وتقويم الوضعية التعليمية التعلمية
عبد الرحيم تمحري
مفتش منسق جهوي تخصصي
لمادة الفلسفة بأكاديمية جهة دكالة –عبدة
أولاً – المستوى الإشكالي:
إن الموضوع الحالي، لمقاربته، يضعنا أمام عدة تساؤلات، من بينها:
ما هي مكونات الوضعية التعليمية . التعلمية؟
ما هو الموقع السيكولوجي داخل هذه المكونات؟
ما هي حاجة ورغبة المشرف التربوي في المعرفة السيكولوجية لتقويم الوضعية التعليمية. التعلمية؟
ما هي حدود المعرفة السيكولوجية في تقديم تقويم موضوعي للوضعية التعليمية. التعلمية؟
ثانيا ً . المستوى التحليلي:
1. الوضعية التربوية كوضعية معقدة ومهمة المشرف التربوي:
لقد بات من البديهي القول بأن مكونات الوضعية التعليمية. التعلمية معقدة، متداخلة ومتبادلة التأثير والتأثر، فهي كوضعية مصطنعة في مجال محدد هو الفصل الدراسي، تتألف من المدرس والمتمدرس والعلاقة بينهما، والتي ليست من طبيعة معرفية لفظية محضة، بل وبالأساس عاطفية وجدانية، واجتماعية تفاعلية، وتقوم على تعديل أو تغيير أو تنمية سلوك وشخصية المتعلم.
وهكذا نجد أننا أمام تداخل لعدة أبعاد في الوضعية التربوية كاصطلاح على الوضعية التعليمية -التعلمية، منها البعد المعرفي والبعد الاجتماعي والبعد الفلسفي، والبعد السيكولوجي …… إلخ.
هذه الأبعاد تكون من العمومية بمكان إذا تناولناها داخل الوضعية التعليمية–التعلمية باعتبارها وضعية تربوية، وعملنا على تحليلها. فكل وضعية تربوية مكونة من مدرس ومتعلم، تفترض من ضمن ما تفترض العناصر التالية:
– أن يكون المدرس منتدباً من طرف المجتمع للقيام بالفعل التربوي وممارسته على المتعلم؛ لذلك يكون المدرس معبراً عن ايديولوجيا وفلسفة -إن كانت تمة فلسفة -المجتمع، وعاملاً على تطبيقها.
– أن تتم التربية كفعل داخل وضعية تعليمية – تعلمية، يكون قصدياً وغرضياً، أي أنه يستهدف تحقيق مقاصد معينة وأغراضاً محددة، يكون المجتمع – معبر عنه في الجهات الرسمية، صاحبة القرار التشريعي وخاصة التنفيذي، قد سطرها وتوخى تجسيدها لدى النشء المتعلم، وهيأ لها الإطار، المعلم.
– أن تستلزم ممارسة الوضعية التربوية تلك بما هي معبرة عن ايديولوجية المجتمع وساعية لتحقيق العنف الرمزي -كما عبر عنها بيير بورديو P. Bourdieu – على المتعلم بالعمل على طبعه Inculcation بثقافة المجتمع السائدة، كما تستلزم أحيانا أخرى ممارسة العنف المادي عليه (العقاب بشتى أنواعه)، لا فقط لكي يتشرب قيم المجتمع من خلال ثقافته؛ بل وللخضوع والامتثال والانضباط لمعايير المؤسسة التربوية التي يتعلم داخلها.
– أن العملية التعليمية -التعلمية بما أنها تتم في مجال مصطنع محدد هو الفصل الدراسي، الذي يضم فاعلين تربويين: المدرس والتلاميذ فإن تفاعلات عدة تحدث على المستوى البشري بين المدرس والتلاميذ وبالعكس -أي بين التلاميذ والمدرس -وبين التلاميذ فيما بينهم، هذه التفاعلات تتمحور أساساً حول “المعرفة المدرسية ” بمختلف مقتضياتها كمادة وكوسائل وطرق وأهداف . . . إلخ؛ مما يعني ضرورة حضور المنهاج الدراسي من خلال ” الدرس “، وان كانت التفاعلات محكومة بعناصر أخرى، منها ما هو بيئي (إيكولوجي) أي المدرسة وموقعها وهندستها…، ومنها ما هو عاطفي أي نوع المشاعر التي لدى المدرس والتلميذ تجاه المادة، وتجاه بعضيهما انطلاقا من نوع التمثلات والصور التي يحملها كل واحد عن الآخر، ومنها ما هو سيكو- معرفي وسيكو- بيداغوجي، أي مدى ملاءمة المادة الدراسية أو المعرفة المدرسية كتجزيء للمنهاج الدراسي للمستوى العقلي – النفسي للتلاميذ، من حيث توافق وحداتها مع مراحل نمو التلميذ، وكذا مدى تمكن المدرس من وسائله وتحكمه في أدوات التبليغ.
هذه العناصر / الاعتبارات تفرض إذا اقتصرنا عليها دون ذكر غيرها –كالشروط الاجتماعية والسوسيولوجية التي تتم فيها تلك الوضعية التعليمية -التعلمية، والظروف الاقتصادية المحيطة بها، والآفاق المستقبلية للوضع الاجتماعي والمجتمعي العام الذي تتم فيه تلك الوضعية التقويم من طرف المشرف التربوي، ويحتاج فيها إلى علوم إنسانية وعلوم تربوية متعددة، منها علم النفس.
إلا أننا إذ ا أردنا أن نكون منهجيين أكثر، لعملنا على تخصيص مجال محدد – أو مجالات محددة. في هذه الوضعية، قصد مقاربتها بمزيد من الدقة من وجهة نظر علم النفس، والا سقطنا في نزعة سيكولوجاوية Psychologisme تؤول كل عناصر ومكونات ومقتضيات العملية التعليمية -التعلمية إلى مسببات نفسية؛ لهذا، يمكن أن تقتصر في هذه الناحية على أطراف محددة من هذه الوضعية، أي المدرس والتلميذ والبرنامج الدراسي؛ ولكن في إطار علاقة تفاعلية، تأخذ بعين الاعتبار حضور ما هو معرفي أي المنهاج الدراسي، مادام الذي يجمع المدرس والتلاميذ أصلاً قاسم معرفي يجسده ” المنهاج الدراسي”.
يجعلنا هذا التحذير المنهجي أمام عدة تساؤلات من صنف: ما هي حاجة ورغبة المشرف التربوي في المعرفة السيكولوجية لتقويم الوضعية التعليمية -التعلمية؟ والى أي حد تعتبر المعرفة السيكولوجية كافية في تقديم تقويم موضوعي للوضعية تلك؟
2. المشرف التربوي ، المعرفة السيكولوجية وتقويم الوضعية التربوية:
لنبدأ بتحديد حقل ومهام عالم نفس التربية Le psychologue de l’éducation , قبل أن نرى مدى مطابقة مهام المشرف التربوي المسلح بالمعرفة السيكولوجية معه.
في دراسة له بعنوان “سيكو-سوسيولوجية التربية – Psychosociologie de l’éducation “، يكتب ميشيل جيلي Michel Gilly : “إن الحقل Champ الأكثر خصوصية لعالم النفس هو التفاعل التربوي في علاقاته مع التغيرات الفردية التي تمت إستثارتها – أي تلك التغيرات -، أما مهمته Tâche المركزية، فهي دراسة السيرورات الداخل – فردية (العامة والفارقية)، والتي بفضلها تتم تلك التغيرات / التحولات الفردية؛ على أن الأهمية المعطاة للحقل الداخل – فردي في الوضعيات التربوية، يتماشى بموازاة مع الاهتمام المعطى للحقل البين – فردي”Interindividuel ([1]) أي أن المهتم بالسيكولوجيا في مجال التربية، عليه الاهتمام بالتغيرات التي تحصل لدى الأفراد في الوضعيات التربوية، بعد أن تتم استثارة تلك التغيرات، وما ينتج عنها من تفاعل تربوي داخل الأفراد أنفسهم، وبين أولئك الأفراد وغيرهم ممن حصلت لديهم تحولات وتغيرات بفعل أنواع معينة من المثيرات.
لا يقف جيلي – Gilly عند هذا الحد، بل يبين طبيعة الخطوات التي على هذا المهتم أن يتبعها – على المستوى المنهجي – ليحقق مهمته، يقول : ” يجد عالم النفس الاجتماعي المهتم بالتربية، في أغلب الأحيان ضالته في الانطلاق من البناءات النظرية التي توفرها مختلف قطاعات علم النفس، وبشكل أخص علم النفس الاجتماعي، شرط أن تكون البناءات تلك دقيقة في دراسة إشكالياتها”([2]).
يعني هذا، أن المشرف التربوي سيعتمد على السيكولوجيا لتقويم الوضعية التربوية، أي يرتدي هنا رداء السيكولوجي، لكن مشكلته كمشكلة عالم النفس التربوي، هو أنه لا يجد معطيات نظرية متوفرة داخل علم النفس التربوي؛ بل عليه أن يستند إلى البناءات النظرية Constructions théoriques التي توفرها فروع أصناف علم النفس الأخرى، وخاصة علم النفس الاجتماعي، وبتعبير آخر يجد المشرف التربوي نفسه هنا أمام إحدى الإشكالات الفارضة لنفسها في علم النفس التربوي، وهي الأساسية والتطبيقية؛ أي هل علم النفس التربوي أساسي ينتج نظرياته؟ أم هو فقط تطبيقي يكتفي بتطبيق النتائج النظرية المتوصل إليها في فروع علم النفس الأساسية في مجاله؟
هذا فقط إذا ما تم الاقتصار على تقويم التفاعل التربوي بين الأفراد وداخل نفس الفرد؛ وكما سبقت الإشارة، فليست هناك علاقة تفاعلية بين المدرس والتلميذ في غياب المناهج الدراسية، وبهذا المعنى يمكن طرح التساؤل الآتي: كيف سيكون وضع المشرف التربوي الذي يستهدف تقويم الوضعية التربوية في جانبها المنهاجي، مسلحاً بالمعرفة السيكولوجية؟
إذا كان من المعلوم أن وضع المناهج قبل تقويمها، لا يحتاج إلى عالم النفس ومعرفته فقط؛ بل يحتاج قبل كل شيء إلى المتخصصين في المادة العلمية/ المعرفية المراد دراستها وتدريسها، ثم يحتاج إلى البيداغوجي الذي يقسم تلك المادة ويضع لها أنسب الطرق والوسائل البيداغوجية (والديداكتيكية) لتصريفها، فكيف يمكن تصور نوع العلاقة التعاونية والتكاملية بينهم جميعا، قبل الإقدام على تقويم المناهج؟
يعبر كاستون ميالاري G. Mialaret عن امتعاضه بخصوص عدم فهم العلاقة التعاونية التي ينبغي حصولها بين المختص في المادة وبين البيداغوجي، وبينهما وبين السيكولوجي بالقول: “إن التعاون الذي لابد منه بين ثلاثة أشخاص (أو بين ثلاثة مظاهر للشخص الواحد) وهم : المختص في المادة الدراسية (المادة العلمية)، وبين عالم النفس، وبين البيداغوجي، ليس بعد أمرا مستساغاً لدى الجميع.
1) فالمختص في المادة العلمية، يعود بكيفية ضمنية إلى قاعدة البداهة الديكارتية، ظاناً أن معرفة مضمون مادة تعليمية يعتبر الشرط الوحيد والأساسي لتبليغها للمتعلمين (…). من البديهي أن هذا الرأي فيه جانب من الصحة؛ إذ من المستحيل تدريس مادة دراسية معينة ونحن على غير علم بها بكيفية جيدة، وكنا نردد باستمرار: “إن المربين الأكفاء لا يتكونون من جهال المادة التخصصية “. بيد أن التحليل الابستمولوجي من جهة والتحليل السيكولوجي من جهة ثانية للمادة العلمية (تاريخ -رياضيات -فيزياء… إلخ)، لا يبين بأن لهذه المعرفة بنية داخلية شفافة واضحة، يمكن إدراكها بشكل يساعد على النقل الآلي لها إلى ذهن المتعلم؛ إذ لابد من مجموعة من المفاهيم والمبادئ، والقيام بجملة من الوظائف النفسية لإدراكها، فضلاً عن وجود اتجاهات إيجابية لدى المتعلم نحو هذه المادة المعرفية المقدمة له. هذا وان كنا لا ننكر بأن بعض المدرسين قد تغلبوا على بعض هذه المشاكل دون وعي منهم بذلك.
2) أما أهمية عالم النفس في هذا الموقف، هي بيان كيف أن المدرس يوظف عددا كبيرا من الوظائف النفسية ويستخدم بنيات ذهنية تنمو خلال التعلم بشكل تدريجي، أثناء الاستعمال التطبيقي للمادة العلمية المكتسبة. كما قد يوضح عالم النفس أن التلميذ الذي لا يقبل على تعلم هذه المادة الدراسية، ربما لم تنم لديه بعد البنيات والوظائف النفسية لاستقبالها، كما يرى التكوينيون.
3) أما الحضور البيداغوجي للمواقف التعليمية، فهو جد ضروري لأنه يزودنا بأساليب نقل وتبليغ المواد العلمية للمتعلمين دون أن تخطئ الهدف الذي نسعى إلى الوصول إليه؛ كما يفيد الحضور البيداغوجي في العملية التعليمية في اختيار الوسائل التي تقودنا إلى ذلك الهدف، وأن على البيداغوجي بدوره أن يمتلك قدرا معرفياً كافياً في المادة العلمية التي يعلمها، وأن يكون على اطلاع على نوعين من المشاكل النفسية:
– مشاكل مرتبطة بالمادة العلمية نفسها؛
– مشاكل مرتبطة بالتكوين النفسي – الاجتماعي للمتعلم.
كما ينبغي على البيداغوجي أن يستخدم آليات التعلم ومختلف الأساليب العلمية لتدريس المواد؛ كتحديد علاقة المادة التي يدرسها بالمواد الدراسية الأخرى في البرنامج الدراسي العام، والاتفاق مع مدرسي بقية المواد الأخرى، ومراعاة الشروط النفسية المساعدة في فهم المادة الدراسية وإدراكها (علم النفس)، واختيار أنجع الأساليب وأفضل التقنيات البيداغوجية لنظام العمل في الفصول الدراسية بكيفية فردية أو جماعية، بقصد الوصول إلى تحقيق الأهداف المسطرة، والشكل الآتي يوضح ضرورة تعاون بين المختص في المادة العلمية وبين عالم النفس وبين البيداغوجي:
([3])
يتضح من هذا التحليل، أن المشرف التربوي الذي يستهدف تقويم الوضعية التربوية في جانبها “المنهاجي” والمسلح بالمعرفة السيكولوجية، هو في وضعية غير مريحة بالمقارنة مثلا مع المشرف التربوي الذي يستهدف تقويم الوضعية التربوية في جانبها “المنهاجي “، والذي يكون هذه المرة مسلحاً بالمعرفة البيداغوجية.
ففي الوقت الذي يكتفي فيه عالم النفس ببيان:
– نوع الوظائف النفسية التي يستغلها المدرس؛
– عدد البنيات الذهنية التي يستخدمها المدرس والتي تنمو خلال التعلم بشكل متدرج أثناء تطبيق المادة الدراسية؛
– عدم إقبال التلميذ على تعلم بعض المواد الدراسية ما لم تنم بعض وظائفه وبنياته النفسية، مما يجعل من المشرف التربوي المستند على عالم النفس قد يكون محددا.
نجد أن البيداغوجي ينفتح على المهام التالية:
– توفير أساليب نقل وتحويل المواد الدراسية إلى التلاميذ مع استحضار الهدف المتوخى؛
– التمكين من اختيار الوسائل التي تؤدي إلى الهدف المتوخى بلوغه؛
– تحديد علاقة المادة الدراسية بالمواد الدراسية الأخرى في المنهاج الدراسي (البرنامج)؛
– اختيار الأساليب والتقنيات البيداغوجية الملائمة إما لنظام العمل الفردي أو العمل الجماعي.
وبتعبير آخر، فالمشرف التربوي المسلح بالمعرفة البيداغوجية قد يكون أقرب إلى فهم العملية التعليمية – التعلمية، خاصة من جانبها المنهاجي؛ حيث حضور المادة الدراسية، المادة المعرفية.
إلى أي حد يصح هذا الافتراض؟ وما هي حاجة المشرف التربوي من المعرفة السيكولوجية لتقويم الوضعية التعليمية – التعلمية؟
قبل مقاربة هذين التساؤلين، تنبغي الإشارة إلى ما يلي:
إن المشرف التربوي باعتباره موجودا في قلب القرار التربوي بين المشرعين. وقد يكون واحدا منهم -، وبين المنفذين -ويكون هو الساهر عليهم -، يوجد في مأزق لأنه هنا لن يكتفي فقط بالمعرفة السيكولوجية؛ بل وبمعارف أخرى تعتبر كلها ضرورية منها:
– القرارات التربوية الصادرة عن المشرعين؛
– الفلسفة التي يتأسس عليها المجتمع ونوع القيم التي يروج لها؛
– المادة الدراسية كمادة للتخصص، كتاريخ وقضايا؛
– النظريات السيكولوجية المتصلة بالنحو الذهني والنفسي لدى الطفل والمراهق؛
– النظريات البيداغوجية المتصلة بطرق التعليم والمفيدة للمدرسين.
مرة أخرى، تحضر ضرورة ” المنهاج الدراسي” كقاعدة يتم الوقوف عليها لفحص المهمة التقويمية للمشرف التربوي للوضعية التعليمية – التعلمية.
3 . المنهاج التربوي كأساس لتقويم الوضعية التعليمية
التعلمية:
لا تكاد التعريفات المقدمة للمنهاج الدراسي تخرج عن التعريف الذي قدمه جيلبيردو لاندشير G. De Landsheere ، إذ يقول: “المنهاج هو مجموعة من الأنشطة المخططة لإثارة التثقيف، ويشمل: تحديد أهداف التعليم والمضامين والطرق (بما في ذلك التقويم) والوسائل (بما في ذلك الكتاب المدرسي) والإجراءات المرتبطة بتكوين المدرس “([4]).
فلنقف على بعض منها لدى بعض الباحثين العرب والمغاربة.
يقول أحدهم: ” المفهوم الأكثر شمولية واجرائية للمنهاج هو: مجموع الخبرات التربوية والأنشطة التعليمية التي توفرها المدرسة ليتفاعل معها الطلاب داخل المدرسة وخارجها تحت إشرافها، بقصد تحويل سلوك الطلاب نحو الأفضل في جميع المواقف الحياتية “([5]).
ويقول آخر: “يعد المنهاج التعليمي تخطيطاً منظماً لعملية التعليم والتعلم في ضوء فلسفة تربوية مترجمة إلى أهداف واضحة وأنشطة وخبرات وظيفية، وطرائق ووسائل مناسبة، وأساليب اختبار هادفة لتمحيص مدى تحقق الأهداف المنشودة وتقويم مدى فعالية العناصر المتفاعلة في السير نحوها، وبهذا المعنى تعتبر المناهج وسيلة التربية لتحقيق أهدافها، وتصبح مجسدة في مجموع الخبرات التعليمية المنظمة وفق خطة هادفة في محتوياتها ووسائلها وأساليبها، قصد إحداث التغير المطلوب في شخصية المتعلمين بواسطة تنمية قدراتهم العقلية وقيمهم الوجدانية ومهاراتهم الحركية، في ضوء الأسس التي تنبني عليها الفلسفة التربوية المعمول بها”([6]).
ويعرفه آخر استناداً إلى كاستون ميالاري، بالقول: “يستعمل هذا المصطلح غالبا، إما للدلالة على مقرر خاص بمادة معينة لمستوى دراسي محدد، واما يقصد به مقرر مادة لمرحلة دراسية بأكملها؛ كما يراد به مقرر مواد مختلفة خاصة بمرحلة أو عدة مراحل دراسية. وبالإضافة إلى هذ ا، فإن المصطلح يستعمل أحيانا بمفهوم أوسع، يشمل مختلف الانشطة التعليمية من مضامين ووسائل تعليمية ومناهج مستعملة “([7]).
تجمع هذه التعريفات على مفاهيم الأنشطة التعليمية، والمضامين المعرفية، والوسائل التعليمية، واحداث التغييرات في شخصيات المتعلمين من مختلف جوانبها؛ لذلك، فشخصية المتعلمين تهمنا هنا أكثر من غيرها، مادام المشرف التربوي المستفيد من المعرفة السيكولوجية يستهدف تقويم العملية ألتربوية، وقلب هذه العملية / الوضعية أي المناهج.
في هذا الصدد، ومادام معلوماً أن المنهاج الدراسي الذي يبنى على أسس فلسفية واجتماعية ومعرفية ونفسية؛ فالمشرف التربوي إذ يركز على الأساس النفسي في هذا البناء، سيأخذ بعين الاعتبار أن هذا الأساس ينبثق من احتياجات المتعلم الجسمية والنفسية والعاطفية والاجتماعية والروحية، ومن مطالب النمو للمتعلم؛ فضلا عن مراعاة نظريات التعلم والأسس والأصول المتبعة في عملية التعلم والتعليم، وفق ميول وخصائص وقدرات المتعلم بتحديد التقنيات التربوية المناسبة. وعليه، حسب بعض الباحثين، يمكن طرح التساؤلات الآتية:
هل يراعي المنهاج كمحتوى الفروق الفردية؟
هل يستجيب المنهاج لاحتياجات الأفراد؟
هل يرتبط تنظيم محتوى المنهاج بمستويات التلاميذ؟ ([8])
إن هذه التساؤلات وغيرها، هي ما يسمح للمشرف التربوي تقويم المنهاج، ومن تم تقويم الوضعية التعليمية -التعلمية.
صحيح أن المشرف التربوي لا يمكنه تحقيق تقويم موضوعي للمنهاج والوضعية التعليمية إلا متى ساهم في بناء المنهاج، ومتى كان تقويمه له يستهدف أصلا الرغبة في تطوير المنهاج وتجاوز كل المعوقات وردم كل الثغرات، التي تعاني منها المناهج السابقة.
وصحيح كذلك، أن لا معنى لأي تقويم تربوي موضوعي كيفما كان، إذا لم يقم على دراسة تحليلية لمكونات هذا المنهاج، ودراسة تتبعية لتطبيق المنهاج. هذه الدراسة لا ينبغي أن تكون انطباعية أو إنشائية؛ بل علمية تستند إلى تحليل الوثائق التي تشكل المنهاج نفسه، وتستند إلى إجراء دراسات تجريبية، بناء على ما يصطلح عليه بالتصميم التجريبي الذي ينطلق أصلا من فرضية موجهة قصد التحقق منها أو دحضها، ومن اختيار عشوائي لعينة تجريبية (أو أكثر)، ولعينة ضابطة (أو أكثر) وحساب العوامل المؤثرة في الصدق الداخلي (الأحداث التاريخية -النضج -القياس -وسيلة القياس. القيم الاحصائية المتطرفة -أخطاء التحيز -الغياب)، وكذا العوامل المؤثرة في الصدق الخارجي (أثر القياس القبلي + أثر الظروف المصطنعة التي تتم فيها التجربة. أثر التفاعل بين عاملين أو أكثر من العوامل السابقة) – كما هو معروف في تقنيات البحث.
إذن ما الفائدة أساساً من تقويم المنهاج التعليمي كأساس للوضعية التعليمية-التعلمية إذا لم يكن الهدف هو تطوير السابق وبناء اللاحق أحسن من السابق وأكثر تقدما عليه؟
لا نستغرب إذن إذا وجدنا أن الباحثين في المناهج التربوية بعالمنا العربي. والمغربي. يلتقون عند نقاط نقد ما هو قائم من مناهج باعتبارها متخلفة عن العصر، وغير مواكبة لمستجدات الحياة الحضارية المعاصرة لنا، وغير مستجيبة لمتطلبات المتعلم من جميع النواحي؛ وهم هنا لا يعملون إلا على تحميل المشرفين التربويين طرفا من المسؤولية في تخلف المناهج التعليمية، مما يستدعي تحرك هؤلاء لمواجهة هذا التخلف، بالتسلح بمعطيات العلوم التربوية والإنسانية ومن ضمنها علم النفس:
في هذا السياق يرى بعض الباحثين العرب، أنه لتحديد صفات المنهاج التعليمي المناسب، ينبغي توفر ما يلي:
– أن يتم استيحاء المنهاج من حاجات المتعلم وثقافة المجتمع؛
– أن يتمحور المنهاج حول شؤون الحياة ومشاكلها؛
– أن تكون مواده منسجمة ومتماسكة؛
– أن يعنى بالنواحي الذهنية والعاطفية والعلمية للسلوك الإنساني؛
– أن يهدف المنهاج إلى الإصلاح الاجتماعي؛
– أن يراعي المنهاج الفوارق الفردية والحاجات المشتركة([9]).
نخرج بعد التأمل في هذه المتطلبات بفكرة مفادها، أن سوسيولوجيا التربية وسيكولوجيا التربية تحضران بشكل واضح، ومادامت السيكولوجيا هي التي تهمنا هنا، فإن باحثا آخر يرى أنه إذا كان المتعلم المستهدف في نهاية العملية التعليمية-التعلمية، فينبغي إذن أن يتمحور المنهاج حول المتعلم ويساعده على التكيف مع بيئته وفهم مجتمعه، والمساهمة في حل مشكلاته والعمل على ازدهاره؛ وذلك بالعمل على ما يلي:
– تنوع الأنشطة والخبرات التعليمية لمراعاة الفروق الفردية؛
– تكامل وتوازن الخبرات من حيث اهتمامها بالنواحي العقلية والجسمية والنفسية والاجتماعية والروحية؛
– مراعاة المستوى العقلي والزمني للمتعلمين؛
– ربط الخبرات والأنشطة الدوافع والحاجات الحقيقية؛
– حفز المتعلم على مواصلة التعلم؛
– شحذ الفكر وحفزه على الإبداع([10]).
هذه الجوانب التي تم تسطيرها كتطلعات، ينبغي تحقيقها في المنهاج وفي التعليم والتعلم كوضعية تتخذ من التلميذ / المتعلم نقطة محورها وبالتالي نقطة انطلاقها، وربما هنا صدقت المقولة البيداغوجية المشهورة: ينبغي أن ينطلق المعلم من حيث يوجد المتعلم . فمراعاة التلميذ في مختلف جوانبه العقلية والجسمية والنفسية والاجتماعية والروحية، والعمل على تحفيز المتعلم على الإبداع وتعلمه الذاتي، وتعلمه المستمر: هي أحد شروط تقويم المنهاج التي ينبغي أن تكون حاضرة حتى في بنائه؛ وهي إحدى المداخل التي ينفذ منها المشرف التربوي عند إنجاز ذلك التقويم.
كما يمكن أن ينفذ المشرف التربوي من مدخل آخر يتصل بالمدرس وطريقته في علاقتها بنمو جانب من جوانب الشخصية الإنسانية للتلميذ، كأن يقوم مدى الآثار البيداغوجية للمهارات الذهنية للمدرس على التلميذ، من حيث إنماء فكره الصوري في مرحلة المراهقة بتدخل تربوي يعتمد استعمال العمليات الصورية، التي تسمح له بتخطيط تعليمه وتمكينه من تحقيق مردودية أكبر من ذاك الذي – أي المدرس – يستعمل عمليات واقعية مثلا([11]).
ثال . المستوى الاستنتاجي:
يجعلنا هذا التحليل السابق أمام استنتاجات من النوع الآتي:
إن مهمة المشرف التربوي ليست في الواقع سهلة، ولا يمكن اختزالها في المستوى السطحي للتقويم التربوي للوضعية التعليمية -التعلمية، أي التقويم من خارج أو من عل؛ بل لابد من انخراط كلي في الوضعية تلك، يتحقق بالمعرفة الدقيقة لمختلف مكونات تلك الوضعية.
إن تعدد المهام التي على المشرف التربوي القيام بها، أو بالأحرى تداخل هذه المهام، سوف لن يجعل منه فعلاً رجل الاختصاص؛ بل رجلاً متعدد الاختصاص – polydisciplinaire , وقد يكون هذا التعدد على حساب المعرفة الدقيقة أو البناء المحكم للمنهاج؛ من هنا جاز التعاون بين المشرف التربوي واختصاصات أخرى، منها علم الاجتماع (البحث في الحاجيات الاجتماعية والثقافية والنمائية للمجتمع وأفراده في مادة معينة) ؛ ومنها التخصص في المادة الدراسية (التقاء السلط والمرجعيات العلمية في اختصاص معين قصد توفير النصوص وتغطيتها وأرضيتها وسياقاتها)، ومنها علم النفس (البحث في مدى مراعاة تلك المواد لسن ونمو وحاجيات المتعلمين)، ومنها السيكو- بيداغوجيا والديداكتيك (البحث في الطرق والوسائل المتنوعة والناجعة والأكثر إفادة، لإبلاغ وتصريف تلك المواد ).
تتطلب هذه المهام فرق عمل أو مجموعات بحث متخصصة ومنفتحة على بعضها، يكون المشرف التربوي حاضرا فيها كباحث، أي كدارس للساحة التربوية انطلاقاً من أهم الفاعلين فيها؛ يعني المدرسين، ليكون لهم حضورا أثناء بناء المناهج الدراسية حتى يكون لتقويم المناهج والوضعيات التربوية مصداقية ومشروعية، مادام – عادة – المدرس هومن يقع عليه فعل التقويم كمنفذ مباشر للمنهاج وطرف فاعل في الوضعية التعليمية – التعلمية من جهة، ومن جهة أخرى، لأن المدرس بإمكانه أن يكون باحثاً هو كذلك إلي جانب المشرف التربوي وتحت إشرافه، مادام المدرس يحتك يومياً بالساحة التربوية وبالوضعية التعليمية – التعلمية التي يكون التلميذ المتعلم فيها هو المستهدف في النمو والاستقلالية ….. إلخ.
فهل في وسع إصلاح منظومة التربية والتكوين أن يحقق هذا الرهان، وهو الذي اعتمد رافعات عديدة في هذا الورش الوطني الكبير، وأهمها بيداغوجيا الكفايات والمشاريع الاصلاحية داخل البرنامج الاستعجالي الكبير، وتحدي الجودة في مغرب التربية، مغرب العهد الجديد؟
[1] Michel Gilly, psychosociologie de l’éducation, Article in : Psychologie sociale – ouvrage collectif sous la direction de Serge Moscovici, Paris, PUF Fondamental, 1984, P. 474.
[2] Ibid, P. 475.
[3] كاستون ميالاري: علوم التربية والديداكتيك، ترجمة: أحمد أوزي، مجلة الدراسات النفسية والتربوية، عدد 10, الدار البيضاء. مطبعة النجاح الجديدة، دجنبر 1989، ص. ص:9.7.
[4] Gilbert de landsheere, Introduction à la recherche en éducation, Paris, Armond Colin Bouvrelier, 1982 (5e édition) marge 5, P. 19.
[5] محمد عزت عبد الموجود وآخرون، أساسيات المنهج وتنظيماته. القاهرة، دار الثقافة والنشر. 1981.
[6] ميلود احبادوا مقومات المنهج التعليمي، نحو تصور نسقي لمناهج تعليم قواعد اللفة، مجلة التدريس العدد 7، الرباط 1984، ص 49 .
[7] Gaston Mialaret, Vocabulaire de l’éducation, Paris, PUF, 1979, P 143.
والمصطفى بوشوك، المنهج التعليمي والعمل التربوي المضبوط، مجلة التدريس، المعطيات السابقة، ص 58.
[8] محمد عبد الكريم أبوسل . دور المشرف التربوي في تطوير المناهج. مجلة الرسالة التربوية، العددان 22.21 الرباط، دجنبر 1987، ص 65.
[9] جورج شهلا، عبد السميع جربلي والماس حنانيا، الوعي التربوي ومستقبل البلاد العربية، بيروت، دار العلم للملايين، 1978 (ط 4).
[10] محمد عبد الكريم أبوسل، مرجع مذكور، ص 62 .
[11] Dany Laveault et André Adam, Incidences pédagogiques des habiletés cognitives du maître, (Revue de) Recherche en Education, Théorie et pratique, n° 7, 4ϴ trimestre, Bruxelles, Belgique, 1991, PP. 3-13.


