الدكتور محمد لمام الحافظي
محام لدى هيئة المحامين لدى محاكم الاستئناف اكادير كلميم العيون
افتتاحية الموضوع : للعرف و التقاليد مكانة هامة لدى المجتمعات البدوية ومنها قبائل الصحراء و خاصة القومية التي يطلق عليها بصفة عامة (البيضان) وقبائل الصحراء كغيرها من البدو تعتمد في حياتها الاعتيادية على احترام أفرادها بأعراف القبيلة وتقاليدها و تنساق للعمل بها دون حساسية ، كما تطيع القبائل بأسرها و أفرادها المؤسسات التي تتولى الفصل في المنازعات وتصدر أحكاما بشأنها انطلاقا من أعراف القبيلة و المحيط الاجتماعي بصفة عامة و يستجيب الأفراد وأسرهم وقبائلهم لتطبيق الأحكام الصادرة عن هذه المؤسسات بدون تحفظ ، وانطلاقا من هذا سنحاول بهذا البحث المقتضب الوقوف على طبيعة القبائل الصحراء التي كانت تحت الاستعمار الاسباني و ما لامس جوارها الجغرافي من قريب وذلك فيما يخص الأعراف و التقاليد و المؤسسات الموكول لها الفصل في المنازعات باعتماد ذلك .
وحيث أن مراجع تفصيلية بهذا الموضوع اما منعدمة أوهي مجرد نتف ورقات مبعثرة ببعض المراجع التاريخية أو الفقهية وخاصة ما يخص المجال الجغرافي بأرض الصحراء بإقليميها الساقية الحمراء ووادي الذهب حيث نجد الإسبانيين الأول عالم اجتماع : خوليو كارو باروخا في كتابه دراسات صحراوية و الثاني: لضابط الإسباني مانويل موليرو كليمانتي في كتابه الأراضي الاسبانية بالصحراء ووحداتها المتنقلة ،ومعلومة ضرورة ان كتابات و أبحاث هؤلاء الاوروبيين عادة ما تطبعها بعض السطحية و الفهم الغير السليم لبعض الظواهر لأسباب عدة منها عدم التمكن من اللغة العربية ومن اللهجات المحلية لقبائل الصحراء مثلا الناطقة بالحسانية فضلا عن النقل الغير الأمين للتراجم مع خلفية التعصب الديني لبعض هؤلاء الاوروبيين من المبحوثين الكنسيين و المغامرين الاستعماريين لذلك يبقى التعامل مع كتاباتهم بحظر دقيق ، كما سنضطر لاعتماد الموروث الثقافي الحساني لاستنطاقه في هذا المجال ونشير بالمناسبة الى نوازل و أحكام و رسائل قاضي قبيلة أولاد ابي السباع الفقيه محمد يحظيه بن عبد الباقي ،وأيضا الى تراث المدارس العلمية المتنقلة كمدرسة قبيلة أهل بارك الله ومدرسة الشيخ سيدي المختار الكنتي و العلامة المؤرخ و الموسوعة الولي الشيخ محمد المامي و كذلك الشيخ ماء العينين و الفقيه محمد بن محمد سالم المجلسي و الفقيه القاضي محمد بن يوسف بن عبد الحي البربوشي وابن عمه الفقيه لحبيب بن حسين بن عبد الحي وغيرهم من أعلام الصحراء وهو موروث ثقافي وان كان موضوعه ليس بالتحديد منصب على القضاء العرفي بهذه الربوع الصحراوية لكن يتخلل هذا الموروث ما يمكن استنطاقه لجمع ما أمكن من هذه المادة مع الاشارة الى اعتمادنا على المرويات الشفوية التي أدركناها و التي لازال بعضها تتناقله الألسن وقليل منها لازال مرعيا من ساكنة الصحراء و جنوب المغرب و موريتانيا و جنوب الجزائر وشمال غرب مالي رغم مزاحمة الادارة العصرية لحضور المؤسسات القبلية في الجانب التشريعي و السلطوي وهو ما يعني أن الادارة العصرية تصارع في القضاء على دور القبيلة وتعجل بذوبانها و انصهارها في الحياة المدنية وهو بالتالي ما يؤدي الى اختفاء كثير من الاعراف و التقاليد واختفاء ما يسمى بالقضاء العرفي البدوي أو العشائري.
مفهوم الأعراف : تعتبر الأعراف لدى المجتمعات البدوية هي منظومة قيم وقوانين تم الاتفاق عليها في وسط اجتماعي وارتضاها الأفراد و استسلموا بتأثيرها بينهم ، وهكذا أصبحت الأعراف و التقاليد تشريعات وقوانين ملزمة ينقاد لها الجميع بالأوساط القبلية و البدوية في غياب السلطات الرسمية و كيان الدولة المدنية بل واستمرت هذه الأعراف و التقاليد حتى مع تواجدهما بعد تهذيب هذه الأعراف و انسجاما مع القوانين الوطنية .
ان قبائل الصحراء بصفة عامة وما يطلق عليه مجتمع البيضان أينما حلوا و ارتحلوا قد عرفوا القضاء العرفي بعرض نزاعاتهم البينية و الأجنبية على هذا القضاء الذي عادة ما تكون محكمته تتولاها الجماعة أو مؤسسة الجماعة التي تم تخويل الفصل في المنازعات و تنفيذ أحكامها اليها ، ويستطيع كل متتبع بتاريخ هذه المناطق لقبائلها الاعتراف بأهمية احترام القبائل بأفرادها لإلزامية الأعراف القبلية في استمرار البناء العشائري كما لاحترام القضاء العرفي أهمية أخرى ساهمت في نزع فتيل الحروب و الاقتتال بين ساكنة الصحراء الى حد ما.
المجال الجغرافي : من الصعب تحديد المجال الجغرافي لقبائل الصحراء وذلك راجع لعدة اعتبارات من أهمها طبيعة الترحال و عدم الاستقرار و التنقل الدائم من هنا الى هناك بمسافات قريبة و بعيدة لأسباب رعوية وكلائية وللنزاع و الاقتتال المستمر بين هذه القبائل في غالب الأحوال قبل دخول الاستعمارين الفرنسي و الاسباني و غير ذلك من الأسباب التي تجعلنا أحيانا نجد قبائل الصحراء تنتجع بمناطق بعيدة عن مواطنها الأصلية كحوز مراكش و الرحامنة وحوض واد سوس و الوصول الى ما وراء النهري السينغال و النيجر وهو ما يجعل القضاء العرفي يتنقل بتنقل القبائل و لو خارج محيط الصحراء الكبرى والتي يطلق على ساكنتها أرض البيضان.
وحيث ان الذي يهمنا في هذا البحث هو المنطقة التي كانت تستعمرها اسبانيا الى سنة 1975 وهي اقليمي الساقية الحمراء ووادي الذهب يضاف اليها المنطقة الشمالية الى ما وراء وادي درعة اي اقليم واد نون شمالا وجنوبا أرض التيرس حتى جبال ادرار و تتجه شرقا لتضم ارض الحمادة ومناطق داخلة الجزائر من تندوف و بشار وأرض قبائل الشعامبة ودوي منيع وقبائل الركيبات وسلام و البراديش وعرب وطوارق شمال غرب مالي وتنبوكتو وجنوب الجزائر، وقد دأب كبار السن من العرف من قبائل الصحراء على تحديد هذا المجال الصحراوي بقولهم 🙁 من موفا اركان حتى كحال ادرار) اي من نهاية منابث شجرة الهرجان الى جبال منطقة ادرار بشمال موريتانيا بصخورها السوداء وتضم هذه المنطقة الجغرافية ما يطلق عليه ايضا قبائل الصحراء اسم اهل الساحل اي هذه المنطقة الممتدة من واد درعة حتى ارض القبلة بموريتانيا المحادية لساحل المحيط الاطلسي ، بينما نجد بعض المؤرخين المغاربة من محمد بن الحسن الوزان الى المؤرخ البكري ادخلوا هذه المنطقة كجزء من بلاد سوس والصحراء الغربية تمييزا لها عن الصحراء الشرقية وقد اعتبر المؤرخ البكري (ان وادي ثركة) الساقية الحمراء شمال الصحراء وبداية الصحراء الكبرى بينما نجد المستعمر الاسباني اطلق عليها مؤرخا الصحراء الاسبانية بغية ضمها لمستعمراتهم المتباعدة بإفريقيا وبصفة عامة تعتبر الاقاليم المعروفة بالصحراء الغربية جزء من الصحراء الكبرى التي تفصل بين افريقيا البيضاء شمالا و افريقيا السوداء جنوبا .
وبغض النظر عن تعدد التسميات بهذا المجال الجغرافي فهو يبقى جزء لا يتجزأ من ارض البيضان التي تشمل غالبية القطر الموريتاني حاليا و اقليمي الساقية الحمراء ووادي الذهب وما يمتد شمالها لوادي درعة ووادي نون والى اجزاء بجنوب الجزائر و شمال مالي وغرب النيجر وقد تتجاوز ذلك الى ما بعد نهري السنغال و النيجر فتصل مدينة اللوكة و مبكة بارض السينغال حيث انتشر البيضان بهذه المناطق و انتقلت معه لهجتهم الحسانية و قضائهم العرفي فضلا عن المذهب المالكي اللذي يوحدهم ايضا و يندرج ضمنهم قبائل ملثمين من صنهاجة و بعض قبائل الزنوج التي تمازجت معهم كتكلول و فلان و سرغلة و سودان تونبوكتو ، كما حدد الجغرافيون هذا المجال الجغرافي للصحراء بين دائرتي عرض 20.40 درجة – 27.30 درجة شمالا اي انها تقع بالنصف الشمالي للكرة الارضية و تنحصر غربا بين خطي طول 8.45 درجة – 17.15 درجة حيث تكون المنطقة غالبيتها بالنصف الغربي لخط غرينيتش ، وهكذا نجد امتدادها على ساحل المحيط الاطلسي يبلغ حوالي 1125 كلمتر اما حدودها البرية فتصل حوالي 2045 كلمتر حيث تطل الصحراء وتقابل جزر الكناري المستعمرة من اسبانيا لامتداد طول 1125 كلمتر مما يجعل هذه المنطقة الصحراوية بساحلها مجالا ملاحيا وثورة سمكية بحرية وسبخات استخراج كميات هائلة من الملح وتلطف من الحرارة الشديدة التي تعرفها هذه المناطق الصحراوية صيفا بينما تكون حدودها البرية المشتركة بين اقطار عربية وبعضها افريقي ظروفا مكانية يسرت التلاقح العلمي و التبادل الثقافي و المعرفي مع النشاط التجاري حيث ان منطقة الصحراء تيرس ووادي الذهب والساقية الحمراء ووادي درعة وواد نون فضلا عن تنبوكتو و تندوف قد شكلت طرقا تجارية و اقتصادية و مراكز استراتيجية للتبادل و الانصهار الحضاري بين هذه الربوع المتجاورة رغم تباعدها و صبر اهلها على التنقل فيها عبر ظهور ابلهم الصبورة على العطش و المشاق .
اقليم الساقية الحمراء : يطل على المحيط الاطلسي غربا ويحاذي القطر الجزائري شرقا بينما اقليم وادي الذهب و موريتانيا جنوبه حيث تصل مساحة الاقليم الى 82 الف كلمتر مربع تعتبر مدينة العيون هي حاضرته الكبرى التي تأسست سنة 1937 ومدينة السمارة حاضرته العلمية ليبقى اقليم طرفاية يحد الاقليم شمالا بينما نجد مدينة بوجدور الناشئة اصبحت في السنوات الاخيرة تكون المدينة الثالثة بالإقليم بعدما عرفت تطورا عمرانيا و اقتصاديا و فلاحيا لابأس به .
اقليم واد الذهب : تحده موريتانيا جنوبا و شرقا و المحيط الاطلسي غربا وإقليم الساقية الحمراء شمالا حيث يبتدأ الاقليم من راس بوجادور حتى راس بلانكو بمساحة تبلغ 184 الف كلمتر مربع مما يعني ان هذا الاقليم يضاعف مساحة اقليم الساقية الحمراء ويزيد عليها اي اكثر من ثلثي الصحراء التي كانت تحتلها اسبانيا حتى سنة 1975 وحاضرتها مدينة الداخلة وهي مدينة بحرية و سياحية و فلاحية اصبح لها اشعاع عالمي بعدما استرجعها المغرب من الادارة الموريتانية سنة 1979 فتبقى مراكز اوسرد و العركوب مهيأة لتستكمل بمقومات العمران صفة المدن او حواضر بعدما عرفت نزوحا بشريا وخاصة بير انزاران بعد التشجيع على تعمير لبناء مساكن و مؤسسات و مصالح و جلب الماء و الكهرباء و ربطها بالطرق المعبدة .
اهم القبائل و العشائر الصحراوية : ظلت هذه المناطق الصحراوية تعرف توافد موجات بشرية اضافة الى ساكنتها الاولى من الزنوج الافارقة و الأمازيغ بحيث كانت المجموعتان الزنجية المتكونة من قبائل توكلور و الفلان وسراغولي و البنبارة و خاصة بأقصى الجنوب الموريتاني الحالي هي و المجموعة الصنهاجية وعلى رأسها لمتونة وجدالة و مسويفة و لمطة هي ابرز ساكنة الصحراء حتى توافدت عليهم موجات عربية منذ الفتح الاسلامي دون توقف فانصهرت المجموعة الصنهاجية بالعربية و الزنجية فشكلت ما يسمى بالمجتمع البيضان و استمر هذا الانصهار إلا انه يلاحظ ان المجموعات العربية القادمة من المشرق على اثر الهجرات الهلالية او ما يسمى بمجموعة بني حسان تمكنت من النفوذ و الزعامة بالصحراء ابتداء من القرن 14 الميلادي وإذا كانت امارة اولاد مبارك العربية بجنوب ارض البيضان تمثل اخر النماذج لتفكك السلطان العربي بأرض البيضان قبل اجتياحها من الاستعمارين الفرنسي و الاسباني فان المجموعة الصنهاجية استطاعت ان تحتفظ بحضورها في خضم السيطرة الحسانية بامارات صنهاجية قوية منها امارة ادوعيش و امارة مشضوف القويتان وان كان يضاف لهذه المجموعات الثلاث من ساكنة الصحراء شرائح نازحة من الفهريين و الاندلسيين و الرماة المغاربة و الشرفاء و غيرهم .
ومن الملاحظ على ساكنة الصحراء انها عرفت تصنيفات ليست عرقية و لا دينية و انما راجعة لمستوى القوة التي تملكها او للمهن التي تمارسها وهو ما نجد الشيخ سيدي محمد الخليفة بن الشيخ سيدي المختار الكنتي يصنف الفئات المتوطنة بهذا المجال بقوله : ( اما في مثل هذه البلاد الصحراوية التكرورية السائبة التي لا تبلغها احكام الامراء و لا تنالها ايديهم اهلها ثلاث طوائف : – ظلمة متغلبون – وزوايا مغلوبون – ولحمة و مساكين مملوكين تضرب على رقابهم الجزي و يتوارتون جيلا بعد جيل يعطى ما عليهم من الاتاوات في السرفات واثمان المبيعات ، وهم مع ذلك ضعفاء الاديان شحفاء المرءات لا يحجزهم عن التغاور و التناحر فيما بينهم ، ولا يدفع عنهم مكر الظلم وشهيد علاوتهم الا من كانوا في ملكه من اخوانهم – تم طائفة الزوايا في معاملة الظلمة ثلاث فرق : 1- فرقة دارتهم من اعرابها وغالب اموالها بجزي معلوم منها يدفعونهم اليهم كل سنة و يدعونه الغفر ، ولا يكون مظلم عندهم ولا عدوانا ، وهذه الفرقة اعتمدت حديث : (بعث مداريا فداروا) ، وحديث: (كل مدارة صدقة) ، وأسسوا ذلك على ارتكاب اخف الضررين وقاعدة دفع المفاسد اولا من جلب المصالح ، وفرقة امتنعوا من مداراتهم وشغلوهم في انفسهم بالطمع بما في ايديهم ، وفرقة استضعفوهم فأجروهم مجرى اللحمة ).
وبغض النظر عن هذه التصنيفات الجاهلية فان المجموعة الصنهاجية اللمثونية وبني حسان العربية انصهرت فيما بينها مشكلة مجتمع البيضان بعادات مشتركة وتقاليد وحدتهم من خلال نمط السكن و المعاش و المعاملات تتجلى مظاهرها في خيمة الضيافة والزواج و الماثم والتحالف و المواثيق مع تأثير مشهور المذهب المالكي في العادات و التقاليد و الاعراف تبعا للعقيدة وفقه العبادات و المعاملات المستند بمذهب الامام المالكي لأنس برواية تلميذه محمد ابن القاسم .
لقد تكونت القومية البيضانية بالصحراء بانصهار ساكنتها بروابط و عوامل عديدة منها الدين الاسلامي خاصة المذهب الفقهي المالكي و هيمنة اللغة اللهجة الحسانية و النمط الاجتماعي لحياة هذه القبائل و انتشار قيم و اعراف و اداب و تقاليد وفنون وأزياء وأطعمة وأساليب العيش مما ادى الى المزيد من التماسك و الانسجام و الاندماج حتى اصبح الكل يشعر بأنه جزء من القومية البيضانية لسكان الصحراء و يشعر بتميز عن باقي القوميات و يعتز بذلك وقد بدا تأسيس هذه القومية لساكنة الصحراء بمجموعاتها الثلاث منذ وصول الطلائع الفتح العربي الاسلامي للمناطق الشمالية للصحراء سنة 734 ميلادية ثم قيام الحركة المرابطية حوالي سنة 1029 ميلادية وتلا ذلك هجرات بقبائل بني حسان نحو المنطقة عبر ثلاث مراحل قبل نهاية القرن 15 ميلادي حيث اجتاحة لهجتهم العربية الحسانية مناطق الصحراء التي وصلوها على حساب اللهجات الصنهاجية المحلية و التي يطلق عليها محليا مصطلح : ( كلام زناكة ).
ويعتبر الشيخ محمد المامي البخاري العلامة المؤرخ الاديب الشهير الفلكي الولي الصالح من قبيلة اهل بارك الله مرجعا اساسيا ومهما في التوثيق لحياة القومية البيضانية وحدود ترابها حيث نجده في كتابه البادية واضحا بقوله : ( حدود بلاد البيضان مابين نهر شمام – السينغال جنوبا – الى حدود بلاد سوس شمالا ، الى لحمادة شرقا … )، ويجاريه في هذا التحديد السيد احمد بن الامين الشنقيطي حينما يقول : ( هي ارض مشهورة و هي اخر شنقيط من جهة واد نون تبعد عن شنقيط 20 يوما .).
كما تجدر الاشارة الى ان القائد الفرنسي الاستعماري قزافيي كوبولاني حدد ارض البيضان بالمنطقة المحصورة جغرافيا بين وادي درعة شمالا ونهر السنغال و النيجر جنوبا وجبال الفوغاس شرقا و المحيط الاطلسي غربا .
لقد انحدرت الهجرات العربية الى الصحراء كما اسلفنا على ثلاث مراحل لكن هذا لا يعني استقرارها و جمودها هناك بل ظل شمال الصحراء باتجاه داخلي المغرب خاصة يستوعب على مر هذه القرون فائضا بشريا اما بسد النقص البشري الحاصل على اثر حروب الاندلس الطاحنة التي افرغت مغرب الداخل او عقب موجات الطاعون التي اتت على اعداد مهمة من السكان فياتي التعويض البشري من بلاد البيضان لتعمير المناطق الشمالية وهو ما يلاحظ حتى عهد قريب من خلال هجرات لقبائل الرحامنة و الركيبات واولاد ابي السباع و اولاد الدليم و قبائل الثكنة و غيرها نحو مناطق متفرقة من المغرب وخاصة بحوز مراكش وسهول الغرب.
اذا كانت قبائل الصحراء المنحدرة من المجموعة الصنهاجية و الحسانية و تمازجها الى حد ما مع الساكنة الاولى الزنجية قد انصهرت في شبه قومية موحدة إلا أن القبلية ظلت حاضرة بتشبثها بكيانها حيث ظلت قبائل حاضرة الى يومنا هذا بمسمياتها و هيكلتها البشرية و شيوخها وهو ما نجد كتابات الضابط الاسباني مانويل موليرو كليمانتي في ذكره لأهم القبائل الصحراء خاصة التي كانت تحث الاستعمار الاسباني يذكر منها كما ورد على لسانه : ( الركيبات او الرقيبات : حيث ينتسبون الى سيدي احمد الركيبي المنحدر من قطب جبالة مولاي عبد السلام بن مواشيش ، وينقسم الركيبات الى ركيبات الشرق التي تضم افخاذ أهل ابراهيم و داوود ، والبيهات و الفقرة … اما الركيبات الساحل الاكثر عدد فتظم افخاذ السواعد ، وأولاد الطالب، الى جانب اولاد موسى و المؤذنين …الخ ، حيث يقع الجزء الشرقي منهم ضمن نطاق النفوذ الفرنسي ، اما الجزء الغربي فيقع ضمن نطاق النفوذ الاسباني)*مرجع العرف في مجتمع الصحراء الغربية دراسة انتروبولوجية من خلال المونوغافية الاسبانية مجلة الاحياء عدد 31 يونيو 2022 .
كذلك اولاد ابي السباع : ( يعود اصل تسميت القبيلة الى رواية تناقلتها كتب التاريخ والسير مفادها ان الجد الاول للقبيلة الشريف سيدي عامر الهامل حفيد مولاي ادريس ، هذا الاخير خلف ثلاث ذكور هم بطون اولاد ابي السباع حاليا ويتعلق الامر ب: اعمر و عمران و النومر، وقد اشتهر اولاد ابي السباع بالحرب حيث دخلوا في حروب عديدة ضد قبائل الصحراء إلا ان الفترة الاخيرة من تاريخ اقامتهم بالصحراء امتهنوا التجارة وقد استقروا بشكل رسمي بواد الذهب بعد الهدنة مع الاسبان سنة 1917 ) *نفس المرجع السابق.
اولاد دليم: حسب اغلب الروايات ان اصل القبيلة يعود الى ” مقفر” زعيم بني حسان ذات الأصول العربية، وقد عرف اولاد دليم بحروبهم ضد القبائل المرتحلة شمال الساقية الحمراء، الى جانب مواجهانهم مع المحاربين الكناريين الذين يترددون في السواحل الصحراوية شمال راس بوجدور وقد انتشروا بكثرة في اقليم وادي الذهب ، كما امتهن اولاد دليم الى جانب الحرابة الصيد البحري و الرعي. *نفس المرجع السابق
اهل الشيخ ماء العينين : (ينحدرون من نسل الشيخ محمد مصطفى المعروف بماء العينين والده محمد فاضل بن مانين القلقمي الشنقيطي قائد اهل الطالب المختار في بلاد شنقيط وقد ولد الشيخ محمد مصطفى في منطقة الحوض الرقي الموريتاني حوالي 1831 ميلادية وقد اطلقت عليه والدته اسم ماء العينين تعبيرا عن حبها الشديد له وقد استقر اول مرة في الساقية الحمراء سنة 1873 ميلادية و اسس اول زاوية له في منطقة كريزين على ضفاف واد الساقية الحمراء بعد ماداع صيته و كثر مريدوه اسس زاوية السمارة على ضفاف واد سلوان حوالي 1898 ميلادية ، وقد قاد حركت الجهاد ضد الاستعمارين الفرنسي و الاسباني في الصحراء الغربية و شنقيط قبل ان يتوفى في مدينة تزنيت سنة 1910، وقد خلف مجموعة من الاولاد يشكلون بطون الماء العينين في المغرب و الصحراء وموريتانيا) *نفس المرجع السابق.
الزركيين: في أصل القبيلة تشتهر روايتين اوردهما كليمانتي على السياق التالي:
الرواية الاولى: مفادها ان القبيلة تنتسب الى الشيخ سعيد الزركي من قبائل تكنة، و اليه ينتسب فرع لحسن وبلة وهما اخوين اختلفا حول تقسيم واحة نخيل عند قبيلة ازوافيط التكنية، فكان الخلاف سببا في انقسام القبيلة الى فرعين احدهما في التراب الاسباني و الاخرى في التراب الفرنسي.
اما الرواية الثانية حول اصل الزركيين فيرى اصحابها ان الشيخ سعيد الزركي هو مؤسس فرع من القبيلة وهو فرع اهل احمد لعلي من فخذة اشتوكة، وقد امتهن افراد هذه القبيلة حرف الرعي حيث كانت مناطق طعنهم من وادي درعة الى جنوب غرب العيون. *نفس المرجع السابق
يكوت: تنتسب القبيلة الى رجل يدعى يكوت حيث كان من المقربين للسلطان مولاي اسماعيل العلوي وقد عرفت قبيلة يكوت بالرعي في مناطق هضاب الكعدة ولحميديات و مرتفعات زيني وايدار. *نفس المرجع السابق
العروسيين: (يعود اصل القبيلة الى مؤسسها سيد احمد العروسي، وحسب رواية كليمانتي ان والد هذا الاخير كان وليا صالحا قدم المغرب هاربا من الحروب ضد المسيحيين في تونس، وتزوج في مراكش وبعد ولادة سيد احمد العروسي جيء به الى الصحراء عبر السماء، وبعد ان تمزق حزامه الذي حمله به احد صالحي مراكش سقط في الصحراء بمنطقة تسمى الرياض،وقد تزوج بالصحراء وخلف بعد وفاته ذكور هم سيدي بومهدي و سيدي بومدين وسيدي ابراهيم، و عن وظائفهم الاجتماعية فينتمي العروسيين الى القبائل التي جمعت بين القلم و السلاح الى جانب النشاط الزراعي و الرعوي نواحي ايمريكلي بواد الذهب. *نفس المرجع السابق.
أولاد تيدرارين : تنتسب هذه القبيلة الى العالم الجليل سيد أحمد بوغنبور الأنصاري نسبا، حيث عرف هذا الرجل بصلاحه وكراماته وسعة علمه ، قدم الى الصحراء الغربية من مصر حوالي القرن الخامس عشر الميلادي، وتعد قبيلة أولاد تيدرارين من القبائل المسالمة التي استوطنت الساحل حيث اشتهر أفرادها بممارسة الرعي بمنطقة “الحسيان” رأس بوجادور أين تنتشر الأحساء على غرار أنويفظ ، أوفيست ، أنوتي ، سركاو ، حيمر ماه…، الصالحة لسقي المواشي كما عرف عن أفراد هذه القبيلة ممارستهم للنشاط الزراعي. *نفس المرجع السابق.
توبالت : ينتسب أفراد هذه القبيلة الى سيدي جامع حفيد سيدي او سيدي أحد متصوفة تارودانت بالجنوب المغربي، وقد امتهنت قبيلة توبالت الرعي وكانت منتجعاتهم نواحي أخنيفيس.
لفيكات : هي قبيلة صنهاجية تنتسب الى موسى بن افيكة، هذه الأخيرة هي امرأة كانت مع جماعة أوسعيد الزركي، لكن نزلت عند أحد خيام توبالت وأنجبت موسى الذي تنسب اليه بطون القبيلة ، وقد تزوج موسى امرأة من مجاط الأمر الذي سيجعل الروابط قوية بين لفيكات و مجاط وقد اشتغل لفيكات بالصيد البحري في سواحل واد اشبيكة وكابو خوبي الى حدود مصب واد الساقية الحمراء.
لميار : تنتسب هذه القبيلة الى رجل يدعى الفقير المير، ويعود في أصله الى عشيرة أولاد بن منصور من قبائل أيت المسعود، و يعتبر المير هذا أول من قدم منهم الى الصحراء الغربية، ولميار من بين القبائل القليلة العدد اذ تتراوح أعداد خيمهم ما بين ( 30-40) خيمة، حيث اشتغلوا الرعي و مناطق ظعنهم نواحي الذروة شرق أخنيفيس.
مجاط : تنتمي عشائر القبيلة الى بطن الجد الأول الكرن الذي قدم الى الصحراء من منطقة مجاط الواقعة جنوب جبال اكودوس، وقد مارس أفراد القبيلة الصيد البحري ما بين سواحل اشبيكة شمالا و الطرفاية جنوبا.
فيلالة : تنتسب القبيلة الى مؤسسها سيدي بوبكر الفيلالي من شرفاء تافيلالت ، اشتهرت القبيلة بالعلم و الصلاح وقد استقروا نواحي الكعدة و بئر الحكونية.
أهل بارك الله : هي قبيلة اشتهرت بالدين و الصلاح و العلم سكنوا نواحي بئر انزران وواد الذهب .
بالاضافة الى القبائل هناك فئة الرقيق أو العبيد الذين يعيشون مع مختلف القبائل الصحراوية ، حيث توكل اليهم الأعمال الشاقة، كما عرف المجتمع الصحراوي تواجد جماعة المعلمين الذين يشتغلون بالحرف التقليدية.
نماذج من التقاليد والقضاء العرفي لدى القبائل الصحراوية :
سبق ان ذكرنا في ماجاء أعلاه أن المجال الصحراوي قد يتسع ليشمل تواجد مجتمع البيضان بصفة عامة عبر مجال الجغرافي كان مقسما بين مستعمرتين اكثريتها تحتلها فرنسا وما بين شمال موريتانيا الحالية الى وادي درعة شمالا كانت تحتله اسبانيا الى سنوات 1958-1959 -1975 فضلا عن منطقة ايت بعمران وحاضرتها ايفني .
كما يمكن اطلاق ارض السيبة على معظم هذا المجال الجغرافي لقبائل الصحراء حيث كانت تغيب الادارة و السلطة المخزنية المركزية المباشرة مما اضطرت معه القبائل الى ابتداع نظام مؤسسة الجماعة و مجلس أيت اربعين و نظام التحالف القبلي وسني اعراف وتقاليد بشكل قوانين و تشريعات شفوية واحيانا مكتوبة اضافة الى اللجوء للقضاء الشرعي الذي ظل ممثله فقهاء ومدارس علمية تواجدت اما بقبائل او بمناطق من ارض السيبة وخاصة من منطقة التيرس جنوبا بينما ظل شمالها يعرف جفافا في المدارس العلمية و المراجع الشرعية الا حالات معدودة كأسرة اهل عبد الحي و أهل محمد سالم و الشيخ ماء العينين وذريته وقاضي قبيلة اولاد ابي السباع الفقيه محمد يحضيه بن عبد الباقي ، وما تجدر الاشارة اليه ان منطقة واد نون شمال واد درعة قد عرفت بحاضرتها كليميم نوع من النظام المخزني ولاستقرار العشائري و التنمية بالزراعة و الرعي و التجارة من خلال واحاتها و نخيلها وعيونها حيث اصبحت سوقا لجميع القبائل الرحل من قريب و بعيد ، فسنى شيوخها و قوادها ومجالسها القبلية لايت الربعين قوانين عرفية تم تدوين بعضها لازالت بعض العائلات النبيلة تحتفظ بها الى اليوم.
في هذا السياق نورد نماذج من القوانين العرفية لبعض القبائل الصحراوية كقبيلة ايت لحسن و ازركيين والركيبات لنختم ببعض النوازل الفقهية لدى القاضي الصحراوي الشريف محمد يحظيه بن عبد الباقي الذي استند فيها الى الفقه المالكي .
نجد بعض الاعراف تميزت بها هذه القبائل المذكورة بصفة خاصة وان كانت معتمدة لدى القبائل الصحراوية عامة منها مثلا :
يتم قبول المصالحة بخصوص الديون المترتبة عن حق الدم او الدية وان كان في ذلك احيانا مخالفة صريحة باحكام الشرع الاسلامي.
يعاقب المعتدي جسديا على غيره بدفع دبيحة وخمس وعشرون ريالا حسنيا .
اما من تسبب في جرح غيرهم بالسلاح الابيض فيعاقب” بالتعرقيبة” اي براس من الابل وخمسين ريالا حسنيا.
أما الجرح الناتج عن طلقة من سلاح ناري فكذلك يؤدي من اقترفها تعرقيبة أي رأس من الابل ومئة ريال حسني.
أما في حالة عدم حدوث الطلقة النارية فيكفي الحكم على صاحبها بتقديم دبيحة راس غنم .
اما في ما يتعلق بالسرقات فان قبيلة ايت لحسن قد حددت اعرافا كعقوبة لكل من يقتحم خيمة غيره بتغريمه بدفع مئة ريال حسنية.
كما حددت قبيلة ايت لحسن عقوبة عرفية للسارق ادا اتم سرقته بارجاعه المسروق مع تغريمه بتقديم ذبيحة من الغنم .
اما بخيانة الامانة اي سرقة امانة من حرز كانت فيه سواء خيمة او بيت كان مؤتمنا عليها فان السارق لاثبات برائته اوجب عليه العرف القبلي اداء اليمين مع الاتيان بخمسين شاهدا من افراد عائلته لكن في حالة امتناعه عن اداء اليمين او استحال عليه جمع خمسين شاهدا وجب عليه اداء قيمة المادة المسروقة .
أما من اتهم بسرقة محل تجاري فيحكم عليه باداء اليمين بانه بريئ من تلك التهمة مع احضاره خمس وعشرون شاهدا من عشيرته وفي حالة امتناعه عن اداء اليمن او استحال عليه جمع الشهود يحكم عليه بدفع قيمة المسروق .
اما في ما يتعلق بسرقة المواشي فيجب على مالكها اداء اليمين مع تزكيته بشهادة خمس وعشرون شخصا .
اما في ما يتعلق بسرقة الحبوب و المزروعات على اختلافها فعقوبتها هي نفس عقوبة سرقة الخيام .
كما نجد ان المنظومة من الاعراف نظمت العلاقات بين قبيلة ايت لحسن و القبائل الصحراوية باتفاقيات بينهم جاء في بعضها في حالة نشوب نزاع بين قبيلتي ايت لحسن وازركيين التكنيتين فالقضاء العرفي في نزاعهما يتم بالاستماع الى شهادة عشرة شهود من كلا القبيلتين .
اما ادا كان النزاع بين قبيلة ايت لحسن من جهة وقبائل الكيبات و العروسيين و اولاد تدرارين من جهة اخرى فان الخلاف يتم حسمه بشهادة عشرة شهود من قبيلة ايت لحسن وخمسة شهود من باقي القبائل المذكورة ، لكن في حالة الاتفاق بين فرد من قبيلة ايت لحسن و القبائل الثلاث المذكورة حول ذبيحة فان عدد الشهود يكون متساويا بين الطرفي النزاع .
اما عن قبيلة ازركيين : فنجد حد القتل يتم تحديده طبقا للعرف المعمول به مع مراعات حالات استثناء ، ففي حالة القتل العمد عند ضبط الجاني يتم تقييد يديه وقدميه ويحمل بحضور اعيان القبيلة الى الجماعة اي مؤسسة القضاء العرفي التي تنظر في امره علانية امام أهل القتيل المخيرين بين الدية و القصاص مع مصادرت املاك القاتل من طرف الجماعة .
اما اذا كان القتل الخطأ و الغير المتعمد فتتحمل عشيرة القاتل الموالية له اي عصبة دفع الدية لاهل القتيل .
اما عن تحديد عقوية السرقة فان العرف القبلي لقبيلة ازركيين قد رتب على السارق دفع اربعة اضعاف المسروق كمن سرق جملا مثلا وثبتت عليه جريمة السرقة عوقب بدفع اربعة رؤوس من الجمال .
كما حدد عرف هذه القبيلة عقوبة للاعتداءات الجسدية بضرب المعتدي ضربا مبرحا على وجهه مع تقديمه ذبيحة من الغنم وقطعتين من القماش.
اما عقوبة التهديد بالسلاح الابيض فيحكم على مقترفها بدفع قطعة واحدة من القماش، بينما يعاقب من قام بجرح غيره بالسلاح الابيض بعقوبة تقديمه عرقيبة اي راس من الابل مع مبلغ يتراوح مابين اربعين الى مئة ريال حسنية بناءا على اتفاق الطرفين، بينما يتم القصاص طبقا للعادة العرفية ممن بتر احد اطراف غيره.
كما جرى العرف بقبيلة ازركيين بمعاقبة من قام بتهديد غيره بسلاح ناري في وضعية اطلاق النار بدفع قطعة قماش واحدة اما اذا تم اطلاقه للنار ولم يترتب عليه ضرر لغيره فتكون عقوبتها دفعه ذبيحة واحدة اي راس من الغنم.
اما عقوبة من اقتحم خيمة غيره فيحكم عليه بدفع التعرقيبة اي راس من الابل ، اما عن اغتصاب القاصرة فعقوبته دفع حق المرأة وتبقى كل النزاعات المتعلقة بالنساء يحتكم فيها بشهود خمسة .
اما بالنسبة للاحكام العرفية بشأن النزاعات التجارية بيعا وشراءا او سرقة رؤوس من الاغنام فان الاحتكام فيها بشهود خمسة ، اما في سرقة قطيع من الابل فيرتفع عدد الشهود الى عشرة شهود ، كما على من وجهت اليه تهمة سرقة الحبوب من مخازنها فتوجب عليه احضار خمسين شاهدا مؤتمنا ، وفي حالة تعذر ذلك وجب عليه دفع قيمة الحبوب المسروقة نقدا .
ان قبيلة ازركيين واي قبيلة من قبائل الزوايا نشب نزاع بينهما يتم الاحتكام فيه بين طرفي النزاع الى الاعراف المتبعة بحل النزاعات بينهم وهي شهادة عشرة شهود من قبيلة ازركيين و خمسة شهود من القبيلة الاخرى .
اما عن قبائل الركيبات : فان لهذه القبيلة كغيرها من الاعراف ماتطبقه في تسوية الديون و الحقوق المترتبة عن القتل فنجد مثلا بالنسبة للقتل العمد جزائه عرفيا ان يكبل القاتل ويتم احضاره امام الملا و اعيان القبيلة بساحة عامة بحضور الجماعة الموكول لها القضاء العرفي و بحضور عائلة القتيل التي تخير بين اخذ الدية او القصاص بقتل القاتل ، كما يلاحظ في بعض الحالات ان القضاء العرفي بهذه القبيلة يرفع من قيمة دية القتيل الى غاية ارضاء عائلة القتيل ، وفي حالة القتل الخطأ الغير العمدي فان عصبة القاتل تدفع دية لأهل القتيل ، وان كان المقتول احد أعيان القبيلة فأن القاتل يفصل نهائيا من القبيلة حتى يتم ارضاء اهل القتيل بما يفوق قيمة الدية وفق ما حددوه .
كما ان قبائل الصحراء شديدة الحساسية فيما يتعلق بالعرض و الذي يتعلق بالمرأة بصفة عامة والزوجة بصفة خاصة فنجد قبيلة الركيبات تعاقب من قام بلمس زوجة غيره عمدا يحكم عليه بدفع ما يسمى بحق الزوجة ، كما يحكم على الشخص الذي يدخل خيمة غيره بدية الخيمة ، حيث نجد أعراف الركيبات تمنح صاحب الخيمة الخيار بين قبول دية من المدان او طرده من خيمته.
اما من قام بضرب شخص على وجهه فيعاقب بدفعه تعرقيبة اي راس من الابل، وكل من قام بتهديد غيره بالسلاح الابيض فيعاقب بدفع قطعة قماش واحدة بينما يحدد عرف القبيلة عقوبة الجروح طبقا للعرف المعمول به .ان كل من قام بالاعتراض على اعراف القبيلة يتم اضرام النار في خيمته ، بينما من قام بمؤازرة المعترض على اعراف القبيلة والدفاع عنه فتقوم مؤسسة ايت الربعين بتغريمه بدفع قطعة واحدة من القماش وهكذا يتم تسليم و الانقياد والالتزام من الجميع باحكام التي تصدرها المحكمة العرفية اي الجماعة الموكول لها بفض النزاعات و تطبيق احكامها دون اي جدال او نقاش.
ان جميع افراد القبيلة ملزمين بالقرارات التي يصدرها مجلس ايت أربعين ، وفي حالة نشوب حروب واعتداء فعلى كل افراد القبيلة الاستعداد بالسلاح و الذخيرة و المراكب من الابل او الخيل وما يتبع ذلك من الحاجيات دون الحاجة بالإذن من صاحبها لكن يجب ارجاعها بعد الانتهاء من الحرب و المعركة لصاحبها ، كما لا يجبر المحارب على دفع قيمتها في حالة ضياعها او ضياع جزء منها لان استعمالها مبرر عرفيا بالحاجة للدفاع عن حمى القبيلة ، كما جرى العرف القبلي باستحواذ كل شخص على ارض فلاحية وصلها قبل غيره وبأحقيته بالنصيب الاوفر من مردودها.
هناك تشابه كبير في الاعراف والتقاليد والعادات و القيم بين جميع قبائل الصحراء بجهاتها الاربعة اذ لا توجد قبيلة او عشيرة او تجمع سكني منغلق على نفسه وذاته داخل المحيط الصحراوي من منطقة واد نون شمالا الى نهري السنغال و النيجر جنوبا وذلك راجع بتشابه نمط العيش وظروف المكان و البيئة و الاحتكاك المستمر بين قبائل الصحراء الكثيرة الترحال طلبا لمراعي مواشيها وسقيها تبعا للتساقطات المطرية هنا وهناك او الاودية و الخلجان و العيون التي تحتفظ بماء وكلئ طيلة السنة لذلك نجد هذه العادات و التقاليد والقيم مشتركة بين المكون البشري بالصحراء حيث تجمع القبائل على التمسك بمكارم الاخلاق وتتنافس في اكرام الضيف وإغاثة المحتاج وحماية المستجير كما تجمع هذه القبائل على استقباح الأفعال السيئة التي تورث الخزي والعار خاصة منها ما تعلق بالأعراض وتشويه السمعة الى غير ذلك من المبادئ القضائية العرفية لدى العشائر البيضانية .
ان غياب السلطة التنفيذية و النظام الاداري للدولة العصرية و حكومة تبسط يدها و سلطانها على كل الصحراء استدعى بديلا عاجلا لحماية الحقوق و الحريات بالحفاظ على الارواح و الاعراض و الممتلكات بهذه الربوع الصحراوية المترامية الاطراف فابتدعت القبائل نظاما تحكميا و تحكيميا يتجسد في هيئتين قضائيتين : هيئة ايت اربعين و هيئة العلماء و الفقهاء فأصبح القضاء العرفي مؤسسة ضرورية لردع الجريمة و ايقاف العنف بين أفراد نفس القبيلة او بينها وقبائل أخرى وتعتمد هذه المؤسسات القضائية القبلية منظومة شفوية في غالبيتها من القوانين العرفية لفض النزاعات و اصدار أحكام بالعقوبات و تعويضات من دية و تغريم لفائدة المظلومين و أصحاب الحقوق وورثتهم و عصبتهم عما فقدوه من دماء و شرف و مال.
لقد ظلت القبائل بالربوع الصحراوية التي تجوبها شرقا وغربا وشمالا وجنوبا لقرون عديدة و حتى على عهد الاستعمارين الفرنسي و الاسباني تحتفظ هذه القبائل على مناطق نفوذها و مؤسساتها التقليدية رغم اختراق السياسة و الادارة الاستعمارية للمكون القبلي و اعرافهم بقصد تدجينه و التحكم فيه ، لكن ظل الحضور المؤسسي التقليدي للقضاء العرفي حاضر حتى عهد الاستقلال لمعالجة النزاعات و الاضطرابات التي تظهر بين الفينة و الاخرى بين افراد و عشائر القبيلة الواحدة او مع غيرها من القبائل ونذكر على سبيل المثال بعض المصطلحات التي لا تزال حاضرة بالمجتمع القبلي سواء في الصحراء المسترجعة من اسبانيا او شمالها نحو وادي درعة و قبائل واد نون او جنوب الترس نحو موريتانيا و باتجاه الحمادة و تندوف وجنوب غرب الجزائر و من ذلك مصطلح ( لوجه) و الذي يفهم لذى الجميع القبائل اهل الصحراء بكونه يعني حسن العهد و المواثيق و الوفاء بالالتزامات واحترام شرف الكلمة ويدخل في هذه المصطلحات العرفية ( الخوة و الجوار وإنزال العار: اي يصبح الطرف الذي يرجى تدخله او مساعدته ملزم بقبول ذلك ) كما تعارفت كل القبائل على عرف الحماية بمصطلح ( الذبيحة) اي ان يقوم شخص او اسرة او عشيرة او قبيلة بذبح شاة امام خيمة يحظى صاحبها وعشيرته وقبيلته بمكانة من الشرف و التقدير و القدرة على الحماية .
وعموما فانه رغم سيادة العلوم القانونية و انتشار العلوم الشرعية وأحكامها لكن القبائل البدوية ظلت تحتفظ بكثير من أعرافها مادام طبيعتهم الترحال من مكان لأخر بعيدا عن المراكز الادارية و الحواضر الذي اصبحت خاضعة للإدارة العصرية و القضاء العصري او الشرعي .
يلاحظ المتتبع للتطور الحاصل بالمناطق الصحراوية و البدوية التي خضعت للاستعمارين الفرنسي و الاسباني انه رغم محاولة اسبانيا وفرنسا تقنين الاعراف الشفوية الى قوانين مكتوبة وإقامة محاكم عرفية نظامية وذلك بقصد اعتمادها كأدوات للتحكم و الضبط و الانصياع لقبضة السلطات الاستعمارية ، لكن مع ذلك ظلت القبائل البدوية مستمرة على ترحالها بعيدة عن مراكز السلطات الادارية لفرنسا واسبانيا ليبقى القضاء العرفي وعادات القبائل تستفز الادارة الاستعمارية بلجوء البدو الى شيوخهم ومجالس كبار و اعيان قبائلهم بعيدا عن تحكم الادارة الاستعمارية ، لكن هذه الاعراف بمؤسساتها لم تستطع الصمود طويلا امام السياسة الاستعمارية بفرد قوانينها و التمكين بإدارتها و قضائها على حساب المؤسسات التقليدية سعيا منها لتقويض سلطة القبيلة و اخضاع لنمط جديد تمهيدا مرحليا بعد تفكيك دور الجماعة و مجلس ايت اربعين باعتماد وظيفة جديدة يمارسها القائد و الشيخ على القبيلة ومع ذلك لم تستطع السلطات الاستعمارية تحقيق نجاح سياستها بتفكيك البنيان القبلي بصفة نهائية.
ومما تجدر الاشارة اليه ذلك التحول شبه الجدري الذي عرفته الاعراف و المؤسسة القضائية البدوية وهو ما اثر في نفس الوقت على الهوية القبيلة وحد من قدرتها على تسيير شؤونها العشائرية و السلالية ، كما لا يخفى على كل باحث في هذا الموضوع مدا التعارض و التظاض احيانا بين الاعراف القبلية وأحكام الشريعة الاسلامية وهو ما نجده بكثير من الاثار الفقهية و النوازل بمنطقة الصحراء عموما و الاجزاء التابعة للدولة المغربية خاصة ، ولا يخفى تأثير وتدخل الادارة الاستعمارية في توسيع الهوة بين الاعراف البدوية وأحكام الشريعة الاسلامية بحيث سعت السياسة الاستعمارية الى تحويل العرف لقانون علماني لا علاقة له بالدين وفصلت القضاء الشرعي حيث تمت محاصرته في ما يسمى بقانون الاسرة وهو الوضع الذي ورثته معظم الدول بعد استقلالها عن السيطرة الاستعمارية الغربية بما فيها الدولة المغربية حيث نجد ان منظري السياسة الاستعمارية فترة الحماية على المغرب هم من كانوا وراء التنظيم الاداري و الهيكلي للقضاء حيث قاموا بتقسيم البلاد و سكانها الى قسم يخضع لأحكام العرف وقسم يخضع لأحكام الشرع ومن خلال ذلك حاولوا زرع فتنة الشقاق مبكرا بين مغاربة عرب ومغاربة امازيغ.
ان فرنسا الاستعمارية باحتلالها للجزء الشمالي من الصحراء اي ما فوق واد درعة وواد نون نحو جبال الاخصاص وما جوارها من سوس الادنى امعنت ادارة الاحتلال بتفكيك المؤسسة القبلية و العشائرية و الجماعة التقليدية بإخضاعها لتنظيم اداري وسياسي كولونيالي ، بحيث اصبحت المؤسسة القضائية التقليدية تتكون من عدة افراد كل فرد يمثل عشيرة بدلا من تمثيلها من شيوخها كما كانت في السابق وأصبح ما يسمى بالمراقب المدني الفرنسي هو من يقترح اعضاء المؤسسة القضائية فحرمت القبيلة من اختيار اعيانها و ممثليها اذ اصبح ذلك بيد الادارة الاستعمارية والمؤسسة المخزنية شكليا .
لقد أهلكت السلطات الفرنسية المحتلة لهذه الاقاليم مؤسسة القبيلة وأنهكتها حتى افرغتها من اي دور سياسي او سلطوي واستبدل دور القبيلة بسلطة الشيخ و القائد كسلطة فردية ، ومع ذلك ظلت تحتفظ القبائل بالصحراء بمكانة وحضور وجهاء واعيان وفقهاء وشيوخ دين بعيدا عن ضغوط ونفوذ الادارة الاستعمارية وسلطتها المباشرة وكان ذلك اجابيا من الناحية الاجتماعية بكثير من القبائل الصحراوية التي استطاعت تدبير شؤونها بذاتها وذلك بصمودها في مواجهة التدخل المباشر للإدارة الاستعمارية مع رفض ونبذ لكل من تقترحه السلطات الاستعمارية ليمثل القبيلة قهرا عليها .
اما بإقليمي واد الذهب و الساقية الحمراء فان الادارة الاسبانية المحتلة ظلت حتى نهاية العقدين الاولين من القرن العشرين تهادن المكون القبلي الصحراوي وتتحاشى التدخل في شؤونه الداخلية وخاصة ادا عرفنا ان القبائل الصحراوية بدورها كانت رؤيتها للمستعمر غامضة وغير واضحة حيث ظلت الى سنة 1934 تظن ان الادارة الاسبانية ادارة تجارية بالإقليم لممارسة الصيد البحري وهو ما حاولت الادارة الاسبانية التحايل به على سكان الصحراء بسلوكها سياسة سلمية اتجاههم لكنها ظلت تمارس سياسة الاستقطاب لبعض شيوخ وأعيان ورجالات القبائل الصحراوية وكذلك لبعض مشايخ الطرق الصوفية ، مما سهل عليها ابتداء من سنة 1934 اقامت نظام اداري وعسكري وسياسي للسيطرة على اقليمي وادي الذهب و الساقية الحمراء رغم سلوكها سياسة المرونة مع ساكنة الاقاليم الصحراوية خلافا لسياسة فرنسا بالمنطقة الشمالية من الصحراء وغيرها وقد حاولت الادارة الاسبانية توظيف بعض الاعيان المحليين كمخبرين وخاصة على اثر المقاومة لجيش التحرير سنة 1958 والذي اظضرت معه الادارة الاسبانية الى سلوك سياسة مغايرة بتواجدها بالمنطقة ببسط نفوذها على كامل المنطقة مع اغراءات للساكنة ببعض المساعدات حينما بدأت باستغلال خيرات الاقليمي خاصة الفوسفاط اضافة الى الثروة السمكية حيث اصدرت السلطات الاسبانية سنة 1961 قانونا لتنظيم القضاء يراعي خصوصية المنطقة وساكنتها تم توجة ذلك بتأسيس ما يسمى بالجمعية العامة بالصحراء كمؤسسة تمثيلية للساكنة القبلية منذ نهاية الستينيات من القرن الماضي وهو ما أطلق عليه اسم (الجماعة لاحقا).
وبصفة عامة فان كلا الاستعمارين الفرنسي و الاسباني سلك سياسة انتهازية وانتقائية في تعاونهما مع المكون القبلي والعشائري وهياكله التقليدية كمجلس ايت اربعين او مؤسسة الجماعة او مؤسسة الشيوخ و الاعيان وسعت لتوظيف كل ذلك لخدمة السياسة الاستعمارية بعد افراغ المؤسسات التقليدية من محتواها الاجتماعي و الاعتباري .
ان ارض البيضان والصحراء عموما و الاجزاء الشمالية منها التي تقاسمتها اسبانيا و فرنسا تشمل قبائل بدوية بعضها احتفظ بلسانه الامازيغي بينما انتشرت اللهجة الحسانية حتى لدى القبائل ذات الاصول الصنهاجية لكن ظل الجميع يخضع للاعراف القبلية ويطيع مؤسسة الجماعة ومع كل ذلك يظل الشرع الاسلامي مهيمنا على الحياة القبلية ونشاط ساكنة الصحراء وذلك راجع لتمسكها الشديد بعقيدة الاسلام واحترامها لشرائع ، فقد اصطدمت سياسة الاحتلال بواقع قبلي لساكنة الصحراء شديد التعقيد بحيث يصعب التمييز بين الاصول الامازيغية و العربية وخاصة بعد هدوء المعارك القبلية المسلحة واختفاء مظاهر بلاد السيبة باستئناس الساكنة بالحياة الادارية والتي ساهم فيها تحديد المجال الترابي السلالي الذي ساهم في شبه استقرار تخلى عن مظاهر الترحال البدوي فالتحق كثير من ساكنة اقليمي وادي الذهب و الساقية الحمراء بالعمل التجاري و الانخراط بالمؤسسة العسكرية و الادارية الاسبانية فضلا عن شركة فوسفاط .
ان سياسة الادماج و الاندماج بعنصر البيضان من ساكنة الصحراء عامة و الاجزاء التي كانت تحت احتلال اسبانيا و فرنسا عجل بتفكيك المنظومة البدوية العشائرية وعملية التوزيع الادوار و الوظائف من حسان حاملي السلاح و الزوايا المنشغلين بالتعليم وزناكة و الفئات المستضعفة ، وخاصة الادارة الفرنسية التي استطاعة ان تعجل بهذا الاندماج و الذوبان لسلطة القبيلة ببديل عنها كسلطة مؤسسة القائد المخزنية التي كانت معروفة شمال واد درعة نحو باقي الاقاليم المغربية شمالا.
القضاء الشرعي البدوي بالصحراء :
نماذج من النوازل الفقهية القضائية :
يقول عبد الله بلحاج ابراهيم العلوي العلامة الشنقيطي الشهير المتوفي سنة 1818 ميلادية ” ان الانتصاب للقضاء يكون من جهة السلطان أو جماعة المسلمين في بلد لا سلطان فيه ، لأن جماعة المسلمين تقوم مقام الحاكم في كل موظع لا سلطان فيه أو يتعذر الوصول منه الى سلطان كما ذكره الخليل في قوله : “والا فجماعة المسلمين”، ونصب جماعة المسلمين يكون صريحا والتزاما بأن يرو الناس يذهبون الى شخص المرة بعد المرة ولا ينهونه ولا الذاهبين اليهم ، و الجماعة التي تنصب أحدا من القضاء لابد أن يكونوا عدولا في الحدود وغيرها “*مرجع .
كما سئل العلامة الشيخ حماه الله التيشيتي المتوفى سنة 1755 ميلادية في نوازل القضاء عن جماعة المسلمين هل تقوم مقام الحاكم في شيء ولو في الحدود ، فأجاب : ” الجماعة في البلد الذي لا حاكم فيه يقوم مقام الحاكم في الحدود و غيرها “*مرجع.
وسئل الفقيه عبد الله بن الفغ سيد أحمد العلوي الذي عاش بالقرن 19 الميلادي في نوازله أن تقليد القضاء يكون بنصب السلطان أو جماعة المسلمين في بلد لا سلطان فيه أو يتعذر الوصول اليه، كما صرح الشيخ سيد المختار الكبير الكنتي المتوفى سنة 1811 ميلادية بوجوب قيام جماعة الحل و العقد بنصب القضاة في حال فراغ السلطة ،وقال : ” وأما القاضي فهو نائب الامام في تنفيذ الأحكام الشرعية فان كانت الأرض سائبة او في حكم السائبة وجب على الجماعة الصالحة تقديم القاضي “*مرجع.
وانطلاقا من هذه المقتضيات الافتائية يتأكد قيام جماعة أهل الحل والعقد بتنصيب القاضي وما يلزم لشمول العدل، كما يفهم منها أيضا مدى تغلغل الضوابط القضائية في هذه المجتمعات وحرص الناس على ايجاد مسوغات شرعية لتصرفات التي تعبر عنها الفتاوى و النوازل التي تعكس وضعا تاريخيا متأصلا أساسه اباحة نشاط الجماعة بتنظيم شؤونه الدينية عامة و القضاء خاصة و القيام على تنفيذ الحدود الشرعية التي يختص بتنفيذها السلطان الجامع للأنصار الاسلامية .


