رأي الأحزاب السياسية وممثلي سكان الصحراء، بمشروع “حل تفاوضي يخول للأقاليم الصحراوية حكماً ذاتياً” على أساس “نظام جهوي متقدم”.

والواقع أن فكرة منح الساقية الحمراء ووادي الذهب نوعاً من الاستقلال الذاتي ليست جديدة تماماً. فالملك الراحل الحسن الثاني نفسه كان تحدث عنها في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي عندما أعرب آنذاك عن تصوره لمغرب قائم على نظام جهوي شبيه بنظام الأقاليم الفدرالية الألمانية (اللاندرز).

ولم يكن ذلك صدفة إذ جاء في أعقاب قبول الملك الراحل، ببضع سنين من قبل (1981) في قمة نيروبي بكينيا، لمبدأ تنظيم “استفتاء تأكيدي” في الأقاليم الصحراوية المسترجعة. إلا أن الفكرة لم تتبلور بشكل ملموس إلا عام 2001 في النسخة الأولى لمشروع المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة جيمس بيكر المعروفة بـ “اتفاق – الإطار” أو الحل الثالث (بين الانضمام والاستقلال)، أي الحكم الذاتي. وكانت آنذاك رفضته الجزائر وجبهة البوليساريو.

أما مبادرة محمد السادس فجاءت في سياق آخر وبمنطق مختلف. فمن جهة، أتت كمحاولة لاحتواء مظاهر الاحتقان التي ما فتأت تنمو وتتصاعد في الأقاليم الصحراوية منذ بداية العهد الجديد، خاصة لدى الشباب الذي بات في جزء منه يتأثر بالآلة الدعائية لجبهة البوليساريو وتستهويه الأطروحة الانفصالية؛ ومن جهة ثانية، فإن فشل تنظيم استفتاء تقرير المصير في الصحراء في إطار مخطط التسوية الأممي لعام 1991، ثم تراجع المغرب كلية عن مبدأ الاستفتاء كحل للنزاع، ورفضه بالتالي لخطة بيكر الثانية (2003)، وضع هذا الأخير في موقف دبلوماسي صعب وعرضه لضغوط دولية قوية، فكان رده ولأول مرة منذ 1981 بأخذ المبادرة وطرح مشروع حل بديل.

مبادرة محمد السادس، على خلاف تصور الحسن الثاني عام 1984، نضج لها المغاربة فتقبلوها باستحسان، وحظيت بدعم القوى السياسية كلها، لاسيما وأنها اشترطت أن تقوم على الاستشارة والتوافق، وتقع ضمن تصور شامل يجمع بين التشبث بالوحدة الترابية والتطلع لتقوية دعائم الديمقراطية في البلاد، وطنياً ومحلياً.

لكن المبادرة، التي قطعت الآن أشواطاً هامة بعد أن كشف المغرب عن فحواها وقدمها للمجتمع الدولي وانطلقت المفاوضات بشأنها، لا زالت تثير بعض الإشكالات لابد هنا من الإشارة إليها والتطرق بشيء من التفصيل إلى أهمها.

فعلى المستوى الوطني تمثل المبادرة ثورة حقيقية بالنظر إلى الطابع المركزي للدولة المغربية الموروث عن الحماية، والذي جعله مغرب الاستقلال عنواناً للحداثة والوحدة والأمن والفعالية والتقدم، الشيء الذي جعل اللامركزية- فبالأحرى الجهوية- تبقى إلى اليوم مطمحاً عصي المنال- فكيف إذن- وهذا هو الإشكال الأول الذي سوف لن نتطرق إليه هنا- سيتم التساكن بين نظام حكم ذاتي خاص بالصحراء من جهة، ومركزية بنيوية سائدة في باقي المملكة من جهة أخرى؟

أما على المستوى الإقليمي، الذي يهمنا هنا بالدرجة الأولى، فالمبادرة المغربية، فضلاً عن أنها تقدم منهجاً جديداً في المنطقة لحل نزاعات داخلية ذات بعد ثقافي- سياسي بين الدولة وأطرافها (منطقة القبايل في الجزائر مثلاً)، فهي تصطدم فيما يتعلق بنزاع الصحراء برفض الأطراف الأخرى لها كحل تفاوضي نهائي، متشبثة باستفتاء تقرير المصير كحل أوحد لا محيد عنه. وهذا الموقف لم تنل منه في شيء، وحتى كتابة هذه الأسطر، الجولات الأولى من المفاوضات التي انطلقت بين الأطراف في صيف 2007 في ضواحي نيويورك. فهل ستفشل هذه المفاوضات كما فشلت سابقاتها وتفشل معها المبادرة المغربية؟ يهمنا هنا أن نبدي ببعض آرائنا أملاً في ألا يصل مرة أخرى ملف الصحراء إلى الباب المسدود.

لكن هنالك إشكال ثالث، مرتبط بالإشكال السابق، ويقع هذه المرة على المستوى الدولي. فعلى الرغم من كون المبادرة المغربية لقيت استحساناً وتشجيعاً من الدول الكبرى وكثير من الدول الأخرى، ورحب بها مجلس الأمن للأمم المتحدة واعتبرها “مجهوداً جدياً وذا مصداقية من المغرب للدفع بمسلسل التسوية إلى الأمام” (القرار 1754 بتاريخ 30 أبريل 2007)، إلا أن المجموعة الدولية (الجمعية العامة ومجلس الأمن) ما زالت تربط أي حل تفاوضي للنزاع “بتمكين سكان الصحراء المعنيين من ممارسة حقهم في تقرير مصيرهم”. فإلى أي مدى يحد هذا من المبادرة المغربية؟ وهل هناك من إمكانية للوصول إلى تسوية توفق بين رغبة المجتمع الدولي هذه وبين حرص المغرب على تجنب أي حل من شأنه أن يهدد وحدته الترابية؟

قبل أن نعالج هذين الإشكالين الأخيرين، نرى أنه لا بأس أن نعود أولاً إلى مفهوم الحكم الذاتي ذاته، لنتبينه ونوضح ما ينطوي عليه، وذلك لأن صيغ الحكم الذاتي عديدة والصيغة التي تقدم بها المغرب إلى الأمم المتحدة هامة ولكنها ليست نهائية، إذ تبقى رهينة بما ستسفر عنه المفاوضات- إن هي استمرت وحققت الغرض منها.

مفهوم الحكم الذاتي

تعريفه

تعبير “الحكم الذاتي” هو إحدى الترجمات العربية للفظ autonomie بالفرنسية
و Self- government بالإنجليزية، وهي الترجمة التي اعتمدها النص العربي لميثاق الأمم المتحدة في فصله الحادي عشر (تصريح حول الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي). سنعود إلى هذا الفصل فيما بعد، لكن ما يهمنا هنا هو أن الحكم الذاتي تعبير عام ليس له تعريف محدد، وبالتالي ليس هناك نموذج للحكم الذاتي يقدم حلولاً موحدة لكل الحالات وفي كل مكان. فقد يطلق لفظ الحكم الذاتي على مستويات متعددة من الاستقلال الذاتي، من مجرد لامركزية إدارية إلى دولة دون سيادة خارجية مروراً بالجهوية السياسية والفدرالية. وبالتالي فإذا استثنينا الاستقلال التام الذي قد توحي به قراءة معاصرة لمنطوق الفصل الحادي عشر السالف الذكر، فالحكم الذاتي في العرف الدستوري والدولي المعاصر هو كل نظام يوفر لجماعة ما كل الوسائل الضرورية، القانونية منها والسياسية والمؤسسية والاقتصادية والثقافية التي من شأنها أن تضمن بقاء ونمو الشخصية الذاتية لهذه الجماعة مع مراعاة احترام الوحدة الترابية للدولة التي توجد بها.

ظهر مفهوم الحكم الذاتي مع نهاية الحرب العالمية الثانية على مستويين:

– مستوى ميثاق الأمم المتحدة في الفصل الحادي عشر كما أسلفنا، واستعمل تعبير الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي بدل الأقاليم المستعمرة أو غير المستقلة، كصيغة دبلوماسية كان الغرض منها عدم إحراج الحلفاء من الدول الاستعمارية آنذاك، وفي نفس الوقت الدفع بهذه الأخيرة إلى إعادة ترتيب علاقاتها مع مستعمراتها، تماشياً مع المبدأ القانوني الجديد، مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها، الذي حواه الميثاق ضمن أهداف ومبادئ المنظمة الدولية الجديدة. فكان الحكم الذاتي في تلك المرحلة (أي حتى نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات) الشكل الأول لتطبيق مبدأ حق تقرير المصير. وبعد ذلك سيأتي قرارا الجمعية العامة/ XV1514 (ديسمبر 1960) وXXV/2625 (أكتوبر 1970) ليضيفا أشكالاً أخرى من بينها الاستقلال التام أو الانضمام أو الشراكة الحرة مع الدولة الوصية أو مع دولة مجاورة أو أي وضع سياسي آخر شريطة أن يكون صادراً عن اختيار سياسي حر للسكان؛

– مستوى بعض الدساتير الأوروبية التي أخذت بالتنظيم الجهوي السياسي كالدستور الإيطالي والبلجيكي مثلاً.

وهكذا جاء مفهوم الحكم الذاتي في تلك الفترة كرد على ثلاثة تحديات كبرى: تحدي مطالب التحرر من الاستعمار، تحدي التعايش في إطار الاختلاف، وتحدي التطور الديمقراطي واحترام حقوق الإنسان الفردية والجماعية. ولعبت الأمم المتحدة والدساتير الأوروبية في هذا الإطار دوراً كبيراً ساهم في تحديد المعايير والمبادئ العامة لنظام الحكم الذاتي التي يمكن حصرها في الخصائص الأربعة التالية: توفر سلطة تشريعية في الإقليم، ينتخبها سكان الإقليم بحرية؛ توفر سلطة تنفيذية تحظى برضا السكان وتكون مسؤولة أمام السلطة التشريعية؛ توفر سلطة قضائية خاصة بالإقليم؛ وتوفر الإقليم على الصلاحيات والاختصاصات والوسائل والإمكانيات البشرية والمادية تمكنه من ممارسة استقلال ذاتي فعلي في كل ما يهم الحياة الجماعية المحلية.

تطبيقاته

على مستوى التطبيق، وكما أشرنا إلى ذلك من قبل، هناك صيغ متعددة للحكم الذاتي، أحياناً حتى في البلد الواحد، وكل صيغة وقابلة للتطور والتحسن. وكل ذلك مرده إلى خصوصيات كل بلد، وإلى المعطيات التاريخية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية الخاصة بكل إقليم.

ومع ذلك يمكن تصنيف تطبيقات الحكم الذاتي في عالم اليوم وفق معيارين أساسيي: معيار غياب أو حضور العنصر الدولي، ومعيار درجة الاستقلال الذاتي الذي يتمتع به الإقليم.

فحسب المعيار الأول نجد أن القاعدة هي غياب العنصر الدولي، إذ جل حالات الحكم الذاتي في العالم هي نتيجة لظروف وملابسات سياسية ودستورية داخلية صرفة أو شبه صرفة، ويتعلق الأمر بالدول ذات النظام الفدرالي وبعض الدول ذات النظام الجهوي السياسي، خاصة في أوروبا. أما تدخل العنصر الدولي، وهو الاستثناء، فنجده في الحالات التي قامت على أساس نزاع دولي، كحالة منطقة ألتو آديج بالشمال الشرقي لإيطاليا التي تحكمها بالإضافة إلى الدستور الإيطالي معاهدة دولية بين هذه الأخيرة والنمسا، أو على أساس نزاع داخلي- دولي وهو الغالب، كحالة كليدونيا الجديدة الفرنسية في المحيط الهادي الجنوبي، أو جنوب السودان، أو كردستان العراق، وحالات أخرى لازال النزاع بشأنها قائماً كإقليم كوسوفو بصربيا، وشمال قبرص، وطبعاً الصحراء المغربية.

أما حسب المعيار الثاني فنجد أربع نماذج أساسية تتمثل في: أولاً، الأقاليم التي تتمتع بلامركزية إدارية واسعة من حيث الاختصاصات ونظام الرقابة الخاضعة له (وتشكل بريطانيا النموذج الأمثل لذلك)؛ ثانياً: الأقاليم التي تتمتع بحكم ذاتي جهوي سياسي حيث تملك فيه سلطة الإقليم صلاحية التشريع والتنفيذ في المجالات المخولة لها (إسبانيا، إيطاليا، بعض الأقاليم الفرنسية لما وراء البحار مثل كليدونيا الجديدة، كردستان العراق، جنوب السودان …)؛ ثالثاً، الولايات الفدرالية حيث يرتقي الاستقلال الذاتي إلى المستوى الدستوري: دستور فدرالي جامع ودستور خاص بكل ولاية، وقد أخذت بهذا النظام بعد الحرب العالمية الثانية كثير من الدول، خاصة منها الدول ذات المساحة الشاسعة أو ذات التركيبة السكانية المعقدة والمتنوعة من حيث اللغة والثقافة أو العرق؛ رابعاً، ما يعرف بالدول الحرة الشريكة Etats libres associés وهي دول بدون سيادة خارجية ولكنها مستقلة دستورياً ولها حياتها السياسية الخاصة، ولكن تربطها بالدولة الوصية روابط خاصة اقتصادية ونقدية وقضائية ومؤسسية، والنموذج الأمثل لهذه الصيغة من الحكم الذاتي نجده في دولة بورتو ريكو في بحر الكرايبي التابعة للولايات المتحدة الأمريكية.

بعد أن تعرفنا على مفهوم الحكم الذاتي وتطبيقاته، يمكننا الآن أن نتطرق للإشكالات التي تثيرها مبادرة الحكم الذاتي كحل لنزاع الصحراء.

الحكم الذاتي كحل لنزاع الصحراء

مشكل الصحراء بالنسبة للمغرب هو في النهاية مشكل إضفاء شرعية دولية لا لبس فيها (رأي محكمة العدل الدولية لعام 1975 لم يكن مرضياً للمغرب تماماً) على استرجاع أقاليمه الصحراوية من الاستعمال الإسباني عام 1975 في إطار استكمال وحدته الترابية.

أما بالنسبة للجزائر (كيفما كانت دوافعها السياسة) وجبهة البوليساريو التي تأويلها وتحميلها، فالمشكل هو مسألة “تصفية استعمار لم تكتمل” وقضية “تقرير مصير شعب”. وبالتالي فهما لا يريان من حل إلا عن طريق استفتاء تقرير مصير يفضي إلى الاستقلال، ضمن قراءة انتقائية لقرار الجمعية العامة XV/1514.

المغرب، على العكس من ذلك، وبعد حل “الاستفتاء التأكيدي” الذي لم يكتب له النجاح، وللخروج من وضع الباب المسدود الذي آل إليه النزاع، يفضل حلاً “سياسياً تفاوضياً”، ويرى في مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها ذلك الحل المنشود: حلاً وسطاً (بين الإدماج والاستقلال)، متفاوضاً عليه، ومشرفاً للجميع، ليس فيه لا غالب ولا مغلوب.

وبين هذا الحل وذاك يبقى موقف الأمم المتحدة موقف الوسيط والحافظ للشرعية الدولية الذي يسعى أن تتوصل الأطراف من خلال “مفاوضات مباشرة” إلى حل “يمكن سكان الصحراء من تقرير مصيرهم”.

مشروع الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب هو أرضية للتفاوض. والسؤال هو ما مدى الاستقلال الذاتي الذي يمكن للمغرب أن يذهب إليه لصالح الصحراء حتى يصبح عرضه مغرياً ويقنع الطرف الآخر بالتخلي عن خيار الانفصال؟

ثانياً، توقفت المفاوضات التي جرت حتى كتابة هذه الأسطر عند مسألة “تقرير المصير” التي يلح عليها الطرف الآخر والتي يعتبرها المغرب منتهية ما دام مشروعه يتضمن اقتراحاً بعرض المشروع المتفق عليه على استفتاء شعبي خاص بسكان الصحراء والمخيمات في تند وف قبل تبنيه نهائياً. ولكن، وعلى الرغم من كون مقررات وتوصيات الأمم المتحدة الخاصة بنزاع الصحراء لا تعطي مدلولاً محدداً- خلافاً لما تدعيه جبهة البوليساريو والجزائر- لما تعنيه بتعبير “تقرير مصير سكان الصحراء”، فإن المنتظم الدولي لا يقبل أن يحصر تقرير المصير فقط في قبول أو رفض الحكم الذاتي (أي تقرير المصير بمعناه الديمقراطي الداخلي). من تم السؤال: كيف للمغرب أن يتجاوز هذه العقبة (استفتاء لتقرير المصير بمعناه الخارجي) من دون أن يخاطر لا بوحدته الترابية ولا بالدينامية الجديدة التي أطلقتها مبادرته للحكم الذاتي؟

عرض المغرب للحكم الذاتي

في خطاب 6 نوفمبر 2005 حدد الملك محمد السادس نوعية الحكم الذاتي التي يرتضيها للصحراء: “حكم ذاتي قائم على أساس نظام جهوي متقدم”. لكن لم يوضح هل هذا النظام الجهوي المتقدم سيكون ذا طابع إداري أم سياسي. إلا أنه بعد انطلاق الاستشارات السياسية وفي التصريح الحكومي بتاريخ 6 فبراير 2007، تبين أن التوجه هو نحو نظام جهوي سياسي “يراعي الخصوصيات الاجتماعية والثقافية للإقليم، ويتلاءم مع المعايير الدولية للحكم الذاتي في احترام تام للسيادة المغربية”. وفعلاً جاءت خطة الحكم الذاتي التي عرضها المغرب على الأمم المتحدة في مايو 2007 مطابقة لهذا التوجه بل تذكر صراحة في فقرتها الحادية عشرة أن “المشروع المغربي مستلهم من مقترحات الأمم المتحدة ذات الصلة ومن الأحكام الدستورية المعمول بها في الدول القريبة من المغرب جغرافياً وثقافياً (يقصد هنا من دون شك إسبانيا) ويستند إلى الضوابط ومعايير متعارف عليها عالمياً”.

انطلاق المفاوضات في صيف 2007 بين المغرب وجبهة البوليساريو بضغط من المجتمع الدولي هو ولا شك في حد ذاته إنجاز دبلوماسي هام، أولاً بالنسبة للأمم المتحدة، إذ نجحت أخيراً في حمل الأطراف على التفاوض مباشرة، وثانياً بالنسبة للأطراف المتنازعة ذاتها: فالمغرب نجح في التغلب على رفض الطرف الآخر للتفاوض على أي أرضية أخرى غير مخطط بيكر ومخطط التسوية الأممي لعام 1991، كما نجح في فرض تركيبة وفده المفاوض الذي ضم ممثلين عن سكان الصحراء المغاربة. أما جبهة البوليساريو فأفلحت في الحصول أخيراً على مفاوضات مباشرة علنية ورسمية مع المغرب، ودون شروط مسبقة … كما طالب بذلك مجلس الأمن

خطة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب هي غير نهائية كما سبق وأن ذكرنا. فهل هذا يعني أن المغرب مستعد إن اقتضت ذلك ضرورات المفاوضات وتبادل التنازلات ألا يقتصر على بعض التعديلات الجزئية في الخطة بل يتخطاها إلى نوع آخر من الحكم الذاتي كتلك الأنواع التي أشرنا إليها في الجزء الأول من مقالنا هذا، أي الفدرالية أو الدولة الحرة الشريكة (حالة بورتو ريكو بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية)؟ إننا لا نعتقد ذلك، على الأقل في هذه المرحلة. لكن التقدم في المفاوضات يفرض أن نضع في الحسبان مثل هذه التصورات، خاصة وأن هذا التقدم يبقى مرهوناً بتجاوز العقبة الكأداء الأساسية المتمثلة في مسألة تقرير المصير.

مسألة تقرير المصير

في خطوة جريئة، وعلى الرغم من فشل تنظيم استفتاء لتقرير المصير في الصحراء طبقاً للمخطط الأممي لعام 1991، ضمن المغرب في مشروعه للحكم الذاتي مقترحاً (الفقرة الثامنة) يقضي بإخضاع “نظام الحكم الذاتي المنبثق عن المفاوضات لاستشارة استفتائية للسكان المعنيين طبقاً لمبدأ تقرير المصير ولأحكام ميثاق الأمم المتحدة، ويبدو أن هذه النقطة بالذات هي التي هيمنت على الجولتين من المفاوضات التي جرت بين الطرفين في صيف 2007 بضواحي نيويورك، والتي بسببها لم تتقدم هذه الأخيرة كثيراً ولم تدخل بعد في صلب الموضوع الذي هو الحكم الذاتي كما كان يأمل المغرب. فجبهة البوليساريو ووراءها الجزائر تريد الحسم أولاً فيما تعتبره جوهرياً بالنسبة إليها ألا وهو تقرير المصير بالمعنى الخارجي (حول السيادة)، بينما المغرب يرى أن تخويل سكان الصحراء نظاماً يمكنهم من حكم أنفسهم بأنفسهم واستشارتهم لتبني هذا النظام هو أيضاً شكل من أشكال تقرير المصير، بمعناه الداخلي الديمقراطي (يمكن هنا استحضار مثال بورتو ريكو التي أزالتها لجنة تصفية الاستعمال- لجنة ال24- التابعة للأمم المتحدة من لائحة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي بعد أن أكد سكان هذا الإقليم عام 1993 باستفتاء دستور 1952 الذي يجعل من بورتو ريكو دولة حرة شريكة تابعة للولايات المتحدة) لكن واعتباراً لما قلناه من قبل من المستبعد أن يضغط المجتمع الدولي لأن تنحصر المفاوضات فقط في الحكم الذاتي كحل نهائي وكخيار وحيد لتقرير المصير (أنظر تقرير الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان بتاريخ 16 أكتوبر 2006 خاصة فقراته من 14 إلى 19).

من تم، فإما ستفشل هذه المفاوضات ونعود إلى نقطة البداية لتبقى الأمور على حالها لفترة أخرى من الزمن إلى أن تبرز تطورات جديدة (كأن يختار المغرب مثلاً أن يطبق بشكل انفرادي نظام الحكم الذاتي في الصحراء) وتعيد ملف الصحراء إلى الواجهة مرة أخرى. وإما ينظر إلى الدينامية الجديدة التي خلقتها المبادرة المغربية والمفاوضات التي تلتها على أنها تحول حاسم ومكسب ثمين يتعين الحفاظ عليه واستثماره للتقرب من الحل النهائي للنزاع، وفي هذه الحالة سيكون لا مناص للأطراف من تبادل تنازلات من شأنها تضييق الهوة الفاصلة بينها.

وفي هذا الإطار، وفي نظرنا، خيارات المغرب يمكن أن تصب في اتجاهين رئيسيين:

أولاً، مصاحبة هذه الدينامية الجديدة بدبلوماسية جديدة أيضاً باتجاه الجزائر واتحاد المغرب العربي: دبلوماسية ترنو إلى التقليص قدر المستطاع من تأثير ملف الصحراء على العلاقات بيننا والجزائر، وبالتالي على العمل المغاربي المشترك في إطار اتحاد المغرب العربي الذي شلت مؤسساته منذ التسعينيات؛ دبلوماسية تهدف إلى بعث روح الثقة والتعاون من جديد بيننا والجارة الجزائر، وتحويل هذه الأخيرة- ولما لا؟ لنتذكر التقارب الكبير الذي حصل بين البلدين بين 1987 و1992 بفضل الحسن الثاني والشاذلي بنجديد- من وضع الخصم إلى وضع الوسيط في مفاوضاتنا مع جبهة البوليساريو.

ثانياً، إذا كان لا مندوحة عن العودة إلى استفتاء تقرير المصير بالمعنى الخارجي لتحاشي العودة إلى الباب المسدود، يحق للمغرب باسم حقوقه التاريخية ومصالحه الحيوية وباسم الصحراويين الذين يمثلهم أو الذين يعيشون في مخيمات تند وف غصبا عنهم، أن يطلب لذلك شروطاً وضمانات يتم الاتفاق عليها مسبقاً. ومن هذا المنظور يمكن للمغرب مثلاً أن يفاوض على المدة التي ستستغرقها الفترة الانتقالية (عشر سنوات أو أكثر كما هو الشأن في حالة كليدونيا الجديدة الفرنسية)، وعلى خيارات استفتاء الوضع النهائي (حكم ذاتي الفترة الانتقالية، حكم ذاتي آخر أكثر تقدما، استقلال)، وحتى على ما بعد استفتاء الوضع النهائي إن تضمن هذا الأخير إمكانية الاستقلال.

والخلاصة هي أن ملف الصحراء، بعد المبادرة المغربية وانطلاق المفاوضات المباشرة بين المغرب وجبهة البوليساريو، بات ومعه مستقبل المغرب العربي في مفترق طرق: إما يتشبث كل طرف بموقفه فتفشل المفاوضات ويبقى الوضع على ما هو عليه (إذا ما لم يقرر المغرب تطبيق الحكم الذاتي بشكل منفرد)؛ وإما يقترب أحد الطرفين من الآخر فتتقدم المفاوضات ويتغير الوضع. وإذا كان من الصعب التكهن أياً من الطريقين سيأخذها هذا الملف، فإنه من المؤكد أن تسويته لا زال طريقها طويلاً وشاقاً.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading