في الدستور المغربي الجديد

ذ. أحمد مفيد

أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية

كلية الحقوق، جامعة سيدي محمد بن عبد الله

فاس، المغرب

إذا كانت الرقابة البرلمانية على العمل الحكومي، تعد أحد أهم مقومات الأنظمة البرلمانية، وشرطا أساسيا لتحقيق الديمقراطية، ووسيلة لمشاركة الأقلية في الحياة السياسية، وأداة فعالة للحد من استفراد الأغلبية بالسلطة واحتكارها، فإن تطبيقها بالشكل المتعارف عليه في الأنظمة العريقة في الممارسة البرلمانية، يختلف كثيرا عن واقع الرقابة المعتمدة في الدول غير الديمقراطية والدول التي تعيش حالة تحول ديمقراطي.

وهذا الوضع، يفرض ضرورة إعادة النظر في أدوار وصلاحيات البرلمان في مجال الرقابة على العمل الحكومي من أجل تحقيق الحكامة الديمقراطية، وتطبيق الديمقراطية التشاركية، وضمان فعالية القوانين والسياسات العمومية التي تتولى وضعها البرلمانات في الدول السائرة في طريق البناء الديمقراطي.

ومن أجل تحقيق ذلك، عمل المشروع الدستوري بالمغرب على تخويل البرلمان عدة صلاحيات في مجال الرقابة على العمل الحكومي، كما تم منح المعارضة بالبرلمان وضعية متميزة وحقوق متعددة، ويبقى الهدف الأساسي من ذلك هو النهوض بالعمل البرلماني، والرفع من جودة القوانين والسياسات العمومية التي يتولى البرلمان تشريعها، ورد الاعتبار للبرلمان كمؤسسة دستورية لازمة لتحقيق الديمقراطية التمثيلية الحقة وليس الشكلية.

ولإلقاء الضوء بشكل جلي على مختلف جوانب هذا الموضوع، سنتناول في المبحث الأول منه آليات الرقابة البرلمانية على العمل الحكومي بالمغرب، وفي المبحث الثاني سنتطرق لوضعية المعارضة بالبرلمان. ومن خلال كلا المبحثين سنعمل على تقييم الرقابة البرلمانية على العمل الحكومي بالمغرب، واستعراض الحلول والمقترحات التي من شأنها الزيادة من فعالية وجودة هذه المراقبة.

المبحث الأول

آليات الرقابة البرلمانية على العمل الحكومي

بالرجوع لمقتضيات الدستور المغربي الجديد [1]، نجده يتضمن النص على مجموعة من المقتضيات الجديدة المتعلقة بعمل مختلف المؤسسات الدستورية، والتي لم تكن واردة في الدساتير المغربية السابقة[2].

ففي مجال السلطة التشريعية، أصبح الدستور المغربي الجديد ينص على أن “يمارس البرلمان السلطة التشريعية”[3]، وذلك بعدما كانت هذه الأخيرة في الدساتير المغربية السابقة موزعة بين الملك والبرلمان والحكومة. فالتشريع في دستور 2011، أصبح اختصاصا شبه حصري للبرلمان، حيث توسع مجال القانون، ليرتفع من 30 مجالا في دستور 1996، إلى أكثر من 60 مجالا في الدستور الجديد.

وعرف توسع اختصاصات البرلمان في مجال التشريع، توسعا موازيا في مجال الرقابة على العمل الحكومي. وهذا ما يتجلى بشكل صريح من خلال المقتضيات التالية:

أولا: التنصيب البرلماني للحكومة

بالرجوع لمقتضيات دستور فاتح يوليوز 2011،يتبين بأن ممارسة الحكومة لمهامها  طبقا للدستور لا يمكن أن تتم إلا بعد تقديم البرنامج الحكومي أمام مجلسي البرلمان مجتمعين والحصول على ثقة الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم مجلس النواب. وهذا الشرط الدستوري يجعل من تعيين الملك لرئيس الحكومة وأعضاء الحكومة، مجرد إجراء أولي، يحتاج إلى ضرورة إتمامه بإجراء تنصيب البرلمان للحكومة.

وفي هذا السياق تجدر الإشارة الى الفرق الدستوري بين التعيين والتنصيب، فطبقا للدستور (الفصل 47) “ويعين الملك رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها، ويعين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها”. وهذا ما قام به فعلا الملك حينما كلف عبد الإله بن كيران بتشكيل الحكومة، وتم يوم الثلاثاء 3يناير 2012، تعيين رئيس وأعضاء الحكومة بشكل رسمي بالقصر الملكي بالرباط، وهذه الإجراءات هي فقط مجرد تعيين.

أما التنصيب، فلا يكون من قبل الملك، وإنما هو اختصاص مجلس النواب، الذي له الحق في التصويت على برنامج الحكومة التي يتولى رئيسها تقديمه أمام البرلمان بمجلسيه مجتمعين في جلسة واحدة (الفصل 88 من دستور 2011). وبناءا على نتيجة التصويت يمكن للحكومة أن تباشر عملها طبقا للدستور في حالة التصويت لفائدة البرنامج الحكومي بالأغلبية المطلقة للأعضاء الذي يتألف منهم مجلس النواب. أما في حالة العكس، أي عدم حصول البرنامج الحكومي على ثقة الأغلبية المطلقة لأعضاء مجلس النواب، فرئيس الحكومة يجب عليه أن يتقدم للملك باستقالة الحكومة استقالة جماعية، وفي هذه الحالة يمكن تكليف نفس رئيس الحكومة بتشكيل حكومة جديدة وصياغة برنامج حكومي جديد، كما يمكن اللجوء لخيارات أخرى.

وبناءا على ما سبق، يمكن القول بأن التأويل الديمقراطي لدستور فاتح يوليوز 2011، يفترض أن لا تبدأ الحكومة الجديدة في ممارسة مهامها الدستورية إلا بعد الحصول على ثقة مجلس النواب[4].

ثانيا: الأسئلة

في إطار العلاقات بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، نص المشرع الدستوري، على أن “تخصص بالأسبقية جلسة في كل أسبوع لأسئلة أعضاء مجلسي البرلمان وأجوبة الحكومة”[5]. والحكومة ملزمة بالجواب عن أسئلة أعضاء البرلمان خلال العشرين يوما الموالية لإحالة السؤال إليها. وجدير بالذكر بأن هذه الأسئلة الأسبوعية تتعلق أساسا بالقطاعات الحكومية المختلفة، ويتولى كل وزير أو من ينوب عنه من أعضاء الحكومة، في حال غياب الوزير المعني لسبب ما، تقديم الجواب في جلسة عامة علنية يتم نقلها عبر أمواج الإذاعة والتلفزة العمومية، وذلك بهدف إطلاع الرأي العام الوطني على ما تقوم به كل من الحكومة والبرلمان في مجالي عملهما كل على حدة.

أما الأسئلة المتعلقة بالسياسة العامة للحكومة، فالدستور المغربي الجديد ينص في الفقرة الثالثة من المادة 100 على أن “تقدم الأجوبة على الأسئلة المتعلقة بالسياسة العامة من قبل رئيس الحكومة، وتخصص لهذه الأسئلة جلسة واحدة كل شهر، وتقدم الأجوبة عنها أمام المجلس الذي يعنيه الأمر خلال الثلاثين يوما الموالية لإحالة الأسئلة إلى رئيس الحكومة”.

غير أن ما يلاحظ على جلسة الأسئلة الأسبوعية، خصوصا في ظل الدساتير السابقة، هو تكرار نفس الأسئلة تقريبا في كلا المجلسين، وتقديم الحكومة لنفس الأجوبة، مم جعل مسألة الثنائية المجلسية بالمغرب محل سؤال كبير، أدت إلى عدم متابعة المواطنين لأشغال البرلمان خلالها، كما أدت بالعديد من المهتمين بالشأن السياسي والدستوري إلى المطالبة بالتخلي عنها. لذا فالمأمول في ظل الدستور الجديد، الذي ميز في الاختصاص بين مجلسي البرلمان، أن يتم تجاوز هذا الأمر، وذلك من أجل الرفع من جدية وجودة العمل البرلماني في مجال الرقابة على العمل الحكومي.

وعموما فآلية الأسئلة الأسبوعية، أبانت عن محدودية تأثيراتها السياسية، حتى لا يصل الأمر فيها إلى مستوى إثارة المسؤولية السياسية كما هو الشأن في ملتمس الرقابة[6]. كما أن وجوب إدلاء الحكومة بجوابها على الأسئلة خلال العشرين يوما، يعتبر وجوبا معنويا، مادام لم يرتب المشرع جزاءا على مجاوزة الأجل الدستوري، ومادام لم يمكن البرلماني من وسيلة لمقاضاة الحكومة بسبب تأخرها أو حتى رفضها الجواب على الأسئلة. كما أن هذا الوجوب يضيع نتيجة الغياب المتكرر لأعضاء الحكومة بسبب أو بدون سبب[7]. وكل هذه الممارسات يفترض بطبيعة الحال أن تنقرض، احتراما لروح الدستور الجديد، وإيمانا بأهمية الرسالة والدور الذي تقوم به كل من الحكومة والبرلمان في ظل الأنظمة الديمقراطية، وكذلك في ظل الأنظمة الطامحة لأن تكون ديمقراطية.

ثالثا: طلب الثقة

بهدف التأكد من مواصلة الأغلبية البرلمانية، دعمها للعمل الحكومي، “يمكن لرئيس الحكومة أن يربط، لدى مجلس النواب، مواصلة الحكومة تحمل مسؤوليتها بتصويت بمنح الثقة بشأن تصريح يدلي به في موضوع السياسة العامة، أو بشأن نص يطلب الموافقة عليه”[8]. وواضح من خلال هذه المقتضيات، بأن طلب الثقة يكون بمبادرة من رئيس الحكومة، ولكن الموافقة عليها تكون فقط أمام مجلس النواب دون مجلس المستشارين، والسبب في ذلك يرجع لكون الدستور يجعل مجلس النواب هو المختص بتنصيب الحكومة بعد عرض البرنامج الحكومي مباشرة بعد التعيين الملكي لرئيس وأعضاء الحكومة. وقد نص المشرع الدستوري في الفقرتين الثانية والثالثة من الفصل 103 من الدستور الجديد على شروط صحة التصويت على طلب الثقة، حيث “لا يمكن سحب الثقة من الحكومة، أو رفض النص، إلا بالأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم مجلس النواب” و”لا يقع التصويت إلا بعد مضي ثلاثة أيام كاملة على تاريخ طرح مسألة الثقة”. وقد رتب المشرع الدستوري على سحب الثقة، ضرورة تقديم الحكومة لاستقالتها بشكل جماعي، وهذا ما يجعل من اللجوء لطلب الثقة أمرا خطيرا جدا، تترتب عنه مسؤولية سياسية كبيرة. ولكن في الممارسة العملية، ومادام طلب الثقة أمر اختياري غير إجباري، فإن رئيس الحكومة لن يلجأ عمليا لطلب الثقة إلا إذا كان متأكدا من موافقة الأغلبية المطلقة لأعضاء مجلس النواب على التصريح أو النص الذي تتقدم به أمام مجلس النواب. وتجدر الإشارة إلى أن هذا الإجراء تضمنته الدساتير السابقة، ولكن لم يسبق لأي وزير أول سابق أن استعمله.

رابعا: ملتمس الرقابة

إذا كان طرح الثقة يتم بمبادرة من رئيس الحكومة، فإن ملتمس الرقابة يكون بمبادرة من مجلس النواب بناءا على مقتضيات الفصل 105 من الدستور، الذي يصرح على أن “لمجلس النواب أن يعارض في مواصلة الحكومة تحمل مسؤوليتها، بالتصويت على ملتمس الرقابة، ولا يقبل هذا الملتمس إلا إذا وقعه على الأقل خمس الأعضاء الذين يتألف منهم المجلس”، و”لا تصح الموافقة على ملتمس الرقابة من قبل مجلس النواب، إلا بتصويت الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم”، و”لا يقع التصويت إلا بعد مضي ثلاثة أيام كاملة على إيداع الملتمس، وتؤدي الموافقة على ملتمس الرقابة إلى استقالة الحكومة استقالة جماعية”، و”إذا وقعت موافقة مجلس النواب على ملتمس الرقابة، فلا يقبل بعد ذلك تقديم أي ملتمس رقابة أمامه، طيلة سنة”.

ويبدو من خلال هذه المقتضيات بأن مجلس النواب، والذي يتم انتخابه عن طريق الاقتراع العام المباشر، ويتولى نصيب الحكومة من خلال الموافقة على برنامجها الحكومي، يتوفر على سلطات دستورية هامة في إطار الرقابة على العمل الحكومي. ويعد ملتمس الرقابة من أهم وأخطر الآليات التي يملكها البرلمان في هذا الصدد، وذلك بالنظر لما يترتب عن إعماله من نتائج سياسية خطيرة، تتجلى أساسا في إنهاء الوجود القانوني للحكومة، حيث تكون هذه الأخيرة ملزمة من الناحية الدستورية بتقديم استقالة جماعية، وذلك في حالة توفر الشروط القانونية المنصوص عليها في مقتضيات الدستور.

ولكن على الرغم من أهمية ملتمس الرقابة، فإن الشروط القانونية الواجب احترامها لإعماله، تعد شروطا معقدة، من الصعب إن لم يكن من المستحيل توفرها، ما عدا في حالة وجود انقسام حاد وغياب تام لانسجام داخل الأغلبية الحكومية. وهذا ما جعل ملتمس الرقابة لم يستعمل سوى مرتين فقط[9] في التاريخ الدستوري للمغرب، ولكنه لم ينجح وذلك لعدم توفر الشروط القانونية المنصوص عليها في الدستور.

وإضافة لملتمس الرقابة الذي يمارس من قبل مجلس النواب، يتوفر مجلس المستشارين على الحق في تقديم ملتمس لا تترتب عنه أية مسؤولية سياسية، وهذا ما تنص عليه المادة 106 من الدستور، والتي تقر بأن “لمجلس المستشارين أن يسائل الحكومة بواسطة ملتمس يوقعه على الأقل خمس أعضائه، ولا يقع التصويت عليه، بعد مضي ثلاثة أيام كاملة على إيداعه، إلا بالأغلبية المطلقة لأعضاء هذا المجلس”، و”يبعث رئيس مجلس المستشارين، على الفور، بنص ملتمس المساءلة إلى رئيس الحكومة، ولهذا الأخير أجل ستة أيام ليعرض أمام هذا المجلس جواب الحكومة، يتلوه نقاش لا يعقبه تصويت”.

ويبدو من خلال مقتضيات هذا الفصل، بأن ملتمس مجلس المستشارين، لا يمكن أن تترتب عنه استقالة الحكومة، حيث لا يكون متبوعا بتصويت. ويرجع السبب في ذلك لكون هذا المجلس لا يشارك في تنصيب الحكومة ومنحها الثقة، وبالتالي فلا يمكنه أن يسحب منها الثقة. كما أن حتى مجرد إعمال هذا الملتمس، لا يعد أمرا سهلا، وذلك بالنظر للأغلبية الواجب توفرها في المصادقة على تقديم هذا الملتمس وهي الأغلبية المطلقة.

وتثبت مختلف هذه المقتضيات، قوة الوسائل التي يتمتع بها مجلس النواب في إطار الرقابة على العمل الحكومي مقارنة بمجلس المستشارين في الدستور الجديد، وذلك على خلاف دستور سنة 1996، الذي كان يمنح لمجلسي البرلمان الحق في تقديم ملتمسات رقابة مواجهة الحكومة. وبهذا يمكن القول بأن دستور 2011 صحح أوضاع الرقابة البرلمانية، وأرجع الأمور إلى نصابها كما هو متعارف عليها في إطار الأنظمة البرلمانية.

خامسا: لجان تقصي الحقائق

يعد تكوين لجان نيابية لتقصي الحقائق، من أهم آليات الرقابة البرلمانية على العمل الحكومي، حيث “يناط ها جمع المعلومات المتعلقة بوقائع معينة، أو بتدبير المصالح أو المؤسسات والمقاولات العمومية، وإطلاع المجلس الذي شكلها على نتائج أعمالها”[10]. فطبقا لمقتضيات الدستور، يحق لكل ثلث أعضاء مجلس النواب وثلث أعضاء مجلس المستشارين، إضافة للملك، المبادرة بطلب تشكيل لجان نيابية لتقصي الحقائق. وقد نص المشرع الدستوري في الفقرة الثانية من الفصل 67 على أنه “لا يجوز تكوين لجان نيابية لتقصي الحقائق في وقائع تكون موضوع متابعات قضائية، مادام هذه المتابعات جارية، وتنتهي مهمة كل لجنة لتقصي الحقائق، سبق تكوينها، فور فتح تحقيق قضائي في الوقائع التي اقتضت تشكيلها”. وتنص الفقرة الثالثة من الفصل 67 على أن “لجان تقصي الحقائق مؤقتة بطبيعتها، وتنتهي أعمالها بإيداع تقريرها لدى مكتب المجلس المعني، وعند الاقتضاء بإحالته إلى القضاء من قبل رئيس هذا المجلس” و”تخصص جلسة عمومية داخل المجلس المعني لمناقشة تقارير لجان تقصي الحقائق”.

ومن خلال هذه المقتضيات الدستورية، يتضح جليا بأن تكوين لجان لتقصي الحقائق من قبل أحد مجلسي البرلمان، تعد مبادرة محدودة الوقع وقليلة الأثر. ويرجع السبب في ذلك أولا لرفع النسبة الواجب توافرها لتشكيل هذه اللجان رغم كونها قد انخفضت مقارنة مع دستور سنة 1996. وضرورة إيقاف التحقيق في أية وقائع معينة بمجرد فتح تحقيق قضائي، مع العلم بأن استقلالية ونزاهة القضاء مازالت مطروحة بحدة كبيرة. كما أن إحالة التقرير بعد انتهاء اللجنة من عملها على أنظار الجهات القضائية المختصة، لا يعد شرطا واجب الاحترام، وإنما هو مجرد إمكانية، يمكن اللجوء إليها، كما يمكن طي الملف ووضعه في رفوف المجلس الذي تشكلت في إطاره لجنة تقصي الحقائق، ويتم الاكتفاء فقط بعقد جلسة عمومية في المجلس المعني لمناقشة التقرير، دون أن تترتب عن ذلك أية نتائج سياسية قد تهدد استمرارية الحكومة في ممارسة عملها.

ويعد هذا التخوف مشروعا، إذا استحضرنا ما آلت إليه العديد من التقارير، التي أنجزت من قبل اللجان نيابية لتقصي الحقائق في ظل الدساتير السابقة، وفي قضايا مختلفة، كقضية أحداث فاس، وقضية مخيم اكديم إزيك بالعيون، وقضية القرض العقاري والسياحي، وقضية الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وقضية مكتب التسويق والتصدير…

سادسا: تقييم السياسات العمومية

يعد تقييم السياسات العمومية، من أهم الاختصاصات الجديدة التي نص عليها الدستور الجديد، وأناطها بالبرلمان، وهذا ما تنص عليه الفقرة الثانية من الفصل 70 من دستور 2011، والتي تصرح بأن “يصوت البرلمان على القوانين، ويراقب عمل الحكومة، ويقيم السياسات العمومية”، وفي نفس السياق، تنص الفقرة الثانية من الفصل 101 على أن “تخصص جلسة سنوية من قبل البرلمان لمناقشة السياسات العمومية وتقييمها”، هذا مع العلم بأن الفقرة الأولى من الفصل 101 تصرح بأن “يعرض رئيس الحكومة أمام البرلمان الحصيلة المرحلية لعمل الحكومة، إما بمبادرة منه، أو بطلب من ثلث أعضاء مجلس النواب، أو من أغلبية أعضاء مجلس المستشارين”. كما أقر الفصل 102 من الدستور على أنه “يمكن للجان المعنية في كلا المجلسين أن تطلب الاستماع إلى مسؤولي الإدارات والمؤسسات والمقاولات العمومية، بحضور الوزراء المعنيين وتحت مسؤوليتهم”.

وتجدر الإشارة إلى أن التقييم البرلماني للسياسات العمومية، شكل مطلبا من بين أهم المطالب التي وردت في مذكرات الأحزاب السياسية والهيئات النقابية والمنظمات المدنية، التي تم رفعها اللجنة التي كلفت من قبل الملك بإعداد مشروع الدستور الجديد. وهو ما تم فعلا، وفي ذلك تجاوب مع ما هو معمول به على المستوى الدولي في إطار الأنظمة البرلمانية، حيث لا تنتهي مهمة البرلمان بمجرد منح الثقة للحكومة وتنصيبها، وإنما يستمر عمله من خلال الرقابة على مدى التزامها بما سبق أن تقدم به رئيسها أمامه في أول جلسة عمومية يعقدها البرلمان مباشرة بعد تعيين رئيس وأعضاء الحكومة.

سابعا: الطعن في دستورية القوانين العادية

في إطار هذا السياق، يخول الدستور لمجموعة من الجهات الحق في التقدم بطعون في دستورية القوانين أمام المحكمة الدستورية، وهذا ما تقره الفقرة الثالثة من الفصل 132، التي تنص على أنه “يمكن للملك، وكذا لكل من رئيس الحكومة، أو رئيس مجلس النواب، أو رئيس مجلس المستشارين، أو خمس أعضاء مجلس النواب، أو أربعين عضوا من أعضاء مجلس المستشارين، أن يحيلوا القوانين قبل إصدار الأمر بتنفيذها، إلى المحكمة الدستورية، لتبت في مطابقتها للدستور”.

ومن خلال هذه المقتضيات، يتضح جليا بأن المشرع الدستوري يسر وسهل نوعا ما، مهمة الطعن في دستورية القوانين العادية، حيث تم تخفيض النصاب القانوني المتعلق بالطعون المقدمة من قبل أعضاء مجلسي البرلمان. فبعدما كان هذا النصاب محددا في دستور سنة 1996 في ربع أعضاء مجلس النواب وربع أعضاء مجلسي المستشارين، تم تخفيضه في ظل الدستور الحالي وحدد في خمس أعضاء مجلس النواب بدل الربع، وأربعين عضوا من أعضاء مجلس المستشارين بدل الربع أيضا. والغاية من هذا التخفيض في النصاب بطبيعة الحال، هي تيسير مهمة الأقلية والمعارضة في البرلمان، وتمكينها من ممارسة المهام المخولة لها بمقتضى الدستور والقوانين التنظيمية والقوانين الداخلية الجاري بها العمل، وذلك خصوصا بعدما كشفت الممارسة على صعوبة إن لم تكن استحالة توفر النصاب القانوني للطعن في دستورية مجموعة من القوانين العادية في إطار الدساتير السابقة[11].

ثامنا: مناقشة مشروع القانون المالي وقانون التصفية

طبقا للفصل 75 من الدستور، “يصدر قانون المالية الذي يودع بالأسبقية لدى مجلس النواب، بالتصويت من قبل البرلمان”،وتأتي أهمية القانون المالي من ارتباطه بمختلف السياسات العمومية ومختلف القطاعات الحكومية، وبالحياة اليومية للمواطن، وبنسبة الاستثمار ومعدل النمو… ولهذا فمناقشة القانون المالي تحظى باهتمام كبير من قبل كل الفاعلين من ملك وحكومة وبرلمان ومواطنين ومستثمرين…

غير أنه على الرغم من أهمية القانون المالي، فإن دور البرلمان بخصوصه، يعتبر متواضعا ومحدودا، حيث “يصوت البرلمان مرة واحدة على نفقات التجهيز التي يتطلبها في مجال التنمية، إنجاز المخططات التنموية الإستراتيجية، والبرامج متعددة السنوات، التي تعدها الحكومة وتطلع عليها البرلمان، وعندما يوافق على تلك النفقات، يستمر مفعول الموافقة تلقائيا على النفقات طيلة مدة هذه المخططات والبرامج، وللحكومة وحدها الصلاحية لتقديم مشاريع قوانين ترمي إلى تغيير ما تمت الموافقة عليه في الإطار المذكور”[12]. و”إذا لم يتم في نهاية السنة المالية التصويت على قانون المالية، أو لم يصدر الأمر بتنفيذه، بسبب إحالته إلى المحكمة الدستورية تطبيقا للفصل 132 من الدستور، فإن الحكومة تفتح بمرسوم الاعتمادات اللازمة لسير المرافق العمومية، والقيام بالمهام المنوطة بها، على أساس ما هو مقترح في الميزانية المعروضة على الموافقة”[13].

ومن خلال هذه المقتضيات الدستورية، يتضح جليا بأن اختصاصات البرلمان في المجال المالي جد محدودة، حيث يلزم بالتصويت مرة واحدة على نفقات التجهيز التي قدتهم عدة سنوات، ولا يمكنه إطلاقا تقديم أية مقترحات قوانين لتغيير ما تمت الموافقة عليه في هذا الصدد. كما أن تأخر البرلمان في المصادقة على القانون المالي، يعطي للحكومة إمكانية التصرف بشكل مريح وكأنه تمت الموافقة عليه. هذا مع العلم بأن “للحكومة أن ترفض، بعد بيان الأسباب، المقترحات والتعديلات التي يتقدم بها أعضاء البرلمان، إذا كان قبولها يؤدي بالنسبة لقانون المالية إلى تخفيض الموارد العمومية، أو إلى إحداث تكليف عمومي، أو الزيادة في تكليف موجود”[14].

ومن خلال هذه المقتضيات الأخيرة، يتضح بأن صلاحيات البرلمان في الرقابة على القانون المالي جد ضيقة، حيث يمكن للحكومة أن ترفض المقترحات الصادرة من البرلمان شريطة تحديد أساب الرفض وهو ما لا يعجز الحكومة، التي تكون غايتها هي ضمان المصادقة على القانون المالي كما تم عرضة على البرلمان دون زيادة أو نقصان، وهذا ما يجعل الدور البرلماني في مجال القانون المالي، دورا شكليا فقط.

وإضافة لقانون المالية، تتولى الحكومة عرض قانون التصفية على البرلمان بشكل سنوي، وهذا ما ينص عليه الفصل 76 من الدستور، الذي يصرح بأن “تعرض الحكومة سنويا على البرلمان، قانون التصفية المتعلق بتنفيذ قانون المالية، خلال السنة الثانية التي تلي سنة تنفيذ هذا القانون، ويتضمن قانون التصفية حصيلة ميزانيات التجهيز التي انتهت مدة نفاذها”. ويمكن اعتبار هذا الأمر من أهم مستجدات الدستور الجديد في المجال المالي، حيث لم تكن الحكومات في الدساتير السابقة تقوم بعرض قانون التصفية على البرلمان في السنة الموالية التي تلي تنفيذ القانون المالي. وهذا ما أدى إلى تراكم العديد من قوانين التصفية، وغالبا ما يتم عرضها بعد سنوات متعددة من نفاذ القوانين المالية المتعلقة بها، الأمر الذي يفقدها راهنيتها ودورها، ولا يؤثر في عمل الحكومة، حيث أن العديد من قوانين التصفية السابقة، عرضت في فترات لاحقة بعد انتهاء مهمة الحكومات التي تقدمت بقوانين المالية المعنية بها.

المبحث الثاني

الوضعية الدستورية للمعارضة البرلمانية

من بين أهم المقتضيات الجديدة في الدستور المغربي الجديد، والتي تستهدف النهوض بالعمل البرلماني، والعمل على تطويره وعقلنته ومأسسته، تلك المتعلقة بالمعارضة البرلمانية، حيث خصها الدستور بمكانة متميزة، وخولها العديد من الحقوق، كما جعل منها شريكا أساسيا في صناعة التشريع والرقابة على العمل الحكومي إلى جانب الأغلبية البرلمانية. وهذا ما يبدو جليا من خلال الفصل 10 من الدستور، الذي ينص على ما يلي:

“يضمن الدستور للمعارضة البرلمانية مكانة تخولها حقوقا، من شأنها تمكينها من النهوض بمهامها، على الوجه الأكمل، في العمل البرلماني والحياة السياسية.

ويضمن الدستور بصفة خاصة للمعارضة الحقوق التالية:

  • حرية الرأي والتعبير والاجتماع،
  • حيزا زمنيا في وسائل الإعلام العمومية يتناسب مع تمثيليتها،
  • الاستفادة من التمويل العمومي وفق مقتضيات القانون،
  • المشاركة الفعلية في مسطرة التشريع، لاسيما عن طريق تسجيل مقترحات قوانين بجدول أعمال مجلسي البرلمان،
  • المشاركة الفعلية في مراقبة العمل الحكومي، لاسيما عن طريق ملتمس الرقابة، ومساءلة الحكومة، والأسئلة الشفوية الموجهة للحكومة، واللجان النيابية لتقصي الحقائق،
  • المساهمة في اقتراح المترشحين وفي انتخاب أعضاء المحكمة الدستورية،
  • تمثيلية ملائمة في الأنشطة الداخلية لمجلسي البرلمان،
  • رئاسة اللجنة المكلفة بالتشريع بمجلس النواب،
  • التوفر على وسائل ملائمة للنهوض بمهامها المؤسسية،
  • المساهمة الفاعلة في الدبلوماسية البرلمانية، للدفاع عن القضايا العادلة للوطن ومصالحة الحيوية،
  • المساهمة في تأطير وتمثيل المواطنات والمواطنين، من خلال الأحزاب المكونة لها، طبقا لأحكام الفصل7 من هذا الدستور،
  • ممارسة السلطة عن طريق التناوب الديمقراطي، محليا وجهويا ووطنيا، في نطاق أحكام الدستور.

يجب على فرق المعارضة المساهمة في العمل البرلماني بكيفية فعالة وبناءة.

تحدد كيفيات ممارسة المعارضة لهذه الحقوق، حسب الحالة، بموجب قوانين تنظيمية أو قوانين أو بمقتضى النظام الداخلي لكل مجلس من مجلسي البرلمان”.

يتضح جليا من خلال مقتضيات الدستور المغربي الجديد، أن المعارضة البرلمانية تتمتع بوضعية دستورية متميزة، حيث بإمكانها بقوة الدستور أن تشارك في التشريع كما في الرقابة على العمل الحكومي، وهذا الأمر فيه رفع للحيف والتهميش الذي كان يمس المعارضة في ظل الدساتير السابقة. فالوسائل والآليات التي كان منصوصا عليها في الدساتير السابقة، لم تكن لتمكن المعارضة من القيام بمهامها، وذلك بالنظر للشروط المسطرية المعقدة والنصاب القانوني الكبير المتعلق بأهم آليات الرقابة كتكوين لجان نيابية لتقصي الحقائق، أو الطعن في دستورية القوانين العادية، وكذلك رئاسة إحدى اللجان البرلمانية الدائمة كلجنة العدل والتشريع…

وكل المقتضيات الدستورية السابقة الذكر، تؤكد بالملموس، بأن دستور 2011 شكل قطيعة مع الدساتير السابقة على عدة مستويات، من بين أهمها ما يتعلق بالرقابة البرلمانية على العمل الحكومي، ودور المعارضة في إطار النظام البرلماني المغربي الجديد.


[1] الصادر بمقتضى الظهير الشريف رقم 1.11.91 بتاريخ 29 يوليو 2011، الجريدة الرسمية، عدد 5964 بتاريخ 30 يوليو 2011.

[2] الدساتير التي عرفها المغرب قبل دستور 2011، هي: دستور سنة 1962 ودستور سنة 1970 ودستور سنة 1972 ودستور سنة 1992 ودستور سنة 1996.

[3] الفقرة الأولى من المادة 70 من دستور 2011.

[4] أحمد مفيد، “التأويل الديمقراطي للدستور”، جريدة الوطن الآن، العدد 546، بتاريخ 12 يناير 2012، ص.21.

[5] الفقرة الأولى من الفصل 100 من دستور 2011.

[6] رشيد المدور، العمل البرلماني في المغرب: قضايا وإشكالات، مطبعة طوب بريس، الرباط، الطبعة الأولى 2006، ص.73.

[7] رشيد المدور، نفس المرجع، ص.73.

[8] الفقرة الأولى من الفصل 103 من دستور 2011.

[9] تم تقديم ملتمس الرقابة مرتين وذلك خلال سنة 1964 وسنة 1990.

[10] الفقرة الأولى من الفصل 67 من دستور 2011.

[11] لم تتمكن المعارضة مجتمعة لسنتين متتاليتين من تقديم عريضة طعن إلى المجلس الدستوري سابقا، تتعلق بعدم دستورية قوانين المالية لسنتي 2005 و2006، رشيد المدور، مرجع سابق، ص.74.

[12] الفقرة الثانية من الفصل 75 من دستور 2011.

[13] الفقرة الثالثة من الفصل 75 من الدستور الجديد.

[14] الفقرة الثانية من الفصل 77 من دستور 2011.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading