عبد الله مسفر الوقداني
أستاذ مساعد بعلم الاجتماع التنظيمي، معهد الإدارة العامة
الرياض–المملكة العربية السعودية
المستخلص.
على الرغم من شيوع نظرية ماكس فيبر في البيروقراطية بين علماء الاجتماع وغيرهم من الباحثين، إلا أن الدراسات الثانوية (secondary literature) التي بحثت في هذا الموضوع تجاهلت البيروقراطية التقليدية، وركزت بدلا من ذلك على البيروقراطية العقلانية الحديثة. بل يندر أن نجد دراسة اجتماعية تفصل بوضوح بين البيروقراطية التقليدية والحديثة اللتين تعرضا لهما فيبر في علم اجتماعه التنظيمي، كما تجاهلت تلك الدراسات علاقة البيروقراطية عموما بالنماذج المثالية للسلطة الشرعية. ومما أسهم في شيوع تحليلات فيبر للبيروقراطية الحديثة على حساب المرتكزات الأخرى لنظريته هي ظهور تلك المرتكزات متفرقة ضمن كتاباته الموسوعية. إضافة إلى ذلك، أسهمت وفاته المبكرة نسبيا قبل اكتمال أعماله الاجتماعية في صعوبة الإلمام بكافة جوانب أعماله المختلفة. باختصار، تركز هذه الدراسة على إعادة صياغة نظرية ماكس فيبر في البيروقراطية بناء على كتاباته الأصيلة (original writings) في علم الاجتماع بالتركيز على العلاقة المحورية التي تربط البيروقراطية بنماذج السلطة المثالية، والتي تمثل جوهر نظرية فيبر في البيروقراطية.
الكلمات لمفتاحية: ماكس فيبر، البيروقراطية التقليدية، البيروقراطية العقلانية الحديثة، النماذج المثالية للسلطة الشرعية، السلطة العقلانية الحديثة، السلطة التقليدية، السلطة الخارقة للمألوف.
مقدمة
تشغل دراسة البيروقراطية حيزا كبيرا من الدراسات الاجتماعية والإدارية والسياسية والاقتصادية، حيث اهتم كثير من الباحثين في هذه التخصصات بالعوامل المكونة للبيروقراطية وبتأثيرها على الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، في حين تناول البعض الآخر تأثير هذه الأنساق على النظام البيروقراطي. على الرغم من تباين اهتمامات أولئك الباحثين، إلا أنهم مجمعون على أهمية تحليلات عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر، بصفتها تمثل حجر الزاوية الذي ترتكز عليه الدراسات الحديثة للمنظمات البيروقراطية. على سبيل المثال، أوضح عالم الاجتماع أنتوني غدنز(Anthony Giddens) بأنه بعد مضي أكثر من ثمانية عقود على وفاة فيبر ما تزال مؤلفاته تمثل ” المنطلق الرئيس لأكثر الدراسات والتحليلات التي تجرى على المنظمات ” (غدنز، 2005م: 411) ([1]). كما أشار آخرون إلى أن كتابات فيبر حددت بدقة كبيرة السمات الرئيسة للنموذج البيروقراطي (Willis et al., 2004) حيث تعد “نظريته في البيروقراطية أحد أشهر أعماله التي يشار إليها بشكل واسع في أدبيات علم الاجتماع (Hilbert, 1987:70). إضافة إلى ذلك، أشاد كليفورد ناس بنظرية فيبر في البيروقراطية، حينما وصف النظرية الاجتماعية الحديثة للمنظمات بأنها في أغلب الأحوال سلسلة من الهوامش والتعليقات على تحليلات فيبر في دراسة المنظمات البيروقراطية (Nass, 1986). كما ذكر مايكل جاكسون أن فضل ارتباط البيروقراطية بألمانيا يعود إلى فيبر، على الرغم من أن أصل كلمة “البيروقراطية” يعود للثقافة الفرنسية(Jackson,2005). أيضا، يتفق كثير من علماء الاجتماع العرب مع الباحثين الغربيين الذين تحدثوا عن ريادة ماكس فيبر في الدراسات الاجتماعية للبيروقراطية. على سبيل المثال، أشار عبد الهادي الجوهري وإبراهيم أبو الغار إلى أن تحليل فيبر لمبادئ البيروقراطية في كتابه الاقتصاد والمجتمع يعتبر من أعظم التحليلات النظرية في هذا الموضوع، وقد أثر وما زال يؤثر في كل الأبحاث التي تتناول التنظيم الرسمي ” (الجوهري وأبو غار، 1980م: 91). باختصار، إن من غير المستغرب إشادة أولئك الباحثين بريادة فيبر في دراسة المنظمات البيروقراطية حيث أنه أول “من بدأ دراسة البيروقراطية بطريقة منظمة ” (367: Daft, 2009) وهو بدون شك لم يزل أهم مفكر اجتماعي مهتم بالبيروقراطية (CEE, 2009).
أهداف الدراسة
على الرغم من اعتراف المهتمين بالبيروقراطية بريادة ماكس فيبر في دراسة البيروقراطية، إلا أن اعترافاتهم تلك كانت بناء على تحليلاته للبيروقراطية العقلانية الحديثة، حيث أغفل الباحثون رؤيته في البيروقراطية التقليدية كما تجاهلت دارساتهم جزءا رئيسا من نظريته في البيروقراطية، وهي العلاقة التي تربطها بالنماذج المثالية للسلطة الشرعية (types of legitimate authority)، ويمكن تفسير اهتمامهم ببعض جوانب نظرية فيبر في البيروقراطية وإغفال جوانب أخرى إلى أن فيبر ناقش كثيرا من المرتكزات الرئيسة التي تقوم عليها البيروقراطية الحديثة، بمقارنتها بسمات البيروقراطية التقليدية، دون أن يوضح أن تلك السمات تعود للبيروقراطية التقليدية مما أدى إلى تركيزهم على البيروقراطية الحديثة دون غيرها. إضافة إلى ذلك، حدد فيبر علاقة البيروقراطية الحديثة بالسلطة القانونية (legal authority) ‘ عندما أشار إلى أن الطاقم الإداري البيروقراطي يمثل أنقى تطبيقات تلك السلطة (Weber, 1978a:220)، ولكنه لم يبحث في تفصيلات تلك العلاقة أو يوضح علاقة البيروقراطية بنماذج السلطة الأخرى. أيضا، كتب فيبر عن السلطة التقليدية دون مناقشة العلاقة الوثيقة التي تربطها بالبيروقراطية التقليدية (Weber, 1978a:226-251).
يمكن تفسير عدم مناقشة ماكس فيبر لكافة الجوانب المرتبطة بالبيروقراطية بطريقة واضحة ومحددة إلى مقولة جونثير راث، وهو أحد أهم مترجمي أعمال فيبر من اللغة الألمانية إلى اللغة الإنجليزية، عندما ذكر أن فيبر “لم يكتب قط كتابا متكاملا، بل أن جزءا كبيرا من أعماله الاجتماعية عبارة عن أوراق عمل (Roth, 1978: cvii) ([2])، كما أسهمت وفاته المبكرة نسبيا قبل اكتمال أعماله الاجتماعية في عدم وضوح كافة جوانب تحليلاته الاجتماعية (فلوري، 2008 م: 19-22) ([3]). لذا، تهدف هذه الدراسة إلى:
أولا: إعادة الاعتبار للعلاقة التي تربط البيروقراطية عموما (أي بشقيها الحديث والتقليدي) بالنماذج المثالية للسلطة الشرعية اعتمادا على كتاباته الأصيلة (original writings) في علم الاجتماع التنظيمي.
ثانيا: توضيح خطأ اختزال نظرية فيبر في البيروقراطية بحصرها في البيروقراطية الحديثة، كما هو شائع في الدراسات الثانوية (literature secondary) حول البيروقراطية.
أهمية الدراسة
تسعى هذه الدراسة إلى تحقيق الأهداف التالية:
- تقديم قراءة مختلفة لنظرية ماكس فيبر في البيروقراطية بناء على كتابته الأولية، وهي بذلك تسهم في تصحيح التحليلات النظرية غير الدقيقة، التي تشيع في حقلي علم الاجتماع التنظيمي والإدارة حول رؤية فيبر للمنظمات البيروقراطية. كما أنها مساهمة نظرية متواضعة في مج! النظريات الاجتماعية والفكر التنظيمي بصفة عامة.
- مساعدة الباحثين التطبيقيين في مجالي علم الاجتماع التنظيمي والإدارة، والحقول الأخرى ذات الاهتمام بدراسة المنظمات لتوظيف تحليلات ماكس فيبر في دراستهم الميدانية المختلفة، بطريقة تعكس رؤيته الاجتماعية للبيروقراطية. من هذا المنطلق، يستطيع الباحث المهتم بدراسة المنظمات البيروقراطية اختبار مدى توافق المؤشرات المثالية المحددة للبيروقراطية التقليدية والحديثة مع منظمات بيروقراطية فعلية.
- المساهمة في فهم آليات عمل المنظمات الحديثة والتقليدية، وتحديد علاقاتها المتداخلة مع نماذج السلطة الشرعية المختلفة.
منهجية الدراسة
تتبع هذه الدراسة المنهج الوصفي، شأنها شأن التحليلات النظرية في علم الاجتماع وحقول العلوم الاجتماعية المشابهة. تبدأ الدراسة بمقدمة عامة يلي ذلك تحديد الهدف ثم يستعرض الباحث الدراسات المتعلقة بالموضوع. بعد ذلك يعرض الباحث لمصطلحات الدراسة ثم يركز على إعادة صياغة نظرية ماكس فيبر في البيروقراطية.
الدراسات السابقة
اهتم عدد كبير من الباحثين الاجتماعين في دراساتهم بتحليلات فيبر للبيروقراطية، وهي دراسات يمكن تقسيمها إلى دراسات مهتمة بالبيروقراطية كموضع مستقل، ودراسات جزئية تتناول البيروقراطية كموضوع ضمن موضوعات اجتماعية أخرى. كما تتضمن تلك الدراسات البحوث الميدانية المهتمة بقضايا متشعبة ذات ارتباط برؤية فيبر للبيروقراطية.
على الرغم من شيوع دراسة فيبر للبيروقراطية، إلا أن دراسات علماء الاجتماع والإدارة استهدفت جوانب جزئية من نظريته في البيروقراطية، حيث ركزت على سمات البيروقراطية الحديثة بطريقة مبسطة دون مناقشة علاقتها بنماذج السلطة الشرعية. كما تعرضت دراسات عديدة لنظرية فيبر في البيروقراطية باقتضاب شديد، وذلك بالاهتمام بتحليلاته الاجتماعية كموضوع ضمن موضوعات عامة، كنظريات التنظيم ([4]) أو نظريات علم الاجتماع ([5]) دون تحديد العلاقة التي تربط البيروقراطية بنماذج السلطة الشرعية، في إطار منهج فيبر في دراسة الظواهر الاجتماعية والثقافية.
وفي نفس الوقت، تناول عدد من المتخصصين في علم اجتماع ماكس فيبر ومنهم راندول كولنز، الذي ركز على نظرية فيبر الاجتماعية (weberian sociological theory) في مجال الاقتصاد والتكنولوجيا والسياسية والثقافة والأسرة، دون الاهتمام بفكره التنظيمي، حيث نجد في ثنايا دراسته إشارات عابرة تقتصر في أغلبها على ما أسماه كولنز “الدولة البيروقراطية ” و”الكنيسة البيروقراطية ” (Collins, 1990: 49-50). وهو ما ينطبق على مارتن ألبرو الذي سلط الضوء على نظرية فيبر الاجتماعية (max weber’ s social theory) مناقشا بإيجاز علاقة العقلانية (rationalism) بالبيروقراطية بالتركيز على التطور التاريخي للعقلانية (Albrow, 1990:177-196). والحقيقة أن البحث المختصر في كتابات فيبر حول البيروقراطية هو السمة الشائعة لدى الباحثين في حقل اجتماع ماكس فيبر (sociology of Max Weber) حيث يشيع مناقشة موضوع البيروقراطية بإيجاز ضمن موضوعات سياسية واجتماعية ودينية وفلسفية تحظى باهتمام فيبر. ومن هؤلاء الباحثين ديرك كاسلر الذي كتب عن البيروقراطية ضمن ما أسماه علم اجتماع السيطرة( (Käsler, 1988: 167-168) (sociology of domination، وولفقانق سشلوتر الذي كتب عن علاقة القانون بالبيروقراطية الحديثة ضمن موضوعات أخرى كالعقلانية والأخلاق والدين، وعلاقة فكر فيبر بفكر الفيلسوف الألماني كانت (Kant) (Schluchter, 1985) وستيفن كالبورق الذي اهتمام بالمناخ الفكري في ألمانيا زمن فيبر، وبالجوانب الفلسفية والمنهجية لديه، كرفضه لوجود قوانين اجتماعية وحقائق موضوعية، واعتقاده بتعدد أسباب الظواهر الاجتماعية (Kalberg, 2000).
شأنهم شأن المتخصصين في علم اجتماع ماكس فيبر، ركز عدد من الباحثين في حقول المعرفة الأخرى على تحليلات فيبر للبيروقراطية بإيجاز حيث اقتصرت دراساتهم على قضايا جزئية محددة، كعلاقة البيروقراطية بالنمو الاقتصادي (Evans and Rauch, 1999) والضبط الاجتماعي (Deflem, 2000) والمدنية والقانون (Boucock, 2000) أو الإبداع (Dougherty and Corse, 1995). كما بحثت دراسات أخرى في علاقة البيروقراطية بالعقلانية التنظيمية في المنظمات المختلفة (Glassman, 1984; Hilbert, 1987; Olmez et al. 2004) أو العلاقة التي تربط جماعات المكانة (status groups) بالمنظمات الحديثة (Packard, 2008). كما تزخر أدبيات علم الاجتماع التنظيمي بالدراسات الجزئية المقارنة التي تقارن رؤية فيبر للبيروقراطية برؤية غيره كمقارنة تحليلاته للبيروقراطية مع رؤية لودوج مايسسز (Ludwig Mises) خاصة فيما يتعلق بكيفية بروز النظام البيروقراطي وسلبياته (Anderson, 2004)، وروبرت ميتشلز (Robert Michels) ،(Leach, 2005) وفرانز كافاكا(Franz Kaflca) ، (2007 Warner,). أيضا، شملت تلك الدراسات مناقشة حالات اجتماعية محددة كدراسة البيروقراطية الصينية (Kiser and Cai, 2004); (Kiser and Cai, 2003) (Harding, 1981) ، يضاف إلى تلك الدراسات الجزئية، وظفت دراسات عديدة تحليلات ماكس فيبر للبيروقراطية الحديثة في بحوث ميدانية ومن ذلك، على سبيل المثال، الدراسة التي قامت بها دوجرتي ووكورس للبحث في علاقة التجديد بالبيروقراطية (Dougherty & Core, 1995) ودراسة ماثيوم ديفلم حول تحليل التطورات التاريخية فيما يتعلق بمنظمات الشرطة ((Deflem, 2000 دراسة ويليس وآخرون وماستروفسكي وويسبورد لعلاقة جوانب البيروقراطية المختلفة بأعمال قسم شرطة مدينة لاوال (Lowell Police Department) (Willis et al., 2004). كما استعان أبي جين بنظرية فيبر في البيروقراطية الحديثة لدراسة الحكومة الإلكترونية (Jain, 2004) ووظف اقوليرا وفاندرا النماذج المثالية للسلطة الشرعية في دراسة الفساد التنظيمي (organizational corruption) حيث اهتم الباحثان بالعوامل المسببة للفساد في المنظمات، خاصة فيما يتعلق بمعرفة التصرفات والدوافع والتبريرات وراء فساد قادة المنظمات (Aguilera & Vadera, 2007). كما درس أولمز وآخرون العقلانية التنظيمية في عدد المنظمات (Olmez et al., 2004) وناقش بيتر وراش علاقة البيروقراطية بالنمو الاقتصادي (Peter & Rauch, 1999) وتلك أمثلة من كثير من البحوث الميدانية التي اهتمت بجوانب محددة من نظرية فيبر في البيروقراطية، دون التركيز على جوانب أخرى مهمة كعلاقة البيروقراطية بنماذج السلطة الشرعية.
أما فيما يتعلق بالدراسات التي تبحث في موضوع النماذج المثالية للسلطة الشرعية (types of legitimate authority) تطرق عدد من الباحثين للنماذج المثالية للسلطة الشرعية عند مناقشة علم اجتماع ماكس فيبر حيث اهتم مؤلفيها بموضوع الشرعية (legitimation)، كموضوع مختصر ضمن موضوعات أخرى لا علاقة لها بالبيروقراطية. على سبيل المثال، درست كاثي فرايدمن قضية الشرعية في إطار مناقشتها للحقوق الاجتماعية التي توفرها دولة الرعاية الاجتماعية في الغرب (Friedman, 1981). على الرغم من مناقشة الباحثة لموضوع الشرعية من وجهة نظر علم اجتماع فيبر إلا أنها لم تشر للجوانب التي تربط البيروقراطية بنماذج السلطة الشرعية. إضافة إلى ذلك، ناقش ولفجانج مومسن رؤية فيبر في الشرعية في إطار سياسية الدولة الحديثة، حيث تناول في دراسته موضوعات أخرى كالسياسة والفكر لدى فيبر ورؤيته للرأسمالية والشيوعية دون أن يهتم بالعلاقة التي تربط الشرعية بالبيروقراطية أو بنماذج السلطة (Mommsen, 1992). كما سلط ستيفن كالبورج الضوء على المرتكزات الأساسية التي يقوم عليها علم اجتماع ماكس فيبر، مبرزا رؤيته للظواهر الاجتماعية التي تختلف عن رواد المدارس الاجتماعية الأخرى، ومناقشا منهجه في البحث وتحليلاته لعلاقة الاقتصاد بالمجتمع. كما عرض باختصار للنماذج المثالية للسلطة وللعلاقة التي تربط العقلانية الرسمية (formal rationality) ([6]) بالبيروقراطية الحديثة (Kalberg, 2000).
إضافة إلى ذلك، اهتم عدد كبير من الأعمال البحثية بنماذج السلطة الشرعية وسمات البيروقراطية الحديثة. على سبيل المثال، ناقش جان مينير نماذج السلطة الحديثة والسلطة التقليدية، إضافة إلى الجوانب المختلفة للبيروقراطية الحديثة (Miner, 2002). كما تناول ريتشارد هيلبرت نظرية فيبر في البيروقراطية في إطار انتقاداته للنظرية الوظيفية حيث تعرض الكاتب باقتضاب لجوانب البيروقراطية المختلفة خاصة فيما يتعلق بعلاقتها بالمعايير والقوانين والقيادة والسلطة الشرعية (Hilbert, 2001). سعى الباحث إلى إبراز “منهج الفاعلين الاجتماعي ” (ethnomethodology) أكثر من اهتمامه بتحليلات فيبر حول تلك الموضوعات.
فيما يتعلق بالدراسات ذات العلاقة بالسلطة الخارقة للمألوف charisma)) ([7]) درس كثير من الباحثين هذا النموذج المثالي للسلطة كموضوع مرتبط بموضوعات متعددة لا تمت للبيروقراطية بصلة وثيقة. على سبيل المثال، تناول رهودز علاقة هذا النوع من أنواع السلطة الشرعية بالموضوعية(objectivity) (Rhodes, 1988)، وناقش ماكين ارتباطه بالأوضاع السياسية غير المستقرة (McCann, 1997). كما استعرض بروكوب علاقته بنشأة القانون الإسلامي (Brockopp, 2005). كذلك استعان عدد من الباحثين بتحليلات فيبر للسلطة الخارقة للمألوف في دراسة شخصيات قيادية مؤثرة كما فعل لبسايوس عندما درس شخصية القائد الألماني أدولف هتلر (Lepsius 2006) وبول جوسي عندما درس شخصية جان دي ريوتر (Joosse, 2006). أيضا تناول هوبكنز العلاقة التي تربط السلطة الخارقة للمألوف بالمسؤولية بمقارنة فكر ماكس فيبر بفكر المفكر الألماني كورت إيسنر (Kurt Eisner) خلال حقبة الثورة البافارية (bavarian revolution) عام 1918م (Hopkins, 2008).
نستخلص من استعراض الدراسات السابقة تركيزها على البيروقراطية الحديثة وإغفال البيروقراطية التقليدية. كما يظهر عدم الاهتمام بتحليلات فيبر للعلاقة التي تربط البيروقراطية عموما بالنماذج الشرعية للسلطة، حيث درس عدد كبير من الباحثين النماذج الشرعية للسلطة كموضوعات منفصلة عن بعضها البعض بالبحث في علاقة السلطة الشرعية القانونية (rational legal authority) بعوامل سياسية واجتماعية واقتصادية محددة. أيضا، هناك عدد كبير من الدارسات التي تبحث في علاقة “السلطة الخارقة للمألوف ” بحالات اجتماعية وتاريخية معينة في الوقت الذي لا نجد دراسة اجتماعية تبحث في علاقة نماذج السلطة الشرعية بالبيروقراطية وفق رؤية فيبر المنهجية في علم الاجتماع ([8]). أخيرا، أظهرت مراجعة الدراسات السابقة عدم وجود دراسة علمية محددة تتناول كافة الجوانب المرتبطة بنظرية فيبر في البيروقراطية، والتي سوف نعرض لها بالتفصيل لاحقا. ولكن قبل مناقشة ذلك، سوف نشير أولا للمصطلحات المستخدمة في هذه الدراسة.
مصطلحات الدراسة
في هذا الجزء، سوف نعرض بإيجاز للمصطلحات النظرية التي استخدمها الباحث، وسوف نناقش لاحقا كافة الجوانب المرتبطة بالمفاهيم الرئيسة التي تناولها ماكس فيبر في تحليلاته الاجتماعية.
- النظرية Theory
يشير مفهوم النظرية إلى منظومة من المفاهيم والتعميمات أو الافتراضات (propositions) المنطقية حول ظاهرة اجتماعية معينة. تختلف النظرية العلمية الاجتماعية عن غيرها من النظريات في الحقول الأخرى كالفلسفة ودراسات الأديان في نقطتين مهمتين وهما: أولا: تهدف النظرية الاجتماعية إلى تفسير الظواهر الاجتماعية محل الدراسة وتوقع احتمالات حدوثها في المستقبل. ثانيا: يسعى الباحثون الاجتماعيون إلى اختبار فرضياتهم علميا (Appelrouth Edles, 2008: 3and).
- إعادة الصياغة Reconstruction
يشير مفهوم إعادة الصياغة في هذه الدراسة إلى ربط المصطلحات والمفاهيم التي تناولها ماكس فيبر في تحليلاته للبيروقراطية مع بعضها البعض، ربطا منطقيا وفق قراءة نظرية جديدة. تستلهم هذه القراءة المختلفة منهج ماكس فيبر نفسه، والذي يختلف كثيرا عن المناهج النظرية الأخرى في علم الاجتماع.
- النموذج المثالي Ideal type
هي وحدة التحليل الرئيسة في كتابات ماكس فيبر الاجتماعية، والتي تهدف إلى تحديد السمات الرئيسة لمجموعة معينة. وهي المعيار (yardstick) الذي يمكن من خلاله قياس الفارق بين هذا النموذج النظري والظاهرة الاجتماعية الفعلية التي يسعى الباحث لدراستها (Kalberg, 2000:171)؛ (Kalberg, 2009: 563)انظر أيضا:.(Swedberg, 2005:119-121); (Whimster, 2007:247-270)
- البيروقراطية Bureaucracy
هي تنظيم العمل في القطاعين العام والخاص وفقا تسلسل هرمي وبناء على مهام وأهداف المنظمة. كما سوف نرى في ثنايا هذا البحث، تنقسم البيروقراطية إلى بيروقراطية تقليدية وأخرى حديثة، حيث تسير الأولى وفق أهداف رسمية مكتوبة ومهام محددة بدقة، بينما تتبع البيروقراطية التقليدية أهدافا عامة ومهام عمل غير محددة تحديدا دقيقا. كذلك تختلف البيروقراطية الحديثة عن التقليدية في عدد من الجوانب منها، الفصل بين الجانبين الشخصي والمهني والاهتمام بالتوظيف بناء على المهارات والمعارف (Olsen, 2006) (Jary & Jary, 1991)
- شرعي Legitimate
تقوم الشرعية على ثلاثة أنواع من الاعتقادات (beliefs) التي يحملها الفاعلين (actors) عن نظام اجتماعي معين. فالنظام التقليدي (traditional order) والنظام القانوني العقلاني (rational legal order)، ونظام السلطة الخارقة للمألوف (charismatic order) تختلف شرعية كل منهما عن شرعية الآخر بسبب أن كل واحد منها يستمد شرعيته من نوعية مختلفة من الاعتقادات التي يحملها الأتباع أو المرؤوسين عن رؤسائهم أو قادتهم (Nass, 1986: 61-63) ; (Weber, 1978a:215)
- السلطة الشرعية Authority
تعني السلطة الشرعية إطاعة الأوامر بناء على الاعتقادات التي يحملها الفاعلون عن الأنظمة الاجتماعية الثلاثة السابقة (النظام التقليدي والقانوني العقلاني والخارق للمألوف). تختلف السلطة الشرعية عن ما أسماها ماكس فيبر بالسلطة المجردة (sheer power)، التي تفتقر للقيم والمعتقدات التي تبرر تصرفات الفاعلين الذين لديهم سلطة أو سلطات شرعية. تعني السلطة المجردة نجاح شخص ما في فرض إرادته على غيره (Weber, 1968: 180)؛ (Weber, 1978a: 53) انظر أيضا (Corra, 2005).
- السلطة التقليدية Traditional Authority
هي الولاء بناء على الاعتقاد بأهمية المعايير والقيم والأعراف التقليدية، وهي تقوم على الارتباط الشخصي بين الرئيس والمرؤوس أو القادة التقليديين والأتباع. من الناحية التاريخية، تعد السلطة التقليدية أكثر شيوعا مقارنة بالسلطة العقلانية والسلطة الخارقة للمألوف (Weber, 1978a:226-41) ; (Kalberg, 2009: 568).
- السلطة العقلانية القانونية Rational Leal Authority
هي اتباع الأنظمة واللوائح والقوانين العقلانية بناء على قيمة الاعتقاد بحق من يشغل المنصب العقلاني القانوني في إصدار الأوامر وفق المهام المرتبطة به (Weber, 1978a: 215-217). كما سوف نرى في ثنايا هذه الدراسة، تعتمد السلطة العقلانية القانونية على الولاء غير الشخصي، أي إطاعة الأوامر والتعليمات دون الاهتمام بالسمات الشخصية لشاغري المنصب بينما تعتمد السلطة الخارقة للمألوف على الولاء المطلق للفرد.
السلطة الخارقة للمألوف Charisma
يشير المعنى الحرفي لهذا المفهوم إلى (gift of grace) أي “النعمة” أو “الفضل” الإلهي وهو مصطلح ذو صبغة دينية مسيحية، وقد استخدمه ماكس فيبر في كتاباته الاجتماعية بمعنى مختلف يدل على التجربة الذاتية الفريدة من نوعها، والتي تميز الفرد عن غيره (Weber, 1978a: 241-247) (Radkau, 2009: 390-404). “يتعارض هذا النوع من السلطة مع جميع القيم والأعراف والقوانين والأنظمة والتقاليد الاجتماعية السائدة ” (Kalberg, 2009: 561) وهي أحد أهم مصادر التغيير في المجتمع، ويمكن وصفها بأنها قوة “غير عقلانية لا تهدف إلى الربح الاقتصادي ” (Menendez, 2008: 227).
نظرية م اكس فيبر في البيروقراطية
النموذج المثالي للبيروقراطية
البيروقراطية نموذج مثالي (ideal type) لا يشتمل على أية أحكام قيمية (judgments of values) بهدف مساعدة الباحث على اكتشاف وفهم الواقع الاجتماعي، أي أنها تمثل نموذجا عقليا تحليليا (mental construct) شأنها شأن بقية النماذج المثالية التي استخدمها ماكس فيبر في دراساته الاجتماعية، والتي ليس لها “وجود فعلي” على أرض الواقع، على الرغم أنها تتضمن بعضا من جوانبه. وفق رؤية فيبر المنهجية، يتشكل النموذج المثالي بالتركيز على وجهة نظر معينة أو أكثر من ذلك، وبدمج ظواهر فردية ملموسة ومتشتتة جدا. قد يكون لهذه الظواهر وجود فعلي إلى حد معين، وقد تكون غير موجودة في أحيان أخرى، حيث يتم ترتيبها على صورة بناء تحليلي موحد بناء على وجهات نظر أحادية يركز عليها الباحث (Weber, 1949: 90) ([9]).
ميز فيبر بين النموذج المثالي التحليلي والنموذج التقييمي الذي لا يمت لعلم الاجتماع بصلة، حيث أطلق عليه هذا المسمى بسبب إنه مثالي من الناحية المنطقية، وليس بسبب أنه يتضمن تصورا قيميا عما يجب أولا يجب فعله (Weber, 1949: 91-92) وهي رؤية تتسق مع إصراره على وجوب تفريق علماء الاجتماع بين الأحكام القيمية (judgments of values) والأحكام الواقعية.(Weber, 1949:10) (judgments of facts) يهتم علم الاجتماع ببناء النماذج المثالية ومقارنتها بظواهر اجتماعية موجودة في حيز الواقع وهو علم غير معني مطلقا بإصدار الأحكام القيمية. “إن مهمة النموذج المثالي هي المقارنة بالوقائع الفعلية لمعرفة مدى اختلافها أو توافقها مع هذه الوقائع بأوضح العبارات وأبلغها، وفهم وتفسير أسباب هذه الوقائع (Weber, 1949: 91-92). يعني ذلك أهمية التفريق بين النموذج المثالي للبيروقراطية، والواقع الفعلي للمنظمات البيروقراطية الذي يسعى الباحث لاستكشافه “موضوعيا” ([10]) من خلال مقارنته بالنموذج النظري.
البيروقراطية والنماذج المثالية للسلطة الشرعية
تقوم نظرية فيبر في البيروقراطية على النماذج المثالية للسلطة الشرعية ([11])، حيث تمثل البيروقراطية بشقيها التقليدي والحديث أهم تجليات ممارسة هذا النوع من السلطة. فكما سنرى في هذا الجزء من الدراسة، ترتبط البيروقراطية الحديثة بالسلطة العقلانية القانونية كما ترتبط البيروقراطية التقليدية بالسلطة التقليدية. تناول فيبر في تحليلاته لعلاقة البيروقراطية بشقيها التقليدي والحديث بالسلطة الخارقة للمألوف، وهي تحليلات مثالية (ideal typical analyses). يرى فيبر أن النموذج المثالي يهدف إلى تزويد عالم الاجتماع بالوضوح المنهجي الذي يمكن الوصول إليه من خلال مقارنة النموذج بالتصرفات الفعلية (Weber, 1978a: 6)، مما يعني أن البيروقراطية نموذج عقلي يساعد الباحث على فهم المنظمات البيروقراطية وليست حقيقة اجتماعية ” a social fact” على أرض الواقع.
درس فيبر النماذج المثالية للسلطة الشرعية ([12]) وهي السلطة التقليدية (traditional authority) والسلطة العقلانية القانونية (rational legal authority) والسلطة الخارقة للمألوف ([13]) .(charismatic authority) (Weber, 1978a: 215)
تختلف أنواع السلطات الثلاث عن بعضها البعض بناء على اختلاف الاعتقادات (beliefs) التي يحملها الفاعلين (actors)حيث يميز محتوى تلك الاعتقادات كل سلطة عن غيرها من السلطات الشرعية الأخرى. تمثل السلطة التقليدية محصلة اعتقادات مجموعة من الفاعلين الذين يؤمنون بشرعية نظام اجتماعي يستمد قوته من الماضي. كما تعكس السلطة العقلانية القانونية اعتقادات مجموعة من الفاعلين الذين يؤمنون بشرعية سن القانون وفق الإرادة البشرية للمشرع، أي ما أسماه فيبر ب (positive enactment). يستمد القانون الوضعي (positive law) شرعيته من التعاقد الحر بين أطراف ذات اهتمامات معينة، وبسبب فرضه من قبل سلطة شرعية. كما تستمد السلطة الخارقة للمألوف شرعيتها من عواطف الأتباع أو إيمانهم بالوحي الجديد أو بالمثال المحتذى (Weber, 1978a: 36).
وفيما يلي توضيح لجوانب تلك السلطات:
- السلطة التقليدية
ينظر فيبر للتقليدية على أنها “اتجاه نفسي نحو عادات العمل اليومي وهي الإيمان بالروتين اليومي كقيمة سلوكية يجب الالتزام بها” (Weber, 1968: 296). يرتبط المفهوم الشامل للسلطة التقليدية بجوانب اجتماعية وسياسية وتنظيمية. على سبيل المثال، يلعب كبار السن دورا رئيسا في الأسر الممتدة في المجتمعات التقليدية، بينما يؤثر القادة السياسيون تأثيرا كبيرا في صناعة القرارات اليومية في المجتمعات التقليدية المحلية. كما يقوم قادة المنظمات التقليدية في الجيوش والمدارس ونحو ذلك بأدوار لا تقل أهمية عن أدوار كبار السن أو القادة السياسيون، وفي أحيان كثيرة يتم اختيار رئيس المنظمة التقليدية بسبب كبر سنه أو لسبب تقليدي آخر. يعني ذلك ارتباط السلطة التقليدية الشاملة بالسلطة في مجال المنظمات أي السلطة البيروقراطية التقليدية. فكما سنرى، تناول فيبر في تحليلاته سلطة كبار السن والسلطة الأبوية عند مناقشة السلطة التقليدية.
على الرغم من الترابط والتداخل الوثيق بين السلطة التقليدية والبيروقراطية التقليدية، إلا أن السلطة التقليدية أشمل من البيروقراطية التقليدية. ترتبط منظمات العمل التقليدي، على سبيل المثال، بالسلطة السياسية التقليدية ليس بسبب تعيين المسئول السياسي التقليدي لكبار البيروقراطيين، ولكن بسبب تدخلاته المباشرة في أعمالها اليومية، بينما تشمل السلطة التقليدية على جوانب سياسية واجتماعية وثقافية ليست ذات علاقة بمنظمات العمل، التي يكاد ينحصر دورها في الأعمال الوظيفية. يعني ذلك أن السلطة التقليدية بمفهومها الشامل تؤثر تأثيرا مباشرا في بيئة العمل، حيث يؤدي تداخل العوامل الداخلية في المنظمة والعوامل الخارجية سواء كانت سياسية، أو اجتماعية، أو ثقافية، أو نحو ذلك إلى عدم وضوح واجبات وصلاحيات أعضاء المنظمة. بعبارة أخرى، هناك غموض في تقسيم العمل في المنظمات البيروقراطية التقليدية بسبب تأثير تلك العوامل في المهام اليومية لأعضاء المنظمة.
السلطة التقليدية والبيروقراطية التقليدية
تستمد البيروقراطية التقليدية تأثيرها في بيئة وعلاقات العمل من ارتباطها الوثيق بالسلطة التقليدية، التي لا يمكن فصلها عن القيم والمعايير التقليدية وثقافة المجتمع التقليدي عموما. أشار ماكس فيبر إلى أن السلطة التقليدية “تعتمد على الاعتقاد الراسخ بقداسة التقاليد الخالدة، وبشرعية من يمارسون السلطة التقليدية وفق تلك العادات ” (Weber, 1978a: 215). تعد الشرعية المستمدة من “قدسية التقاليد” أقدم أنواع الشرعية (legitimacy) والأكثر انتشارا على مستوى العالم (Weber, 1978a: 37). كما تتميز السلطة التقليدية، التي تستمد منها البيروقراطية التقليدية شرعيتها، بعدم وجود ما أسماه فيبر “المبادئ الرسمية ” (formal principles) ([14]) التي تمثل أحد أبرز سمات السلطة العقلانية القانونية الحديثة.
ألمح ماكس فيبر إلا أن اتخاذ القرارات في المنظمات التي تسيطر عليها السلطة التقليدية يحدث بعد تبريرها تقليديا، بدلا من الطريقة المقصودة والواعية التي تتميز بها صناعة القرارات في السلطة القانونية العقلانية. “في النموذج المثالي للسلطة التقليدية يتعذر على المشرع صناعة القانون أو القانون الإداري بطريقة مقصودة ” بسبب شيوع وسيطرة التقاليد. بطبيعة الحال لا يعني ذلك عدم وضع أنظمة ولوائح قانونية جديدة ضمن إطار السلطة التقليدية، ولكن يعني تبرير الأنظمة والقوانين الجديدة أو المبتكرة بالرجوع للتقاليد والحالات السابقة (precedents) والقرارات الماضية (Weber, 1978a: 227).
إضافة إلى ذلك، يتم تعيين القادة التقليدين بناء على معايير النظام التقليدي ويطاعون بسبب المكانة التقليدية التي يحظون بها، كما يعتمد النظام التقليدي كثيرا على الولاء الشخصي. لذا لا يعد الزعيم التقليدي رئيسا أعلى (superior) بل سيدا مطاع (personal master) بناء على معايير شخصية “بسبب أن طاقمه الإداري يتكون بشكل رئيس من أتباع شخصيون (personal retainers)”وليس من مسؤولين رسميين. كما أن المرؤوسين ليسوا أعضاء (members) في رابطة ولكنهم رفاق تقليديون (traditional comrades) “أو أشخاص خاضعون لسلطة الرئيس(subjects) (Weber, 1978a: 215) لذا تشبه العلاقة التي تربط الزعيم التقليدي بالأتباع العلاقة الشخصية التي تربط رب الأسرة مع بقية أفرادها.
البيروقراطية التقليدية
تتضمن البيروقراطية التقليدية تقسيم المهام الإدارية وأعمال المنظمات بصفة عامة بناء على معايير وقيم وأعراف تقليدية عامة تستمد قوتها من الماضي. لقد عرف العالم قديما وحديثا العديد من وسائل الإدارة التقليدية للسيطرة على الجيوش والتحكم في مجموعات كبيرة من الناس، لتحقيق أهداف سياسية واجتماعية واقتصادية… إلخ. تشترك جميع هذه الوسائل التنظيمية في كونها طرق شائعة، أي أنها توجد في جميع المجتمعات البشرية وهي تختلف اختلافا كبيرا عن البيروقراطية العقلانية الحديثة، ذات المسؤوليات القانونية الواضحة والمحددة. يرى فيبر أن سلطة المكتب الثابتة التي لديها مسؤوليات قانونية راسخة حالة فريدة من نوعها، أي أنها ليست ظاهرة تاريخية إنسانية تشترك فيها جميع المجتمعات البشرية، ولكنها استثناء برز في الحضارة الغربية دون غيرها من حضارات العالم. يرى فيبر أن البيروقراطية التقليدية ظاهرة عالمية تاريخية برزت في كافة التجمعات السياسية الكبيرة سواء في الشرق أو الغرب أو الإمبراطوريات ذات الصبغة التوسعية كالألمانية والمنغولية وفي كثير من المجتمعات الإقطاعية. في جميع تلك الحالات، ينجح الحاكم في تنفيذ أوامره المهمة عن طريق أشخاص يضع فيهم ثقته الشخصية، ومن خلال مجموعة من الرفاق أو العاملين في المحاكم. أما فيما يتعلق بصلاحياتهم فيتمتع هؤلاء الأفراد بسلطات غير محددة بدقة (Weber, 1968: 196-197).
كما تتميز البيروقراطية التقليدية بعدم وجود أنظمة رسمية محددة تحكم علاقات العمل، خاصة فيما يتعلق بمعايير الجدارة والتسلسل التنظيمي والتعيين والتدريب والمرتبات. وهو ما أشار إليه فيبر عند مقارنة البيروقراطية التقليدية بالبيروقراطية العقلانية الحديثة، حيث أوضح أن “النظام التقليدي البيروقراطي بصورته المثالية ذات الطاقم الإداري تنقصه العناصر التالية:
- إطار واضح للجدارة يخضع للأنظمة غير الشخصية.
- التسلسل الهرمي العقلاني الراسخ.
- نظام يحكم التعيين بناء على حرية التعاقد والترقيات المنظمة.
- التدريب التقني كمتطلب اعتيادي.
- المرتبات الثابتة التي تدفع غالبا على هيئة نقود (Weber, 1978a: 229).
تفتقر البيروقراطية التقليدية لنظام الجدارة المعتمد على تطبيق الأنظمة “الموضوعية”، أي بغض النظر عما أسماه فيبر بالاعتبارات الشخصية ((Weber, 1989: 351) (regard for persons التي تلعب دورا كبيرا في تشكيل علاقات العمل، خاصة فيما يتعلق بعلاقة الرئيس بالمرؤوس. فالسيد في المجتمعات القديمة يتأثر بالعواطف الشخصية وبالرحمة والمحاباة والعرفان بالجميل، التي تشكل عوامل غير عقلانية (irrational) أو غير موضوعية (Weber, 1989: 351). يعتمد النظام التقليدي على العلاقات الشخصية بين الرئيس والمرؤوس، وتستمد البيروقراطية التقليدية شرعيتها من الاعتقاد بقيمة السلطة التقليدية، حيث “… تكون الطاعة لشخص الرئيس الذي يشغل المنصب التقليدي الممنوح والذي تحكمه في هذا المجال التقاليد” (Weber, 1978a: 216) (انظر جدول رقم 1).
كما أن أحد أهم نتائج سيطرة العلاقات الشخصية على بيئة العمل هو افتقار البيروقراطية التقليدية للتسلسل الهرمي العقلاني، أي لعلاقات العمل الرسمية المبنية على الكفاءة والجدارة في أداء المهام التنظيمية. ألمح فيبر إلى أن الخضوع للعلاقات الشخصية بدلا من العلاقات الرسمية التي تستمد شرعيتها من السلطة الشرعية القانونية يؤدي إلى فقد الحرية الشخصية، حيث خلص في قراءته التاريخية لمسيرة المجتمعات الإنسانية إلى أن سيطرة العلاقات الشخصية على بيئة العمل أسهم في قيام كثير من البيروقراطيات ذات الطبيعة الاستعبادية. فالعامل في البيروقراطيات التقليدية الإقطاعية، على سبيل المثال، لا يملك حق ترك منصبه مثلما هو شأن الموظف في البيروقراطيات الحديثة. أي أن هذا النوع من التنظيمات التقليدية لا يقوم على مبدأ حرية التعاقد، بسبب أن العاملين ليسوا أكثر من مجموعة من الأرقاء. لقد كان الموظفين الرسمين في مصر القديمة عبيدا للفراعنة من الناحية الفعلية، هذا إن لم يكونوا كذلك من الناحية القانونية، كما استخدم قدماء الصينيون عصي الخيزران وسيلة لتأديب العاملين (Weber, 1989: 344). تدل هذه الأمثلة على افتقار البيروقراطية المصرية والصينية لحرية التعاقد الشائعة في البيروقراطيات الحديثة. إضافة إلى ذلك، هناك ارتباط كبير بين “الولاء” والجوانب الشخصية في المنظمات التقليدية. فالولاء في البيروقراطية التقليدية يتمحور حول الشخص الذي يشغل منصب السلطة وفق التقاليد أو الذي اختاره القائد التقليدي لشغل المنصب. كما “يحدد الولاء الشخصي علاقات الطاقم الإداري مع القائد بدلا من الواجب الرسمي غير الشخصي ” (Weber, 1978a: 227).
ترتبط البيروقراطية التقليدية بالسيطرة الوراثية (patrimonial domination) ارتباطا وثيقا، حيث يعتمد كل منهما على الاعتقادات والقيم التقليدية التي تحكم علاقات الأفراد مع بعضهم البعض. على سبيل المثال، ينظر المسؤول التقليدي الخاضع لمعايير وقيم السيطرة الوراثية للإدارة وللمنظمات المجتمع المختلفة، خاصة الجيش، على أنها أدوات شخصية (Weber, 1978b: 1006-59). كذلك ترتبط المنظمات الوراثية بالمنظمات البيروقراطية التقليدية في حين لا ترتبط البيروقراطية بسلطة كبار السن (gerontocracy) والسيطرة الأبوية (patriarchal domination) ([15]) ارتباطا مباشرا بسبب عدم وجود الطاقم الإداري الذي يمكن أصحاب القرار من إنفاذ قراراتهم البيروقراطية. بعبارة أخرى، يعتمد المسؤول الخاضع لمعايير السيطرة التقليدية لكبار السن والسيطرة الأبوية الأولية بشكل كبير على رغبة الأعضاء في اتباع أوامره، بسبب عدم وجود آلية تمكنه من تطبيقها (Weber, 1978a: 231). على الرغم من ارتباط السيطرة الوراثية وسلطة كبار السن والسيطرة الأبوية بالسلطة التقليدية، إلا أن السيطرة الوراثية تختلف عن سلطة كبار السن والسيطرة الأبوية بسبب وجود الطاقم الإداري (Weber, 1978a: 231). أوضح فيبر أيضا أن السيطرة الأبوية تعود بجذورها لسلطة السيد على أفراد عائلته، وتعتمد على الولاء الشخصي والخلط بين الالتزام الرسمي والشخصي وعدم الالتزام بمعايير رسمية محددة. إن المعايير التي تستمد منها السيطرة الأبوية شرعيتها معايير تقليدية لا يمكن انتهاكها، وهي تقوم على الولاء الشخصي الصارم (Weber, 1978b: 1006). يمكن أن نستنتج من تحليلات فيبر بأن المعايير والقيم البيروقراطية التقليدية تعود جذورها للقيم والمعايير التي تحكم علاقات الرجل مع باقي أفراد أسرته.
إضافة إلى ذلك، يعتمد موقع الموظف في مجال السلطة الوراثية على “خضوعه الشخصي ” (personal submission) للرئيس، وهو خضوع يستمد قوته من العادات والتقاليد والقيم السائدة في المجتمع التقليدي. يختلف هذا الخضوع عن “ولاء الموظف غير الشخصي ” (impersonal submission) للأنظمة واللوائح والقوانين التي تحكم علاقات العمل في المجتمع الحديث. يرى فيبر أن ولاء المسئول الخاضع للسلطة الوراثية لمهام المنصب الذي يشغله لا يعد “التزاما غير شخصي ” (impersonal commitment) لـ ” مهام غير شخصية ” (impersonal tasks) ولكنه ولاء الخادم بناء على علاقته الشخصية مع القائد، (Weber, 1978b: 1030-31) وهي إحدى السمات البارزة التي تميز الولاء التقليدي الوراثي عن الولاء الوظيفي في المنظمات البيروقراطية الحديثة. كما تختلف “المناصب الوراثية ” (patrimonial offices) عن المناصب الوظيفية في البيروقراطية الحديثة، بسبب عدم تفريق الأولى بين “الخاص” و”الرسمي “(Weber, 1978b: 1028). مقارنة ببيروقراطية الدولة الحديثة التي تتعامل مع المنصب على أنه يمثل “مصالح غير شخصية ” (impersonal interests)، تقوم السيطرة الوراثية في مجال المنظمات على اعتبار المنصب “حقا شخصيا “(personal right) لمن يشغله (Weber, 1978b: 1029). (انظر جدول رقم 1).
في مجال السلطة التقليدية ليس هناك تقسيم واضح لإجراءات ومهام العمل، حيث لا يوجد تحديد دقيق لمهام الموظف وواجباته، بل يخضع ذلك للقيم والمعايير التقليدية أكثر من خضوعه لأنظمة رسمية مكتوبة وواضحة. بالطبع، لا يعني ذلك عدم وجود أهداف ومهام للموظف الذي يعمل في إطار السلطة التقليدية البيروقراطية، ولكن يعني هذا أن أهداف ومهام العمل غير محددة بدقة. على سبيل المثال، في مجال السيطرة الوراثية، ذكر فيبر أن لكل منصب هدف ومهمة جوهريان، ولكن ليس هناك وضوح في محددات ذلك الهدف وتلك المهمة (Weber, 1978b: 1029).
جدول (1). البيروقراطية التقليدية والبيروقراطية العقلانية الحديثة.
| البيروقراطية العقلانية الحديثة | البيروقراطية التقليدية | السمة |
| محدد بدقة | غير واضح | تقسيم العمل |
| موضوعي: وفق اللوائح والأنظمة والقوانين | شخصي: بناء على العواطف والرحمة والمحاباة والعرفان بالجميل | الولاء |
| رئيس | ثانوى | دور المعرفة |
| موضوعية: وفق المؤهلات والخبرات والإنجاز | تقليدية: بناء على السن، العلاقات القرابية، الخ | معايير التعيين والترقية |
| غير شخصية “رسمية” | شخصية | طبيعة المهام |
| عقلاني: المؤهلات والخبرات والإنجاز | غير عقلاني: بناء على القيم والمعايير التقليدية | التسلسل الهرمي |
| موجودة | غير موجودة | حرية التعاقد |
- السلطة العقلانية القانونية والبيروقراطية
ترتبط السلطة العقلانية القانونية بالبيروقراطية الحديثة ارتباطا وثيقا. في هذا السياق، أشار فيبر إلى أن السلطة العقلانية القانونية تختلف عن غيرها من السلطات بسبب اعتمادها على “الاعتقاد بقانونية الأنظمة الموضوعة (enacted rules)، وبحق الذين ترقوا لشغر منصب السلطة الشرعية في إصدار الأوامر اعتمادا على تلك الأنظمة “(Weber, 1978a: 215). أنها تمثل” النموذج المثالي الأنقى فيما يتعلق بتطبيق السلطة الشرعية القانونية التي يمارسها طاقم إداري بيروقراطي ” (Weber, 1978a: 220). أما البيروقراطية الحديثة فهي أحد أهم تجليات السلطة العقلانية القانونية التي ظهرت في الغرب فقط، وهي النموذج أكثر عقلانية على الإطلاق (Weber, 1978b: 954).
البيروقراطية العقلانية الحديثة
ينظر فيبر للبيروقراطية الحديثة على أنها الوسيلة التي يتم بواسطتها تحويل “الفعل الجمعي” إلى “فعل اجتماعي” عقلاني منظم. إنها “آلية المجتمع في التعامل مع علاقات السلطة “، وهي “كانت وما تزال بناء سلطويا (Structure of power) يخدم من يتحكم فيه” (228 :1968 ,Weber). عمليا، لدى البيروقراطية الحديثة “القدرة على تحقيق أعلى درجات الكفاءة وهي أفضل نظام عقلاني رسمي متعارف عليه لممارسة السلطة الشرعية على الناس. إنها تتفوق على غيرها من حيث الدقة والثبات والصرامة والمصداقية ” (Weber, 1978a: 223). في سياق تحليله الاجتماعي للبيروقراطية، ذكر فيبر أن البيروقراطية الحديثة تتميز بالسمات التالية:
- يتمتع الموظفون بالحرية الشخصية [أي أنهم غير مجبرين على أداء العمل كما هو شأن الأرقاء]، ولكن يخضع هؤلاء الموظفين في نفس الوقت للسلطة الشرعية العقلانية فيما يتعلق بالواجبات الوظيفية غير الشخصية.
- يتم توزيع السلطة والمراتب الوظيفية على صورة بناء هرمي واضح.
- هناك تحديد قانوني ودقيق لمهام كل إدارة داخل المنظمة.
- يشغل المنصب الوظيفي بناءا على العلاقات التعاقدية الحرة (contractual relationship free)، مما يعني الحرية في اختيار الموظفين لشغل المناصب.
- يتم تعيين المرشحين لشغل الوظائف الرسمية بناء على مؤهلاتهم وخبراتهم. وفي أكثر الحالات عقلانية، يكون الاختيار للمنصب بعد خضوع المرشحين لاختبارات أو عند حصولهم على شهادات تدريب، أو بالاعتماد على هذين المعيارين معا. كما أنه ليس للانتخاب أي دور في شغلهم تلك المناصب البيروقراطية.
- يتم مكافأة الموظفين برواتب مالية محددة ويحق لهم في أغلب الحالات الحصول على معاشات التقاعد. وفي ظل أوضاع محددة يحق لسلطة التوظيف التشريعية إلغاء الوظيفة، وهذا ما يحدث على وجه الخصوص في المنظمات الخاصة. لكن، لدى الموظف حرية ترك الوظيفة في أي وقت يشاء. كما يتم تقسيم سلم الرواتب بشكل رئيس اعتمادا على المرتبة ضمن التسلسل الهرمي الوظيفي. كما يمكن أن يؤخذ في الاعتبار مسؤوليات المنصب ومتطلبات المكانة الاجتماعية للمرشح.
- يتم التعامل مع المنصب على أنه الوظيفة الوحيدة للمرشح أو على أقل تقدير على أنه الوظيفة الرئيسة التي يشغلها.
- يمثل المنصب مسارا مهنيا (career) ويعتمد نظام الترقية على الأقدمية أو يكون بناء على الإنجاز أو مشتملا على هذين المعيارين معا. كما تعتمد الترقية على قرارات الرؤساء.
- هناك فصل تام بين العمل الرسمي وملكية وسائل الإدارة (ownership of the means of administration)، حيث لا يخضع المنصب لحيازة الموظف الشخصية.
- يخضع الموظف للسيطرة والانضباط الصارم والمنظم فيما يتعلق بشؤون المنصب (Weber, 1964: 333-334 ; Weber 1978a: 220: 221).
كما هو موضح في جدول رقم (1)، يكمن سر تفوق النظام البيروقراطي الحديث على غيره من الأنظمة الإدارية التقليدية في اعتمادها على المعلومات التقنية والخبرات العملية، التي يحصل عليها الموظفون من خلال الممارسة الفعلية لمهام العمل. يتمتع الموظفون في المنظمات البيروقراطية الحديثة بالمهارات والمعارف التقنية التي تمكنهم من التعامل بكفاءة مع قضايا ومشكلات العمل. “يعود السبب الرئيس وراء تفوق البيروقراطية الإدارية إلى دور المعرفة التقنية (technical knowledge) التي أصبحت بفضل التقدم التكنولوجي الحديث والأساليب التجارية المتعقلة بإنتاج السلع أمرا لا يمكن الاستغناء عنه إطلاقا” (Weber, 1978a: 223).
تعني الإدارة البيروقراطية الحديثة ” السيطرة من خلال المعرفة”(domination through knowledge)، وهي الميزة التي جعلت البيروقراطية نظاما عقلانيا ذو سلطات غير عادية. كما أن لدى المنظمات البيروقراطية الحديثة والموظفين من أصحاب السلطة توجهات لزيادة سلطاتهم عن طريق المعارف التي تزدهر بسبب تجاربهم العملية في مجال الخدمة الوظيفية (Weber, 1978a: 225) في تحليله للمنظمات الحديثة، قسم فيبر المعارف التي يستمد منها جميع البيروقراطيون سلطاتهم إلى نوعين. أولا، المعارف التقنية technical know-how التي يحصلون عليها من خلال التدريب المتخصص. ثانيا، المعلومات الرسمية (official information) التي تتوفر للبيروقراطيين من خلال القنوات الإدارية، حيث تمكنهم من الحصول على الحقائق التي يبنون عليها قراراتهم (Weber, 1978b: 1417-1418).
إضافة إلى الدور الرئيس للمعرفة التقنية في المنظمات الحديثة، يتمثل الولاء الموضوعي الذي يستمد قوته من اللوائح والأنظمة والقوانين أحد أهم مميزات هذا النوع من المنظمات. من هذا المنطلق، أوضح فيبر أن الطاعة في مجال السلطة العقلانية القانونية تكون للمعايير وليس للأشخاص (Weber, 1978b: 957) بينما يكون الولاء في منظمات التقليدية للاعتبارات الشخصية البحتة كالعلاقات التي تربط بين الأقارب والأصدقاء وأتباع العقيدة الواحدة. في هذا المجال، يعني القبول بالمنصب الوظيفي، بما في ذلك المناصب في القطاع الخاص، الالتزام بمحددات معينة تتطلب الإخلاص في العمل الإداري مقابل الحصول على الأمن الوظيفي، وهي علاقة موضوعية رسمية ترتكز على ما أسماه فيبر “بالأهداف الوظيفية غير الشخصية ” (impersonal and functional purposes) (Weber, 1968: 199) وهي تختلف اختلافا كليا عن علاقة الخادم بالمخدوم أو علاقة الولي بالأتباع التي نجدها في كثير من السلطات التقليدية.
من أهم السمات التي تميز البيروقراطية الحديثة عن البيروقراطية التقليدية هي فصل العمل الرسمي عن الجوانب الشخصية، والاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية، وغيرها من العوامل المشابهة. إضافة إلى الفصل بين الممتلكات الخاصة للموظف والأموال والتجهيزات العامة (Weber, 1968: 197). وتعبير الفصل هنا تعبير قانوني بحت. بخلاف الفصل القانوني الواضح بين مهام وإجراءات وممتلكات العمل في البيروقراطية القانونية الحديثة، ليس هناك تحديد واضح لذلك في البيروقراطية التقليدية، وهي نتيجة حتمية للغموض في تقسيم الأعمال الوظيفية كما هو واضح في جدول رقم (1).
- البيروقراطية والسلطة الخارقة للمألوف
السلطة الخارقة للمألوف هي إحدى أنواع السلطات الشرعية التي تناولها فيبر بالدراسة والتحليل، وهي سلطة “تعتمد على الإخلاص لقداسة وبطولة النموذج الفردي الشخصي وللنمط القيمي أو النظام المبني على الوحي الذي جاء به ذلك الفرد أو الصادر عنه” (Weber, 1978a: 215). ليست السلطة الشرعية الخارقة للمألوف “… مفهوما أجوفا مجردا من أي معنى، ولكنها بناء اجتماعي محدد يتبعه طاقم إداري وجهاز لتقديم الخدمات ووسائل مادية مهيأة لخدمة رسالة القائد” (Weber, 1978b: 1119).
تبرز السلطة الخارقة للمألوف عندما يظهر الفرد سمات شخصية غير عادية، وعند وجود الرفاق والأتباع المؤمنين بقدراته الخارقة. لذا، يستلزم لظهور السلطة الخارقة وجود هذين العاملين المرتبطين مع بعضهما البعض ارتباطا وثيقا. عندما يشعر الفرد ذو الشخصية الخارقة للمألوف بعدم إدراك الأتباع لطبيعة مهمته تفشل جميع مطالبه، وعندما يدرك الأتباع طبيعة تلك المهمة يصبح هذا الفرد قائدا لهم، طالما أن بمقدوره المحافظة على إدراكهم لقدراته الفذة بتقديم الإثباتات التي تدعم تصوراتهم عنه (Weber, 1989: 227). لذا يجب عليه أن يظهر لهم، المعجزات إذا أراد منهم أن يعترفوا له بالنبوءة، وعليه تقديم البطولات إذا أراد من الأتباع الاعتراف بأنه قائد المعركة (Weber, 1989: 229). من الجانب النفسي يعني إدراك الأتباع لسلطة القائد الخارقة الولاء المطلق للسمة التي تميز الفرد، والتي تظهر نتيجة للحماس المتقد أو اليأس والأمل (Weber, 1978a: 242).
أ. البيروقراطية والسلطة الخارقة للمألوف
في تحليله للبيروقراطية والسلطة الخارقة للمألوف، تناول فيبر القواسم المشتركة التي تربطهما والسمات التي تفصل كل نمط عن الآخر. سوف نعرض في هذا الجزء للقواسم المشتركة ثم نتطرق بعد ذلك لجوانب الاختلاف. ترتبط البيروقراطية مع السلطة الخارقة عندما يتحدان في “علاقة اختيارية ” (elective affinity) ([16]). تبرز هذه العلاقة عندما يصبح القائد الخارق للمألوف وطاقمه الإداري المصدر الفعلي للبيروقراطية الجديدة، وعند غيابه والتحول من سلطة نقية (pure type of charisma) إلى أن تصبح جزءا من روتين الحياة العادية (routinization of charisma) (Weber, 1978b: 1121)، أو تحولها لسلطة غير شخصية. تعتمد البيروقراطية على الأنظمة واللوائح والقوانين التي تحدد علاقات العمل لتحقيق أهداف المنظمة سوءا كانت منظمة تقليدية أم عقلانية حديثة. في كثير من الأحوال، ظهرت تلك الأنظمة واللوائح والقوانين إلى حيز الوجود بعد خطوات تاريخية متدرجة، يمكن تتبع جذورها إلى فكر سياسي أو ديني لشخصية خارقة للمألوف. كما يمكن استخدام مصطلح “العلاقة الاختيارية ” لاتحاد البيروقراطية بالسلطة الخارقة للمألوف في الحقبة الزمنية الأولى، التي شهدت ميلاد قرارات القائد، والتي كانت فترة زمنية ذات صبغة دينية وسياسية وتنظيمية في أغلب الأحوال. في حالات كثيرة، يعني غياب القائد في مراحل التغير الأولى تحول سلطته “النقية” أي الصادرة من شخصيته القيادية المؤثرة إلى سلطة عادية، أي متأثرة بقرارات الآخرين وبعوامل البيئة الاجتماعية الأخرى.
عند أفول نجم القائد الخارق للمألوف أو لدى شعوره بدنو أجله يظهر عدد من الاحتمالات المتعلقة بانتقال سلطته. أحد هذه الاحتمالات هي تحول سلطته إلى ما أسماه فيبر “بسمة قابلة للانتقال أو الحيازة الشخصية “، أو أن ترتبط بمنصب أو ببناء مؤسساتي غير شخصي. أطلق فيبر على هذه الإجراءات خطوات تحول السلطة الخارقة للمألوف من سلطة نقية (pure charisma) إلى سلطة غير شخصية (depersonalization of charisma) (Weber, 1978b: 1135)، قبل أن تبدأ خطوات التغيير التي تطرأ على السلطة الخارقة للمألوف يستمد القائد الشرعية من أفعاله “العظيمة”، في حين يستمد أتباعه شرعية تصرفاتهم من أفعال القائد بعد أفول نجمه. في كثير من الحالات، تتحول السلطة الخارقة للمألوف إلى سلطة غير شخصية عن طريق اعتقاد الأتباع بتحولها عن طريق “صلة الدم “. عندما يترسخ الاعتقاد لدى أفراد الجماعة بأن السلطة الخارقة للمألوف مرتبطة بصلة الدم يحدث تحول جذري في معناها، حيث يعظم الشخص ليس بسبب تصرفاته، مثلما كان عليه الوضع مع القائد الأصلي، ولكنه بسبب أفعال أجداده التي تصبح مصدر للشرعية (Weber, 1978b: 1139).
ووفق رؤية فيبر تتعارض البيروقراطية مع السلطة الأبوية من أوجه متعددة، إلا أنهما على الرغم من ذلك يشتركان في صفة الاستمرارية. وهو هنا يلمح إلى أن البيروقراطية والسلطة الأبوية مرتبطتان ارتباطا وثيقا بالحياة أو بما أسماه “بناءات الحياة اليومية ” (structure of everyday life). ولقد وجدت السلطة الأبوية لتحقيق متطلبات الحياة الروتينية قبل أي شيء آخر وهو ما ينطبق أيضا على البيروقراطية، التي يمكن من خلالها إشباع حاجات الحياة اليومية (Weber, 1978b: 1111).
كما تتسم السلطة الخارقة للمألوف بأنها سلطة غير مستقرة، لذا ما تلبث أن تتحول إلى سلطة تقليدية أو سلطة عقلانية أو سلطة تجمع بعض سمات هذين النوعين (Weber, 1978a: 246). وفي جميع تلك الحالات تستقر السلطة لتصبح جزءا من الحياة اليومية العادية بعد أن تتأثر بالعوامل المادية والمعنوية الموجودة في بيئتها الاجتماعية. وفق هذه الرؤية، ذكر فيبر أن هناك عاملان رئيسان يفسران تحول السلطة الخارقة للمألوف، وهما وجود مصالح معنوية ومادية لدى الأتباع تحتم عليهم الاستمرار في المسيرة وبث الحيوية بين أعضاء المجموعة المحلية، ووجود مصالح معنوية ومادية قوية لدى أعضاء الطاقم الإداري والأتباع والعاملين وغيرهم من أفراد المجموعة بهدف الاستمرار في علاقاتهم مع بعضهم البعض (Weber, 1978a: 246). لذا، ليس من المستغرب “أن يسعى الطاقم الإداري في إنشاء وحيازة مناصب تجلب منافع اقتصادية لأعضائه، وقد ينجح في ذلك” (Weber, 1978a: 250).
تتطلب عملية التحول من سلطة خارقة للمألوف إلى سلطة تقليدية أو عقلانية البحث عن بديل للقائد ([17]). يرى فيبر أن القاعدة العامة تتمثل في سعي جميع المنظمات الخارقة للمألوف (charismatic organizations) لتعيين خليفة أو ممثل للقائد من أجل ضمان الحفاظ على استمرارية سلطته بعد رحيله (Weber, 1978b: 1126) “عندما ترغب القيادة الخارقة للمألوف في التحول إلى مؤسسة مستمرة فستواجهها أولا مشكلة إيجاد خليفة للنبي أو البطل، أو المعلم أو قائد الحزب. تدفع هذه المشكلة إلى تحول السلطة الخارقة للمألوف باتجاه السلطة العقلانية الحديثة أو السلطة التقليدية، أي ما أسماه فيبر بالأنظمة القانونية والتقاليد” (Weber, 1978b: 1123).
في البدايات الأولى لتحول السلطة الخارقة للمألوف، يتعين على الجماعة الخارقة للمألوف (charismatic community) الاعتماد على طاقم إداري يمثل هذا النوع من السلطة، ثم يتعين عليها مواجهة عقبة أخرى وهي مشكلة الاندماج مع وضع الحياة العادية، سواء كان ذلك على هيئة سلطة تقليدية أم في صورة سلطة قانونية عقلانية. وفي هذه المرحلة، يمكن ملاحظة أن حماس رفاق وأتباع القائد ما يزال متقدا لوجود “سمة استثنائية غير متاحة للجميع “، تجمع بين رفاق القائد (Weber, 1978b: 1135) أي أن ذكراه “الخارقة” ما تزال عالقة في أذهانهم. يمكن ملاحظة هذه السمة “الخارقة” بين أعضاء الطاقم الإداري المهتم بموضوع نقل السلطة، وهو حسب تعبير فيبر “طاقم إداري خارق للمألوف” (charismatic administrative staff) يتكون من رفاق القائد المخلصين (disciples). يرى فيبر أن أهم مشكلة تواجه خطوات اندماج الطاقم في روتين الحياة اليومية (process of routinization) لا تقتصر على الجاد خليفة للقائد، بل تتجسد هذه المعضلة في التأقلم مع الأوضاع الحياتية العادية (Weber, 1978a: 253) ينجح الطاقم الإداري الخارق للمألوف في التحول إلى سلطة عادية عن طريق توزيع السلطات والمميزات الاقتصادية بين رفاق وأتباع القائد وتحديد، معايير الانضمام للمجموعة، حيث يكون ذلك على شكل سلسلة من الخطوات باتجاه السلطة التقليدية أو السلطة القانونية العقلانية (Weber, 1978a: 249).
- السلطة الخارقة للمألوف والسلطة التقليدية
أشار فيبر إلى أن أحد احتمالات تحول السلطة الخارقة للمألوف باتجاه الحياة العادية اليومية هي تحولها إلى سلطة تقليدية. عندما يحدث ذلك تظهر البيروقراطية التقليدية التي تمتد بجذورها نحو شخصية القائد. كما يمكن أن يطلق على سلطة المنصب الخارقة للمألوف (charisma of office) سلطة تقليدية عندما تستمد شرعيتها من التقاليد والاعتقادات الدينية. تعني سلطة المنصب الخارقة للمألوف “الاعتقاد بالفضل الإلهي لمؤسسة اجتماعية ما”. على سبيل المثال، تستمد الكنسية الكاثوليكية في روما سلطتها الشرعية من الاعتقاد الراسخ بأن الله لن يسمح للكنيسة بالخطأ. لذا يمكن وصف السلطة الشرعية للكنيسة كمنظمة بيروقراطية بالسلطة الخارقة للمألوف (Weber, 1978 b: 1140) وهي سلطة تشبه السلطة التي تقوم عليها سلطة كنيسة لوثر، حيث ينظر إلى السلطة الشرعية المستمدة من المنصب الخارق للمألوف على أنها “منحة من الله” (Weber, 1978 b: 1141). توضح هذه الأمثلة كيفية تحول السلطة الخارقة للمألوف إلى منظمة بيروقراطية أو “بناءات دائمة وتقاليد حلت محل الإيمان بالوحي وبطولة الأشخاص من أصحاب السلطة الخارقة للمألوف ” (Weber, 1978 b: 1139).
يمكن تفسير ظاهرة توارث المناصب البيروقراطية بالعودة تاريخيا للسلطة الخارقة للمألوف التي تحولت إلى سلطة تقليدية اعتمادا على صلة الدم والعلاقات القرابية. فدولة العشيرة (clan state) هي في حقيقية الأمر منظمة بيروقراطية تقليدية تعود أصولها إلى السلطة الوراثية الخارقة للمألوف (250Weber, 1978 a:) وتستمد شرعيتها من التقاليد المتوارثة. في هذا النوع من المنظمات التقليدية “لا يحدد الوضع الذي يشغله الفرد مكانته أو مكانة أسرته ولكن تحدد قرابة أسرته بالسلطة الوراثية الخارقة للمألوف المكانة التي سوف يشغلها” (Weber, 1978 a: 250). أي أن المكانة الاجتماعية للموظف الذي يعمل في المنظمة التقليدية تتشكل وفقا للعلاقة التي تربط أقارب ذلك الموظف بالسلطة التقليدية المتوارثة، وليس بناء على وضعه الوظيفي ضمن إطار المنظمة البيروقراطية الحديثة التي تلعب الكفاءة فيها دورا رئيسا.
- السلطة الخارقة للمألوف والبيروقراطية العقلانية الحديثة
أشرنا سابقا إلى احتمال تحول السلطة الخارقة للمألوف إلى بيروقراطية تقليدية وهو احتمال يقابله أيضا تحولها إلى بيروقراطية عقلانية حديثة. ألمح فيبر إلى ارتباط البيروقراطية الحديثة بالتحولات الديمقراطية للقائد التي تهدف إلى إلغاء المميزات والسلطات الإقطاعية والوراثية وغيرها من السلطات المشابهة، عندما أشار إلى تحولات السلطة الخارقة للمألوف التي تتضمن وجود توجهات مناوئة للتسلط، الأمر الذي يؤدي بها للسير نحو العقلانية. عندما يستمد الحاكم شرعية حكمه من الاستفتاء العام فالأغلب أنه سوف يدعم نظامه السياسي بإنشاء منظمة بيروقراطية فاعلة وسريعة يعمل بها مجموعة من الموظفين الرسميين. كما سيعزز القائد الخارق للمألوف من ولاء الأتباع بالانتصار في الحروب التي تجلب له المجد والشرف أو بالسعي لرفاهيتهم بدعمهم ماليا أو بتحقيق هذين الهدفين معا. هنا يعتقد الأتباع أن نجاح القائد في جهوده يدل على تمتعه بسلطة خارقة للمألوف وهو الأمر الذي يتيح للقائد أيضا فرصة إلغاء السلطات والمميزات التقليدية والإقطاعية والأبوية وغيرها من أنواع المميزات والسلطات المشابهة، ويؤدي به إلى إنشاء مصالح اقتصادية تستمد شرعيتها من نظامه السياسي (Weber, 1978 a: 269). إن مرحلة ظهور العقلانية الحديثة في إدارة المنظمات تستلزم أولا إلغاء القائد الخارق للمألوف للمميزات التقليدية مما يساعد في بروز البيروقراطية الحديثة. ركز فيبر في هذا السياق على دور القائد لإدراكه بصعوبة تغيير النظام البيروقراطي التقليدي بالوسائل العادية وإمكانية تغيير هذا النظام الراسخ بواسطة جهوده الخارقة للمألوف.
ب. البيروقراطية والسلطة الخارقة للمألوف
أشرنا سابقا للعوامل التي تربط السلطة الخارقة للمألوف بالبيروقراطية بشقيها التقليدي والحديث. أما في هذا الجزء من الدراسة فسنتناول بالشرح العوامل التي تفصل بين البيروقراطية الحديثة والسلطة الخارقة للمألوف.
جدول (2). البيروقراطية الحديثة والسلطة الخارقة للمألوف.
| السلطة الخارقة للمألوف | البيروقراطية الحديثة | السمة |
| ضعيفة | قوية | العلاقة مع الاقتصاد |
| غير مستقرة | مستقرة | درجة الرسوخ |
| متطوعين | موظفين رسمية | نوعية العضوية |
| التجربة الذاتية للفرد | القانون | مصدر الشرعية |
| داخلي | خارجي | التأثير في الآخرين |
كما هو موضح في جدول رقم (2)، تختلف السلطة الخارقة للمألوف عن البيروقراطية الحديثة اختلافا كبيرا، ومن أهم العوامل التي تفصل بينهما ما يلي:
أولا: هناك ارتباط وثيق بين البيروقراطية والاقتصاد في الوقت الذي توجد علاقة ضعيفة بين السلطة الخارقة للمألوف والاقتصاد. إن أحد أهم عوامل بروز البيروقراطية الحديثة هو الاقتصاد المبني على المال (money economy) حيث إن وجود هذا النظام يعد ضرورة لدفع مرتبات الموظفين الرسميين، كما أن استمرار الإدارة البيروقراطية مرهون بوجود نظام ضريبي يمكن الاعتماد عليه (Weber, 1989: 341-345). أما فيما يتعلق بالسلطة الخارقة للمألوف فالأمر مختلف تماما. يرى فيبر أن السلطة الخارقة للمألوف تقع “خارج نطاق الحياة اليومية، لذا فهي توجد بالضرورة خارج نطاق الاقتصاد” (Weber, 1989: 235). كما “تعارض السلطة الخارقة للمألوف مع جميع الخطط العقلانية الهادفة للحصول على المال وترفض بصفة عامة جميع الأساليب الاقتصادية العقلانية”(Weber, 1989: 228).
عندما تظهر السلطة الخارقة للمألوف في أنقى صورها (pure charisma)، يخضع القائد والأتباع لاعتبار “تلبية النداء” و”أداء الرسالة ” أو “الواجب الروحاني ” بدلا من خضوعهم للاعتبارات المادية (Weber, 1978 a: 244). لذا، ليس هناك أي توافق بين الاهتمام بالجوانب المعيشية والاقتصادية العادية، وما أسماه فيبر بالجماعة الخارقة للمألوف (charismatic community) القائمة على العلاقات الجماعية العاطفية (Weber, 1978 a: 243). يعود السبب الأساسي لعدم اهتمام القائد والأتباع بالجوانب المادية إلى أن تركيزهم على الجوانب الاقتصادية والحياتية العادية يعيقهم من تحقيق أهدافهم الطموحة. “يجب على من يحمل السمات الخارقة للمألوف (ليس فقط القائد بل أيضا خاصته المقربين وأتباعه) أن ينأوا بأنفسهم بعيدا عن جميع الارتباطات الحياتية وعن المهن المعيشية المعتادة، كما يجب عليهم البعد عن المسؤوليات العائلية العادية هذا إذا أرادوا تحقيق مهمتهم ” (Weber, 1989: 228) ([18]).
ثانيا: تختلف البيروقراطية عن السلطة الخارقة للمألوف في رسوخ البيروقراطية وثباتها، في حين تتسم السلطة الخارقة للمألوف بعدم الاستقرار. يعود السبب الرئيس وراء عدم استقرارها إلى اعتمادها الكبير على العاطفة. يرى ماكس فيبر أن السلطة الخارقة للمألوف “تنشأ… نتيجة العواطف الجياشة التي يشعر بها جميع أفراد مجموعة إنسانية خلال وضع غير عادي ونتيجة للتفاني لتحقيق سمات بطولية من أي نوع كانت ” (Weber, 1989: 236). أما فيما يتعلق بالبيروقراطية فهي تمثل بناء معيشي عادي (a structure of everyday) يعد استقراره أحد أهم ركائز وجوده. تتكون البيروقراطية من مجموعة من الأنظمة العقلانية الراسخة والمتكيفة من أجل سد حاجات المعيشة اليومية بالوسائل العادية (Weber, 1989: 226).
ثالثا: تعتمد البيروقراطية على الموظفين الرسميين في حين تعتمد السلطة الخارقة على الأتباع المتطوعين، أي الذين ليس لديهم مناصب رسمية بالمعنى المتعارف عليه. يرى فيبرأن الجماعة الخارقة للمألوف (charismatic community) تستمد قوتها من العلاقات العاطفية التي تربط القائد بأفراد الجماعة. يتكون الطاقم الإداري للقائد من أعضاء تم اختيارهم اعتمادا على سماتهم الخارقة للمألوف وليس، على أساس أنهم “موظفين رسميين ” مدربين. لذا في إطار السلطة الخارقة للمألوف، وليس هناك إجراءات تعيين أو فصل أو ترقيات أو مسار مهني (career)، ولكن هناك استجابة سريعة وآنية للقائد من قبل الرفاق والأتباع. تفتقر جماعة القائد الخارق للتسلسل التنظيمي الذي يميز المنظمات البيروقراطية، حيث يتدخل القائد بصفة دائمة أو في حالات بعينها، وذلك عند إدراكه أن أعضاء طاقمه الإداري لا يتمتعون بمؤهلات خارقة تجعلهم قادرون على أداء مهمة معينة. (Weber, 1978a: 243)
رابعا: تستمد البيروقراطية شرعيتها من القوانين واللوائح والأنظمة الرسمية، في حين تستمد السلطة الخارقة للمألوف شرعيتها من شخصية القائد. ترتبط البيروقراطية ارتباطا وثيقا بالسلطة القانونية الشرعية سواء كانت سلطة تقليدية أم عقلانية. على سبيل المثال، تعتبر البيروقراطية ذات الطاقم إداري، أي البيروقراطية الحديثة، “أنقى تجليات السلطة القانونية ” العقلانية (Weber, 1978 a: 220) على عكس ذلك، لا تعترف السلطة الخارقة للمألوف، خاصة عندما تكون في صورتها الأصيلة (genuine charismatic domination) بالقوانين المجردة أو بالأنظمة وهي أيضا تفتقر للأحكام القانونية “الرسمية”. بدلا من ذلك، يصدر قانونها “الموضوعي” من التجربة الذاتية (personal experience) المؤثرة ومن بطولة القائد صاحب المكانة السامية وشبه الدينية (Weber, 1989: 230).
خامسا: فيما يتعلق بالتأثير في الآخرين، تحدث البيروقراطية تغييرات خارجية في حين تحدث السلطة الخارقة للمألوف تغييرات داخلية. على سبيل المثال، أحدثت البيروقراطية الحديثة تغييرات كبيرة عن طريق تغيير البيئة الخارجية المحيطة بالناس، بينما أحدثت السلطة الخارقة للمألوف تغييرات مباشرة داخل الأفراد أنفسهم. “في علاقتها مع التقاليد، يمكن أن تكون البيروقراطية العقلانية قوة ثورية من الطراز الأول، وهو أمر قد حدث بالفعل، ولكن يتم تطبيق ذلك بوسائل تقنية “من الخارج ” في المقابل، تعتمد قوة السلطة الخارقة للمألوف على المعتقدات بشأن الوحي والبطولة، والإيمان العاطفي الراسخ بأهمية وقيمة التعبير الديني والفني والعلمي والسياسي وغيرها من المظاهر، كما تعتمد على المعتقدات البطولية سواء كانت دينية زاهدة أو عسكرية، قضائية حكيمة أو مرتبطة بالسحر أو غير ذلك. تقلب هذه المعتقدات حياة الناس بطريقة ثورية “من الداخل ” وتسعى إلى تشكيل الأشياء والمنظمات وفق رغبتها الثورية “(Weber, 1989: 231).
خاتمة
ركزت هذه الدراسة على إعادة صياغة نظرية ماكس فيبر في البيروقراطية بإبراز تحليلاته الاجتماعية، التي تربط البيروقراطية بالنماذج المثالية للسلطة، أي السلطة التقليدية والسلطة العقلانية الحديثة والسلطة الخارقة للمألوف. ينظر فيبر للبيروقراطية التقليدية على أنها ترتكز على السلطة التقليدية التي تستمد منها شرعيتها، كما يربط البيروقراطية الحديثة بالسلطة العقلانية، بل أنه ذهب بعيدا في تصويره لمتانة هذه العلاقة عندما أوضح أن البيروقراطية الحديثة تمثل أنقى تجليات السلطة العقلانية الحديثة (Weber, 1978a: 220).
تطرقت هذه الدراسة أيضا للعلاقة التي تربط البيروقراطية بالسلطة الخارقة للمألوف عندما سلطت الضوء على احتمالات تحولها إلى سلطة تقليدية أو سلطة عقلانية حديثة، وهي تحولات معقدة تخضع لعدد من العوامل الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، إضافة إلى العوامل المرتبطة بشخصية القائد. أوضحت الدراسة أن السلطة الخارقة للمألوف قد تتحول إلى بيروقراطية تقليدية، وربما يمتد تأثيرها لتتشكل على المدى الطويل في صورة بيروقراطية عقلانية حديثة، وفي الوقت ذاته لا يمكن تجاهل احتمالات فشل أتباع القائد ذو الشخصية الخارقة للمألوف في المحافظة على سلطته بعد رحيله، مما يعني في هذه الحالة عدم وجود علاقة وثيقة تربط بين السلطة الخارقة للمألوف والبيروقراطية.
إضافة إلى ذلك، أبرزت هذه الدراسة السمات المثالية (ideal-typical characteristics) التي ترتكز عليها البيروقراطية التقليدية والبيروقراطية العقلانية الحديثة. يعني ذلك أن تلك العوامل تم تحديدها لمساعدة الباحث على تحليل الظاهرة البيروقراطية بشقيها التقليدي والحديث، وليس بهدف تقديم توصيات قيمية بشأن دراسة الأنظمة البيروقراطية. من وجهة نظر فيبر، ليس هناك أية علاقة بين السمات التي “يجب” أن تتوفر في البيروقراطية الحديثة ومنهجه الاجتماعي، الذي يفصل بين التحليل العلمي للظواهر الاجتماعية والجوانب القيمية، التي يقتصر دورها على توجيه اهتمام الباحث نحو موضوع دون آخر (Weber, 1949). لقد تجنب ماكس فيبر في تحليله للمنظمات البيروقراطية التعبيرات القيمية التي توحي بأن البيروقراطية الحديثة “أفضل” أو “أسوأ” من البيروقراطية التقليدية، وجعل اهتمامه منصبا على مقارنة النماذج المثالية للبيروقراطية بالوقائع الاجتماعية. من هذا المنطلق، تبرز هذه الدراسة منهجية فيبر في دراسة المنظمات البيروقراطية التي ترتكز على صياغة النماذج المثالية للبيروقراطية التقليدية والحديثة ومقارنتها بالحقائق (facts) من أجل فهم الوقائع الاجتماعية التي يسعى الباحث إلى تحليلها. من المهم الإشارة في هذا السياق إلى أن فيبر يرى أن الأحكام القيمية (value-judgments) تختلف اختلافا كبيرا عن النتائج الموضوعية، التي يتوصل لها الباحث في دراسة المنظمات البيروقراطية، بالاستعانة بالنماذج المثالية وبالمنهج التاريخي المقارن. على سبيل المثال أحد أهم النتائج التي توصل لها فيبر في تحليلاته للمنظمات البيروقراطية هي تفوق البيروقراطية الحديثة على غيرها، بسبب اعتمادها على المعرفة التقنية (Weber, 1978b: 97) كما توصل إلى نتيجة لا تقل أهمية عن تلك وهي صعوبة تغيير البيروقراطية، حيث ذكر أن التاريخ يشير إلى رسوخ البيروقراطية في المجتمع رسوخا قويا كما حدث في الصين ومصر القديمة، والعصور المتأخرة للإمبراطوريتين الرومانية والبيزنطية. في كل تلك الحالات، لم تختف البيروقراطية إلا عندما حدث انهيار كامل في الثقافة الداعمة لها (Weber, 1978b: 1401) .
المراجع
أولا: المراجع العربية
بوريكو، ر. بودون وف. (2007 م) المعجم النقدي لعلم الاجتماع، ترجمة سليم حدد، الطبعة الثانية، بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر.
الجوهري، عبد الهادي وإبراهيم أبو الغار (1980م) دراسات في علم اجتماع الإدارة، القاهرة: مكتبة نهضة الشرق.
حجازي، محمد فؤاد (1999 م) النظريات الاجتماعية، الطبعة الثانية، القاهرة: مكتبة وهبة.
الحسن، إحسان (2005م) النظريات الاجتماعية المتقدمة، عمان، الأردن: دار وائل للنشر والتوزيع.
السيد، سميرة (1997م) مصطلحات علم الاجتماع، الرياض: مكتبة الشقري.
العمر، معن (2001م) ثنائيات علم الاجتماع، عمان، الأردن: دار الشروق للنشر والتوزيع.
العمر، معن (2006 م) معجم علم الاجتماع المعاصر، عمان، الأردن: دار الشروق للنشر والتوزيع.
غدنز، أنتوني (2005 م) علم الاجتماع، ترجمة فايز الصياغ، بيروت: المنظمة العربية للترجمة.
فلوري، لوران (2008 م) فيبر، ترجمة محمد علي مقلد، بيروت: دار الكتاب الجديدة المتحدة.
ثانيا: المراجع الأجنبية
Aguilera, R. and Vadera, A. (2007) The Dark Side of Authority: Antecedents, Mechanisms, and Outcomes of Organizational Corruption, Journal of Business Ethics, 77: 431-449.
Albrow, M. (1990) Max Weber’s Construction of Social Theory, London: Macmillan Education Ltd.
Anderson, W. (2004) Mises Versus Weber on Bureaucracy and Sociological Method, Journal of Libertarian Studies, 18 (1): 1-29.
Appelrouth, S. and Edles, L. (2008) Classical and Counterparty Sociological Theory, Thousand Oaks, CA: Pine Forge Press.
Boucock, C. (2000) In the Grip of Freedom: Law and Modernity in Max Weber, Toronto: The University of Toronto Press.
Brockopp, J. (2005) Theorizing Charismatic Authority in Early Islamic Law, Comparative Islamic Studies, 1 (2): 129-158.
Burger, T. (1987) Max Weber’s Theory of Concept Formation: History, Laws, and Ideal Types, Durham, NC: Duke University Press.
CEE (2009) Bureaucracy, In Columbia Electronic Encyclopedia, 6th (Ed), New York: Columbia University Press.
Collins, R. (1990) Weberian Sociological Theory, Cambridge: Cambridge University Press.
Corra, M. (2005) Separation and Exclusion: Distinctly Modern Conditions of Power? Canadian Journal of Sociology, 30 (1): 41-70.
Daft, R. (2009) Organization Theory and Design, Mason, OH: South-Western Cengage Learning.
Deflem, M. (2000) “Bureaucratization and Social Control: Historical Foundations of International Police Cooperation”, Law and Society Review, 34 (3): 739-778.
Dougherty, D. and Corse, S.M. (1995) “When it Comes to Production Innovation, What is so Bad abut Bureaucracy?” The Journal of High Technology Management Research, 6 (1): 55-67.
Drysdale, J. (1996) “How are Social-Scientific Concepts Formed? A Reconstruction of Max Weber’s Theory of Concept Formation”, Sociological Theory, 14:1 (March): 71-88.
Eliaeson, S. (2002) Max Weber’s Methodologies: Interpretation and Critiques, Cambridge, UK: Polity Press.
Evans, P. and Rauch, J.E. (1999) “Bureaucracy and Growth: A Cross-National Analysis of the Effects of ‘Weberian’ State Structure on Economic Growth”, American Sociological Review, 64: 748-756.
Friedman, K. (1981) Legitimation of Social Rights and the Western Welfare State, Chapel Hill, NC: The University of North Carolina Press Chapel Hill.
Glassman, R. (1984) Max Weber’s Political Sociology: A Pessimistic Vision of Rationalized World, Westport, CT: Greenwood Press.
Harding, H. (1981) Organizing China: The Problem of Bureaucracy, 1949-1976, Stanford, CA: Stanford University Press.
Hatch, M. and Cunliffe, A. (2006) Organization Theory: Modern, Symbolic, and Postmodern Perspectives, Second (Ed) New York, Oxford University Press.
Hilbert, R. (1987) Bureaucracy as Belief, Rationalization as Repair: Max Weber in a Post-Functionalist Age, Sociological Theory, 5: 70-86.
Hilbert, R. (2001) The Classical Roots of Ethnomethodology: Durkheim, Weber, and Garfinkel, Chapel Hill, NC: University of North Carolina Press.
Höpfl, H. (2006) Post-bureaucracy and Weber’s “modern” bureaucrat, Journal of Organizational Change and Management, 19 (1): 8-21.
Hopkins, N. (2008) Charisma and Responsibility: Max Weber, Kurt Eisner, and the Bavarian Revolution of 1918, Max Weber Studies, 7 (2): 185-211.
Jackson, M. (2005) The Eighteenth Century Antecedents of Bureaucracy, the Cameralists, Management Decision, 43 (10): 1293-1303.
Jain, A. (2004) “Using the Lens of Max Weber’s Theory of Bureaucracy to Examine EGovernment Research”, 37th Hawaii International Conference on System Sciences, 5-8 January 2004, Big Island, HI, USA.
Jary, D. and Jary, J. (1991) The Harper Collins Dictionary of Sociology, New York: Harper Collins Publishers, Ltd.
Joosse, P. (2006) Silence, Charisma and Power: The Case of John de Ruiter, Journal of Contemporary Religion, 21 (3): 355-371.
Kalberg, S. (1994) Max Weber’s Comparative Historical Sociology, Chicago: The University of Chicago Press.
Kalberg, S. (2000) “Max Weber”, In The Blackwell Companion to Major Social Theorist, pp: 145-204, Ed., by Gorge Ritzer, Oxford: Blackwell Publishers Ltd.
Kalberg, S. (2009) Glossary, In The Protestant Ethic and the Spirit of Capitalism with Other Writings on the Rise of the West, 4th (Ed), Translated and Edited by Stephen Kalberg, New York: Oxford University Press.
Käsler, D. (1988) Max Weber: An Introduction to his Life and Work, Translated by Philippa Hurd, Chicago: The University of Chicago Press.
Kiser, E. and Cai, Y. (2003) War and Bureaucratization in Qin China: Exploring an Anomalous Case, American Sociological Review, 68(4): 511-539.
Kiser, E. and Cai, Y. (2004) Early Chinese Bureaucratization in Comparative Perspective: Replay to Zhao, American Sociological Review, 69 (4): 608-612.
Leach, D. (2005) The Iron Law of What Again? Conceptualizing Oligarchy Across Organizational Forms, Sociological Theory, 23 (3): 312-337.
Lepsius, M.R. (2006) The Model of Charismatic Leadership and its Applicability to the Rule of Adolf Hitler, Totalitarian Movements and Political Religions, 7 (2): 175- 190.
McCann, S. (1997) Treating Times and the Election of Charismatic U.S. Presidents: With and Without FDR, The Journal of Psychology, 131 (4): 393-400.
Menendez, M. (2008) The Leadership of the Dead: Notes towards a Weberian Analysis of Charisma in Narratives Martyrdom, In Max Weber Matters: Interweaving Past and Present, Edited by David Chalcraft, Fanon Howell, Marisol Menendez and Hector Vera, England: Ashgate Publishing Limited.
Miner, J. (2002) Organizational Behavior: Foundations, Theories and Analyses, New York: Oxford University Press.
Mommsen, W. (1992) The Political and Social Theory of Max Weber, Chicago, IL: University of Chicago Press.
Morrison, K. (1995) Marx, Durkheim and Weber, London: Sage Publications.
Mouzelis, N. (1967) Organization and Bureaucracy: an Analysis of Modern Theories, Aldine de Gruyter, New York: Hawthorne.
Nass, C. (1986) Bureaucracy, Technical Expertise, and Professionals: A Weberian Approach, Sociological Theory, 4: 61-70.
Oakes, G. (1988) Weber and Rickert: Concept Formation in the Cultural Sciences, Cambridge, MA: MIT Press.
Olmez, A.E., Sumer, H.C. and Soysal, M. (2004) “Organizational Rationality in Public, Private and Multinational Firms in Turkey”, Information Knowledge System Management, 4: 107-118.
Olsen, J. (2006) Maybe it is Time to Rediscover Bureaucracy, Journal of Public Administration and Theory, 16 (1): 1-24.
Packard, N. (2008) Weber on Status Groups and Collegiality: Applying the Analysis to a Modern Organization, Humanity & Society, 32 (1): 2-23.
Peter, E. and Rauch, J. (1999) Bureaucracy and Growth: A Cross-National Analysis of the Effects of “Weberian” state Structure on Economic Growth, American Sociological Review, 64 (5): 748-765.
Radkau, J. (2009) Max Weber: A Biography, Translated by Patrick Camiller, Cambridge, UK: Polity Press.
Rhodes, A. (1988) Charisma and Objectivity, European Journal of Sociology, 29 (1): 12-30.
Roth, G. (1978) Introduction, PP: xxxiii-cv, In Economy and Society, Vol. 1. by Max Weber, Berkeley: University of California Press.
Rutgers, M. and Schreurs, P. (2006) The Morality of Value- and Purpose-Rationality: The Kantian Roots of Weber’s Foundational Distinction, Administration & Society, 38 (4): 403-421.
Schluchter, W. (1985) The Rise of Western Rationalism, Max Weber’s Developmental History, Trans. Guenther Roth. Berkeley, CA: University of California Press.
Swedberg, R. (2005) The Max Weber Dictionary, Stanford: Stanford University Press.
Warner, M. (2007) Kafka, Weber and Organization Theory, Human Relations, 60 (7): 1019-1038.
Waters, M. (1994) Modern Sociological Theory, London Sage Publications.
Weber, M. (1995) Max Weber: A Biography, 2d (Ed) Trans. and Ed. By Harry Zohn, New Brunswick, NJ: Transaction Publishers.
Weber, M. (1949) The Methodology of the Social Sciences, Translated and Edited by: Edward A. Shils and Henry A. Finch, New York: The Free Press.
Weber, M. (1968) From Max Weber: Essays in Sociology, Translated and Edited by H.H. Gerth and C. Wright Mills, New York: Oxford University Press.
Weber, M. (1978a) Economy and Society: An Outline of Interpretive Sociology, Vol. I. Edited by Guenther Roth and Claus Wittich, Berkeley: University of California Press.
Weber, M. (1978b) Economy and Society: An Outline of Interpretive Sociology, Vol. II. Edited by Guenther Roth and Claus Wittich, Berkeley: University of California Press.
Weber, M. (1989) Max Weber: Selections in Translation, Translated by Eric Matthews and Edited by W.G. Runciman, Cambridge: Cambridge University Press.
Weber, M. (2002) The Protestant Ethics and the Spirit of Capitalism, Translated by Stephen Kalberg, Los Angeles: Roxbury Publishing Company.
Whimster, S. (2007) Understanding Weber, New York: Routledge.
Willis, J.J., Mastrofski, S. and Weisburd, D. (2004), “Compstat and Bureaucracy: A Case Study of Challenges and Opportunities for Change”, Justice Quarterly, 21 (3): 463-496.
Wilson, J.Q. (2000) Bureaucracy: What Government Agencies do and why they do it? New York: Basic Books Inc.
A Reconstruction of Max Weber’s Theory of Bureaucracy
Abdullah Mesfer Al-Wagdani
Institute of Public Administration
Riyadh, Saudi Arabia
Abstract.
The purpose of this study is to reconstruct Weber’s theory of bureaucracy based on his original sociological writings. It argues that, although commentators in the field of sociology and other fields widely recognize his theory of bureaucracy, they fail to examine his analysis of traditional bureaucracy and focus their effort instead on rational modern bureaucracy. In fact, we rarely find any study that clearly distinguishes between these two major types of bureaucracy, which Weber analyzes in his sociology of organization. In addition, not only a major part of his theory of bureaucracy is left unexplored by commentators, but also his analysis of the relationship between bureaucracy and types of authority. In short, this study explicitly calls attention to the centrality of traditional and modern bureaucracy and types of authority in understanding Max Weber’s theory of bureaucracy.
Keywords: Max Weber, traditional bureaucracy, modern rational bureaucracy, types of authority, rational legal authority, traditional authority, charismatic authority.
[1] انظر أيضا إلى آراء مشابهة جايمس ويلسون (Wilson, 2000: 11)، وريتشارد هيلبرت (Hilbert, 2001) وروتيرز وسهريورس (Rutgers and Schreurs, 2006) ور. بودون وف. بوريكو (ر. بوريكو، 2007 م: 108).
[2] انظر أيضا إلى ملاحظة مشابهة من هوبفل (Höpfl, 2006: 9).
[3] ولد ماكس فيبر في الواحد والعشرين من شهر إبريل عام 1864م وتوفي الرابع عشر من شهر يونية عام 1920م (Weber, 1995) مما يعني أنه توفي وهو في سن السادسة والخمسين من عمره.
[4] انظر على سبيل المثال: (Hatch and Cunliffe, 2006; Miner, 2002; Mouzelis, 1967)
[5] انظر على سبيل المثال إلى: (الحسن، 2005 م؟ العمر، 2001 م؛Morrison, 1995; Mommsen, 1992; Waters, 1994)
[6] تشير العقلانية الرسمية إلى وضع الجوانب التقنية الحسابية في الحسبان وفق أهداف ووسائل وإجراءات محددة، وهي تختلف عن العقلانية الجوهرية (substantive rationality) التي تعتمد على الأهداف بعيدة المدى سواء كانت أخلاقية، أو سياسية، أو مصلحية، أو غيرها من القيم دون أي اعتبار للوسائل والإجراءات الرسمية التي تتعارض مع تلك الأهداف (Weber, 1978a, 85)
[7] سوف تناقش الدراسة لاحقا معنى هذا المصطلح والصعوبات المرتبطة بترجمته إلى العربية عند البحث في علاقته بالبيروقراطية.
[8] للبحث في منهج فيبر في دراسة الظواهر الاجتماعية يمكن الرجوع إلى كتابه الذي عنوانه “منهج العلوم الاجتماعية ” (Weber, 1949) (The Methodology of the Social Sciences). إضافة إلى بداية الجزء الأول من كتابه الاقتصاد والمجتمع (Weber, 1978a: 3-33). كذلك يوجد عدد من الدراسات الثانوية المهتمة بمنهجه. انظر على سبيل المثال إلى: (Eliaeson, 2002; Kalberg, 1994; Waters, 1994; Oakes, 1988; Burger, 1987).
[9] للمزيد حول كيفية صياغة النماذج المثالية، انظر (Drysdale, 1996) ; (Kalberg, 1994: 81-91) ; (Bruun, 2007: 236)
[10] يعني التحليل ” الموضوعي” تجنب الأحكام القيمية (value-judgment) وهذا لا يعني خلو العلوم الاجتماعية من القيم الثقافية التي تؤثر في اختيار موضوعات البحث (Weber, 1989: 69-98) ; (Weber, 1949: 49-112).
[11] لا يحمل تعبير “شرعي” legitimate ” في طياته أي تقييم معياري أو قيمي بل يشير هذا التعبير فقط إلى رؤية الأفراد “actors ” لما هو شرعي وليس لوجهة نظر فيبر. على سبيل المثال، تطرق فيبر إلى الأسس التي ربما تكون أساسا للشرعية ومنها المعاني التي يعطيها الأفراد لنظام اجتماعي معين ومنها المعاني المرتبطة بالعاطفة والقيم والتقاليد، والحق القانوني (Weber, 1978a: 36).
[12] استخدم فيبر مصطلح (authority) وهو ما يمكن ترجمته هنا بالسلطة الشرعية. كما استخدم أيضا تعبير السيطرة (domination) عندما أشار إلى نماذج السيطرة الشرعية المثالية (types of legitimate domination)، وهو تعبير يتطابق مع معنى النماذج المثالية للسلطة الشرعية (types of authority) انظر (Weber, 1978a: 215).
[13] ليس هناك اتفاق بين علماء الاجتماع العرب فيما يتعلق بترجمة مصطلح (charisma). على سبيل المثال، أطلق عليه محمد حجازي مسمى “الإلهام” (حجازي، 1999م: 174) وترجمته سميرة السيد بالشعبية (الإلهام) مشيرة إلى تعبير “القائد الشعبي أو الحاكم الشعبي ” الذي يستمد سلطته عن طريق التأثير الشخصي والإقناع (السيد، 1997م: 31). في الوقت ذاته، ترجم معنى العمر مصطلح (charisma) ب “القيادة الفذة ” حيث ذكر أن فيبر استخدم “هذا المصطلح ليعبر عن السلطة الفذة عند تحليله للتسلط… “(العمر، 2006 م، 148). أما مصطلح السلطة الخارقة للمألوف المستخدم هنا فهو الأقرب للمعنى للأسباب التالية:
أولا: يرتبط مفهوم “الإلهام” في الثقافة العربية بالقادة المؤثرين وبغيرهم، وهو ترجمة مناسبة للكلمة الإنجليزية (inspiration).
ثانيا: لا يتوافق تعبير “الفذ” مع منهج ماكس فيبر الذي أصر على استخدم المصطلح دون أي تقيم(value- free) (Weber, 1989: 226, 228; 1978b: 1112) ، بينما يوحي مسمى “القائد الفذ” لقارئ العربية بالتقييم الإيجابي لتصرفات القائد.
ثالثا: يصعب استخدام مفهومي “الإلهام” و”القيادة الفذة ” لوصف جوانب أخرى مرتبطة بالسلطة الخارقة للمألوف (charisma) وبالتحديد عندما تعرض فيبر لعلاقتهما بالمنصب أو الجماعة. على سبيل المثال، أشار ماكس فيبر لمفهوم ” الجماعة الخارقة للمألوف”(charismatic community) (Weber, 1978b:1125) و”المنصب الخارق للمألوف”(Weber, 1978b: 1139) (office charisma)”العلاقات القرابية الخارقة للمألوف” والسلطة (Weber, 1978b:1141) (charismatic kingship) الوراثية الخارقة للمألوف (Weber, 1978a: 216) (hereditary charisma) والأرستقراطية الخارقة للمألوف. (Weber, 1978b:1136) (charismatic aristocracy)
[14] يشير تعبير “المبادئ الرسمية ” إلى تقنين صناعة القرارات بطريقة مكتوبة ومحددة قانونيا. يقابل ذلك، اتخاذ القرارات بناء على اعتبارات أخلاقية ومصلحية وقيم المساواة غير المقننة كتابيا (Weber, 1978a: 227).
[15] السيطرة الأبوية (patriarchal domination) أحد “أهم نماذج السيطرة الوراثية التي تعتمد في شرعيتها على التقاليد”، وهي تعني سلطة الأب أو الزوج أو أكبر أفراد الأسرة سنا على غيرهم من بقية أفرادها (Weber, 1968: 296).
[16] يعني مصطلح العلاقة الاختيارية (elective affinity) الذي استخدمه ماكس فيبر (انظر على سبيل المثال:(Weber, 1978b: 1208); (Weber, 2002: 89)، وجود ارتباط بين ظاهرتين إلى درجة يصعب فصل إحداهما عن الأخرى. على سبيل المثال: ذكر فيبر أن “قوى السلطة الخارقة للمألوف والتقاليد المتضادة والمعادية تندمج عادة مع بعضها البعض “.(Weber, 1978b: 1122). للتفصيل في هذا الموضوع انظر (Kalberg, 1994: 102-103; Swedberg, 2005: 83-84):
[17] بطبيعة الحال لا يعني هذا أن جميع القيادات الخارقة للمألوف سوف ينتج عنها بالضرورة منظمات بيروقراطية تقليدية أو حديثة. فهذا النوع من القيادة قد يختفي تأثيره على الحياة الاجتماعية برحيل القائد.
[18] من المهم الإشارة إلى أنه عندما تتحول هذه السلطة إلى جزء من الحياة اليومية العادية يلعب الاقتصاد دورا في هذه الخطوات. (Weber, 1978a: 254). يجد الأتباع أنفسهم مجبرين، خاصة بعد رحيل القائد، على إدارة شؤون الجماعة وتحقيق رغباتهم الاقتصادية. “فقد يسعى الطاقم الإداري وينشأ ويوزع المناصب الفردية والمنافع الاقتصادية التي تقابل ذلك بين الأعضاء” (Weber, 1978a:250).


