إشكالية الضمانات المبتورة والتجاوزات المسكوت عنها

الأستاذ: حكيم التوزاني

باحث في سلك الدكتوراه، شعبة القانون الدولي العام

والعلوم السياسية، جامعة محمد الخامس-السويسي- المغرب

h.touzani@hotmail.fr

مقدمة:

يحتل القانون الدولي الإنساني حيزا كبيرا من مساحة القانون الدولي العـام؛ باعتبـاره مجموعـة مـن القواعـد القانونيـة الدولية الموضوعة بموجب معاهدات وأعراف متخصصة في حل المشاكل ذات الصفة الإنسانية، الناجمة مباشرة عن المنازعات المسلحة الدولية والغير الدولية، والتي تحد لاعتبارات إنسانية من حق أطراف النزاع في اللجوء إلى ما يختار ونه من أساليب للقتال وتحمي الأشخاص والممتلكات التي تصاب في النزاع[1].

وإذا كان من شأن اندلاع النزاعات المسلحة واستمرارها، أن تساهم في ارتكاب أبشع أنواع الجرائم الدولية بحـق البشـرية، بحيـث أن السـكان المـدنيون والمنشـآت المدنيـة هـم أول مـن يتعرضـون للأعمـال العدو انيـة المرتكبـة إبـان هـذه النزاعات. فإن المشرع الدولي استوجب ضرورة صياغة اتفاقية دولية قادرة على معالجة وضعية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة، مما تمظهر جليا في اتفاقية “جنيف” الرابعة المتعلقة بحماية المدنيين في وقت الحرب[2].

ويحمل مصطلح المدنيين في طياته معنى السكان المدنيين المقيمين على أقاليم الدول المتحاربة والسكان المـدنيين المقيمـين في الأراضـي المحتلة، وبنـاء عليـه؛ فالمـدني هو كـل شـخص لا يقاتـل[3] ولا يشـارك في القتـال[4]، وإذا ما أثـير الشـك حـول مـا إذا كـان مـدنيا أو عسـكريا فـترجح كفـة المـدني حسـب المـادة 50 مـن البرتوكـول الإضـافي الأول لسـنة 1977، وإذا كانت الاتفاقية الرابعة تتضمن حماية قانونية لحقوق المدنيين أثنـاء النزاعـات المسـلحة، إلا أنهـا تنطـوي علـى إشكالية:

كيفيـة تفعيل هذه الضـمانات القانونيـة في وضـعية النزاعـات المسلحة الدولية، بمقتضى اتفاقية ذات صياغة متحيزة أصلا، وواقع يعيش على التناقضات؟؟

إشكالية مبسطة لتساؤل مركب، يثير البحث عن: ما فائدة قانون بدون جزاءات، وما فائدة جـزاءات فـي ظل غياب آليات، وما فائدة الآليات في غياب تفعيلها..؟ !!

ومن خلال هذا التساؤل تتفرع عدة أسئلة جوهرية من قبيل.

  • ما هي الضمانات القانونية الممنوحة للمدنيين أثناء النزاعات المسلحة بمقتضى اتفاقية “جنيف” الرابعة؟
  • ما هي الثغرات القانونية التي تمكن الدول من اختراق مبادئ القانون الدولي الإنساني؟
  • كيف تنعكس الضمانات والاستثناءات القانونية على أرض الواقع؟

تساؤلات متعددة ومتنوعة في نفس الآن؛ ولا يمكن الإجابة عليها إلا بالاعتماد على المنهج القانوني لاستنباط الضمانات المكفولة للمدنيين بموجب اتفاقية “جنيف” الرابعـة والاسـتثناءات الـواردة عليهـا، ومنهجيـة دراسـة حالة للخروج من الحيز القانوني إلى الحيز التطبيقي، كل ذلك في ظل منهجية تركيبية لتحليل جدلية القانون الدولي الإنساني والسياسة الدولية في حماية الأشخاص المدنيين أثناء النزاعات المسلحة.

منهجية بإمكاننا دراستها وفق تقسيم ثنائي قادر على اختزال مختلف التساؤلات في إطار كتابة تحليلية متناسقة على أساس تخصيص المحور الأول لدراسة الضمانات القانونية لحماية الأشخاص المدنيين بمقتضى اتفاقية جنيف الرابعة، في حين سيخصص المحور الثاني للبحث في الثغرات القانونية المكرسة لانعدام الأمن القانوني لحماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة.

المحور الأول: حماية الأشخاص المدنيين بمقتضى الاتفاقية الرابعة .. ضمانات قانونية لقانون غير مضمون

حماية للأشخاص المدنيين من ويلات الحرب، خصص المؤتمر الدبلوماسي المعتمد يوم 12 غشت 1949 اتفاقية جنيف الرابعـة؛ المكونة مـن 159 مادة تحمل بين طياتها ما يمكن أن تستنبط منه بعض الضمانات الكفيلة بحماية المدنيين أثنـاء الحـروب. الشـيء الـذي يسـتوجب علينـا اسـتثمار مقتضـياتها. وفي إطـار هـذه الضـمانات يمكننـا أن نستنبط قواعد عامة وأخرى خاصة لحماية السكان المدنيين بمقتضى بنود الاتفاقية الرابعة.

ففيما يخص القواعد العامة المؤطرة للمدنيين أثناء الحروب؛ فيتمتع الأشخاص المحميين في جميع الأحوال بحق الاحترام لأشخاصهم وشرفهم وحقـوقهم العائليـة وعقائـدهم الدينيـة وعـاداتهم وتقاليـدهم. كمـا يسـتوجب معـاملتهم في جميع الأوقات معاملة إنسانية مع حمايتهم من أعمال العنف أو التهديد باستعماله، دون اللجوء إلى ما يمكن أن يصنف في دائرة السباب مع صرف فضول الجماهير عنهم[5].

واسـتقراءا لمختلف بنـود اتفاقية جنيـف الرابعة يمكن الوقـوف عند بعـض المحطات الأساسـية لكفالة الضمانات القانونية للمدنيين أثناء النزاعات المسلحة .شريطة الالتزام بعدم الاشتراك مباشرة في العمليـات العسكرية، مع الامتناع عـن القيام بدور فعال في المجهود الحربي، والعمل على الابتعاد قـدر الإمكان عن الأهداف العسكرية[6].

وتستهل هذه الضمانات بالاتفاق بين أطراف النزاع على الاعتراف المتبادل على المناطق الاستشفائية قصد حمايتها من أي قصف ممكن[7]، مع إمكانية إنشاء مناطق محايـدة في أقـاليم الاقتتـال لإسـعاف الجرحـى والمرضـى وتجميـع المـدنيين كصـيانة لـدوام[8]._ وكـأن الحرب تقـوم علـى الاتفـاق ويـتم تقييدها بـالأخلاق، لا بالمباغتـة والمكـر وترجيح كفة الأقوى في النزاع._

إلا أن هـذه الحمايـة تصبح ذات فعاليـة واقعية إذا مـا انسحبت علـى المراكـز الاستشفائية الـتي تضم بـين جدرانها جرحـى ومرضـى لا قـدرة لهـم علـى حمـل السـلاح _شـرط عـدم اسـتغلال هـذه المراكـز لأغـراض غـير استشـفائية[9]_، إلا أن حماية هذه المراكز تستوجب ضرورة انسحاب الحماية القانونية على موظفيها[10]، الساهرين على تطبيب ضـحايا النزاعـات ونقلهم من مراكز الاقتتال والأهداف العسكرية[11].

ولضمان حسن عملية التطبيب أوجبت المادة 23 من الاتفاقية الرابعة ضـرورة ضـمان حمايـة الأدويـة والأغذيـة، وكـل ما يمكن أن يسهل عملية التخفيف من معانـاة ضحايا النزاعات المسلحة._ دون أن تتكلم نفس الاتفاقية عن تنقل الأدوية أثناء عملية الحصار، أو في حالة رفض دولة الاحتلال لتسهيل هذه العملية بذريعـة الضـبط الأمـني_. إلا أن الاتفاقية الرابعة لم تقف عند هذا الحد بل حاولت كفالة حرية المراسلات الشخصية والعائلية[12].

هذا وقد رصدت الاتفاقية أحكاما عامة قابلة للتطبيق على أراضـي أطـراف النـزاع والأراضـي المحتلـة، وتـتلخص في الحماية الشخصية للمدنيين أثناء النزاعات المسلحة[13]، مع عدم تعريضهم لا لأخطار الحرب[14] ولا للإكراه البدني[15]، مع العمل على ضمان حرية تواصلهم مع هيئات الإغاثة[16]، دون المساس بالأشخاص المحميين بدعوى الانتقام أو اعتبارهم كرهينة…

أما فيما يخص دولة الاحتلال فمن واجبها أنسنة معاملتها للأشخاص المدنيين مع ضمان المحاكمة القانونية لتصرفاتهم[17]، هذا وتتحمل دولة الاحتلال تبعات الصيانة الواجبة للمنشآت الاستشفائية[18]، بل وضرورة تزويد الساكنة المحلية بالمؤن الغذائية والإمدادات الطبية[19]، أو على الأقـل تسـهيل عمليـات الإغاثـة لصـالحهم[20]. _وهنـا يطـرح التساؤل كيف يمكن لدولة معتدية أن تصون المنشآت وتحفظ الذوات !!!.

هذا وقد أوجب الفصل الرابع من الاتفاقية الرابعة ضرورة تغطية عملية التطبيب للمعـتقلات الـتي تكـون خاضـعة لإدارة ونظام المحتل، هذه المعتقلات التي لا يجب أن تقيد مـن حريـة المعتقـل في ممارسـة شـعائره الدينيـة وأنشـطته الذهنيـة وهواياته الرياضية[21]. _ حقوق لربما لا ينتفع بها المدني خارج أسوار المعتقلات، فكيف يمكن ضمانها في ظلها !!.

وفي إطـار دولـة المحتـل دائمـا أوجبت الاتفاقيـة الرابعـة بمقتضـى بنـود فصلها الثـامن، ضـرورة ربـط المحتجـزين بالعالم الخارجي عن طريق إبلاغ دولتهم عن احتجازهم وإمكانية مراسلة عائلاتهم وذويهم._ ولكن كيف يمكن ضمان حرية المراسلات للمعتقلين، في حين أن حرية التنقل للمدنيين غائبة تماما، أتنقل الرسائل وتمنع الذوات !!_.

إلا أن هذه الضمانات المكفولة للمعتقلين تبقى سارية المفعول ما لم يتم اختراق التشـريعات المعمـول بهـا فـي دولة الاحتلال، وفي الحالة هاتـه، يـتم اللجـوء إلى عقوبـات تأديبيـة وأخـرى جنائيـة تم التنصـيص عليهـا بمقتضـى الفصـل التاسع من نفس الاتفاقية. إلا أن هذه الضمانة في عمقها تنم عن رغبة المشرع في نسف مفهوم المقاومة ترسيخا لمشروعية قوات الاحتلال، إذ تم تطويق المقاومة بضرورة الانصياع لقوانين دولة الاحتلال حتى يتسنى لهم إمكانية الاستفادة من ضمانات مبتورة من جذورها !!.

كما كفلت الاتفاقية الرابعة للمعتقلين إجراءات نقلهـم وتـرحيلهم ودفـنهم إن اقتضـى الأمـر تكريمـا للميـت. مـع تشريح طبي. دون أن تحدد الاتفاقية جنسية الطبيب الذي يكون غالبا من جنسية دولة المحتل، الشـيء الذي يمكن التشكيك في أسباب موت المعتقل.

ونظرا للوضعية الاستثنائية المرتبطة بالجرحى والمرضى وكذا العجزة والحوامل أثناء النزاعات المسلحة، خصصت لهم حماية خاصة[22]، بحيث تتمتع النساء بحماية خاصة في إطار القانون الدولي الإنساني، والجدير بالذكر أن اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 إضافة إلى بروتوكوليها الإضافيين لعام 1977، تضمنت تسعة عشر حكما تنطبق تحديدا على النساء. وتتسم هذه القواعد بأهمية محدودة ويستهدف العديد منها حماية الأطفال في الواقع[23]، والغرض من الاتفاقيـات عمومـا هـو ضـمان حمايـة خاصـة للنسـاء الحوامـل والأمهـات المرضـعات وبصـورة عامـة للأمهـات، وعلـى الـرغم مـن أهميـة هـذه الحمايـة، إلا أن أحكـام اتفاقيـات جنيـف لا تـراعـي إطلاقـا نوعيـة المشـكلات الـتي تتعـرض لهـا النسـاء في زمن النزاعات المسلحة، كما أنها لا تأخذ في الحسبان أن المصاعب التي تحدقن لا تقتصـر علـى دورهـن كأمهـات أو علـى ضـعفهن إزاء العنـف الجنسـي .كمـا أن أحكـام البروتوكـولين لم تـأت بجديـد فيمـا يتعلـق بحمايـة النسـاء بصـورة عامـة حيث إنها استمرت في تركيز الاهتمام على النساء الحوامل وأمهات صغار الأطفال والحماية من العنف الجنسي[24].

ممـا يثيـر التسـاؤل حـول ما فائـدة تقنـين الحقـوق بضـمانات قانونيـة بالإمكان تجاوزهـا مـن خـلال الثغـرات القانونية، أو التبريرات السياسية أو شرعنه هذه التجاوزات بطابع قانوني ذات صبغة دولية؟؟؟

بحيـث أن اتفاقية جنيـف الرابعة جاءت كاسـتجابة للظرفية الاسـتثنائية التي أنتجتها الوضـعية الدولية في أعقاب الحرب العالمية الثانيـة، إذ أن الآثـار المهولـة الـتي خلفتهـا هـذه الحـرب في صـفوف المـدنيين مـن قتلـى وجرحـى ومعطـوبين، ناهيك عن الآثار النفسية والتخلف الاقتصادي والانهيار السياسي لبعض الدول…

أسباب حركت همة المجتمع الدولي لأنسنة الحروب، من خـلال تقـديم تقـارير سـنوية ومـذكرات دوريـة ومقترحـات قانونية، على ضوء مؤتمرات دولية ومنتديات عالمية أربكت خطط الدول العظمى آنذاك. وكاستجابة لهذه المطالب حاول المشرع الدولي في صورة الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، أن تحتضن هذا المشروع المطلبي من خلال اتفاقيات جنيف الأربع بصفة عامة واتفاقية جنيف الرابعة بشكل أخص.

ولكن هل هذه الضمانات تستجيب للمتطلبات المدنية والحقوق الأساسية أثناء النزاعات المسلحة، أم أنها منحة تقدَّمـا الطـرف الأقـوى للطـرف الأضـعف لإسـكاته أولا، وسـد الفـراغ القـانوني في هـذا المجال الـذي مـن شـأنه أن يحرج الدول الكبرى ثانيا، بل والعمل على شرعنه الأعمال الغير مشروعة فطريا !!.

المحور الثاني: الثغرات القانونية و الضمانات المنسوفة المعنى

القانون الدولي الإنساني كفرع من فروع القانون الدولي العام لم يسلم من التحيز في عملية الصياغة، مما أثر سلبا على الضمانات السالفة الذكر من خـلال ثغرات قانونية قادرة على نسف روح القانون الدولي الإنساني والأهداف المرجوة من تطبيق نصوصه.

فبمقتضى اتفاقية جنيف الرابعة تم إغفال التحديد المفـاهيمي لمصـطلح المـدنيين، والطبقـات المكونـة لـه، باسـتثناء ما جاء في المادة الثالثة المشتركة، وعلى إثر ذلك حاولت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن تتجاوز هذه الثغـرة القانونيـة باقتراح تعريف السكان المدنيين سنة 1956 بكوم جميع الأشخاص الذين لا يمتون بصلة إلى أفـراد القـوات المسـلحة أو التنظيمات المساعدة أو المكملة لهـا، أو للأشخاص الذين لا ينتمون للقوات المشار إليها في الفقرة السابقة، ولكنهم يشتركون في القتال[25].

إلا أن هذا التعريف أبان عن نقصه عندما عجز عن استيعاب تمييز السكان المدنيين في بعض الحالات عن الافراد الذين يتواجدون وقتيا في حالة عسكرية، كما يستبعد المدنيين المرتبطين ببعض المجهودات الحربية كالعمال في المصانع، كما يدخل بعض العسكريين في عداد المدنيين..[26]، ليتم تجاوز هـذا الإكـراه بمقتضـى البرتوكـول الإضـافي الأول لسنة 1977 في مادتـه الخمسـون بتعريـف مقتضـب للمـدنيين، إلا أن هـذا التعريـف كـان سـلبيا[27]. بحيـث المعيـار المعتمـد عليه في هذا البرتوكـول يقـوم علـى أسـاس عـدم المشـاركة المباشـرة أو الفعليـة في الأعمـال العدائيـة، فقـد أشـارت المـادة علـى الفئات المقاتلة والفئات المشاركة مباشرة في الأعمال العدائية، وبالتالي هي حددت فئة المقاتلين وما عـداهم مـدنيين[28]. ونتيجة هذا الغياب لعملية التنصيص على التحديد القانوني لمفهوم السكان المدنيين، كان هناك أثر كبير على انتهاك حقوقهم وتعرضهم لأبشع صور المعاناة والجرائم والإبادة الجماعية[29].

وعلى هذا الأساس تؤكد الإحصائيات بـأن عدد القتلى في النزاعات المسلحة التي اندلعت منذ اعتم اد اتفاقيات جنيف، تفوق عـدد الذين قتلوا خلال الحرب العالميـة الثانيـة، ووصلت نسبة المدنيين مـن القتلى في بعض الحالات إلى 90%[30] .

أما فيما يخص أهم الضمانات المكفولة للمدنيين السـابق ذكرهـا، فهـي تبقـى نسـبية في ظـل عمليـة الاحـتلال، إذ تنسف مختلف هذه الضمانات بمقتضى إخلال المدني بأمن دولة الاحتلال[31]، وكأن الاحتلال هو القاعدة والاستثناء هو مخالفة قوانينها.

هذا وقد تم تقييد حري ة المراس لات المكفولـة بمقتضى المادة 25 من الاتفاقيـة الرابعة بنفس المادة، بذريعة “الضرورة”؛ دون أن يتم تحديد مفهـوم الضرورة أو حصـر عناصرها، مما قـد يعطي لدولة الاحتلال رخصة تجاوز الضمانات باسم الضرورة.

أما الحماية الخاصة المخولة للفئات الهشة، سيما فئة النساء التي منحتها المادة 27 من اتفاقية جنيف الرابعة حماية خاصة ضد أي اعتداء على شرفهن خاصة ما يتعلق بالاغتصـاب والإكـراه علـى الـدعارة أو أي هتـك لحـرمتهن، وبـالرغم مـن كـون هـذه المـادة تمثـل اعترافـا بـأن الاغتصـاب أمـر غـير مقبـول في فـترات النزاعـات المسـلحة إلا أنهـا لم تعـترف بجسـامة أو خطـورة هـذه المشـكلة، ففـي الواقـع لا يـدخل هـذا الحكـم في إطـار نظـام المخالفـات الجسـيمة للقـانون الـدولي الإنساني-وهو النظام الذي يسمح بملاحقة ومعاقبة الأشخاص الذين لم يحترمـوا أحكام ـا خاصـة مـن الاتفاقيـات-. كمـا أن هذه الحماية لا تأخذ في الحسبان المصاعب التي تحدق بالنساء لا تقتصر علـى دورهـن كأمهـات أو علـى ضـعفهن إزاء العنف الجنسي[32].

وفيمـا يخص نقـل المدنيين إلى دولة طـرف في اتفاقية جنيف، تم إعطـاء دولة الاحتلال السـلطة التقديرية لتقييم قدرة الدولة التي من المفترض فيهـا أن تستقبل المدنيين ما إذا كانت لها حسن نية تطبيق بنود مواثيق القانون الدولي الإنسـاني أم لا[33]. هـذا وقد مكنـت المادة 49 مـن الاتفاقية الرابعـة دولـة الاحتلال إمكانيـة الإخلاء[34] الجزئـي أو الكلي لمنطقة محتلـة بذريعة أمن وسلامة الساكنة المدنية[35]، الشيء الـذي ينسف روح مبدأ “حضر النقـل الجبري للسـكان المـدنيين”. بـل وتم اسـتعمال مصطلحات مطاطـة في الفقـرة 3 من المـادة 49 مـن قبيـل “إلى أقصى حـد ممكـن” و “ما لم يتعذر ذلك” مما يترك هامشا كبيرا لسلطات الاحتلال التي تقوم بعمليات الاجلاء، ما يجعلها تحتمي وراء عدم دقة الصياغة القانونية مما يخول لها إمكانية التنصل من مسؤولياتها بموجب منطوق اتفاقية جنيف الرابعـة الـتي تظهـر أحـد اوجـه انعدام الأمن القانوني في مستواه الدولي.

وباسم الضـرورة، يمكن الاستيلاء على الأماكن الاستشفائية من طرف دولة الاحتلال إذا لم تكن حسب تقديرها ضرورية للمدنيين[36]، كيف وهي الخصم والحكَم في نفس الآن، وكيف لا تستولي عليها وقد استولت على الأراضي القائمة عليها مختلف البنايات، الشيء الذي يؤكد بأن القانون الدولي الإنساني لا يعدو أن يكون إلا قانونا مشرعنا للعدوان، بمعية القوى الضاغطة على الأيادي المحررة لبنوده آنذاك.

أما فيما يخص القسم الثالث من الاتفاقية القيد الدرس، فقد تم تخصيصه للأراضي المحتلة؛ لا لشـيء إلا لشـرعنة الاحتلال، والـدليل علـى ذلـك هـو إمكانيـة تطبيـق قـوانين دولـة الاحـتلال علـى السـكان المـدنيين قبـل المحتجـزين، ومـن لم يخضع للقوانين الجزائية المنصوص عليها في المادة 64، يجوز لدولة الاحتلال أن تحاكمهم في محاكمها العسكرية[37].

هـذا وقـد ساهمت اتفاقيـة جنيف الرابعـة في نسف مبـادئ المقاومة، مـن خلال إجازتهـا لدولة الاحـتلال إمكانية توقيع الجزاءات على كل من خولت له نفسه للتطاول على منشآتها وممتلكاتها[38]. ولإضفاء الشرعية على مواثيق القانون الدولي الإنساني من جهة، والاحتلال من جهة ثانية، خولت نفس الاتفاقية المشرعنة للاحتلال إمكانية محاكمة المعتدي على منشآت المحتل، محاكمة قانونية[39]!! الشيء الذي يتعارض مـع المنطـق والواقـع علـى حـد سـواء، إذ كيف يمكن التكلم عن محاكمة قانونية من طرف دولة الاحتلال، وبمقتضى قوانينها وعلى ضوء اتهاماتها وأمام قضاتها !! لم تكتفي الاتفاقية الرابعة ذه الرخص الممنوحـة لدولـة الاحـتلال، بـل ذهبـت إلى حـد منحهـا إمكانيـة اعتقـال الأشخاص المدنيين استجابة للتدابير الأمنية.. !!

خـاتمة

وعلى ضوء ما قد سلف، يمكننا أن نستخلص أن اتفاقية جنيف الرابعـة تتضـمن ثغـرات قانونيـة بإمكـان الـدول ذات القدرة على المراوغة الجيدة أن تستغلها بضمانة الشرعية الدولية.

إلا أن هذه الثغرات في إطار الممارسة الواقعية في حقـل العلاقـات الدوليـة؛ انتقلـت مـن الاسـتثناء إلى القاعـدة، إذ لا يمكن أن يتكلم المدنيون عن حقوقهم قبل الالتـزام بواجبـاتهم، أمـا الضـمانات القانونيـة المكفولـة للمـدنيين، فتطبـق وفـق ميزان الكيل بمكيالين؛ إذ أن قتل شخص في لبنان يسـتدعي إقامـة محكمـة خاصـة للتحقيـق فـي القضـية ومحاكمـة مقترف الجريمة، أما إبادة شعب بأكمله في ظل حصار مكلل بالتـدمير الحربـي فـي أرض فلسـطين، لـيس إلا حقـا مـن حقـوق دولـة الاحـتلال فـي اسـتتباب الأمـن، وقطـع جـذور مـا تسـميهم بالإرهـابيين المهـددين للأمـن والسلم الدوليين !!

الشيء الذي يحيل على أن القانون ليس إلا مرآت لقوة مـن صـاغه، حتـى وإن سـلمنا أن هنـاك ضـمانات ذات قوة إلزامية، إلا أن الإرادة الالتزامية تبقى غائبة.

ولربما كانت تجاوزات الولايات المتحدة الأمريكية للقانون الدولي العام بصفة عامة والقانون الدولي الإنساني بصفة خاصة في العراق لخير دليل على فقدان الارادة الالتزامية في الممارسة الدولية[40]، وبنفس الحدة يمكن استجلاء إمكانية التفصيل القانوني عل مقاس دولة الاحتلال في الانتهاكات التي مست قطاع غزة مؤخرا.

مما يؤكد على أن القـانون الـدولي الإنسـاني، لا يـزال في مر حلـة البحـث عـن شخصـيته وذاتيتـه الـتي تسـمح لـه بـأن يعتبر كنظام متكامل ومتماسك جيدا من المبادئ والقواعد والمؤسسات القانونية[41].

وبما أن القانون والمجتمع وجهان لعملة واحدة[42]. فـإن هـذه التحـديات لا يجـب أن تكـون معوقـات، بـل صـعوبات معينة على جميـع الأطـراف ذات الصـلة أن تدرسـها وتحللهـا كـي تجـد لهـا حلـولا ومخـارج، مـع ضـرورة السـعي إلى تنزيـل هـذه الضمانات القانونية وتفعيل آليات حمايتها قبل مراجعة تشريعاتها القائمة، بالمقارنة مع الالتزامات التعاقدية للدول، بحيث أن المشكلة الأساسية لا تختزل في القانون فقط، بل في عدم احترامه أيضا.

هذا وتستدعي الضرورة إلى تنظيم دورات متخصصة لقطاع المجتمع المدني والمؤسسات الإعلامية، لإحداث التكامل المنشود في مجال نشر أحكام القانون الدولي الإنساني بين الأوساط الرسمية والعسكرية والأوسـاط غـير الرسميـة لمـا لها من دور فعال في هذا الشأن. وذلك قصد موائمة مبادى القانون الدولي الإنساني في القوانين الوطنية مع مراعاة التحديات الطبيعة المتغيرة للنزاعات المسـلحة والغمـوض المتزايـد لخطـوط التمييـز بـين المقـاتلين والمـدنيين. إذ أصـبح المـدنيون شيئا فشيئا يشاركون في أنشطة ذات صلة وثيقة بالقتال الفعلي. وفي الوقت ذاته، لا يميز المقاتلون دائما أنفسـهم بوضـوح عن المدنيين، فلا يرتدون الزي العسكري ولا يحملون السلاح علنا، بل إم يختلطون بالسكان المدنيين، ويُستخدم المدنيون دروعا بشرية أيضا.

هـذا ويجب الالتفات إلى تزايد عدم التكافؤ الذي يطبـع النزاعات المسلحة المعاصرة، بحيث أصبحت الفروق بين الأطراف المتحاربة، ولا سيما في ما يتعلق بالقدرات التكنولوجية والعسكرية أكثر وضوحا من السابق. وربما يُنظر إلى الامتثال لقواعد القانون الدولي الإنساني بأنه يخدم طرفا واحدا في النزاع على حساب الطرف الآخر. وفي أسوأ الأحوال، ينتهك الطرف الضعيف عسكريا القواعد الأساسية للقانون الدولي الإنساني، في وجه خصم أشد قوة، في محاولة لتحقيق التوازن، هذا بغض النظر عن التحديات الجديدة التي تواجه احترام القانون الإنساني في ظل تنامي الثورات الشعبية ذات المنحى المسلح من خلال تحديد وضعية المتطوعين لحماية الشرعية والمنقلبين وحماة المسار الانتقـالي وسجناء الرأي و… وبما أن نسبة النزاعات المسـلحة داخل الدول أصبحت تتصاعد مقارنة بالحروب التقليدية بين الدول، فإن التمييز بين الفئات المحاربـة والمدنيـة آخـذ في الـتقلص، خاصـة أن معـايير التمييـز بـين المقـاتلين والغير مقاتلين تكاد تنعدم.


[1] – منشورات اللجنة الدولية للصليب الأحمر، القواعد الأساسية للقانون الدولي الإنساني، تموز جنيف، 1985، ص.15.

[2] – المؤرخة بيوم 12 غشت 1949.

[3] – العلمي محمد بن غانم، عبيدات يوسف، مجموعة كتاب ندوة القانون الدوالي الإنساني. توافق أم تمايز، سلسلة نحو ثقافة إنسانية(4)، الهلال الأحمر القطري، مطابع دار الشرق، الطبعة الأولى 2004، الدوحة، قطر، ص.46.

[4] – عبد الكريم علوان خضير، الوسيط في القانون الدولي العام، الكتاب الثالث: حقوق الانسان، مكتبة الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، الطبعة الأولى، 1997، ص .258.

[5] – المادة 27 من اتفاقية جنيف الرابعة لسنة 1949.

[6] – الشلالدة محمد فهاد، القانون الدولي الإنساني، توزيع منشأة المعارف بالإسكندرية، طبعة 2005، ص.169.

[7] – المادة 14 من اتفاقية جنيف الرابعة لسنة 1949.

[8] – المادة15 من اتفاقية جنيف الرابعة لسنة 1949.

[9] – المادة 19 من اتفاقية جنيف الرابعة لسنة 1949.

[10] – المادة 20 من اتفاقية جنيف الرابعة لسنة 1949.

[11] – المادة 22 من اتفاقية جنيف الرابعة لسنة 1949.

[12] – المادة 25 من اتفاقية جنيف الرابعة لسنة 1949.

[13] – المادة 27 من اتفاقية جنيف الرابعة لسنة 1949.

[14] – المادة 28 من اتفاقية جنيف الرابعة لسنة 1949.

[15] – المادة 31 من اتفاقية جنيف الرابعة لسنة 1949.

[16] – المادة 30 من اتفاقية جنيف الرابعة لسنة 1949.

[17] – المادة 71 من اتفاقية جنيف الرابعة لسنة 1949.

[18] – المادة 56 من اتفاقية جنيف الرابعة لسنة 1949.

[19] – المادة 55 من اتفاقية جنيف الرابعة لسنة 1949.

[20] – المادة 59 من اتفاقية جنيف الرابعة لسنة 1949.

[21] – الفصل الخامس من اتفاقية جنيف الرابعة لسنة 1949.

[22] – المادة 16 من اتفاقية جنيف الرابعة لسنة 1949.

[23] – جوديت. ج. غردام، النساء وحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، في كتاب: دراسات في القانون الدولي الإنساني، دار المستقبل العربي، القاهرة، طبعة 2000، ص .177.

[24] – قصي مصطفى عبد الكريم تيم، مدى فاعلية القانون الدولي الإنساني في النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية، رسالة لنيل الماجستير في القانون العام، كلية الدراسات العليا، جامعة النجاح الوطنية، نابلس-فلسطين، 2010، ص.31.

[25] – زكريا عزمي، من نظرية الحرب إلى نظرية النزاع المسلح، رسالة الدكتوراه، جامعة القاهرة، 1978، ص .262.

[26] – قصي مصطفى عبد الكريم تيم، مدى فعالية القانون الدولي الإنساني في النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية، رسالة الماجستير في القانون العام، كلية الدراسات العليا، جامعة النجاح الوطنية، نابلس-فلسطين، 2010، ص ص .18-19.

[27] – تنص المادة 50 من البرتوكول الإضافي الأول على أن: “1- المدني هو أي شخص لا ينتمي إلى فئة من فئات الأشخاص المشار إليها في البنود الأول والثاني والثالث والسادس من الفقرة (أ) من المادة الرابعة من الاتفاقية الثالثة والمادة 43 من هذا الملحق “البروتوكول”. وإذا ثار الشك حول ما إذا كان شخص ما مدنيا فإن ذلك الشخص يعد مدنيا.

2- ندرج في السكان المدنيين كافة الأشخاص المدنيين.

3- لا يجرد السكان المدنيون من صفتهم المدنية وجود أفراد بينهم لا يسري عليهم تعريف المدنيين.”

[28]– جمعة شباط، حماية المدنيين والأعيان المدنية وقت الحرب، أطروحة الدكتوراه في القانون العام، جامعة القاهرة، 2003، ص 111- 112.

[29]– الشلالدة محمد فهاد، القانون الدولي الإنساني، مرجع سابق ص. 160.

[30]– فرانسواز كريل، حماية النساء في القانون الدولي الإنساني، د. ب. ن، نوفمبر /ديسمبر 1985، ص. 06.

[31] – المادة 5 من اتفاقية جنيف الرابعة لسنة 1949.

[32]– أمزيان جعفر، مبدأ التناسب والأضرار الجوارية في النزاعات المسلحة، مذكرة لنيل شهادة الماجستير في القانون الدولي العام، جامعة مولود معمري-تيزي وزو، كلية الحقوق، الجزائر،2011، ص .92.

[33]– المادة 45 من اتفاقية جنيف الرابعة لسنة 1949.

[34]– يجب التمييز هنا بين الإجلاء أو الإخلاء الذي يفترض فيه أن يكون إجراء مؤقتا، على عكس النقل القسري هدفه مصلحة الأشخاص المحميين أنفسهم، سواء للمحافظة على أمن وسلامة السكان أو يتم لأسباب عسكرية ملحة، عكس الإبعاد القسري الذي يهدف لتحقيق مصالح لسلطة الاحتلال تتحقق بالإبعاد القسري للسكان المدنيين من محل إقامتهم المشروعة، مع ملاحظة أن الطرف الأقوى في هذه المعادلة هو دولة الاحتلال، على عكس السكان المدنيين الذين يمثلون الطرف الأضعف في هذه المعادلة لذا فهم بأمس الحاجة للحماية من التجاوزات التي قد ترتكبها سلطات الاحتلال في حقهم.

راجع في هذا الصدد:

  • وليد بن شعيرة، الترحيل والإبعاد القسري للمدنيين في ضوء القانون الدولي الإنساني، مذكرة لنيل شهادة الماجستير في العلوم القانونية، تخصص القانون الدولي الإنساني، جامعة الحاج لخضر- باتنة، الجزائر، كلية الحقوق، قسم العلوم القانونية، 2009-2010، ص .41.
  • رشاد السيد، “الإبعاد والترحيل القسري في ضوء القانون الدولي الانساني، “المجلة المصرية للقانون الدولي، المجلد 51، 1995، ص.254.

[35]– راجع المادة 49 من الاتفاقية الرابعة لسنة 1949.

[36]– راجع المدة 57 من اتفاقية جنيف الرابعة لسنة 1949.

[37] – المادة 66 من اتفاقية جنيف الرابعة لسنة 1949.

[38] – المادة 68 من الاتفاقية الرابعة لسنة 1949.

[39] – – المادة 71 من اتفاقية جنيف الرابعة لسنة 1949.

[40] -في هذا الصدد راجع:

– محمد محفوظ ولد العبادي، العلاقة بين القانون والواقع في “الحرب” على العراق، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون العام، جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، الرباط، أكدال، السنة الجامعية: 2003/ 2004

[41] – زهرة الهياض، تطبيق القانون الدولي الإنساني في النزاعات الداخلية “حالة الحرب الأهلية”، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون العام، جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية والاقتصادية، الرباط، أكدال، السنة الجامعية: 1994/ 1995.ص.225.

[42] – د. محمد صبحي نجم، الوجيز في علم الإجرام والعقاب، مكتبة دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، ط/2، 1991م، ص 7.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading