و تكريس أزمة السياسة العقابية بالمغرب

د. نور الدين العمراني

أستاذ باحث بكلية الحقوق مكناس

تحتل العقوبة السالبة للحرية مكانة متميزة في النظام العقابي المغربي. فهي آلية محورية للجزاء الجنائي، وهي تقدم جوابا رسميا للظاهرة الإجرامية. وكما يكرسها ويحتضنها المشرع الجنائي، يطبقها القضاء على نحو من الاضطراد يكاد يصل حد “الإدمان” في معظم القضايا الجنائية ([1]).

وتشغل العقوبة السالبة للحرية قصيرة المدة تحديدا، مساحة هامة من النصوص الزجرية في ثنايا القانون الجنائي المغربي وبلغة الأرقام، فالجرائم المعاقب عليها بالحبس لمدة لا تتجاوز سنتين تمثل نسبة 35.68% من المجموع العام للجرائم المنصوص عليها في المجموعة الجنائية، أي ما مجموعه 147 نص جنائي ([2]). وهي نسبة لا يستهان بها، تعكس بالملموس حجم الاهتمام بظاهرة الإجرام البسيط ببلادنا، والذي لا يكتسي بطبيعته خطورة بالغة تصل حد تهديد أمن واستقرار المجتمع.

وإذا كانت غاية المشرع الجنائي المغربي من إقرار هذه العقوبات بالذات هي بالأساس الحد من تنامي هذا النوع من الإجرام من خلال الوظيفة الردعية للعقوبة السالبة للحرية –قصيرة المدة -مع الحرص على تقويم وإصلاح سلوك الجانين المحكوم عليهم، والحيلولة دون عودتهم للإجرام.

فهل وفق مشرعنا فعلا في اختياراته التشريعية؟ وهل تمكنت العقوبة السالبة للحرية قصيرة المدة من تحقيق الغرض الاجتماعي الذي قررت من أجله؟

إن الواقع ببلادنا -وللأسف -يشهد عكس ذلك. فوتيرة الإجرام البسيط في تزايد مستمر، ونسبة القضايا الجنائية المرفوعة أمام المحاكم بهذا الخصوص في خط تصاعدي ([3])، كما أن العود إلى الإجرام يعد من مظاهر فشل هذه العقوبة بالتحديد في أداء وظيفتها الإصلاحية والتقويمية، هذا فضلا عن تداعيات أخرى مرتبطة بهذه العقوبة زادت من تأزم الوضع العقابي. لتشكل بذلك-العقوبة السالبة للحرية قصيرة المدة -الحلقة الضعيفة في اختلال السياسية العقابية ببلادنا.

ما هي تمظهرات أزمة العقوبة السالبة للحرية قصيرة المدة؟ وكيف السبيل لتجاوزها؟ وهل من آليات بديلة لهذه العقوبة؟

هذا ما سنحاول مقاربته من خلال هذه الداخلة المتواضعة التي سنختمها باستنتاجات ومقترحات في الموضوع.

أولا: مظاهر أزمة العقوبة السالبة للحرية قصيرة المدة

يمكننا أن نرصد مظاهر التأثير السلبي لهذه العقوبة وتداعياتها فيما يلي:

تعد العقوبة السالبة للحرية قصيرة المدة من أهم العوامل التي تساهم في تفاقم اكتظاظ السجون ببلادنا ([4])، إلى جانب اللجوء المفرط للاعتقال الاحتياطي وغير خاف الانعكاسات السلبية الجمة لظاهرة الاكتظاظ، فهي تؤثر سلبا على مستوى التأطير، ومساحة الإيواء، والتغذية النظافة والرعاية الصحية اللازمة للسجناء. كما أنه في ظل هذا الاكتظاظ تبرز العديد من الظواهر السلبية، واستشراء سلوكات منحرفة بينهم؛ كترويج المخدرات، والابتزاز، والشذوذ الجنسي، وتعرض الحراس للاستفزازات والتهديدات من قبل السجناء لاسيما الخطرين منهم.  وعلى العكس فقد يحاول بعض السجناء استمالة أو ارتشاء الحراس ضعيفي الضمير للحصول على خدمات أو امتيازات أو للتغاضي عن التصرفات المشبوهة التي قد تصدر عنهم.

إن هذه العقوبة بحكم قصر مدتها لا تستوعب الهدف الأساسي من العقاب، وهو إصلاح وتأهيل الجانحين. فهي لا تكفي بطبيعتها لإصلاح هؤلاء واستفادتهم من البرامج التربوية التأهيل. فالأطر الساهرة على إعداد وتنفيذ برامج الإصلاح ألتأهيلي، لا تتمكن بسبب الاكتظاظ الذي يتجاوز-في كثير من الأحوال -الطاقة الاستيعابية للمؤسسة السجينة من جهة، وقصر مدة هذه العقوبة من جهة أخرى، من تطبيق هذه البرامج على النحو السليم، المتكامل والهادف ([5]). فبرامج الإصلاح لا يمكن إن تستثمر نتائجها خلال مدة زمنية قصيرة.

