د. عبد الحق أخو الزين

قاضي بالمحكمة الإدارية بالرباط

مقدمة

يقتضى التدبير الجيد للشأن العام ترشيد الإدارة لمواردها المالية، وإقرار نظام مؤسساتي وقانوني كفيل بضمان حماية فعالة للمال العمومي، وفي هذا الإطار عمل المغرب على إحداث مؤسسات تستهدف الغاية المذكورة، من قبيل المجلس الأعلى للحسابات، المجالس الجهوية للحسابات[1]، وأقسام متخصصة في الجرائم المالية بمحاكم الاستئناف[2]، فضلاً على أن هناك مؤسسات قضائية أخرى وبحكم نظرها في قضايا لها ارتباط بالمال العام، منخرطة في تكريس آليات حماية المال المذكور ونخص بالذكر هنا المحاكم الإدارية، باعتبار أن القاضي الإداري ملزم خلال ممارسته لمهامه بالتقيد بمبادئ الشفافية واحترام القانون والمصلحة العامة وتكريس اجتهادات قضائية تروم إرساء قواعد الحكامة الجيدة وضمان الأمن المالي[3].

وإذا كانت الأسباب التي تحكمت في إحداث قضاء إداري متخصص، ترتبط في مجملها بقضية إعادة النظر في العلاقة التي كانت تحكم الدولة بمواطنيها تدعيما لدولة القانون، وذلك من خلال تأمين حقوق الأفراد من كل تجاوز أو تعسف محتمل من السلطات الإدارية[4]، فإن القضاء الإداري لم يذهب إلى حد الشطط في حماية حقوق الأفراد والتضحية بحقوق الإدارة، بل إنه عمل على الموازنة بين المصلحتين العامة والخاصة وفي حالة التعارض بينها اهتدى القضاء الإداري، باعتبار دوره الانشائي للمبادئ القانونية[5]، إلى ترجيح الأولى على الثانية، كما أن هامش الاجتهاد الممنوح له دفعه إلى إقرار مبدأ حماية المال العام، مما يستوجب منا بيان مفهوم المال المعنى بهذه الحماية.

إذا كان الاجتهاد الفقهي قد وضع بعض المعايير لتحديد مفهوم المال العام[6]، فإن بيان ماهية المال موضوع حماية القضاء الإداري يكتسي بعض الخصوصية، بحيث أنه يشمل جميع الأملاك المخصصة لاستعمال المرفق العام وكذا المخصصة لاستعمال الجمهور سواء كانت قابلة للتملك الخصوصي أو لم تكن قابلة لذلك، طالما أنها تستهدف النفع العام، فضلا على أن المصلحة العامة تقتضي ضمان حماية لأملاك العائدة للإدارة في شموليتها، بغض النظر عما إذا كانت خاضعة لقواعد الحماية المدنية المشار إليها أعلاه لذلك فإن حماية القضاء الإداري تمتد إلى سائر الأموال التي تديرها لإدارة حتى ولو كان السير العادي للمرفق العام لا يتوقف عليها.

ونؤكد في هذا الإطار أن طبيعة الحماية التي يوفرها القضاء الإداري للمال العام تتجلى في مراعاته للمنفعة العامة التي يستهدفها الملك العام، وذلك خلال بته في المنازعات المرتبطة بذلك المال حيث يستند على بعض القواعد الاجتهادية لتأمين تلك الحماية بدون هدر لحقوق الأفراد، عما أن أغلب الاختصاصات المسندة إلى المحاكم الإدارية لها ارتباط مباشر بالمال العام، وقد تولى الفصل الثامن القانون المحدث لمحاكم الإدارية تحديد تلك الاختصاصات على النحو الآتي:

  • النزاعات المتعلقة بالعقود الإدارية.
  • دعاوى التعويض عن الأضرار التي تسببها أعمال ونشاطات أشخاص القانون العام، ما عدا الأضرار التي تسببها في الطريق العام مركبات أيا كان نوعها يملكها شخص من أشخاص القانون العام.
  • النزاعات الناشئة عن تطبيق النصوص التشريعية والتنظيمية المتعلقة بنزع الملكية لأجل المنفعة العامة.
  • الدعاوي المتعلقة بتحصيل الديون المستحقة للخزينة العامة.
  • النزاعات الناشئة عن تطبيق النصوص التشريعية والتنظيمية المتعلقة بالمعاشات ومنح الوفاة المستحقة للعاملين في مرافق الدولة والجماعات المحلية والمؤسسات العامة وموظفي إدارة مجلس النواب وموظفي إدارة مجلس المستشارين.
  • النزاعات الناشئة عن تطبيق النصوص التشريعية والتنظيمية المتعلقة بالضرائب.
  • النزاعات المتعلقة بالوضعية الفردية للموظفين والعاملين في مرافق الدولة والجماعات المحلية والمؤسسات العامة.

هذا وتتجلى أهمية هذا الموضوع، من الناحية النظرية في نذرة البحوث العلمية التي تناولت موضوع تعامل القضاء الإداري مع المال العام، بحكم الاعتقاد السائد بكون القضاء الإداري إنما أنشئ بهدف تحصين حقوق الأفراد في مواجهة الإدارة، وأن الاختصاصات الموكولة إليه ليس لها ارتباط بالمال العام، كما أن الملك العام محمي من قبل مؤسسات أخرى أنشئت لهذا الغرض، لذلك نجد أن أغلب الكتابات تقارب موضوع القضاء الإداري في علاقته بحريات وحقوق الأفراد[7]، فضلاً على أن موضوع البحث يجد أهميته النظرية كذلك في بيان القواعد الاجتهادية التي أسس لها القضاء الإداري بهدف تأمين الحماية للمال العائد للإدارة، وإبراز حدود تلك الحماية في سبيل إثارة انتباه العاملين في القضاء والإدارة إلى ضرورة الاهتمام بالموضوع وتجاوز الاكراهات المتسببة في هدر المال العام.

وبخصوص الأهمية العملية للموضوع، فتتمثل في تطور عدد القضايا المعروضة على المحاكم الإدارية، وخاصة المنازعات المرتبطة بالمال العام، وتزايد الأخطاء المرتكبة من طرف العاملين في مرافق الدولة، والتي من شأنها أن تكلف الميزانية العامة أموالا باهضة نتيجة الأحكام القضائية الصادرة في دعاوى المسؤولية الإدارية العقود الإدارية[8]، فضلا على الاختلالات المتواترة التي ضمنها المجلس الأعلى في تقريره خلال سنة 2010 والمرتبطة على وجه الخصوص بكفاءة الموارد البشرية وتدبير الصفقات العمومية[9]، كما أن الإصلاح الدستوري الذي عرفه المغرب[10] مكن من خلق دينامية جديدة على مستوى الرقابة على المال العام، من خلال إرساء العديد من مبادئ الحكامة الجيدة[11]، مما أصبح معه القضاء الإداري مدعو إلى الانخراط في دعم المبادئ المذكورة، وخاصة مبدأ حماية المال العام وذلك خلال بته في المنازعات المعروضة عليه والتي لها ارتباط بذلك المال، الأمر الذي يؤكد الأهمية العملية للموضوع.

وإذا كان القضاء الإداري لا يتدخل تلقائيا لحماية المال العام، وإنما يمارس ذلك الدور حين عرض المنازعات الإدارية عليه، فإن أهم الإشكاليات التي يثيرها الموضوع تتعلق بمدى تعارض هذا المسلك القضائي مع البت العادل والمتوازن في القضايا المثارة، ومعاملة أطراف الدعوى على قدم المساواة؟، بل إن الغاية التي أنشئ من أجلها القضاء الإداري، وكذا طبيعة المنازعات الإدارية تقتضي من القاضي الإداري إيلاء عناية خاصة بحقوق الأفراد، طالما أنهم يوجدون في منزلة غير متكافئة مع الإدارة، فهل يشكل جنوح القضاء الإداري إلى توفير رعاية خاصة للمال العام تحولا في العمل القضائي؟.

إن الدور الاجتهادي للقاضي الإداري في مجال المنازعات الإدارية يستوجب بيان القواعد التي أسس لها في سبيل ضمان رعاية للمال الذي تديره الإدارة، وإبراز مدى نجاعتها، من جهة، في تحقيق تلك الغاية ومن جهة أخرى، في ضمان التوازن ما بين مصالح الإدارة ومصالح خصومها، وذلك باعتماد قضاء المحكمة الإدارية بالرباط كنموذج.

ثم إن العناية الخاصة التي يتعين أن يحظى بها المال العام من قبل القضاء الإداري تطرح تساؤلا بخصوص حدود تلك العناية، وما إذا كانت هناك تطبيقات قضائية غير منضبطة لذلك التوجه؟ علما أن مبدأ حماية المال العام يمكن أن يصطدم كذلك ببعض السلوكات الصادرة عن الإدارة الناتجة إما عن سوء إدارة أموالها أو المس بحقوق الأفراد أو خرق القواعد القانونية، بحيث قد يجد القاضي الإداري نفسه أمام مواقف يتعذر معها حماية ذلك المال ولو أعمل دوره الإبداعي في خلق القواعد الاجتهادية فضلا على أن طريقة تدبير الإدارة للمنازعات الإدارية، سيما المرتبطة منها الملك العام، وكذا تعاملها مع المقررات القضائية تثير التساؤل بخصوص مدى توفر إدارة حقيقية في ترشيد المال العام والحفاظ عليه؟.

اعتبار لذلك، وجوابا على الأسئلة المثارة أعلاه ارتأينا اعتماد تقسيم ثنائي، بحيث سنفرد المبحث الأول لبيان الآليات التي استند إليها القضاء الإداري لحماية المال العام، أما المبحث الثاني فسنخصصه لإبراز حدود تلك الحماية، لنختم الموضوع بإثارة مجموعة من المقترحات الهادفة إلى تأمين وتقوية الحماية المذكورة.

وهكذا سنعتمد التصميم الآتي:

المبحث الأول: آليات حماية القضاء الإداري للمال العام – قضاء المحكمة الإدارية بالرباط نموذجا-

المبحث الثاني: إكراهات حماية المال العام من قبل القضاء الإداري.

المبحث الأول: آليات حماية القضاء الإداري للمال العام – قضاء المحكمة الإدارية بالرباط نموذجا-

بالنظر للغاية التي يرصد لها المال العام والمتمثلة في المنفعة العامة، كان من الطبيعي أن يخصه المشرع بتنظيم قانوني يكفل حسن تدبيره، يضمن شفافية إنفاقه، كما هو الشأن بالنسبة للمرسوم المؤطر للصفقات العمومية، وتبنيا لنفس التوجه، فقد عمل القضاء الإداري المغربي على إيلاء عناية خاصة للمال العام من خلال تشديده على ضرورة التقيد بالإطار القانوني للعقود الإدارية التي تندرج في إطار الصفقات العمومية – المطلب الأول – كما استند خلال بته في بعض المنازعات المرتبطة بالمال العام على علة المصلحة العامة كآلية لإضفاء حماية خاصة على هذا الأخير – المطلب الثاني -.

المطلب الأول: فرض التقيد بالنظام القانوني للصفقات العمومية:

اعتبارا لارتباط الصفقات العمومية بتدبير الشأن العام، وبحكم أنها تشكل اللبنة الأساسية لتلبية حاجات الإدارة، وبالنظر لأهمية موضوعها المتمثل في إنجاز أوراش كبرى أو تقديم خدمات وإنجاز توريدات، فإن إطارها القانوني يخضع لبعض المبادئ الرامية إلى ترسيخ الشفافية والحفاظ على مصالح الإدارة والقطاع الخاص، في إطار شراكة متوازية يتوخى منها إنجاز أعمال بجودة عالية، وبتكلفة مناسبة، فضلا على الرغبة في تخليق الحياة العامة ومحاربة كل الممارسات المرتبطة بأفعال الغش والرشوة.

تبعا لذلك، فقد سن المرسوم المؤطر لها الصادر بتاريخ: 5 فبراير 2007[12] قواعد خاصة لإبرامها [13] مما جعل رقابة القضاء الإداري على إعمال مقتضيات القانون المذكور تتوخى من جهة ضمان شفافية إبرام عقد الصفقة العمومية – الفرع الأول – ومن جهة أخرى ضمان حسن تنفيذ وإنهاء ذلك العقد – الفرع الثاني -.

الفرع الأول: رقابة القضاء الإداري على شفافية إبرام عقد الصفقة العمومية:

بالإطلاع على المرسوم المؤطر للصفقات العمومية يتضح أن المشرع يسعى إلى تكريس مبدأ الشفافية في إبرام العقود الإدارية المندرجة في إطار الصفقات العمومية.

ونشير هنا إلى أن الضمانات القانونية لحماية مبدأ الشفافية في نظام صفقات الدولة لا تغني في شيء عن رقابة القضاء الإداري على صحة مسطرة إبرام عقد الصفقة، باعتبار أن الغاية منها هو تأمين حسن استعمال المال العام، لذلك نجد أن الرقابة القضائية تمتد إلي الإجراءات الممهدة لإبرام عقود الصفقات – أولا – كما أن الشواهد القضائية في هذا المجال تؤكد إثراء العمل القضائي للمحكمة الإدارية بالرباط للضمانات المذكورة من خلال ابتكاره لبعض المبادئ بخصوص الصفقات المبرمة حيادا على القانون – ثانيا-.

  • أولا: رقابة القضاء الإداري على الإجراءات الممهدة لعقد الصفقة العمومية:

بالرجوع إلى نماذج منتقاة من المقررات القضائية الصادرة بشأن المنازعات المرتبطة بمقدمات التعاقد بشأن الصفقات العمومية، يتبين أن القضاء الإداري يتعامل بنوع من المرونة مع إجراءات التقاضي، طالما أن موضوع الخصومة يستهدف شكليات عقد الصفقة التي تم تشريعها لضمان حسن تدبير المال العام- الفقرة الأولى-، كما تم وضع بعض الضوابط للسلطة التقديرية للإدارة فيما يخص قبول التعهدات أو إقصائها- الفقرة الثانية.

الفقرة الأولى: التعامل المرن للقاضي الإداري مع إجراءات التقاضي:

تقضي القواعد الإجرائية العامة للتقاضي بأن تكون المصلحة في الدعوى شخصية ومباشرة، لذلك لا تقبل الدعوى من شخص لمجرد أنه مواطن يهمه تطبيق حكم القانون وحماية الصالح العام، غير أن الغرفة الإدارية بمحكمة النقض تعاملت بنوع من المرونة مع الشرط المذكور في القضايا المرتبطة بالصفقات العمومية، حيث اعتبرت في قرارها الصادر في قضية “ح.ب.غ.” ضد وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية[14]: “…أن كل شخص قبل المشاركة في عملية المزايدة الخاصة بكراء الأملاك الحبسية يكون ذي مصلحة في إقامة دعوى الإلغاء ضد مقرر رفض اللجوء إلى المزايدة” .

وفي نازلة أخرى تمسكت الإدارة بعدم قبول الطعن بالإلغاء بسبب توجيهه ضد غير ذي صفة أي أنه مقدم في مواجهة صاحب المشروع، وليس ضد لجنة العروض المكلفة بفتح الأظرفة وفحص التعهدات، فردت المحكمة الإدارية بأكادير الدفع المثار بالعلة التالية:

“حيث إن دعوى الإلغاء هي أساساً دعوى موضوعية توجه ضد القرار نفسه من أجل عيب قد يخل بمشروعيته.

وحيث إن المطلوبة في الطعن رافعت في موضوع مشروعية القرار بكيفية مستفيضة محققة بذلك مبدأ الوجاهية المطلوبة في أي دعوى، ولم تقف عند حد إثارة العيوب الشكلية المسطرة، مما يجعلها تحل محل اللجنة المصدرة للقرار التي هي في الواقع مجرد هيئة تابعة للإدارة المترافعة نفسها”[15].

كما أكدت نفس المحكمة خلال جوابها عن دفع مستمد من عدم توجيه الطعن ضد لجنة فتح الأظرفة، بأن دعوى الإلغاء دعوى عينية تستهدف القرار الإداري وليس الأطراف، ومما ورد في تعليلها:

“حيث إن الدفع بعدم توجيه الدعوى ضد لجنة فتح الأظرفة لا أساس له من القانون، إذ أن دعوى الإلغاء هي دعوى عينية تستهدف القرار في حد ذاته ويكون توجيهها ضد الشخص الاعتباري العام للدولة المغربية متمثلة في شخص الوزير الأول والوزير المعني توجيهاً سليماً”[16].

هذه المرونة في تعامل القضاء الإداري مع إجراءات الدعوى في المنازعات المرتبطة بالصفقات العمومية تجد أساسها في كون الرقابة بهذا الصدد مرتبطة بضوابط النظام العام الاقتصادي أكثر مما هي مرتبطة بنظام صفقات الدولة[17].

الفقرة الثانية: تقييد السلطة التقديرية للإدارة في مجال إبرام عقد الصفقة:

أما في شأن وضع القضاء الإداري لبعض الضوابط للسلطة التقديرية للإدارة، نشير إلى أنه بعد فتح أظرفة المتنافسين خلال أول جلسة عمومية، تجتمع لجنة طلب العروض في جلسة مغلقة لفحص الملفين الإداري والتقني وحصر لائحة المتعهدين التي يتلوها رئيس اللجنة عند استئناف الجلسة العمومية دون الإفصاح عن سبب الإقصاءات[18].

والملاحظ من خلال العمل القضائي أن القاضي الإداري وإن سمح للإدارة بسلطة تقديرية في قبول التعهدات أو إقصائها أو رفض المصادقة على الصفقة بغاية ترشيد الإنفاق العمومي[19]، فإنه بالمقابل وضع بعض الضوابط لتلك السلطة.

وإذا كانت الإجراءات والشروط المقررة لنظام صفقات الدولة قد توحي بعدم وجود أي سلطة تقديرية للإدارة في هذا المجال، فإن هناك اعتبارات ترتبط بحسن تدبير المال العام تقتضي منح الإدارة هامشاً من الحرية بهذا الصدد، ومن قبيل هذه الاعتبارات نذكر مراعاة الضمانات العينية والشخصية لإنفاق المال العام.

ففي قضية الوكالة الصناعية والتجارية بأكادير ضد المدير الإقليمي للأشغال بتارودانت الذي أصدر قراراً بإعادة المناقصة الخاصة بتموين أجهزة صغيرة، لبناء سد أولوز التي سبق للطاعنة أن شاركت فيها، وقدمت أقل ثمن من بين ثلاث عروض تم تقديمها في الموضوع، اعتبرت الغرفة الإدارية بمحكمة النقض: “…أنه على الرغم من تقديم الطاعنة لأرخص عطاء، فإن الغاية من الصفقات العمومية تظل تحقيق المصلحة العامة وأنه لبلوغ هذا الهدف، لابد من تخصيص أموال عامة، وتكون الإدارة مؤهلة لاتخاذ جميع التدابير والاحتياطات، والبحث عن كافة الضمانات العينية والشخصية لإنفاق تلك الأموال فيما أعدت له، وأنه نتيجة لذلك حرص المشرع، وسار في هذا السياق كل من الفقه والقضاء الإداري، على منح الإدارة أكبر قدر من الحرية لاختيار التعاقد الأنسب والأصلح، انطلاقاً من عدة معطيات أهمها حقها في تقييم وتغليب الجانب الاقتصادي والكيفي والاعتبارات التي وضعتها، مما يتعين معه القضاء برفض طلب الطاعنة”[20].

وتأكيداً لذلك قضت المحكمة الإدارية بالرباط بأن: “للإدارة سلطة تقديرية في اختيار العروض المقدمة أثناء جلسة فتح الأظرفة، واختيار أي منها ولا رقابة للقضاء عليها في ذلك، ما لم يكن هناك انحراف في السلطة… وما دامت الإدارة غير ملزمة بتبرير سبب إقصاء الطاعنة، فإنه كان على هذه الأخيرة أن تدلي بما يثبت الانحراف في استعمال السلطة الذي تدعيه”[21]

غير أن وجود نظام قانوني يحدد شروط وكيفيات إبرام الصفقات العمومية، يقتضي الحد من السلطة التقديرية للإدارة من خلال سن بعض الضوابط المقيدة لتلك السلطة، من قبيل فرض الرقابة على الأصول الواقعية للسبب المعتمد من طرف لجنة فتح الأظرفة في إقصاء المتعهد، وعدم الانحراف في استعمال السلطة المذكورة.

ذلك أن الإدارة وإن كانت تتمتع بحرية اختيار المقاول أو الممون الذي يحظى بنظرها بالأسبقية ولو لم يكن هو المقاول أو الممون المتقدم بأدنى ثمن، إلا أنه وفق مقتضيات مرسوم الصفقات العمومية يتعين على لجنة طلب العروض تبرير قرار اختيارها للمرشح المقبول، بالنظر إلى أن تسبيب القرار يعد من أهم الضمانات التي تجعل المقاول أو الممون يطمئن على أن الإجراءات المتخذة قصد إبرام الصفقة قد تمت في إطار قانوني وواقعي شفاف، وتمكن القضاء الإداري من مراقبة كيفية تدبير المال العام[22].

وعموماً فإن الإدارة لا تتمتع بحرية كاملة في اختيار من تتعاقد معه، وإنما تخضع لبعض القيود والمساطر القانونية يتعين عليها سلوكها لاختيار أفضل عرض من الناحية الاقتصادية، ضماناً للتدبير الجيد للمال العام، كما أكد على ذلك القضاء الإداري في بعض مقرراته، وذلك من قبيل الحكم الصادر عن المحكمة الإدارية بأكادير الذي ورد فيه: “حيث إن المشرع وباعتبار ما للصفقات العمومية من أهمية في تدبير المال العام، ومدى ارتباط ذلك بالاستثمار وتحقيق النمو الاقتصادي والاجتماعي بهدف خدمة الصالح العام، جعل الإدارة ملزمة بالخضوع في إبرام الصفقات لمقتضيات مرسوم 14-10-1976.

وحيث إن وضع الإطار القانوني لإبرام الصفقات برهان قاطع على أن الإدارة مدعوة لتبرير قراراتها حتى تتحقق الرقابة الإدارية والقضائية على كيفية تدبير المال العام”[23].

غير أن الإدارة قد تعمد أحياناً إلى تجاوز النصوص القانونية المؤطرة لنظام صفقات الدولة، وتبرم عقوداً حياداً على تلك النصوص، الأمر الذي يطرح التساؤل عن موقف القضاء الإداري من العقود المذكورة؟.

ثانياً: موقف قضاء المحكمة الإدارية بالرباط من الصفقات العمومية المخالفة للقانون:

تشمل الصفقات المخالفة للقانون[24] الحالات التي يتم فيها تنفيذ أشغال أو تسليم توريدات أو إنجاز خدمات دون التقيد بالشكليات المنصوص عليها بنظام صفقات الدولة.

بالنظر إلى أن المرسوم المؤطر لنظام صفقات الدولة شرع أساساً لضمان حسن تدبير المال العام، فإن العمل القضائي بالمحكمة الإدارية بالرباط عمل على رعاية الغاية المذكورة وذلك بتشدده في إثبات عقد الصفقة- الفقرة الأولى- والقضاء لفائدة المتعاقد مع الإدارة بمقابل تكلفة الأشغال- الفقرة الثانية-.

الفقرة الأولى: التشدد في إثبات عقد الصفقة:

يتبين من المادة 15 من المرسوم رقم 388-06-2 الصادر في 5/2/2007 بتحديد شروط وأشكال إبرام صفقات الدولة، وكذا بعض القواعد المتعلقة بتدبيرها ومراقبتها، أن الصفقات عقود مكتوبة تتضمن دفاتر تحملات تحدد الشروط التي يتم بموجبها تنفيذ الصفقات وتتألف دفاتر التحملات من دفاتر الشروط الإدارية العامة[25]، ودفاتر الشروط المشتركة[26]، ودفاتر الشروط الخاصة[27].

وباستقراء المواد من 15 إلى 74 من المرسوم المذكور، يتضح أن الأصل هو خضوع إبرام صفقات الأشغال والتوريدات والخدمات لقاعدة المنافسة القبلية، واستثناء يمكن اللجوء إلى المسطرة التفاوضية، وإلى سندات الطلب حيث تكون المنافسة جد محدودة.

المستفاد من طرق إبرام صفقات الأشغال، وخاصة ما تعلق منها بطريقتي طلب العروض والمسطرة التفاوضية، باعتبارهما الأكثر مصادفة في مجال صفقات الأشغال، التقاؤها عند غاية واحدة تتجسد في المصلحة العامة التي تقوم عليها العقود الكتابية المنبثقة عنها[28]، الأمر الذي يطرح التساؤل بخصوص عدم التزام الإدارة والمقاول بالقواعد المومأ إليها أعلاه؟

يمكن القول بأن عدم سلوك المسطرة المقررة للإبرام عقد الصفقة، وعدم إنجاز عقد كتابي[29] على النحو المومأ إليه أعلاه، يحول دون استفادة المتعاقد مع الإدارة من أي ضمانة يخولها المرسوم المتعلق بنظام صفقات الدولة، وبالنظر لعدم وجود رابطة عقدية تمكن المتعاقد الفعلي من الاعتداد بها في مواجهة الإدارة فإنه يتعذر عليه مقاضاتها استناداً إلى المسؤولية العقدية[30].

واعتباراً لارتباط نظام صفقات الدولة- الذي يشترط إفراغ العقد في شكل كتابي- بالمال العام فقد تعامل القضاء الإداري مع العقود التي لم تستوف الشكلية المذكورة، بنوع من التشدد من حيث الإثبات، وفي هذا الإطار قضى قرار للغرفة الإدارية بمحكمة النقض بأن “إبرام الصفقات العمومية يجب أن يتم وفق الشكليات التي يستوجبها القانون إما بسند طلبي أو عقد كتابي”[31].

فبخصوص سندات الطلب، يلاحظ أن هناك نزوع راسخ لدى المجالس الجماعية للتعامل في إطار سندات طلب بالقدر الذي يجعل منها أحياناً الأصل في إنجاز طلبياتها، وذلك ليس فقط بسبب المرونة المميزة لهذا النوع من التعامل، والمتمثلة في غياب شكلية العقد المكتوب، والإنجاز الفوري للطلبية والتسوية المالية السريعة بناء على مجرد فواتير، ولكن أيضاً بسبب ما تسمح به من إفلات من فروض الوصاية التي تقتضي أن لا تكون صفقات الأشغال والتموين والخدمات التي تبرمها الجماعات المحلية نهائية وصحيحة إلا بعد الموافقة عليها من طرف وزير الداخلية[32].

لذلك نجد أن قضاء المحكمة الإدارية بالرباط يشترط للاستجابة لطلبات الأداء المقدمة في مواجهة الإدارة والمستندة على سند الطلب، توقيع السند المذكور من طرف الآمر بالصرف، باعتبار أن صلاحية الالتزام به تعود لهذا الأخير، بعد احترام المقتضيات المنصوص عليها في الفرع الأول المتعلق بالالتزام بالنفقات من مرسوم 30 شتنبر 1976 المتعلق بنظام محاسبة الجماعات المحلية وهيئاتها، كما يتعين إرفاقه بشهادة تثبت إنجاز الخدمة أو ببيان حسابي يتضمن الكمية، والمبلغ النقدي للأشياء المسلمة أو الأشياء المنجزة، وكذا بسند التسليم أي شهادة تؤكد تسلم الإدارة لموضوع سند الطلب، علماً أن خلو الطلب من إحدى تلك البيانات يجعله حليف الرفض.

وحرصاً على حسن تدبير المال العام المتوخي من تشريع نظام الصفقات العمومية، قضت المحكمة الإدارية بالرباط برفض أداء مقابل التوريد لعدم استجماع سند الطلب للبيانات المومأ إليها أعلاه، معتبرة أن السند المذكور لا يعتبر دليل إثبات المديونية، لأنه لا يفيد تسلم الإدارة للمادة موضوع الطلب[33].

فضلاً على ذلك، فإن العمل القضائي بالمحكمة الإدارية بالرباط اشترط إثبات الأشغال الإضافية وفق الضوابط المحددة قانوناً وذلك حتى يتأتى للمقاول المطالة بمقابلها، إذ جاء في حكم صادر عنها بتاريخ 07/4/2009: “وحيث إنه بخصوص مطالبة المدعية بأداء المدعي عليها لها مستحقاتها عن الأشغال المنجزة خارج الصفقة والمحددة في مبلغ 2.800.916,16 درهماً، فإنه بالرجوع إلى مقتضيات المادة 51 من دفتر الشروط الإدارية العامة، فإن أية أشغال إضافية للصفقة إنما يأمر بها صاحب المشروع وتكون موضوع عقد ملحق للصفقة، ويتم إنجازها بعد إصدار أمر بالخدمة من طرف صاحب المشروع، وهو ما لم يقم دليل بمقبول على حصوله مما ارتأت معه المحكمة عدم الاستجابة إليه”[34].

علماً أنه يشترط لاعتبار أعمال معينة أشغال إضافية أن تكون ضرورية لإنجاز الصفقة الأصلية ومرتبطة بها، ولا يمكن أن يتم حسن التنفيذ إلا بها، إعمالاً لذلك ورد في حكم صادر عن المحكمة الإدارية بالرباط بتاريخ: 21/06/2012 “وحيث لما كان عقد الصفقة هو عقد تبادلي ملزم لجانبين يقضي بتنفيذ كل من طرفيه لالتزامه، فإن المدعية بصفتها صاحبة الصفقة تكون محقة في طلب مقابل الأشغال الأصلية والإضافية المنجزة، سيما أنه تبين للمحكمة أن الأشغال الإضافية الموصوفة بتقرير الخبرة والمتمثلة في استعمال الخرسانة الثقيلة واستبدال المزاييك بالزليج والتغطية بطبقة زنك تتوفر فيها الشروط التي تسمح باعتبارها أشغالاً إضافية، في إطار الصفقة الأصلية بحكم أنها ضرورية لانجاز الصفقة ومرتبطة بها، ولا يمكن أن يتم حسن التنفيذ إلا بها”[35].

وفي سياق تشدد قضاء المحكمة الإدارية في إثبات عقود الصفقات، يثار التساؤل بخصوص موقفه من حجية الإقرار الصادر عن ممثلي الأشخاص المعنوية العامة بشأن المديونية؟.

إذا كان الإقرار يعد من أهم وسائل الإثبات في المادة المدنية باعتبار أن “خير ما يؤاخذ به المرء إقراره على نفسه”، فإن حجية الوسيلة الإثباتية المذكورة في المنازعات الإدارية تطبعها نوع من الخصوصية، وقد عرضت نازلة على المحكمة الإدارية بالرباط تتعلق بطالبة أحد المقاولين بالحكم لفائدته في مواجهة المديرية الإقليمية للفلاحة بتطوان بمقابل صفقة، وأيد طلبه بكشف حساب موقع من قبل طرفي الدعوى يؤكد تسلم الطالب لجزء من المبلغ المذكور، كما أدلى بكتاب صادر عن المدير الإقليمي للفلاحة يحمل تاريخاً لاحقاً لتاريخ كشف الحساب، يتضمن إقراراً بالمبلغ المطلوب، غير أن المحكمة وفي سياق تقييمها لحجية ذلك الإقرار، اعتبرت أن إقرار ممثلي الأشخاص المعنوية العامة بمديونية هذه الأخيرة لا يؤخذ به على إطلاقه لاعتبارات ترتبط بحماية المال العام، معلله حكمها على النحو الآتي: “وحيث إنه بخصوص مبلغ 260978,37 درهم، فلئن كان الثابت من المراسلة الصادرة عن المدير الإقليمي للفلاحة بتطوان المؤرخة في 17 مارس 2011 والحاملة لرقم 403 أنه يقر بكون المديرية مدينة لفائدة صاحبة الصفقة بالمبلغ المذكور علاوة على مبلغ الاقتطاع الضامن، فإن البين من كشف الحساب الملحق بمحضر التسليم النهائي الموقع عليه من طرف المتعاقدين أن صاحبة الصفقة تسلمت المبلغ المذكور، الأمر الذي يوجب عدم اعتبار الإقرار المضمن بالمراسلة المومأ إليها أعلاه، سيما أن الإقرار وإن كان يعد من أهم وسائل الإثبات في حالة صدوره عن أشخاص القانون الخاص، فإن حجيته تطبعها نوع من الخصوصية إذا كان منسوباً لأحد ممثلي أشخاص القانون العام لاعتبارات ترتبط بحماية المال العام، وضمان حسن تدبيره”[36].

هذا التوجه القضائي الذي يضمن حماية للمال العام، يساير العمل القضائي لمحكمة النقض الذي يعتبر أن إقرار ممثلي الأشخاص المعنوية بدين يستوجب القانون إثباته وفق شكل معين، يفتقد الحجية الإثباتية بحيث ورد في قرار صادر عنها بتاريخ 19/7/2006: “لكن حيث إن الأمر في النازلة يتعلق بأداء نفقة عمومية الأمر الذي يستوجب فيها الإثبات شكلا من الأشكال المسموح بها قانوناً، وبذلك لا يمكن لرئيس المجلس بصفته آمراً بالصرف أن يلزم المجلس بأداء نفقة باعتراف مجرد صادر عنه، وعليه فإن المحكمة لما اعتبرته غير منتج لهذه الأسباب كانت على صواب ووجب تأييد حكمها”[37].

وإذا كان العمل القضائي للمحكمة الإدارية بالرباط يسعى إلى ضمان حماية خاصة للمال العام من خلال التشدد في إثبات الصفقات المنجزة حياداً على النصوص القانونية، فإنه عمل كذلك على ابتكار آليات من شأنها حسن تدبير ذلك المال بخصوص المطالبات التي تهدف إلى الحصول على مقابل الصفقة غير المشروعة.

الفقرة الثانية: تكلفة الأشغال مقابل الصفقة غير المشروعة المنجزة:

بمراجعة المرسوم المؤرخ في 5/2/2007 المتعلق بتحديد شروط وأشكال إبرام صفقات الدولة، يتبين أن تلك الصفقات يجب أن تبرم في شكل عقود مكتوبة، وأن تتضمن مجموعة من البيانات، من أهمها على الخصوص طريقة الإبرام وبيان الأطراف المتعاقدة، وأسماء وصفات الموقعين المتصرفين باسم صاحب المشروع وباسم المتعاقد وموضوع الصفقة، والثمن وأجل التنفيذ أو تاريخ انتهاء الصفقة، وكذا المصادقة على الصفقة من طرف السلطة المختصة.

غير أن الإدارة قد تعمد أحياناً إلى إبرام عقود شفوية من أجل تنفيذ أشغال أو تسليم توريدات أو القيام بخدمات، دون التقيد بالشكل المحدد بموجب المرسوم المذكور، وعند عرض النزاع على القضاء كثيراً ما تتمسك بكونها لم تبرم أي عقد مع الجهة المعنية بالأمر، أو أن هذه الأخيرة لم تنجز الأشغال المتفق عليها سواء كان الأمر يتعلق بأشغال أصلية أو إضافية، أو أن العقود الملحقة حتى في حالة وجودها غير مصادق عليها. فما هو موقف القضاء الإداري من الإشكاليات المذكورة؟ وما هي الحلول التي تبناها بخصوصها؟

إذا كان العقد الباطل لا يترتب أي أثر قانوني، فإن ذلك لا يعني أن المتعاقد المتضرر لا يمكنه الحصول على التعويض المترتب عن أشغال يكون قد أنجزها بمناسبة صفقة أشغال باطلة، وذلك على أساس قانوني غير مستمد من العقد الباطل، وإنما من خطأ الإدارة أو الربح الذي جنته من الأشغال التي قدمت لفائدتها، أي أن الأساس المذكور قد يكون شبه تقصيري أو شبه عقدي بحسب الأحوال[38].

لذلك اهتدى القضاء الإداري إلى اعتماد الأسس القانونية المطبقة على عقود القانون الخاص والتي تسمح بالاستجابة لطلب منجز الصفقات غير المشروعة في حدود تكلفة الأشغال المنجزة، وتتحدد تلك الأسس في نظرية الإثراء بدون سبب، والخطأ المشترك ودفع غير المستحق.

أ-نظرية الإثراء بدون سبب:

تعتبر قاعدة الإثراء بدون سبب من أولى قواعد القانون، تمتد جدورها فتتصل مباشرة بقواعد العدالة والقانون الطبيعي، وهي في غير حاجة إلى تبرير، إذ تحمل في طياتها ما يبررها، بل لعلها أول مصدر ظهر للالتزام في فجر التاريخ، وهذا مبلغ حظها من البداهة القانونية، وهي على كل حال مصدر للالتزام عاصر مصدر العمل غير المشروع، وهذا هو من المصادر الأولى التي عرفها القانون.

وقد عرفها القانون الروماني لا كمبدأ عام تستخلص منه تطبيقاته المتنوعة، بل كجزئيات متناثرة وفروض متفرقة تستقصي في حالات محددة، دون أن يجمعها أصل مشترك أو تنتظمها قاعدة عامة[39].

ومضمن النظرية المذكورة، أن كل من أثرى على حساب الغير دون سبب قانوني يلتزم بأن يرد لهذا الغير قدر ما أثري به في حدود ما لحق الغير من خسارة، وقد تناولها قانون الالتزامات والعقود في الفصلين 66 و67 منه، فالفصل 66 أكد على أن: “من تسلم أو حاز شيئاً أو أي قيمة أخرى مما هو مملوك للغير بدون سبب يبرر هذا الإثراء التزم برده لمن أثرى لحسابه”، أما الفصل 67 فنص على أن: “من استخلص بحسن نية نفعاً من شغل الغير أو شيئه بدون سبب يبرر هذا النفع التزم بتعويض من أثري على حسابه، في حدود ما أثري به من فعله أو شيئه”.

كشفت بعض التطبيقات القضائية عن استعانة بعض المحاكم الإدارية بنظرية الإثراء بدون سبب لتعويض منجز الصفقة الباطلة، عن افتقاره الناتج عما قام به من أعمال نافعة اغتنت منها الإدارة، في الحالات التي لم تبرم فيها الصفقة بصفة نهائية، أو في الحالات التي كان فيها العقد باطلا، أو في الحالة التي لم يحترم فيها المتعاقد الالتزامات التعاقدية، فقام بأعمال إضافية لم ينص عليها العقد[40].

وتستجيب الأعمال القضائية المذكورة لطلبات منجزي الأشغال دون التقيد بقانون الصفقات استناداً إلى النظرية المومأ إليها أعلاه، وذلك في حدود تكلفة الأشغال المنجزة، ودون احتساب نسبة الأرباح، شريطة قيام علاقة مباشرة بين اغتناء الجهة الإدارية من الأشغال، وافتقار منجز هاته الأشغال وأن تكون تلك الأشغال المنجزة بمناسبة تنفيذ الصفقة الباطلة غير معترض عليها من طرف الإدارة وبموافقتها، أو أن تعود عليها بفائدة حقيقية.

ولما كانت نظرية الإثراء بدون سبب تشترط عدم صدور أي خطأ عن الجهة التي حصل لها الافتقار فإن البين من القضايا المتعلقة بالأعمال المنجزة حياداً على ضوابط الصفقات العمومية، أن منجز هذه الأعمال ارتكب خطأ متمثلاً في قبوله القيام بأشغال دون التقيد بالمرسوم المؤطر للصفقات لذلك نجد أن المحكمة الإدارية بالرباط تعتمد قاعدة الخطأ المشترك.

ب-الخطأ المشترك:

لما كانت المحاكم الإدارية مختصة في البت في دعاوي التعويض عن الأضرار التي تسببها أعمال ونشاطات أشخاص القانون العام طبقاً للمادة 8 من القانون رقم 41/90 المحدث لها، فإن العمل القضائي أوجد أساساً آخر للبت في المنازعات المترتبة عن الصفقات غير المشروعة متمثلاً في المسئولية التقصيرية لكل من الإدارة ومنجز الصفقة، وذلك بتوزيع المسؤولية بينهما، تجنباً لإنفاق الأموال العمومية حياداً على القواعد التي تكفل الشفافية.

شكلت قاعدة الخطأ المشترك إحدى الآليات القانونية التي اعتمدتها المحكمة الإدارية بالرباط للحكم لفائدة المقاول المنجز للصفقة غير القانونية بمقابل تكلفة الأشغال فقط، حماية للمال العام باعتباره أحد رهانات المرسوم المتعلق بالصفقات العمومية.

ويراد بالخطأ المشترك اجتماع خطأ الإدارة المتمثل في تعاقدها خارج الضوابط القانونية المنظمة للصفقات العمومية، وخطأ المتعاقد مع الإدارة الذي قبل التعاقد على نحو غير مشروع[41].

ففي نازلة عرضت على المحكمة الإدارية بالرباط، تتعلق بطلب أحد المقاولين الحكم على الإدارة صاحبة المشروع بأدائها لفائدته مقابل الأشغال الإضافية، وبعد أن تبين للمحكمة أن الأشغال المذكورة أنجزت حياداً على القانون، عمدت إلى إعمال نظرية الخطأ المشترك، وقضت لفائدة المقاولة بقيمة تكلفة الإنتاج فقط بعد خصمها لنسبة الأرباح حماية للمال العام، وعللت مقررها على النحو الآتي: “وحيث إن ثبوت قيام المدعية بالأشغال الإضافية خارج عقد الصفقة والتي يفوق مبلغها 10 في المائة من قيمة الصفقة الأصلية طبقاً للفصلين 10 و52 من دفتر الشروط الإدارية العامة دون إبرام عقد ملحق بشأنها ومصادقة السلطة المختصة عليه ليصير نهائياً وصحيحاً لا يفضي إلى اعتبارها وحدها مسئولة عن عدم إنجازها وفق مسطرة الصفقات العمومية، وإنما تبقى هذه المسئولية مشتركة بينها وبين صاحبة الأشغال التي بقيامها بتكليف المقاولة بإنجاز ما ذكر من أشغال دون سلوك المساطر القانونية في هذا المجال تكون بدورها قد خالفت القانون الواجب التطبيق ويتعين بدورها تحميلها وزرها ذلك خصوصاً أنها استفادت من الأشغال المنجزة.

وحيث إن عدم منازعة المدعى عليها في الأشغال المنجزة أو مواصفاتها أو قيمتها وبالنظير لتشطير المحكمة المسؤولية عن الخطأ في الصفقة يجعل المدعية محقة فقط في استحقاق قيمة الأشغال على أساس تكلفتها، لأن جهة الإدارة ملزمة فقط برد قيمة ما تسلمته من أشغال…”[42].

وبخصوص تكلفة الإنتاج، فيقصد بها ثمن الصفقة مخصوم منه نسبة الأرباح، وقد دأبت المحكمة الإدارية بالرباط على تحديد نسبة الأرباح في 20% من قيمة العمل المنجز، إعمالاً لذلك ورد في حكم صادر عنها بتاريخ 3/5/2012: “…تحقيقاً للتوازن بين المصلحة العامة التي تتوخاها الإدارة والمصلحة الخاصة للشركة المدعية وتقديراً لدور القاضي الإداري في حماية المال العام، وبما للمحكمة من سلطة تقديرية في تقييم الربح المتحقق من الأشغال المنجزة، فقد قررت المصادقة على الخبرة وخصم مبلغ 20 في المائة الذي يمثل نسبة من هامش الربح المتوقع من المبلغ المحدد كأصل الدين 1.553.499,24 درهم-20 في المائة= 1.242.799.23 درهم، وهو المبلغ الذي يتعين على المدعى عليها أداءه للمدعية برسم الأسباب المبينة أعلاه”[43].

وإذا كان القضاء الإداري المغربي يحرص على حماية المال العام حين بته في المنازعات المرتبطة بالإجراءات التمهيدية لإبرام عقد الصفقة، من خلال فرض التقيد بها ضماناً لمبدأ الشفافية، وكذا من خلال ابتكاره لقاعدة “تكلفة الإنتاج مقابل الصفقة الباطلة المنجزة”، فإنه يبدو أكثر حرصاً على ذلك المال خلال مرحلة تنفيذ وإنهاء عقد الصفقة العمومية.

ثانياً: حماية المال العام خلال تنفيذ وإنهاء عقد الصفقة العمومية:

يلتزم المتعاقد مع الإدارة باحترام شروط العقد، شأنه في ذلك شأن أي متعاقد، غير أن الطبيعة الخاصة للعقد الإداري بالنظر لارتباطه بتسيير مرفق عمومي، تجعل من بعض الالتزامات المفروضة على عاتق المتعاقد مع الإدارة تحظى بأهمية خاصة، من قبيل إلزامية تنفيذ المتعاقد للأعمال موضوع الصفقة- الفقرة الأولى-.

فضلاً على أن ارتباط عقد الصفقة- باعتباره من أهم العقود الإدارية- بالمال العام، اقتضى تأطيره بقانون خاص يكفل حسن تنفيذ موضوع الصفقة تحت طائلة فسخها مع مراعاة حقوق الإدارة- الفقرة الثانية.

الفقرة الأولى: إلزامية تنفيذ المتعاقد للأعمال موضوع الصفقة:

تقتضي طبيعة عقد الصفقة إلزامية التنفيذ الشخصي للأعمال محل التعاقد من قبل المتعاقد[44] وما يرتبط بذلك من قواعد وقيود تحكم أداء العمل وتنفيذه، وحدود إسناد هذه الأعمال أو جزء منها لمقاولة أخرى[45]، كما يلتزم المتعاقد مع الإدارة بالتنفيذ في المدة المحددة لإنجاز العمل محل التعاقد وعدم جواز تأخير تسليم الأعمال عن الميعاد المحدد في العقد، ويبقى من أهم الالتزامات التي ترتبط بحسن تنفيذ المشروع والتي يبسط عليها القضاء الإداري رقابته، الالتزام بضمان سير المرفق العام- 1- والالتزام بضمان سلامة الأعمال-2-.

1: الالتزام بضمان سير المرفق العام.

بمجرد تعاقد المقاول مع الإدارة يصبح شريكاً لها في الالتزام بضمان سير المرفق العام بانتظام واطراد، لذلك لا يجوز له أن يمتنع عن الوفاء بالتزاماته تجاه المرفق العام بعلة أن هناك إجراءات إدارية حالت دون الوفاء بالتزاماته، إذ يتعين عليه أن يستمر في تنفيذ الأعمال المناطة به مادام ذلك في استطاعته، على أساس أن يطالب الإدارة بعد ذلك بالتعويض عن إخلالها بالتزاماتها.

إن خصوصية العقد الإداري تقتضي استبعاد تطبيق بعض قواعد القانون الخاص على العقد المذكور، فلا يجوز للمتعاقد الدفع بعدم التنفيذ في مواجهة الإدارة، فضلاً على أن المصلحة العامة، واعتبارات حسن تدبير المال العام تقضي بعد التقيد الصارم بمبدأ الاستقرار العقدي المعمول به في العقود الخاضعة لقواعد القانون الخاص، كما قضت بذلك المحكمة الإدارية بالرباط في حكم صادر عنها بتاريخ: 27/9/2012 والذي تضمن أن: “مبدأ الاستقرار العقدي المعمول به في العقود الخاضعة لقواعد القانون الخاص لا يمكن تطبيقه على عقود الصفقات العمومية التي تبرمها الإدارة في إطار قواعد القانون العام باعتبار أن هذه العقود قابلة وطيلة مدة التنفيذ للتعديل في زيادة الأشغال وذلك حسب ما تمليه المصلحة العامة، والتي تعطي لصاحب المشروع أثناء تنفيذ الصفقة الحق في إدخال تغييرات على الصفقة”[46].

ونشير إلى أن أبرز ملامح الالتزام بضمان سير المرفق العام استمرار المتعاقد في تنفيذ الأعمال الموكولة إليه بمقتضى عقد الصفقة تحت طائلة مساءلته عن فعله السلبي، وهذا الالتزام يبقى مستمراً طالما أن التنفيذ لم يصبح مستحيلاً استحالة مطلقة، لوجود قوة قاهرة متمثلة في حصول حادث خارجي وعدم إمكان توقعه واستحالة دفعه.

على هذا النحو قضت محكمة الاستئناف بالرباط بأن المتعاقد ملتزم بالاستمرار في تنفيذ بنود عقد الصفقة، وأن المرض الذي أصابه لا يحول دون الاستمرار في التنفيذ طالما أنه لا يشكل قوة قاهرة يستحيل معها التنفيذ استحالة مطلقة، مادام في إمكانه الاستعانة بشخص آخر لتنفيذ بنود الصفقة، وقضت تبعاً لذلك بأن مصادرة الإدارة للضمانة لها ما يبررها[47].

2-الالتزام بضمان سلامة الأعمال:

في إطار عقد الصفقة يلتزم المتعاقد مع الإدارة بتنفيذ بنود العقد المذكور تنفيذاً تاماً وفقاً للشروط المضمنة به وبدفاتر الشروط المعمول بها.

وإذا كانت العقود تنهي عادة بانتهاء مدتها، إلا أنه في مجال عقود الأشغال العامة يظل صاحب الصفقة ملتزماً بضمان سلامة الأعمال إلى حين إنجاز محضر التسليم النهائي للأشغال موضوع العقد بحيث يبقى مسؤولاً عن الأضرار والعيوب التي قد تظهر على مستوى العمل المنجز.

ومن ملامح الالتزام بضمان سلامة الأعمال، ضمان جودة العمل وفق شروط الالتزام تحت طائلة مصادرة الضمانة المخصصة لتأمين تنفيذ الالتزامات التعاقدية في عقد الصفقة.

وحماية للمال العام يعمل القضاء الإداري في إطار بته في المنازعات المرتبطة بالالتزام المذكور على التبين من مدى تنفيذ صاحب الصفقة[48] للأشغال وفق ما هو مضمن بعقد الصفقة وذلك عن طريق الاستعانة بخبرة قضائية، وإذا ما تبين له أن هذا الأخير لم يلتزم ببنود الالتزام فإنه يقضي بأحقية صاحب المشروع في مصادرة مبلغ الضمان[49] فضلاً تطبيق الجزاءات المقررة في هذا الشأن على المخل بالالتزام.

وضماناً لسلامة الأعمال أقر القضاء الإداري أحقية الإدارة في أن تشترط على صاحب الصفقة بمقتضى دفتر التحملات تقديم بعض الوثائق من قبيل وثيقة تأمين، أو التزاماً مكتوب لضمان سلامة الأشغال مقابل رفع اليد عن مبلغ الضمان، طالما أن الغاية من الوثائق المذكورة هي حماية المال العام.

وإعمالاً لذلك، وفي إطار عقد صفقة مبرم بين وكالة المساكن والتجهيزات العسكرية ومقاولة للبناء قامت هذه الأخيرة ببناء مساكن لفائدة الأولى، والتزمت بتقديم وثيقة للتأمين لضمان سلامة الأشغال المنجزة، ولما عجزت عن تقديم الوثيقة المذكورة أنجزت التزاماً بعدم سحب مبلغ الضمان إلا بعد مرور عشر سنوات على واقعة إنهاء الأشغال، غير أنها تقدمت بطلب إلى المحكمة الإدارية بالرباط التمست من خلاله رفع اليد عن الضمانة، مدعية أنها وقعت على الالتزام المذكور نتيجة الإكراه، فقضت المحكمة برفض طلبها على أساس عدم ثبوت واقعة الإكراه، فضلا على أن الالتزام المذكور يروم حماية المال العام[50].

وإذا كان يحق للإدارة مصادرة مبلغ الضمان في حالة إخلال المتعاقد بالتزاماته، فإنه يحق لها كذلك فسخ العقد كجزاء للإخلال المذكور، علماً أن إنهاء العقد الإداري عن طريق الفسخ هو حق للإدارة حتى ولو لم يرتكب المتعاقد معها أي خطأ، شرط أن تستهدف الإدارة المصلحة العامة، وعلى هذا الأساس قضت المحكمة الإدارية بالدار البيضاء: “وحيث إذا كان الفقه والقضاء الإداريين قد استقرا على أنه للإدارة الحق دائماً في إنهاء عقدها حتى ولو لم يرتكب المتعاقد أي إخلال وخطأ من جانبه وأن للإدارة سلطتها في إنهاء العقد متى قدرت أن ذلك تقتضيه المصلحة العامة، ويبقى للطرف الآخر الحق في التعويضات إن كان لها وجود، فإن ذلك رهين بوجود ظروف تستدعي هذا الإنهاء، وأن يكون رائد الإدارة في الالتجاء إليه هو تحقيق المصلحة العامة المقصودة.

وحيث إنه من الثابت أن الإدارة حين تستعمل تلك السلطة إنما تستعملها تحت رقابة القضاء وللقاضي الإداري بناء على طلب المتعاقد أن يتحرى الأسباب الحقيقية التي دفعت الإدارة إلى إنهاء العقد، ويصبح القرار الصادر بالإنهاء غير مؤسس إذا قام الإنهاء على سبب غير سليم”[51].

الفقرة الثانية: مشروعية فسخ الصفقة في حالة إخلال المتعاقد بالتزاماته:

يعرف الفسخ بأنه إنهاء العقد نتيجة إخلال أحد المتعاقدين بالتزاماته العقدية[52]، أو هو حق المتعاقد في العقد الملزم للجانبين، إذا لم يوف المتعاقد الآخر بالتزامه في أن يطلب حل الرابطة العقدية كي يتحلل هو من التزامه، فهو يدخل إلى جانب المسؤولية العقدية في نطاق الجزاء الذي يترتب على القوة الملزمة للعقد[53].

ترتيباً على ذلك، يمكن القول بأن فسخ عقد الصفقة من قبل الإدارة صاحبة المشروع[54]، يكون نتيجة تقصير المقاول صاحب الصفقة في تنفيذ التزاماته الناشئة عن العقد، ويترتب عليه إعفاؤه نهائياً من تنفيذ الأشغال موضوع العقد.

وإذا كان المشرع قد أحاط المال العام موضوع الصفقة العمومية بمقتضيات تشريعية تكفل له الحماية من خلال تخويل الإدارة إمكانية الإعمال التلقائي لجزاء الفسخ، فإن الواقع العملي أفرز وضعيات يجعل ذلك المال محل تهديد نتيجة إخلال المتعاقد مع الإدارة بالتزاماته التعاقدية، ليتدخل القضاء الإداري لرد الأمور إلى نصابها بإضفائه للشرعية على عملية إنهاء العقد الإداري، وعدم اعتبار شكليات الإنهاء أحياناً، وترتيب الآثار الكفيلة بحماية المال العام، الأمر الذي يستوجب بيان مبررات فسح عقد الصفقة-1- وكيفية تعامل القضاء الإدارة مع شكليات الفسخ-2-، ثم تحديد الآثار المترتبة على الجزاء المذكور-3-.

1: مبررات فسخ الإدارة لعقد الصفقة وفقاً للعمل القضائي:

لا يعتبر كل خطأ من جانب المقاول سبباً مبرراً لتوقيع جزاء الفسخ عليه، بل لابد أن يرتكب المقاول خطأ على درجة معينة من الجسامة، ويوصف الخطأ بالجسيم إذا أخل المتعاقد بالتزام تعاقدي أو قانوني جوهري، ويخول للإدارة صلاحية تقدير مدى جسامة الخطأ وكفايته لتقرير جزاء الفسخ، ويقوم القاضي الإداري بعد ذلك بناء على طلب المقاول المفسوخ عقده، ببسط رقابته على تقدير الإدارة لمدى فداحة الخطأ وكفايته للفسخ الجزائي للعقد[55].

وإذا قرر القاضي الإداري أن خطأ المقاول لم يكن جسيماً لتبرير توقيع جزاء الفسخ، فإنه لا يستطيع أن يقضي بإلغاء قرار الإدارة بفسخ العقد، ذلك ما سار عليه مجلس الدولة في فرنسا عكس مجلس الدولة المصري، لكنه- أي القاضي الإداري- يستطيع في هذه الحالة أن يطبق النظام القانوني للإنهاء الإداري للعقد لدواعي المصلحة العامة مع تعويض المقاول، مع الأخذ بعين الاعتبار أخطاء المقاول الثابتة في حقه[56].

ومن أهم الحالات التي اعتبرها القضاء الإداري مبررة لفسخ الصفقة من قبل الإدارة نذكر الحالات الآتية:

-عدم إخبار صاحب المشروع في حالة اكتشاف المقاول أو المتعاقدون معه من الباطن عملاً عدوانياً موصوفاً، فضلاً على المتابعات القضائية المحتملة، وفرض التنفيذ المباشر دون إشعار سابق أو الفسخ بلا شرط للصفقة[57].

-عدم كتمان السر المنصوص عليه في المقاطع الأربعة من الفقرة الثانية من المادة 28 من دفتر الشروط الإدارية العامة، وتتعلق هذه الحالات بعدم حماية المواقع الحساسة وعدم اتخاذ التدابير الاحتياطية اللازم اتخاذها في هذا الباب، وعدم حفظ وحماية الوثائق السرية التي تسلم إلى المتعاقد، وعدم الحفاظ على سرية المعلومات ذات الطابع العسكري.

-عدم تقيد المتعاقد إما ببنود الصفقة أو بأوامر الخدمة الصادرة إليه من لدن صاحب المشروع، ويدخل في هذا الإطار عدم إنجاز المتعاقد مع الإدارة ما كلف به داخل الأجل المتفق عليه، وعدم حضوره في أماكن الأشغال[58].

– تنازل المقاول عن عقده إلى الغير بدون ترخيص مسبق من الإدارة صاحبة الأشغال.

– عدم احترام المقاول في تنفيذ الأشغال لمتطلبات الرسم البياني الخاص بالمشروع.

– قيام المقاول بمنع ممثلي الإدارة صاحبة العمل من ممارسة الرقابة على أماكن العمل والأشغال المنفذة.

-رفض المهندس المسئول عن العمل الخضوع لتعليمات المهندس المكلف من جانب الإدارة.

– غياب المهندس المسؤول عن الإشراف على مراقبة الورش وأماكن العمل.

– عدم تكملة المقاول لمبلغ التأمين المالي خلال الموعد المحدد لذلك.

– أعمال الغش والاحتيال الصادرة عن المقاول في تنفيذ التزاماته التعاقدية.

– عدم احترام المقاول للشروط القانونية والتعاقدية المتعلقة بشخص العاملين في تنفيذ الأشغال مثل الضرائب على المرتبات وتاريخ دفع المرتبات والراحة الأسبوعية الخاصة بهم.

في كثير من الحالات العملية، ونظراً لظروف معينة تتعلق بالمقاول أو بمراحل تنفيذ العقد، كأن تكون الأشغال قطعت شوطاً كبيراً في الانجاز، تستنكف الإدارة عن ممارسة حقها في الفسخ بالرغم من وجود مبرراته، إلا أنها تكون ملزمة أمام القاضي بأن تطلب منه معاينة هذه المبررات، وترتيب جزاء الفسخ بدلاً عنها، وليس في الأمر أي تنازل عن هذا الحق بقدر ما تهدف إليه من خلال ذلك حماية أكثر لموقفها عن طريق القضاء[59].

وقد أكد الفقه الفرنسي أن من حق الإدارة أن تتنازل نهائياً عن ممارسة سلطاتها غير العادية في العقود الإدارية، وأن تطلب ذلك من قاضي العقد، كما أن القضاء الفرنسي سايره الفقه في هذا الشأن جاء في قرار مجلس الدولة الفرنسي 00/5 17 CE ما يلي: “النصوص التعاقدية التي تسمح للإدارة بأن تفسخ العقد من جانب واحد ليست عقبة أمام الإدارة في أن تطلب من القاضي أن يقضي بهذا الفسخ لعدم تنفيذ المقاول لالتزاماته”[60].

2-تعامل القضاء الإداري مع شكليات فسخ عقد الصفقة.

إذا كان للإدارة سلطة توقيع الفسخ بإرادتها المنفردة، فإنه يتعين عليها قبل ترتيب الجزاء المذكور أن تنذر صاحب الصفقة، وتخبره بجميع الاخلالات التي شابت تنفيذ عقد الأشغال، وتدعوه إلى إصلاحها داخل أجل محدد ضمانا لحقه في الدفاع[61].

غير أن هناك وضعيات تبرر تعامل القضاء الإداري مع مسطرة إنهاء عقد الصفقة بنوع من المرونة بحيث تعفى الإدارة من توجيه إنذار إلى المتعاقد، فالأخطاء الجسيمة التي يرتكبها المقاول والتي يتعذر تداركها، تخول لصاحبة المشروع إمكانية فسخ الصفقة دون توجيه أي إعذار إلى صاحب الصفقة، طالما أن الإجراء المذكور سوف لن يحقق أي نتيجة، ويجد هذا الاتجاه سنده في حماية المال العام، إذ أن فداحة الخطأ المرتكب من قبل المتعاقد تبرر الفسخ التلقائي للعقد دون توجيه إنذار بشأن ذلك إلى هذا الأخير، وهو ما أكدته المحكمة الإدارية بالرباط في حكم صادر عنها بتاريخ: 8 مارس 2012 الذي أسس لاجتهاد قضائي يضمن حماية خاصة للمال العام[62]، وهو توجه له حظ كبير من الوجاهة، طالما أنه من غير المعقول أن نعتبر أن فسخ عقد الصفقة غير مشروع لمجرد إخلال شكلي بسيط، والحال أن الإخلال المرتكب من قبل المتعاقد يتسم بالجسامة ويتعذر تداركه، لذلك اعتبرت المحكمة المذكورة أن: “عدم إنجاز الأشغال من طرف المدعية وفقاً للمواصفات الواردة في عقد الصفقة، والتي تطلبت من الإدارة هدمها، يبرر فسخ الصفقة….. وأن ثبوت عدم توجيه إنذار بفسخ الصفقة للمدعية، باعتباره إجراء أساسياً ولازماً قبل قرار الفسخ، لا يخولها حق التعويض، طالما أن مخالفة الشكل الذي يؤدي إلى عدم مشروعية القرار المعيب لا ينال من صحته موضوعاً، مادام أن القرار سليم من حيث الموضوع، وأن الوقائع التي قام عليها تبرر صدوره، وأنه في وسع الإدارة أو كان في وسعها تصحيحه وفقاً للأوضاع الشكلية المطلوبة، فضلاً عن أن هذا الاتجاه يجد أساسه القانوني في مبدأ حماية المال العام، طالما أن خطأ الشركة المدعية يعتبر خطأ جسيماً لا يغتفر، الشيء يتعين معه رفض الطلب أيضاً بهذا الخصوص”.

علماً أن هناك استثناءات أخرى ترد على قاعدة إلزامية الإنذار، وتتحدد في الحالات الآتية:

-ورود نص صريح في عقد الأشغال العامة أو دفتر الشروط العامة يعفي الإدارة من الالتزام بالإعذار المسبق للمقاول قبل توقيع جزاء الفسخ عليه.

-إذا أعلن المقاول صراحة من تلقاء نفسه رفضه تنفيذ التزامه أو عدم قدرته على تنفيذه.

-ارتكاب المقاول أفعال الغش في تنفيذ التزامه.

-مخالفة المقاول لالتزام جوهري يتعذر تداركه أو إصلاحه.

-تنازل المقاول عن عقد الأشغال إلى الغير أو من الباطن بدون موافقة الإدارة.

-حالة الاستعجال أي عندما تقتضي الظروف عدم تنفيذ العقد فوراً.

3-الآثار المترتبة على الفسخ المشروع لعقد الصفقة:

إذا اتسم فسخ الصفقة بالمشروعية، فإنه يحق للإدارة إعمال الجزاءات المالية في حق المتعاقد معها المخل بالتزاماته، وذلك بتطبيق الغرامات المالية- المقررة قانوناً- في حقه، ومصادرة الضمانة.

فالغرامات المالية تطبق في حالة تأخير المتعاقد في تنفيذ الصفقة، ولا يشترط لتطبيقها وقوع ضرر للإدارة إذ بمجرد انتهاء المدة المخصصة لإنجاز المشروع، يتم احتساب الغرامات حسب العقد دون حاجة إلى إعلام المقاول.

ويمكن للإدارة أن تطبق غرامات التأخير دون اللجوء إلى القضاء، وذلك بمقتضى قرار صادر منها ويكون من حق المقاول أن يطعن فيه قضائياً، إذ يمكن أن يتحلل من الغرامة إذا أثبت أن تأخير ناتج عن خطأ الإدارة أو القوة القاهرة.

كما نشير هنا إلى أنه عند إرساء العرض، يجب على صاحب العرض المقبول أن يودع تأميناً نهائياً يختلف عن التأمين المؤقت الذي يودعه عند التقدم بعرضه، والتأمين النهائي يعتبر ضمانا لتنفيذ الالتزام المترتب عن العقد، وفي حالة فسخ الإدارة لعقد الصفقة بصفة مشروعة، يحق لها مصادرة تلك الضمانة تلقائياً دون اللجوء إلى القضاء ودون حاجة إلى إثبات الضرر، ولا يستحق المقاول تبعاً لذلك أي تعويض، ذلك ما أكدته المحكمة الإدارية بالرباط، في حكم صادر عنها بتاريخ 17/05/2012 الذي ورد فيه: “وحيث إنه بالنظر لعدم إثبات المدعية احترامها للالتزامات المشار إليها أعلاه، وعدم منازعتها في واقعة توصلها بالإنذار الموجه إليها يبقى قرار فسخ الصفقة المتخذ من طرف صاحبة المشروع استناداً إلى المقتضيات القانونية المشار إليها في العلة المتقدمة مشروعاً، ويبقى بالتالي طلب التعويض عن الفسخ التعسفي غير قائم على أساس.

وحيث لما كان مبلغ الكفالة المودع من طرف صاحبة الصفقة مرصد لتأمين الالتزامات التعاقدية، وكان الثابت من المعطيات الواردة أعلاه أن هذه الأخيرة لم تلتزم ببنود عقد الصفقة، فإن طلب إرجاعها يبقى غير مؤسس استناداً إلى مقتضيات المادة 16 من دفتر الشروط الإدارية العامة التي تقضي بعدم إرجاع الضمان النهائي في حالة إعمال مقتضيات المادة 52 كما هو الشأن في النازلة الماثلة، الأمر الذي يوجب رفض الطلب المذكور”[63].

المطلب الثاني: المصلحة العامة كآلية لحماية المال العام:

يتجسد الدور الابتكاري للقاضي الإداري في المنازعات المرتبطة بالمال العام من خلال استناده على بعض المبادئ لتبرير حماية ذلك المال من قبيل فكرة المصلحة العامة، وتتبلور هذه الفكرة على وجه الخصوص في القضايا التي يروم من خلالها القاضي الإداري ضمان السير العادي للمرفق العام، وكذا في تعامله الاستثنائي مع الخبرة القضائية المحددة للتعويض المترتب على عاتق الإدارة- الفرع الأول- كما تتجسد فكرة المصلحة العامة بشكل واضح في قضايا الاعتداء المادي حيث أسس القضاء الإداري لبعض الاجتهادات الهادفة إلى ضمان رعاية خاصة للمنشآت العامة وتفادي هدر الإدارة لأموالها- الفرع الثاني-.

الفرع الأول: ضمان السير العادي للمرفق العام وتعامل القاضي الإداري مع الخبرة:

لما كان للقاضي الإداري مجال واسع لابتكار بعض القواعد الاجتهادية، سيما في القضايا المرتبطة بالمال العام، فإنه وجد في فكرة المصلحة العامة سنداً لتأسيس تلك الاجتهادات، حيث استند إليها لتأمين السير العادي للمرفق العام- أولاً- كما اعتمدها كعلة لتبرير تعامله الاستثنائي مع الخبرة القضائية- ثانياً-.

أولاً: تأمين حسن سير المرفق العام:

تعد المصلحة العامة علة وجود المرفق العمومي وسبب إنشائه، فلا يمكن أن يقوم هذا الأخير إلا إذا كانت هناك مصلحة عامة ينبغي تأمينها للأفراد، فهي إذن الهدف والغرض الأساسي الذي من أجله وجد المرفق وأنشئ، فهي بذلك تعد الركن الأساسي والجوهري الذي يهدف إليه نشاط المرفق العمومي ويدخل ضمن المصلحة العامة كل الحاجيات التي تعتبر مفيدة ونافعة للمجتمع[64].

ويعترف بعض الفقة[65] بصعوبة إيجاد تعريف لفكرة المصلحة العامة باعتبارها، تمس صميم وأسس الفلسفة التي يقوم عليها النظام الإداري، وتحدد خيارات الحياة العامة، ويضيف نفس الفقه بأنه يجب علينا اختراق ضمير المشرع حين يقرر وينص على تحقيق المصلحة العامة، أو الاشتراك في المداولات القضائية للتعرف على ضمير القضاة حين يعترفون بوجود مصلحة عامة في نشاط إداري معين، تحقيق من الصعب- إن لم يكن من المستحيل- القيام به.

ولعل ما يزيد من صعوبة تعريف المصلحة العامة عدم بيان المشرع الدستوري أو العادي لمحدداتها أو معيار معين يمكن على هديه تحديد معالمها، بل اكتفى فقط بالنص على بعض صورها كما هو الشأن بالنسبة لنزع الملكية لأجل المنفعة العامة، كما أن الإدارة باعتبارها القائمة على تحقيق الصالح العام، قلما تبين المقصود بهذه الفكرة حال قيامها بنشاط معين بدافع الصالح العام.

فضلاً على أن القضاء الإداري يستعمل فكرة المصلحة العامة دون أن يعير اهتماماً لتعريفها وتحديد مضمونها، فقد ورد في قرار صادر عن محكمة النقض المصرية أن: “المبدأ المستقر في فقه القانون الإداري أن الهدف الذي يسعى إليه رجل الإدارة ينبغي أن يكون على الدوام هو تحقيق المصلحة العامة”[66]، وفي سبيل تثبته من قيام المصلحة العامة، فإن القضاء يعمد إما إلى تكليف أطراف الدعوى بتبرير وجودها، أو يستعين بطبائع الأمور واحتياجات الجمهور، بحيث يتبنى ما يتفق وطبائع الأمور، أو يشبع أكبر قدر من الاحتياجات على أساس أن ذلك يعد مصلحة عامة.

ونشير إلى أن القضاء الإداري واستناداً إلى فكرة المصلحة العامة كرس بعض المبادئ التي تؤمن حسن سير المرفق العام.

فإذا كان مبدأ الاستمرارية من أهم المبادئ التي يقوم عليها المرفق العام، لذلك عمل القضاء الإداري على تكريس بعض القواعد التي من شأنها تأمين المبدأ المذكور من قبيل عدم جواز حجز أموال الإدارة اللازمة لحسن سيرها- الفقرة الأولى- وقاعدة عدم جواز عرقلة أشغال عمومية- الفقرة الثانية-.

الفقرة الأولى: عدم جواز حجز أموال الإدارة اللازمة لحسن سيرها:

لما كانت المرافق العمومية تحتاج في أدائها للخدمة المنوطة بها تحقيقاً للنفع العام إلى وسائل مادية لأداء وظيفتها، فقد كان من اللازم أن يحاط المرفق العام بكل الضمانات التي تمكنه من أداء وظيفته بصورة مضطردة ومنتظمة لجمهور المنتفعين بخدماته، تحقيقاً للمصلحة العامة.

وإذا كان المشرع قد خص الأموال العامة بمقتضيات حمائية، باعتبار تخصيصها للمنفعة العامة وضمان حسن سير المرفق العمومي[67]، فإن ثبوت مديونية الدولة بمقتضى حكم قضائي حائز لقوة الشيء المقضي به، وامتناع الإدارة عن التنفيذ، يثير التساؤل بخصوص إمكانية سلوك طرق التنفيذ الجبري في مواجهتها قصد استيفاء ذلك الدين، وخاصة اللجوء إلى مسطرة الحجز على بعض أموالها؟.

لقد اهتدى القاضي الإداري إلى إمكانية سلوك مسطرة الحجز في مواجهة الإدارة سواء كان الحجز تحفظياً أم تنفيذياً، غير أنه حصر أعمال تلك المسطرة على الأموال الخاصة العائدة لها دون الأموال العامة اللازمة لحسن سيرها، بحكم أن الحجز على المال العام يتعارض مع مبدأ تخصيصه للمصلحة العامة، وأن الحجز بهذا الشكل يعطل سير المرافق العامة، ويجول دون تنفيذها لوظيفة النفع العام الملقاة على عاتقها، علماً أن الحجز ينقلب في النهاية إلى بيع قضائي، والحال أن البيع الاختياري غير جائز.

ترتيباً على ما تقدم فإن عدم جواز الحجز هذا قاصر على ما يلزم لسير المرفق العام، فإذا كانت هنالك بعض الأموال غير مخصصة لإدارة المرفق، ولا يتعارض الحجز عليها مع سيره، أمكن الحجز عليها، وهذا الاتجاه هو الذي يسير عليه العمل القضائي بالمحكمة الإدارية بالرباط[68].

وعموماً إذا كان مبدأ حضر الحجز على أموال الإدارة الضامنة لحسن سيرها يجد مبرره في الصالح العام فإن هناك مبادئ أخرى تقابله وتعد من النظام العام من قبيل مبادئ المشروعية وسيادة القانون واحترام قوة الشيء المقضي به.

الفقرة الثانية: عدم جواز عرقلة أشغال عمومية:

تقتضي المصلحة العامة المرتبطة بتنفيذ أشغال عمومية تخويل بعض المؤسسات العمومية ممارسة صلاحيات من شأنها أن تمس بالملكية الخاصة، وذلك من قبيل الامتياز المخول للمكتب الوطني للكهرباء[69].

وأثناء قيام المكتب الوطني للكهرباء بتنفيذ أشغال ترتبط بالمهام الموكولة إليه، قد يصادف أن يعترض عليها أحد الأفراد، بدعوى قيام المكتب بأعمال الحفر بقطعته الأرضية قصد إنجاز وتثبيت عمود كهربائي للضغط المرتفع دون سلوكه لإجراءات نزع الملكية وفقاً لمقتضيات القانون رقم 81/7 وأن هذه الأفعال تشكل تعدياً على حق الملكية المكفولة دستورياً، كما أن استمراره في هذه الأعمال من شأنه خلق وضعية يصعب تداركها في المستقبل، تبعاً لذلك يتقدم بطلب إلى قاضي المستعجلات قصد إيقاف تلك الأشغال.

وبالنظر إلى أن إقامة الأعمدة الكهربائية يدخل في إطار ممارسة المكتب المذكور للامتياز المخول له قانوناً، وطالما أن حق مالك العقار في المطالبة بالتعويض عن إحداث تلك المنشأة محفوظ، وعملاً بمبدأ عدم جواز عرقلة أشغال عمومية، فإن القضاء الاستعجالي لا يستجيب لطلبات من هذا القبيل[70].

وحماية للامتياز المخول للمكتب الوطني للكهرباء فإن القضاء الاستعجالي يتدخل بناء على طلب هذا الأخير لتأمين ممارسته لمهامه دون عراقيل، بحث يصدر أوامر استعجالية مشمولة بالنفاذ المعجل لوضع حد لأي عرقلة يتعرض لها المكتب المذكور[71].

ترتيباً على ذلك يمكن القول بأن حماية المال العام تتجسد من جهة في تأمين الحماية القضائية للأشغال التي تقوم بإنجازها المؤسسة العمومية المذكورة، ولو تعارضت هذه المصلحة المحمية مع المصلحة الخاصة المتمثلة في الملكية الخاصة، ذلك أن أي عرقلة لأشغال تمرير الخيوط الكهربائية وإقامة الأعمدة التي تسند عليها من شأنه أن يشكل مساساً للمال العام بالنظر لتكلفة الأعمال المذكورة وأن كل تأخير في الانجاز نتيجة عرقلة أشغال تلك المؤسسة أو العمل على إيقافها سيتسبب لا محالة في هدر المال العام سيما إذا علمنا إن تلك العرقلة قد تتخذ شكل إتلاف التجهيزات وأدوات عمل المكتب المكلف بالأشغال، ومن جهة أخرى وتفعيلاً لتلك الحماية بشكل مستعجل فإن القضاء الاستعجالي الإداري ما فتئ يؤكد اختصاصه للبت في طلبات رفع كل العراقيل التي تعترض المكتب الوطني للكهرباء أثناء قيامه بمهامه إيماناً منه بطبيعة المصلحة التي ينشدها المكتب المذكور.

ثانياً: التعامل الاستثنائي مع تقديرات الخبرة القضائية:

القاعدة أن محكمة الموضوع غير ملزمة مطلقاً بإتباع ما جاء في تقرير الخبير الذي انتدبته بحيث لها أن تقضي بما يخالفه، بالنظر إلى أن المحكمة لا يمكنها في هذا الصدد أن تقضي بغير ما تقتنع به، وينتج عن ذلك أن لقاضي الموضوع الحرية التامة في تقدير عمل الخبير، فيأخذ به جميعه أو يأخذ ببعض ما جاء فيه ويغض الطرف عن الباقي، بل وله أن يستبعده كلية من ملف الدعوى، وهذا الموقف يبلور عملياً السلطة التقديرية التي تتمتع بها المحاكم في مادة الخبرة[72]، وقد قررت محكمة النقض الفرنسية إعمالاً لذلك بأن المحكمة غير ملزمة برأي الخبير متى تعارض ذلك مع اقتناعها[73].

ومع ذلك، فإن محكمة الموضوع ملزمة حين استبعادها لتقرير الخبرة أو تعديل بعض نتائجه بأن تعلل موقفها بمقتضى تعليل خاص[74]، طالما أن الأمر يتعلق بنتائج تقنية توصل إليها الخبير بمعرفته العلمية، فكيف تتعامل المحاكم الإدارية مع تقارير الخبراء؟ هل تكتفي بالمصادقة على مضمنها، أم أنها تمارس سلطتها التقديرية وتعدل النتائج التي خلص إليها الخبير؟ وهل تلتزم في هذه الحالة بإيراد تعليل خاص؟.

بالاطلاع على مجموعة مهمة من المقررات الصادرة عن المحكمة الإدارية بالرباط، نرصد أن الحالات التي يمارس فيها القضاء سلطته التقديرية بخصوص تقديرات الخبرة، وذلك بالتخفيض من مبلغ التعويض المقدر من طرف الخبير في مواجهة الإدارة أكثر بكثير من حالات المصادقة.

ولإبراز ذلك ارتأينا إدراج الجدول الآتي الذي يكشف عن إعمال المحكمة الإدارية بالرباط لسلطتها التقديرية بخصوص الخبرة المقدرة للتعويض عن فقد الملكية.


جدول يعكس تعامل قضاء المحكمة الإدارية بالرباط مع الخبرة القضائية بخصوص التعويض عن فقد الملكية

مراجع الحكممبلغ التعويض المقدرمن طرف الخبير عنفقد الملكيةالمبلغ المحدد منطرف المحكمة
حكم رقم: 1488بتاريخ: 27 رمضان 1426موافق: 31/10/2005ملف رقم: 1349/03 ش ن500,00 درهم300,00 درهم
حكم رقم: 2110بتاريخ: 13/06/2011ملف رقم: 2276/08 ش ن200,00 درهم80,00 درهم
حكم رقم: 1413بتاريخ: 17/10/2005ملف رقم: 403/6/04300 درهم150 درهم
حكم رقم: 2195بتاريخ: 20/06/2011ملف رقم: 1328/11/09500 درهم150 درهم
حكم رقم: 1881بتاريخ: 27/12/2005ملف رقم: 793/6/041116 درهم800 درهم
حكم رقم: 1804بتاريخ: 10 ذي القعدة 1426موافق: 12/12/2005ملف رقم: 1340/03 ش ن850 درهم500 درهم
حكم رقم: 1791بتاريخ: 19/12/2005ملف رقم: 604/03 ش ن350 درهم150 درهم
حكم رقم: 242بتاريخ: 12 محرم 1426موافق: 21/2/2005ملف رقم: 1342/03ش ن650 درهم400 درهم
حكم رقم: 1862بتاريخ: 17/06/2010ملف رقم: 807/07 ش ن150 درهم100 درهم
حكم رقم: 357بتاريخ: 1/3/2004ملف رقم: 267/02 ش ن800 درهم575 درهم
حكم رقم: 2132بتاريخ: 1/10/2009ملف رقم: 1824/07 ش ن200 درهم50 درهم
حكم رقم: 2125بتاريخ: 01/10/2009ملف رقم: 809/08 ش ن500 درهم150 درهم
حكم رقم: 2191بتاريخ: 20/06/2011ملف رقم: 1317/11/09130 درهم80 درهم
حكم رقم: 2197بتاريخ: 20/06/2011ملف رقم: 1328/11/09500 درهم150 درهم
حكم رقم: 2115بتاريخ: 13/06/2011ملف رقم: 1332/11/09150 درهم100 درهم

المصدر: تركيب شخصي

الملاحظ أن جل المقررات القضائية، حين تخفيضها لمبلغ التعويض المضمن في الخبرة، تستند على علة المصلحة العامة وتخصيص العقار للمنفعة العامة، ويتم ذلك على وجه الخصوص في قضايا نزع الملكية.

بخصوص العلة المتعلقة بتخصيص العقار للمرفق العام، نورد الحكم الصادر عن المحكمة المذكورة الذي خفض من تقديرات الخبير من مبلغ: 60000 درهم إلى مبلغ: 30000 درهم بالاستناد على التعليل الآتي: “حيث إن المحكمة بما لها من سلطة تقديرية في تحدي التعويض عن الحرمان من الاستغلال، وبالاستئناس بما جاء في تقرير الخبرة، وبعد الأخذ بعين الاعتبار رصد جزء من العقار لخدمة مرفق عام، علماً أن ذروة الاستغلال لا تتعدى فصل الصيف دون باقي الفصول ترى تحديده في ظل المعايير المذكورة في مبلغ 30.000 درهم”[75].

ويمكن القول بأن تعامل القضاء الإداري مع تقديرات الخبراء على النحو المذكور أعلاه فرضته تقديرات الخبراء التعسفية والمبالغ فيها للتعويضات التي ستتحملها الإدارة، لذلك فإن المحاكم تعمد أحياناً إلى تخفيض مبلغ التعويض إلى الثلث أو أقل من ذلك، رعياً للمصلحة العامة المتمثلة في تجنب هدر المال العام، علماً أن الأمر بخبرة إضافية أو مضادة بقصد التبين من تقديرات الخبرة الأولى سوف لن يجد في الموضوع، طالما أن الخبرة الثانية سوف تتضمن نفس التقديرات إن لم تحدد مبالغ تفوق التقديرات المضمنة في الخبرة الأولى.

الفرع الثاني: المصلحة العامة في قضايا الاعتداء المادي:

يعرف بعض الفقه الإداري الاعتداء المادي بأنه عمل مادي غير شرعي تأتيه الإدارة في مواجهة الأفراد بحيث يتميز بعد شرعيته الجسيمة الشيء الذي يفقده كل علاقة بالسلطة الإدارية المخولة للإدارة[76]، أو هو كل عمل لا صلة له مطلقاً بتطبيق نص قانوني أو تنظيمي أو حتى بإحدى الصلاحيات المسندة للإدارة، فهو العمل الذي لا يمكن اعتباره عملاً ذي طبيعة إدارية يمكن إدراجه ضمن ممارسات السلطات الإدارية[77].

ومن ثم فإن استيلاء الإدارة على عقار مملوك للغير خارج مقتضيات قانون نزع الملكية[78]، وخارج أي اتفاق رضائي بينها وبين المالك، يعتبر من قبيل الاعتداء الموسوم بعدم الشرعية لخرقه حق الملكية الخاصة، ويتحقق هذا الغصب سواء لم تسلك الإدارة الإجراءات الواجبة بمقتضى قانون نزع الملكية نهائياً، أو سلكتها بطريقة غير سليمة، كما يتحقق سواء كان الاعتداء نهائياً أو بصفة مؤقتة فقط، كما يتحقق سواء كان كلياً شاملاً لسائر العقار أو جزئياً فقط.

وباستقراء العمل القضائي للمحكمة الإدارية بالرباط في موضوع رفع الاعتداء المادي يتضح أنه سعى إلى معالجة هذا الوضع بشكل يضمن حماية للمال العام، وذلك إما باتخاذ التدابير الوقتية التي تحول دون إهدار ذلك المال، أو إقرار مبدأ عدم المساس بالمنشأة العامة من خلال تمييزه بين حالة عدم إنشاء الإدارة لمنشآت بالعقار المغصوب- أولاً- وحالة إنجاز تلك المنشآت- ثانياً-.

أولاً: غصب الإدارة لأملاك الأفراد دون إحداث منشآت:

تعمد الإدارة أحياناً إلى الاعتداء على حق الملكية الخاصة بدريعة الاستعجال أو تعقد مسطرة نزع الملكية وطولها، الأمر الذي يدفع المالكين إلى مقاضاتها أمام القضاء الإداري، بهدف رفع ذلك الاعتداء، طالما أن الإدارة لم تنجز أي أشغال بالعقار المغصوب، أو أن تلك الأشغال لازالت في بدايتها- الفقرة الأولى-، غير أن الإدارة قد تعرض على مالك العقار أثناء سريان الدعوى إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه تجنباً للحكم عليها بالتعويض، حيث أقر العمل القضائي مبدأ أولوية التعويض العيني- الفقرة الثانية-.

الفقرة الأولى: رفع الاعتداء المادي تجنباً لإهدار المال العام:

تتوزع طلبات رفع الاعتداء المادي المقدمة في مواجهة الإدارة بين القضاء الاستعجالي وقضاء الموضوع بحسب طبيعة اختصاص كل جهة.

1-اختصاص القضاء الاستعجالي الإداري في قضايا رفع الاعتداء المادي:

أسندت المادة 19 من القانون رقم: 90-41 المحدث للمحاكم الإدارية لرئيس المحكمة الإدارية أو من ينيبه عنه مهمة قاضي المستعجلات للنظر في الطلبات الوقتية[79]، كما أن المادة 7 من القانون المذكور نصت على تطبيق القواعد المقررة في قانون المسطرة المدنية أمام المحاكم الإدارية ما لم ينص قانون على خلاف ذلك، مما حاصله أن القضايا الاستعجالية أمام القضاء الإداري تحكمها مقتضيات الفصول 149 إلى 154 من قانون المسطرة المدنية.

ويستمد القضاء الاستعجالي الإداري اختصاصه من اختصاص المحكمة الإدارية نفسها كقضاء موضوع في مجال رفع الاعتداء المادي والتعويض عنه، لأن قاضي المستعجلات الإداري جزء من المحكمة الإدارية[80].

ويستجيب القضاء الاستعجالي لطلبات إيقاف الأشغال أو إفراغ الإدارة كلما ثبت له أن هذه الأخيرة لم تنجز بها منشآت عامة أو أن الأشغال التي تباشرها لازالت في بدايتها.

في هذا السياق عمد المجلس الإقليمي لمدينة وزان إلى القيام بأعمال الحفر قصد إنجاز طريق بعقار عائد لأحد الأفراد دون سلوك المسطرة القانونية لنزع الملكية، فتدخل قاضي المستعجلات بناء على طلب هذا الأخير، وأمر بإيقاف الأشغال المذكورة بعد أن ثبت له أنها لازالت في بدايتها، على الرغم من أن المجلس المدعي عليه دفع بأن المنطقة المعنية بالأشغال المطلوب إيقافها تعرف شق طرق من إنجاز جهات أخرى غير أن القاضي الاستعجالي اعتبر أن “مجرد اندراج أمر إحداث الطرق وصيانتها ضمن اختصاص مجالس العمالات والأقاليم عملاً بمقتضيات 35 من القانون رقم 79.00 المتعلق بتنظيم العمالات والأقاليم، كان يقتضي من المجلس الإقليمي المدعي عليه تحديد الجهة المعنية بالطريق التي لم ينف تحقق إحداثها في عقار المدعي، أو على الأقل استدلاله بما ينم عن استيفاء الأشغال المذكورة لضوابط نزع الملكية كما هي منصوص في القانون رقم 7/81 المتعلق بنزع الملكية لأجل المنفعة العامة والاحتلال المؤقت، وهو ما لم تدل على تحققه أوراق الملف المستشف من خلالها فقط أن الأشغال موضوعها لازالت في بدايتها، مما يجعل المجلس الإقليمي المدعي عليه ظاهرياً في وضعية اعتداء مادي، والطلب حول إيقاف هذا الاعتداء مبرراً من الناحية القانونية وحليفاً بالاستجابة إليه”[81].

ترتيباً على ما تقدم فإن القضاء الاستعجالي يتوخى من خلال القضاء بإيقاف الأشغال المشكلة للاعتداء المادي أمرين:

أولهما حماية المال العام من خلال الحد من استمرار الأشغال الذي قد تؤدي إلى إحداث تغيير على معالم العقار موضوع الاعتداء، وذلك بإحداث منشآت به، مما يتعذر معه إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه، مما يرتب التزاماً على عاتق الإدارة بتعويض مالك العقار بمبالغ مالية باهظة، وأن من شأن إيقاف تلك الأشغال منح الفرصة للإدارة بتصحيح الوضعية، وذلك بسلوك المسطرة القانونية لنزع الملكية مقابل منح المنزوعة ملكيته تعويضاً معقولاً.

-أما الأمر الثاني فيتمثل في تجنب إهدار المال العام: لأن إيقاف الأشغال سيؤدي بالضرورة إلى توقف المشروع، مما يعني عدم التمادي في إهدار المال العام، ذلك أن استمرار تلك الأشغال وبلوغها مراحل متقدمة ثم استصدار المالك لمقرر قضائي بإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه سيترتب عليه تبذير للمال العام، علماً أن هناك بعض التطبيقات القضائية الشاذة تقضي بإفراغ الإدارة للعقار المغصوب على الرغم من بلوغ الأشغال مرحلة متقدمة جداً، وذلك خلافاً للاجتهاد القضائي المتواتر الذي يقضي بعدم المساس بالمنشآت العامة وحماية المال العام، ونمثل لتلك التوجهات القضائية بالقرار الصادر عن محكمة النقض بتاريخ: 1 يوليوز 1983 الذي قضى بأن: “احتلال ملك الغير بدون حق ولا سند من طرف الجماعة المحلية وبناءها فيه بناءات تجارية واجتماعية يشكل وضعاً غير قانوني تقتضي المصلحة العامة، وكذلك مصلحة المالك جعل حد له في أقرب وقت، الأمر الذي يعطي لدعوة الإفراغ صبغة استعجالية يختص قاضي المستعجلات بالنظر فيها”[82].

2-رفع الاعتداء المادي من قبل قضاء الموضوع:

نشير بداية إلى أن قضاء الموضوع لا يستجيب لطلبات إيقاف الأشغال التي تقوم بها الإدارة على اعتبار أن الأمر المطلوب هو إجراء وقتي يعد من صميم اختصاص قاضي المستعجلات الذي أسندت له المادة 19 من القانون رقم: 90-41 من القانون المحدث للمحاكم الإدارية أمر البت في الطلبات الوقتية والتحفظية، وفي هذا الإطار قضت المحكمة الإدارية بالرباط بتاريخ 26 يونيو 2007 بأن “طلب إيقاف الأشغال باعتباره طلباً وقتياً يدخل ضمن اختصاص القضاء المستعجل لا قضاء الموضوع”[83].

في مقابل ذلك يمكن لقضاء الموضوع رفع الاعتداء المادي عن طريق الحكم بإفراغ الإدارة من العقار المعتدي عليه، وذلك في الحالات التي لم تعمد فيها الإدارة إلى تشييد أي منشأة عمومية على العقار محل الاعتداء، أو أن تكون تلك الأشغال في مراحلها التمهيدية[84]، وسند القضاء في ذلك هو ضمان المصلحتين العامة والخاصة، فالمصلحة العامة تتمثل في تجنب تبذير المال العام، وتكمن المصلحة الخاصة في حماية الملكية الخاصة المضمونة دستورياً.

وإذا كان القضاء الإداري يستجيب لطلبات إخلاء الإدارة من العقار المعتدي عليه إذا كانت الأشغال العامة لم تبلغ مراحل متقدمة، فإن تقدير مراحل تلك الأشغال تخضع للسلطة التقديرية للمحكمة بعد استعانتها بخبرة في الموضوع، فإذا تبين أن رد العقار لمالكه أضحى مستحيلاً لكون الأشغال بلغت مراحل نهائية، فإنه يستعاض عن الإفراغ بالتعويض النقدي، غير أنه قد يكون للإدارة تقدير آخر بحيث يتبين لها أن التعويض المالي سيكلفها مبالغ مالية مهمة، لذلك وبهدف ترشيد إنفاق أموالها تعرض على المدعي مالك العقار إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه، فهل يمكن الاستعاضة عن التعويض النقدي بالتعويض العيني رعياً لحسن ترشيد المال العام؟.

الفقرة الثانية: أولوية التعويض العيني:

تواتر العمل القضائي على جبر الضرر عن طريق التعويض النقدي، علماً أن مقتضيات الفصل 77 من قانون الالتزامات والعقود استعملت مصطلح التعويض بشكل مطلق دون تحديد، إذ ورد في الفصل المذكور: “كل فعل ارتكبه الإنسان عن بينة واختيار ومن غير أن يسمح له به القانون، فأحدث ضرراً مادياً أو معنوياً للغير، التزم مرتكبه بتعويض هذا الضرر، إذا ثبت أن ذلك الفعل هو السبب المباشر في حصول الضرر”.

وبالنظر لعمومية لفظ التعويض يمكن القول بأن جبر الضرر يتم بالتعويض المالي أو التعويض العيني طالما أن اللفظ المطلق يحمل على إطلاقه، ووفق لهذا التأويل سار العمل القضائي الفرنسي[85].

والجدير بالذكر أن التعويض العيني يعد أكثر نجاعة من التعويض المالي، طالما أنه يرتب إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه ويمحو الضرر بشكل كامل، كما يجنب الإدارة نفقات مالية باهظة، لذلك نجد أن القضاء الفرنسي يخير الإدارة بين إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه على نفقتها، أو أداء التعويض المحكوم به[86]، كما أن القواعد العامة للمسؤولية تقضي بأن التنفيذ العيني هو الأصل ولا يسار إلى التعويض النقدي إلا إذا استحال التنفيذ العيني، تطبيقاً لذلك قضت محكمة النقض المصرية بأنه: “إذا استولت الحكومة على عقار مملوك لأحد الأفراد جبراً عن صاحبه دون اتخاذ إجراءات نزع الملكية للمنفعة العامة… فإن صاحب العقار يظل محتفظاً به رغم هذا الاعتداء، ويكون له الحق في استرداده، وذلك ما لم يصبح رد هذا العقار مستحيلاً، فعندئذ يستعاض عنه بالتعويض النقدي تطبيقاً لقواعد المسؤولية العامة التي تقضي بأن التنفيذ العيني هو الأصل ولا يسار إلى عوضه- أي التعويض النقدي- إلا إذا استحال التنفيذ عيناً”[87].

وإذا قامت الإدارة بإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه تلقائياً بعد مقاضاتها من طرف مالك العقار من أجل التعويض عن الملكية، فإنها تعفي من التعويض، بالنظر إلى أن رد العقار لمالكه يعد بمثابة تعويض عيني يغني عن التعويض النقدي، وفي هذا السياق قضت المحكمة المذكورة بأنه: “إذا اغتصبت الإدارة أرضاً للمدعي ولم تضمها إلى ملكها بإجراء شرعي، وطالب بتعويض فسارعت برد الأرض إليه، اعتبر ذلك تعويضاً عينياً يغني عن التعويض النقدي، لأن التعويض العيني هو الأصل إلا إذا قام مانع من الرد”[88].

وسيراً على نفس النهج قضت الغرفة الإدارية بمحكمة النقض المغربية بإلغاء حكم ابتدائي لكونه قضى بالتعويض في مواجهة الإدارة، مع أن هذه الأخيرة أبدت استعدادها لإفراغ العقار المدعي فيه[89].

وتبدو أهمية قاعدة أولوية التعويض العيني على مستوى حماية المال العام وضمان حسن إنفاقه ذلك أن رد العقار إلى مالكه سيوفر للإدارة مبالغ مالية هامة كانت ستؤدي كتعويض عن فقدان الملكية وبإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه يمكن للإدارة تصحيح وضعيتها القانونية، وسلوك المساطر القانونية لوضع يدها على العقار، إذا كانت المصلحة العامة تقتضي ذلك.

ثانياً: إقامة منشآت عامة في إطار الاعتداء المادي:

إذا كانت المصلحة العامة تقضي في حالات الاعتداء المادي بعدم جواز هدم المنشأة العامة- الفقرة الأولى- فإن تعويض مالك العقار عن فقدان الملكية يقتضي نقل ملكية العقار المعتدي عليه إلى الإدارة رعيا للمصلحة المذكورة- الفقرة الثانية-.

الفقرة الأولى: مبدأ عدم المساس المنشأة العامة:

إن استيلاء الإدارة على عقار عائد للخوص حياداً على الإجراءات القانونية لنزع الملكية وإحداثها لمنشأة عمومية به، يجعلنا أمام وضعية تتنازعها مصلحتان خاصة وعامة.

فالمصلحة الخاصة تتمثل في حق الملكية المصون بحكم الدستور والمواثيق الدولية وكذا القوانين الخاصة[90].

أما المصلحة العامة فقوامها عدم المساس بالمنشآت العمومية، بحيث يمنع الحكم بهدم أي بناية عمومية قد تقام على ملك خصوصي، ولو كانت تلك البناية محدثة في إطار الاعتداء المادي، فإنجاز الإدارة لأشغال عامة على أرض الغير تترتب عنه لا محالة صرف أموال عمومية تحملتها الميزانية العامة، لذا فمن غير المستساغ المساس بالمنشأة، بالنظر لما يترتب على ذلك من إهدار للأموال العامة.

وفي إطار موازنة القضاء الإداري بين المصلحتين المذكورتين، يتم ترجيح المصلحة العامة على المصلحة الخاصة رعيا للمال العام، هذا التوجه يساير المبدأ المعروف في الفقه الإسلامي الذي يقضي بدفع الضرر الأكبر بالضرر الأصغر، وسيراً على نفس النهج يقضي القضاء الفرنسي بعدم جواز هدم المنشأة العمومية المقامة على ملك الغير، ويستعيض عن ذلك يجبر الضرر الحاصل للمالك عن طريق تعويضه نقداً[91].

بخصوص القضاء المغربي، وإن كان يقضي برفض طلب هدم المنشأة العامة أو إفراغ الإدارة من العقار المعتدي عليه إذا ما أنجزت به منشآت عامة أو أن تشييدها بلغ مراحل متقدمة، فإن الأساس الذي كان يستند عليه عرف نوعاً من التطور، ذلك أن الغرفة المدنية بمحكمة النقض كانت تؤسس توجهها على مقتضيات الفصل 25 من قانون المسطرة المدنية الذي يمنع على المحاكم عرقلة السلطات العمومية[92]، ولم تكن تتبنى مبدأ عدم جواز هدم المنشأة العامة.

غير أنه بعد إحداث المحاكم الإدارية شرع القضاء في اعتماد تعليل آخر مؤسس على فكرة المصلحة العامة التي تقتضي عدم المساس بالمنشأة العامة حماية للمال العام.

وفي إحدى النوازل، تقدم أحد الأفراد بطلب إلى قاضي المستعجلات بالرباط مدعياً قيام الإدارة بتشييد منشأة عمومية، تتمثل في طابق سفلي لمدرسة على عقار عائد له ملتمساً إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه، فقضي برفض طلبه بعلة تجنب إهدار المال العام، ذلك أنه “لأجل رفع الاعتداء المادي المطالب به، فإن ذلك يقتضي إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه وبالتالي إهدار المال العام وتدمير مرفق عمومي قائم، ولئن كان من حق المدعيين المطالبة بالتعويض عما لحقهما من ضرر من جراء الاعتداء المادي المذكور”[93].

وقد أبرزت المحكمة الإدارية بالرباط- من خلال حكم صادر عنها بتاريخ: 29 شتنبر 2003- بشكل مفصل أسس عدم الاستجابة لطلب إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه في حالة إتمام إنجاز المنشأة العمومية على العقار المغصوب، إذ أنها لم تكتف باعتماد مبدأ عدم المساس بالمنشأة العامة، بل أضافت إليه مبدأ حماية المال العام، وعززته كذلك بآلية الموازنة بين المصلحة العامة والمصالح الخاصة التي تقتضي ترجيح الأولى[94].

وإذا كان القضاء الإداري لا يستجيب إلى طلبات إخلاء الإدارة من العقار المغصوب إذا أقيمت عليه منشآت عامة، وذلك رعياً للمصلحة العامة التي تقضي بأن المنشأة العامة المحدثة على وجه غير سليم لا يمكن هدمها حماية للمال العام، فإن التساؤل يثار بخصوص وضعية العقار المعتدى عليه؟.

الفقرة الثانية: نقل ملكية العقار المغصوب إلى الإدارة:

إذا كان مالك العقار المعتدى عليه محق في التعويض عن فقدان ملكه، فإن نقل ملكية ذلك العقار إلى الإدارة تعترضه بعض الصعوبات، ذلك أن هذه الأخيرة قد تعمد إلى تصحيح وضعيتها وذلك بسلوك مسطرة نزع الملكية قصد تملكها للعقار موضوع نزع الملكية وفقاً للقانون، حيث تنقل إليها الملكية بدون أي إشكال وهذا ما أكدته محكمة النقض المغربية في قرار لها بتاريخ: 10 نوفمبر2004 [95]، حينما اعتبرت أن الحكم للمنزوعة ملكيته بالتعويض عن فقد ملكية عقاره في إطار دعوى التعويض عن الاعتداء المادي لا يحول دون الحكم بنقل ملكية نفس العقار لفائدة نازع الملكية، مادامت دعوى نزع الملكية مستجمعة لكافة الشروط المنصوص عليها في قانون نزع الملكية للمنفعة العامة والاحتلال المؤقت، والمحكمة لما قضت بعدم قبول دعوى نزع الملكية لسبق الحكم بالتعويض عن الاعتداء المادي لم تجعل لقضائها أساس.

غير أن عدم تصحيح الإدارة لوضعيتها من مجرد معتد إلى نازع للملكية، وذلك عن طريق استصدار مرسوم بذلك النزع، ولجوئها إلى مسطرة نقل الملكية أمام المحكمة الإدارية المختصة يجعل نقل ملكية العقار محل الاعتداء إليها محل إشكال، وقد تضاربت بشأنه الأحكام القضائية.

ذلك أن استيلاء الإدارة على أحد العقارات جبراً دون إتباع الإجراءات القانونية التي يقتضيها قانون نزع الملكية، يعد بمثابة غصب ليس من شأنه أن ينقل الملكية للغاصب، ويظل صاحب هذا العقار محتفظاً بملكه رغم هذا الاستيلاء، ويكون له الحق في ريعه أو استرداده حتى تتخذ الإدارة إجراءات نزع الملكية قانوناً، على هذا الأساس قررت محكمة النقض بتاريخ: 28-12-2005 [96] بأن “نقل ملكية عقار إلى الإدارة في إطار نزع الملكية الجبري، لا يتم إلا في إطار المسطرة القانونية المنصوص عليها في القانون رقم: 7-81 المتعلق بنزع الملكية لأجل المنفعة العامة والاحتلال المؤقت استناداً إلى أحكام الدستور التي تقضي بأن حق الملكية مضمون وأن القانون وحده هو الذي يحد من مداه، وأن الإدارة حينما تقوم بالاستيلاء على ملك الغير خارج الإطار القانوني المشروع، فإن عملها هذا يشكل اعتداء مادياً لا يمكن للقضاء أن يكرسه ويضفي المشروعية عليه، وذلك من خلال نقل ملكية العقار المستولى عليه إلى الإدارة المسؤولة عن هذا العمل المادي على إثر الحكم بالتعويض عن الرقبة لفائدة المالك، الذي هو في الأصل تعويض عن فقدانه لعقاره بعد أن خرج من حيازته القانونية، وانتقل إلي الإدارة التي أصبحت تملك فقط حيازته المادية والفعلية”. مضيفة بأن “الحيازة المادية للعقار موضوع النزاع قد انتقلت إلى الإدارة المستأنفة بفعل اعتدائها المادي عليه وأصبحت تملكه فعليا بعد أن أنشأت مرفقا عمومياً عليه، إلا أنه لا يمكن الحكم لها بنقل ملكيته إليها مقابل التعويض عن الرقبة المحكوم به لفائدة مالك العقار، إلا إذا تم ذلك وفقاً للمسطرة والإجراءات القانونية الجاري بها العمل والمشار إليها أعلاه”.

والملاحظ أن القاعدة التي سنها هذا القرار من شأنها أن تخلق وضعية شاذة تتمثل في الإبقاء على المعتدى على ملكه كمالك للعقار، والحال أنه تسلم تعويضاً عن فقدان الملكية، كما أن القضاء لفائدة هذا الأخير بالتعويض عن الاستغلال وفقدان الرقبة دون نقل الملكية لفائدة الإدارة، يؤدي إلى إهدار للمال العام.

فضلاً على صعوبة تنفيذ أحكام من هذا القبيل سواء على المستوى الواقعي أو القانوني، ذلك أن قانون المحاسبة العمومية يلزم الإدارة بعدم الأداء إلا بعد انتهاء الأشغال التي تتمثل في مثل هذه الدعاوي في نقل الملكية، ومن ثم سيجد الخازن الوزاري لدى وزارة الاقتصاد والمالية نفسه مجرداً من أي نص قانوني يسمح له بأداء التعويض عن فقدان الرقبة، دون أن تنتقل بصفة قانونية هذه الرقبة إلى ذمة الدولة أو الجماعة المحلية المعتدية[97].

ثم إن إقرار قاعدة عدم نقل ملكية العقار إلا بعد تصحيح الوضعية بسلوك مسطرة نزع الملكية فيه نوع من الإجحاف بحق الإدارة، إذ ما الفائدة من سلوك المسطرة المذكورة بعد أداء مقابل الملك محل الاعتداء ؟، لذلك فقد كان حرياً بمحكمة النقض أن تنهج مسلك القضاء المصري ممثلاً في محكمة النقض[98] التي وإن أكدت أن استيلاء الحكومة على عقارا جبرا عن صاحبه دون اتخاذ الإجراءات التي يوجبها قانون نزع الملكية يعتبر بمثابة غصب، وليس من شأنه أن ينقل بذاته ملكية العقار إلى الغاصب، وأن صاحب العقار يظل محتفظاً بملكيته رغم هذا الاستيلاء، ويكون له الحق في استرداد هذه الملكية، إلا أنها أفردت استثناءات يتم بموجبها نقل الملكية إلى الإدارة تتمثل في:

-صدور مرسوم نزع ملكية العقار محل الاعتداء.

-استحالة رد العقار لمالكه.

-اختيار المالك المطالبة بالتعويض عن العقار المغصوب.

وعلى الرغم من ذلك، فإن العمل القضائي بالمحكمة الإدارية بالرباط تواتر على نقل ملكية العقار محل الاعتداء إلى الإدارة إذا ما تقدمت هذه الأخيرة بطلب بشأن ذلك، باعتبار أن المصلحة العامة إن كانت تقضي بعدم المساس بالمنشأة العامة المحدثة بشكل غير سليم، فإنها توجب كذلك نقل ملكية العقار المغصوب إلى الإدارة طالما أن مالكه عوض عن فقدان الملكية، ونشير في هذا الصدد إلى الحكم الصادر عن المحكمة المذكورة بتاريخ: 28 فبراير 2006 [99] الذي قضى في الطلب الأصلي بتعويض عن فقد الملكية والاستغلال لفائدة المالك، وفي المقال المضاد المقدم من طرف الإدارة بنقل ملكية العقار محل الاعتداء إلى هذه الأخيرة علماً أن هذا الحكم تم تأييده من قبل محكمة النقض[1].

خلاصة المبحث الأول:

إن الثابت من خلال العمل القضائي بالمحكمة الإدارية بالرباط بشأن القضايا التي لها ارتباط بالمال العام أنه يسير في اتجاه تأمين حماية خاصة لهذا المال، وذلك من خلال تعامله المرن مع القواعد الإجرائية للتقاضي في الدعاوي التي تستهدف مشروعية إبرام عقد الصفقة العمومية، كما تجسدت تلك الحماية في المنازعات المتصلة بالصفقات الباطلة، حيث تم اعتماد نظرية الخطأ المشترك بين الإدارة- صاحبة المشروع- والمقاول- صاحب الصفقة-، وقضى تبعاً لذلك لفائدة هذا الأخير بتكلفة إنجاز المشروع دون الأرباح، واتسم تعامله بخصوص إثبات عقد الصفقة بنوع من التشدد ، إذ اشترط الكتابة وسلوك مساطر الانعقاد، ووضع ضوابط محددة لسندات الطلب، ضماناً لمبدأ الشفافية المنصوص عليه في المادة الأولى من القانون المنظم للصفقات العمومية، واعتبر الإقرار الصادر عن ممثلي الأشخاص المعنوية في حالات معينة فاقداً للقيمة الإثباتية.

فضلاً على ذلك، عمل القضاء الإداري بالمحكمة المذكورة على حماية المال العام من التبذير، حينما قضى بإلزام الإدارة بالتخلي عن عقارات الأفراد المستولى عليها حياداً على قانون نزع الملكية، طالما أن أنها لم تنجز بها مرافق عامة، أو أن الأشغال المتعلقة بها لازالت في بدايتها، وذلك حتى يتأتى لها تصحيح وضعيتها القانونية، وسلوك المساطر النظامية لوضع اليد على عقارات الأفراد درء لتحمل المالية العامة لتعويضات باهظة في إطار الاعتداء المادي. وإذا تم إنجاز مرافق عمومية بأراضي الغير، فإنه تجنب القضاء بإخلاء الإدارة من الملك المغصوب رعياً للمال العام، بحكم أن إفراغ هذه الأخيرة سيترتب عنه إهدار للمال الذي أنفق على إنجاز المنشأة العامة، بل إنه يقضي بنقل ملكية العقار المعتدي عليه إلى الإدارة بعد أدائها تعويضاً للمعتدي على ملكيته.

وتجسدت حماية القضاء الإداري بالمحكمة الإدارية بالرباط للمال العام على وجه الخصوص في تعامله مع الخبرة القضائية المحددة للتعويض الذي ستتحمله الإدارة، حيث إن أغلب المقررات القضائية تخفض من تقديرات الخبرة بعلة “المصلحة العامة” و”تخصيص العقار للمنفعة العامة”، وذلك لمواجهة التقديرات المبالغ فيها للخبراء التي تحول دون إضفاء حماية فعالة للمال العام إلى جانب معيقات أخرى، هذا ما سيشكل محور المبحث الموالي.

المبحث الثاني: إكراهات حماية المال العام من قبل القضاء الإداري

إذا كان العمل القضائي بالمحكمة الإدارية بالرباط قد عمل على رعاية المال العام من خلال قضائه في النوازل المعروضة عليه، وذلك بالتطبيق الصارم للقاعدة القانونية التي تروم ضمان الشفافية أو ابتكار آليات اجتهادية من شأنها ترجيح المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، وبالتالي إضفاء حماية للمال العام، فإن القضاء الإداري قد يجد نفسه أمام وضعيات يتعذر معها ضمان رعاية خاصة لذلك المال، بحيث يعجز العمل القضائي عن توفير حماية له حتى ولو أعمل اجتهاده، طالما أن ضمان تلك الحماية في الحالات المذكورة قد يتطلب معارضة نصوص قانونية صريحة، أو المس بالمصالح الخاصة للأفراد بشكل بين، علماً أن العمل القضائي- من خلال بعض المقررات الصادرة عنه- قد يتسبب في هدر المال العام من خلال الإعمال غير السليم لبعض القواعد القانونية، وهو ما يمكن تصنيفه في إطار الحدود القضائية لحماية المال العام.

وبخصوص الإكراهات الأخرى نشير إلى أن عدم تقيد الإدارة بمبدأ الشرعية يسهم في تبذير ذلك المال لذلك يمكن القول بأن بعض التطبيقات القضائية، وكذا عدم انضباط الإدارة لمبدأ الشرعية يشكل أحد مثبطات حماية المال العام- المطلب الأول- ينضاف إلى ذلك، عدم إيلاء هذه الأخيرة الأهمية اللازمة للدعاوي المقدمة في مواجهتها، وكذا عدم تقديرها للمقررات القضائية الصادرة في حقها- المطلب الثاني-.

المطلب الأول: الحدود المرتبطة بالعمل القضائي وبعدم انضباط الإدارة لمبدأ الشرعية:

إذا كان المطلوب من القضاء الإداري أن ينخرط في التوجه القاضي بتأمين الحماية للمال العام فإن بعض التطبيقات القضائية سلكت بعض التوجهات من شأنها أن تسهم في هدر ذلك المال، وشكلت بذلك حدوداً قضائية لحماية المال العام- الفرع الأول-، كما يبقى عدم انضباط الإدارة لمبدأ الشرعية أحد أبرز تجليات اكراهات حماية المال العام- الفرع الثاني-.

الفرع الأول: الحدود القضائية لحماية المال العام:

من خلال تفحص العمل القضائي الصادر عن المحاكم الإدارية في القضايا التي لها ارتباط بالمال العام يتضح أن القضاء الإداري وإن كان يسعى في عمومه إلى تأمين حماية خاصة لذلك المال، فإن بعض المقررات القضائية تطالعنا باجتهادات مناقضة لذلك المسعى، فضلاً على أن الخبرة القضائية المأمور بها من قبل المحاكم الإدارية كثيراً ما تتسم بالمبالغة في تقدير التعويض الذي ستتحمله الإدارة، مما يترتب عنه هدر للمال العام.

لذلك سوف نستعرض بعض التطبيقات القضائية المسهمة في هدر المال العام- أولاً-، ثم نتطرق للمحور المتعلق بمبالغة الخبرة القضائية في تقدير التعويض- ثانياً-.

أولاً: تطبيقات قضائية تسهم في هدر المال العام:

من أهم التطبيقات القضائية التي تحول دون إضفاء حماية للمال العام نذكر العمل القضائي الذي يضفي المشروعية على الصفقات الباطلة- الفقرة الأولى-، واعتبار عدم جواب الإدارة بمثابة إقرار- الفقرة الثانية- والزيادة في مبلغ التعويض المقترح في إطار نزع الملكية في غياب منازعة المنزوعة ملكيته- الفقرة الثالثة-.

الفقرة الأولى: إضفاء المشروعية على الصفقات الباطلة:

إذا كانت الصفقات الباطلة هي التي تبرم حياداً على المرسوم رقم 388-06-2 الصادر في 5/2/2007 بتحديد شروط وأشكال إبرام صفقات الدولة، وكذا بعض القواعد المتعلقة بتدبيرها ومراقبتها فإن بعض الأحكام القضائية تصفي المشروعية عليها، من خلال القضاء لفائدة المتعاقد مع الإدارة بكامل مقابل الصفقة، واعتماد بيانات أخرى- غير عقد الصفقة- لإثبات الصفقة موضوع النزاع، من قبيل الخبرة القضائية ونورد في هذا الإطار نازلة تتعلق بتقديم إحدى الشركات لدعوى أمام المحكمة الإدارية بأكادير في مواجهة المجلس البلدي لمدينة العيون، أدعت من خلالها بأنها تعاقدت مع هذا الأخير بمقتضى صفقتين عموميتين بلغت قيمة الأولى 935.946,50 درهما، وقيمة الثانية 753.871,00 درهما، وتتعلقان بإنجاز أشغال تهم إصلاح وتهيئة بعض الأزقة والشوارع بمدينة العيون، وبعد الشروع في الأعمال المذكورة في مواعيدها وقطع أشواط مهمة في إنجازها، بلغ مجموع قيمة الأشغال المنفذة والمسلمة نهائياً 653.750,56 درهم، غير أن المجلس البلدي استنكف عن أداء المستحقات المترتبة في ذمته، لذلك التمس الطرف المدعي الحكم على المدعى عليه بأدائه لفائدته مبلغ الصفقتين وكذا تعويضا مسبقاً مع النفاد المعجل، غير أن الإدارة المدعى عليها دفعت بعدم إثبات المدعية للصفقتين نافية التعاقد بشأنها.

وبعد إجراء المحكمة الإدارية بأكادير لخبرة قصد التثبت من الصفقتين، قضت بأداء المجلس الجماعي لمدينة العيون في شخص رئيسه لفائدة المدعية مبلغ الصفقتين المحدد في 750,56.653 درهم والفوائد القانونية من تاريخ الحكم، والنفاذ المعجل في حدود نصف المبلغ المحكوم به، وتحميل المجلس المدعى عليه الصائر بالنسبة ورفض باقي الطلبات[101].

الفقرة الثانية: اعتبار عدم جواب الإدارة بمثابة إقرار:

كثيراً ما تستنكف الإدارة وخاصة الجماعات الترابية عن الجواب عن الدعاوى المقدمة في مواجهتها، رغم توصلها بالاستدعاء بصفة قانونية مرفقا بنسخة من المقال الافتتاحي، الأمر الذي جعل بعض المواقف القضائية تركن إلى اعتبار عدم الجواب بمثابة إقرار بما هو مضمن بصحيفة افتتاح الدعوى، عملاً بمقتضيات الفصل 406 من قانون الالتزامات والعقود الذي ورد فيه: “يمكن أن ينتج الإقرار القضائي عن سكوت الخصم عندما يدعوه القاضي صراحة إلى الإجابة عن الدعوى الموجهة إليه فيلوذ بالصمت، ولا يطلب أجلاً للإجابة عنها”.

ففي نازلة عرضت على المحكمة الإدارية بالرباط أدعت من خلالها إحدى الشركات بأنها باعت لجماعة العوامرة بإقليم العرائش سيارة من نوع بوجو 405 دون أن تحصل على ثمنها المحدد في مبلغ 218.000,00 درهم، ملتمسة الحكم عليها بأدائها لفائدتها المبلغ المذكور، غير أن الجماعة المذكورة لم تجب على مقال الدعوى رغم توصلها بنسخة منه، الأمر الذي اعتبرت معه المحكمة موقف الجماعة المعنية بمثابة إقرار مؤكدة ما يلي:

“وحيث استنكفت الجماعة القروية المدعي عليها عن الجواب رغم التوصل ومنحها الأجل الكافي مما يعد إقراراً ضمنياً من جانبها لما تضمنه مقال الدعوى، خاصة وأن الأستاذ المهدي المجول قد تنصب للدفاع عن مصالحها حسبما هو ثابت من نيابته المقدمة بتاريخ 11 أبريل 2003 والمتضمن في ذات الوقت طلب تأخير البت في الملف للجواب والذي استجابت له المحكمة في جلستها العلنية المنعقدة بتاريخ 17 أبريل 2003”[102].

إن التبين من مدى صوابية التوجه المذكور يقتضي الرجوع إلى الصيغة الفرنسية الرسمية للفصل 406 التي ورد فيها:

“L’aveu judiciaire, peut resulted du silence de la partie; lorsque formellement invite par le juge a s’expliquer sur la demande qui lui est opposee; elle persiste à ne pas répondre et ne demande pas de délai pour ce faire”.

الملاحظ أن الصيغة الفرنسية تضمنت عبارة: elle persiste à ne pas répondre “التي ترجمت على أساس: “يلوذ بالصمت” والحال أن العبارة الأولى تفيد الإصرار على عدم الجواب، لذلك فمجرد عدم جواب الإدارة لا يمكن أن يستشف منه أنها تقر بمضمن مقال الدعوى، بل يتعين أن يتضمن الملف ما يفيد الإصرار على عدم الجواب، من قبيل توجيه استدعاء ثاني إلى الإدارة قصد إنذارها للجواب تحت طائلة اعتبار عدم جوابها بمثابة إقرار، أو حضور ممثلها إلى الجلسة وتأكيده على عدم رغبة موكلته في الجواب.

لذلك فإن اعتبار عدم جواب الإدارة بمثابة إقرار يشكل إعمالا غير سليم لمقتضيات الفصل 406 خصوصا إذا أخذنا بعين الاعتبار الصعوبات المترتبة على واقع التبليغ بالمغرب، وكذا الآثار الخطيرة للاستنتاج المذكور على حقوق الإدارة المطلوب منها الجواب بصفة خاصة وما يشكله ذلك من مساس بالمال العام بصفة عامة.

الفقرة الثالثة: الزيادة في مبلغ التعويض المقترح في إطار نزع الملكية في غياب منازعة المنزوعة ملكيته:

إذا كان المشرع قد راعى من خلال بيان كيفية تقدير التعويض الممنوح للمنزوعة ملكيته مبدأي حماية المال العام وتخصيص العقار للمنفعة العامة[103]، فإن بعض التطبيقات القضائية في مجال نزع الملكية قد حادت عن ذلك التوجه خلال تعاملها مع تقدير ذلك التعويض، ذلك أن الثابت وفق القواعد القانونية لنزع الملكية، أن الإدارة تقترح على المنزوعة ملكيته مبلغاً للتعويض، وإذا حظي هذا الاقتراح بموافقته يتم تحرير محضر بشأن ذلك، أما إذا لم يتم التوافق بشأن ذلك، ونازع المالك في التعويض المقترح فإنه يبقى للقضاء صلاحية تحديد التعويض المناسب.

غير أن بعض الأعمال القضائية تعمد تلقائياً إلى تعديل المبلغ المقترح وذلك بالرفع منه على الرغم من أن المنزوعة ملكيته أبدى موقفاً يستشف منه قبوله للتعويض المقترح، من قبيل عدم أدائه أتعاب الخبرة[104]، أو عدم منازعة القيم في التعويض المقترح[105].

ذلك أن القضاء بصنيعه المومأ إليه أعلاه، يكون من جهة قد خرق أحد المبادئ الأساسية لإجراءات التقاضي وهو مبدأ الحياد، وأسهم من جهة ثانية في إهدار المال العام من خلال الزيادة التلقائية في المبلغ المقترح من طرف نازعة الملكية.

ففي حالة ما إذا أمرت المحكمة بإجراء خبرة كما هو الشأن في النازلة الماثلة، فإنها تعين الخبير الذي سيكلف بالمأمورية[106] كما تحدد صائر الإجراء المذكور، وتحدد الطرف الذي سيتحمله[107]. وإذا ما استنكف هذا الأخير عن أداء أتعاب الخبرة يتم صرف النظر عن ذلك الإجراء، ويبت في النازلة على حالتها، كما يمكن للمحكمة أن تقضي برفض الطلب الذي صدر الأمر بإجراء تحقيق فيه عملاً بمقتضيات الفقرة الثانية من الفصل 56 من قانون المسطرة المدنية الذي نص على أنه: “يصرف النظر عن الإجراء- في حالة عدم إيداع هذا المبلغ في الأجل المحدد من طرف القاضي- للبت في الدعوى ويمكن رفض الطلب الذي يصدر الأمر بإجراء التحقيق فيه”.

لذلك يتعين على المحكمة بعد أن تقضي بصرف النظر عن إجراء الخبرة لعدم أداء المنزوعة ملكيته أتعاب الخبير، أن تبت في الدعوى على حالتها وذلك باعتماد المبلغ الذي حددته اللجنة الإدارية للتقييم، طالما أن المنزوعة ملكيته حينما أحجم عن أداء مصاريف الخبرة يكون قد عبر عن قبوله الضمني للتعويض المذكور.

ثانياً: عدم التزام الخبراء بالعناصر الموضوعية لتقدير التعويض:

بقراءة متأنية للخبرات القضائية المنجزة في النوازل المعروضة على المحاكم الإدارية والمتعلقة بتقدير التعويض الذي ستتحمله الإدارة، يتضح أن الخبراء لا يتقيدون بأساليب التقييم الجاري بها العمل[108]، بحيث يكتفون أحيانا بالإشارة إلى أحد تلك الأساليب دون الإدلاء بأي بيان يثبت اعتمادهم لها، ويبقى أهم ما يطبع الخبرة القضائية بهذا الخصوص هو المبالغة في تقدير التعويض كلما كان الأمر يتعلق بطلب تعويض مقدم في مواجهة الإدارة.

ومما يؤكد عدم التزام الخبراء بالموضوعية نشير إلى الإجراءات التي بوشرت في الملف رقم: 1666-08 بشأن الخبرة[109]، حيث أمرت المحكمة الإدارية بالرباط بإنجاز خبرة لمعاينة العقار المنزوعة ملكيته ووصفه وصفا دقيقا بحسب موقعه وطبيعته ومشتملاته، وتحديد ثمنه على ضوء ذلك مع مراعاة الأثمنة التي بيعت بها العقارات المجاورة، والأخذ بعين الاعتبار الاختلافات المتواجدة مع عناصر المقارنة، على أن يتم تحديد الثمن المقترح استنادا إلى الوضعية المالية التي عرفها سوق العقار خلال شهر أكتوبر 2008، والنظر لتأخر الخبير المنتدب عن إنجاز المهمة المسندة إليه، قررت المحكمة استبداله وتعيين خبير آخر بدلاً عنه فصادف هذا الاستبدال أن أنجز الخبير الأول تقريره الذي خلص فيه إلى تحديد قيمة القطعة الأرضية المنزوعة ملكيتها في مبلغ 800,00 درهم للمتر المربع الواحد، غير أن الخبير الثاني انتهى في تقريره إلى تقدير قيمة ذلك العقار في مبلغ 400,00 درهم للمتر المربع الواحد، علما أن كل واحد من الخبيرين حاول تعليل النتيجة التي انتهى إليها، بل إن الخبير الأول أشار إلى أنه حدد قيمة العقار بمراعاة الأزمة التي عرفها سوق العقار.

ويجد هذا المسلك الذي يهم المبالغة في تقدير التعويض الذي ستتحمله الإدارة تفسيره في اعتقاد بعض الخبراء أن الإدارة معروفة بملاءة ذمتها، وأن المال العام ملك لهذه الأخيرة، ولا علاقة للمواطن به، وبالتالي يتعين الاستفادة منه كلما أتيحت الفرصة لذلك، فضلاً على بعض الممارسات غير الأخلاقية التي تطبع عمل بعض الخبراء من قبيل الرشوة[11].

الفرع الثاني: عدم التزام الإدارة بمبدأ الشرعية:

يقصد بعدم التزام الإدارة بمبدأ الشرعية عدم تقيدها بالنصوص القانونية حين تدبيرها للشأن العام[111]، حيث تعمد إما إلى القيام بأفعال يترتب عنها أضرار للأفراد، مما يوجب عليها تعويضهم جبرا لتلك الأضرار، وإما إلى غصب أملاكهم حياداً على القواعد القانونية الجاري بها العمل الأمر الذي يكلف الميزانية العامة مبالغ مالية مهمة، نتيجة مطالبة المعتدي على ملكهم بتعويضهم عن حرمانهم من أملاكهم، فضلاً على استنكاف الإدارة عن تحصيل الديون العمومية المستحقة لفائدتها.

اعتباراً لذلك سنفرد المحور الأول لتناول محور الاعتداء المادي بالنظر لأهميته، وتعدد وتواتر السلوكات الخاطئة للإدارة والتي تصنف ضمن هذا الإطار، على أساس تخصيص المحور الثاني للتطرق لحالات عدم انضباط الإدارة للقواعد القانونية.

أولاً: الاعتداء المادي:

يعرف الاعتداء المادي بأنه كل عمل مادي غير شرعي تأتيه الإدارة في مواجهة الأفراد بحيث يتميز بعد شرعيته الجسيمة الشيء الذي يفقده كل علاقة بالسلطة الإدارية المخولة للإدارة[112].

إن وضع الإدارة يدها على عقار أحد الأفراد حياداً على مسطرة نزع الملكية من شأنه أن يكلفها مبالغ مالية مهمة، باعتبار أن التعويض عن الاعتداء المادي يخضع للقواعد العامة، فضلا على أنه يشمل التعويض على فقد الملكية-1- والتعويض عن الحرمان من استغلال العقار المعتدى عليه-2-، كما أن الإدارة لا تستفيد بهذا الخصوص من المساهمة المجانية موضوع الفصل 37 من قانون التعمير-3-.

1: التعويض عن فقد الملكية:

إذا كان التعويض عن فقد الملكية في إطار نزع الملكية يحدد على أساس الضرر الحالي والمحقق والناشئ مباشرة عن نزع الملكية، كما يحدد مبلغه- مبدئياً- حسب قيمة العقار يوم صدور قرار نزع الملكية، دون أن تراعي في تحديد هذه القيمة البناءات والأغراس والتحسينات المنجزة دون موافقة نازع الملكية، فإن الاعتداء المادي يخول لمالك العقار المعتدى عليه حق المطالبة بقيمة ذلك العقار بتاريخ تقديم الدعوى ووفقاً للقواعد العامة، مع الأخذ بعين الاعتبار المنشآت المقامة عليه من قبيل البنايات والأغراس.

كما يحق للمالك المطالبة بالتعويض عن تفويت فرصة إنجاز مشروع من المشاريع على العقار محل الاعتداء[113]، إذا كان يتوفر على ترخيص بشأن ذلك، أو على الأقل إذا قام بالإجراءات اللازمة لتنفيذ ذلك المشروع، على أن القاضي الإداري عند تقديره للتعويض في هذه الحالة سينظر إلى أي حد كان الاحتمال كبيراً في إنجاز المشروع المزعوم ليقضي بتعويض يعادل مقدار ذلك الاحتمال.

2: التعويض عن الحرمان من الاستغلال.

يقصد بالتعويض عن الحرمان من الاستغلال جبر الضرر الناتج عن الحرمان من المردودية التي كان بإمكان المالك أن يجنيها من أرضه لو ظلت تحت يده، كما عرفته الغرفة الإدارية بمحكمة النقض المغربية بأنه: “تعويض على ما فات المستأنف عليهم من كسب وما حرموا منه من نفع في حالة ما إذا بقي العقار في حوزتهم”[114].

ويتم تقدير التعويض عن الحرمان من الاستغلال بالاعتماد على بعض العناصر الواقعية من قبيل الغرض الذي كان العقار معدا له[115].

والملاحظ أن موقف القضاء الإداري من مسألة التعويض عن الحرمان من الاستغلال طبعه نوع من التردد، بحيث أن بعض المقررات القضائية اشترطت لمنع التعويض المذكور إثبات ماهية الكسب الذي حرم منه مالك العقار، والذي كان بإمكانه أن يحققه لو لم يحرم من عقاره، بمعنى أنه يتعين على المعتدى على أرضه أن يثبت بأنه كان يستغل تلك الأرض في نشاط معين[116].

كما أن هناك اتجاها قضائياً آخر يقول بعدم ضرورة إثبات نوع الاستغلال الممارس بالعقار قبل احتلاله من طرف الإدارة، بحيث يمنح التعويض عن فوات الكسب لمجرد حرمان المالك من وضع يده على عقاره[117].

وبخصوص المدة التي يستحق عنها التعويض عن الحرمان من الاستغلال، فقد أقرت الغرفة الإدارية بمحكمة النقض بأن ذلك التعويض يستحق عن الفترة الممتدة من تاريخ وضع الإدارة يدها على العقار إلى حين الانتهاء من إنجاز المرفق العمومي وشروعه في العمل[118].

ترتيبا على ما تقدم يتضح أن استيلاء الإدارة على أملاك الأفراد دون سلوك المساطر القانونية المقررة في هذا الشأن، يرتب على عاتق الإدارة التزاما بأداء تعويضات مهمة لفائدة المعتدى على ملكه تتمثل في التعويض عن فقد الملكية والتعويض عن الحرمان من الاستغلال، والتعويض عن تفويت الفرصة عند الاقتضاء، مما حاصله أن الإدارة بصنيعها المومأ إليه أعلاه، تكون قد أسهمت في تبذير مال عام، كان بإمكانها ترشيد إنفاقه لو راعت المقضيات القانونية المنظمة لنزع الملكية لأجل المنفعة العامة[119].

3-عدم إعمال قاعدة المساهمة المجانية لمالكي العقارات المجاورة للطرق:

تنص المادة 37 من القانون رقم 90-[120]12 على أن الجماعة تقوم بتملك العقارات الواقعة في مساحة الطرق العامة الجماعية، وذلك إما برضى ملاكها وإما بنزع ملكيتها منهم مع مراعاة الأحكام الخاصة المنصوص عليها في نفس المادة، والمتعلقة بمساهمة مالك كل بقعة أرضية تصير أو تبقى مجاورة للطريق العامة الجماعية المقرر إحداثها مجانا في إنجازها إلى غاية مبلغ يساوي قيمة جزء من أرضه يعادل مستطيل يكون عرضه عشرة أمتار، وطوله مساويا لطول واجهة الأرض الواقعة على الطريق المراد إحداثها، شريطة ألا تتعدى هذه المساهمة قيمة ربع البقعة الأرضية، مع إلزام الجماعة بتملك الجزء الذي يبقى من البقعة المذكورة إذا أصبح غير قابل للبناء بموجب الضوابط القانونية.

وإذا قامت الإدارة بإنجاز طريق دون مراعاة ضوابط التعمير، فإنها تعتبر مرتكبة لفعل الاعتداء المادي، وتلزم بالتعويض الكامل دون اعتبار لمقتضيات المادة 37 المومأ إليها أعلاه. وقد ورد في قرار لمحكمة النقض:

“مادام المجلس البلدي قد قام بشق الطريق فوق أرض المدعين، دون أن يقتنيها منهم عن طريق المراضاة أو عن طريق سلوك مسطرة نزع الملكية، فإنه يكون في حالة اعتداء مادي، وبالتالي يكون المدعون محقين في التعويض عن قيمة أرضهم وعن الحرمان من استغلالها ودون اعتبار أي جزء من المساحة المقتطعة في إطار المساهمة المجانية”[121]

اعتبارا لذلك فإن غصب الإدارة لأملاك الأفراد يحرمها من الاستفادة من المساهمة المجانية لمالكي القطع الأرضية المجاورة للطرق المحدثة، بحكم أن إعمال المقتضى المذكور رهين باحترام الإدارة للمقتضيات القانونية المقررة في هذا الشأن، الأمر الذي يجعل هذه الأخيرة ملزمة بأداء تعويض يعادل قيمة العقار المحدثة به الطريق دون اعتبار أية مساهمة مجانية، مما يكلف المالية العامة مبالغ مالية إضافية كان من الممكن تفاديها.

علاوة على عدم سلوك الإدارة لمسطرة نزع الملكية خلال وضع يدها عن عقار الغير، فإن تدبير الشأن العام كشف على أن تبذير المال العام ينتج كذلك على عدم انضباط الإدارة للقواعد القانونية.

ثانياً: عدم انضباط الإدارة للقاعدة القانونية:

لقد تبين من خلال استقراء مواضيع الدعاوى القضائية المرفوعة ضد الإدارة، وكذا الأحكام القضائية الصادرة في مواجهتها، أن نسبة كبيرة من القضايا المذكورة تهم التعويض عن أضرار تسببت فيها الإدارة، إما بفعل التهاون أو التقصير في أداء مهامها أو بفعل تجاهل القواعد القانونية المعمول بها، مما يكلف المالية العامة أموالاً باهظة تخل بتوازنها المالي، وتعرقل السير العادي والمنتظم للمرفق العام[122]، لذلك فإن عدم التزام الإدارة بالقواعد القانونية يشكل أحد العوامل التي تحول دون ضمان حماية فعالة للمال العام من قبل القضاء الإداري- الفقرة الأولى- فضلا على تقصير المصالح المختصة في تحصيل الديون العمومية- وخاصة ما يتعلق بالضرائب- في إبانها، مما يعرضها للتقادم- الفقرة الثانية-.

الفقرة الأولى: عدم التزام الإدارة بالقواعد القانونية:

تتعدد الحالات التي لا تنضبط فيها الإدارة للقواعد القانونية المعمول بها، حيث تتصرف خارج إطار الشرعية، فتسبب بذلك في إحداث ضرر للأفراد، مما يرتب على كاهلها التزاما بتعويضهم، الأمر الذي يسهم في هدر للمال العام.

ومن صور تصرف الإدارة خارج إطار الشرعية نشير إلى الحالات الآتية:

-تفويض المجلس الجماعي لاختصاصات المتعلقة بالشرطة الإدارية[123].

-إصدار رئيس المجلس الجماعي لقرار هدم البناء[124].

-عدم صيانة الإدارة للطرق مما يجعلها تتسبب في أضرار للأفراد[125].

-تقصير المجلس الجماعي في القيام بجمع النفايات[126].

الفقرة الثانية: تقادم تحصيل الديون العمومية نتيجة التهاون في تحصيلها:

باستقراء القضايا المتعلقة بالنزاعات الضريبية المعروضة على المحاكم الإدارية، يتضح أن أغلبها يتعلق بطلبات سقوط حق القابض في الاستخلاص نتيجة تقادم الدين العمومي[127]، ذلك أن المادة 123 من مدونة تحصيل الديون العمومية تقضي بأنه: “تتقادم إجراءات تحصيل الضرائب والرسوم والحقوق الجمركية وحقوق التسجيل والتمبر بمضي أربع سنوات (4) من تاريخ الشروع في تحصيله.

تتقادم الديون الأخرى المعهود باستخلاصها للمحاسبين المكلفين بالتحصيل، وفق القواعد المقررة في النصوص المتعلقة بها، وعند انعدامها، وفق القواعد المنصوص عليها في الظهير الشريف المؤرخ في 9 رمضان 1331 (12 أغسطس 1913) بمثابة قانون الالتزامات والعقود.

ينقطع التقادم المشار إليه في الفقرتين السابقتين بكل إجراء من إجراءات التحصيل الجبري يتم بمسعى من المحاسب المكلف بالتحصيل، أو بإحدى الإجراءات المنصوص عليها في الفصلين 381 و382 من الظهير الشريف بمثابة قانون الالتزامات والعقود السالف الذكر”.

ونتيجة لعدم مباشرة الأجهزة المكلفة بالاستخلاص لإجراءات التحصيل خلال الآجال القانونية المقررة لها على النحو المومأ إليه أعلاه، أو مباشرتها بشكل معيب، فإن القضاء الإداري يقضي بسقوط الحق في استخلاصها باعتبارها أصبحت مشمولة بالتقادم[128].

اعتبارا للكم الهائل من الأحكام الصادرة بهذا الشأن يمكن القول بأن تقاعس المحاسبين المكلفين بالتحصيل عن سلوك المساطر الممهدة لاستخلاص الديون العمومية، يفضي إلى حرمان الخزينة العامة من مبالغ مالية مهمة، فضلاً على ذلك فإن البين من العمل القضائي أن مساطر تحصيل الدين العمومي تمارس في أحيان كثيرة بشكل معيب، مما يجعلها غير مؤثرة على قطع التقادم، ومن ضمن أهم المساطر التي يساء إعمالها نذكر مسطرتي تبليغ إجراءات التحصيل وتسلسل إجراءاته.

لذلك يمكن القول بأن عدم انضباط الإدارة المكلفة بتحصيل الديون العمومية للقواعد القانونية المقررة للتحصيل، يحرم الميزانية العامة من موارد مالية هامة، وأن السلوك المذكور يعد أهم عائق يحول دون الحماية الناجعة للقضاء الإداري للمال العام، ينضاف إلى السلوكيات الأخرى المرتبطة بكيفية تعامل الإدارة مع الدعوى المقدمة في مواجهتها، والأحكام الصادرة ضدها.

المطلب الثاني: عدم تقرير الإدارة للدعاوى والمقررات القضائية:

من خلال تتبع مسار القضايا المرتبطة بالمال العام المعروضة على المحاكم الإدارية يتضح أن تعامل الإدارة مع تلك القضايا يتسم بعدم الفعالية، بشكل يسهم في تبذير للمال العام، بحيث أن القضاء الإداري يجد نفسه في حالات كثيرة عاجزا عن ضمان حماية ناجعة لذلك المال بالنظر لمواقف الإدارة المتسمة بالتقصير في الاهتمام بالدعوى الإدارية- الفرع الأول- فضلا على إهمالها تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة في مواجهتها- الفرع الثاني-.

الفرع الأول: التقصير في الاهتمام بالدعوى الإدارية:

لعل أهم ما يميز الإطار القانوني لتمثيل الشخص المعنوي العام أمام القضاء هو تشتت النصوص القانونية وتعددها، فضلاً على تعدد المؤسسات التي تتولى الدفاع عن مصالحه[129]، بحيث ينص الفصل 515 على أنه: “ترفع الدعوى ضد:

1-الدولة، في شخص الوزير الأول وله أن يكلف بتمثيله الوزير المختص عمد الاقتضاء.

2-الخزينة، في شخص الخازن العام.

3-الجماعات المحلية، في شخص العامل بالنسبة للعمالات والأقاليم وفي شخص رئيس المجلس القروي بالنسبة للجماعات.

4-المؤسسات العمومية، في شخص ممثلها القانوني”.

وبخصوص الدفاع عن مصالح الشخص المعنوي العام أمام القضاء، نشير إلى أن للدولة الخيار بين اللجوء إلى أحد موظفيها المنتدبين لهذه الغاية أو اللجوء إلى أحد المحامين أو الاستعانة بالوكيل القضائي[130] وإن كانت الممارسة العملية تكشف أن الإدارات العمومية والمكاتب والمؤسسات العمومية تعهد إلى الوكيل القضائي للمملكة لتمثيلها والدفاع عنها خلال الدعاوى المقدمة في مواجهتها، علما أن الثابت من القضايا المطروحة على المحكمة الإدارية عدم فعالية الدور التمثيلي للوكالة القضائية للمملكة- أولاً- علاوة على تقصير الجماعات الترابية في الدفاع عن مصالحها المالية- ثانياً-.

أولا: حدود دور الوكالة القضائية للمملكة في الدفاع عن المصالح المالية للإدارة:

إذا كان الفصل 514 من قانون المسطرة المدنية قد أوجب إدخال الوكيل القضائي في الدعوى كلما كانت الطلبات تستهدف التصريح بمديونية الدولة، أو إدارة عمومية أو مكتب، أو مؤسسة عمومية للدولة في قضية لا علاقة لها بالضرائب أو الأملاك المخزنية تحت طائلة عدم القبول، فإن نفس الإلزام ورد في ظهير 2 مارس 1953، إذ اعتبر إدخاله ضرورياً في الدعاوي التي تستهدف “إثبات دين على الدولة الشريفة أو على أحد إدارتها أو مكاتبها أو مؤسساتها العمومية، وكان هذا الدين غير داخل في شؤون الضرائب أو شؤون الأملاك المخزنية”.

وقد اعتبرت محكمة النقض أن المقتضيات المذكورة، باعتبارها تروم حماية مصالح الدولة، تعد من متعلقات النظام العام، بحيث لا يجوز إغفالها[131].

يتبين من خلال مجموعة من القضايا المعروضة على المحكمة الإدارية بالرباط والتي تهم مديونية الدولة أن هناك تقصيرا من قبل الوكالة القضائية في الدفاع عن الأشخاص المعنوية التي تمثلها، ويتمثل هذا التقصير على وجه الخصوص في عدم استجاباتها للاستدعاءات التي توجهها إليها المحكمة، مما يجعل هذا الأخيرة تصدر أحكاماً بناء على المعطيات التي قدمها خصم الإدارة، الأمر الذي يرتب التزامات مالية مهمة بذمة هذه الأخيرة، وخاصة في القضايا التي تتعلق بالعقود الإدارية، ولتوضيح هذا المعطى ارتأينا تقديم مثال يخص وزارة التجهيز والنقل، حيث أن هناك قضايا كثيرة تخص الوزارة المذكورة معروضة على القضاء الإداري، وترتبط على وجه الخصوص بعقود الصفقات التي تبرمها مع أشخاص القانون الخاص، وتترتب عنها منازعات تهم في الغالب المطالبة بمقابل الصفقة وكذا التعويض، غير أن الإدارة المعنية غالبا ما تستنكف عن الدفاع على مصالحها المالية على الرغم من أن الأمر يتعلق بمبالغ مالية مهمة، وهذا ما سيتضح من خلال الجدول التالي:

جدول يبين تعامل الإدارة مع الدعاوى المقدمة في مواجهتها

مرجع النازلةموضوع الدعوىموقف الإدارة (وزارة التجهيز والنقل)المبلغ المحكوم به
حكم صادر بتاريخ 07/06/2012في الملف رقم:7-3-2012بتاريخ:مقابل صفقةعدم الجواب رغم توصلها بالاستدعاء(285597,36) درهم عن الصفقة عدد: 32- DPDPM-2005، مع فوائد التأخير عن المدة الممتدة من تاريخ 26-09-2008 إلى غاية تاريخ 20-09-2011، والفوائد القانونية من تاريخ الحكم.
حكم صادر بتاريخ07-06/2012في الملف عدد:8-13-2012مقابل صفقةعدم الجواب رغم توصلها بالاستدعاء(233016,00) درهم عن الصفقة عدد: AH-17-2004، مع فوائد التأخير عن المدة الممتدة من تاريخ 29-05-2008 إلى غاية تاريخ 20-09-2011، والفوائد القانونية من تاريخ الحكم، وتحميل المدعى عليها الصائر.
حكم صادر بتاريخ07/06/2012في الملف عدد:68-13-2012مقابل صفقةعدم الجواب رغم توصلها بالاستدعاء93092,00 درهم عن الصفقة عدد: -LGP 092010، مع فوائد التأخير ابتداء من تاريخ: 26-11-2010
حكم صادر بتاريخ07/06/2012في الملف عدد:4/13/2012مقابل صفقةعدم الجواب رغم توصلها بالاستدعاء444.303.00 درهم والفوائد التأخيرية ابتداء من 12-7-2006 إلى 20-9-2011 عن الفوائد القانونية ابتداء من تاريخ الحكم مع الصائر
حكم صادر بتاريخ07/06/2012في الملف عدد:/13/2012مقابل صفقةعدم الجواب رغم توصلها بالاستدعاء114.000.00 درهم مع الفوائد التأخيرية من 28-10-2007 إلى 20-9-2011 والفوائد القانونية من تاريخ الحكم مع الصائر.
حكم صادر بتاريخ31/5/2012في الملف عدد:96/13/2010مقابل صفقةعدم الجواب رغم توصلها بالاستدعاء9.330.206.55 درهم مع الفوائد القانونية من تاريخ الحكم والصائر

المصدر: تركيب شخصي، الأحكام المشار إلى مراجعها في الجدول المذكور غير منشورة

الملاحظ من خلال الجدول المذكور أن الوكالة القضائية لم تعمل على حماية المال العام في القضايا المذكورة، على الرغم من أنها تمثل الدولة في القضايا التي تستهدف مديونيتها، فضلاً على أن الوزارة المعنية لم تكلف نفسها عناء انتداب أحد موظفيها للدفاع عنها أمام القضاء، كما لم تنتدب أحد المحامين لتمثيلها في القضايا المذكورة وحماية مصالحها، بحيث أنها أبت إلا أن تستنكف عن الجواب رغم توصلها بالاستدعاء بصفة قانونية، ولم تنازع في الطلبات المقدمة في مواجهتها، مما كان نتيجته صدور أحكام قضائية ضدها من شأنها أن ترهق ميزانيتها، علما أن القضايا التي أوردناها بالجدول المذكور هي مجرد نموذج تم انتقاؤه من قضايا كثيرة صدرت بموجبها أحكام قضائية خلال تاريخ 07-06-2012، وقد بلغ مجموع المبالغ المحكوم بها في مواجهة وزارة التجهيز والنقل بالنسبة لتلك القضايا: 10500214,90 درهم فضلا على فوائد التأخير ومصاريف الدعاوى.

ثانياً: تقصير الجماعات الترابية في الدفاع عن مصالحها المالية:

إن الاختصاصات المنوطة بالمجالس الجماعية ورؤسائها في مختلف الميادين ذات الارتباط بتدبير الشأن المحلي جعلتها تدخل في علاقات متعددة ومتشعبة مع الغير، سواء عن طريق تداخلها من أجل تنظيم نشاط الأفراد داخل الجماعات بواسطة مقررات فردية وتنظيمية، أو عن طريق التعامل مع الأشخاص الاعتباريين أو المعنويين بواسطة الاتفاقيات والعقود من أجل استغلال وتسيير مرافق عمومية جماعية أو أداء خدمات والقيام بأشغال لفائدة هذه الجماعات، الأمر الذي أدى إلى المس بالحقوق وتضارب مصالح أطراف العلاقة وتشعبها وهو ما نتج عنه كثرة وتنوع المنازعات أمام القضاء تكون فيها الجماعات المحلية إما طرفا مدعيا أو طرفا مدعى عليه، غير أن واقع تدبير هذه المنازعات كشف عن تهاون المجالس الجماعية في التعامل معها- الفقرة الأولى- مما دفع إلى إحداث مؤسسة المساعد القضائي للجماعات المحلية، غير أن الإطار القانوني لهذه المؤسسة وكذا الممارسة العملية أثبتا عدم نجاعتها في الدفاع المصالح المالية للجماعات الترابية- الفقرة الثانية-.

الفقرة الأولى: التهاون في تدبير المنازعات القضائية:

لما كانت المساطر القضائية لحل المنازعات تكلف الجماعات المحلية أعباء مالية، من قبيل مصاريف الدعوى وأتعاب المحامي والخبراء، فإن المشرع سن مساطر تمهيدية يتعين سلوكها قبل مقاضاة الجماعة المحلية، وذلك بهدف العمل على تسوية النزاع بشكل ودي تفاديا لعرضه على القضاء، وفي هذا الإطار تنص الفقرة الخامسة من المادة 48 من الظهير الشريف رقم: 297-02-1 الصادر في 25 رجب 1423 (3 أكتوبر 2002) بتنفيذ القانون رقم: 00-78 المتعلق بالتنظيم الجماعي[132] بأنه: “لا يمكن رفع أي دعوى- تتعلق بمطالبة الجماعة بأداء دين أو تعويض- تحت طائلة عدم القبول من لدن المحاكم المختصة، إلا بعد إحالة الأمر مسبقا إلى الوالي أو العامل الذي يبت في الشكاية في أجل أقصاه ثلاثون يوما ابتداء من تاريخ تسليم الوصل، وإذا لم يتوصل برد على شكايته في الآجال المذكورة أو إذا لم يقبل المشتكي هذا الرد، يمكنه رفع شكايته إلى وزير الداخلية الذي يبت فيها داخل أجل أقصاه ثلاثون يوما ابتداء من تاريخ توصله بالشكاية، أو رفع الدعوى مباشرة أمام المحاكم المختصة”، علما أن نفس المقتضى تكرر في القانون رقم: 96-47 المتعلق بتنظيم الجهات[133] وكذا القانون رقم: 00-79 المتعلق بتنظيم العمالات والأقاليم[134].

ونشير إلى أن الإذن بالتقاضي المشار إليه في النصوص القانونية المذكورة لا يهدف فقط إلى إعلام سلطة الوصاية بموضوع القضية، وإعطاء الفرصة للرئيس لإعداد الدفوعات بشأنها، وإنما يهدف كذلك إلى منح المجالس المحلية المعنية إمكانية إيجاد الحلول الحبية للقضايا المثارة قبل عرضها على أنظار القضاء[135] بغية اقتصاد المصاريف التي تتطلبها المسطرة القضائية.

على الرغم من أن القضاء الإداري، وتقيدا منه بالنصوص القانونية المومأ إليه أعلاه، يعتبر استصدار الإذن بالتقاضي أو سلوك مسطرة الحصول عليه شرطا ضروريا لقبول الدعاوى المقدمة في مواجهة الجماعات الترابية[136]، فإن المجالس الجماعية وكذا سلطة الوصاية لا يراعيان الغاية التي شرع من أجلها الإجراء المذكور، بحيث أن الجماعة المحلية لا تبدي أي موقف إيجابي حين توصلها بإخبار بشأن رغبة أحد الأفراد بمقاضاتها، إذ أنها لا تبادر إلى البحث عن حل ودي للنزاع سيما في الحالات التي تكون فيها مدينة لهذا الأخير وتكون المديونية ثابتة، علما أن سلوك المساطر القضائية بهذا الصدد سيترتب عليه صدور أحكام قضائية في مواجهة الجماعة المعنية بشأن أداء ذلك الدين، فضلا على التعويض والفوائد القانونية مع تحميلها صائر الدعوى، وهي التزامات مالية كان بالإمكان تفاديها لو بادرت الجماعة المحلية إلى تسوية النزاع مع الطرف الدائن بشكل ودي.

وحينما يعرض النزاع على القضاء، فإن الممارسة العملية أثبتت أن الجماعات الترابية لا تولي أي اهتمام للاستدعاءات الموجهة إليها قصد الجواب، حيث لا يكلف مدبرو الشأن المحلي أنفسهم عناء الاستجابة لتلك الاستدعاءات، وهذا السلوك ناتج عن الاعتقاد السائد لدى هؤلاء بكون الدعوى المثارة لا تهمهم بصفة شخصية، وإنما تهم الجماعة، وأن ذمتهم المالية سوف لن تتحمل آثار الدعوى المذكورة[137]، علما أن توصل الجماعة بنسخة من المقال وعدم جوابها عنه قد يعتبر إقرار بما ورد في ذلك المقال.

كما أن بعض الجماعات الترابية قد تعمد إلى الاستعانة بخدمات محامين تنقصهم التجربة والكفاءة، مما يجعلهم غير قادرين على الدفاع على المصالح المالية لموكلتهم بشكل فعال، بحيث أن بعضهم قد يكتفي بتسجيل نيابته عن الجماعة المعنية دون الإدلاء بأي جواب.

فضلاً على ذلك، فإن المذكرات الدفاعية التي يتقدم بها بعض المحامون نيابة عن الجماعات الترابية يشوبها قصور بين من حيث عدم إثارتها للدفوع الموضوعية الجدية التي من شأنها حماية المصالح المالية للجماعة المنوب عنها.

واعتبارا لتقصير المجالس الجماعية في الاهتمام بالدعاوى المقدمة في مواجهتها، فقد أصدرت وزارة الداخلية دورية رقم: 21-ق.ت.م.- موجهة إلى ولاة وعمال العمالات والأقاليم وعمال المقاطعات بالمملكة حول ضبط المنازعات القضائية للجماعات المحلية وهيئاتها، تدعوهم من خلالها إلى تحسيس المصالح والجماعات الترابية التابعة لدائرة نفوذهم إلى اتخاذ التدابير اللازمة لتفادي تلك الاختلالات[138]. كما تم إحداث مؤسسة المساعد القضائي للجماعات المحلية.

الفقرة الثانية: عدم نجاعة مؤسسة المساعد القضائي للجماعات المحلية.

إذا كانت الغاية من إحداث مؤسسة المساعد القضائي تتمثل في مؤازرة الجماعات الترابية في الدعاوى التي تستهدف مديونيتها[139]، فإن الصياغة القانونية للنص المحدث لها وكذا الممارسة العملية يثيران بعض الإشكالات من شأنها أن تحول دون حماية المال العام.

فإذا كانت الجماعات الترابية تتمتع بالشخصية المعنوية التي تؤهلها لمقاضاة خصومها والدفاع عن مصالحها أمام القضاء، فإن وضع مؤسسة المساعد القضائي- المكلفة بالمساعدة القانونية للجماعات الترابية- تحت سلطة وزير الداخلية يطرح التساؤل بخصوص مدى استقلالية تلك الجماعات في ممارسة حق التقاضي؟.

كما أن تقديم المساعد القضائي للمساعدة القانونية للجماعات الترابية رهين بصدور تفويض عن الأخيرة بشأن ذلك، والحال أن الفقرة الثانية من المادة 38 من القانون المتعلق بالتنظيم المالي للجماعات المحلية ومجموعاتها توجب إدخال تلك المؤسسة في جميع الدعاوي التي تستهدف التصريح باستحقاق ديون على جماعة محلية تحت طائلة عدم قبول الدعاوى المذكورة، ذلك أن الإدخال الوجوبي للمساعد القضائي في الخصومة يقتضي عدم توقف مؤازرته للجماعة المحلية على تفويض منها، بل إن الفقرة الثالثة من تلك المادة تقضي بأن خدمات المساعدة يمكن أن تكون موضوع اتفاقيات بين وزير الداخلية والجماعات المحلية.

مؤدى ذلك أن المساعد القضائي لا يمكنه النيابة عن الجماعة المحلية إلا إذا أبرمت هذه الأخيرة اتفاقية مع وزير الداخلية بشأن ذلك، وفوضت له التصرف لحسابها في الدعاوى التي تروم التصريح باستحقاق ديون عليها.

والملاحظ أن القيود المذكورة تتنافى مع قاعدة الإدخال الإلزامي للمساعد القضائي في الدعوى تحت طائلة عدم القبول، بحكم أن ترتيب الجزاء المذكور يقتضي من المشرع عدم ربط إدخال تلك المؤسسة بضرورة منحها تفويضا من قبل الجماعة المعنية، وإبرام اتفاقية مع وزير الداخلية بخصوص ذلك، فضلا على أن اعتبارات حماية المال العام، وإقرار آليات الدفاع عنه تحتم إسناد مهمة الدفاع عن المصالح المالية للجماعات الترابية إلى مؤسسة خاضعة لولاية لهذه الأخيرة.

علاوة على ما ذكر، فإن الممارسة العملية أثبتت عدم استجابة المساعد القضائي للإجراءات التي تبلغها إليه المحاكم الإدارية بشأن الطلبات التي تروم التصريح بمديونية الجماعات الترابية بحيث لا يقدم مذكرات دفاعية بخصوصها، بل إنه كثيراً ما يرفض التوصل بالاستدعات الموجهة إليه، إذ يلاحظ من خلال مجموعة من الملفات أن شهادة التسليم المتعلقة به تتضمن عبارة “رفض التوصل” كما هو الشأن بالنسبة للملفين اللذين يحملان على التوالي رقم: 28-13-2012 و495-12-2011 والمفتوحين بالمحكمة الإدارية بالرباط، الأمر الذي يطرح التساؤل بخصوص مدى توفر الإرادة بشأن ضمان مساعدة قانونية فعلية للجماعات الترابية في القضايا التي تهم مصالحها المالية؟.

الفرع الثاني: إهمال تنفيذ الأحكام القضائية:

إن امتناع الإدارة عن تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة في مواجهتها يأخذ أشكالا متعددة بحيث قد تعلن الإدارة بشكل صريح عن إرادتها في عدم تنفيذ الحكم، كما يستشف امتناعها من تراخيها عن التنفيذ، فضلاً على أن امتناعها عن التنفيذ قد يفهم من خلال إساءة تنفيذها للحكم، أو تنفيذها له بشكل ناقص أو معيب.

بالنظر لتزايد حالات امتناع الإدارة عن تنفيذ الأحكام القضائية، فقد اهتدى القضاء الإداري إلى إعمال بعض الآليات القانونية التي من شأنها ترتيب التزامات مالية بذمة الإدارة، بهدف دفعها إلى الرضوخ لما تقضي به المقررات القضائية، ومن ضمن تلك الآليات هناك التعويض- الفقرة الأولى- والغرامة التهديدية- الفقرة الثانية- والحجز على أموالها الخاصة غير اللازمة لسيرها- الفقرة الثالثة- علما أن إعمال هذه الآليات سيسهم في هدر للمال العام.

الفقرة الأولى: التعويض:

إن امتناع الإدارة عن تنفيذ الأحكام الصادرة في مواجهتها يشكل في كل صورة خطأ إذا ما سبب للغير ضرراً، ويتمثل خطأ الإدارة هنا في تعمدها عدم تنفيذ الأحكام الصادرة ضدها.

وقد ورد في حكم صادر عن المحكمة الإدارية بفاس “أن خطأ المكتب الوطني للسكك الحديدية الناتج عن تأخره في تنفيذ الحكم لمدة حوالي عشر سنوات دون مبرر مقبول يعد لذلك قائماً،….. وأن انتظار المدعي مدة حوالي عشر سنوات للحصول على مبلغ لتعويض المحكوم به لفائدته قد فوت عليه فرصة استثمار هذا المبلغ، ومن ثم فوت عليه كسبا محققا، الشيء الذي يكون معه الضرر المادي حاصلا ومستمرا طوال مدة امتناع المدعى عليه عن التنفيذ، مع الأخذ بعين الاعتبار تاريخ وقوع الحادث (سنة 1974) وما نتج عنه للمدعي من أضرار جسدية وتاريخ التنفيذ بحصوله على التعويض المحكوم به (سنة 1994)، وما يستتبع ذلك من إحساس بألم الانتظار”[140].

وفي قرار آخر للغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى اعتبرت بأن عدم تنفيذ حكم نهائي من طرف الصندوق الوطني للتأمين والتقاعد قضى بتحويل المبالغ المالية التي توصل بها لفائدة أصحابها هو نشاط سلبي للإدارة موجب التعويض[141].

الفقرة الثانية: الغرامة التهديدية:

تعتبر الغرامة التهديدية وسيلة غير مباشرة لتنفيذ الأحكام الإدارية الحائزة على قوة الشيء المقضي به، وهي صورة من صور التنفيذ الجبري[142].

ويؤطرها الفصل 448 من قانون المسطرة المدنية الذي ورد فيه: “إذا رفض المنفذ عليه أداء التزام بعمل أو خالف التزاما بالامتناع عن عمل، أثبت عون التنفيذ ذلك في محضره، وأخبر الرئيس الذي يحكم بغرامة تهديدية ما لم يكن سبق الحكم بها”.

وقد دأب القضاء الإداري على تحديد الغرامة التهديدية في مواجهة مختلف أشخاص القانون العام وفي مختلف المنازعات الإدارية، معتمدا في ذلك على الإحالة التي تضمنتها المادة 7 من القانون رقم 41/90 المحدث للمحاكم الإدارية على قانون المسطرة المدنية، وكذا صياغة الفصل 448 من القانون المذكور الذي تضمن عبارة ((إذا رفض المنفذ عليه…)) بشكل مطلق، إذ أنه لم يفرق بين أشخاص القانون العام وأشخاص القانون الخاص[143].

علما أن القضاء الإداري غالبا ما يحدد الغرامة التهديدية في مبلغ مالي مرتفع وذلك بقصد إجبار الإدارة على التنفيذ، الأمر الذي يؤكد أهمية الالتزامات المالية المترتبة بذمة هذه الأخيرة نتيجة عدم رضوخها للمقررات القضائية، مما يتسبب في هدر للمال العام.

الفقرة الثالثة: الحجز في مواجهة الإدارة الممتنعة عن التنفيذ

يعتبر الحجز على الأموال صورة من صور التنفيذ الجبري المعمول بها في إطار القانون الخاص وإذا كان المبدأ العام يقضي بعدم جواز الحجز على الأموال العمومية حفاظاً على مبدأ سير المرفق العمومي بانتظام واضطراد، فإن ذلك لم يمنع القضاء الإداري من إيجاد إمكانية لإعمال مسطرة الحجز على الأموال الخاصة للدولة[144].

هكذا وفي غياب نص قانوني يعطي الحق في الحجز على أموال المؤسسات العمومية لإجبارها على التنفيذ، فإن القضاء المغربي قد أعمل آلية الحجز كوسيلة لإجبار المؤسسات العمومية والجماعات المحلية والإدارة بصفة عامة لتنفيذ الأحكام الإدارية الصادرة ضدها، وذلك بقصد مواجهة ظاهرة الامتناع عن التنفيذ مستبعدا المبررات التقليدية المتمثلة في ملاءة الذمة، والحفاظ على السير العادي للمرفق، وكون الإدارة رجل شريف يفي بالتزاماته في أسرع وقت، طالما أن الامتناع غير المبرر عن التنفيذ يخل بمصداقية تلك المبررات.

خلاصة المبحث الثاني:

اعتباراً لما أوردناه بهذا المبحث، يمكن القول بأن إكراهات حماية المال العام من قبل القضاء الإداري ترتبط من جهة ببعض الأعمال القضائية التي لا تؤمن أية حماية لذلك المال، ومن جهة أخرى فإن بعض السلوكات الصادرة عن الإدارة تسهم بشكل مباشر في إهدار المال العام، بحيث يتعذر على القضاء الإداري ضمان رعاية خاصة للمال المذكور، بالنظر لطبيعة الاخلالات المنسوبة للإدارة.

بخصوص الأعمال القضائية، تبين لنا أن بعض التطبيقات القضائية المرتبطة بالصفقات العمومية قد أضفت على الصفقات الباطلة، المبرمة والمنجزة حيادا على النصوص القانونية المؤطرة لها، صبغة العمل المشروع، ورتبت على ذلك استحقاق منجز موضوع الصفقة مقابل عمله، وكأن الأمر يتعلق بعقد إداري أبرم بشكل نظامي، علما أن القواعد الإجرائية التي سنها مرسوم 5 فبراير 2007 بشأن إبرام صفقات الدولة تستهدف ترسيخ الشفافية والحفاظ على مصالح الإدارة، فضلا على الرغبة في تخليق الحياة العامة، والتقليص من إمكانيات اللجوء إلى كل الممارسات المرتبطة بأفعال الغش والرشوة وتكريس مبادئ حرية الولوج إلى الطلبيات العمومية والمساواة في التعامل مع المتنافسين، والشفافية في اختيار صاحب المشروع[145]، مما يجعل العمل القضائي المذكور يسير على نحو مخالف لما توخاه ذلك المرسوم، فضلا على أن بعض الاجتهادات القضائية كيفت عدم جواب الإدارة على الطلبات المقدمة في مواجهتها على أساس أنه إقرار من جانبها بمضمن تلك الطلبات، وقضت تبعا لذلك بتحميلها التزامات مالية لفائدة خصمها، والحال أن عدم الجواب لا يعتبر إقرار إلا إذا ثبت أن هناك إصرار على الموقف المذكور، ينضاف إلى هذه النماذج القضائية مبالغة الخبراء المنتدبين من قبل القضاء الإداري في تقدير التعويضات التي ستتحملها الإدارة بشكل بين.

أما إكراهات حماية المال العام من قبل القضاء الإداري والمرتبطة بسلوكيات الإدارة، فتتمثل في عدم انضباط هذه الأخيرة للقواعد القانونية حين تدبيرها للشأن العام، حيث تعمد إلى الاعتداء على الملكية الخاصة للأفراد حيادا على القانون المؤطر لنزع الملكية لأجل المنفعة العامة، فضلا على تسببها في إلحاق الضرر بالأغيار نتيجة خرقها للقواعد القانونية، مما حاصله تحمل ذمتها المالية بالتزامات مرهقة، كما أن عدم تقديرها للدعاوى المقدمة في مواجهتها، وكذا الأحكام القضائية الصادرة ضدها، يشكل أحد المثبطات التي تحول دون ضمان حماية فعالة للمال العام، بحيث إنها لا تستجيب للإجراءات القضائية الموجهة إليها، ولا تؤمن الحماية لمصالحها المالية خلال المنازعات القضائية، ذلك أن الوكالة القضائية بحكم تمركزها، وقلة عدد أطرها، مقابل ارتفاع عدد القضايا المثارة ضد الأشخاص المعنوية العامة، لم تعد قادرة على تغطية الدفاع عن المصالح المالية لهذه الأخيرة في كل المنازعات، علاوة على أن المجالس الجماعية غالبا ما تعمد إلى انتداب محامين يفتقدون التجربة والكفاءة للدفاع عنها، كما أن مؤسسة المساعد القضائي للجماعات المحلية التي ظهر لها وجود على المستوى القانوني بغية مؤازرة هذه الأخيرة في القضايا التي تستهدف مديونيتها، لم يظهر لها وجود على المستوى الواقعي، كذلك فإن من شأن امتناع الإدارة عن تنفيذ المقررات القضائية أن يترتب عنه إعمال بعض الجزاءات التي تؤول إلى ترتيب التزامات مالية إضافية بذمتها، لتكون المحصلة هدر جسيم للمال العام نتيجة إخلالات بسيطة كان بالإمكان تجاوزها.

ولعل ما يحد من الاخلالات المذكورة هو تشريع نصوص قانونية بشأن المسئولية الشخصية للعاملين في الإدارة في حالة تسببهم في هدر المال العام، وكذا تفعيل النصوص القانونية القائمة التي لها ارتباط بتلك المسؤولية.


[1] يدعى المجلس الأعلى للحسابات والمجالس الجهوية للحسابات بالمحاكم المالية التي يؤطرها الظهير الشريف رقم 124-02-1 الصادر في 13 يونيو 2002 بتنفيذ القانون رقم : 99-62 المتعلق بمدونة المحاكم المالية، منشور بالجريدة الرسمية عدد: 5030 بتاريخ: 15 غشت 2002، ص 2294.

[2] أحدثت الأقسام المالية بموجب الفصل السادس من الظهير الشريف بمثابة قانون رقم 1.74.338 المتعلق بالتنظيم القضائي للمملكة، وذلك للنظر في الجنايات المنصوص عليها في الفصول 241 إلى 256 من القانون الجنائي وكذا الجرائم التي لا يمكن فصلها عنها أو المرتبطة بها، وقد حدد في أربعة عدد محاكم الاستئناف المحدثه بها الأقسام المذكورة، وذلك على النحو الآتي:

  • محكمة الاستئناف بالرباط وتشمل دائرة نفوذها: الرباط – القنيطرة – طنجة – تطوان.
  • محكمة الاستئناف بالدار البيضاء وتشمل دائرة نفوذها: الدار البيضاء – سطات – الجديدة – خريبكة – بني ملال.
  • محكمة الاستئناف بفاس وتشمل دائرة نفوذها: فاس – مكناس – الرشيدية – تازة – الحسيمة – الناضور – وجدة.
  • محكمة الاستئناف بمراكش وتشمل دائرة نفوذها: مراكش – أسفي – ورزازات – أكادير – العيون.

أنظر: المرسوم رقم 2.11.44.5 صادر في 7 ذي الحجة 1432 (4 نوفمبر 2011) بتحديد عدد محاكم الاستئناف المحدثة بها أقسام للجرائم المالية وتعيين دوائر نفوذها، المنشور بالجريدة الرسمية عدد 5995 الصادر بتاريخ 17 ذو الحجة 1432 (14 نوفمبر 2011).

[3] عملا بمقتضيات الفصل 155 من الدستور التي ورد فيها: “يمارس أعوان المرافق العمومية وظائفهم وفق مبادئ احترام القانون والحياد والشفافية والنزاهة والمصلحة العامة”.

[4] لعل ما يؤكد ذلك ما ورد بخطاب الملك الراحل الحسن الثاني بتاريخ 8 ماي 1990 حينما دعا إلى خلق محاكم متخصصة في المنازعات الإدارية، حيث قال “لا يمكن لهذه البلاد أن تكون دولة قانون، إلا إذا جعلنا لكل مغربي الوسيلة كي يدافع عن حقوقه كيفما كان خصمه”.

فضلاً على ذلك ورد في كلمة وزير العدل بمناسبة تنظيم وزارة العدل ليوم دراسي بتاريخ: 22-11-2006 تحت عنوان: “تطور القضاء الإداري بالمغرب في ضوء إحداث محاكم الاستئناف الإدارية”: وبحلول هذه المرحلة، – أي مرحلة الاستقلال- بدأ القضاء الإداري يخطو خطوات جبارة نحو ترسيخ دولة الحق، بعد أن وفر المغرب للمواطنين أقل من سنة على تاريخ استقلاله، إمكانية مقاضاة الإدارة أمام جهة قضائية التي أصبحت تتولى تسليط رقابتها على الأعمال والتصرفات التي تقوم بها السلطات الإدارية ….. إن إحداث محاكم استئناف إدارية ببلادنا يشكل لبنة أخرى ودعامة إضافية لبناء دولة الحق القائمة على احترام مبدأ المشروعية وسيادة القانون على نحو يصون الحقوق ويحمي الحريات، بحث أن هذه المحاكم ستساهم لا محالة في إرساء هذا المبدأ، الذي تقوم عليه الدولة الديمقراطية الحداثية من خلال ما ستكرسه من قواعد في قراراتها كدرجة ثانية تنظر في استئناف الأحكام الصادرة عن المحاكم الإدارية، سواء تعلق الأمر بقضاء الإلغاء أو بالقضاء الشامل”. مداخلة وزير العدل منشورة على موقع وزارة العدل : http://www.justice.gov.ma

[5]– القانون الإداري كما هو معلوم هو قانون غير مقنن، وهذا ما يجعله قانون إنشائي، وأن دور المشرع بقى محدوداً ولم يهتم إلا بمعالجة بعض الحالات الخاصة، وترك الباب مفتوحا أمام الاجتهاد القضائي الإداري، الذي لعب دوراً فعالا في ترسيخ مبادئ هذا القانون، أنظر في هذا الصدد:

محمد كرامي، “القانون الإداري (التنظيم الإداري والنشاط الإداري)”، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، طبعة 2000، ص8.

[6] -إن تحديد المعايير المحددة للمال العام هي نتائج تراكم اجتهادات فقهية في الموضوع، ويمكن تصنيفها إلى ثلاث اتجاهات:

الاتجاه الطبيعي: مؤدي هذا الاتجاه أن كل ملك غير قابل بطبيعته للتملك الخصوصي هو ملك عام وعلى النقيض من ذلك فإن كل ملك يسمح تكوينه الطبيعي بالتملك الشخصي فإنه يعتبر ملكاً خاصا، ويعاب على أنصار  هذا الاتجاه إهمالهم الحديث عن الأملاك المخصصة للمرافق العمومية، مما فتح المجال لظهور نظرية التخصيص العام.

الاتجاه التخصصي: يتحدد المعيار المميز للأملاك العامة لدى أصحاب هذا الاتجاه في فكرة تخصيص هذه الأملاك إلى هدف من الأهداف، وإذا كان هؤلاء يتفقون على فكرة التخصيص تلك فإنهم انقسموا إلى فريقين فيما يتعلق بتحديد الهدف الذي تخصص من أجله تلك الأملاك، ففريق منهم يقصرها على الأملاك المخصصة للمرافق العمومية، وهم أصحاب نظرية المرفق العام، في حين أن الفريق الثاني يضيف إلى تلك الأملاك كذلك الأملاك المخصصة للاستعمال المباشر للجمهور، وهؤلاء هم أصحاب فكرة التخصيص العام الشامل.

الاتجاه المختلط: تحدد عناصر الملك العام وفقا لهذا الاتجاه على النحو الآتي:

  1. أن يكون هذا الملك في ملكية أحد الأشخاص المعنوية العامة، وهي بالأساس، الدولة والجماعات الترابية، بالإضافة إلى المؤسسات العمومية.
  2. أن يكون الملك مخصصا تخصيصاً عاماً سواء أكان ذلك التخصيص لفائدة الجمهور، أو كان لتسيير وإدارة المرافق العمومية.
  3. أن يكون الملك المخصص للمرفق العام قد أعد إعدادا خاصا يتلاءم مع الوظائف والأغراض التي يهدف إليها المرفق.

للتفصيل في الموضوع أنظر:

  • ميلود بوخال، اختلال الإطار القانوني والتنظيمي لأملاك الجماعات المحلية، تخلف التشريع المغربي في مجال تحديد الملكية العامة، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، العدد: 6يناير مارس 1994، ص 46 إلى 49.
  • محمد الأعرج، القانون الإداري المغربي، الجزء الثاني، مطبعة دار النشر المغربية، الرباط، الطبعة الثانية 2010، ص 26 إلى 28.
  • محمد يحيا ، المغرب الإداري، مطبعة اسبارطيل، طنجة، طبعة 2012 ص:419 – 420.

[7] هذا ما تبين لنا من خلال اطلاعنا على أغلب البحوث التي تناولت دور القضاء الإداري، وذلك من قبيل:

  • عبد الواحد القريشي ، دور القضاء الإداري في بناء دولة الحق والقانون، أطروحة لنيل الدكتوراه في الحقوق، جامعة الحسن الثاني، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالدار البيضاء، السنة الجامعية: 2007-2008.
  • محمد نميري، دور القضاء الإداري في حماية حقوق الدفاع بالنسبة للموظفين وفي مراقبته لملاءمة العقوبة ، مجلة المحاكم الإدارية ، العدد:2 منشورات جمعية نشر المعلومة القانونية والقضائية، أكتوبر 2005.
  • المكي السراجي، وضعية القضاء الإداري ودولة الحق بالمغرب، القضاء الإداري ودولة القانون بالمغرب العربي، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة “مواضيع الساعة” الطبعة الأولى، 2008.
  • المنتصر الداودي، دور القضاء الإداري في حماية حقوق الإنسان، مجلة المعيار، العدد: 24، أكتوبر 1999.

[8] -صدرت في هذا الإطار دورية عن وزير الداخلية نبهت إلى تجاهل المسؤولين الجماعيين للقواعد القانونية والتنظيمية المعمول بها، وما يترتب عن ذلك من أضرار للغير مما يكلف ميزانية الجماعة أعباء مالية، ومما ورد في تلك الدورية: “لا يخفي عليكم أن المسؤولين الجماعيين سواء كانوا منتخبين أو موظفين قد يرتكبون أخطاء، أحيانا تكون جسيمة، إما بفعل التهاون والتقصير أو بفعل تجاهل القواعد القانونية والتنظيمية المعمول بها، وقد يكلف ذلك خزينة الجماعة أموالا باهضة تخل بتوازنها المالي وتعرقل السير العادي والمنتظم لمرافقها العامة كما قد تؤدي أحيانا إلى حد الأمر بالحجز على أموالها وممتلكاتها”.

دورية رقم: 21 – ق.ت.م. –موجهة إلى السادة ولاة وعمال العمالات والأقاليم وعمال المقاطعات بالمملكة حول ضبط المنازعات القضائية للجماعات المحلية وهيئاتها، منشور بالدليل القانوني للجماعات المحلية، 2010 ص464.

[9] أنظر تقرير المجلس الأعلى لسنة 2010 منشور بالجريدة الرسمية عدد: 6032 مكرر وتاريخ: 22 مارس 2012.

[10] المتمثل في الظهير الشريف رقم:91.11.1 صادر في 27 من شعبان 1423 (29 يوليو 2011) بتنفيذ نص الدستور

[11] من أهم النصوص الدستورية التي تكرس مبادئ الحكامة الجيدة نشير إلى ما يلي:

الفضل 154، الفقرة الثانية: “تخضع المرافق العمومية لمعايير الجودة والشفافية والمحاسبة والمسؤولية، وتخضع في تسييرها للمبادئ والقيم الديمقراطية التي أقرها الدستور”.

الفصل 155: يمارس أعوان المرافق العمومية وظائفهم وفق مبادئ احترام القانون والحياد والشفافية والنزاهة والمصلحة العامة”.

الفصل 156، الفقرة الثانية: “تقدم المرافق العمومية الحساب عن تدبيرها للأموال العمومية، طبقا للقوانين الجاري بها العمل، وتخضع في هذا الشأن للمراقبة والتقييم”.

الفصل 36 الفقرة الثانية: “على السلطات العمومية الوقاية طبقا للقانون، من كل أشكال الانحراف المرتبطة بنشاط الإدارات والهيئات العمومية، وباستعمال الأموال الموجودة تحت تصرفها، وبإبرام الصفقات العمومية وتدبيرها، والزجر عن هذه الانحرافات”.

[12] المرسوم رقم: 2.06.388 الصادر في 16 محرم 1428 (5 فبراير 2007) بتحديد شروط وأشكال إبرام صفقات الدولة وكذا بعض القواعد المتعلقة بتدبيرها ومراقبتها، المنشور بالجريدة الرسمية عدد 5518، بتاريخ فاتح ربيع الأول 1428 (19 أبريل 2007) ص 1235.

[13] حدد المرسوم المذكور أصناف ومساطر وإبرام الصفقات العمومية في المواد من 15 إلى 74، حيث حدد القواعد الواجب سلوكها سواء من طرف صاحب المشروع أو من لدن المتنافسين بمناسبة إبرام هذه الصفقات العمومية.

وباستقراء مختلف النصوص المومأ إليها أعلاه يتضح أن الأصل هو خضوع إبرام صفقات الأشغال والتوريدات والخدمات لقاعدة المنافسة القبلية، واستثناء يمكن اللجوء إلى المسطرة التفاوضية والى سندات الطلب حيث تكون المنافسة جد محدودة.

وعموما فقد حددت المادة 16 منه طرق إبرام صفقات الدولة في أربعة طرق أساسية وهي:

  1. طلب العروض.
  2. المباراة.
  3. المسطرة التفاوضية.
  4. تنفيذ أعمال بمجرد سند الطلب.

[14] قرار الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى، عدد50 وتاريخ 09/12/1966.

[15] حكم عدد: 52-98 صادر بتاريخ: 14 ماي 1998 في الملف رقم: 55-97.

[16] حكم عدد: 80-98 صادر بتاريخ: 16 يوليوز 1998 في الملف رقم: 44-97.

[17] الجيلالي أمزيد، الحماية القانونية والقضائية للمنافسة في صفقات الدولة، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، الطبعة الأولى 2008، ص137.

[18] المادة 35 من مرسوم 5 فبراير 2007.

[19] هناك من انتقد التوجه القضائي الذي سمح للإدارة بسلطة تقديرية في مجال إقصاء التعهدات، معتبرا أن أشغال لجنة طلب العروض خلال جلسة فتح الأظرفة تنصب على فحص مطابقة الملفات الإدارية والتقنية المقدمة من طرف المتعهدين للشروط المطلوبة منهم للمشاركة في المنافسة، وفقا لمقتضيات المرسوم الضابط لصفقات الدولة، ولنظام الاستشارة الذي يعده صاحب المشروع، وتبعا لذلك فإن كل العناصر والشروط التي يتم على أساسها فحص المطابقة معدة بشكل مسبق ودقيق، بما فيها الشروط المتعلقة بكفاية المؤهلات المالية والتقنية الذي يحتكم فيه لمعيار التناسب بين رأسمال المقاولات وقدر معاملاتها وبين مبالغ الصفقات المطروحة للمنافسة، ولضوابط تصنيف المقاولات، وبالتالي فإن سلطة صاحب المشروع في إقصاء التعهدات تكون مقيدة بهذه الشروط التي وضعت أصلاً بهدف الحد من نزوع الإدارة إلى تضييق نطاق حق ولوج سوق الطلبيات العمومية بشكل مناف لضوابط المنافسة الحرة.

أنظر: الجيلالي أمزيد، مرجع سابق، ص131-132.

[20] قرار الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى عدد 261 وتاريخ 11/04/1966.

[21] حكم عدد: 457 صادر بتاريخ: 29-05-1997 في الملف رقم: 172-96، منشور بالمجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد:22، ص133.

[22] في هذا الإطار قضت المحكمة الإدارية بأكادير، بعد بسط رقابتها على سبب إقصاء إحدى المقاولات، بإلغاء قرار الإقصاء لعدم ثبوت السبب المضمن في القرار المذكور، وعللت حكمها بما يلي: “بالرجوع إلى المحضر المحرر من طرف اللجنة نفسها يتضح أن هذه الأخيرة استبعدت عروض الطاعنة بسبب انعدام المراجع التقنية، التي ثبت أن هذه الأخيرة أدلت بها فعلاً ضمن الملف التقني وليس بسبب عدم كفاية هذه المراجع أو عدم مطابقتها لموضوع الصفقة.

وحيث إن الإدارة تعني فعلاً ما تقول، إذ أنها في حالة شركة أخرى استعملت تعبير references techniques non-conformes الذي يعني عدم مطابقة المراجع التقنية لموضوع الصفقة.

وحيث إن الأمر لا يتعلق إذن بتقييم أو تقدير تقني للمراجع التقنية للطاعنة، بل بنفي تام لوجود هذه المراجع، وهو سبب غير دقيق مادامت هذه الأخيرة قد قدمت ضمن ملفها مراجع تقنية، مما يجعل قرار الإقصاء مبني على سبب غير حقيقي ومتسم بالتعسف، لذا يستوجب إلغاؤه”. حكم عدد: 52-98 صادر بتاريخ: 24-05-1998 في الملف رقم: 55-97، غير منشور.

[23] حكم عدد: 27 صادر بتاريخ: 06-05-1999 أورده محمد الأعرج، نظام العقود الإدارية والصفقات العمومية وفق قرارات وأحكام القضاء الإداري المغربي، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، الطبعة الثالثة، 2010، ص53.

[24] يصفها بعض الباحثين بالصفقات الباطلة، أنظر: محمد صقلي حسيني، المنازعات العقدية على ضوء الاجتهاد القضائي الإداري، مجلة المحاكم الإدارية، عدد: 4، يونيو 2011، الصفحة 59، وهناك من يصفها بالصفقات غير المشروعة، أنظر: الجيلالي أمزيد، مرجع سابق الصفحة 146.

[25] تحدد دفاتر الشروط الإدارية العامة المقتضيات الإدارية التي تطبق على جميع صفقات الإشغال أو التوريدات أو الخدمات أو صنف معين من هذه الصفقات، وتتم المصادقة على هذه الدفاتر بمرسوم.

[26] تحدد دفاتر الشروط المشتركة المقتضيات التقنية التي تطبق على جميع الصفقات المتعلقة بنفس الصنف من الأشغال أو التوريدات أو الخدمات أو جميع الصفقات التي تبرمها نفس الوزارة أو نفس المصلحة المتخصصة.

[27] تحدد دفاتر الشروط الخاصة الشروط المتعلقة بكل صفقة وتتضمن الإحالة إلى النصوص العامة المطبقة والإشارة إلى مواد دفاتر الشروط المشتركة وعند الاقتضاء إلى مواد دفاتر الشروط الإدارية العامة التي قد يتم الحيد عنها طبقاً لمقتضيات هذه الدفاتر، ويتم التوقيع على دفاتر الشروط الخاصة من قبل الآمر بالصرف، أو مندوبه أو الآمر المساعد بالصرف قبل طرح مسطرة إبرام الصفقة. –المادة 15 من المرسوم-.

[28] محمد صقلي حسيني، المنازعات العقدية على ضوء الاجتهاد القضائي الإداري، مجلة الحاكم الإدارية، عدد:4، يونيو 2011، ص60.

[29] يرى الفقيه دولوبادير في هذا الخصوص أن الصفقات العمومية لا تكون دائماً مكتوبة ويمكنها أن لا تستند على دفتر تحملات، أنظر:

André De Laubadère, Franck Moderne, Pierre Dévolvé. Traité des contrats administratifs. Tome: premier. LGDJ, Paris 1983. P:24

كما اعتبر بعض الفقه أن القاضي الإداري لا يتردد في الاعتراف بوجود العقود الشفوية من خلال استقراء الإرادة الضمنية للمتعاقد أو المتعاقدين معاً. أنظر:

Stéfanne Braconnier, Droit des marchés publics, Groupe Imprimerie Nationale Editions: Techniques, paris 2002. P.63

[30] André De Laubadére; frank modern; pierre Devolvé, op cit, p:30.

[31] قرار عدد: 1048 صادر بتاريخ: 19 نونبر 1998، أورده محمد الأعرج، مرجع سابق، ص57.

[32] الجيلالي أمزيد، مباحث في مستجدات القضاء الإداري، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية 50- صفحة 217.

[33] حكم صادر في الملف رقم: 525-2004-13 بتاريخ: 07-10-2004 غير منشور. كما ورد في قرار لمحكمة النقض بتاريخ: 8/4/2009 “لكن حيث تخضع عقود التوريد لضوابط قانونية محددة تستوجب الاستظهار بسندات الطلب والتسليم وهو الأمر غير المتوفر في النازلة، الشيء الذي يكون معه الحكم المستأنف لما قضى بعدم قبول الطلب، حكما صائبا وواجب التأييد” قرار عدد:358، صادر في الملف الإداري عدد: 1322-4-1-2006، غير منشور. كما اعتبرت في قرار آخر أن عدم توقيع الآمر بالصرف رئيس الجماعة على سندات الطلب يجعل إدعاء المديونية مجرداً من الإثبات، قرار الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى عدد 645 وتاريخ 25/9/2003، غير منشور.

[34] حكم رقم: 685 صادر في الملف رقم: 3/07 ش ع، غير منشور.

[35] حكم صادر في الملف عدد: ملف عدد: 618-13-2009، غير منشور وفي نفس الإطار ورد في قرار لمحكمة النقض: “وحيث لم تثبت المستأنف عليها، من خلال ما أدلت به من وثائق، ما يلزم الجماعة بالأداء، فلم تدل بما يثبت الاتفاق على إنجاز أكثر من الفائض على الصفقة، ولو عن طريق الأمر بالإنجاز، ولا قيمة الأشغال التي يتخلص منها الكمية المتفق عليها، فضلا عن التصريحات التي جاءت في الوثائق من كونها أنجزتها بإرادتها دون نية المطالبة بقيمتها وبناء على طلب السكان، فضلاً عن عدم توفر الشروط التي تسمح باعتبارها أشغالاً إضافية، في إطار الصفقة الأصلية، أي أنها ضرورية لإنجاز الأولى ومرتبطة بها، ولا يمكن أن يتم حسن التنفيذ إلا بها، الأمر الذي يجعل طلب المدعية المستأنف عليها مفتقراً لكل أساس قانوني، والحكم لما قضى بالأداء يبكون قد خالف الصواب ويتعين إلغاؤه”.

قرار عدد: 106 مؤرخ في: 31/1/2007 صادر في الملف الإداري عدد: 1679-4-1-2006، غير منشور.

[36] حكم صادر بتاريخ: 11/10/2012 في الملف عدد: 139-13-2011، غير منشور.

[37] القرار عدد: 618 صادر في الملف الإداري عدد: 114-4-1-2005 غير منشور.

[38] محمد الصقلي الحسيني، مرجع سابق، ص63.

[39] عبد الرزاق أحمد السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني الجديد، 1، المجلد الثاني، نظرية الالتزام بوجه عام، منشورات الحلبي الحقوقية بيروت، الطبعة الثالثة 2000، الصفحة 1247-1248.

[40] في هذا الإطار أصدرت المحكمة الإدارية بفاس حكماً بتاريخ 30/4/2002 قضت بموجبه لفائدة أحد المقاولين بتعويض عن الأشغال التي أنجزها لفائدة عمالة إقليم صفرو رغم غياب عقد يربط بينهما، وذلك بعد أن أعادت تكييف الطلب معللة ما ذهبت إليه كما يلي:

“حيث إن عدم توفر عقد الصفقة على أحد الشروط الجوهرية المنصوص عليها بموجب مرسوم 14-10-1976 يجعله باطلاً وغير منتج لأي أثر قانوني ناتج عن العقد، وينأى بالتالي بمثل هذا العقد عن مجال العقود الإدارية، والمنازعة القضائية في هذا الإطار، ومن ثم يجرده من الضمانات التي يخولها للمتقاضين المرسوم المذكور والذي حل محله المرسوم رقم 482-89-2 المؤرخ في 30/12/1998، بتحديد شروط وأشكال إبرام صفقات الدولة.

وحيث إنه وإن كان الأمر كذلك بالنسبة للعقود المبرمة بين المتعاقدين والتي اختل أحد شروط انعقادها، فبالأولى والأحرى أن يكون من الحتمي استبعاد المرسوم المذكور عند انعدام عنصر التعاقد من أساسه كما هو الأمر في نازلة الحال”.

ثم أضافت أنه “واعتباراً لكون إنجاز الأشغال ترتب عنها تحمل المدعي بنفقات أثبتتها الوثائق المدلي بها، وتقرير الخبرة وفي المقابل حققت جهة الإدارة المنجزة هذه الأشغال لفائدتها نفعاً ثابتاً….. واعتباراً لكون المدعي لم يكن ليقوم بإنجاز تلك الأشغال إلا بموافقة جهة الإدارة وتحت إشراف موظفيها فإن مثل هذه الوضعية تشكل إثراء لهذه الإدارة على حساب المدعي بما أنفقه من مال”.

وخلصت في النهاية إلى أنه “لا يقضى في إطار مبدأ الإثراء على حساب الغير إلا برد قيمة تكلفة الأشغال والخدمات المنجزة مجردة عن أي ربح أو أي تعويض”. حكم عدد 239 في الملف عدد 20/2000 ت، أورده محمد قصري، القاضي الإداري ومنازعات الصفقات العمومية ص79. وهو نفس الاتجاه الذي تبنته المحكمة الإدارية بوجدة في حكمها الصادر بتاريخ 07/12/2004 تحت عدد 315 والذي جاء فيه:

“إن المتعاقد بإنجاز أشغال إضافية يستحق عنها مبلغ القيام بها رغم أن كيفية إبرام العقد الملحق قد تمت دون احترام المسطرة القانونية الواجبة التطبيق وذلك استناداً للقواعد العامة”.

مضيفة: “بأن المدعية قد قامت بإنجاز أشغال إضافية ولا تتحمل وزر خطأ المجلس بخصوص كيفية إبرام عقد الصفقة معها، كما لا يمكن الإثراء على حسابها” أورده يوسف الصواب، مرجع سابق، ص70.

[41] يقوم الخطأ المشترك إذا لم يستغرق أحد الخطأين الخطأ الآخر، بحيث يبقى كل منهما متميزاً عن الآخر، ويكون للضرر سببان: خطأ المدعى عليه وخطأ المضرور، وقد اعتبر بعض الفقه بأن الخطأ المشترك تعبير غير دقيق، بحكم أن الخطأ ليس مشتركاً ارتكبه الاثنان معا، بل هما خطآن مستقلان أحدهما ارتكبه شخص والثاني ارتكبه الآخر.

أنظر: عبد الرزاق أحمد السنهوري، مرجع سابق، ص1008.

[42] حكم رقم: 1690 صادر بتاريخ: 3/5/2012 في الملف رقم: 29/13/2010، غير منشور.

[43] حكم رقم: 1690 صادر 2012 في الملف رقم: 29/13/2010، غير منشور.

[44] تقضي المادة 18 من مرسوم 4 ماي 2000 بضرورة حضور المقاول في أماكن الأشغال خلال مدة إنجاز الشغال وذلك باستمرار.

[45] وهو ما يسمى بالتعاقد من الباطن الذي يشترط الموافقة المسبقة من طرف السلطة المختصة بإبرام الصفقة.

[46] حكم صادر في الملف رقم: 828/2006، غير منشور.

[47] القرار عدد: 241 المؤرخ في: 27/02/2008 الصادر في الملف عدد: 59/07/7 غير منشور.

[48] نائل الصفقة الذي تم تبليغ المصادقة على الصفقة إليه. الفقرة 17 من المادة 2 من مرسوم 5 فبراير 2007.

[49] تطبيقاً لذلك ورد في حكم صادر عن المحكمة الإدارية بالرباط بتاريخ 17/05/2012: “وحيث لما كان مبلغ الكفالة المودع من طرف صاحبه الصفقة مرصد لتأمين الالتزامات التعاقدية، وكان الثابت من المعطيات الواردة أعلاه أن هذه الأخيرة لم تلتزم ببنود عقد الصفقة، فإن طلب إرجاعها يبقى غير مؤسس استنادا إلى مقتضيات المادة 16 من دفتر الشروط الإدارية العامة التي تقضي بعدم إرجاع الضمان النهائي في حالة إعمال مقتضيات المادة 52 كما هو الشأن في النازلة الماثلة، الأمر الذي يوجب رفض الطلب المذكور” حكم رقم: 1864 صادر في الملف عدد: 98-13-2011 غير منشور.

[50] حكم رقم: 451 صادر بتاريخ: 5/4/2004 في الملف رقم: 451-01 ش ع، غير منشور.

[51] حكم رقم: 998 منشور بالدليل العملي للاجتهاد القضائي في المادة الإدارية، الجزء الثاني، ص479.

[52] Christian larroumet, droit civil, tome 3, les obligations, le contrat, editions delta, (28) liban, 1996; p:761.

[53] عبد المنعم فرج الصده، نظرية العقد في قوانين البلاد العربية، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت لبنان، 1974 ص582.

[54] سلطة الإدارة في توقيع الفسخ الجزائي على المقاول في مجال عقد الأشغال العامة في المغرب تنظمه النصوص التالية:

-المواد من 41 إلى 48 من المرسوم رقم: 1087-99-2 الصادر في 29 محرم 1421 الموافق لــ4مايو 2000 بالمصادقة على دفتر الشروط الإدارية العامة المطبقة على صفقات الأشغال المنجزة لحساب الدولة.

– المادة 44 في حالة تأجيل الأشغال.

-المادة 41 في حالة وجود عيوب في البناء.

-المادة 42 في حالة صعوبة التنفيذ.

-المادة 43 في حالة القوة القاهرة.

أما المواد 46، 47 و48 فإنها تنظم فسح الصفقة بقوة القانون في حالة وفاة المقاول أو فقدانه للأهلية المدنية، وفي حالة التسوية أو التصفية القضائية.

[55] هذا ما أكدته المحكمة الإدارية بالدار البيضاء حينما صرحت بأن: “وحيث إن الثابت كذلك أن كل مخالفة من جانب المتعاقد لالتزاماته التعاقدية تمثل خطأ تعاقديا كما تمثل في نفس الوقت خطأ مرتكب ضد المرفق العام، ومن المقرر أن الإدارة هي التي تملك سلطة تقدير مدى جسامة الخطأ وكفايته لتقريره كجزاء لإنهاء العقد، على أن يقوم قاضي العقد بعد ذلك، إما بناء على طلب الإدارة القائمة بالفسخ أو بناء على طلب نائل الصفقة، بمراقبة مدى سلامة تقدير الفسخ ومدى جسامة الخطأ وكفايته للإنهاء الجزائي للعقد” حكم صادر بتاريخ: 07/12/2009 في الملف عدد: 273/13/2009، غير منشور.

[56] الحسين اندجار، الفسخ الجزائي لعقد الأشغال العامة، الندوة الجهوية المنظمة بمناسبة الذكرى الخمسينية لتأسيس المجلس الأعلى للقضاء محكمة الاستئناف بمراكش يوم: 22/23 مارس 2007. ص6.

[57] المادة 28 من مرسوم 2.99.1087 وتاريخ 29 محرم 1412 (04 مارس 2000) بالمصادقة على دفتر الشروط الإدارية العامة المطبقة على صفقات الأشغال المنجزة لحساب الدولة.

[58] بخصوص عدم تقيد صاحب الصفقة ببنود العقد قضت المحكمة الإدارية بالدار البيضاء بتاريخ 07/12/2009 برفض طلب التعويض المقدم من طرف المقاول، بعلة عدم إنجاز هذا الأخير لجميع الأشغال المتفق عليها، واعتبرت أن فسخ الإدارة للصفقة اتسم بالمشروعية، ومما ورد في حكمها: “وحيث إن المدعية تعترف اعترافا صريحا بأنها لم تقم بكل الالتزامات المتفق عليها، وأن عملها اقتصر على إنجاز جزء من الأشغال في حين أن عقد الصفقة وطبيعتها لا تحتمل التجزئ، حكم صادر في الملف عدد: 273/13/2009، غير منشور. وبخصوص عدم احترام الأجل المتفق عليه لإتمام الأشغال، قضت المحكمة الإدارية بمراكش بأن فسخ الإدارة للصفقة نتيجة تأخر صاحب الصفقة في إنهاء للأعمال المكلف بها يكتسي الصفة الشرعية، ويجعل طلب التعويض غير مؤسس قانونا، حكم عدد: 168 صادر بتاريخ: 02/04/2009 في الملف عدد: 362/13/2006 ش، غير منشور.

[59] محمد نميري، تجليات سلطة الإدارة في العقد الإداري (الفسخ كجزاء نموذجا)، قضايا العقود الإدارية ونزع الملكية للمنفعة العامة وتنفيذ الأحكام من خلال اجتهادات المجلس الأعلى الندوة الجهوية الثالثة، مراكش 21-22 مارس 2007، مطبعة الأمنية الرباط، ص52.

[60] الحسين اندجار، مرجع سابق، ص5.

[61] تأكيدا لذلك ورد في قرار لمحكمة النقض صادر بتاريخ 10/05/2006:

“وحيث إنه بالرجوع إلى دفتر الشروط الإدارية العامة المطبق على صفقات الأشغال المنجزة لحساب الدولة، خاصة الفصل 70 منه، يتبين أن حق الإدارة في الفسخ مقيد بشرط الإعذار، مع منح أجل لا يقل عن 15 يوما من تاريخ تبليغه لامتثال المقاولة له، الشيء الذي لم يحترمه الكتب وتمسكه بحالة الاستعجال لا يعفيه من منحه أجل معقول، لأن الأجل الوارد بإعذاره تستلزمه حالة الاستعجال القصوى، الشيء الذي لم يبرره المكتب، علما بأن التأخير في الانجاز مشفوع بالغرامة المحددة في 500 درهم عن كل يوم تأخير، الأمر الذي يجعل قرار الفسخ المتخذ مخالفا للقانون. قرار عدد: 355 صادر في الملف الإداري عدد: 2067/4/1/2005 بين مكتب استغلال الموانئ ومن معه ضد شركة حفيان، غير منشور.

[62] حكم رقم: 836 صادر بتاريخ 8/3/2012 في الملف رقم: 1581/07، غير منشور.

[63] حكم رقم: 1864 صادر في الملف عدد: 98-13-2011 غير منشور.

[64] عبد الله حداد، المرافق العمومية الكبرى، مطابع منشورات عكاظ، الرباط، 1997، ص29-35.

[65] رأفت فودة، مصادر المشروعية الإدارية ومنحنياتها، دار النهضة العربية للطبع والنشر والتوزيع، القاهرة، 1994، ص172.

-عمر بوبكري، اللجوء إلى الانتزاع للمصلحة العامة، مجموعة دراسات سامي شعائبية، طبعة: C,L,E، تونس، 2007. ص14 .

[66] قرار صادر بتاريخ: 16-03-1960، ذكره رأفت فودة، مرجع سابق ص167.

[67] نص القانون المصري رقم 583 لسنة 1955 على أنه: “لا يجوز الحجز ولا اتخاذ إجراءات تنفيذية أخرى على المنشآت والأثاث والأدوات المخصصة لإدارة المرافق العامة”.

كما نص القانون الفرنسي المؤرخ في 22/11/1790 في مادته الثامنة على أن: “أموال الدولة لا تشكل ضمانا للدائنين”. ونصت المادة 9 من القانون الفرنسي المؤرخ في: 22 غشت 1791 على أنه: “يحضر كل أنواع الحجز عامة على أموال الدولة”.

باطلاعنا على التشريع المغربي نجد أن هناك مجموعة من القوانين نصت على قاعدتي عدم جواز التصرف في الملك العام وعدم إمكانية اكتسابه بالتقادم، نذكر من هذه القوانين ظهيري 1 يوليوز 1914 و19 أكتوبر 1921، كما جاء ظهير 28/06/1941 بقاعدة عدم جواز الحجز على الأموال العامة، وهي نفس القاعدة التي أقرها الفصل الثامن من ظهير 18 يونيو 1954.

[68] ورد في أمر استعجالي صادر عن رئيس المحكمة الإدارية بالرباط: “ذا كان المبدأ العام هو عدم قابلة المال العام للحجز لما يترتب على ذلك في تعطيل وظيفة النفع العام الملقاة على عاتقه فأنه استثناء من ذلك أجاز الفقه والقضاء إمكانية الحجز على الأموال الخاصة للاستخلاص الاعتبارية العامة التي لا ترتب على إيقاع الحجز عليها تعطيل وظيفة النفع العام الموكولة إليها أو عرقلة السير العادي للمرفق العالم، وباعتبار أن المبلغ المحجوز حجزاً تنفيذياً من المفروض رصده لأداء ديون الجماعة بما فيها الديون الناتجة عن عقد الصفقة أعلاه في إطار قواعد المحاسبة العامة، ولا دليل بالملف على عرقلة وظيفة النفع العام الملقاة على المجلس المحجوز عليه باستمرار الحجز وتنفيذه، تبقى معه الوسائل المثارة وسيلة للتماطل التعريف ولا تشكل الصعوبة الواقعية والقانونية المتطلبة في إيقاف التنفيذ مما يبقى الطلب حول ذلك غير مؤسس”. أمر رقم: 217 صادر بتاريخ: 24/5/2006 في الملف رقم: 185/06 س، غير منشور.

[69] تنص المادة 2 مكرر من القانون رقم 1.73.201 بتاريخ 19/9/1977 المعدل والمتمم للظهير الشريف رقم 1.63.226 بتاريخ 5/8/1963 المتعلق بالمكتب الوطني للكهرباء على ما يلي: “رغبة في تمكين المكتب الوطني للكهرباء من ضمان تسيير المصلحة العمومية لإنتاج الطاقة الكهربائية ونقلها وتوزيعها:

يؤذن له في احتلال أراضي الملك العمومي اللازمة لإقامة منشآت إنتاج الطاقة الكهربائية………. ولا تؤدي ممارسة الحق في الحرمات المبينة أعلاه إلى تجريد المالك من ملكيته بأي وجه من الوجوه….وأن وضع الأعمدة على الجدران والواجهات والسقوف والسطوح لا يحول دون حقه في أعمال الهدم أو الإصلاح أو التعلية وإنشاء قنوات أرضية وأعمدة لناقلات الكهرباء الجوية….. وفيما يخص المنشآت التي لا تكفي الحرمات المشار إليها أعلاه لإقامتها يخول المكتب الوطني للكهرباء جميع الحقوق التي تعترف بها النصوص التشريعية والتنظيمية لفائدة الدولة أو الجماعات المحلية قصد تنفيذ أشغال عمومية ولاسيما في ميدان نزع الملكية والاحتلال المؤقت”.

[70] جاء في أمر استعجالي صادر عن رئيس المحكمة الإدارية بالرباط بتاريخ: 09-11-2011:

“حيث يهدف الطلب إلى استصدار أمر بإيقاف أشغال إقامة أعمدة كهربائية ذات ضغط مرتفع، الجارية فوق العقار موضوعه حيادا على ضوابط نقل الملكية كما هي محددة في القانون رقم 7/81 المتعلق بنزع الملكية لأجل المنفعة العامة.

لكن حيث إن إقامة الأعمدة الكهربائية بملك الطالب تعد من قبيل الارتفاقات القانونية المنصوص عليها بالفصل 2 من ظهير 12/09/1977 المغير والمتمم لظهير 05/08/1963 المتعلق بإحداث المكتب الوطني للكهرباء والتي تنتفي معها حالة الاعتداء المادي علاوة على عدم تجريدها المالك من ملكية عقاره، وتخويله في هذا الخصوص إمكانية المطالبة بالتعويض عن الأضرار الناتجة عن إقامة هذه الأعمدة، مما يبقى معه الطلب غير مبرر من الناحية القانونية وحليفاً بعدم القبول” أمر رقم: 1129 صادر بتاريخ: 9/11/2011 في الملف رقم: 1069/1/2011، غير منشور.

[71] ورد في أمر استعجالي صادر عن رئيس المحكمة الإدارية بالرباط “لكن، حيث من جهة، فإن المستشف من الفصل الثاني من ظهير 12/09/1977 المغير والمتمم لظهير 05/08/63 المتعلق بإحداث المكتب الوطني للكهرباء، أنه ضمانا لتسيير المصلحة العامة، يؤذن لهذا المكتب القيام فيما يخص المنشآت الواجب إقامتها في الأملاك الخاصة بوضع الأعمدة والإسناد الخاصة بناقلات الكهرباء، وبوضع قنوات أرضية وناقلات كهربائية جوية.. وبالعمل على دخول أعوانه ومقاوليه المعتمدين بصفة قانونية، وأجهزتهم لأجل بناء الخطوط والأعمدة الموضوعة بهذه الكيفية، ومراقبتها وصيانتها وإصلاحها، وبالتالي تمتع المكتب المذكور باعتباره مؤسسة عمومية، بحق امتياز تمرير الخطوط ونصب الأعمدة الكهربائية فوق أراضي الخواص بما يعنيه ذلك من اندراج أي حماية لهذا الامتياز، الذي يشكل حقا ثابتا للمكتب بموجب القانون ضمن صميم ولاية قاضي المستعجلات، الذي يبقى مختصاً بالتدخل لضمان حمايته، ووضع الحد لأية عرقلة يتعرض لها برفعها، دون الآثار القانونية المترتبة عن الامتياز المذكور، والمتصلة بالعقار، والتي يرجع إلى قضاء الموضوع مناقشتها وتقييمها، استحضارا لقاعدة عدم بت الأوامر الاستعجالية إلا في الإجراءات الوقتية أو جوز مساسها بما يمكن أن يقضي به في الجوهر.

ومن جهة أخرى، فإن ما دل عليه ظاهر محضر المعاينة المدرج بأوراق الملف من ممانعة الطرف المدعى في قيام المكتب المدعي بالأشغال الممهدة لوضع العمود الكهربائي فوق العقار أعلاه يبرر تدخلنا لوضع الحد لمثل هذه العرقلة، اعتبارا لحالة الاستعجال المتوفرة في النازلة، والمستمدة من وجوب حماية المصلحة العامة، والطلب حول ذلك مبررا من الناحية القانونية، وحليفا بالاستجابة ‘ليه”. أمر رقم: 1085 صادر بتاريخ: 12/10/2011 في الملف رقم: 962/1/2011، غير منشور.

هناك مجموعة من الأوامر الاستعجالية صادرة في نفس الموضوع عن رئيس المحكمة الإدارية بالرباط تضمنت نفس التعليل نورد منها الأوامر التالية غير المنشورة:

-أمر رقم: 1085 بتاريخ: 12/10/2011 صادر ملف رقم: 962/1/2011.

-أمر رقم: 1095 صادر بتاريخ: 19/10/2011 في الملف رقم: 1062/1/2011.

-أمر رقم: 1089 صادر بتاريخ: 12/10/2011 في الملف رقم: 1021/1/2011.

-أمر رقم: 1089 صادر بتاريخ: 12/10/2011 في الملف رقم 1021/1/2011.

-أمر رقم: 1085 صادر بتاريخ: 12/10/2011 في الملف رقم: 962/1/2011.

[72] محمد الكشبور، الخبرة القضائية في قانون المسطرة المدنية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى 2000 ص119.

[73]COM; 9juillet1963.bull.civ.3.n:364.

[74] ورد في قرار صادر محكمة النقض الفرنسية بأن المحكمة التي تستبعد تقرير الخبرة يتعين عليها أن تبرر موقفها بشان ذلك.

-CIV.18 MAI 1961; BULL; CIV; 1; N:213.

[75] حكم رقم: 1113 صادر بتاريخ: 3 شعبان 1424 موافق: 29 شتنبر 2003 في الملف رقم: 96/00 ش ت، غير منشور.

[76]RIVERO J, WALINE J, droit administratif, 21 édition 2006, dalloz, Paris; p:502.

[77] آمال المشرفي، الاعتداء المادي للإدارة في العمل القضائي للمحاكم الإدارية بين التطور والتراجع، عشر سنوات من العمل القضائي للمحاكم الإدارية بالمغرب، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة مواضيع الساعة، عدد:47 السنة 2004، ص35.

[78] القانون رقم 7.81 المتعلق بنزع الملكية من أجل المنفعة العامة، وبالاحتلال المؤقت الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.81.254 الصادر بتاريخ 06 ماي 1982.

[79] إن أهمية القضاء الاستعجالي الإداري لم تكن بارزة عند وضع مشروع القانون المحدث للمحاكم الإدارية، إلا أن لجنة العدل والتشريع بمجلس النواب هي التي أكدت على ضرورة إقحام مقتضيات قانونية تمنح لرئيس المحكمة الإدارية هذا الدور من خلال المادة 19 من القانون رقم: 90-41.

محمد مياد، العمل القضائي في دعاوي استيلاء الإدارة على الملكية العقارية (الاعتداء المادي)، ص60-61.

[80] ذلك ما أكده القرار الصادر عن الغرفة الإدارية بمحكمة النقض بتاريخ 20/06/1996 الذي ورد فيه: “وحيث إنه من جهة أخرى، فإذا كان الاختصاص قبل إحداث المحاكم الإدارية منعقداً للمحاكم الابتدائية كدرجة أولى، ولمحاكم الاستئناف كدرجة ثانية للنظر في دعاوى التعويض عن الأضرار التي تسببها أعمال ونشاطات أشخاص القانون العام، وكانت هذه المحاكم تنظر في دعاوى التعويض عن الاعتداء المادي في هذا الإطار، وتقضي تبعا لذلك إذا طلب منها برفع حالة الاعتداء المادي وإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه كطلب تابع، أو بأمر استعجالي وقتي من قاضي المستعجلات، أو بحكم قطعي بناء على طلب منفرد بذلك، فإن المشرع عندما نقل اختصاص النظر في دعاوى التعويض عن الأضرار التي تسببها أعمال ونشاطات أشخاص القانون العام، ومنها دعاوى التعويض عن الاعتداء المادي إلى المحاكم الإدارية، ونقل اختصاص قاضي المستعجلات الوقتي المرتبط برئيس المحكمة الابتدائية إلى رئيس المحكمة الإدارية، يكون بذلك قد نقل إلى المحاكم وإلى رئيسها اختصاص النظر في الطلبات التبعية، وأصبح اختصاصها بالتتبع إذا طلب منها ذلك النظر في رفع الاعتداء المادي الممارس من طرف الإدارة” قرار عدد: 474، أورده عبد الحميد الحمداني، مرجع سابق، ص:248.

[81] أمر رقم: 497 صادر عن رئيس المحكمة الإدارية بالرباط بتاريخ: 9/3/2011 في الملف رقم: 602/1/2011 غير منشور.

[82] قرار رقم 155 صادر في الملف المدني، عدد 85764، غير منشور.

[83] حكم رقم: 1468 صادر في الملف رقم: 198-7. غير منشور.

[84] ففي واقعة تتعلق باستيلاء إحدى الجماعات الترابية على عقار مملوك لأحد الأفراد بدعوى اكتسائه لصبغة الملك العمومي لقربه من البحر، علما أن ملكية العقار المذكور ثابته بمقتضى رسم عقاري قضت المحكمة الإدارية بوضع حد لذلك الاحتلال، فأيدت الغرفة الإدارية بمحكمة النقض ذلك الحكم من خلال العلة التالية: “حيث إن الدعوى قدمت أمام قضاء الموضوع من طرف المدعي الذي أثبت بشهادة صادرة عن المحافظ العقاري أن العقار موضوع الرسم العقاري 242577 موضوع النزاع ملك له، ولم يترتب عنه أي حق عيني، فكان نتيجة لما يرتبه حق الملكية من ضمانات المطالبة برفع أي اعتداء مادي مورس على العقار المذكور، الذي لم تثبت الإدارة أنا أقامت مرافق عامة عليه، وأن اكتفاءها بالإدعاء بقرب العقار من البحر لا يسبغ على صفة الملك العام، فكان بذلك الحكم المستأنف معللا عندما ركز قضاءه على أن وضع الجماعة يدها على العقار لا يعدو أن يكون مجرد اعتداء مادي”.

كما أكدت محكمة النقض المصرية على أحقية مالك العقار المعتدى عليه في استرداده من الإدارة طالما أن إخلاء هذه الأخيرة من ذلك العقار لازال ممكناً، إذ جاء في قرار لها بأنه: “إذا استولت الحكومة على عقار مملوك لأحد الأفراد جبرا عن صاحبه دون اتخاذ إجراءات نزع الملكية للمنفعة العامة…فإن صاحب العقار يظل محتفظاً به رغم هذا الاعتداء، ويكون له الحق في استرداده، وذلك ما لم يصبح رد هذا العقار مستحيلاً”.

[85] أنظر في هذا الصدد حسين عامر وعبد الرحيم عامر، المسئولية المدنية والعقدية، الطبعة الثانية، دار المعارف، 1979، ص31.

وقد أورد المؤلفان بعض التطبيقات القضائية للقضاء الفرنسي في هذا الصدد.

[86]CE 19 octobre 1966; commune de Clermont. CE 20 janvier 1956; ville de Royan Cites par RENE CHAPUS Droit administratif général, tome 1.8 edition; MONTCHRESTIEN; E.J.A; 1994; PARIS; P:1044.

[87] قرار صادر بتاريخ: 22-03-1990، أورده سعد محمد خليل مرجع سابق، ص165.

[88] قرار صادر بتاريخ: 16 دجنبر 1948، مجموعة أحكام النقض، السنة 50، العدد الأول والثاني، ص24.

[89] قرار عدد:505 صادر بتاريخ: 12-10-2005 في الملف رقم: 2101-4-3-2004 أورده إبراهيم الزعيم الماسي، مرجع سابق ص99.

[90] ذلك أن الفصل 35 من الدستور المغربي 90 ينص على أنه: “يضمن القانون حق الملكية ويمكن الحد من نطاقها وممارستها بموجب القانون إلا إذا اقتضت ذلك متطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد، ولا يمكن نزع الملكية إلا في الحالات ووفق الإجراءات التي ينص عليها القانون”.

كما جاء في المادة 17 من التصريح العالمي لحقوق الإنسان والمواطن الصادر سنة 1789 على أن حق الملكية مقدس، ولا يمكن أن يحرم أي أحد منه إلا إذا فرضت ذلك قطعاً الضرورة العامة بصورة قانونية وشرط تعويض عادل ومسبق.

وينص الفصل 10 من ظهير 2 يوليوز 1915 المحدد للتشريع المطبق على العقارات المحفظة على أنه: “لا يجبر أحد على التخلي عن ملكه إلا لأجل المنفعة العامة ووفق القوانين الجاري بها العمل”.

[91] RENE CHAPUS; op.cite. p:744.

[92] ففي قرار صادر عنها بتاريخ: 24 فبراير 1982 تم التأكيد على أن الاستجابة لطلب طرد الإدارة من أرض النزاع من شأنه تعطيل مرفق عمومي يسهر على إشباع منفعة عامة، مما يشكل خرقا لمقتضيات الفصل 25 من قانون المسطرة المدنية، ومما جاء في القرار المذكور:

“أن الثابت من تصريحات المدعي المطلوب ضده النقض في مقاله الافتتاحي للدعوى أن القطعة الأرضية المملوكة له بمقتضى الصك العقاري قد شيدت عليها الإدارة مدرسة لتعليم الأطفال، فأضحت بذلك مرفقاً عمومياً يهدف إلى تحقيق منفعة عامة، ومن شأن الاستجابة لطلب المالك الرامي إلى طرد الدولة المغربية منها أن يعرقل عمل الإدارة العمومية للدولة، وهو ما يمنع على محاكم المملكة النظر فيه ولو بصفة تبعية بمقتضى الفصل 25 من قانون المسطرة المدنية، وبذلك فإن القرار المطعون فيه بتأييده للأمر الاستعجالي القاضي بطرد الدولة المغربية من أرض النزاع من شخصها وأمتعتها ومن يقوم مقامها، والذي يستلزم حتما تعطيل مرفق عمومي، هو من صميم عمل الإدارة العمومية، يكون قد خرق مقتضيات الفصل 25 من قانون المسطرة المدنية، مما يعرضه للنقض. قرار عدد:117 صادر بتاريخ: 24-02-1984 في الملف المدني عدد: 69038، منشور بمجلة المحاكم المغربية عدد:26، يوليوز وغشت 1983، ص39.

[93] أمر استعجالي أمر رقم: 327 صادر بتاريخ: 23/7/2003 عن رئيس المحكمة الإدارية بالرباط في الملف رقم: 124-03 س، غير منشور.

[94] جاء في الحكم المذكور: “حيث إنه من الثابت من أوراق الملف ومن تقرير الخبرة أعلاه أن الجماعة المدعى عليها قد وضعت يدها على عقار الجهة المدعية وأقامت عليه مراحيض ومغاسل للمصطافين حياداً عن مبدأ الشرعية، ذلك أن تصرف الجماعة المذكورة لم يثبت أنه كان مبنياً على سند لا نزاع فيه أو حق ناجم عن سلوك المسطرة القانونية لنزع الملكية للمنفعة العامة، مما تكون معه عملية وضع اليد تمت بصورة جبرية ضدا على إرادة المالك والمشرع، وهو ما يشكل اعتداء مادياً يتدخل القاضي الإداري لجبر الضرر الناجم عنه.

حيث إنه لئن كان يحق للمالك المستظهر بسند رسمي على ثبوت تملكه لعقار أن يطالب قانونا بإزالة الاعتداء على ملكه، فإن ذلك يبقى مقيداً بعدم إتمام إنشاء مرفق عمومي عليه، إذ في حالة العكس لا يمكنه سوى المطالبة بالتعويض على رقبة ملكه الذي انتزع منه بصفة غير مباشرة حماية للمال العام الذي أنشئ به ذلك المرفق كما يمكنه دائماً المطالبة بتعويض عن الحرمان من استغلال عقاره منذ تاريخ وضع اليد إلى حين إتمام إحداث المنشأة العمومية عليه.

وحيث إنه استنادا إلى ما سبق، وفي خضم بحث القاضي الإداري على الموازنة بين المصلحة العامة والمصالح الخاصة، واعتبارا لكون المرفق الجماعي المخصص لاستحمام المصطافين قد اكتمل إنشاؤه وبالنظر إلى ما قامت به المصالح الجماعية من إنفاقه المال العام لإحداثه وتجهيزه، فإن الأمر بإخلاء الجهة المدعى عليها من الأرض موضوع النزاع من شأنه أن يمس بالمصلحة العامة التي ترجح على المصالح الخاصة في إطار الموازنة بينهما طبقا للقاعدة الفقهية، التي تم إقرارها قضائياً والقاضية بعدم جواز هدم الأشغال العامة حتى ولو تم بناءها بطريق الخطأ، ولا يؤثر في ذلك ما أكده المدعي في محضر معاينة العقار المجرأة بتاريخ 11 أبريل 2003 من كون هذه المرافق تظل مغلقة في جميع فصول السنة، علما أن المتضرر يمكنه دائما أن يطالب بالتعويض عن رقبة ملكه الذي انتزع منه جبرا مما يتعين معه التصريح برفض هذا الشق من الطلب”. حكم رقم: 1113 صادر بتاريخ: 3 شعبان 1424 موافق 29 شتنبر 2003 عن المحكمة الإدارية بالرباط في الملف رقم: 96/00 ش ت، غير منشور.

وسيرا على نفس المنهجية في التعليل قرر قاضي المستعجلات بالمحكمة الإدارية بالرباط بأن “وضع الحد لكل اعتداء مادي ممارس على الملكية العقارية حيادا على الضوابط المنصوص عليها في القانون رقم 7/81 المتعلق بنزع الملكية لأجل المنفعة العامة والاحتلال المؤقت، رهين بعدم اقتران هذا الاعتداء بمرافق عمومية هادفة إلى تحقيق مصلحة عامة، إذ في مثل هذه الأحوال درج العمل القضائي الإداري على ترجيح المصلحة الأخيرة على المصلحة الخاصة المتضررة من الاعتداء المطلوب رفعه لاعتبارات مستمدة من ضرورة “الحفاظ على المال العام”، وكون “المنشأة العامة المحدثة على وجه غير سليم لا يمكن هدمها”، مضيفاً بأن “تعلق محل الاعتداء المادي بمرافق عمومية ذات نفع عام مانع من أي تعطيل لخدماتها بمراعاة للمال العام الذي أنفق على هذه المرافق غير المعترض على إحداثها إبان تشييدها المنسحب إلى ثلاثين سنة على وجه التقريب، مما يستتبع التصريح برفض الطلب الذي تظل حقوق رافعة محفوظة في المطالبة بالتعويض طبقاً للقواعد العامة المتعلقة بمسئولية الدولة، حسبما أكدت عليه الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى من خلال قرارها عدد 345 موضوع الملف الإداري عدد 54269 أو قرارها عد 692 وتاريخ 27/6/2002”. أمر رقم: 895 صادر بتاريخ: 29/6/2011 عن رئيس المحكمة الإدارية بالرباط في الملف رقم: 829/1/2011 غير منشور.

[95] قرار عدد: 640 صادر في الملف الإداري رقم: 3070-4-2-2003 أشار إليه محمد مياد، مرجع سابق، ص101.

[96] قرار عدد: 698 منشور بمجلة محاكمة عدد: 2، مارس، ماي 2007، ص229.

[97] محمد مياد، مرجع سابق، ص105.

[98] انظر قرار الدائرة المدنية والتجارية، الطعن رقم: 1500 لسنة 53ق جلسة 24-3-1987 أورده إبراهيم محمد علي، نظرية الاعتداء المادي، دراسة مقارنة، 1994، دون بيان اسم المطبعة ص:77.

كذلك الطعن رقم: 62 لسنة:23 جلسة 14-11-1957، أورده عبد الحكيم فودة، موسوعة التعويضات المدنية، نظرية التعويض المدني، الجزء الأول المكتب الدولي للموسوعات القانونية، الإسكندرية، 2005، ص444.

[99] حكم رقم: 341 صادر في الملف رقم: 1042-7-04، غير منشور.

[1] بموجب القرار عدد: 54 الصادر بتاريخ: 20 يناير 2010 في الملف الإداري عدد: 1048-4-2-09، غير منشور.

[101] حكم عدد 131 بتاريخ 25/3/2009 في الملف عدد 183/2006 ش، غير منشور.

نشير في هذا الإطار كذلك، إلى حكم صادر عن المحكمة الإدارية بالرباط حمل الإدارة مسؤولية عدم اللجوء إلى مسطرة الاتفاق على إنجاز الأشغال الإضافية. حكم عدد 601 وتاريخ 18/4/06 ملف 1002/8/04 شركة جيط المنيوم المغرب ضد الدولة المغربية، غير منشور.

[102] حكم رقم: 1125 صادر بتاريخ: 29 شتنبر 2003 في الملف رقم: 84/03 ش ع، غير منشور.

[103] ويتم تحديد التعويض عن نزع الملكية من قبل المحكمة طبقاً للقواعد الآمرة المنصوص عليها في الفصل 20 من قانون نزع الملكية وهي كالتالي:

-يجب ألا يعوض إلا الضرر الحالي والمحقق الناتج مباشرة عن نزع الملكية، وبذلك نص المشرع صراحة على استبعاد الضرر غير المحقق أو المحتمل أو غير المباشر.

-يحدد قدر التعويض حسب قيمة العقار يوم صدور قرار نزع الملكية دون أن تراعى في تحديد هذه القيمة البناءات والأغراس والتحسينات المنجزة دون موافقة نازع الملكية.

-في الحالة التي يقوم فيها نازع الملكية بإيداع مقالي الحيازة ونزع الملكية خلال أجل ستة أشهر من تاريخ نشر مقرر التخلي يجب ألا يتجاوز التعويض قيمة العقار يوم نشر مقرر التخلي ولا تراعي في تحديد هذه القيمة عناصر الزيادات بسبب المضاربات التي تظهر منذ صدور مقرر الإعلان بالمنفعة العامة.

أما إذا لم يحترم نازع الملكية أجل 6 أشهر لإيداع المقالين، فإن القيمة التي يجب ألا يتجاوزها التعويض هي قيمة العقار في اليوم الذي يتم فيه آخر إيداع لأحد النقالين بكتابة ضبط المحكمة.

[104] حكم رقم: 2365 بتاريخ: 20/7/2011 ملف رقم: 26/11/2010، صادر عن المحكمة الإدارية بالرباط، غير منشور.

[105] حكم رقم: 2414 بتاريخ: 10/08/2011 ملف رقم: 323/11/2011، صادر عن المحكمة الإدارية بالرباط، غير منشور.

[106] الفقرة الأولى من الفصل 59 من قانون المسطرة المدنية: “إذا أمر القاضي بإجراء خبرة عين الخبير الذي يقوم بهذه المهمة تلقائياً أو باقتراح الأطراف واتفاقهم”.

[107] الفقرة الأولى من الفصل 56 من القانون المذكور: “يأمر القاضي المقرر أو القاضي المكلف بالقضية شفوياً أو برسالة مضمونة من كتابة الضبط- الطرف الذي طلب منه إجراء من إجراءات التحقيق المشار إليها في الفصل 55 أو الأطراف الذين وقع اتفاق بينهم على طلب الإجراء أو تلقائياً- بإيداع مبلغ مسبق يحدده لتسديد صوائر الإجراء المأمور به عدا إذا كان الأطراف أو أحدهم استفاد من المساعدة القضائية.”

[108] تحدد أهم أساليب التقييم في أسلوب المقارنة، أسلوب الدخل، وأسلوب التكلفة.

[109] الملف يهم قضية تتعلق بالتعويض عن نزع الملكية معروضة على المحكمة الإدارية بالرباط.

[11] ذلك أن خصم الإدارة في الدعوى يمكن أن يلجأ إلى إرشاد الخبير قصد تضخيم مبلغ التعويض، بخلاف الإدارة التي لا يمكن تصورها كراشية.

[111] تعني الشرعية حسب بعض الفقه أنه لا يجوز للإدارة أن تأتي عملا قانونياً أو مادياً مخالفاً للقانون وهذا يعني أن تصرفات الإدارة تكون مشروعة طالما أنها لم تخالف القانون، أنظر: ثروت بدوي، النظم السياسية، (القاهرة: دار النهضة العربية، 1972) ص175.

[112] أنظر بهذا الخصوص المطلب الثاني من المبحث الثاني من الفصل الأول.

[113] عرف القضاء المصري تفويت فرصة بأنه: “ما يكون للمضرور من رجحان كسب قوته عليه العمل غير مشروع”. الطعن رقم: 352 لسنة 41ق جلسة 22-03-1977، أورده سعيد احمد شعلة، قضاء النقض في التعويض، مجموعة القواعد التي قررتها محكمة النقض في التعويض عن المسؤولية العقدية والتقصيرية والشيئية خلال سبعة وستين عاماً 1931-1997، دار الفكر الجامعي، اسم المطبعة وتاريخ الطبع ومكانه غير مذكورين، ص:94.

ونشير في هذا الإطار إلى أنه إذا كانت الفرصة أمراً محتملاً، فإن تفويتها هو أمر محقق، لذلك فإن تقدير التعويض في هذه الحالة لا يمكن أن يكون مبنيا على المنفعة التي كان من المفترض الحصول عليها لو تحققت الفرصة، وإنما يكون على أساس الخسارة المترتبة عن تفويت تلك الفرصة.

[114] قرار القسم الثاني عدد: 32 صادر بتاريخ: 16-01-2003 منشور بمرجع إبراهيم زعيم الماسي، مرجع سابق، ص255.

[115] ورد في قرار لمحكمة النقض: “وحيث مما لا جدال فيه أن الأرض موضوع النزاع كانت مخصصة أصلاً للبناء، أي على أساس أنها معدة لهذا الغرض.

وحيث إن المحكمة تتوفر على سلطة تقديرية لتحديد التعويض الناتج عن حرمان المستأنف عليها من استغلالها، والذي قدرته في مبلغ 70000,00 درهم خلال المدة التي استمر فيها حرمان صاحبها من الانتفاع بها”. قرار عدد: 706 صادر بتاريخ: 16-07-1998، منشور بمرجع إبراهيم زعيم الماسي، مرجع سابق، ص51.

[116] وسيرا وفق هذا الاتجاه قضت المحكمة الإدارية بالدار البيضاء بأنه: “حيث إنه لإثبات الحرمان من الاستغلال يجب على الطرف المدعي إثبات تاريخ وضع الإدارة ليدها على العقار المدعى فيه، وتاريخ إقامة المرفق وبيان أوجه الاستغلال السابقة لذلك.

وحيث أنه بالرجوع إلى وثائق الملف تبين للمحكمة كون المدعيين لم يقيموا أمام المحكمة دليلا على تاريخ وضع الإدارة يدها على العقار موضوع الاعتداء إلى حين تاريخ إقامة المرفق، وأوجه استغلاله قبل وضع اليد، وان الخبير حينما حدد مبلغ 7500 درهم كتعويض عن ذلك، فإن المدعين لم يقيموا الحجة البينة على تاريخ وضع اليد ليستقيم الحكم بمطالبهم، وإن كان إدعائهم أن الأرض كانت تستغل في زراعة الحبوب الأمر الذي يتعين معه رفض الطلب في هذا الشق” حكم صادر بتاريخ: 25/03/2009 في الملف رقم: 126/13/2008ق.ش، غير منشور.

كما ألغت محكمة النقض حكماً قضى بالتعويض عن فوات الكسب على أساس أن المدعين لم يثبتوا نوع الضرر الذي لحقهم من جراء حرمانهم من الاستغلال. قرار عدد: 429 صادر بتاريخ: 29-06-2005 في الملف الإداري عدد: 1553-4-3-04، منشور بمجلة المحاكم المغربية، عدد: 106 يناير- فبراير 2007، ص135.

[117] على هذا النحو قضت المحكمة الإدارية بالرباط في حكم صادر عنها بتاريخ 7 دجنبر 2009 ورد فيه:

“حيث التمست المدعية الحكم لفائدتها بتعويض عن الحرمان من الاستغلال قدره (1.497.000.00) درهم.

وحيث تمسكت المدعى عليها بأن التعويض المقترح غير مؤسس لعدم الإدلاء بما يفيد أن المدعية حرمت من استغلال عقارها.

وحين دأب الاجتهاد القضائي على إقرار أحقية المعتدي على عقاره مادياً المطالبة بالتعويض عن الحرمان من استغلال عقاره وحتى من مجرد منعه من ولوجه. ومنح هذا التعويض عن الفترة الممتدة من تاريخ وضع اليد إلى تاريخ الانتهاء من الأشغال” حكم رقم: 2533 صادر في الملف رقم: 611/08ش ت، غير منشور.

تأكيداً لهذا التوجه جاء في قرار صادر عن محكمة النقض بتاريخ 04 ماي 2005: “لكن حيث إن التعويض عن الحرمان من الاستغلال يجد أساسه في حرمان مالك الرقبة من استغلال أرضه بمختلف أوجه الاستغلال التي يراها مفيدة، وأن وضع اليد عليها وحرمانه من التصرف إلى غاية إنشاء المرفق قد ترتب عنه غل يده من التصرف طيلة تلك الفترة، فكان ما أثير غير ذي أثر”- قرار القسم الإداري الثالث عدد 133، ذكره إبراهيم زعيم الماسي، مرجع سابق، ص54.

[118] وقد ورد في أحد قراراتها:

“لكن حيث لئن كان يحق للمالك المستظهر سند رسمي أو شبهة على ثبوت الملك له بأن يطلب تعويضا عن حرمانه من استغلال ملكه المعتدى عليه اعتداء ماديا وإزالة هذا الاعتداء، فإن ذلك مقيد بعدم إتمام إقامة مرفق عمومي عليه، حيث لا يمكنه حينئذ إلا المطالبة بالتعويض عن رقبة من انتزع منه بصفة غير مباشرة حماية للمال العام، مع تعويض عن الحرمان من استغلال عقاره منذ الاعتداء المادي عليه إلى إتمام إحداث المرفق العام عليه”. قرار عدد: 445 صادر بتاريخ 18/04/2002 في الملف عدد: 1629/4/4/2000، غير منشور.

كما أكدت في قرار آخر لها بأن تحديد فترة زمنية للتعويض عن فوات الكسب لا يمكن تجاوزها وأن قاضي التقدير ملزم بحصر مبلغ التعويض في الفترة الممتدة ما بين وقوع الاحتلال وتاريخ إنشاء المرفق العام” قرار عدد: 755 صادر بتاريخ: 01-12-2004 في الملف الإداري عدد: 1997-03، أشار إليه محمد الكشبور، نزع الملكية لأجل المنفعة العامة قراءة في النصوص وفي مواقف القضاء، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الثانية، 2007، ص72.

[119] وفي هذا السياق، وبعد أن تبين لوزارة الداخلية- باعتبارها سلطة وصية على الجماعات الترابية- بعد إحصاء وتحليل مواضيع الدعاوي القضائية المرفوعة على هذه الأخيرة أن نسبة كبيرة من هذه الدعاوى تتعلق بمنازعات عقارية ناتجة عن إقدام الإدارة المحلية على الترامي مباشرة على عقارات الأفراد، واحتلالها دون اللجوء إلى مسطرة نزع اللكية، أصدرت بتاريخ: 07 مارس 2006 دورية أكدت من خلالها أن “الاحتلال المباشر لملك الغير أو ما يطلق عليه قانونا بالاعتداء المادي على ملك الغير، والذي تلجأ إليه الجماعات الترابية عادة، إما لجهلها بقواعد نزع الملكية أو بفعل السرعة التي يتطلبها إنجاز بعض المشاريع التنموية والتي لا يمكن أن تتحمل انتظار استكمال إجراءات نزع الملكية، هو إجراء، فضلاً عن كونه مخالف للقانون، قد يكلف الجماعة ثمناً باهظاً يفوق بكثير القيمة الحقيقية للعقار، فالقضاء في مثل هذه الوقائع يصدر أحكاماً، ليس بدفع قيمة الأرض فقط، بل أيضاً بالتعويض عما فات المالك من أرباح كان يجنيها من عقاره، ناهيك عن الغرامات التهديدية والغرامات عن التماطل في الأداء وهو ما يزيد في إثقال ميزانية الجماعة بأدائها لمبالغ مالية إضافية كان من الممكن تفاديها”.

ولمعالجة هذا الوضع، دعت الدورية المذكورة الجماعة الترابية التي تعتزم الحصول على عقارات لإنجاز تجهيزات ومشاريع تنموية، إلى الامتناع عن “اللجوء إلى الاحتلال المباشر لملك الغير، وان تعتمد عوضاً عن ذلك طريقة الاقتناء بالتراضي، أو أن تعمد إلى نزع الملكية طبقا للمسطرة المعمول بها في حالة عدم حصول التراضي، مع ضرورة توفير الاعتمادات المالية مسبقاً، وذلك تفادياً للدعاوى القضائية التي يمكن أن ترفع ضدها وتكلفها أعباء مالية ليست في استطاعتها الالتزام بها، ومصاريف إضافية هي في غنى عنها”. دورية رقم:21-ق.ت.م- موجهة إلى السادة ولاة وعمال العمالات والأقاليم وعمال المقاطعات بالمملكة حول ضبط المنازعات القضائية للجماعات المحلية وهيئاتها، منشور بالدليل القانوني للجماعات المحلية، 2010 ص461.

[120] صدر هذا القانون بمقتضى الظهير الشريف المؤرخ في 15 من ذي الحجة 1412 موافق 1 يونيو 1992.

[121] قرار صادر بتاريخ 01/03/2006 تحت رقم 105 في الملف رقم 2055/5 و2836/05.، أورده ذ.محمد محجوبي في كتابه المعنون بقراءة عملية في قوانين التعمير المغربية، الطبعة الأولى ص455.

[122] لعل ما يؤكد ذلك هو صدور دورية عن وزير الداخلية نبهت إلى تجاهل المسئولين الجماعيين للقواعد القانونية والتنظيمية المعمول بها، وما يترتب عن ذلك من أضرار للغير مما يكلف ميزانية الجماعة أعباء مالية، وأشارت إلى إمكانية محاسبة هؤلاء بصفة شخصية، ومما ورد في تلك الدورية: “لا يخفى عليكم أن المسؤولين الجماعيين سواء كانوا منتخبين أو موظفين قد يرتكبون أخطاء، أحياناً تكون جسيمة، إما بفعل التهاون والتقصير أو بفعل تجاهل القواعد القانونية والتنظيمية المعمول بها، وقد يكلف ذلك خزينة الجماعة أموالا باهظة تخل بتوازنها المالي وتعرقل السير العادي والمنتظم لمرافقها العامة كما قد تؤدي أحياناً إلى حد الأمر بالحجز على أموالها وممتلكاتها.

ولمعالجة هذا المشكل الذي أضحى من الأسباب الرئيسية للدعاوى القضائية التي ترفع ضد الجماعات المحلية والأحكام القضائية التي تصدر ضدها، فإنه أصبح من الضروري تنبيه هؤلاء المسؤولين إلى أن أي عمل أو تصرف قد يصدر عنهم أثناء ممارستهم المهام المنوطة بهم يترتب عنه إضرار بالغير ويكلف ميزانية الجماعة أعباء مالية، إما بسبب مخالفة القوانين والأنظمة المعمول بها وإما بفعل التهاون والتقصير، فإنهم سيحاسبون عن تلك الأخطاء طبقاً لقواعد المسؤولية المنصوص عليها في الفصلين 79 و80 من قانون الالتزامات والعقود، ويتعين عليهم تبعاً لذلك، تسديد المبالغ المالية التي أهدرت بدون مبرر قانوني أو التي دفعت كتعويض لجبر الضرر الحاصل بالأغيار إلى الخزينة العامة”.

دورية رقم:21-ق.ت.م- موجهة إلى السادة ولاة وعمال العمالات والأقاليم وعمال المقاطعات بالمملكة حول ضبط المنازعات القضائية للجماعات المحلية وهيئاتها، منشور بالدليل القانوني للجماعات المحلية، 2010 ص464.

[123] حكم رقم: 2549 صادر عن المحكمة الإدارية بالرباط بتاريخ: 29/9/2010 في الملف رقم: 102/12/2010، غير منشور.

[124] قرار عدد: 787 صادر بتاريخ 11/06/2008 عن محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط، غير منشور.

[125] قرار عدد: 274 ق ث صادر عن محكمة النقض بتاريخ: 21-3-2007 في الملف الإداري عدد: 1679-4-2-2004، غير منشور.

[126] قرار عدد: 118 صادر عن محكمة النقض بتاريخ: 13/2/2008 في الملف الإداري عدد: 1014 و1266/4/2/2005، غير منشور.

[127] يعرف التقادم فقها بأنه سبب لانقضاء الحقوق المتعلقة بالذمة المالية، ولاسيما الالتزامات إذا توانى صاحبها عن ممارستها أو أهمل المطالبة بها خلال مدة معينة يحددها القانون، لأن الأساس الذي ترتكز عليه فكرة التقادم هو توفير الاستقرار في المجتمع وإشاعة الاطمئنان والثقة بين أفراده.

عببد العزيز اليونسي- تقادم إجراءات تحصيل الديون العمومية، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة مواضيع الساعة عدد 31/2001 صفحة 78.

وبخصوص فلسفة التقادم يقول الفقيه عبد الرزاق أحمد السنهوري: “يرتكز التقادم على اعتبارات تمت للمصلحة العامة بسبب وثيق، فإن استقرار التعامل يقوم إلى حد كبير على فكرة التقادم، ويكفي أن نتصور مجتمعا لم يدخل التقادم في نظمه القانونية، لندرك إلى أي حد يتزعزع فيه التعامل وتحل الفوضى محل الاستقرار”.

أنظر: الوسيط في شرح القانون المدني الجديد، نظرية الالتزام بوجه عام، الجزء الثالث، الطبعة الثالثة، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت لبنان، 2000 ص:996.

[128] –حكم صادر بتاريخ: 05/04/2010 عن المحكمة الإدارية بالرباط في الملف عدد: 195/6/2009.

-حكم صادر بتاريخ: 07/04/2010 عن المحكمة الإدارية بالدار البيضاء في الملف عدد 300/6/2009.

-حكم رقم: 550 صادر بتاريخ: 19/3/2009 عن المحكمة الإدارية بالرباط في الملف عدد: 1076/08 ش.د.

-حكم صادر بتاريخ: 24/3/2010 عن المحكمة الإدارية بالدار البيضاء في الملف عدد: 47/6/2010.

-حكم صادر بتاريخ: 14/04/2010 عن المحكمة الإدارية بالدار البيضاء في الملف عدد: 55/6/2010.

-حكم صادر بتاريخ: 22/10/2009 عن المحكمة الإدارية بالدار البيضاء في الملف عدد: 208/6/2009.

-حكم صادر بتاريخ: 17/03/2010 عن المحكمة الإدارية بالدار البيضاء في الملف عدد: 153/6/2009.

[129] بالنسبة للأملاك العامة، يمثلها وزير التجهيز أو وزير الأشغال العمومية، إذ ينص الفصل الثاني من ظهير 3-4-1917 المغير والمتمم لظهير 6 غشت 1915، على ما يلي: “ويخول أيضاً الاختصاصات المشار إليها أعلاه للمدير العام للأشغال العمومية فيما يتعلق بالأملاك العمومية وذلك وفقاً للظهير الشريف المؤرخ في 7 شعبان 1332هــ الموافق لفاتح يوليوز 1914″، ونشير إلى أن إدارة الأملاك العمومية المذكورة في هذا النص هي التي أصبحت فيما بعد الاستقلال وزارة الأشغال العمومية.

-بالنسبة للأملاك الخاصة للدولة، فإن مدير الأملاك المخزنية هو الذي له صلاحية تمثيل الدولة أمام القضاء، جاء في الفصل الفريد من ظهير 6 غشت 1915 المغير بظهير 3 أبريل 1917، ما يلي: “لا يجوز التدخل في المرافعات المتعلقة بتقييد أملاك الدولة الخاصة إلا لرئيس إدارة الأملاك المخزنية أو نائبه”.

وقد أكد المرسوم رقم: 78-539 الصادر بتاريخ 22 نونبر 1978 المتعلق بتحديد اختصاصات وتنظيم وزارة المالية في الفصل 14 على أنه: “يعهد لمديرية الأملاك المخزنية بتكوين وتسيير ملكاً للدولة الخاص غير الملك الغابوي، وكذلك النزاعات المتعلقة به واقتناء العقارات وتخصيصها بالمرافق العمومية”.

-وبالنسبة للأملاك الغابوية، فإن وزير الفلاحة هو المختص بتمثيل الدولة بخصوصها، حيث ينص الفصل الثاني من ظهير 10-10-1917 المغير بمقتضى ظهير 21-6-1960 على ما يلي: “يتمتع وزير الفلاحة وحده بصلاحية التدخل باسم مصالح الملك الغابوي في مسطرة التحديد والتحفيظ وكذا التقاضي أمام القضاء”.

-في ميدان الأوقاف، وبالرجوع إلى الظهير المؤرخ في 13-7-1913 المتعلق باختصاصات المصلحة المركزية للأحباس، نجده قد أعطى صلاحية التقاضي باسم الأوقاف إلى المديرية المركزية للأوقاف التي حلت محلها وزارة الأوقاف، كما منح الظهير المؤرخ في 13-1-1918 المنظم لمراقبة الحبس العائلي من طرف وزارة الأحباس، صلاحية التقاضي لهذه الوزارة في هذه القضايا، وبذلك فإن وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية باعتباره قيما على ملك الأوقاف، هو الذي يتمتع بصلاحية التقاضي باسم هذا الملك.

[130] الخيار المذكور تقره النصوص القانونية التالية:

-الفقرة الثانية من لفصل 34 من قانون المسطرة المدنية: “أن الإيرادات العمومية تكون ممثلة بصفة قانونية أما القضاء بواسطة أحد الموظفين المنتدبين لهذه الغاية”.

-المادة 354 من القانون المذكور: “تعفى الدولة من مساعدة المحامي طالبة كانت أو مطلوباً ضدها وذلك خلافاً لمقتضيات الفقرتين 1 و2 أعلاه.

يوقع في هذه الحالة على مقالاتها ومذكراتها الوزير المعني بالأمر أو موظف منتدب لهذا الغرض، ويمكن أن يكون هذا الانتداب عاما يشمل نوعا من القضايا”.

-المادة 33 من قانون المحاماة: “لا يسوغ أن يمثل الأشخاص الذاتيون والمعنويون والمؤسسات العمومية وشبه العمومية والشركات، أو يؤازروا أما القضاء إلا بواسطة محام، ما عدا إذا تعلق الأمر بالدولة والإدارات العمومية تكون نيابة المحامي أمراً اختيارياً”.

-المادة 10 م القانون رقم 80.03 المحدثة بموجبه محاكم استئناف إدارية: “يقدم الاستئناف إلى كتابة ضبط المحكمة الإدارية التي أصدرت الحكم المستأنف بواسطة مقال مكتوب يوقعه محام، ما عدا استئناف الدولة والإدارات العمومية حيث تكون نيابة محام أمراً اختيارياً”.

-الفصل 514 من قانون المسطرة المدنية: “كلما كانت الطلبات تستهدف التصريح بمديونية الدولة أو إدارة عمومية أو مكتب أو مؤسسة عمومية للدولة في قضية لا علاقة لها بالضرائب والأملاك المخزنية وجب إدخال العون القضائي في الدعوى وإلا كانت غير مقبولة”.

-الفقرة الأخيرة من ظهير 2 مارس 1953 بشأن إحداث مؤسسة الوكيل القضائي على ما يلي: “يمثل الوكيل القضائي في المحاكم الدولة الشريفة، ومكاتبها ومؤسساتها العمومية في القضايا التي تكون مدعى عليها فيها، وأن يقوم في ذلك مقام رؤساء الإدارات والمديرين المختصين بالأمر حين يكلفونه بذلك”.

[131] قرار عدد: 29 بتاريخ 4 دجنبر 1958 صادر في الملف الإداري عدد 215/58، منشور بقرارات المجلس الأعلى، أهم القرارات الصادرة في المادة الإدارية الجزء الأول، منشورات الذكرى الخمسينية لتأسيس المجلس الأعلى، مطبعة الأمنية بالرباط 2007 ص6.

[132] منشور بالجريدة الرسمية عدد: 50058 بتاريخ 2002/11/21.

[133] الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1-97-84 بتاريخ 2 أبريل 1997، منشور بالجريدة الرسمية عدد: 4470، بتاريخ 3 أبريل 1997.

[134] الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 01-02-269 المؤرخ في 25 رجب 1423 (13 أكتوبر 2000)، منشور بالجريدة الرسمية عدد 5058 بتاريخ 21 نونبر 2002، ص3490.

[135] أنظر: الدورية رقم: 21-ق.ت.م. الصادرة عن وزير الداخلية والموجهة إلى السادة ولاة وعمال العمالات والأقاليم وعمال المقاطعات بالمملكة حول ضبط المنازعات القضائية للجماعات المحلية وهيئاتها، منشور بالدليل القانوني للجماعات المحلية، 2010 ص462.

[136] جاء في حكم صادر عن المحكمة الإدارية بالرباط بتاريخ 14 أبريل 2012: “لكن، حيث إن مقتضيات الفقرة الخامسة من المادة 48 من القانون رقم: 00-87 المتعلق بالميثاق الجماعي تقضي بأن: “لا يمكن رفع أي دعوى- تتعلق بمطالبة الجماعة بأداء دين أو تعويض- تحت طائلة عدم القبول من لدن المحاكم المختصة، إلا بعد إحالة الأمر مسبقاً إلى الوالي أو العامل الذي يبت في الشكاية في أجل أقصاه ثلاثون يوماً ابتداء من تاريخ تسليم الوصل، وإذا لم يتوصل برد على شكايته في الآجال المذكورة أو إذا لم يقبل المشتكي هذا الرد، يمكنه رفع شكايته إلى وزير الداخلية الذي يبت فيها داخل أجل أقصاه ثلاثون يوما ابتداء من تاريخ توصله بالشكاية، أو رفع الدعوى مباشرة أمام المحاكم المختصة.

وحيث لما كانت الدعوى تستهدف لتصريح باستحقاق دين على جماعة ترابية، وان المدعية لم تدل بأي بيان دال على استنفادها للمسطرة المومأ إليها أعلاه، على الرغم من إنذارها من أجل ذلك، فإن الطلب يبقى حليف عدم القبول”. حكم صادر في الملف عدد: 28-13-2012، غير منشور.

كما ورد في حكم آخر صادر عن نفس المحكمة: “حيث يهدف المدعون من خلال طعنهم إلى الحكم بإلغاء القرار السلبي الصادر عن والي جهة الغرب الشراردة بني احساين عامل إقليم القنيطرة في ملف التنفيذ رقم: 1437-09 المتعلق بعدم إمداد مأمور التنفيذ بالقوة العمومية لتنفيذ القرار الاستئنافي مع ترتيب الأثر القانوني على ذلك.

وحيث دفعت الجهة المطلوبة في الطعن بعدم سلوك الطاعن للمسطرة المنصوص عليها في المادة 41 من القانون رقم: 00-99 المتعلق بتنظيم العمالات والأقاليم.

وحيث صح ما أثاره الطرف المدعى عليه ذلك أن الثابت من المادة المومأ إليها أعلاه أن رفع دعوى التعويض أو الشطط في استعمال السلطة، غير دعاوي الحيازة أو الدعاوى المرفوعة لدى القضاء المستعجل، ضد العمالة أو الإقليم أو ضد قرارات جهازها التنفيذي لا تكون مقبولة إلا إذا كان المدعى قد اخبر من قبل المجلس ووجه مذكرة تتضمن موضوع وأسباب شكايته إلى وزير الداخلية أو السلطة التي فوض إليها في ذلك.

وحيث إن المدعين لم يدلوا بما يثبت استيفائهم للقواعد الإجرائية المذكورة، الأمر الذي يبقى معه الدفع المثار مؤسساً، ويتعين تبعاً لذلك القضاء بعدم قبول الطلب”. حكم رقم: 297 صادر بتاريخ: 26/01/2012 في الملف عدد: 392-5-2010، غير منشور.

[137] بل في بعض الحالات نجد أن المصالح المالية للجماعة لا تتم حمايتها بالشكل المطلوب، نتيجة الخلاف الحاصل بين مدبري الشأن المحلي بدون مراعاة مبدأ الاستمرارية الذي يطبع عمل المرفق العمومي، ففي نازلة عرضت على المحكمة الإدارية بالرباط التمس أحد المدعين الحكم على الجماعة القروية سيدي الغندور في شخص رئيسها بأدائها لفائدته مبلغ لضمانة المحدد في 100.000.00 درهم، مع تعويض عن التماطل قدره 15.000.00 درهم والفوائد القانونية من تاريخ شهر يوليوز 2008 مع النفاذ المعجل والصائر، وأسس المدعي طلبه على نسخة مطابقة للأصل من اعتراف بتسلم مبلغ الضمانة صادر عن نائب رئيس الجماعة فأجابت الجماعة بأن الاعتراف المدلي به لا يعتبر حجة لأنه يتعلق برئيس منتهية ولايته، على الرغم من أن الوثيقة المدلي بها موقعة من قبل نائب الرئيس خلال فترة ولايته. النازلة صدر بشأنها حكم وفق الطلب، حكم رقم: 1693 صادر بتاريخ: 3/5/2012 في الملف رقم: 17/13/2012، غير منشور.

[138] دورية رقم 21-ق.ت.م- منشورة بالدليل القانوني للجماعات المحلية، مرجع سابق، ص462.

[139] ورد في المادة 38 من الظهير شريف رقم 1.09.02 الصادر في 22 من صفر 1430 (18 فبراير 2009) بتنفيذ القانون رقم 45.08 المتعلق بالتنظيم المالي للجماعات المحلية ومجموعاتها:

“يحدث، تحت سلطة وزير الداخلية، مساعد قضائي للجماعي المحلية يكلف بتقديم المساعدة القانونية للجماعات المحلية ومجموعاتها. ويؤهل المساعد القضائي، في هذا الصدد للتصرف لحساب الجماعات المحلية ومجموعاتها كمدع أو مدعى عليه عندما تفوضه في الدعاوى التي يكون الهدف منها التصريح باستحقاق ديون على تلك الجماعات والمجموعات يجب إدخال المساعد القضائي في الدعوى، تحت طائلة عدم قبول المقال، كلما أقيمت دعوى قضائية بغرض التصريح باستحقاق ديون على جماعة محلية أو مجموعة.

يمكن أن تكون خدمات المساعدة المشار إليها في المادة موضوع اتفاقيات بين وزير الداخلية والجماعات المحلية ومجموعاتها. وتحدد هذه الاتفاقيات على الخصوص تحمل المصاريف القضائية وأتعاب المحامين والخبراء والمصاريف القضائية وأتعاب المحامين والخبراء والمصاريف المختلفة”.

كما صدر بتاريخ 13 مارس 2009 قرار عن وزير الداخلية تحت رقم 03 قضى بإسناد مهام المساعد القضائي للجماعات المحلية إلى مدير الشؤون القانونية والدراسات والتوثيق والتعاون بالمديرية العامة للجماعات المحلية، حيث سيتولى تقديم المساعدة القانونية للجماعات المحلية ومجموعاتها والدفاع أمام المحاكم عن مصالح الجماعات التي تفوض له في القضايا التي تكون فيها مطالبة بدين وذلك وفق الاتفاقيات التي يمكن أن تبرم في هذا الإطار بين وزير الداخلية والجماعات الترابية ومجموعاتها، كما ستتولى مصلحة المنازعات التابعة لقسم المجالس المحلية بمديرية الشؤون القانونية والدراسات والتوثيق والتعاون، بمهمة كتابة المساعد القضائي للجماعات المحلية وتتبع القضايا التي تعرض عليه.

[140] حكم المحكمة الإدارية بفاس، عدد 225/95/ الصادر في 25/10/1995 في الملف، 85/94 ت- غير منشور.

[141] قرار الغرفة الإدارية، في الملف 490/97 الصادر بتاريخ: 05/01/1997 غير منشور.

[142] محمد القدوري، الغرامة التهديدية في التشريع المغربي، مجلة المحاماة، عدد 15، أبريل- ماي- يونيو 1979، ص57.

[143] في هذا الإطار قضت محكمة النقض بما يلي: “لكن حيث إن الهدف من الحكم بالغرامة التهديدية هو إشعار المحكوم عليه بأنه قد يتعرض إلى الحكم بتعويضات عن تماطله في تنفيذ حكم قضائي صادر ضده، عندما تتم تصفية الغرامة التهديدية إلى تعويض.

وحيث إن المشرع لم يستثن من الحكم بالغرامة التهديدية المرافق العمومية التابعة للدولة، وأن القضاء يدخل في اختصاصه وصلاحياته، كما استقر على ذلك اجتهاد الغرفة الإدارية، اللجوء إلى الغرامة التهديدية لإجبار المحكوم عليه على تنفيذ حكم صادر ضده الشيء الذي يعني أن الحكم بها في النازلة الحالية لا يتعارض مع المبادئ القانونية والفقهية، ولكن يكرس مبدأ حماية حقوق المحكوم له في مواجهة تصرفات الإدارة”. قرار الغرفة الإدارية، عدد 836 بتاريخ 1/7/1999 في الملف رقم 1331/1/1998.

كما ورد في أمر استعجالي صادر عن المحكمة الإدارية بالرباط: “حيث يهدف الطلب إلى استصدار أمر بتحديد الغرامة التهديدية في مواجهة الإدارة المدعى عليها، لامتناعها غير المبرر عن تنفيذ قرار نهائي قضى بإحالة المدعية عليها لتسوية وضعيتها الإدارية من خلال إدماجها في السلم 10 وإلحاقها بالإطار المستحق.

وحيث إن الغرامة التهديدية تعتبر وسيلة لإجبار الطرف المحكوم عليه على التنفيذ، متى كان التنفيذ لصيقا بإرادة المنفذ عليه، وجائزاً قانوناً، دون أن تسعف في تحققه إجراءات لتنفيذ الجبري الأخرى بالاعتماد على الفصل 448 من قانون المسطرة المدنية المحال عليه بمقتضى المادة 7 من القانون رقم 90-41 المحدثة بموجبه المحاكم الإدارية، والمتميزة مقتضياته بمخاطبتها لكل من أشخاص القانون العام أو الخاص، وبالتالي كل طرف يعد امتناعه غير المبرر عن التنفيذ سبباً كافياً لتحديد الغرامة التهديدية في مواجهته، تكريساً لمبدأ سيادة القانون الذي لا قيمة له إلا باحترام أحكام القضاء ووجوب تنفيذها من طرف المسؤولين الإداريين المعنيين بشأن التنفيذ.

وحيث في نازلة الحال فإن البادي من المحضر موضوعها المنجز بتاريخ 27/9/2007 امتناع المنفذ عليها وزارة التربية الوطنية عن تنفيذ قرار قضائي حائز لقوة لشيء المقضي به بدون مبرر مقبول، مما يبرر المطالبة بتحديد الغرامة التهديدية في حقها، وبالتالي بما لنا من سلطة تقدير مبلغ الغرامة التهديدية أخذا بعين الاعتبار طبيعة العمل محل التنفيذ، والأضرار الناتجة عن الامتناع عن التنفيذ وتعنت المنفذ عليها في التنفيذ، نرى تحديدها يومياً في مبلغ 1500 درهم على أن يكون منطلق سريانها تاريخ الامتناع عن التنفيذ بالتفصيل الوارد لاحقا في منطوق هذا الأمر” أمر استعجالي رقم: 672 صادر بتاريخ: 27/4/2011 في الملف رقم: 664/1/2011، غير منشور.

[144] أكدت الغرفة الإدارية بمحكمة النقض جواز سلوك مسطرة الحجز لدى الغير في مواجهة المؤسسات العمومية متى اعتبرت أموالاً خاصة اعتمادا على الحيثية التالية:

“إن الإدارة في مجال نزع الملكية للمنفعة العامة ترصد مسبقاً أموالاً لتغطية التعويضات الناتجة عن نزع ملكية أرض الخواص وهي بذلك تخرج بإرادتها هذه الأموال من ذمتها لتخصيصها للتعويض عن نزع الملكية وبالتالي تصفي عليها صبغة خصوصية وتجعلها قابلة للتنفيذ عليها وأنه يحق للمنزوعة ملكيتهم القيام بتلك الإجراءات القانونية على هذه الأموال بما في ذلك مسطرة الحجز لدى الغير”.

قرار صادر بتاريخ 22/5/97. أشار إليه الأستاذ محمد قصري في مقالة الغرامة التهديدية والحجز في مواجهة الإدارة الممتنعة عن تنفيذ الأحكام الصادرة ضدها)) المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية العدد 34، ص31.

وتأكيدا لذلك التوجه ورد في أمر استعجالي صادر عن رئيس المحكمة الإدارية بالرباط:

“إذا كان المبدأ العام هو عدم قابلة المال العام للحجز لما يترتب على ذلك في تعطيل وظيفة النفع العام الملقاة على عاتقه، فإنه استثناء من ذلك أجاز الفقه والقضاء إمكانية الحجز على الأموال الخاصة للأشخاص الاعتبارية العامة، التي لا يترتب على إيقاع الحجز عليها تعطيل وظيفة النفع العام الموكولة إليها، أو عرقلة السير العادي للمرفق العالم، وباعتبار أن المبلغ المحجوز حجزا تنفيذيا من المفروض رصده لأداء ديون الجماعة بما فيها الديون الناتجة عن عقد الصفقة أعلاه في إطار قواعد المحاسبة العامة، ولا دليل بالملف على عرقلة وظيفة النفع العام الملقاة على المجلس المحجوز عليه باستمرار الحجز وتنفيذه، مما تبق معه الوسائل المثارة وسيلة للتماطل ولا تشكل الصعوبة الواقعية والقانونية المتطلبة في إيقاف التنفيذ مما يبقى الطلب حول ذلك غير مؤسس”. أمر رقم 217 صادر بتاريخ: 24/5/2006 في الملف رقم: 185/06س، غير منشور.

[145] أنظر بيان أسباب صدور المرسوم رقم 2.06.388 الصادر في 16 محرم 1428 (5 فبراير 2007) بتحديد شروط وأشكال إبرام صفقات الدولة وكذا بعض القواعد المتعلقة بتدبيرها ومراقبتها، الواردة بالقانون المذكور المنشور بالجريدة الرسمية عدد: 5518، بتاريخ فاتح ربيع الأول 1428 (19 أبريل 2007) ص1235.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading