الدفع بعدم دستورية القوانين في التشريعين المقارن والمغربي

ذ. محمد العلوي

منتدب قضائي من الدرجة الأولى بوزارة العدل

وأستاذ زائر بكلية الحقوق بسلا

تنقسم الرقابة على دستورية القوانين إلى قسمين اثنين ، الرقابة السياسية ، والقضائية ، وتتأصل الأسس النظرية للرقابة على دستورية القوانين على مبدأ سيادة القانون وسمو الدستور، فالمشروعية في الدولة المعاصرة ترتكز على سيادة الدستور، باعتباره أسمى القواعد القانونية في المجتمع ، سواء من حيث الموضوع أو من حيث الشكل ، وما يفرضه ذلك من ضرورة احترام قواعده القانونية وخضوع جميع تصرفات السلطات العامة في الدولة لمقتضياته ، وما يستلزمه ذلك المبدأ من بطلان النصوص القانونية والتصرفات الواقعة المخالفة للدستور، وهو ما يسمى بمبدأ رقابة دستورية القوانين الذي يعنى إلزام جميع سلطات الدولة وعلى رأسها السلطة التشريعية باحترام الدستور وعدم إصدار أي تشريع يناقض نصه وروحه.

إن المشكلة الأساسية التي تثيرها الرقابة الدستورية هي التحقق من مطابقة التشريعات – سواء أكانت قوانين بالمعنى الدقيق صادرة من السلطة التشريعية أم كانت مراسيم صادرة عن السلطة التنفيذية ، وسواء كانت هذه المراسيم عادية أم لها قوة القانون – مع أحكام الدستور، وذلك بهدف إهدار النصوص القانونية المخالفة له ، بما يحول دون تطبيقها، وتلك مسألة قانونية بالدرجة الأولى ، فكان من المنطقي أن يعهد بهذه الرقابة إلى جهة قضائية هي المحكمة الدستورية ، نظرا لأهليتها العلمية الكاملة التي تمكنها من استيعاب شتى الإشكاليات ومكامن الزلل التي تشوب منظومة التشريع ، كل ذلك بفضل التكوين القانوني الرصين لأعضائها والدرجة البالغة التي اكتسبوها من خلال ممارستهم العميقة.

ولقد قام صاحب الجلالة الملك محمد السادس بثورة هادئة وعميقة ، نابعة من سعة فكره وشمولية حكمته ، حيث أتاح للمواطنين الدفع بعدم دستورية القوانين والمراسيم كما مكن المجتمع المدني المغربي من ممارسة حقه في التشريع ، وذلك بتقديم الملتمسات التشريعية وفقا للفصل 14 من الدستور، إذ بفضل هذه الثورة الدستورية تمكنت المملكة المغربية بالقيادة الملكية الرشيدة من التفوق على تيارات ما يسمى بالربيع العربي، والذي انقلب في جل دوله إلى خريف عربي قاحل وحارق بفعل الاضطرابات والعواصف السياسية الهوجاء القاتلة التي تدوس المبادئ الدستورية وتتنكر للمشروعية الانتخابية مما ينال من استقرار الدولة وسيادتها، كما هو الأمر في بعض الدول العربية([1]).

ونظرا لشساعة أطراف الموضوع وسعته فإنني سأقتصر على الرقابة على دستورية القوانين في القانون المقارن والدستور المغربي.

فما هي صور الرقابة القضائية على دستورية القوانين؟ أو بعبارة أخرى فكيف تتصل المحكمة الدستورية بالدعوى الدستورية؟ وما هي إجراءات سيرها؟ وكيف يمكن عقلنة وضبط مسطرتها لضمان فعاليتها؟ تلك هي أهم التساؤلات التي سأحاول الإجابة عنها باختصار من خلال مبحثين اثنين:

المبحث الأول: الرقابة القضائية على دستورية القوانين في الفقه الدستوري المقارن.

المبحث الثاني: الدفع بعدم دستورية القوانين وفق الدستور المغربي.

المبحث الأول

الرقابة القضائية على دستورية القوانين في الفقه الدستوري المقارن

لقد أجمع الفقه الدستوري، على حصر اتصال الدعوى الدستورية بالمحكمة الدستورية في ثلاث صور وهي:

– أن يدفع أمام المحكمة الموضوعية بعدم دستورية قانون أو مرسوم، فتقوم المحكمة الموضوعية بالإذن للخصم في رفع الدعوى الدستورية، خلال أجل محدد.

– أن تحيل المحكمة الموضوعية الدعوى إلى المحكمة الدستورية لتقضى فيها،

– أن تتصدى المحكمة الدستورية العليا للدعوى الدستورية بطريق التبعية لدعوى دستورية أخرى معروضة ورائجة أمامها.

ولكن من خلال استقراء الصور المذكورة، يتضح لنا أن الصورة الأولى هي الأكثر جدلا في الفقه الدستوري، ولذلك فأنى سأقاربها من خلال موقف الفقه الدستوري المقارن عبر مطلبين اثنين:

المطلب الأول: رفع الدعوى الدستورية بطريق الدفع في القانون الدستوري المقارن

لقد أثبت تاريخ القضاء الدستوري نجاعة الرقابة القضائية على دستورية القوانين، وخاصة الرقابة القضائية المركزية، حيث اتجهت معظم الدول إلى نهجه وتفضيله على الرقابة القضائية اللامركزية، نظرا لما يؤدي إليه هذا الأسلوب الأخير من إطالة أمد النزاع وإشاعة القلق وعدم الاستقرار في المعاملة القانونية، إذ قد تقرر إحدى الجهات القضائية عدم دستورية قانون معين، بينما تقرر جهة قضائية أخرى دستورية ذات القانون أو قانون مشابه له تماما.

ويمكن تقسيم الرقابة القضائية المركزية على دستورية القوانين إلى اتجاهين اثنين:

اتجاه أول، يقصر الرقابة القضائية على دستورية القوانين على الدعوى الأصلية دون الدفع الفرعي كما هو الشأن بالنسبة لعدد كبير من الدول وعلى رأسها فرنسا في دستورها المعدل سنة 1992 والنمسا في دستورها الصادر سنة 1920ويوغوسلافيا في دستورها الصادر سنة 1974 والتشيكسلوفاكيا في دستورها الصادر سنة 1920 والمغرب في دستوره المعدل سنة 1996.

واتجاه دستوري ثاني ، يقر بالجمع بين الدعوى الأصلية والدفع الفرعي لتحريك الدعوى الدستورية، كما هو الشأن بالنسبة لكل من الدستور الإيطالي والمصري والتركي ودستور دولة البحرين والإمارات العربية المتحدة والسودان والكويت والدستور الجديد للمملكة المغربية ، فهذا الاتجاه وسع من دائرة الرقابة القضائية على دستورية القوانين ، حيث أتاح للمواطنين الدفع بعدم دستورية قانون أو مرسوم أمام مختلف درجات محاكم الموضوع ، سواء في المادة المدنية أو التجارية أو الجنائية أو الإدارية ، فمحاكم الموضوع تستمد ولايتها في الرقابة القضائية على دستورية القوانين من نصوص الدستور مباشرة ، وهكذا فقد جمع الدستور الإيطالي لسنة 1948 بين أسلوب الدفع الفرعي والدعوى الأصلية لتحريك الدعوى الدستورية ، حيث نصت المادة الأولى من القانون الصادر سنة 1948 والمعدل بمقتضى القانون رقم 168 سنة 1998 بشأن تنظيم المحكمة الدستورية على أنه : “إذا أثار أحد الأفراد طعنا بعدم الدستورية أمام إحدى المحاكم أثناء نظر دعوى وتبين للقاضي أن الفصل في الدستورية لازم للفصل في الدعوى ، وأن الدفع ظاهر الجدية ، فإنه يوقف الفصل في الدعوى ، ويحيل الدفع إلى المحكمة الدستورية للفصل فيه، ويجوز أن تثير أي محكمة مسألة الدستورية تلقائيا، إذا قام لديها شك في دستورية قانون أو نص قانوني يطبق على واقعة الدعوى التي تنظرها ورأت أن الفصل في الدستورية لازم للفصل في الدعوى ، ففي هذه الحالة تصدر قرارا مسببا تحيل به مسألة الدستورية إلى المحكمة الدستورية وتقرر وقف الدعوى انتظارا لما تقرر المحكمة الدستورية “([2]).

كما نصت المادة 134 من الدستور الإيطالي على اختصاص المحكمة الدستورية للبت في الدعوى الأصلية التي ترفعها الدولة بشأن عدم دستورية قانون أو لائحة.

أما الدستور المصري الحالي فقد نص على ذلك أيضا في المادة 175 ([3]) وأسند اختصاص البت في دستورية القوانين للمحكمة الدستورية العليا والتي نص قانونها في مادته 29 على أنه ” تتولى المحكمة الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح على الوجه التالي:

أ – إذا تراءى لإحدى المحاكم أو الهيئات ذات الاختصاص القضائي أثناء نظر إحدى الدعاوى عدم دستورية نص في قانون أو لائحة لازم للفصل في النزاع ، أوقفت الدعوى وأحالت الأوراق بغير رسوم إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في المسألة.

ب – إذا دفع أحد الخصوم أثناء نظر الدعوى أمام إحدى المحاكم أو الهيئات ذات الاختصاص القضائي بعدم دستورية نص في قانون أو لائحة ، ورأت المحكمة أو الهيئة أن الدفع جدي ، أجلت الدعوى وحددت لمن أثار الدفع ميعادا لا يجاوز ثلاثة أشهر لرفع الدعوى بذلك أمام المحكمة الدستورية العليا، فإذا لم ترفع الدعوى داخل الأجل المحدد اعتبر الدفع لاغيا”.

من خلال هذا النص نستشف أن المشرع المصري قد اعتمد الطعن بعدم دستورية القوانين عن طريق الدفع أمام إحدى المحاكم ولكن ذلك مشروط بتحقق شرطين إثنين:

1. فلا ترفع إلا بعد إبداء الدفع بعدم دستورية قانون أو لائحة من طرف أحد أطراف الدعوى وتقرير محكمة الموضوع لجديته.

2. ولا تقبل إلا إذا رفعت الدعوى خلال أجل لا يتجاوز ثلاثة أشهر والذي أناط المشرع بمحكمة الموضوع تحديده.

ولقد نص المشرع المصري على اعتماد هذه الوسيلة مرة أخرى في الفقرة الأولى من المادة الخامسة والعشرين من قانون المحكمة الدستورية العليا حيث نص على أنه “تختص المحكمة الدستورية العليا دون غيرها بما يأتي:

أولا، الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح.

ثانيا، الفصل في تنازع الاختصاص بتعيين الجهة المختصة من بين جهات القضاء أو الهيئات ذات الاختصاص القضائي، وذلك إذا رفعت الدعوى عن موضوع واحد أمام جهتين منها ولم تتخل إحداهما عن نظرها أو تخلت كلتاهما عنها.

ثالثا، الفصل في النزاع الذي يقوم بشأن تنفيذ حكمين نهائيين متناقضين صادر أحدهما من أية جهة من جهات القضاء أو هيئة ذات اختصاص قضائي والآخر من جهة أخرى منها([4]).

فاذا ما دفع بعدم دستورية قانون أمام إحدى المحاكم، حددت المحكمة التي أثير أمامها الدفع ميعادا للخصوم لرفع الدعوى إلى المحكمة الدستورية العليا حيث يتم وقف الفصل في الدعوى الأصلية حتى تفصل المحكمة العليا في الدفع “.

فإذا قام هذا المدعى برفع دعواه أمام المحكمة الدستورية العليا في الميعاد، فعليه أن يقدم إلى محكمة الموضوع (أو الهيئة ذات الاختصاص القضائي) الدليل على أنه قد رفع دعواه إلى المحكمة الدستورية لتقوم محكمة الموضوع بإيقاف البت في الدعوى موضوع الدفع حتى تفصل المحكمة الدستورية فيها.

وبناء على ما سبق نستشف أن المحكمة الدستورية العليا في مصر هي التي ينعقد لها الاختصاص للبت في الدعوى الدستورية دون غيرها سواء بقبولها أو عدم قبولها، إذا رفعت خارج الآجال أو خلافا للمقتضيات القانونية المعمول بها، وبهذا يكون المشرع قد حدد مسطرة خاصة لرفع الدعوى الدستورية، حيث أتاح للخصوم مباشرتها وفقا لمقتضياتها، كما سبقت الإشارة إلى ذلك.

كما نص قانون المحكمة الدستورية الكويتي في المادة 14 لسنة 1973 على أنه ” ترفع المنازعات إلى المحكمة الدستورية بإحدى الطريقتين الآتيتين:

1. بطلب من مجلس الأمة أو من مجلس الوزراء.

2. إذا رأت إحدى المحاكم أثناء نظر قضية من القضايا، سواء من تلقاء نفسها أو بناء على دفع جدي تقدم به أحد أطراف النزاع، فإن الفصل في الدعوى يتوقف على الفصل في دستورية قانون أو مرسوم بقانون أو لائحة توقف نظر القضية، وتحيل الأمر إلى المحكمة الدستورية للفصل فيه “([5]).

كما نص قانون المحكمة الدستورية بالبحرين رقم 28 لسنة 2002 في المادة 17 على أنه “للملك أن يحيل إلى المحكمة ما يراه من مشروعات القوانين قبل إصدارها، لتقرير مدى مطابقتها للدستور “، كما نص في المادة 18 على أنه ” ترفع المنازعات الخاصة بالرقابة على دستورية القوانين واللوائح على النحو التالي:

أ. بطلب من رئيس مجلس الوزراء أو رئيس مجلس الشورى أو رئيس مجلس النواب (الدعوى الأصلية).

2. إذا تراءى لأحد المحاكم أثناء نظر إحدى الدعاوى عدم دستورية نص في قانون أو لائحة لازم للفصل في النزاع، أوقفت المحكمة الدعوى، وأحالت الأوراق بغير رسوم إلى المحكمة الدستورية للفصل في المسألة الدستورية (الإحالة التلقائية المباشرة).

3. إذا دفع أحد الخصوم أثناء نظر دعوى أمام إحدى المحاكم بعدم دستورية نص في قانون أو لائحة، ورأت هذه المحكمة أن الدفع جدي أجلت نظر الدعوى، وحددت لمن أثار الدفع ميعادا لا يجاوز شهرا واحدا لرفع دعوى بذلك أمام المحكمة الدستورية، فإذا لم ترفع الدعوى في الميعاد المحدد اعتبر الدفع كأن لم يكن “([6]).

أما دستور الإمارات العربية المتحدة الصادر في 1971 فقد نص في المادة 99 على أنه: “تختص المحكمة الاتحادية العليا بالفصل في الأمور التالية:

4. إذا ما أحيل إليها هذا الطلب من أي محكمة من محاكم البلاد أثناء دعوى منظورة أمامها”.

كما نص القانون الاتحادي رقم 10 لسنة 1973 المنشئ للمحكمة الاتحادية العليا بالإمارات العربية المتحدة على أنه: “تحال إلى المحكمة العليا طلبات بحث الدستورية التي تثار أمام المحاكم بصدد دعوى منظورة أمامها بقرار مسبب من المحكمة يوقعه رئيس الدائرة المختصة، فإذا كان الطعن في الدستورية مثارا بدفع من أحد الخصوم في الدعوى تكون المحكمة قد قبلته، تعين عليها أن تحدد للطاعن أجلا لرفع الطعن أمام المحكمة العليا، فإذا فات هذا الأجل دون أن يقدم الطاعن ما يفيد رفعه للطعن خلاله اعتبر نازلا عن دفعه.

وانطلاقا من استقرائنا لمختلف القوانين التي تنظم المحكمة الدستورية في كل من إيطاليا وتركيا ومصر والبحرين والكويت والإمارات العربية المتحدة، نستخلص أنها كلها أجمعت على العمل بأسلوبي الدفع الفرعي والدعوى الأصلية أمام المحكمة الدستورية، ونظرا لأهمية الأسلوب الأول، فإننا نسجل بعض الملاحظات في شأنه وهي على النحو التالي:

إن كل دساتير الدول سالفة الذكر أتاحت للأفراد الدفع بعدم دستورية قانون أو لائحة أمام مختلف درجات قضاء الموضوع دون أن تحدد جهة معينة من جهاته، مما يوحى بأنه بإمكان أي محكمة من محاكم الموضوع أن تنظر في طلب الدفع بعدم الدستورية من أجل إحالته على المحكمة الدستورية، إذا رفع أمامها واقتنعت بجديته.

حيث نصت في قوانينها بصيغة العموم بالعبارات التالية:

أ – إذا أثار أحد الأفراد طعنا بعدم الدستورية أمام إحدى المحاكم أثناء نظر دعوى : (الدستور الإيطالي ) .

ب – إذا ثبت لإحدى المحاكم وهي بصدد الفصل في أي دعوى : (الدستور التركي ).

ج – إذا دفع أحد الخصوم أثناء نظر الدعوى أمام إحدى المحاكم : (الدستور المصري ).

د – إذا دفع أحد الخصوم أثناء نظر الدعوى أمام إحدى المحاكم : (الدستور البحريني ).

هـ- أما إذا أحيل إليها هذا الطلب من أي محكمة من محاكم البلاد أثناء دعوى منظورة أمامها: (دستور الإمارات العربية المتحدة ).

و- إذا رأت إحدى المحاكم أثناء نظر قضية من القضايا : (الدستور الكويتى ).

وهكذا فقد نصت جل دساتير هذه الدول على حق المواطن في إثارة الدفع بعدم دستورية قانون أو مرسوم (لائحة) أمام مختلف درجات قضاء الموضوع ، وجاء التنصيص على هذا الدفع بصيغة العموم المؤكد – ولذا فإن العام يحمل على عمومه – وبالتالي فإنه أصبح جليا أن الدفع بعدم دستورية قانون أو لائحة يمكن إثارته أمام مختلف درجات قضاء الموضوع ، سواء في المادة المدنية والتجارية والجنائية والإدارية وفقا للقانون التنظيمي المعمول به ، لأن اختصاص قضاء الموضوع مستمد من النصوص الدستورية ، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح وهو في حالة ما إذا لم يحظ الدفع بعدم الدستورية الذي تقدم به أحد الأطراف بقبول إحدى محاكم الموضوع ، أي أنها حكمت بعدم جديته وبالتالي فإنه لم يستطع أن يحيل دفعه أمام المحكمة الدستورية ، لأن الإحالة كما أشرنا إلى ذلك مشروطة ومعلقة على تحقق شرط ألا وهو اقتناع محكمة الموضوع بجدية الطلب . فتبعا لهذه الحالة فهل يحق استئناف الدفع أمام المحكمة الأعلى درجة؟

من خلال استقرائنا لموقف التشريعات السالفة الذكر، نستنتج أن الدفع بعدم الدستورية أمام محاكم الموضوع مرتبط بنظر الدعوى الموضوعية، فإذا لم تقتنع هذه المحاكم بجدية الدفع بعدم الدستورية المثار أمامها، فإن الدافع به يحق له أن يستأنف الدفع إما مجردا عن أصله، أي الدعوى الموضوعية المعروضة أمام القضاء، كما يمكنه أن يتقدم بالطعن في الدعوى الموضوعية والدفع المتفرع عنها جملة واحدة وفقا لطرق الطعن المعمول بها أمام قضاء الموضوع.

فليس هناك ما يمنعه من إثارة الدفع بعدم الدستورية أمام أي جهة قضائية من قضاء الموضوع ، ولو لأول مرة أمام محكمة النقض وفقا للشروط والإجراءات المقررة قانونا، ولهذا ارتأى معظم الفقه وخاصة المصري منه من تحديد جهة قضائية معينة من قضاء الموضوع ، وإفرادها باختصاص البت في جدية الدفع دون غيرها، تفاديا لتضارب وتناقض الأحكام والقرارات القضائية ، الشيء الذي يطيل أمد النزاع ويهدر طاقة القضاء، وقد أحسن صنعا المشرع التركي حيث نص في المادة من   151من الدستور على أنه : “إذا ثبت لأحد المحاكم – وهي بصدد الفصل في أي دعوى – عدم دستورية القانون الذي تطبقه ، أو إذا اقتنعت بجدية ادعاء الأطراف بعدم دستورية القانون ، وجب عليها أن تؤجل الفصل في الدعوى إلى أن تتخذ المحكمة الدستورية قرارا في هذا الشأن .

أما إذا ثبت للمحكمة عدم جدية هذا الادعاء، فتحيل الدعوى لمحكمة النقض للفصل في الدفع والحكم في موضوع الدعوى، وتصدر المحكمة الدستورية قرارها خلال ثلاثة أشهر من تاريخ إحالة الدعوى إليها . . . “.

وبهذا يكون الدستور التركي قد أجاب عن شق من الإشكالية القانونية المطروحة ، حيث أوجب على مختلف محاكم الموضوع في حالة عدم اقتناعها بجدية الدفع بعدم الدستورية ، إحالة النزاع برمته إلى محكمة النقض للفصل في الدفع والموضوع معا، فإذا أقرت محكمة النقض بجدية الدفع وبعدم الدستورية ، أوقفت البت في الدعوى الموضوعة ، وأحالت الدفع إلى المحكمة الدستورية من أجل البت فيه داخل أجل أقصاه ثلاثة أشهر، أما في حالة عدم إقرارها بجدية الدفع بعدم الدستورية ، فإنها تفصل في الموضوع وتصرف النظر عن الدفع وبالتالي يعتبر لا غيا.

وتأسيسا على ما سبق ، فإنه اذا ما دفع أمام قاضى الموضوع بعدم دستورية قانون أو لائحة ، فإنه لا يحيل الدفع المثار أمامه إلى المحكمة الدستورية إلا بشرط إقراره بجدية هذا الدفع ، فإذا تأكد من جديته ، فإنه يحيله إلى المحكمة الدستورية ، أما إذا لم يحظ الدفع بالجدية المطلوبة ، أو كان الدفع غير مؤثر في الفصل في الدعوى ، أو أنه لا صلة للقانون أو اللائحة محل الدفع بالمنازعة موضوع الدعوى الموضوعية ، فإنه من حق القاضي أن يرفض الدفع و يفصل في الموضوع ، ولا يمكن لمن أثار الدفع بعدم الدستورية اللجوء إلى المحكمة الدستورية ، وإن كان له حق الطعن في الحكم سواء بطرق الطعن العادية أو طرق الطعن غير العادية.

فإذا كان من حق قاضى الموضوع أن يرفض الدفع ويستمر في نظر الدعوى، فإن قراره في هذا الشأن ليس نهائيا، إذ من حق مثير الدفع أن يطعن في هذا الحكم بالطرق المقررة للطعن، وبالتالي فإنه يجوز الطعن في رفض الدفع بعدم الدستورية مباشرة أمام المحكمة الأعلى درجة، دون انتظار البت في موضوع الدعوى المتفرع عنها الدفع بعدم الدستورية.

وتعتبر محكمة الموضوع الأعلى درجة في نفس السلم القضائي هي المحكمة المختصة بالتحقيق في مدى جدية الدفع ، ولا تملك المحكمة الدستورية رقابة عليها في هذا الشأن ، وهو ما ذهبت إليه المحكمة العليا المصرية في حكمها الصادر في 3 أبريل 1976 ، حيث قررت أن المحكمة العليا ليس جهة طعن بالنسبة إلى محكمة الموضوع ، وإنما هي جهة ذات اختصاص أصيل حدده قانون إنشائها، ويتحدد هذا الاختصاص – في مجال الرقابة الدستورية – بما يبدى لدى محكمة الموضوع من دفوع بمخالفة الدستور تقدر محكمة الموضوع جديتها وتقدر المحكمة العليا توفر المصلحة للفصل فيها([7]).

ويستفاد من هذا الاجتهاد القضائي المصري أنه إذا قدرت محكمة الموضوع جدية أو عدم جدية الدفع، فلا يجوز للمحكمة الدستورية أن تعقب على ذلك، ويحق لمثير الدفع سلوك مسطرة الطعن في مواجهة ذلك القرار أمام المحكمة الأعلى درجة، وليس للمحكمة الدستورية اختصاص في هذا الشأن، ويتضمن هذا النهج تضييقا لدائرة الرقابة على دستورية القوانين، وذلك بهدف الحيلولة دون إغراق المحكمة الدستورية بسيل من الدعاوى التي قد يكون الهدف منها مجرد تعطيل الفصل في الدعاوى والمماطلة من أجل كسب مزيد من الوقت.

وفي حالة ما إذا حكمت محكمة الموضوع بجدية الدفع واتصلت الدعوى الدستورية بالمحكمة الدستورية، وفقا للقانون، ثم تم الطعن في جدية الدفع وألغته المحكمة الأعلى درجة فما آثار ذلك على الدعوى الدستورية؟

  إن ما انتهت إليه المحكمة الدستورية العليا بمصر هو أن الحكم الصادر من محكمة الموضوع، بوقف الدعوى والسماح بإقامة الدعوى الدستورية يعد من حيث الواقع حكما نهائيا، لا يرتب الطعن عليه أي أثر في مواجهة المحكمة الدستورية، إذ ما يصدر عن محكمة الطعن الموضوعية لا يمس اتصال المحكمة الدستورية بالدعوى الدستورية، متى كان هذا الاتصال قد تم وفقا للقواعد والإجراءات المنصوص عليها في قانونها، والتي ليس من بينها شرط صيرورة الحكم الصادر عن محكمة الموضوع بقبول الدفع أو بعدم قبوله نهائيا([8]).

وهذا ما قضت به المحكمة الدستورية المصرية في حكمها الصادر في 5 ماي2001 في القضية رقم 25 للسنة 22 قضائية دستورية.

وهكذا يتضح أنه لا يترتب على إلغاء الحكم بجدية الدفع من قبل محاكم الموضوع منع استمرار المحكمة الدستورية للبت في الدعوى الدستورية موضوع الدفع الملغى من طرف محاكم الموضوع الأعلى درجة.

المطلب الثاني: تقديم الدعوى الدستورية عن طريق الدفع وموقف الفقه الدستوري منها

الدعوى وسيلة قانونية يستطيع الشخص بواسطتها اللجوء إلى المحاكم للحصول على اعتراف بحقه وعند الاقتضاء لصيانته، لكن المدعى أثناء سريان الدعوى وتقديم الطلبات العارضة، قد يقتنع بعدم دستورية نص قانوني من النصوص المراد تطبيقها في النازلة موضوع الدعوى الرائجة أمام محاكم الموضوع، الأمر الذي يدفع المعنى بالأمر إلى الدفع بعدم دستورية النص المطبق في الدعوى الموضوعية، لمساسه بحق من الحقوق الدستورية.

فما هو موقف الفقه الدستوري من الدفع بعدم دستورية القوانين؟

من خلال استقراء موقف الفقه الدستوري من الدفع بعدم دستورية القوانين، فإنه يمكن أن نخلص إلى ثلاثة مواقف إزاء تحريك الدعوى الدستورية عن طريق الدفع من قبل أحد الأطراف أمام محاكم الموضوع وهي كتالى:

الموقف الأول: وهو موقف تشريعي تبنته جل الدول في دساتيرها ككندا وإيطاليا ويوغوسلافيا وتشيكوسلوفاكيا ومصر والكويت والإمارات العربية المتحدة، فدساتير كل هذه الدول تبيح للأفراد الدفع بعدم دستورية القوانين أمام مختلف درجات قضاء الموضوع، ولو لأول مرة أمام محكمة النقض باعتبار الدفع بعدم دستورية القوانين من النظام العام

فإذا حكمت محاكم الموضوع بعدم جدية الدفع بعدم دستورية قانون أو لائحة، فإنه يحق لمثير الدفع أن يطعن في الدفع مجردا من الدعوى الموضوعية أمام المحكمة الأعلى درجة، كما يمكنه أن ينتظر إلى غاية أن يطعن فيه ضمن الدعوى الموضوعية في صك واحد، ولا يمكن أن تتصل الدعوى الدستورية بالمحكمة الدستورية إلا عن طريق واحد وهو الإحالة من محاكم الموضوع عليها.

فهذه الصورة وان كانت تحول دون إثقال كاهل المحكمة الدستورية بسيل من الدعاوى الدستورية، فإنها في المقابل تؤدي إلى تناقض الأحكام والقرارات القضائية، إذ قد تحكم إحدى محاكم الموضوع بجدية الدفع وتحكم جهة أخرى بعدم جديته في دعوى مماثلة، فضلا عن إطالة أمد الخصومة وما ينتج عن ذلك من آثار قانونية سلبية على حقوق الأطراف ومراكزهم القانونية بسبب إيقاف البت في الدعاوى الموضوعية أمام محاكم الموضوع.

ويتمثل هذا الاتجاه في إعطاء ولاية تقدير جدية الدفع بعدم دستورية القوانين لمختلف درجات محاكم الموضوع، وهي تستمد ولايتها في ذلك من الدستور مباشرة وليس للمحكمة الدستورية حق التعقيب عليها، ويمكن استئناف الحكم الصادر من محاكم الموضوع بقبول الجدية أو بعدمها أمام المحكمة الأعلى درجة.

الموقف الثاني، وهو موقف وسط تبنته تركيا في دستورها، ويقضى هذا الموقف بكون الحكم الصادر عن محاكم الموضوع بعدم جدية الدفع المثار أمامها لا يمكن استئنافه إلا أمام جهة قضائية وحيدة وهي محكمة النقض.

وبهذا يكون هذا الموقف قد أجاب عن شق من الإشكالية الدستورية المطروحة، حيث حدد الجهة القضائية التي يجب أن تستأنف أمامها الأحكام الصادرة عن محاكم الموضوع والقاضية بعدم جدية الدفع، فإذا حكمت محكمة النقض ” بعدم القبول اعتبر الدفع لاغيا قانونا، ولا يمكن الطعن في أحكامها، أما إذا حظى الدفع بوصف الجدية، فإنها تحيله على المحكمة الدستورية ، وتحدد للأطراف آجالا لرفع الدعوى أمامها، أما في حالة حكم محاكم الموضوع بجدية الدفع ، فإنه يحال مباشرة إلى المحكمة الدستورية.

وإذا ما قارنا بين الموقف الأول الثاني، فإننا نسجل تميز هذا الأخير عن نظيره لعدة أسباب. كما سبقت الإشارة إلى ذلك.

الموقف الثالث، ويمثله اتجاه عريض من الفقه، والذي يرى ضرورة تحديد الجهة القضائية التي ثبت في جدية الدفع بدستورية القوانين، وذلك منعا لإشاعة عدم الاستقرار في المعاملات القانونية وتفاديا لتناقض الأحكام والقرارات القضائية ولعدم إغراق المحكمة الدستورية بسيل من الدعاوى التي قد يكون الهدف منها مجرد تعطيل البت في الدعاوى الموضوعية الأصلية.

  وسيرا على منوال هذا الاتجاه الفقهي ، يبدو أنه من الراجح تحديد محكمة النقض كجهة قضائية وحيدة للبت في جدية الدفع بعدم دستورية القوانين واللوائح، نظرا لكونها الأتم أهلية من غيرها للبت في مدى جدية الدفع بعدم دستورية القانون ، لما لقضاتها من تجربة طويلة وخبرة عميقة ، وبالتالي فإنه لا يمكن أن تتصل الدعوى الدستورية بالمحكمة الدستورية إلا عن طريق إحالة محكمة النقض للدفع عليها وتحديد آجالا للأطراف لتقديم دعواهم خلالها، وذلك اقتباسا من موقف المشرع المغربي في المادة 12 من قانون 41- 90 والمادة 13 من قانون 80-03 المتعلقتان بإنشاء كل من المحكمة الإدارية ومحكمة الاستئناف الإدارية ، واللتان حددتا جهة قضائية وحيدة هي الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى، والتي تستأنف أمامها الأحكام الصادرة بعدم الاختصاص النوعي والصادرة عن مختلف محاكم المملكة المغربية.

وتأسيسا على ما سبق، فإن مقارنة أسلوب الرقابة عن طريق الدفع الفرعي مع نظيره عن طريق الدعوى الأصلية ليوضح بجلاء أن الأسلوب الأول يتميز عن الأسلوب الثاني في نقطتين أساسيتين:

فبالنسبة للنقطة الاولى فإنها تتعلق بطبيعة الإجراءات المسطرية والمواقيت التي يقتضيها الأسلوب الأول (الدفع الفرعي)، فتقوم محكمة الموضوع المثار أمامها الدفع باستبعاد القانون المخالف للدستور نسبيا، أي أن حجية الحكم تكون نسبية وفق الأسلوب الأول ومطلقة وفق الأسلوب الثاني (الدعوى الأصلية)، حيث يبق الحكم المستبعد نافذا أمام نفس المحكمة والمحاكم الأخرى في المنازعات الأخرى، أما الإلغاء عن طريق الدعوى الأصلية فيترتب عليه البطلان المطلق للقانون الملغى أمام جميع المحاكم.

أما بالنسبة للنقطة الثانية المتعلقة بالمحكمة المختصة فإنه في حالة الرقابة وفق الأسلوب الأول (الدفع الفرعي)، فإن القاضي يستبعد القانون المخالف من خلال سلطته في تفسير القانون، وحل ما قد يحدث بينهما من “تنازع ” وهو ما يجب أن يوكل لمحاكم الموضوع وفقا للقوانين المعمول بها حسب طبيعة كل نظام.

أما الرقابة عن طريق الدعوى الأصلية، فإن الحكم بإلغاء القانون المخالف وبطلانه يقتضى تركيز سلطته في محكمة وحيدة مختصة، نظرا للآثار القانونية المتعددة التي تترتب على حكم الإلغاء.

كما يترتب على تفاوت حجية الحكم وفق الأسلوبين الأول (الدفع الفرعي) والثاني (الدعوى الأصلية) خلاف في طبيعة الإجراءات التي يجب اتباعها قبل صدور الحكم وفقا لكل منهما.

فتبعا للأسلوب الأول، فإنه لا يمكن أن تتصل الدعوى الدستورية بالمحكمة الدستورية إلا عن طريق الدفع أمام محاكم الموضوع.

أما وفق الأسلوب الثاني، فبإمكان المعنى بالأمر مهاجمة القانون ومخاصمته مباشرة عن طريق الدعوى الأصلية والتي لا يمكن لأي فرد من المواطنين تحريكها مباشرة.

وقد اختلف رجال الفقه في تقييم الأسلوبين السابقين فانقسم في ذلك إلى اتجاهين اثنين:

فالاتجاه الأول، دعا إلى اعتماد أسلوب الدعوى الأصلية، لتحريك الرقابة وتركيزها في محكمة خاصة تجنبا للتناقض وعدم الاستقرار الذي يفضي إليه أسلوب الدعوى غير المباشرة.

أما الاتجاه الثاني، فيرى ضرورة الأخذ بأسلوب الدعوى غير المباشرة عن طريق الدفع، تجنبا للصعوبات التي تواجه تخصيص محكمة واحدة للرقابة، كما ذهب إلى ذلك العميد “دوجي ” حيث يصبح ذلك مصدرا للإشكالات سياسيا ودستوريا بتحويل تلك المحكمة على المدى الطويل إلى هيئة سياسية([9]).

وقد أيد هذا الرأي الأخير كثير من الفقهاء لأن الرقابة عن طريق الدفع توسع من مبدأ حماية الحقوق والحريات الدستورية فتتيح ذلك للأفراد، فضلا عن ذلك فإنه أسلوب ارتأته معظم التشريعات لضمان عدم إساءة استعمال حق الطعن المباشر في دستورية القوانين للحيلولة دون إثقال كاهل المحكمة الدستورية بكثرة القضايا والملفات، وذلك عن طريق تحديد جهة قضائية وحيدة من قضاء الموضوع، ألا وهي محكمة النقض تتولى وحدها مسألة تقدير الجدية، وإحالة الدفع إذا حظي بها إلى المحكمة الدستورية. ولمزيد من الإيضاح انظر الجدولين التاليين:

الدولدليل الجمع بين اسلوبي الدفع الفرعي والدعوي الاصلية
إيطاليانص الدستور الإيطالي لسنة 1948 والمادة 1 من قانون المحكمة الدستورية الصادر في نفس السنة على ذلك
تركيانص الدستور التركي في المادة 151 على ذلك
مصرنص المشروع المصرى على ذلك في المادة 29 من قانون المحكمة الدستورية رقم 168 والمعدل سنة 1998
الكويتنص قانون المحكمة الدستورية الكويتى في المادة 14 لسنة 1973 على ذلك
البحريننص المشروع البحريني على ذلك في المادة 17 من قانون المحكمة الدستورية رقم 28لسنة 2002
الامارات العربيةنص دستور الامارات العربية المتحدة في المادة 99 كم نص على ذلك في المادة10 من قانون المحكمة الاتحادية العليا
اسم الدولةالاتجاه الدستوري الذي اقتصر على أسلوب الدعوي الاصلية لتحريك الدعوي الدستورية
سويسرادستور سويسرا الصادر سنة 1930
اسبانيااسبانيا في دستورها الصادر سنة 1978
السوداندستور السودان الصادر سنة 1973والمعدل سنة 1998
كوبادستور كوبا الصادر سنة 1934
فرنسادستور فرنسا المعدل سنة 1992
لبناندستور لبنان الصادر سنة 1990
الجزائردستور الجزائر المعدل سنة1996

ونشير إلى أن الاتجاه الدستوري الذي جمع بين أسلوبي الدفع الفرعي والدعوى الأصلية لمراقبة دستورية القوانين هو الاتجاه الراجح الذي جمع بين محاسن الأسلوبين معا، لذلك فإنه يبدو وجيها مقارنة مع الاتجاه الدستوري الذي اعتمد أسلوب الدعوى الأصلية فقط ، خاصة وأن معظم الدساتير التي اعتمدته قد قصرت الدعوى الأصلية على مؤسسات الدولة وهيئاتها دون منح هذا الحق للمواطنين ، كما هو شأن كل من كوبا وفرنسا والجزائر ولبنان .

ولهذا اعتمد المشرع المغربي في المادة 133 من الدستور الحالي أسلوبي الدفع الفرعي والدعوى الأصلية لتحريك الدعوى الدستورية.

المبحث الثاني

الدفع بعدم دستورية القوانين وفق الدستورين المغربي

الدفع بعدم الدستورية هو إجراء يتقدم به المدعى في دعوى موضوعية أمام إحدى المحاكم الموضوعية ويطعن بمقتضاه بعدم دستورية نص أو نصوص قانونية لها ارتباط بالدعوى الرائجة أمام المحاكم المذكورة وفقا للمسطرة القانونية المعمول بها حسب كل تشريع.

ويعتبر الدفع بعدم دستورية القوانين مظهر من أهم تجليات ضمان مبدأ المشروعية الدستورية في شتى أصناف القوانين والمراسيم التي تصدرها الدولة، فبموجبه يلزم المشرع على إلغاء أو إعادة النظر في كل تشريع يتعارض مع الدستور ويخرق حقوق وحريات الأفراد، وذلك بإعادة صياغته وفق مبدأ المشروعية التي تضع قيودا لصالح الأفراد والتي لا يمكن لأي دولة ديمقراطية أن تحيد عنها في أعمالها القانونية وتصرفاتها الواقعية.

فكيف يمكن أن يتعامل المشرع المغربي مع الدفع المذكور؟

وكيف يمكن ضبط وعقلنة مسطرته في التشريع المغربي؟

تلك هي أهم التساؤلات التي يمكن ملامستها من خلال مطلبين اثنين:

المطلب الأول: تحريك الدعوى الدستورية أمام المحكمة الدستورية المغربية

لقد نص الدستور المغربي لسنة 2011 على اختصاصات المحكمة الدستورية خلال الفصل 85 والفصول من 132 إلى 134.

ويمكن أن تقسم الرقابة التي تقوم بها المحكمة الدستورية إلى قسمين: رقابة وجوبية ورقابة اختيارية أو جوازيه.

  1. الرقابة الإلزامية

وتتحقق الرقابة الوجوبية في الحالات التي يجب أن تعرض على المجلس الدستوري نوع معين من القواعد القانونية لإقرار مطابقتها للدستور قبل إصدارها أو تطبيقها، وهو ما أبقى عليه الدستور الجديد حيث نص في الفصلين 85 و 132 على أنه : “لا يمكن إصدار الأمر بتنفيذ القوانين التنظيمية ، إلا بعد أن تصرح المحكمة الدستورية بمطابقتها للدستور”، كما نص في الفصل 132 على ضرورة مراقبة المحكمة الدستورية لصحة انتخاب أعضاء البرلمان وعمليات الاستفتاء، حيث اشترط ضرورة موافقة المحكمة الدستورية على القوانين التنظيمية قبل إصدارها، وعلى النظامين الداخلي لكل من مجلس النواب والمستشارين قبل العمل بهما، ويدخل في هذا الاختصاص الإلزامي أيضا الفصل في الخلاف الدائر بين الحكومة والبرلمان في حالة الدفع من جانب الحكومة أثناء نظر اقتراح من أحد الأعضاء في البرلمان ، بأن هذا الاقتراح أو التعديل لا يدخل في اختصاص السلطة التشريعية ، وكذلك حالة ما إذا أرادت السلطة التنفيذية إصدار مرسوم لتنظيم أحد الموضوعات التي سبق أن نظمت بتشريع من البرلمان استنادا إلى أ ن هذا الموضوع أصبح من اختصاصات السلطة التنفيذية.

ب  الرقابة الاختيارية أو الجوازية

وتتحقق في الحالات التي منح فيها الدستور السلطة التقديرية للسلطتين التنفيذية والتشريعية لإحالة بعض الموضوعات للمجلس الدستوري ، وبهذا يكون الدستور المغربي قد حذا حذو الدستور الفرنسي الصادر في سنة 1958 والمعدل سنة 1992 فيما جرى عليه من حق كل من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء وعدد من الأعضاء لعرض القوانين العادية قبل إصدارها على المجلس الدستوري لتقرير مدى مطابقتها للدستور، حيث نص على ذلك عند تنظيمه لاختصاصات المجلس ، حيث نص في الفقرة الثالثة من المادة 132 على أنه ” يمكن للملك وكذا لكل من رئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس المستشارين وخمس (5/1) أعضاء مجلس النواب وأربعين عضوا من أعضاء مجلس المستشارين، أن يحيلوا القوانين والاتفاقات الدولية قبل إصدار الأمر بتنفيذها أو قبل المصادقة عليها إلى المحكمة الدستورية ، لتبت في مطابقتها للدستور”.

وتبت المحكمة الدستورية في هذه الدفوع خلال أجل شهر من تاريخ إحالتها عليها، غير أن هذا الأجل يخفض في حالة الاستعجال إلى 8 أيام بطلب من الحكومة.

ويترتب على الإحالة في هذه الحالات وقف سريان أجل إصدار الأمر بالتنفيذ.

فإذا كان الوضع الغالب في الرقابة السياسية على دستورية القوانين أنها رقابة سابقة على صدور القانون ، تمارس في المرحلة الوسطى بين موافقة البرلمان على القانون وإصدار الملك له ، فإن ذلك لا يعنى نفي إمكانية العمل بالرقابة اللاحقة التي تباشر بالنسبة للقوانين بعد صدورها في الدول التي تأخذ بأسلوب الرقابة السياسية ، كما هو شأن الدستور الفرنسي الصادر في سنة 1958 والمعدل سنة 1992 والذي اعتمد أسلوب الرقابة السابقة على صدور القانون ، وهي الرقابة الوقائية التي تمارس مسبقا على مشاريع القوانين التي يقرها البرلمان قبل إصدارها من الملك ، ولوائح المجلسين قبل العمل بها والاقتراحات المقدمة في المجال اللائحي إلى كل من مجلسي النواب والمستشارين والتي لا تدخل في اختصاصات السلطة التشريعية.

فإذا كان حق إحالة القوانين قبل إصدارها إلى المجلس الدستوري التي نصت عليها الدساتير السابقة على دستور سنة 1992 قد ظل مقصورا على رئيس مجلس النواب والوزير الأول، فإن دستور سنة 1996 قد منح للملك وربع أعضاء مجلس النواب ورئيس وربع أعضاء مجلس المستشارين الحق أيضا في تحريك الرقابة الدستورية.

أما دستور 2011 فقد وسع من دائرة أطراف الدعوى الدستورية حيث نص في فصله الثاني والثلاثين بعد المائة على أن المحكمة الدستورية تختص بالنظر في “كل دفع متعلق بعدم دستورية قانون، أثير أثناء النظر في قضية، وذلك إذا دفع أحد الأطراف بأن القانون الذي سيطبق في النزاع يمس بالحقوق والحريات التي يضمنها الدستور، يحدد قانون تنظيمي شروط وإجراءات تطبيق هذا الفصل “.

ومن خلال إشارة نص هذه الفقرة الأخيرة ، نستشف أن القانون التنظيمي المزمع إعداده سيكون من شأنه توسيع أطراف تحريك الدعوى الدستورية إسوة بالقوانين المقارنة وخاصة الإيطالي والتركي والمصري ، وذلك بتكريسه لأسلوب رقابة دستورية القوانين عن طريق الدفع الفرعي ، كما أشرنا إلى ذلك في المحور الأول من هذا البحث ، وهذا ما يتضح جليا من خلال تحليل المادة132 من الدستور المغربي، حيث يتبين لنا بأن المشرع الدستوري المغربي ، قد اعتمد أسلوبا مغرقا في العمومية والإطلاق ، وهذا ما يستشف من مثن مادته اللغوية على النحو التالي:

كل دفع متعلق: فلفظ الكل يدل على معناه دلالة عامة تستغرق جميع عناصر مدلوله.

وعبارة أثناء النظر في القضية: فالمشرع عبر بصيغة النكرة لتدل على العموم والإطلاق.

وعبارة إذا دفع أحد الأطراف، فالمشرع عبر بهذه الصيغة الشرطية ليضيق من دائرة العموم، لكنه لم يحدد طبيعة أطراف الدعوى هل المقصود منهم أطراف الدعوى الأصليين أم الانضمامين؟ وهل يجوز للنيابة العامة وللجمعيات أن يمارسوا الدفع بعدم دستورية القوانين أمام محاكم الموضوع ؟

وهل يجوز للمتدخل التبعي كما يجوز للمتدخل الأصيل في الدعوى، أن يثير الدفع بعدم دستورية القوانين؟

كل هذه التساؤلات التشريعية سيبقى صداها مترددا عبر أفق التشريع والفقه والاجتهاد القضائي، لأنهما الكفيلان بالإجابة عن كل التساؤلات والإشكاليات القانونية.

إن قانون المسطرة المدنية المغربي ونظيرتها الجنائية قد أجابتا عن شق من التساؤل فيما يتعلق بالدعاوى التي تعتبر فيها النيابة العامة طرفا أصيلا وذلك من خلال المواد من 6 إلى 10 من قانون المسطرة المدنية.

فإذا كان قانون المسطرة المدنية ينص على جواز التدخل ومواصلة الدعوى في بابه الرابع وخاصة من الفصول 103 إلى 118 من ق .م .م ، فإن طبيعة الدعوى الدستورية وخصوصيتها المتميزة ، تقتضى قصر صفة المتدخل وحصرها أمام المحكمة الدستورية على أطراف الدعوى الموضوعية دون غيرهم تفاديا لإطالة أمد الخصومة وتوسيع نطاقها، فإذا كان المتدخلون انضماما للمدعين فيها غير ماثلين في الدعوى الموضوعية التي يؤثر الحكم في المسألة الدستورية على الحكم فيها، ولا يعتبرون بالتالي خصوما ذوي شأن في الدعوى الدستورية ، فإن مصلحتهم في الطعن على النص التشريعي تكون منتفية مما يتعين معه الحكم بعدم قبول تدخلهم.

ويشترط لقبول التدخل التبعي الإنضمامي طبقا لما تقضى به المادة 126 من قانون المرافعات المصري، أن يتم التدخل طبقا للإجراءات المعتادة لرفع الدعوى ، وأن يكون لطالب التدخل مصلحة شخصية وحالة ومباشرة في الانضمام لأحد الخصوم في الدعوى ، ومناط المصلحة المباشرة في الانضمام بالنسبة للدعوى الدستورية أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين مصلحة الخصم الذي قبل تدخله في الدعوى الموضوعية المثار فيها الدفع بعدم الدستورية ، وأن يؤثر الحكم في هذا الدفع على الحكم فيما أبداه هذا الخصم أمام محكمة الموضوع من طلبات .

ونشير إلى أن الحكم بعدم قبول الدعوى الدستورية يترتب عليه حتما الحكم بعدم قبول التدخل الانضمامي ، لأن بطلان الأصل ينتج عنه بطلان الفرع .

إن مسألة تقدير توفر المصلحة في الدعوى الدستورية أمر موكول لهذه المحكمة على سبيل الحصر دون غيرها فهي صاحبة الاختصاص الأصيل للتحقق من توفرها، وليس لجهة أخرى أن تفرض عليها مفهوما معينا لمضمونه، فالمصلحة في الدعوى الدستورية هي مصلحة تتحراها المحكمة الدستورية في سعيها للتثبت من مدى توافر شروط قبول الدعوى المطروحة عليها وليس لجهة أخرى أن تزاحمها على هذا الاختصاص، أو أن تحل محلها فيه وذلك بما للمحكمة من هيمنة على الدعاوي المطروحة عليها.

  المطلب الثاني: ضبط وعقلنة الدفع بعدم دستورية القوانين في التشريع المغربي

فالدفع بعدم الدستورية هو إجراء يتقدم به المدعى في دعوى موضوعية أمام إحدى المحاكم الموضوعية ويطعن بمقتضاه بعدم دستورية نص أو نصوص قانونية لها ارتباط بالدعوى الرائجة أمام المحاكم المذكورة وفقا للمسطرة القانونية المعمل بها حسب كل تشريع.

والدفع بعدم الدستورية هو إجراء يتقدم به المدعى في دعوى موضوعية أمام إحدى المحاكم الموضوعية ويطعن بمقتضاه بعدم دستورية نص أو نصوص قانونية لها ارتباط بالدعوى الرائجة أمام المحاكم المذكورة وفقا للمسطرة القانونية المعمل بها حسب كل تشريع.

إن المنطق القانوني السليم يفرض ضرورة ضبط وتحديد مسطرة التقاضي أمام المحكمة الدستورية، وذلك بتخليصها من الثغرات والشوائب التي تحد من فعاليتها وتعرقل سير إجراءاتها، كل ذلك من أجل ضمان النجاعة في تسييرها والجودة في أدائها، وإن ذلك لن يتأتى إلا من خلال ضبط وإعادة النظر في المسائل التالية:

– تحديد وضبط مصطلح الهيئات ذات الاختصاص القضائي.

– إعادة النظر في طبيعة الآجال .

– ضرورة مراعاة الشروط الشكلية.

– تحديد صفة المتدخل.

أولا: تحديد وضبط مصطلح الهيئات ذات الاختصاص القضائي

قد يبدو لأول وهلة أن الفرق جلى وواضح بين قرار إداري يصدر من جهة الإدارة وبين حكم يصدر من محكمة ، وفي هذه الحالة يسهل التمييز بين طبيعة القرارين لكن الأمر لا يعرض بهذه السهولة والوضوح ، إذ كثيرا ما يشكل التمييز بين طبيعة القرارات هل هي من قبيل القرارات القضائية أو الإدارية وخاصة في حالات سكوت المشرع عن تبيان ذلك الأمر، الشيء الذي يفرز نقاشا حادا وجدلا طويلا بين الفقه والاجتهاد القضائي للحسم في تلك القضايا و الأمور، وهل يتم ذلك بناء على اعتماد المعيار الموضوعي الذي يؤصل موقفه على طبيعة النشاط موضوع القرار، أم على المعيار العضوي الذي يؤسس تكييفه للقرار على صفة أعضاء اللجنة مصدرة القرار، لكن هذين المعيارين يبدوان عاجزين عن حل هذه الإشكالية ، إذا ما جمعت لجنة أو هيئة بين رجال الإدارة والقضاء، فما هو السبيل المعتمد في تكييف طبيعة القرار هل هو قرار قضائي أو إداري ؟

والغالب في الأمر أن يورد المشرع قرائن متشابهة ومتشابكة ثم يلذ بالصمت ولا يفصح عن مقصده بنص صريح، وعندئذ يثور التساؤل هل هذه الهيئات إدارية أم قضائية؟ كما هو الأمر في المغرب بالنسبة لعدد كبير من الهيئات وعلى رأسها هيئة المحامين، الذي أوجب المشرع الطعن في قراراتها أمام غرفة المشورة بمحكمة الاستئناف ثم الطعن في القرارات الصادرة عن هذه الغرفة أمام الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى، فالمشرع المغربي أعطى لهذه الهيئة صفة مزدوجة، فهي قضائية لأن قراراتها يطعن فيها أمام غرفة المشورة بمحكمة الاستئناف، وهي هيئة إدارية لأن قراراتها يطعن فيها أمام الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى.

ولقد ثار نقاش بين الاجتهاد القضائي المغربي للحسم في طبيعة بعض الهيئات بخصوص البت في منازعاتها الانتخابية، وانقسم في ذلك إلى اتجاهين مختلفين:

الاتجاه الأول، وتمثله الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى([10])، والذي أسندت اختصاص البت في الانتخابات الجامعية وانتخابات مجالس الجامعات ومجالس الكليات وممثلي القضاة إلى المحاكم العادية.

إن تحديد الاختصاص النوعي في مثل هذه المنازعات الانتخابية بناء على المعيار العضوي لا يسعف في تحديد الاختصاص القضائي الملائم، ولذا فإنه لابد من الاستعانة بالمعيار الموضوعي، لننظر إلى العملية الانتخابية من زاوية موضوعها وهدفها، فإذا كانت ترمى إلى فرز مؤسسات عمومية، فإن الاختصاص ينعقد للقضاء الإداري، أما إذا كانت تهدف إلى فرز تمثيلية مؤسسات خاصة، فان القضاء العادي هو صاحب الولاية العامة في هذا الشأن، ما لم ينص قانون على خلاف ذلك.

والاتجاه الثاني: وتمثله المحكمة الإدارية بالرباط والذي أسندت اختصاص البت في هذه المنازعات الانتخابية المذكورة للمحاكم الإدارية([11]).

وانطلاقا مما سبق فإن حل هذه الإشكالية لن يتأتى إلا بتدخل المشرع بنصوص صريحة وواضحة تضع حدا لهذا الجدل، وتبين بجلاء ووضوح طبيعة الهيئات المعتبرة ، هل من قبيل الهيئات ذات الاختصاص القضائي والتي يحق لها أن تدفع بعدم دستورية القوانين والمراسيم أمام محاكم الموضوع أم هي من الهيئات الإدارية والتي لا يحق لها ذلك.

ثانيا: ضرورة تحديد الآجال

إن الفعالية الإنسانية لا تتم إلا في إطارين رئيسيين هما الزمان والمكان ، ولذا فإن أهمية تحديد الآجال في الدعوى الدستورية تكتسب أهمية بالغة ، ترى كيف تعامل المشرع المغربي مع تحديد الآجال في الدعوى الدستورية؟

لقد اعتبر المشرع المغربي في القانون التنظيمي الخاص بالمجلس الدستوري رقم 29 /93 أن الآجال المنصوص عليها في هذا القانون هي آجال كاملة ، وهذه مسألة إيجابية ، لكن ما يجب ملاحظته هو أن الآجال في الدستور المغربي الجديد أمام المحكمة الدستورية يطبعها التنوع والاختلاف ، وهكذا يمكن تصنيفها إلى ثلاثة أنواع ، ويمكن تبيانها على النحو التالي:

نوع الدفعاجاله
دفع الحكومة بعدم قبول كل مقترح او تعديل لا يدخل في مجال القانون وذلك طبقا للفصل 79 من الدستور8 ايام
المراقبة الإلزامية لدستورية القوانين التنظيمية قبل إصدار الأمر بتنفيذها وفقا للفقرتين الثانية والثالثة من الفصل 132 من الدستور، وكذا بالنسبة للنظامين الداخليين لكل من مجلس النواب والمستشارين ، وكذا الإحالة على المجلس الدستوري من قبل الملك ورئيس الحكومة وكل من رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس المستشارين وخمس أعضاء مجلس النواب وأربعون عضوا من مجلس المستشارين.30 يوما تخفض في حالات الاستعجال بطلب من الحكومة إلى 8 أيام
الطعون المتعلقة بانتخاب أعضاء البرلمان وفقا للفقرة الأخيرة من الفصل 132سنة تحتسب ابتداء من انتهاء اجل إيداع الطعون في كتابة الضبط

من خلال هذه النصوص الدستورية ، يتبين أن المحكمة الدستورية المغربية ملزمة بالفصل فيما يعرض لها من طلبات ودفوع خلال مدة شهر على الأكثر، إلا إذا طلبت الحكومة تخفيض هذه المدة في حالة الاستعجال ، فتصبح ثمانية أيام فقط ، و لذا، فعلى القانون التنظيمي الجديد أن يجد صيغة توفيقية للحد من آثار الاختلاف والتنوع الذي يطبع هذه الآجال .

ثالثا : ضرورة التحقق من توفر الشروط الشكلية

يجب أن يتضمن المقال الافتتاحي للدعوى الدستورية البيانات الشكلية الضرورية لقبولها، وهكذا فقد نص قانون المحكمة الدستورية العليا بمصر في مادته الثلاثين على أنه “يجب أن يتضمن القرار الصادر بالإحالة إلى المحكمة الدستورية العليا، وصحيفة الدعوى المرفوعة إليها وفقا لحكم المادة السابقة، بيان النص التشريعي المطعون بعدم دستوريته ، والنص الدستوري المدعى بمخالفته وأوجه المخالفة “.

أما القانون التنظيمي للمجلس الدستوري المغربي رقم-93- 29فقد نص أيضا في المادة 31 على أنه “يجب أن تكون العرائض ممضاة من أصحابها، ومن محام مسجل في جدول إحدى هيئات المحامين بالمغرب ، وأن يتضمن الاسم العائلي والشخصي للطاعن وصفته وعنوانه والاسم العائلي والشخصي للمنتخب المنازع في انتخابه ، وبيان الوقائع والوسائل المحتج بها لإلغاء الانتخاب .

ويجب على الطاعن أن يشفع عريضته بالمستندات المدلى بها لإثبات الوسائل التي يحتج بها، ومن خلال مقاربة هذين النصين يمكن أن تحدد الشروط الشكلية على النحو التالى:

1. أن تكون عريضة الدعوى الدستورية كتابية وموقع عليها من طرف محام مقبول للترافع أمام المجلس الأعلى.

2. أن تتضمن الأسماء الشخصية والعائلية لأطرافها وموطنهم الحقيقي أو المختار.

3. أن تتضمن قرار الإحالة من محكمة الموضوع والذي يجب أن يشتمل على بيان النص التشريعي المطعون فيه بعدم دستوريته والنص الدستوري المدعى بمخالفته وأوجه المخالفة.

4. بيان ملخص الوقائع والوسائل المحتج بها، فإذا رفعت الدعوى الدستورية دون تصريح من محكمة الموضوع ، أو اختل شرط من هذه الشروط ، فإن مآلها هو الحكم بعدم القبول من قبل المحكمة الدستورية.

رابعا: تحديد صفة المتدخل

إذا كان قانون المسطرة المدنية ينص على جواز التدخل ومواصلة الدعوى في بابه الرابع وخاصة من الفصول 103 إلى 118 من ق .م .م ، فإن طبيعة الدعوى الدستورية وخصوصيتها المتميزة ، تقتضى قصر صفة المتدخل وحصرها أمام المحكمة الدستورية على أطراف الدعوى الموضوعية دون غيرهم تفاديا لإطالة أمد الخصومة وتوسيع نطاقها، فإذا كان المتدخلون انضماما للمدعين فيها غير ماثلين في الدعوى الموضوعية التي يؤثر الحكم في المسألة الدستورية على الحكم فيها، ولا يعتبرون بالتالي خصوما ذوي شأن في الدعوى الدستورية ، فإن مصلحتهم في الطعن على النص التشريعي تكون منتفية مما يتعين معه الحكم بعدم قبول تدخلهم.

ويشترط لقبول التدخل التبعي الانضمامي طبقا لما تقضى به المادة 126 من قانون المرافعات المصري، أن يتم التدخل طبقا للإجراءات المعتادة لرفع الدعوى ، وأن يكون لطالب التدخل مصلحة شخصية وحالة ومباشرة في الانضمام لأحد الخصوم في الدعوى ، ومناط المصلحة المباشرة في الانضمام بالنسبة للدعوى الدستورية أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين مصلحة الخصم الذي قبل تدخله في الدعوى الموضوعية المثار فيها الدفع بعدم الدستورية ، وأن يؤثر الحكم في هذا الدفع على الحكم فيما أبداه هذا الخصم أمام محكمة الموضوع من طلبات .

ونشير إلى أن الحكم بعدم قبول الدعوى الدستورية يترتب عليه حتما الحكم بعدم قبول التدخل الانضمامى ، لأن بطلان الأصل ينتج عنه بطلان الفرع .

وإن مسألة تقدير توفر المصلحة في الدعوى الدستورية أمر موكول لهذه المحكمة وحدها دون غيرها يعود أمر التحقق من توفرها، وليس لجهة أخرى أن تفرض عليها مفهوما معينا لمضمونه، فالمصلحة في الدعوى الدستورية هي مصلحة تتحراها المحكمة الدستورية في سعيها للتثبت من مدى توافر شروط قبول الدعوى المطروحة عليها وليس لجهة أخرى أن تزاحمها على هذا الاختصاص، أو أن تحل محلها فيه وذلك بما للمحكمة من هيمنة على الدعاوي المطروحة عليها.

خاتمة

إن الرقابة التي تباشر على القوانين والمراسيم بقصد التأكد من احترامها للقواعد الواردة في الوثيقة الدستورية وعدم مخالفتها لأحكامها، تعد من أهم الضمانات التي تكفل احترام الدستور ونفاذ أحكامه وتطبيقه تطبيقا سليما.

ولقد أخذ النظام الدستوري في المملكة المغربية بأفضل الاتجاهات العالمية في تنظيم الرقابة على دستورية القوانين ، حيث زاوج بين الرقابة السياسية ونظيرتها القضائية ، فعهد بهذه الرقابة إلى محكمة دستورية متخصصة ، نص عليها في دستوره الجديد في الباب الثامن وخصها بستة فصول ، فهي هيئة مستقلة ، أسند لها وحدها اختصاص الرقابة على دستورية القوانين والمراسيم ، وهو ما يعتبر من أهم الضمانات الأساسية التي تكفل استقلالها بالإضافة إلى غيرها من الضمانات التي يجب أن يكرسها قانونها التنظيمي.

وإذا كان الدستور الجديد قد أخذ بنظام الرقابة السابقة على إصدار القوانين ، فإنه جمع بينها وبين أسلوب الرقابة اللاحقة ، حيث أشار إلى ذلك في الفقرتين الثانية والثالثة من الفصل 132 . كما وسع من أسلوب الرقابة القضائية ليحقق التوازن بينها وبين نظيرتها السياسية ، حيث أعطى الحق لمحكمة الموضوع في أن تحيل إلى المحكمة الدستورية كل قانون صدر مخالفا لمقتضيات الدستور، والمعروض أمامها ترى أنه غير دستوري ، وذلك عن طريق الدفع الذي يتقدم به أحد أطراف الخصومة بعدم دستورية القانون المذكور أمامها، وذلك طبقا للفقرة الأولى من الفصل 133 من الدستور والتي تنص على أنه ” تختص المحكمة الدستورية بالنظر في كل دفع متعلق بعدم دستورية قانون ، أثير أثناء النظر في قضية، وذلك إذا دفع أحد الأطراف بأن القانون الذي سيطبق في النزاع يمس بالحقوق والحريات التي يضمنها الدستور “

  فإذا اقتنعت محكمة الموضوع بجدية الطلب ، فإنها تأذن للأطراف برفع الدعوى الدستورية أمام المحكمة الدستورية في أجل أقصاه شهر وفقا للقانون المعمول به ، وبذلك تكون المملكة المغربية قد جمعت بين أسلوبي الرقابة السياسية والقضائية على دستورية القوانين في أسلوب متوازن ، ولكن حتى تحقق الرقابة القضائية دورها الفعال فعلى القانون التنظيمي الذي يتولى تحديد شروط وإجراءات التقاضي أمامها أن يخصص جهة قضائية وحيدة من جهات قضاء الموضوع ، وأن يركز الرقابة فيها، وذلك تفاديا للتناقض الذي قد يحصل بين جهتين قضائيتين مختلفتين تحكم واحدة بجدية الدفع وترى الأخرى عدم جديته ، الشيء الذي يؤدي إلى إشاعة أجواء القلق وعدم الاستقرار في المعاملات القانونية.

وتأسيسا على ما سبق، فإنه يجب التجسيد الفعلي للدفع بعدم دستورية القوانين في القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية المغربية، تحقيقا لمبدأ الشرعية وسيادة القانون.


[1] إن منطق الزمان يتسم بالصرامة وعدم القابلية لتجاوز زمن فصل الربيع ، وكل تجاوز لحدوده يؤدى إلى تحويره إلى خريف قاحل ، ولذا فليس من المعقول أن تستمر الشعوب العربية طيلة سنة أو سنتين مثلا في الربيع العربى.

[2] د. محمد رفعت عبد الوهاب ، رقابة القضاء الدستوري على دستورية القانون السنة 2010، دار الجامعة الجديدة الإسكندرية ، ص . 266 إلى270

[3] ينص الدستور المصري الحالي على أن “المحكمة الدستورية العليا جهة قضائية مستقلة مقرها مدينة القاهرة ، تختص دون غيرها بالفصل في دستورية القوانين واللوائح “.

[4] قانون المحكمة الدستورية العليا بمصر المعدل بالقانون رقم 168 لسنة 1998 أنظر دليل اتحاد المحاكم والمجالس الدستورية العربية.

[5] قانون المحكمة الدستورية العليا بمصر المعدل بالقانون رقم 168 لسنة 1998 نفس المرجع

[6] دليل اتحاد المحاكم والمجالس الدستورية العربية، ص207 و458، مرجع سابق.

[7] ذ. أحمد هبة ، موسوعة مبادئ المحكمة الدستورية العليا في الدعوى الدستورية، ط 1 ، السنة 1988 الدار العربية للموسوعات ، من ص . 106 إلى ص . 109.

[8] أنظر مجموعة الأحكام الدستورية المصرية العليا، مطابع المجموعة المتحدة ، دار الكتب القانونية المحلية الكبرى ، د. عوض حسن، ج. 9، ص. 911و912.

[9] د. أشرف فايز اللمساوى ، المبادئ الدستورية في التشريعات الوطنية، ط . 1، السنة 2010، المركز القومي للإصدارات القانونية ، القاهرة ، ص . 33 إلى ص . 35 بتصرف كبير

[10] القرار الصادر عن الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى بتاريخ 1995/10/12 تحت عدد 409 في الملف رقم 1995/1/5/406

[11] حكم المحكمة الإدارية بالرباط بتاريخ 1996/6/6 تحت عدد 673 في الملف 96/66 غ، للمزيد من الاضطلاع ، انظر المختصر العملي في القضاء والقانون، ذ. مصطفى الترتب، ط.1، السنة 2008، مطبعة الأمنية، الرباط

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
https://omg10.com/4/10825527
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading