د. أحمد مفيد
أستاذ باحث بكلية الحقوق
جامعة سيدي محمد بن عبد الله – فاس
يعد نزاع الصحراء المغربية، من أقدم النزاعات الدولية، ويشكل ملفا من أعقد الملفات التي عرضت في مرحلة معينة على أنظار منظمة الوحدة الإفريقية، لينتقل فيما بعد إلى أروقة منظمة الأمم المتحدة التي حاولت ومنذ مدة طويلة، وعبر عدة حلول واقتراحات إيجاد حل لهذا النزاع، لكن ومع كامل الأسف فجميع الحلول التي طرحت لاقت اعتراض هذا الطرف أو ذاك. والسبب في ذلك يرجع أساسا إلى التدخل الجزائري في النزاع عن طريق الدعم اللامشروط واللامشروع لجبهة البوليساريو.
ولكن إيمانا من المغرب بعدالة قضيته التي أكدها الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية سنة 1975، والتي يعتبرها جميع المغاربة ملكا وحكومة وشعبا قضيتهم الوطنية الأولى، فإنه تعامل دوما بإيجابية وبروح المسؤولية مع كل المبادرات الرامية إلى وضع حل نهائي لهذا النزاع المفتعل، وسيرا على نفس النهج يتقدم المغرب اليوم بحل سياسي جديد يتمثل في مقترح الحكم الذاتي الذي يمكن القول بأنه حل واقعي عملي لا غالب فيه ولا مغلوب، وهو حل سياسي يحمل في طياته مقومات النجاح ما دام يقوم على أساس التفاوض والحوار بعيدا عن كل أنواع الإكراه أو الضغط.
إنه الحل الذي يحمل في طياته كل إمكانيات النجاح، لكونه حل مبني على أساس التشاور والتحاور والتفاوض في كل مراحله بما فيها مرحلة الإعداد حيث تم إشراك أبناء الصحراء وكذلك مختلف القبائل الصحراوية، وأيضا الهيئات السياسية المغربية والفعاليات المدنية… كما تم الأخذ بعين الاعتبار في مرحلة إعداد هذا المقترح للتجارب الدولية في مجال الحكم الذاتي، وتمت مراعاة واحترام مقتضيات القانون الدولي… وزيادة على ذلك فالمقترح لا يعد نهائيا، إنه يتضمن فقط الخطوط العريضة، أما التفاصيل فهي ما سيتم الاتفاق عليه في إطار المفاوضات التي تجري تحت إشراف هيئة الأمم المتحدة.
كما أن مقترح الحكم الذاتي يسطر عدة أهداف على رأسها تنمية المنطقة، وتكريم سكانها، وتمتيعهم بكافة الضمانات التي يكفلها الدستور المغربي في مجال حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها دوليا”.
والمقترح يهدف أيضا إلى إرساء دعائم نظام ديمقراطي بالأقاليم الصحراوية، من خلال مجموعة من المؤسسات التي يشارك سكان الصحراء في اختيار أعضائها بناءا على طرق ديمقراطية.
وإرساء النظام الديمقراطي بالأقاليم الصحراوية يندرج في إطار عام يهم كل مناطق وجهات المغرب، يتوخى “بناء مجتمع ديمقراطي حداثي، يرتكز على مقومات دولة القانون والحريات الفردية والجماعية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية”.
ولهذه الاعتبارات – وغيرها كثير – تعد المبادرة المغربية، مبادرة جادة وهادفة، وهي تتوخى وضع حل نهائي ومقبول من جميع الأطراف لهذا النزاع الذي عمر لعقود طويلة، وكان من نتائجه ضعف مؤشرات التنمية في المنطقة، وعدم استقرارها، وتقويض الجهود المبذولة لبناء اتحاد مغاربي قوي ومنسجم.
ولنفس الاعتبارات أيضا، فقد حظيت هذه المبادرة المغربية بدعم وتشجيع أغلبية أعضاء المجتمع الدولي بما فيها الدول الأعضاء الدائمة العضوية بمجلس الأمن، وكذلك الأمم المتحدة التي ومن خلال قرار مجلس الأمن رقم 1754 رحبت بالجهود المبذولة من قبل المملكة المغربية لحل النزاع في الصحراء، ووصفتها بالجهود المتسمة بالجدية والمصداقية.
إن المبادرة المغربية المتعلقة بمنح حكم ذاتي لأقاليم الصحراء المغربية، ليست غاية في حد ذاتها، إنها وسيلة أولا لإثبات احترام الشرعية الدولية، وهي ثانيا آلية لإقرار وتعزيز الديمقراطية المحلية، وثالثا هي ضمانة لتكريس حماية حقوق وحريات المواطنين المغاربة في الصحراء المغربية.
إن المبادرة المغربية تهدف إلى تكريم المواطن الصحراوي، وتحقيق التنمية والتقدم بجهة الصحراء المغربية التي تشكل جزءا لا يتجزأ من التراب الوطني المغربي. وهذه المبادرة الهادفة والجادة تندرج في إطار مبادرة أعم وأشمل تستهدف الوطن بأكمله انطلاقا من إرساء دعائم المجتمع الديمقراطي الحداثي الذي يقوم على دعائم التعددية والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا.
ولكن طريق إنفاذ هذه المبادرة تعترضه صعوبات وعراقيل كثيرة تتجلى أساسا في المواقف المتعنتة لجبهة البوليساريو، وكذلك في الممارسات والتدخلات غير المشروعة وغير الموضوعية للجزائر التي تعد الطرف الأساسي والحقيقي في هذا النزاع.
وأمام هذا الواقع اختار المغرب أن يذهب بعيدا في مسيرة الديمقراطية والتنمية وذلك من خلال استكمال الأوراش المفتوحة، وفتح أوراش جديدة من أهمها ورش الجهوية الموسعة والمتقدمة الذي أعلن عنه بمقتضى خطاب ملكي سامي يوم 3 يناير 2010.
وإذا كانت الجهوية الموسعة تهم كل أقاليم وجهات المملكة المغربية، فإن أقاليم جهة الصحراء تحضى بأهمية كبرى في إطار هذا الورش الهام، وهذا ما عبر عنه جلالة الملك بشكل صريح في خطابه بمناسبة تنصيب اللجنة الإستشارية للجهوية، حينما صرح بما يلي “ويظل في صلب أهدافنا الأساسية، جعل أقاليمنا الجنوبية المسترجعة في صدارة الجهوية المتقدمة”.
فالمغرب واحتراما منه للشرعية الدولية لا يريد تطبيق الحكم الذاتي من طرف واحد، لذا ففي انتظار التوافق حول الحكم الذاتي بالأقاليم الصحراوية تحت السيادة المغربية، ستتمتع الأقاليم الجنوبية المغربية بنظام جهوية متقدمة ستتحقق عن طريقها التنمية والديمقراطية بهذه المناطق المغربية.
وبناءا على كل ما سبق نقول بأن مبادرة الجهوية الموسعة ستفتح آفاقا جديدة للنهوض بكافة جهات ومناطق المغرب بما فيها المناطق الجنوبية وذلك في انتظار تطبيق مقترح الحكم الذاتي الذي يجب أن تتلاقى إرادة جميع الأطراف حول تفعيله، من أجل مصلحة أبناء الصحراء وجهة الصحراء بالخصوص ومن أجل مصلحة ونماء وتقدم وأمن واستقرار منطقة المغرب العربي عموما.
ولتسليط الضوء بشكل جلي على مختلف جوانب هذا الموضوع نقترح تناوله من خلال المحاور التالية:
المحور الأول: دور مقترح الحكم الذاتي في تكريس الحل السياسي
المحور الثاني: الجهوية الموسعة والحكم الذاتي: خياران أساسيان لتحقيق الديمقراطية والتنمية
المحور الثالث: الجهوية الموسعة خطوة أولى مرحلية في اتجاه الحكم الذاتي
المحور الأول: دور مقترح الحكم الذاتي في تكريس الحل السياسي
تعد المبادرة المغربية بشأن الحكم الذاتي في الصحراء المغربية تعبير صريح، يؤكد التزام المغرب وتشبثه بإيجاد حل سياسي لنزاع الصحراء، حيث أن هذه المبادرة لا تتضمن فقط سوى الخطوط العريضة، في حين تركت التفاصيل لتكون موضوع تفاوض ونقاش بين الأطراف. وما سيتم الاتفاق حوله بين هذه الأطراف “سيتم عرضه على السكان المعنيين في استفتاء حر، هذا الاستفتاء سيكون بالنسبة لهؤلاء السكان بمثابة ممارسة لحقهم في تقرير المصير وفقا لمقتضيات الشرعية الدولية، ميثاق الأمم المتحدة وقرارات الجمعية العامة ومجلس الأمن”.
ويمكن اعتبار هذه المبادرة، توفيقا ناجحا من قبل المغرب بين خيار الحكم الذاتي الموسع، وحق تقرير المصير عن طريق استفتاء يشارك فيه كل السكان المعنيين بالأمر، وهذا التوفيق والربط يعد حلا سياسيا بامتياز، حيث يهدف إلى تجنيب المنطقة كل ما يحول دون تنميتها واستقرارها، كما يهدف إلى تحقيق حكم سكان الصحراء لأنفسهم بأنفسهم ضمن الوحدة الترابية المغربية الكاملة، ودون مساس بالوحدة الوطنية وبالسيادة المغربية. وإضافة إلى ذلك فهو يهدف إلى إدماج كل السكان في تدبير شؤونهم، ويوفر لهم كل الإمكانيات اللازمة لتحقيق نموهم وازدهارهم واستقرارهم، كما يضمن لهم فضاءا ديمقراطيا سيتم في إطاره طي صفحة الماضي عن طريق العفو الشامل وغيره من التدابير الانتقالية الرامية إلى حماية الحقوق والحريات وإنصاف سكان المنطقة وتحقيق كرامتهم وأمنهم.
وزيادة على ما سبق فالمقترح المغربي، تعبير عن حسن نية المملكة في طي وتجاوز هذا النزاع بشكل نهائي لا رجعة فيه، اعتمادا على حل متفاوض حوله، يحظى بقبول كل أطراف النزاع.
ولكل هذه الاعتبارات – وغيرها كثير – نرى بأن المبادرة المغربية، تشكل فعلا مفتاحا أساسيا وجريئا لحل هذا النزاع الذي زعزع استقرار المنطقة لعدة عقود. كما نرى بأن هذه المبادرة ستفتح الأمل من جديد لتنمية المنطقة، وتكريم أهلها، وبناء اتحاد مغاربي منسجم وقوي.
وبالنظر لمجموعة هذه المزايا – وغيرها كثير – والتي تحتويها مبادرة المغرب، فقد تفاعل معها المجتمع الدولي دولا ومنظمات، ونوهت بها أغلبية الدول بما فيها الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي.
وبعيدا عن كل المزايدات السياسية والحسابات المصلحية الضيقة، يمكن القول بأن المبادرة المغربية بشأن الحكم الذاتي في الصحراء المغربية، خلقت الحدث داخل أروقة الأمم المتحدة، واعتبرت طفرة نوعية، ونقلة حقيقية في تاريخ هذا النزاع المفتعل.
فبعد تقديم المغرب لهذه المبادرة/ الحل، للسيد الأمين العام للأمم المتحدة (بان كي مون)، وكما كان منتظرا، أصدر مجلس الأمن الدولي يوم 30 أبريل 2007 القرار رقم 1754، وكما هو غير خاف فهذا القرار جاء في سياق الديناميكية الجديدة التي خلقها المغرب باقتراح مبادرة الحكم الذاتي كمنطلق وأساس لحل هذا النزاع الذي طال أمده، وتزايدت انعكاساته السلبية على كل دول المنطقة.
ويمكن القول بأن بصمات هذه المبادرة واضحة في ديباجة هذا القرار 1754، “فمن خلال قراءة متأنية لفقراته يبدو جليا أنه كان أكثر إنصاتا للتحول الذي أحدثه المغرب، فرغم أن البوليساريو حاولت في عملية سويت على عجل أن تحدث نوعا من الضجيج من خلال مقترحاتها التي قدمتها للأمين العام في 10 أبريل 2007، فإن ذلك لم ينطل كثيرا على مجلس الأمن الدولي الذي أدرك أن المشروع المغربي يشكل تحولا مدروسا وعميقا، ويدخل ضمن منطق متكامل ينبغي تشجيعه وتثمينه، في هذا السياق فقد عبر المجلس عن ارتياحه للمبادرة المغربية لكونها جدية وذات مصداقية تهدف إلى المضي قدما بالعملية صوب التسوية في حين اكتفى بالإشارة بشكل عرضي إلى مقترح جبهة البوليساريو، وقد تكون هذه الإشارة نابعة فقط من هاجس مجلس الأمن إقرار صيغة تعبر عن نوع من التوازن لإرضاء كافة الأطراف” ([1]).
وأهم ما يمكن أن يقال عن القرار 1754 هو أنه شكل نقلة نوعية في تاريخ النزاع، حيث أنه بصدوره انتهت صلاحية مخطط بيكر الثاني أو ما كان يعرف بـ “خطة سلام من أجل تقرير مصير شعب الصحراء الغربية”، كما أن هذا القرار تضمن أيضا دعوة أطراف النزاع لعقد مفاوضات بدون شروط مسبقة، لكن مع الأخذ بعين الاعتبار لتطورات الملف والتي تميزت أساسا وبشكل كبير بطرح المغرب لمبادرة الحكم الذاتي، كحل سياسي متفاوض حوله لإنهاء النزاع حول الصحراء.
وما يؤكد من جديد جدية المغرب في تعامله مع هذا النزاع هو القرار الأخير رقم 1920 الصادر عن مجلس الأمن الدولي بتاريخ 30 أبريل 2010، والذي جاء فيه “…وإذ يحيط علما بالمقترح المغربي الذي قدم إلى الأمين العام في 11 أبريل 2007، وإذ يرحب بالجهود المغربية المتسمة بالجدية والمصداقية والرامية إلى المضي قدما بالعملية صوب التسوية”.
وفي مقابل هذا الوصف الهام الذي حظي به المقترح المغربي، تمت الإشارة في نفس القرار ولكن بشكل عابر لمقترح جبهة البوليساريو ولم يتم وصفه بأي صفة، وهذا ما يدل على أهمية ومكانة مقترح الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب كحل سياسي متفاوض حوله.
المحور الثاني: الجهوية الموسعة والحكم الذاتي: خياران أساسيان لتحقيق الديمقراطية والتنمية
تهدف كل من المبادرة المغربية بشأن الحكم الذاتي في الصحراء المغربية ومشروع الجهوية الموسعة، إلى إقامة نظام ديمقراطي بجهة الصحراء، في إطاره يتولى أبناء الصحراء تدبير شؤونهم بأنفسهم وذلك عن طريق المؤسسات التي تنص المبادرة على إحداثها.
فمبادرة الحكم الذاتي تنص في فقرتها الخامسة على ما يلي “هكذا سيقوم سكان الصحراء بإدارة شؤونهم بنفسهم بطريقة ديمقراطية من خلال هيئات تشريعية وتنفيذية وقضائية تتمتع بسلطات خاصة، وستكون لديهم الموارد المالية الضرورية لتنمية الجهة في كل المجالات، كما سيكون لهم دور نشيط في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للأمة”. وفي نفس السياق جاء في الخطاب الملكي السامي بتاريخ 3 يناير 2010 بمناسبة تنصيب اللجنة الاستشارية للجهوية بأن الهدف من ورش الجهوية الموسعة هو “بلوغ أهداف جوهرية. وفي مقدمتها إيجاد جهات قائمة الذات، وقابلة للاستمرار، من خلال بلورة معايير عقلانية وواقعية، لمنظومة جهوية جديدة.”
كما أعلن جلالته بأن من أهم أهداف هذا الورش المؤسس أيضا هو “انبثاق مجالس ديمقراطية، لها من الصلاحيات والموارد، ما يمكنها من النهوض بالتنمية الجهوية المندمجة. فجهات مغرب الحكامة الترابية الجيدة، لا نريدها جهازا صوريا أو بيروقراطيا؛ وإنما مجالس تمثيلية للنخب المؤهلة، لحسن تدبير شؤون مناطقها.”
ويتبين من مقتضيات هذه الفقرات الواردة في مقترح الحكم الذاتي وفي الخطاب الملكي وعدة فقرات بعدها، بأنه في إطار الحكم الذاتي بالأقاليم الصحراوية، سيكون لأبناء الصحراء برلمان خاص بهم يتشكل من ممثلي جميع القبائل الصحراوية الذين ينتخبون بطريق غير مباشر، وأعضاء منتخبين من طرف سكان جهة الصحراء بالاقتراع العام المباشر، هذا مع ضمان تمثيلية كافية للنساء في إطار هذا البرلمان.
ومن مظاهر الديمقراطية في البنيان القانوني والسياسي للحكم الذاتي، أن السلطة التنفيذية في جهة الصحراء ستكون منبثقة من البرلمان، حيث سيتم انتخاب رئيس حكومة الصحراء من قبل برلمانها، وسيتم تنصيبه من قبل الملك.
ويعد رئيس الحكومة الصحراوية الذي سيكون ممثلا للدولة في الجهة، مسؤولا أمام الملك وأمام البرلمان.
كما أن لبرلمان الصحراء الحق في خلق محاكم تبث في القضايا المعروضة أمامها طبقا للقوانين التي توضع من قبل هيئة جهة الصحراء، شريطة أن يتم إصدار أحكامها باسم الملك.
وحفاظا على انسجام وعدم تناقض المنظومة القانونية والقضائية بالمغرب، فقد نصت مبادرة الحكم الذاتي على أن “القوانين والضوابط والأحكام القضائية التي تصدر عن جهة الصحراء المتمتعة بالحكم الذاتي يجب أن تكون متلائمة مع وضع الحكم الذاتي للجهة ومع دستور المملكة”، كما أن السلطة القضائية لجهة الصحراء يجب أن تمارس وظيفتها” دون مساس بسلطات المحكمة العليا للملكة أو المجلس الدستوري”.
ولضمان حقوق وحريات سكان جهة الصحراء فقد نصت المبادرة على أنهم “سيتمتعون بكل الضمانات التي يمنحها الدستور في مجال حقوق الإنسان كما هو متعارف عليها عالميا”، كما سيتم خلق مجلس اقتصادي واجتماعي بجهة الصحراء، ستوكل إليه مهام النهوض بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بالمنطقة، هذا زيادة على اختصاصات الجهة في سائر المجالات الإدارية والاقتصادية والمالية والاجتماعية والثقافية والبيئة… والتي ستمكن جميعها من تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية وثقافية بالمنطقة.
وضمانا لتنفيذ اختصاصات الجهة، وتحقيق أهدافها التنموية، فقد ضمنت لها المبادرة الخاصة بالحكم الذاتي، عدة مصادر للتمويل جهوية ووطنية.
وعموما فمبادرة الحكم الذاتي تهدف إلى إحداث نظام ديمقراطي بأقاليم الصحراء، كما تهدف إلى تمتيع سكان الصحراء بكل الحقوق والحريات، وتضمن كرامتهم، وتهدف إلى تحقيق تنمية بشرية واقتصادية واجتماعية وثقافية بالمنطقة. وبكل تأكيد فإن هذه الأهداف ليست أهدافا طوباوية، وإنما هي أهداف قابلة للتنفيذ وللتحقيق على أرض الواقع، ولهذا فهذه المبادرة تحمل معها جميع عناصر نجاحها، لما فيه خير أبناء الصحراء بما فيهم إخواننا المحتجزون بتندوف، والمغرر بهم . فهذه المبادرة هي فرصة حقيقية للتصالح مع التاريخ ومع الوطن ولتصحيح الأوضاع وفتح آفاق المستقبل الواعدة أمام إخواننا في الصحراء وبعض المغرر بهم من قبل البوليساريو وحليفتها الجزائر.
المحور الثالث: الجهوية الموسعة خطوة أولى مرحلية في اتجاه الحكم الذاتي
إن الجهوية الموسعة بالأقاليم الصحراوية ما هي إلا خطوة أولى في اتجاه إقرار وتطبيق الحكم الذاتي على أرض الواقع، حيث أنه وأمام تعنت جبهة البوليساريو وعدم تجاوبها مع المبادرة المغربية ومعاكستها لتوجه الرأي العام الدولي، وأيضا أمام العراقيل التي تضعها الجزائر واستمرارها في معاكسة الشرعية الدولية، وفي النهوض ضد حقوق المغرب الشرعية، وفي دعم البوليساريو والتحول إلى ناطق رسمي باسمها…أمام كل هذه الأوضاع اختار المغرب تعميم نظام الجهوية الموسعة على كل جهاته بما فيها جهة الصحراء وهذا ما أكده الخطاب الملكي السامي الذي جاء فيه ” ويظل في صلب أهدافنا الأساسية، جعل أقاليمنا الجنوبية المسترجعة في صدارة الجهوية المتقدمة. فالمغرب لا يمكن أن يبقى مكتوف اليدين، أمام عرقلة خصوم وحدتنا الترابية، للمسار الأممي لإيجاد حل سياسي وتوافقي، للنزاع المفتعل حولها، على أساس مبادرتنا للحكم الذاتي، الخاصة بالصحراء المغربية.
وإذ نؤكد أن هذه المبادرة، ذات المصداقية الأممية، تظل مطروحة للتفاوض الجاد، لبلوغ التسوية الواقعية والنهائية، فإننا سنمضي قدما في تجسيد عزمنا القوي، على تمكين أبناء وسكان صحرائنا المغربية الأوفياء، من التدبير الواسع لشؤونهم المحلية. وذلك ضمن جهوية متقدمة، سنتولى تفعيلها، بإرادة سيادية وطنية”.
وقد سبق أن صرح جلالة الملك في خطابه السامي الذي ألقي بمناسبة ذكرى المسيرة الخضراء بتاريخ 6 نونبر 2009 على الحرص بأن “تكون الأقاليم الصحراوية في صدارة الجهوية المتقدمة المنشودة بما يعزز تدبيرها الذاتي لشؤونها المحلية”.
وقد تضمن الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى 34 للمسيرة الخضراء، دعوة صريحة ومباشرة للحكومة بجعل “الأقاليم الصحراوية نموذجا لعدم التمركز وللحكامة الجيدة المحلية غبر تزويدها بأجود الأطر وتخويلها صلاحيات واسعة”. كما دعا جلالة الملك إلى إعادة هيكلة المجلس الاستشاري للشؤون الصحراوية، و”مراجعة مجال عمل وكالة تنمية الأقاليم الجنوبية ونفوذها الترابي وذلك بتركيز جهودها على الأقاليم الصحراوية بالإنكباب على انجاز مشاريع للتنمية البشرية وبرامج محلية موفرة لفرص الشغل للشباب ومعززة للعدالة الاجتماعية والإنصاف..”
إن اختيار تطبيق نظام الجهوية المتقدمة في مختلف جهات المملكة بما فيها جهة الصحراء يعد اختيارا استراتيجيا “لأن تطبيق الحكم الذاتي من جهة واحدة لن يحل المشكل بل سيؤدي إلى فقدان ورقة قوية وخطيرة في نفس الوقت، قد يؤدي فقدانها إلى الاضطرار إلى تقديم مزيد من التنازلات التي لا يمكن أن يتحملها المغرب سياسيا ([2]). كما أن تنفيذ مقترح الحكم الذاتي من جانب واحد سيجعل المغرب في وضع صعب يواجه فيه لوحده منظمة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، كما سيفقد فيه الدعم السياسي المعبر عنه من قبل قوى دولية متعددة، لذا فالجهوية الموسعة في الوقت الحالي هي أفضل اختيار في انتظار تنزيل وتطبيق الحكم الذاتي في مرحلة مقبلة بعد التقدم الذي يمكن أن تحرزه المفاوضات بين الأطراف تحت إشراف ورعاية منظمة الأمم المتحدة، وبعد تحمل الجزائر لمسؤولياتها كاملة في هذا الصدد وذلك برفع اليد عن جبهة البوليساريو وعدم التقرير مكانها، وهذا ما أشار إليه القرار 1920 سابق الذكر الذي تضمن دعوة صريحة لدول الجوار في إشارة واضحة للجزائر إلى التعاون بشكل أكمل مع الأمم المتحدة ومع بعضها البعض لوضع حد للمأزق الراهن وإحراز تقدم نحو إيجاد حل سياسي.
إن مقاربة اعتماد نظام الجهوية الموسعة في الأقاليم الصحراوية يمكن أن يسمح باختبار جدية الدولة في مقترحها من جهة وفي نفس الوقت اختبار قدرة الصحراويين على تسيير شؤونهم بأنفسهم بكل ما يتوفرون عليه من قدرات بشرية ومادية، والأمر يتعلق هنا بالجهوية المتقدمة التي لا تختلف عن الحكم الذاتي إلا في الجوانب السياسية والدستورية (عدم وجود حكومة مستقلة وبرلمان جهوي منتخب وقضاء خاص)، ماعدا ذلك تسمح آلية الجهوية الموسعة بتوفير(إدارة محلية، مجالس تتمتع بقدر كبير من الاستقلالية في القرار، تعليم محلي، قرار اقتصادي محلي)([3]).
وأخذا بعين الاعتبار لما سبق يمكن القول بأن نظام الجهوية الموسعة بالأقاليم الصحراوية سيشكل خطوة متقدمة لتعزيز وتوطيد دعائم اللامركزية والديمقراطية المحلية، كما سيشكل رافعة أساسية لتحقيق التنمية وذلك في أفق إقرار نظام الحكم الذاتي الذي لا يمكن أن يطبق من طرف واحد احتراما والتزاما من المغرب بمواقفه المعبر عنها بشكل صريح أمام المنتظم الدولي.
[1] الحسن بوقنطار، قرار إيجابي، جريدة الاتحاد الإشتراكي، عدد 8548 بتاريخ 03 ماي 2007، ص: 3.
[2] رياض فخري، قضية الصحراء بين خيار الجهوية الموسعة والحكم الذاتي، الجهوية الموسعة بالمغرب (أي نموذج مغربي على ضوء التجارب – المقارنة)، جمع وتنسيق سعيد جفري وكريم لحرش، سلسلة اللامركزية والإدارة المحلية، العدد 6، الطبعة الأولى 2010، ص: 210
[3] رياض فخري، مرجع سابق، ص: 210