  • إن هذه العقوبة تؤدي إلى احتكاك المحكوم عليهم “المبتدئين” بالوسط السجنى وبعتاه المجرمين، والاختلاط بمن تعودوا على هذا الوسط، مع ما يتيحه ذلك من إمكانية اكتساب سلوكات انحرافيه أكثر خطورة، وتشبع بقيم فاسدة ومنحطة، وهوما يعزز فرص عودتهم مرة أخرى إلى درب الجريمة والسقوط في براثنها، وهوما يساهم في إفساد المنحرفين المبتدئين بدلا من إصلاحهم!

ينتج عن هذه العقوبة وصم المحكوم عليه بوصمة السجن. فهذا الأخير وبعد فترة انعزال عن المجتمع -وإن كانت قصيرة نسبيا-داخل السجن، يصبح بعد الإفراج عنه محلا للكثير من الإحباط والقلق والتخوف من النظرة الدونية للمجتمع ومن نبذ أفراده, في ظل واقع مجتمعي يحتقر وينفر حتى ممن قضى -ولو لشبهة -ليلة واحدة في مخفر الشرطة، فبالأحرى شهورا أوسنة أو أكثر في السجن.  وهو ما يجعل من مسألة إعادة إدماجه في النسيج الاجتماعي والاقتصادي أمرا مستعصيا، مما يجعله فريسة سهلة للجريمة والعودة إليها ثانية وقد تعززت لديه الميول الانحرافية والنوازع الإجرامية التي اكتسبها داخل السجن ([6]).

وهذه الأثار السلبية المترتبة عن هذه العقوبة لا تقتصر على المحكوم عليه، بل تمتد إلى أسرته التي تعاني هي الأخرى من تداعيات ذلك ([7]) بعد دخول أحد أعضائها -الذي قد يكون هو المعيل الوحيد لها-إلى السجن، مع ما قد يؤدي إليه ذلك من حرمان وتصدع وتفكك أسري -زيادة على التفكك المهني -وافتقاد الأسرة الشعور بالاستقرار والأمان وبالاعتبار الاجتماعي.

ليطرح التساؤل -وبحدة -حول جدوى الإبقاء على العقوبة السالبة للحرية قصيرة المدة، كما هو الشأن مثلا بالنسبة لمرتكبي الجرائم غير العمدية كالإصابة الخطأ (ف 433 ق ج)، وجرائم الإيذاء والعنف البسيط (ف 400 ق ج) وإهمال الأسرة (ف 479 ق ج)، وسرقة الأشياء الزهيدة القيمة التي تصل عقوبتها إلى سنتين حبسا فضلا عن غرامة تصل إلى 250 درهما (ف 506 ق ج)، هذا في الوقت الذي تختلس فيه أموال طائلة تعود للدولة تقدر بالملايير؟!

تستوقفني بالمناسبة بعض النصوص الزجرية التي تطرح أكثر من تساؤل حول جدوى العقوبات الحبسية التي تقررها.

فالفصل 532 من القانون الجنائي مثلا يعاقب بالحبس من شهر إلى ستة أشهر فضلا عن غرامة من 200 إلى 250 درهم، من طلب طعاما أو شرابا وتناوله كله أو بعضه في إحدى المحلات المعدة لذلك، حتى ولوكان من نزلائه، وهو يعلم أنه يستحيل عليه دفع ثمنه.

والواقع أن تقرير عقوبة سالبة للحرية إلى جانب غرامة مالية في نطاق هذا النص –على عموميته -يبقى محل نظر في اعتقادنا، وينطوي على تشدد لا مبرر له خصوصا عندما يتعلق الأمر بشخص أضناه الجوع وبات يفتك به، فلم يتردد في تناول وجبة -قد تكون خفيفة -لسد رمقه في محل معد لذلك، وهو يعلم أنه لا يملك مقابل ذلك الطعام. بالحكمة المشرع وبعد نظره!

وفي نفس السياق يقرر الفصل 329 القانون الجنائي عقوبة الحبس من شهر إلى 6 أشهر في حق كل متشرد ليس له محل إقامة معروف ولا وسائل للتعيش، ولا يزاول عادة أية حرفة أو مهنة، رغم قدرته على العمل ..

وهي نفس العقوبة التي تطال كل متسول تعود ممارسة التسول، وكانت لديه وسائل التعيش أو كان بوسعه الحصول عليها بالعمل أو بأية وسيلة مشروعة (الفصل 326 من القانون الجنائي).

والواقع يشهد ببلادنا بأن المتشردين، ضيوف الشوارع والأزقة والمحطات، وكذا المتسولين من مختلف الأعمار، أصبحوا يستعصون على العد في جل مدننا ([8]) وحتى قرانا، وهو ما جعلها جرائم معطلة في حكم الواقع، ووحدها المقاربة السوسيو اقتصادية المدروسة بحكمة وتعقل بعد نظر، كفيلة بمعالجة أوضاع هؤلاء وليس المقاربة الزجرية والأمنية التي تعتمد آليات الزجر التقليدية المتمثلة أساسا في العقوبة السالبة للحرية القصيرة المدة.

حاصل القول إن المراهنة على العقوبة السالبة للحرية القصيرة المدة كآلية رئيسية لمعالجة ظاهرة الإجرام البسيط، أبانت عن قصورها وفشلها، وساهمت بالتبعية في تكريس أزمة تعاني من تداعياتها السياسية العقابية ببلادنا إلى اليوم.

فكيف السبيل إذن لتجاوز هذا الوضع السلبي, وهل من تدابير وآليات بديلة لهذه العقوبة؟

ثانيا: سبل تجاوز أزمة العقوبة السالبة للحرية قصيرة المدة

يمكن في هذا الصدد اعتماد مقاربتين: الأولى تقوم على أساس تفعيل وتحيين آليات تدابير مقررة في صلب القانون الجنائي والمسطرة الجانية.

والمقاربة الثانية تروم اعتماد آليات بديلة للعقوبة السالبة للحرية القصيرة المدة، أسوة بما درجت عليه العديد من التشريعات الجنائية الحديثة.

  1. تفعيل الآليات البديلة القائمة

ثمة آليات يقررها المشرع الجنائي المغربي يمكن من خلال تفعيلها التقليص من اللجوء إلى العقوبات السالبة للحرية قصيرة، وبالتالي إتاحة إمكانية إذكاء الأمل في نفوس المحكومين بها لمعانقة الحرية من جديد، وإتاحة فرصة أكبر لاندماجهم. كما ثمة آليات بديلة للدعوى الجنائية تروم احتواء النزاع الجنائي في نطاق الجرائم البسيطة بطبيعتها.

وسنتطرق في هذا الصدد لكل من مسطرة الصلح الجنائي، ووقف تنفيذ العقوبة، والإفراج المقيد بشروط.

  1. مسطرة الصلح الجنائي

وهي آلية جديدة استحدثها المشرع المغربي لفض النزاعات الجنائية في إطار القضايا الجنحية البسيطة التي لا تستدعي بالضرورة إزعاج السلطات والقيام بإجراءات البحث والتحقيق، وما تتطلبه من وقت وجهه، وما يكتنفها عمليا من بطء وتعقيد في كثير من الأحوال.

فهذه المسطرة بذلك ترجح خيار التفاوض والتحاور بدل المتابعات الجنائية والأمنية، وذلك في إطار عدالة تصالحيه تؤدي إلى رأب الصدع وجبر الضرر، واحتواء النزاعات ([9])، وتجنب الأطراف كلفة المسطرة القضائية وتخفف من عبء القضاء دونما حاجة بالضرورة إلى المتابعة الزجرية، وما يترتب عنها من محاكمة قد تنتهي بإدانة المحكوم عليه بعقوبة سالبة للحرية.

وقد جاء النص على هذه الآلية الجديدة في المادة 41 من قانون المسطرة الجنائية – الذي دخل حيز التطبيق في أكتوبر 2003-وهي مقرر بالنسبة للجنح المعاقب عليها بسنتين حبسا أو أقل أو بغرامة لا يتجاوز حدها الأقصى 5000 درهم.  ويأتي الصلح بمبادرة من أطراف الخصومة الجنائية -المتضرر أو المشتكى به -الذي يطلب من وكيل الملك تضمين هذا الصلح في محضر، وفي حال موافقة هذا الأخير وتراضي الطرفين على الصلح، يحرر وكيل الملك محضرا بهذا الخصوص بحضورهما وحضور دفاعهما، ويحال على رئيس المحكمة ليقوم هو-أومن ينوب عنه-بالتصديق عليه بحضور ممثل النيابة العامة والطرفين أو دفاعهما بغرفة المشورة، بمقتضى أمر قضائي لا يقبل أي طعن.  ويتضمن هذا الأمر ما اتفق عليه الطرفان، وعند القتصاء أداء غرامة لا تتجاوز نصف الحد الأقصى للغرامة المقرر قانونا، وتحديد أجل لتنفيذ الصلح ..

على ان فكرة الصلح كما تبناها المشرع في إطار هذا النص تبقى بحاجة ماسة إلى تفعيل تحيين أكثر حتى لا تتسم بالقصور والتعقيد، وبالتطبيق الخجول لفلسفة الصلح ([10]) كماهي مكرسة في تشريعات جنانيه أخرى تبنتها وحرصت على تفعيلها وتعزيزها. وهذا يقتضي تبسيط مسطرة الصلح من خلال إضفاء المرونة والسرعة والبساطة في إنجازها حتى يتسنى استثمارها على أفضل وجه، مع تفعيل دور النيابة العامة في إطارها، بتخويلها إمكانية اقتراح الصلح بين أطراف النزاع واتخاذ المبادرة بشأنه ([11])، مع تعزيز هذه الآلية بنظام الوساطة التي تروم إيجاد حل ودي لمثل هذه النزاعات على غرار ما هو سائد في تشريعات مقارنة كفرنسا مثلا، مع توفير ضمانات الاستقلالية  والحياد فيمن يتولى هذه المهمة الاجتماعية النبيلة.

وفضلا عن مسطرة الصلح الجنائي، فقد خول قانون المسطرة الجنائية للنيابة، متى تعلق الأمر بجنحة من الجنح المنصوص عليها في المادة 41 الحق في التقدم بملتمس إيقاف سير إجراءات الدعوى العمومية، مالم يكن قد بث فيها بحكم نهائي (المادة 372 ق م ج).

2 -وقف تنفيذ العقوبة

ويعتبر من آليات تفريد العقاب، وبمقتضاه يجوز للمحكمة أن تأمر بإيقاف تنفيذ العقوبة المحكوم بها، كلما تعلق الأمر بجنحة يعاقب عليها بالحبس أو الغرامة، شريطة ألا تكون للمحكوم عليه سوابق جنائية، وأن تعلل المحكمة قرارها ([12]) (المادة 55 ق م ج)، ويتم إيقاف تنفيذ العقوبة خلال فترة زمنية محددة قانونا في خمس سنوات، حيث يتعين على المحكوم عليه ألا يرتكب خلالها فعلا معاقبا عليه قانونا،  وإذ فعل أصبح إيقاف التنفيذ كأن لم يكن، بحيث تنفذ في حقه العقوبة التي كانت موقوفة التنفيذ ثم العقوبة الثانية دون إدماج، بل ويتعرض للعقوبات المشددة بموجب حالة العود (المادة 56 إلى 58 من قانون المسطرة الجنائية).

وهذا النظام يساهم ولا شك في التخفيف من ظاهرة الاكتظاظ بالمؤسسات السجنية، ويجنب تنفيذ العقوبة السالبة للحرية القصيرة المدة، بما يترتب عنها من تداعيات وآثار سلبية سبقت الإشارة إليها، وإن كان ينطوي في حد ذاته على مجرد تهديد أو إنذار المحكوم عليه من قبل القاضي رئيس الجلسة بعدم ارتكاب جناية أو جنحة داخل الأجل الذي حدده القانون -5 سنوات -دون خضوعه خلال هذه الفترة الاختبارية لأي قيد أو تدبير، أو لرقابة أو إشراف على سلوكه.

3-الإفراج المقيد بشروط

مؤدى هذا التدبير إطلاق سراح المحكوم عليه بجناية أو جنحة نظرا لحسن سيرته داخل السجن، على أن يظل مستقيم السيرة، أما إذا ثبت عكس ذلك أو إذا أخل بالشروط التي حددها القرار بالإفراج المقيد، فانه يعاد إلى السجن ليتمم ما تبقى من عقوبته (ف 59 من القانون الجنائي) ([13]).

والملاحظ أن هذا التدبير هو مقرر بالنسبة للجنايات والجنح المعاقب عليها بعقوبة سالبة للحرية لمدد ليست بالقصيرة في كثير من الأحوال، كما أنه على المستوى العملي غير مفعل كما ينبغي. ولذلك يتعين تفعيل هذا التدبير بكيفية أكثر نجاعة  وفاعلية، تتيح إمكانية توسيع دائرة المستفيدين منه من جهة،  وتضفي مرونة أكثر على المقتضيات التشريعية المنظمة له، كتخفيض مدة العقوبة السالبة للحرية الواجب قضاؤها للاستفادة منه بالنسبة للجنايات  والجنح على حد سواء، وتوخي قدر من السرعة  والمرونة في معالجة الملفات المتعلقة به، مع الحرص على تفعيل دور قاضي تطبيق العقوبات في إطار هذا التدبير.

  • بدائل ال عق وبات السالبة للحرية القصيرة المدة

أمام قصور الآليات الزجرية التقليدية على تقويم وإصلاح سلوك المحكوم عليه وإعادة تأهيله حتى يسهل اندماجه في المجتمع، فقد أصبح البحث عن استراتيجيات بديلة للعقوبة السالبة للحرية -لاسيما القصيرة المدة -يفرض نفسه ضمن السياسة العقابية الحديثة. وسنقتصر في هذا الخصوص على بعض البدائل التي أبانت عن نجا عتها في معالجة ظاهرة الإجرام البسيط.

  1. القيام بعمل لصالح الم ن فعة العامة

يعتبر العمل من أجل المنفعة العامة travail d’interet general أنجع عقوبة بديلة للعقوبة الحبسية قصيرة المدة، وقد أخذت بها أول الأمر – حسب بعض الفقه – إنجلترا ([14])، ثم انتشرت في دول أخرى كالولايات المتحدة الأمريكية  وكندا، كما تبنتها بعض الدول الأوروبية كالبرتغال في نطاق القانون الجنائي لسنة 1982 (الفصل 60)،  وفرنسا بموجب قانون 10 يونيو1983،  وبلجيكا بمقتضى قانون 15 فبراير 1994، كما تبنت هذا البديل بعض الدول الإفريقية كزيمبابوي، و السينغال،  وزامبيا،  وكذا بعض الدول العربية كتونس سنة 1999،  والأردن سنة 1996.

وهو جزاء يقوم على أساس قيام المحكوم عليه -بموافقته طبعا-بعمل من أجل المصلحة العامة بدون مقابل، فهو ينفذ إذن في وسط المجتمع المدني، لأن إعادة الإدماج كهدف للعقوبة أمر متناقض-إلى حد كبير-مع بيئة السجن.  ويتم غالبا لفائدة الجماعات أو المؤسسات العمومية أو الجمعيات ذات النفع العام.

وعلى عكس التهميش الذي تنتجه العقوبات التقليدية، فان هذا العمل يعيد للمحكوم عليه اعتباره، وينمي لديه شعورا بالهوية والانتماء إلى أجزاء الجماعة التي يكتشفها ([15]).

وحتى تتحقق الغاية التربوية والبيداغوجية المتوخاة من اتخاذ هذا التدبير، فإنه يتعين على القاضي قبل الحكم به أن يأخذ بعين الاعتبار -إعمالا لمبدأ تفريد العقاب -شخصية المجرم وظروفه الاجتماعية والمهنية.

هذا ويلعب قاضي تطبيق العقوبات دورا أساسيا وحيويا في اختيار العمل من أجل المنفعة العامة وتحديد طرق تنفيذه.  ويتجلى هذا العمل عادة في تحسين وتهيئة المحيط بالتشجير أو بالتنظيف من الأعشاب الضارة، أو القيام بأعمال التضامن، أو إصلاح الخسائر الناجمة عن التخريب ([16]). ولا يعرف هذا الإجراء البديل تطبيقا في تشريعنا الجنائي الذي لا يزال وفيا للعقوبات السالبة للحرية رغم كل سلبياتها، وهذا على الرغم من الاهتمام والعناية التي بات يحظى بها من لدن الفقهاء والحقوقيين ببلادنا ([17])، حيث يمكن استغلاله في مشاريع التنمية المستدامة، كما أنه يوفر مبالغ مهمة لميزانية الدولة يمكن استغلالها في مجال تحسين الأوضاع المتردية التي تعيشها العديد من المؤسسات السجنية ببلادنا.

2-تأحيل النطق بالعقوبة مع الوضع تحت الاختبار

يعد هذا النظام من أساليب المعاملة العقابية ” المهذبة ” خارج المؤسسات السجنية، وهو يستهدف تأهيل المحكوم عليه وإصلاحه عن طرق وضعه تحت الإشراف والرقابة لمدة محددة مع احترامه للالتزامات المفروضة عليه -والتي تقيد بدورها من حريته -وتحسين سيرته وسلوكه خلال مدة الاختبار. فإذا انقضت هذه المدة دون أن يخل بالتزاماته، اعتبر الحكم الصادر ضده لا غيا، أما إذا أخل بهذه الالتزامات قبل انقضاء المدة، فان القاضي المختص يستبدل هذا التدبير حينئذ بالعقوبة السالبة للحرية ([18]).

ومن مزايا هذا النظام أنه يجنب المحكوم عليه مساوئ العقوبة السالبة للحرية قصيرة المدة، كما يخفف من ظاهرة الاكتظاظ التي تعرفها المؤسسات السجنية ببلادنا، وهو فوق هذا أسلوب معاملة يساعد على تأهيل المحكوم عليه وإصلاحه، ويبقي على الأواصر والروابط الأسرية والاجتماعية والمهنية لهذا الأخير.

قد أخذت بهذا النظام العديد من الأنظمة القانونية المقارنة، كالقانون الإنجليزي ([19]) والبلجيكي ([20])، والفرنسي بمقتضى قانون 6 غشت 1989، الذي خول إمكانية تمتيع المتهم بتأجيل النطق بالعقوبة مع الوضع تحت الاختبار ([21]).

3-الاعتقال في محل السكنى

وهو تدبير يتخذ خاصة في حق المرضى المحكوم عليهم بعقوبات سالبة للحرية، وذلك إسوة ببعض التشريعات؟ كالتشريع الفرنسي الذي أصدر قانونا بتاريخ 4 مارس 2002 يتعلق بحقوق المرضى المحكوم عليهم، كما أخذت إيطاليا بهذا النظام في حق المدمنين على المخدرات ([22]). وهذا النظام في اعتقادنا يجدر أن يطال أيضا ذوي الاحتياجات الخاصة كالمعاقين والعجزة ومن في حكمهم.

4-الحبس في نهاية الأسبوع أو الحبس الدوري

ومفاده أن المحكوم عليه عوض أن يقضي عقوبته الحبسية كاملة داخل السجن مع ما ينطوي عليه ذلك من تداعيات وآثار سلبية سبق التذكير بها، فإنه يقضي هذه العقوبة خلال نهاية الأسبوع فقط، على نحو يحافظ على أواصر الأسرة وعلى الروابط المهنية للمحكوم عليه.

5-تفعيل الغرامة ك بديل للعقوبة السالبة للحريم قصيرة المدة

إن الغرامة كعقوبة مالية إن كان عبؤها يبدو ثقيلا سيما بالنسبة للمحكوم عليه الفقير، فإنها مع ذلك أخف وطنا من العقوبة السالبة للحرية، كما أثبتت نجا عتها في تجنيب المجرم المدان الآثار السلبية المترتبة عن تطبيق العقوبة الحبسية عليه، هذا فضلا عن كونها تذر دخلا مهما للدولة على خلاف العقوبة السالبة للحرية التي تكلفها ميزانية ثقيلة.

يبد أن اللجوء إلى الغرامة كعقوبة مالية بديلة للعقوبة السالبة للحرية قصيرة المدة يقتضي وبالضرورة تقدير قيمتها بحسب وضعية المحكوم عليه الاقتصادية والاجتماعية، وعقلنة طريقة تنفيذها واستخلاصها.

وإلى جانب البدائل السابق عرضها، ثمة بدائل أخرى مقيدة للحقوق والمزايا القانونية المنصوص للأفراد. نذكر من بينها مثلا؟ سحب رخصة القيادة، ويلجأ إلى هذا التدبير في قضايا جنح ومخالفات قانون السير، ومنع المحكوم عليه من إصدار شيكات أو استخدام البطائق البنكية لمدة محددة، وسقوط الأهلية التجارية. .

حاصل القول إن العقوبة السالبة للحرية قصيرة المدة كألية تقليدية -زجرية-لمعالجة ظاهرة الإجرام البسيط أضحت متجاوزة، أبانت التجربة العلمية الميدانية عن محدودية نتائجها وتواضع حصيلتها، مما يستدعي إيجاد حلول واعتماد آليات بديلة، تساهم في إخراج النظام العقابي ببلادنا عموما، والعقوبات السالبة للحرية قصيرة المدة بخاصة، من الوضع المتأزم الذي تعانيه.

ثالثا: استنتاجات واقتراحات

إن كان لنا من استنتاجات نخلص إليها ومقترحات نطرحها في الختام، فإننا نود التأكيد على ما يلي:

  • إن إصلاح وتطوير السياسية العقابية ببلادنا إنما ينطلق من خلال رسم استراتيجية محكمة ومحددة الأهداف، تراعي الخصوصيات الوطنية، وتنهل من تجارب التشريعات الجنائية المقارنة، وتتلاءم والاتفاقيات الدولية.
  • عقلنة تفريد العقاب بصفة عامة، وأنسنته من أجل عقوبة ملائمة لخطورة الجريمة وشخصية مرتكبها، مع الحرص على الاتساق الموضوعي بين الأهداف المعلنة للعقوبة والوسائل والآليات الموظفة لهذا الغرض.
  • إن اللجوء إلى بدائل للعقوبة السالبة للحرية قصيرة المدة بالنسبة للجرائم البسيطة الأقل تأثيرا على الأمن والنظام العام، أضحى خيارا لا مندوحة عنه، تراهن عليه السياسات الجنائية الحديثة في إطار مكافحتها لهذا النوع من الإجرام ومعاملة الجانحين، وحري بالمشرع المغربي أن ينخرط بعزيمة وثبات في هذا المسار الإصلاحي. وفي هذا الصدد ثمة آليات يقررها التشريع الجنائي المغربي يتعين تفعيلها، وأخرى يحسن اعتمادها أسوة بما درجت عليه العديد من التشريعات الجنائية المعاصرة، لاسيما القيام بعمل لصالح المنفعة العامة.
  • تفعيل دور قاضي تطبيق العقوبة -كحلقة وصل بين القضاء والمؤسسة السجنية -وتخويله صلاحيات وسلطات نافذة أكثر تجعله وبحق عنصرا فاعلا في مجال تطوير السياسة العقابية ببلادنا، كتمكينه مثلا من تغيير طبيعة ومسار بعض العقوبات السالبة للحرية قصيرة المدة وإقرار بدائل لها، وإيقاف تنفيذ العقوبات السالبة للحرية في حق المرضى والعجزة، وتفريد البرامج الإصلاحية بالنسبة لكل محكوم عليه على حدة. وعموما تخويله صلاحيات تتجاوز مجرد المهام الاقتراحية والاستشارية إلى سلطة اتخاذ قرارات هامة في هذا الصدد.
  • تفعيل آليات الصلح والتسوية الودية والوساطة بالنسبة للنزاعات البسيطة التي لا تكتسي بطبيعتها خطورة على أمن المجتمع واستقراره.
  • إقرار قانون بشأن التخفيض التلقائي للعقوبة السالبة للحرية بالنسبة للمحكوم عليهم الذين برهنوا عن حسن السيرة والسلوك والانضباط داخل السجن، مع الحرص على ضمان رعايتهم اجتماعيا وتربويا وصحيا، وتشجيع إدماجهم حيث يشكل إعادة إدماج المحكوم عليهم عصب السياسة العقابية.
  • إن نجاح هذه البدائل رهين بتفهم القاضي لفلسفة هذه البدائل، وبتعاونه مع السلطات المعنية بالأمر، فلابد من تنسيق محكم بين من يحكم بها ومن يطبقها، هذا مع تحسيس مكونات المجتمع بجدوى هذه البدائل ورصد الإمكانيات المادية والبشرية المتطلبة لذلك. ./.

[1] هنا إذا استثنينا بعض القضايا الجنائية البسيطة بطبيعتها كالمخالفات التي يعاقب عليها بالاعتقال لمدة تقل عن شهر او بغرامة من 30 إلى 1200 درهم (الفصل 18 ق خ).

[2] بالنسبة للجرائم المعاقب عليها بالحبس ما بين ثلاث وخمس سنوات فيصل عدد نصوصها في صلب المجموعة الجانية 124 نص جنائي.

[3] حتى اواخر سنة 2004 مثلا بلغت نسبة المعتقلين في السجون المغربية المحكوم عليهم بعقوبات لا تتجاوز سنتين حبسا 57% من العدد الإجمالي لنزلاء السجون، وبلغ عدد المحكومين بعقوبات تتراوح ما بين سنتين وخمس سنوات 18. %. لاحظ في هذا الصدد الكلمة الافتتاحية لوزير العدل السابق -المرحوم بوزوبع -في المناظرة الوطنية حول السياسة الجانية بالمغرب واقع وآفاق، التي نظمتها وزارة العدل بمكناس أيام 9 إلى 11 دجنبر 2004. منشورات جمعية المعلومة القانونية القضائية سلسلة الندوات والأيام الدراسية العدد 5/2005. ص. 24.

وإلى حدود نهاية 2006 مثلا، بلغ عدد المعتقلين في قضايا الإجرام البسيط حوالي 7000 معتقل. انظر في ذلك النشرة الإحصائية الصادرة عن مديرية إدارة السجون وإعادة الإدماج لسنة 2006.

[4] في غياب إحصائيات رسمية حديثة العهد، يمكن القول بان العدد الإجمالي للمعتقلين في سجون المملكة -بمن فيهم المعتقلين الاحتياطي -لم يشهد تراجعا محسوسا يذكر منذ سنة 2004 التي وصل فيها عدد هؤلاء حوالي 60 ألف معتقل (58067 تحديدا). وهذا العدد يشكل نسبة مرتفعة تقارب 0،2%. بالنسبة لعدد السكان مقابل 0.1% بالنسبة لأغلب دول العالم. انظر مداخلة السيد مصطفى مداح حول موضوع: الوضع العقابي القائم: العقوبات السالبة للحرية وسياسة الإصلاح وإعادة الإدماج (معطيات إحصائية وتقييميه، قدمت خلال المناظرة الوطنية السابق الإشارة إليها ص 243.

[5] انظر في هذا المعنى: ذ. عبد الصمد الزعنوني: بدائل العقوبة السالبة للحرية. مقاربة قانونية. مكتبة دار السلام. الرباط 1999، ص 26. أيمن رمضان الزيني: العقوبة السالبة للحرية القصيرة المدة وبدائلها. دار النهضة العربية. القاهرة 2003. ص 43.

[6] بو جمعة الزناكي: بدائل العقوبات السالبة للحرية. الشغل من اجل المنفعة العامة. مجلة الإشعاع، يونيو، العدد 24/ ص 90.

[7] لطيفة المهداتي: الشريعة في تنفيذ العقولات السالبة للحرية. الشركة الشرقية للطبع. طبعة أولى 2005، ص 63.

[8] تنفيذ الإحصائيات التي قامت بها الرابطة المغربية لحماية الطفولة أن عدد المتسولين ببلادنا يبلغ أكثر من 500 ألف متسول محترف، انضاف إليهم في السنوات الأخيرة عدد لافت للانتباه من المتسولين القادمين من بلدان افريقية. الاحظ في هذا الصدد

جريدة العلم الصادرة في فاتح فبراير 2007. عدد 20642، السنة 60. ص 5، وصحيفة الصباح الصادرة في 6-7 فبراير 2007، السنة 7/ عدد 2096 (ملف خاص حول ظاهرة التسول ببلادنا). ولنتصور ان نصف عدد هؤلاء فقط 250 ألف متسول -صدرت في حقهم عقوبة سالبة للحرية قصيرة المدة، فلن تكفي سجون المغرب العربي كاملة لاستيعابهم ؟!

[9] انظر في هذا الصدد: أيمن رمضان الزيني: مرجع ص 66 بو جمعة الزناكي: مرجع سابق. ص 91. رشيد مشقاقة: دليل النيابة العامة في مسطرة الصلح الزجري. مكتبة دار السلام. طبعة أولى، مارس 2004. ص 16.

[10] ولعل هذا ما يفسر عجز مسطرة الصلح في تشريعنا عن تحقيق النتائج المرجوة وتواضع حصيلتها الميدانية، في وقت حققت فيه هذه التقنية نتائج هامة في عديد من الأنظمة القضائية المقارنة كما هو حاصل في فرنسا مثلا. لاحظ في هذا الصدد:

فريدة السموني: الصلح الجنائي كتقنية إجرائية بديلة عن المتابعة. مجلة الأمن الوطني. العدد 233، سنة 2003، ص 12-13.

[11] نور الدين العمراني: بدائل الدعوى العمومية: الصلع الجنائي نموذجا. مجلة الزيتونة للدراسات القانونية والاقتصادية والاجتماعية، مكناس، العدد الثالث 2007، ص 4-5.

[12] في هذا المعنى صدر قرار عن المجلس الأعلى بتاريخ 14 يونيو1988، قضى بايطال قرار حكم بإيقاف تنفيذ عقوبة السجن وذلك على أساس عدم جواز ذلك في الأحوال التي يحكم فيها بالسجن. انظر الملف الجنحي 23/18/87. منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى العدد 42-43، نونبر 1989، السنة 14، ص 252.

[13] حددت المواد من 622 إلى 632 من ق م ج الإجراءات الشكلية المرتبطة بهذا الإجراء

[14]– Marc.M : « TIG en droit penal compare », expose presente a la seance du 23 fevrier 1985 sur le travail d’interet general, R.P.D.P, n° 2, avril- juin 1985. p : 113.

[15] لطيفة المهداتي: مرجع سابق. ص 86.

Verin.J : Pour une nouvelle politique penale, collection Droit et Societe, n° 9, L.G.D.J, Paris 1994, P : 405- 406.

[16] بو جمعة الزناكي: مرجع سابق. ص: 93.

[17] للتذكير فقد سبق لوزارة العدل ببلادنا ان نظمت مناظرة بإفران بشراكة مع المنظمة الدولية للإصلاح الجنائي ما بين 14 و 17 نونبر 2000 لتدارس موضوع بدائل العقوبات السالبة للحرية، وكان من اهم البدائل التي خرجت بتوصيات بشأنها “العمل من اجل المصلحة العامة”

[18] رؤف عبيد: أصول علمي الإجرام والعقاب. دار الجيل للطباعة، مصر، 1989. ص 625. نبيه صالح: دراسة في علم الإجرام والعقاب. دار الثقافة. عمان، طبعة 1/2003، ص 290.

[19] تبني القانون الانجليزي هذا النظام منذ سنة 1887 ليتطور تطبيقه بعد ذلك، ثم انتقل إلى هولندا سنة 1915 وسويسرا سنة 1953، وألمانيا سنة 1953.

[20] تم تغيير هذا القانون بقانوني 10 فبراير 1994 و 11 يوليوز 1994.

[21] لاحظ في هذا الصدد:

Bouloc. B : « chronique legislative. Rev.sc, crim.dr.pen. Comp. 1990, p 133

لطيفة المهداتي: مرجع سابق. ص 84.

[22] أحمد كنون: البدائل للعقوبات السالبة للحرية القصيرة المدة. مجلة الندوة عدد 4. سنة 1988 ص 25 و26.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
https://hilltopads.com/?ref=356389
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading