المصير بصيغة الديمقراطية“
قراءة في كتاب الأستاذ عبد الحميد الولي
“الحكم الذاتي في الصحراء: نحو مغرب الجهات“(1)
الدكتور عبد الرحيم عدناوي
أستاذ التعليم العالي، أستاذ العلوم السياسية، جامعة الحسنة الثاني – الدار البيضاء
تكمن أهمية هذا الكتاب بالنسبة للكاتب في الترحيب الذي قوبل به المشروع المغربي المتعلق بمنح استقلال جهوي ذاتي في إطار السيادة الوطنية للصحراء. ليس الاقتراح المغربي، في حد ذاته، هو الذي مثل الحدث السياسي لوحده، بل هو كون أن هذا الاقتراح جاء في وقت حاسم بالنسبة للبحث العلمي والأكاديمي خصوصًا في العلاقات الدولية والقانون الدولي العام. بحيث هناك مسار جديد، وتقنية جديدة ومصطلحًا جديدًا، بدأ يتلمس طريقه على مضض، ويتعلق الأمر، بالنسبة للكاتب، بنهاية باراديغم «تقرير المصير بصيغة الاستقلال» والمرور اليوم في الدراسة الأكاديمية إلى باراديغم جديد وهو «تقرير المصير بصيغة وبنية البناء الديمقراطي» في إطار السيادة الوطنية. ويعزو الكاتب هذا المرور، والذي لم تنتبه إليه الكثير من أقلام الفقه في القانون الدولي العام وفي العلاقات الدولية، إلى الأزمة التي يعرفها اليوم مفهوم «الإقليمية الدولتية».
هذه الأزمة المرتبطة بمفهوم «الإقليمية الدولتية» يعتبرها المؤلف أزمة عامة، تمس بحدة متفاوتة بلدان الشمال، وبلدان الجنوب. فبالنسبة لبلدان الجنوب، تجد هذه الأزمة أصولها في العديد من العناصر المتشابكة، لعل أكثرها تمثيلية هو ما ينعسه الكاتب + بحق تقرير المصير. الاستقلال، لأن هذا الأخير كان في كل مرة التجأ إليه وراء العديد من الولادات القيصرية العسيرة لبعض الدويلات المتسمة بالضعف والوهن، وعدم القدرة على ضمان العيش الكريم والوقاية اللازمة لمواطنيها. والانكى من ذلك هو كون هذه البلدان الوهينة التي تمخضت عن حق تقرير المصير في صيغة الاستقلال، أصبحت تمثل اليوم قبل غد، مصدرًا لعدم الاستقرار، موجهًا بالخصوص إلى دول أجنبية مجاورة وغير مجاورة، مادام أن الضعف والوهن يؤدي حتميًّا إلى ظهور اضطرابات واختلالات اقتصادية واجتماعية يكون من نتائجها المباشرة اللجوء إلى العنف والعنف المضاد ومن تم السقوط في الخانة السوداء للإرهاب.
هذا بالنسبة لدول الجنوب، أما بالنسبة لبلدان الشمال، فإن الأزمة تتمثل في ظاهرة العولمة ومالها من انعكاسات على تغيير المبادئ المسيرة لتنظيم المجتمع الحديث كتهجين العلاقة بين الدولة والمجتمع، ومن تم ضرب أسس الوحدة الوطنية.
وعلى هذا الأساس يقر الأستاذ عبد الحميد الوالي، بأن ظهور مبدأ جديد في وحدة القانون الدولي العام، والذي غاب عن قصد أو عن دون قصد من مفكرة الباحثين في هذا الاختصاص، من الضروري أن يؤسس لفلسفة جديدة وحكمة جديدة. وتعني الحكمة هنا ما يلي: «إن حق تقرير المصير يعني اليوم الحق في الديمقراطية والحكامة الجيدة، أكثر مما يعني مبدأ الاستقلال السياسي…» (ص: 11).
إن هذا الطرح مجرد عودة إلى أصل المعنى في المفهوم الحقيقي لحق تقرير المصير، على الأقل كما هو منصوص عليه في الثورة الإنجليزية، الأمريكية والفرنسية، والذي يعني بالنسبة للجميع فهمًا واحدًا: هو مبدأ السيادة الوطنية بتزامن مع الحق في أن تكون هذه الحكومة الوطنية ديمقراطية فعلية.
الجانب الآخر من الأهمية التي حضي بها المقترح المغربي بخصوص تسوية نزاع الصحراء، يتمثل في فشل حق تقرير المصير بصيغة الاستقلال السياسي، في حل نزاع أساسه في الأصل يعود إل نزاع الإقليم التقليدي. لذلك يرى الأستاذ عبد الحميد الوالي، أن الخطأ الذي طالما وقعت فيه الأمم المتحدة هو التعامل مع قضية الصحراء على أساس أنها مشكل تحرر من الاستعمار، من الواجب أن يجد حله عن طريق تقرير المصير بصيغة الاستقلال السياسي. في حين أن هذا الطرح الخاطئ أقحم قضية الصحراء في غير محلها، ما دام أن المغرب كان دائم المطالبة بهذه الأرض، حجته في ذلك أسسه القانونية، البعض منها اعترفت به للمغرب المحكمة الدولية للعدل، بينما تغاضت عن الباقي، وأقحمت أشياء أخرى متجاهلة علاقات المغرب الخاصة مع هذه الأقاليم.
هناك خطأ آخر اقترف في حق لمغرب من طرف هذه المحكمة، ويتمثل في كونها بالموازاة بالاعتراف بحقوق المغرب على هذه الأرض، أصدرت رأيًا سياسيًّا في صالح الاتجاه الاستقلالي، وهذا بفعل الظرفية المعروفة، بحيث كان تقرير المصير بصيغة الاستقلال هو المهيمن في مفكرة بلدان العالم الثالث. فاعتبرت قضية الصحراء قضية تصفية استعمار خطأ.
هناك خطأ ثالث في حصيلة الأمم المتحدة، سنة 1990، لما أقحمت، على إثر ما سلف، مشكل الصحراء في هذا الإطار الخاطئ ومن ثم على أساس تقرير المصير بصيغة الاستقلال، دون مراعاة المشاكل والإكراهات التي كان من المفروض أن يواجهها هذا الاختيار في مجاراته للواقع الملموس ومختلف تجلياته. وهذا ما حصل بالفعل.
لهذا فإن الاقتراح المغربي لم يأت عن طريق الصدفة، أو عن طريق البحث عن السهل واليسير. بل يعتبر هذا المشروع الذي درس بعناية خاصة ترجمة وخلاصة للعديد من التجارب المتشابهة، درسها المشرع المغربي واحدة تلو الأخرى، حللها، ثم قننها وتجاوزها في الكثير من الإيجابيات. فجاء هذا المشروع بمثابة أهم حصيلة وصل إليها مبدأ الحكم الذاتي – بدون مغالاة ولا مبالغة، لأن القانون المقارن الذي انتهج من طرف الكاتب يوضح ذلك بالحجة الدامغة، كما سوف نوضح ذلك في ما بعد.
ومن نافلة القول التذكير بأن المغرب في اقتراحه هذا راهن عبر تضحيات جسام، لعل أهمها هو القبول باقتسام سيادته. ولكن هذا الأمر لا يؤرق المغرب ما دام أن مسلسل الديمقراطية الذي انتهجه المغرب منذ سنوات خلت، أصبح مسلسلًا على الطريق الصحيح، لا رجعة فيه ولا توبي، وبالتالي فإن للحكم الذاتي لجهة الصحراء كما ارتآه المغرب، له مواصفاته وشروطه الشكلية والموضوعية، لعل أهمها هو وضع الأسس الفعلية للديمقراطية على المستوى الوطني، وكذلك على المستوى المحلي والإقليمي والجهوي «فالحكم الذاتي مرتبط وملازم في حركة جدلية للمسار الديمقراطي، لدرجة أننا لا يمكن أن نتصور هذا بدون ذلك….» (ص: 14).
وكرد فعل على المبادرة المغربية، عبر مجلس الأمن عبر قراره المعروف 1754 عن انقلاب حقيقي في موقف هيأة الأمم المتحدة، بخصوص مشكل الصحراء. لقد دعي مجلس الأمن عبر هذا القرار الأطراف إلى حوار على أسس جديدة، تأخذ بعين الاعتبار الحكم الذاتي كترجمة حديثة ومنقحة لحق تقرير المصير.
يعتبر الأستاذ الوالي هذا المنعطف الذي سار فيه مجلس الأمن ثورة حقيقية، بالنسبة للمواقف التقليدية التي سبق لمجلس الأمن نفسه والأمم المتحدة أن اتخذها إجحافًا في حق المغرب في قضية الصحراء. كما يعتبره من جهة أخرى إنصافًا للمغرب ما دام أن هذا الاقتراع جاء موافقًا لموقف المحكمة الدولية للعدل في استشارتها التاريخية بخصوص الصحراء، حين أقرت من جهة، وجود روابط قانونية بين سكان الصحراء والمغرب، ومن جهة أخرى، على ضرورة تطبيق حق تقرير المصير. وهذا ما يعني في الأمس أو في اليوم، بأن المنطق القانوني يقتضي عدم تطبيق تقرير المصير بصيغة الاستقلال، والاعتماد على الصيغة الداخلية مع مراعاة الخصوصية في إطار السيادة المغربية.
وبهذا الصدد يسجل الأستاذ الوالي تفهم مجلس الأمن بخصوصية الملف، لما عبر بشجاعة نادرة وبكل مسئولية عما لم تستطع المحكمة الدولية التعبير عنه إلا بصيغة ملتوية وجابرة للخواطر. كما يسجل الكاتب ردود فعل اللجنة الرابعة، التي تراجعت مؤخرًا عن حق «تقرير المصير بصيغة الاستقلال السياسي»، وعبرت، يوم 11 أكتوبر 2007 عن دعمها التام للقرار الأممي 1754.
وتأسيسًا على ما سلف يحلل الأستاذ الوالي الترحيب الأممي بالمبادرة المغربية ويرجعها إلى ثلاثة عناصر أساسية وهي: المرور في اتجاه باراديغم جديد حدد مسار الحق في تقرير المصير من مبدأ الاستقلال السياسي التام إلى حق في الحكم الذاتي على أساس الديمقراطية والحكامة الجيدة؛ فشل الحق في تقرير المصير بصيغة الاستقلال كحل لنزاع الصحراء؛ الميزة التقدمية لنوع الحكم الذاتي المقترح من طرف المغرب (ص16). هذه العناصر هي التي العمود الفقري لهذا العمل الأكاديمي الجيد والمركز الذي تقدم بها الأستاذ عبد الحميد الوالي، والذي نحن الآن بصدد تقديمه للقراء تعميمًا للفائدة.
إلا أن الجانب المتعلق بما وقع من تغيير على مستوى نسق وبراديغم «تقرير المصير في صيغته الاستقلالية، لا يتناوله الكاتب في مختلف آلياته ومحطاته. هذا لا يعني بطبيعة الحال أنه لا يتناول الموضح بالدراسة. الأكيد هو أنه تناوله بطريقة عارضة، ما دام أن الكاتب خصص للموضوع دراسة قائمة بذاتها، باللغة الإنجليزية لم تنشر بعد في إطار التحليل العام الإقليمية الدولية.
وعلى العكس من ذلك يخصص الأستاذ الوالي الحكم الذاتي جزءًا كبيرًا في تحاليله، والسر في ذلك قد نجده في كون الحكم الذاتي، يمثل إفرازات مختلف التغييرات والتنقيحات التي طرأت على حق تقرير المصير، الذي بدا في النظرية العامة وفي الممارسة السياسية عاجزًا على حل مشكل الصحراء.
وبالفعل، فإن التغيير الحاصل على المستوى النظري والأكاديمي، وكذا على مستوى القرار السياسي خصوصًا بعد صدور القرار الأممي رقم 1754 والقرار الأممي 1813 (صدر هذا القرار بعد صدور كتاب الأستاذ الوالي…)، جعل الحكم الذاتي الجهوي ينفصل بطريقة مباشرة عن سلفه حق تقرير المصير، بل وتجاوزه ليصبح هو الاقتراح الأقرب إلى التطبيق. لماذا؟ لأن الحكم الذاتي يشكل في حد ذاته لا لوسيلة الوحيدة التي تمكن السكان المعنيين بالأمر من التمتع بفضائل الديمقراطية الفعلية، والتمتع بنسق متقدم من الحكامة الجيدة التي أصبحت لازمة في ظل العولمة.
ومن هذا المنظور يصبح الحكم الذاتي الجهوي أكثر نجاعة وفعالية من سلفه حق تقرير المصير في صيغة الاستقلال، كلما تعلق الأمر بتمكين ساكنة معينة من تحديد نفسها بنفسها والتحكيم في تصريف حياتها بحرية وفعالية، في إطار نسق ديمقراطي، تنعدم فيه السلطوية، ويتوفر فيه لسكان الجهة التمتع بحقوق الإنسان الفردية والجماعية.
لهذا نجد الأستاذ الوالي يؤكد بإلحاح شديدة على ضرورة ربط الحكم الذاتي الجهوي بشرط التأسيس الفعال والناجح للديمقراطية، إن ضرورة إثبات نسق سياسي يحافظ فعليًّا على حقوق الإنسان، أصبح أمرًا لا رجعة فيه، إن على المستوى الوطني أو على المستوى المحلي. هذا في نظر الأستاذ الوالي هو الحل الوحدي الذي يجعل من تقرير المصير الديمقراطي رافعة تحدي ليس فقط للشأن الوطني والجهوي، ولكنه يناجي مجموع دول المغرب العربي، لتلتمس نفس الدرب، حيث العولمة تفرض اليوم قبل الغد فتح الباب الديمقراطي والحكامة الجيدة للمرور إلى دولة ما بعد الحداثة.
هذا الاقتراح المدقق، لا يراه الكاتب مجرد طرح من الأطروحات الأكاديمية، بل يرى فيه الاتجاه الوحيد للخروج إلى الحداثة، لأن الحكم الذاتي الجهوي من شأنه وضع البنة الأولى والتي من الضروري ولا لمؤكد أنها ستعمم في المستقبل القريب على باقي دول المغرب العربي، في إطار فارض للنفس وهو مسار الديمقراطية وساسة القرب من المواطن. إن المغرب العربي وفق هذا الطرح، لا يمكن إلا أن يكون في طريقه إلى البناء على الرغم من جيوب المقاومة، وضدًّا على اتأخر والحفاظ بكل الوسائل عن الوضع القائم. لا حرب، لا سلم، لا ديمقراطية ولا إقلاع اقتصادي.
ولكن، يقر الأستاذ الوالي، لن يكون المغرب العربي وليد عملية مع حسابية محضة بين الدول المكونة له. لأن المستقبل من الضروري أن يمر، في منعطف هذا القرن، بإحداث الجهوية تكون متفتحة على البحر الأبيض المتوسط، ومتجاوزة للإطار الضيق للحدود الوطنية.
ووفق هذا المنظور سوف تكون الوحدات الجهوية داخل المغرب العربي السياسي المستشرف إليه، هي الخيارات الجيوسياسية والاقتصادية الجديدة، وهي الوحيدة الكفيلة بتحويل الاصطلاح الحالي «مغرب الشعوب» إلى اصطلاح جديد هو «مغرب الجهات».
ويكون التخريج الأول الذي يقترحه الكاتب لفك شفرات هذه التساؤلات متمحورا على ثلاثة نقط أساسية تعتبر العمود الفقري لهذا الكتاب وهي… 1- الحكم الذاتي الجهوي أو تقرير المصير داخل الدولة المغربية. 2- الفشل الممنهج لتقرير المصير – صيغة الاستقلال التام. 3- الحكم الذاتي الجهوي كبديل.
هنا قد تطرح للقارئ مشكل التعاملات مع بعض المصطلحات التي يوردها الكاتب، خصوصًا بالنسبة لما ينعته – «تقرير المصير – الاستقلال» و«تقرير المصير – الديمقراطية» هذه مصطلحات أفرزها الكاتب ومن تم فإن القارئ العربي خصوصًا، والقارئ غير المستأنس عمومًا يتعذر عليها ضبطه بالتركيز المطلوب، على الرغم بأن حمولتها ودلالاتها واضحة. لحسن الحظ أن الكاتب تنبه إلى مغبة الأمر، ففصل في شأن توضيحها خلال تحاليله، بطريقة جامعة وشاملة تقرب القارئ إلى الاستئناس بها، وفك شفراتها. ولكن دون تخصيص خانة أو ركن لتفسير كل هذه المصطلحات، وكيف لا تعامل الكاتب معها.
ففي الفصل الأول الذي خصصه الكاتب لدراسة أنماط الحكم الذاتي الجهوي، يعطي تفسيرًا واضحًا لما يعنيه بتقرير المصير الدجيمقراطي. وهو ذاك النمط من الحكم الجهوي التي تسير القبائل والشعوب المعنية نفسها بنفسها ولكن داخل التراب الوطني في رموزه المقدسة، وفي إطار الوحدة والسيادة الوطنية. كما يفسر الكاتب كيفية اللجوء إليه.. إنه الأصل في تقرير المصير، طبق دائمًا لعدم مقدرة الدولة التقليدية عن إتمام مسلسل الترابية. هذا راجع في الأصل إلى عدم إمكانية هذه الدولة التقليدية من ممارسة حكمها الفعلي والمباشر على مجموعات سكنية معنبة بالأمر، في الغالب تكون مستعمرة، ملقحة عن طريق القوة والجبروت. لهذا لم يكن للدولة التقليدية صاحبة القوة بدًّا من قبول فكرة أن تسيير هذه المجموعات التي ألحقت بالإكراه نفسها بنفسها، ولكن حتى في هذه الحالة، في حدود وساطة ووحدة وسيادة الدولة التقليدية القاهرة.
هناك العديد من التجارب التاريخية، والعديد من العبر التي يستحضرها الكاتب، والتي يجب أن تقرأ داخل هذا المنظور، الذي استوفا، الكاتب حقه، بل أكثر من ذلك إلى درجة أن الطرح أصبح يمت إلى علم التاريخ، أكثر مما يمت بصلة إلى القانون الدولي العام والعلوم السياسية. ولكن هل كان للمؤلف اختيار آخر؟ المهم بالنسبة لنا كموثقين للنصوص نهتم أكثر بتقنية المساءلة، بالتحليل العلمي الداحض بالحجة الدامغة. وأراني واثق في وجودها في هذا العمل الكبير (ص20 إلى 70) بارتباط مع هذا الفصل المخصص لتمطيط المصطلح، ولجرد التجارب والاستفادة منها، كأني بالكاتب – يطالب منا جميعًا استخلاص العبر، والربط بخيط رفيع بين مختلف التجارب السالفة، وإسقاطها على دراسة الحالة الخاصة التي أقحمت فيها قضية الصحراء. هذا الأمر لا يعبر عنه الأستاذ الوالي كتابة، ولكن القارئ المتبصر يستشفه قائمًا عند قراءته للفصل الثاني الذي خصصه للفشل المبرمج لتقرير المصير – الاستقلال (ص 71 ص 127).
هنا بنا الأستاذ عبد الحميد الوالي إلى أصل المشكلة في قضية الصحراء، وفي خصوصية خصوصية طبيعتها. بدأ من تقطيع الوحدة الترابية للمغرب من طرف الاستعمار التقليدي (ص74 – ص82) إلى استقلال المغرب والمغرب والحصول الجزئي على الوحدة الترابية (ص: 82 ص90).
هنا يمازج الكاتب مرة أخرى، وبذكاء كبير لعبة الذهاب والإياب بين التاريخ والقانون والسياسة. وهنا كذاك لم يكن للكاتب حل آخر بديل. تذكروا تعريف عالم السياسة… «أنه رجل قانون ذكي، وعالم تاريخ متفتح…».
ابتداءا من ص91، يدع عالم التاريخ أريكته إلى الحقوقي المتدقق في مجريات الأمور، وحتى وكأني به يصبح الأمر متشددًا، على الأقل بالنسبة لموضوعي إجهاض محاولات تطبيق الحق في تقرير المصير في قضية الصحراء. هنا يذكرنا الكاتب بأن المغرب كان سباقًا إلى اللجوء إلى الأمم المتحدة لاسترجاع حقه في صحرائه، وكيف قوبل هذا اللجوء المغربي إلى القضاء الدولي بمحاولات تمويه الحق في تقرير المصير من طرف أسبانيا ص94 – ص106). وكنتيجة حتمية لذلك يحيل الأستاذ الوالي، مذكرًا من جديد كيف التجأ المغرب مرة أخرى إلى الأمم المتحدة، في شأن تقرير المصير، زلكن هذه المرة، بعد استرجاعه لصحرائه. وكيف حلت الجزائر محل أسبانيا في سلسلة إفشال المخطط المغربي، لاسترجاع حقوقه عن طريق القضاء الدولي (ص107 – ص116) تزداد وثيرة الكتابة الموثوقة والتحليل الأكاديمي حدة لدى الأستاذ الوالي عند تقييمه لمخطط التسوية لتنظيم استفتاء تقرير المصير في الصحراء الذي يعتبره الكاتب مخططًا هجينًا وخديجًا ومفروض في تصوره، وغير مقبول في محتواه، ومغلوط حتى في صياغته، ومن ثم يحمل في بواطنه أسار وأسباب فشله، رغم قبوله على مضض وإكراه، من طرف المغرب. هنا وهناك يبين الكاتب هذا الاتجاه غير الصحيح الذي أقحم فيه المجتمع الأممي قضية الصحراء، معتمدًا في ذلك لا على غريزة شوفينية مفادها الدفاع، رغم العلات على قضية وطنية، بل وفق منطوق البحث العلمي والتحليل الجامعي الذب يسائل الوثائق، ويستفسر تتابع الوقائع والأحداث وتلاقيها أو مفارقاتها.
وبالفعل فمن الصفحة 117 إلى حدود الصفحة 127، يناقش الكاتب محدودية وضعف هذا الإطار، ويبين باليقين مدى غير ملائمته للوضعية الخاصة بالصحراء: فهو، حسب الكاتب، يشكل قطيعة سلبية جائرة مع الممارسة التقليدية للأمم المتحدة، فيما يتعلق بمختلف الاستفتاءات السابقة والمتعلقي بتقرير النصير (ص117)؛ ومن جهة أخرى، فهذا المخطط بالنسبة لأستاذ الوالي، برنامج ناقص وغير متكامل المحتوى والصياغة، ما دام أنه يعتمد على عدم ضبط المعايير التي من شأنها تحديد الأشخاص المؤهلين للمشاركة في عمليات التصويت (ص119)، وهذا هو ما عجل بطبيعة الحال باستحالة عدم تطبيق هذا البرنامج المفروض إكراهًا من طرف الأمم المتحدة عن طريق الخطأ (ص121 إلى ص127) إن عدم الاتفاق على معايير تحديد الناخبين هو ما دفع بالأمم المتحدة إلى التخلي عن تطبيق برنامج التسوية والعودة إلى حل آخر بديل. ولعل ما يثير الغرابة، في نظر الأستاذ الوالي بهذا الخصوص، هو موقف الموظفون السامون بهيأة الأمم المتحدة من هذا المخطط غير اللائق. وبالفعل فهؤلاء الأطر بمن فيهم الأمناء العامون لهيأة الأمم المتحدة الذين انشغلوا بملف الصحراء، توصلوا، وبدون استثناء إلى قناعة مفادها الفشل الذريع للاستفتاء تقرير المصير في صيغة الاستقلال عن المغرب، والميول في القابل إلى تطبيق حكم ذاتي جهوي في إطار السيادة المغربية.
لهذا، يضيف الكاتب، فسر الترحيب بالمبادرة المغربية يكمن كذلك في أصول هذه المبادرة، لأن أصولها ليست من بنات صاحب القرار السياسي المغربي، بل هي من اجتهاد الأمم المتحدة، فالمغرب استجاب فقط وبطريقة رسمية (أبريل 2007) لدعوة وجهت له من طرف هاته الهيئة، ولكن في استجابته هذه اجتهد المقرر المغربي، فقدم تصورًا جديدًا جد متقدم لمفهوم ومسطرة الحكم الذاتي الجهوي، بالنسبة لما هو مطبق في بلدان أخرى أكثر تطورًا.
كما حدث المرور من الفصل الأول إلى الفصل الثاني، حصل المرور من الثاني إلى الثالث، على إيقاع الاقتراح الأممي، والاستجابة المغربية، والترحيب الأممي.
الفصل الثالث والأخير من هذا العمل العام، يخصصه الكاتب إلى الحكم الذاتي الجهوي كحل بديل (ابتداءً من ص128). هنا يضبط الأستاذ الوالي بكرمه الأكاديمي المعهود، وبحدة ضبطه للنصوص والوقائع، كون المبادرة المغربية فكرة مستنبطة من اجتهاد ودعوة الأمم المتحدة، بدليل أن بيريز دي كويلار كان سباقًا على هذا الاقتراح، فهو أول من سن تعاليمه وطالب بتطبيقه بدلًا من الاستفتاء. هذا هو نفس الطرح الذي اعتمده، فيما بعد، بطرس غالي يوم 26 يناير 1993. ويجد القارئ في الكتاب عرضًا مكثفًا ومستوفيًا لجرد القرارات والآراء المتعلقة بهذا الطرح، مما سهل على القارئ العادي، وكذا الباحث، الذي يريد استبيان هذه الحقائق، التي تبدو سهلة ومعروفة، ولكنها في حقيقة الأمر ممتنعة وصعبة التصنيف، بالإضافة إلى قوة…. المنهج التحليلي الأكاديمي (ص129 – ص145) بعد هذا العرض الشامل والدقيق، يعمد الأستاذ الوالي إلى دراسة حالة: المبادرة المغربية كتصور جد متقدم لمفهوم الحكم الذاتي الجهوي (ص146 – 155) التساؤل المهم الذي يتبادر إلى ذهن القارئ المتبصر هو نفس التساؤل الذي طرح نفسه عن الكاتب وهو مصاغ على الشكل التالي «هل المبادرة المغربية لمناقشة قانون حكم ذاتي جهوي خاص بالصحراء يتضمن فعليًّا أسس مشروع متكامل وجدي للحكم الذاتي؟».
للإجابة على هذا السؤال المحوري، كان من الضروري والأكيد أن يعتمد الكاتب على القانون المقارن، وإلا كيف يكون جوابه مقنعًا. لهذا نجد الأستاذ الوالي يقارن بين المشروع المغربي وبين مختلف التجارب الأجنبية المطبقة حاليًا على نفس الحالة التي توجد عليها الصحراء، كجزر الأسلاند، كاطالونيا وأولي لاند بالسويد. لهذا يحيل الأستاذ الوالي على صلاحيات الجهة المستقلة في المشروع المغربي فيعيد قراءتها ومقارنتها مع تلك التجارب التي يعتبرها البحث الأكثر تقدمية، ليخلص إلى أن المبادرة المغربية تتضمن إحداث «جهة ذات حكم ذاتي في الصحراء» في إطاره تحكم القبائل الصحراوية نفسها بنفسها وفقًا للمبادئ والمساطر الديمقراطية، وعن طريق أجهزة تشريعي، تنفيذية وقضائية. وتمارس الجهة في المشروع المغربي صلاحياتها في الميادين الآتية:
- تسيير الإدارة المحلية: الشرط المحلية ومحاكم الجهات.
- تدبير الاقتصاد: النمو الاقتصادي، التخطيط، الجهوية، تشجيع الاستثمارات الجهوية، التجارة، الصناعة، السياحة، الفلاحة…).
- تدبير البنيات التحتية: الماء، الكهرباء، الأشغال العمومية والمواصلات.
- التدبير المالي والضريبي المتعلقين بالجهة.
- تدبير القطاع الاجتماعي: السكن، التربية والتعليم، الشغل، الرياضة، الوقاية الاجتماعية).
بعد هذا الجرد للصلاحيات المتضمنة في المشروع المغربي، يقوم الأستاذ الوالي بتقييم مقارباتي، ليخلص إلى كون الصلاحيات الـ… إلى الجهة في الصحراء أكبر وأعمق بكثير من تلك التوصيات التي تستفيد منها منطقة «لي لاند» مثلًا والتي لا تتجاوز حدود «التربية والتعليم، الثقافة، استعمال اللهجات الخاصة بالأقليات، المحافظة على البيئة وإعداد التراب الوطني، المحافظة على الأمن الجهوي والسكن» في الواضح، في اقتصارنا على هذه المقاربة، أن التوصيات الخاصة بهذه المناطق (لي لاند) تقصي من اختصاصاتها مجلات حساسة وواسعة كمًّا وكيفًا، سنها المشروع المغربي مثل: القضاء، الضريبة، السياحة، النقل، وهي مجالات في حالة «لي لاند» تسير بطرقة مزدوجة من طرف الجهة ومن طرف السلطات المركزية.
بمعنى آخر، فإن المشروع المغربي، الذي يورد المكاتب نصه الكامل في ملحق الكتاب، يرتأى بأن الدولة تحافظ على صلاحيات تامة لم تخول إلى صلاحيات الحكم الذاتي الجهوي من الصحراء، ويصنفها المشروع على النحو التالي:
- أسس السيادة: العلم الوطني، الشعار الوطني والعملة الوطنية.
- أسس الصلاحيات الدستورية والدينية للملك كأمير المؤمنين والساهر على حرية العقيدة والحريات الفردية والجماعية.
- الأمن الوطني، والدفاع والوحدة الترابية.
- العلاقات الخارجية العامة.
- النظام القضائي.
فبالمقارنة مع التجارب الأكثر تقدمًا فيما يتعلق بالحكم الذاتي الجهوي من أمثال «لا لاند»، جزر الاسلاند، جزر فيروي، كرونلاند، كالاتيت نونات أو في التجربة الكاطالونيت، التي يدرسها الكاتب ويقارن فيما بينها، يعتبر المشروع المغربي أكثر تقدمًا وأكثر حداثة من مختلف هذه التجارب.
هناك جانب آخر يهم دائمًا التمييز بين المبادرة المغربية والتجارب الأخرى التي ألف المتتبعون نعتها بالتقدمية، ويتعلق بتوزيع الصلاحيات بين الجهة في الأقاليم الصحراوية والسلطات المركزية. وبهذا الصدد، فإن المبادرة المغربية تتضمن إمكانية حصول الجهة في الصحراء على العوائد المالية الضرورية لنموها، وتطورها على جميع الأصعدة. وتتكون هذه العوائد من الموارد الآتية:
- مختلف الضرائب والمساهمات الجهوية المقررة من طرف الأجهزة ذات الصلاحية.
- عوائد استثمار الموارد الطبيعية المخصصة للجهة.
- الجزء الخاص من عوائد الموارد الطبيعية المتواجدة في تراب الجهة، والتي كانت تتسلمها الدولة.
- العوائد المستخلصة من الملك العام للجهة.
- وفوق كل ذلك وذاك تمتاز المبادرة المغربية عن نظيراتها الأجنبية، بتضمنها لآليات حاسمة للتطور الديمقراطي للجهة كالتنصيص على البرلمان الجهوي وحكومة وأجهزة قضائية (ص151 – 155).
وكخاتمة لهذا العمل المتكامل، يتساءل الأستاذ عبد الحميد الوالي عن موقف الحكومة الجزائرية التي ما زالت متشبثة عن طريق الخطأ بحق تقرير المصير في صيغته الاستقلالية، والذي بين من خلال الصفحات التي تناولها بأنه أصبح متجاوزًا. وبالتأكيد يتساءل الكاتب عن السير الكامن وراء هذا الموقف الجزائري، ليجد تفسيره في عوامل جزائرية داخلية تهم التشكيلة الاقتصادية والسياسية الداخلية، أكثر منها خارجية. فمنذ مدة غير هينة ونحن ندرك بالدليل القاطع، أن مشكل تقرير المصير في صيغة الاستقلال بالصحراء يشكل بالنسبة للجزائر الوجه الخفي، غير المعبر عنه وهو مشكل الديمقراطية التي قد تأتي إذا وجد جل نهائي في صالح المغرب، والتي قد تأتي بإحداث تغييرات داخلية من شأنها إسقاط امتياز الأقلية العسكرية المتحكمة في الاقتصاد والمال والسياسة. ففي الوقت الذي بدأ فيه المغرب يرسي دعائم الديمقراطية، ببطء، ولكن بخطى واثقة ولا رجعة فيها اتجاه تغيير النخب السياسية، وترسيخ إيوابيات الحكامة الجيدة، لا زالت الجزائر تدير ظهرها إلى هذا المآل الديمقراطي في تدبير الشأن الداخلي، وتعوضه بالبحث عن مآل آخر باسم الدفاع عن تصفية استعمار، وتقرير المصير بصيغة الاستقلال.
وعلى العكس من هذا الموقف الانكماشي السلبي الذي يتسم به موقف الحكومة الجزائرية في تناولها لمشكل الصحراء، نرى الأستاذ عبد الحميد الوالي يكتب وكأنه متنبئًا: «… يبدو أن الحكومة الجزائرية لم تتمكن لحد الساعة من ضبط التمييز الجديد الذي بدأت تسير فيه العديد من الدول بخصوص تقرير المصير الذي يؤدي إلى الاستقلال… وتبعاته على الدويلة المستقلة وعلى الدول المجاورة، من فوضى وغياب للأمن…» (ص156).
لقد صدقت نبوءة الأستاذ الوالي، فأسبوعين فقط عن إصدار كتابه هذا في طبعته الفرنسية، ها هي دول السنغال تطالب من باقي الدول الإفريقية السير في اتجاه المنحى الذي سارت فيه الأمم المتحدة، إثر تقرير المبعوث الأممي بيترفان والسوم، وإثر القرار الأممي الجديد 1813، والمدعوم من طرف الولايات المتحدة الأمريكية، هذا المنحى مفاده البحث عن «الواقعية» لحل مشكل الصحراء الذي يقصي مباشرة تقنية الاستقلال السياسي كحل نهائي. فلقد صرح وزير الدولة في الخارجية السنغالية الدكتور الشيخ تيديان جاديو قائلًا «… هذا القرار يؤكد على الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية كحل وحيد دائم وواقعي لهذا المشكل الذي عمر طويلًا…».
هامش:
- Abdelhamid El OUALI, Autonomie du Sahara, prelude au Maghreb des régions, STACEY international. 2008, 254 pages.


