عبد المهيمن حمزة

باحث بصف الدكتوراه في القانون الخاص

-كلية الحقوق طنجة-

تمهيد:

تحتل العقود مكانة هامة في كافة المجتمعات لما تقوم به من تنظيم لمعاملاتهم المدنية والتجارية والإدارية، وتبرز هذه الاهمية بشكل جلي في مرحلة التنفيذ والتي تبقى رهينة بمدى وضوح عبارات العقد ودلالته، فقد يتعذر على الأطراف تنفيذ العقد بسبب ما يعتريه من غموض فيتنازع الأطراف حول محتواه ومضمونه، فيكون القاضي عندها ملزماً بفض النزاع عن طريق تفسير العقد والبحث عن النية المشتركة للمتعاقدين، تحت طائلة اعتباره منكراً للعدالة وفقاً لما يقضي به الفصلان 2 و392 من ق.م.م.

وبالتالي يلعب التفسير دوراً هاماً في تحديد التزامات المتعاقدين، برفع الغموض واللبس عن العقد وتحديد مضمونه في جملته، على ضوء القواعد الأصولية والضوابط القضائية لعملية تفسير العقد، وذلك حتى يتأتى للمتعاقدين تنفيذه حفاظاً على مبدأ استقرار المعاملات الذي يعتبر ركيزة أساسية لتحقيق التقدم والازدهار في المعاملات المدنية والتجارية.

ولقد تعددت تعاريف تفسير العقد، حيث تبنى بعض الفقه في تعريفة لتفسير العقد معيار الهدف من عملية التفسير الذي هو “تحديد مضمون العقد أي المعنى المراد منه”([1])، فيما تبنى البعض الآخر معيار الباعث وهو البحث عن الإرادة الحقيقية للمتعاقدين([2])، هذا وقد استندت التعاريف الاخرى على الهدف والباعث معاً، فعرفت تفسير العقد على النحو التالي: “تلك العملية التي يقوم بها المفسر بسبب ما اعترى العقد من غموض من أجل الوصول إلى الإرادة الحقيقية المشتركة للطرفين مستنداً إلى العقد في حد ذاته والعناصر الخارجة عنه والمرتبطة به”([3]).

هذا وتجر الإشارة إلى أن المشرع المغربي قد نظم نظرية تفسير العقد من الفصل 461 إلى الفصل 473 من ق.ل.ع تحت عنوان “في تأويل الاتفاقات”([4]).

وينقسم تفسير العقد إلى ثلاثة أنواع: تفسير تشريعي يصدر من المشرع في صياغته للنصوص القانونية، مثل إحالته إلى العرف أو الاتفاق، وهناك تفسير إرادي للعقد مثل قيام المتعاقدين بإبرام اتفاقات تفسيرية قبل إبرامهم العقد أو لاحقة للعقد، تهدف إلى منع أي نزاع قد يثار حول دلالة بعض الألفاظ في العقد، وهذا النوع من التفسير غالباً ما نجده في العقود الدولية([5])، أما النوع الثالث فهو التفسير القضائي للعقد وهو التفسير الذي يقم به القاضي في مجلس القضاء عندما يطرح النزاع عليه من طرف المتعاقدين حيث يقوم القاضي بعملية البحث عن النية المشتركة للمتعاقدين.

وسنقتصر في هذا البحث على دراسة التفسير القضائي من الناحية التأصيلية ومن الناحية القضائية للكشف عن الممارسة القضائية في هذا الموضوع، وكذا حدود رقابة المجلس الأعلى على محاكم الموضوع بخصوص مسألة تفسير العقد وذلك في المحاور التالية.

المبحث الأول: التفسير في حالة وضوح عبارات العقد

إن القاضي وهو يفسر العقد يجد نفسه أمام مهمتين: الأولى تحديد ما إذا كانت عبارات العقد غامضة أم العكس، فلا يمكنه تفسير العبارات إذا كانت واضحة الدلالة، أما إذا استقر في الحالة الأولى إلى أن عبارات العقد غامضة لا تعبر عن إرادة المتعاقدين وتأكد من غموضها، فإنه ينتقل إلى المهمة الثانية وهي تفسير العقد، وفي هذا المبحث سوف نتطرق إلى التعريف بالعبارة الواضحة أو بمعنى أصح متى تكون العبارة واضحة الدلالة على معناها؟ ثم إلى أي مدى يجوز تفسير العبارات الواضحة؟ وما موقف القضاء من ذلك؟

المطلب الأول: مفهوم العبارة الواضحة

يعرف النص الواضح على أنه: “النص الذي تكفي قراءة واحدة لإظهار معناه، والغموض قد يتحقق إذا كانت عبارة النص أو أحد ألفاظه تحتمل أكثر من معنى واحد، بأن يكون له معنيان لغويان، أو معنى لغوي ومعنى آخر اصطلاحي، ومن أمثلة ذلك أن لفظ الشغل يرادف من الناحية اللغوية لفظ العمل، إلا أنه من الناحية الاصطلاحية يقصد به العمل المأجور الذي يقوم به العامل لفائدة رب العمل تحت سلطة هذا الأخير في مقابل أجر يدفع للعامل”([6]).

ويعرف النص الواضح الدلالة على أنه: “النص الذي يدل بنفس صيغته على المراد منه من غير التوقف على أمر خارج عن صيغته”([7])، إذ أن النص الواضح الدلالة يدل على معنى معين لا سبيل أن يفهم منه معنى غيره، وبالتالي لا يمكن تفسيره لأنه نص صريح وقطعي الدلالة.

من خلال هذه التعاريف الأصولية للنص الواضح، يمكن أن نستنتج المقصود بوضوح العبارة، وهو التطابق الكلي بين التعبير عن الإرادة الظاهرة الإرادة الباطنة، وهي تلك العبارات التي تكشف بجلاء عن الإرادة الحقيقية للطرفين فلا يكفي أن تكون العبارات واضحة في ذاتها، طالما أنها عاجزة عن الكشف عن هذه الإرادة، ويحدث هذا عندما يستخدم المتعاقدان ألفاظا واضحة، ولكنها تكشف في ظاهرها عن إرادة مغايرة للإرادة الخفية الحقيقية، فالمعنى الظاهر الذي توحي به العبارات ليس هو مقصود المتعاقدين، إذ يقصدان أمراً ولكنهما يعبران عنه بألفاظ لا تستقيم مع إبراز هذا الأمر وتكشف عن ذلك ظروف الواقع وملابساته، أما إذا كانت عبارة العقد تحتمل أكثر من معنى واحد، فإننا في هذه الحالة لا نكون أما عبارة واضحة وإنما أمام عبارة غامضة([8]).

المطلب الثاني: مدى جواز تفسير العبارات الواضحة

ينص الفصل 461 من ق.ل.ع المغربي على أنه “إذا كانت ألفاظ العقد صريحة امتنع البحث عن قصد صاحبها”.

هذا النص يطابق نص المادة 150 من القانون المدني المصري، والمادة 151 من القانون المدني السوري، والمادة 152 من القانون المدني اللبناني، والفقرة الأولى من المادة 111 من القانون المدني الجزائري.

وإذا قرانا لأول وهلة نص الفصل 461 من ق.ل.ع ، فسنجده يدل على أنه لا يجوز للقاضي أن ينحرف عن المعنى الظاهر للعبارة، وأنه يجب عليه أن يأخذ عبارات المتعاقدين الواضحة كما هي، فلا يجوز له أن يفسرها، وهذا ما أكده القضاء المغربي في عدة مناسبات([9]).

إلا أن الفقه قد اختلف حول قصد المشرع بالعبارة الواضحة في هذه الفصل، فانقسم إلى اتجاهين، سنتطرق إلى آرائهما في الفقرتين التاليتين:

الفقرة الأول: الاتجاه القائل بمنع جواز تفسير العبارة الواضحة

يرى هذا الاتجاه، والذي يتبنى نظرية الإرادة الظاهرة أن نص الفصل 461 من ق.ل.ع إنما جاء واضحاً، على أساس أنه لا يجوز إطلاقاً البحث وتفسير العبارات ما لم يكن هناك ما يكتنفها من غموض أو إبهام في العبارات.

وقد تبنى الفقه الألماني هذا الاتجاه، وفي رأيهم أن العبارات ما هي إلا وسيلة يستعملها الأطراف للتعبير عن إرادتهم الباطنة، ولهذا فإن العبارات تعبر بوضوح عن الإرادة الباطنة، ويجب أن نعتد في التفسير بالإرادة الظاهرة([10])، وإن أي محاولة لتفسير العبارة الواضحة تعد خرقاً من القاضي لإرادة الطرفين وبذلك هو خرق للقانون.

ويرى أنصار هذا الرأي أنه لا يجب البحث عن الإرادة عندما لا يوجد غموض في ألفاظ العقد([11]). وأنه لا مجال للتفسير فالعبرة أن اللفظ يعبر بصدق عن إرادة الطرفين.

ويعتبر أنصار هذا الاتجاه وعلى رأسهم الفقيه “بول” أن أي محاولة تفسير للعبارة الواضحة إنما يعتبر تحريفاً وتشويهاً لها.

ويرى الفقيه “كاريه” أنه إذ كان شرط العقد واضحاً ومحدداً يجب التمسك بمعناه الواضح، دون إعطائه معنى مغايرا إذ أن ذلك يتفق والنية الحقيقية للطرفين، وفي المقابل فإن التفسير يكون ضرورياً([12]).

وقد اعتمد أنصار هذا الاتجاه على عدة حجج لتبين عدم جواز تفسير العبارات الواضحة منها:

  1. إن في تفسير العبارات الواضحة مخالفة لنص المادة 1134 من القانون المدني الفرنسي، والتي يقابلها نص الفصل 461 من ق.ل.ع المغربي، فالنصان يعتبران أن للعقد قوة ملزمة وهو شريعة للمتعاقدين، ومن ثم على القاضي احترام النصوص الواضحة وعدم الخروج عنها.
  2. إن تفسير عبارات العقد الواضحة، يعني اللجوء إلى عناصر خارجية للعقد مثل القرائن والبينة لإثبات النية المغايرة وهذا مخالف للقاعدة التي تتعلق بحظر إثبات ما يخالف أو يجاوز الثابت بالكتابة إلا بالكتابة([13])، وهو بذلك مخالف للقواعد العامة للإثبات والتي يجب مراعاتها حتى في تفسير العقد.
  3. يخشى أصحاب هذا الرأي من تحكم القاضي، إذا ما ذهب إلى معنى مغاير للعبارات الواضحة وليس لديه أساس يستند إليه لاستخلاص الإرادة الحقيقية إلى الحدس والتخمين، إذ يطلق لخياله العنان في تقصي الإرادة التي قد تكون مخالفة للإرادة التي كشفت عنها الألفاظ الواضحة وهو بذلك يعيد بناء العقد على هواه([14]).

الفقرة الثانية: الاتجاه القائل بجواز تفسير العبارة الواضحة

إن أنصار هذا الاتجاه([15]) يتبنون نظرية الإرادة الباطنة وهم أغلبية الفقه، ويرون أن المشرع عندما نص على عدم جواز تفسير العبارة الواضحة إنما قصد وضوح الإرادة لا اللفظ، وإنه ليس المقصود بوضوح عبارة العقد وضوح كل جملة أو تعبير على حده، بل وضوح دلالة العقد بصورة عامة، ذلك أن وضوح العبارة غير وضوح الإرادة، فقد تكون العبارة في ذاتها واضحة ولكن تدل على أن المتعاقد أساء استعمال التعبير فقصد معنى وعبر عنه بلفظ لا يستقيم له المعنى.

وفي هذا المعنى يقول الدكتور عبد الفتاح عبد الباقي: “بيد أنه لا يكفي أن تكون عبارة العقد واضحة في ذاتها حتى تكون في غير حاجة إلى تفسير، وإنما يجب أن تكون فوق ذلك واضحة بالنسبة إلى دلالتها على ما اتجهت إليه إرادة المتعاقدين المشتركة إذ قد تكون العبارة واضحة في ذاتها ولكن يعتريها الغموض بالنسبة إلى حقيقة مدلولها”([16]).

ويرى أنصار هذا الاتجاه أن السيادة للإرادة الحقيقية للطرفين على التعبير المادي عنها، ومن أجل هذا فمتى كانت عبارات العقد واضحة الدلالة في الكشف عن إرادة الطرفين الحقيقية فعندئذ يستخلص القاضي إرادة الطرفين من المعنى الظاهر لعبارة العقد، أما إذا جاءت هذه العبارة الواضحة في ظاهرها ولكنها متعارضة في الواقع مع الإرادة الحقيقية للمتعاقدين، فإن هذا الوضوح لا يمنع التفسير بل يتعين البحث عن الإرادة الحقيقية لأن وضوح الألفاظ لا يعني وضوح الإرادة([17]).

وقد اعتمد أنصار هذا الاتجاه على الحجج التالية:

  1. تعذر وجود معيار للتفرقة بين الشرط الغامض والشرط الواضح، حيث يرون أنه يمكن أن تكون لدينا شروط واضحة ولكن متعارضة داخل نفس العقد، وكذلك أن مبدأ “المعنى الواضح يشوبه الكثير من الغموض، فما يراه البعض واضحاً لا يراه الآخرون كذلك”.
  2. إن المادة التي وضعت أساس نظام التفسير وبالنظرة الفاحصة لهذه المادة أي المادة 1134 من القانون المدني الفرنسي والتي يقابلها نص الفصل 461 من ق.ل.ع المغربي، نجد أنها تقرر بشكل ضمني وجوب البحث عن النية المشتركة للطرفين دون التوقف عند المعنى الحرفي للألفاظ، وهذا ما يستشف من خلال تعبيرها بـ “…. امتنع البحث عن قصد صاحبها”، إذ المقصود وضوح معنى العبارة وليس وضوح لفظها، فهي تطلب مراعاة الإرادة الحقيقية أفضل من التوقف عند الإرادة الظاهرة، فالألفاظ لا يمكن أن تشكل عائقاً أمام استخلاص الإرادة الحقيقية، متى كانت الألفاظ لا تكشف عنها بذاتها.
  3. إن الألفاظ الغامضة تحتاج بالطبع إلى تفسير، وإلا فما الذي يزيل الغموض؟ ولكن الذي يحتاج فعلاً للنص عليه لمنع اللبس هو حالة النص الواضح المتعارض مع الإرادة الحقيقية الواضحة، وبذلك فإن الاعتقاد السائد لدى الرأي أن هذه هي الحالة التي أراد المشرع التعرض إليها بتغليب الإرادة على التعبير عند التعارض بينهما.
  4. يمكن استخلاص هذا التوجه حسب بعض الفقه([18]) في إطار التشريع المغربي من نص الفقرة الأولى من الفصل 462 التي جاء فيها: “يكون التأويل في الحالات التالية: 1) إذا كانت الألفاظ

المستعملة لا يتأتى التوفيق بينها وبين الغرض الواضح عند تحرير العقد…”، وهذا ما أكد عليه القضاء حيث جاء في قرار لمحكمة الاستئناف بالرباط “عند تفسير العقد يجب على القضاة البحث عن النية المشتركة للمتعاقدين بدل الوقوف عند المعنى الحرفي للألفاظ”([19]).

المطلب الثالث: موقف القضاء من تفسير العبارات الواضحة في العقد

انطلاقاً من نص الفصل 461 من ق.ل.ع المغربي، فإنه إذا كانت عبارات العقد واضحة امتنع البحث عن قصد صاحبها، وبالتالي يمتنع على قاضي الموضوع الالتفات عنها للبحث عن معنى آخر.

وبعبارة أخرى، إذا كانت إرادة المتعاقدين واضحة من خلال التعبير الذي اختاراه مظهراً لإرادتهما، فلا يجوز للقاضي أن يعدل عن هذه الإرادة الواضحة إلى إرادة غيرها يفترض أنها الإرادة الحقيقية للمتعاقدين([20]).

وعليه، فالعقد الواضح لا يفسر بل ينفذ، كما ذهب إلى ذلك معظم الفقه([21])، وسار عليه القضاء الفرنسي منذ زمن ليس بالقريب.

بمعنى أن القاضي يفقد سلطته بشكل شبه مطلق في التفسير، إذا كانت عبارات العقد واضحة، هذا ما ذهبت إليه محكمة النقض الفرنسية، حينما كانت تعتبر التفسير في هذه الحالة تحريفاً للعقد،([22]) وتؤسس ذلك على المادة 1134 من القانون المدني الفرنسي- المقابلة للفصل 230 من ق.ل.ع- لفرض رقابتها على قضاة الموضوع.

وهو نفس التصور الذي سار عليه المجلس الأعلى، ونستشف ذلك من خلال العديد من القرارات الصادرة عنه، وفي مقدمتها القرار الصادر بتاريخ 13 فبراير 1962([23])، حيث جاء فيه: (إن مهمة قضاة الموضوع هي تطبيق اتفاقات الأطراف، وهم لا يملكون حق تحريف البنود الواضحة والدقيقة، وذلك تحت ستار التفسير).

ومن ذلك أيضاً، القرار الصادر عن المجلس الأعلى بتاريخ 13 فبراير 1962، والذي جاء فيه: (… قضاة الموضوع مكلفون بتطبيق الاتفاقات المبرمة وليس من الجائز لهم تغييرها متى كانت شروطها واضحة وبينة…). ([24])

وجاء في قرار آخر للمجلس الأعلى: (تحريف المحكمة للاتفاق الصادر من الطرفين عما تعاقدا عليه موجب لنقض حكمها). ([25])

وعموماً يمكن القول إن العقد الواضح لا يفسر بل ينفذ، وفي حالة التعسف في تفسيره فإن ذلك يرتب رقابة عليه من طرف المجلس الأعلى، نظراً لمخالفة القواعد التفسيرية المنصوص عليها قانوناً.

فقاضي الموضوع عند الاستعانة بهذه القواعد القانونية إنما يخضع لرقابة مطلقة للمجلس الأعلى، لذلك فأن مخالفة لهذه القواعد القانونية أو تجاهل لها أثناء القيام بمهمة التفسير إنما يعد مخالفاً للقانون بذلك فإن المجلس الأعلى يفرض رقابته، إذ يجب عليه نقض حكمه لمجاوزته القاعدة القانونية.

المبحث الثاني: التفسير في حالة غموض عبارات العقد

تنص الفقرة الأخيرة من الفصل 462 من ق.ل.ع المغربي على: ” وعندما يكون للتأويل موجب يلزم البحث عن قصد المتعاقدين دون الوقوف عند المعنى الحرفي للألفاظ، وعند تركيب الجمل”.

يتبين من خلال هذا أنه إذا كانت عبارة العقد غير واضحة يكتنفها الغموض، فإنها تصبح بحاجة إلى تفسير القضاء الذي عليه أن يبحث عن النية المشتركة للطرفين، فالقاضي في حالة ما إذا ثبت لديه غموض في العقد وجب عليه تفسير العبارة الغامضة من خلال استخراج الإرادة المشتركة للمتعاقدين.

ولكن ما هي الوسائل التي يستعين بها القاضي للوصول إلى النية المشتركة؟

إن للقاضي ضوابط عديدة يمكنه الاعتماد عليها في عملية التفسير منها ما هي داخلية أي مستمدة من العقد ذاته، ومنها ما هي خارجية أي مستمدة من الوقائع والظروف المحيطة بالعقد، هذه الضوابط ما هي إلا معايير موضوعية تستهدف الوقوف على النية الحقيقية للمتعاقدين، فمنها ما هو تشريعي ورد في نصوص قانونية، ومنها ما هو غير تشريعي يمكن استنباطه من القضاء والفقه، وسندرس هذه الضوابط في المطلب الثاني، لكن قبل ذلك سنتطرق في المطلب الأول إلى الحالات التي تكون فيها عبارة العقد غامضة، على أن نتوقف في الأخير على موقف القضاء من تفسير العقد الغامض.

المطلب الأول: الحالات التي تكون فيها العبارة غامضة

ليس هناك معيار فاصل لتمييز العبارة الواضحة عن العبارة الغامضة، خاصة وأن المشرع لم يعرف العبارة الواضحة ولا العبارة الغامضة، وإنما تولى الفقه والقضاء بحصر بعض العيوب التي تؤدي إلى غموض العبارات.

وإن من أكثر العيوب شيوعا: الإبهام، التناقض، النقص، والخطأ، وسوف نتطرق إلى هذه الحالات في الفقرات التالية:

الفقرة الأولى: العبارة المبهمة

وهي العبارة التي لا يتفق الأطراف بشأن معناها([26])، أو هي العبارة الغامضة التي لا تفيد شيئا وبذلك يتعذر أن يعرف مقصودها، وتؤدي إلى استحالة الوصول إلى المعنى المراد منه، فالعبارة المبهمة لا يعرف منها أي معنى يستقيم والعقد، وقد تعرض المشرع المغربي لهذه الحالة من خلال الفقرتين الثانية والثالثة من الفصل 462 من ق.ل.ع، حيث جاء فيه: “يكون التأويل في الحالات التالية:

2- إذا كانت الألفاظ المستعملة لا يتأتى التوفيق بينها وبين الغرض الواضح الذي قصد عند تحرير العقد.

3- إذا كان الغموض ناشئا من مقارنة بنود العقد المختلفة، بحيث تثير المقارنة الشك حول تلك البنود”.

الفقرة الثانية: التناقض

يكون التناقض إذا اصطدمت وتعارضت العبارات في الشرط الواحد، هذا التعارض الذي يجعلنا نتساءل عن المعنى الذي انصرفت إليه إرادة الطرفين، أو إذا كانت العبارة تحمل معاني متعددة لكنها متناقضة وهذا ما يطلق عليه عند الأصوليين باللفظ “المشترك”، كأن يكون اللفظ مشتركا بين معنى لغوي ومعنى اصطلاحي شرعي ففي هذه الحالة وجب حمله على المعنى الشرعي، أما إذا كان مشتركا بين معنيين أو أكثر من المعاني اللغوية وجب حمله على معنى واحد منها بدليل يعينه([27]).

وقد تصدى المشرع المغربي لبعض حالات التعارض حيث نص في الفصل 471 ق.ل.ع على “إذا كتب المبلغ أو المقدار بالحروف وبالأرقام وجب عند الاختلاف الاعتداد بالمبلغ المكتوب بالحروف ما لم يثبت بوضوح الجانب الذي اعتراه الغلط”

وجاء في الفصل 472 من ق.ل.ع “إذا كتب المبلغ أو المقدار بالحروف عدة مرات، وجب الاعتداد عند الاختلاف بالمبلغ أو المقدار الأقل ما لم يثبت بوضوح الجانب الذي اعتراه الغلط”

الفقرة الثالثة: النقص

وهو إغفال المتعاقدين بعض التفاصيل المهمة التي لولاها لما استقام المعنى والحكم،([28]) كما يراد به احتواء العقد على ثغرات أو فراغات غير مملوءة، فيبحث القاضي أو المفسر على المعنى فلا يجدها([29]).

وعليه فالتفسير يلعب دورا هاما في تكملة العقد الناقص، إلا أن القاضي لا يستطيع أن يقوم بتكملة العقد إلا في حالة عدم تنظيم إرادة المتعاقدين لمسألة من المسائل، ففي هذه الحالة يرجع إلى القواعد التكميلية بالترتيب حيث يلجأ إلى القانون ثم العرف ثم قواعد العدالة([30]).

الفقرة الرابعة: الخطأ

تكون العبارات ظاهريا واضحة لا غموض فيها، ولكن تؤدي في مجموعها إلى معنى غير معقول فيعتبر بذلك النص معيبا لأنه ينطوي على خطأ، ذلك أن المعنى ينبغى أن يكون واقعيا ومقبولا ومن النظام القانوني وليس معنى خياليا. ([31])

وقد تحاط عبارة العقد بالغموض، إذا أشتمل العقد على حالة معينة أو ورد بشأنها حكم معين، بحيث يثار التساؤل عن اقتصار حكم العقد على هذه الحالة، أو اتساعه في حالات أخرى لم يصرح بها،([32]) ومن ناحية أخرى قد يأتي الغموض نتيجة احتمال عبارة النص لعدة معان.([33])

المطلب الثاني: ضوابط تفسير العبارات الغامضة في العقد

سنعالج في الفقرة الأولى الضوابط المستمدة من داخل العقد، على أن نتناول في الفقرة الثانية الضوابط المستمدة من خارجه.

الفقرة الأولى: ضوابط التفسير المستمدة من داخل العقد

نقصد بضوابط التفسير الداخلية، تلك المعايير التي تستهدف الوقوف على النية المشتركة للمتعاقدين من خلال عبارات العقد، فمنها ما نص عليها التشريع كطبيعة التعامل، وكذلك أخرى غير تشريعية وهي روح العقد والغرض منه، وقاعدة إعمال الكلام خير من إهماله([34])، وسوف نتطرق إلى كل هذه القواعد على حده.

أ طبيعة التعامل:

يقصد بطبيعة التعامل “الطبيعة القانونية لنوع العقد الذي قصد المتعاقدان إبرامه أو بمعنى أخر التنظيم القانوني للموضوع الذي عالجه المتعاقدان في العقد بينهما”([35]).

فإذا اتفق المتعاقدان على نقل حق الانتفاع والاستغلال من عين ما دون نقل الملكية ومقابل ثمن معين، فإنهما يكونان قد نظما مادة عقد الإيجار، وقد ارتضيا التنظيم القانوني الذي وضعه المشرع لهذا العقد، ويعني ذلك تفسير عبارات العقد بما تقتضيه أحكام عقد الإيجار وطبيعته.

ويتحدد بذلك المعنى الخاص بالشرط بناء على طبيعة العقد الذي قصده، فلكل عقد أحكام معينة تتوافق مع طبيعته،([36]) وإن اتفاق المتعاقدين على نوع العقد يفيد رضاهما على الأحكام المتناسبة معه، ويترتب على ذلك ضرورة تفسير عبارة العقد بناء على طبيعة نوع العقد المختار، واستبعاد المعنى الذي يتنافر مع هذه الطبيعة المتفق عليها.

وفي حالة خلو العقد من تنظيم مسألة ما حتى يرجع إلى طبيعة العقد أو موضوعه، فمثلا إذا لم يتفق الطرفان على تحديد الثمن في عقد البيع رجعنا إلى قواعد عقد البيع وما هو معروف من طبيعة العقد في هذا المجال واستكمال العقد. ([37])

ويمتد الأمر كذلك إلى الحالة التي تحمل فيها عبارة العقد أكثر من معنى، فإن القاضي يختار من بين هذه المعاني المعنى الذي يكون أكثر اتفاقا مع طبيعته، حيث جاء في الفصل 466 من ق.ل.ع “يلزم فهم الألفاظ المستعملة حسب معناها الحقيقي ومدلولها المعتاد في مكان إبرام العقد، إلا إذا ثبت أنه قصد استعمالها في معنى خاص، وإذا كان للفظ معنى اصطلاحي، افترض أنه استعمل فيه”، وفي هذا المعنى قضي المجلس الأعلى بنقض حكم محكمة الموضوع عندما اعتبرت هذه الأخيرة، أن مصطلح “الحبس” الوارد في العقد يفيد التفويت فقط، مع أن لهذه العبارة معنى اصطلاحيا معروفا، وأنه يتعين أخذها بالمعنى الاصطلاحي المعروف([38]).

ب الاستهداف بروح العقد والغرض منه:

إن العقد في الحقيقة ما هو إلا وسيلة يريد الطرفان من خلالها تحقيق غرض اقتصادي معين، ومن ثم يمكن للقاضي الاستعانة بهذا الغرض في تحديد المعنى الغامض لبعض الشروط، ويمكن للقاضي أن يستند إلى روح العقد والغرض منه إذا وجدت عبارات يمكن تأويلها إلى أكثر من معنى. ([39])

حيث إن المتعاقدين يهدفان من الشروط المتفق عليها في العقد إلى تحقيق مصلحة معينة يمكن فيها الغرض المقصود من التعاقد، ويعتبر جزءا لا يتجزأ من النية المشتركة، ذلك أن هذه النية تنصب في الحقيقة على الغرض الذي يسعى المتعاقدان إلى تحقيقه. ([40])

وبالتالي، تبقى الغاية من التفسير هي الوصول إلى النية المشتركة للمتعاقدين، من خلال الكشف عن الإرادة الحقيقية لأطراف العقد والاعتداد بالمقاصد والمعاني، لا بالألفاظ والمباني([41]).

ج قاعدة إعمال الكلام خير من إهماله:

إن هذه القاعدة الأصولية مستمدة من الفقه الإسلامي حيث يقال: “إعمال الكلام أولى من إهماله، لكن إذا تعذر إعمال الكلام يهمل”. ويعني أنه إذا احتملت العبارة في العقد أكثر من معنى فإنه يتعين أن نحملها على المعنى الذي ينتج أثرا قانونيا ونجردها من المعنى الذي ينفي عنها كل أثر أو الذي يرتب أثرا يخالف النظام العام.

وبذلك، فكلما كان للعبارة في العقد أكثر من مفهوم، على القاضي أن يعمل على ترك المعنى الذي أخذ به أصبحت من الشروط الزائدة التي لا مبرر من وجودها، ولهذا يتعين فهم الشرط في المعنى الذي يجعل له مفهوما محددا.

وقد نصت على هذه القاعدة فيما يخص التفسير المادة 158 من القانون المدني العراقي، والمادة 216 من القانون المدني الأردني، وقد ضرب مثلا لهذه القاعدة الفقه: كمن يوصي لأولاد فلان، وليس لهذا إلا أولاد أولاده فحمل المعنى عليهم صونا للفظ([42])

الفقرة الثانية: ضوابط التفسير المستمد من خارج العقد

يتعين على القاضي عند تفسيره للعقد لإجلاء الغموض أن يستعين أولا بالمعنى المستمد من عباراته، لأن الاعتماد على عناصر خارجية عن العقد قد يؤدي إلى مفهوم متعارض مع المعنى الذي تدل عليه العبارة ويعتبر بذلك مخالفا للدليل المكتوب.

حيث أن القاعدة تقضي بعدم جواز إثبات ما يخالف أو ما يجاوز الكتابة إلا بالكتابة، وبذلك على القاضي أن يلتزم بأولوية الرجوع إلى العناصر الداخلية للعقد عند تفسيره، وفي حالة قصور العناصر الداخلية يلجأ إلى عوامل خارجية مرتبطة بالعقد للوصول إلى النية المشتركة للمتعاقدين.

وإن هذه المعايير الخارجية متعددة منها ما نص عليها في التشريع، كما هو الأمر بالنسبة للعرف الجاري في المعاملات الذي نص عليه الفصلان 463 و466 من ق.ل.ع، وقواعد أخرى جاء بها الفقه منها ظروف المتعاقدين المحيطة بالعقد([43])، وكذلك طريقة تنفيذ العقد قد تهدي إلى معرفة قصد المتعاقدين، وسوف نتطرق إلى كل قاعدة على حده كما يلي:

أ العرف الجاري في المعاملات:

إن العرف هو سنة مستقرة قد اعتاد الناس على العمل بها حتى تولد لديهم شعور بإلزاميتها، وهي مرجع القاضي إذا بم يجد حلا منصوصا عليه في القانون فيأخذ بالمعنى الذي استقر عليه العرف([44])، خاصة وأن هناك مسائل يجري فيها العرف مجرى القانون كالمعاملات التجارية والبحرية، وفي هذه المسائل يرجع القاضي إلى العرف لتفسير نية المتعاقدين([45]).

وأن نص الفصول 463، 466 و470 من ق.ل.ع جاء صريحا فيما يتعلق بالتفسير، حيث أعطى القاضي سلطة التفسير وفقا لما يقتضيه العرف الجاري العمل به في المسألة التي ثار التساؤل حولها، فيشترط لإعمال العرف أن يكون هناك إبهام في العقد، كما يشترط لإسناد العرف إلى التفسير أن يكون المتعاقدان على علم بهذا العرف ويكونا قد ارتضياه في التعاقد، وإلا لصرحا في العقد باستبعاده ومخالفته.

كما على القاضي عند استناده للعرف أن يحرص على أن لا يكون متعارضا مع نصوص التشريع الإلزامية، حيث يقضي الفصل 475 من ق.ل.ع ب “لا يسوغ للعرف والعادة أن يخالفا القانون إن كان صريحا”. ويراعي كذلك القاعدة التي تقول “الخاص يقيد العام”، حيث أن العرف المحلي أو الخاص يقيد العرف العام.

وإذا خالف العرف قاعدة قانونية غير إلزامية بمعنى مكملة وليست آمرة فإن يظل صحيحا ويمكن الاعتماد عليه في التفسير.

وهناك أنواع للعرف هي: العرف المكاني والعرف الخاص بطرفي العقد.

  • العرف المكاني: بمعنى أن يكون العرف معمولا به في المكان الذي أبرم فيه العقد أو المكان الذي ينفذ فيه العقد، وهو المقصود في الفصلين 463، 466 من ق.ل.ع المذكورين سلفا.
  • العرف الخاص بطرفي العقد: يمكن تفسير العبارة الغامضة للعقد بناء الأعراف التجارية أو عادات المتعاقدين المستمدة من عقودهما السابقة([46]). وقد تبنى المشرع المغربي هذا المعنى في الفصل 470 من ق.ل.ع([47]).

ب ظروف المتعاقدين المحيطة بالعقد:

للقاضي الحق في الخروج عن حدود العقد بحثا في الظروف المحيطة بالعقد التي قد تساعده للوصول إلى تفسير العقد، مثل الظروف التي أحاطت تكوين العقد مثلا مرحلة التفاوض التي تسبق العقد والتي قد تساعد في تفسير إرادة المتعاقدين، وكذلك حالة المتعاقدين الشخصية وقت إبرام العقد،([48]) وننظر إلى هذه الظروف من عدة نواحي:

من حيث الصفة: فالمتعاقد المثقف يختلف عن الأمي إذ لكل منهما مفهوم يختلف عن الأخر لما يستعمله من عبارات، مما يفسر تمييز المشرع بين الأمي والمثقف ببعض المقتضيات القانونية([49])، كما أن المتعاقد المستهلك يختلف في وضعيته عن المتعاقد المهني في عقود الاستهلاك مما جعل المشرع يتدخل باستمرار لتقوية المركز التعاقدي للمستهلك في مواجهة المهني([50]).

من حيث المهنة: فالممتهن لتجارة معينة يختلف عن المبتدئ وكذلك يختلف عن الشخص العادي فيما إذا تعلق الأمر بإبرام عقد متعلق بهذه المهنة.

من حيث العلاقة الشخصية: على القاضي مراعاة فيما إذا كان العقد بين طرفين تربطهما علاقة القرابة أو الزوجية، فالعلاقة بين الأصول والفروع تختلف عن العلاقة بين أشخاص لا تربطهم أية صلة، حيث يكون الطرفان في هذه الحالة الأخيرة أكثر عناية وحذرا في الصياغة عند إبرامهم العقد، كما أن التعاقد لأول مرة بين طرفين يتطلب عناية مقارنة أمام تكرار نفس الطرفين لنفس النوع من المعاملات حيث لا يكترثان بالصياغة اعتمادا على الثقة المكتسبة بينهما([51]).

إضاقة إلى كل هذه الجوانب، فإن القاضي يستطيع تفسير العقد بناء على ظروف موضوعية، وقد تتمثل هذه الظروف الموضوعية في محررات قد تبادلها المتعاقدان قبل التعاقد، أو عقود سابقة قد أبرمها الطرفان يمكن أن يستند من خلالها على ما قصده المتعاقدان في العقد المراد تفسيره، أو قد تكون الظروف الموضوعية عبارة عن مجرد وقائع مادية، كالأوضاع الاقتصادية السائدة التي من شأنها أن تلقي الضوء على الإرادة الحقيقية بشأن شروط العقد محل النزاع([52]).

وانطلاقا من هذه الضوابط، فإن تفسير العقد يصل بالقاضي إلى أحد أمرين:

الأمر الأول: تفسير العقد واستخلاص ما قصدته الإرادة المشتركة على شكل يقيني قاطع يطمئن هو إليه، ولا صعوبة في هذه الحالة، حيث يحمل القاضي المعنى الذي استخلصه من عبارة العقد سواء كان من شأنه نفع الدائن أو نفع المدين.

الأمر الثاني: أن تفسير القاضي للعقد لا يؤدي إلى الكشف عن الإرادة الحقيقية المشتركة لأطراف العقد، فيثور شك في عبارة مدلول العقد، ولا يستطيع القاضي أن يهدر العقد بمجرد أن شكا قد ثار في تحديد معناه، بل لابد له أن يعمل العقد وأن يفسر الشك لمصلحة أحد الطرفين، هنا يجب إعمال تفسير الشك لصالح المدين وهو ما قضت به المادة 473 من ق.ل.ع “عند الشك يؤول الالتزام بالمعنى الأكثر فائدة للملتزم”، إلا أن هذه القاعدة احتياطية تتطلب توافر عدة شروط منها وجود مبرر للتفسير، واستنفاذ وسائل التفسير ثم ثبوت الشك في الوصول إلى النية المشتركة، وأخيرا حسن نية المدين.

أما الأساس القانوني لهذه القاعدة، وهو أن الأصل براءة الذمة والاستثناء أن يكون ملزما لذلك يفترض أن المدين التزم إلى أضيق مدى تحمله عبارة العقد المراد تفسيرها[53].

وإذا أرد الدائن الأخذ بالمدى الواسع وجب عليه الإثبات، لكن يستثنى من هذه القاعدة عقود الإذعان حيث يفسر فيها الشك لمصلحة الطرف المذعن أيا كان دائنا أو مدينا، وذلك لأن الطرف الذاعن هو من انفرد بتحرير العقد[54]، ولانتفاء الإرادة المشتركة لمصلحة الذاعن[55].

هذا وتجدر الإشارة إلى أن المشرع أقر قاعدة أخرى في إطار التفسير لكنها جاءت لصالح الدائن، ذلك في الفصل 467 جاء فيه: “التنازل عن الحق يجب أن يكون له مفهوم ضيق”، حيث حظر التوسع في تفسير التنازل عن الحق.

وفي جميع الحالات ينبغي على القاضي أن يراعي مبدأ حسن نية الأطراف عند تفسيره للعقد[56]، نظرا لارتباط تفسير العقد بتنفيذه حيث نص المشرع على أن تنفيذ العقد يجب أن يتم بحسن النية[57]، ويعرف حسن النية على أنه “موقف نفسي للشخص القانوني ولكن يتم الكشف والتعبير عنها من خلال مؤشرات وعلاقات خارجية يمكن تقديرها ووزنها وفقا لمعايير قانونية موضوعية حسب سلوك الرجل المعتاد”[58].

المطلب الثالث: موقف القضاء من تفسير عبارات العقد الغامضة

على العكس من حالة وضوح عبارات العقد يتمتع القاضي بدور إيجابي حينما تكون شروط العقد غامضة[59]، باعتبار أن هذه الحالة هي التي تشكل الإطار الذي لا تبخل نظرية سلطان الإرادة عن الترخيص فيها للقاضي بالاضطلاع بدوره الأكثر إيجابية في مجال التأويل[60].

ويخضع تفسير العقد الغامض للسلطة المطلقة لقضاة الموضوع، ولا رقابة للمجلس الأعلى على ذلك[61]، على اعتبار أن المسألة تتعلق بالواقع الذي يكون من اختصاص قاضي الموضوع[62]، بحيث يغور في عالم النية والضمير، وهو السبب الذي يحول دون بسط المجلس الأعلى لرقابته، أو على حد تعبير الأستاذ الكشبور “إن التفسير في هذه الحالة – حالة غموض العقد – يقتضي تقصي النية الحقيقية أو المفترضة للأطراف والوقوف على ظروف التعاقد وظروف التعامل وما تقضي به قواعد حسن النية وعادات التجار فيما بينهم، وقد يستدعي الأمر الاستعانة بإجراءات التحقيق كالمعاينة والخبرة، فالمسألة إذن مسألة واقع، لأن قاضي الموضوع يبحث في عالم النية والضمير ليقتنع في النهاية بأن إرادة الأطراف قد اتجهت إلى تحقيق غرض معين”[63].

وفي هذا السياق جاء في قرار المجلس الأعلى بتاريخ 20 أبريل 1961″ يتعرض للنقض الحكم الصادر عن قضاة الاستئناف، الذين لم يكن بوسعهم أن يرتبوا أي مفعول على الاتفاق المبرم بين الخصوم”[64].

وفي قرار آخر للمجلس الأعلى صادر بتاريخ 07 أبريل 1964، اعتبر فيه أن الشروط الغامضة أو المعارضة لاتفاقات الأطراف، لا تخضع لرقابة المجلس الأعلى[65].

لكن هذا لا يعني أن قاضي الموضوع لا يخضع نهائيا لرقابة المجلس الأعلى في حالة العقد الغامض، بل توجد هناك حالات يعتبر عدم امتثال قاضي الموضوع لها خرقا للقانون، وتحريفا للعقد، ومنها تجريد العقد من كل أثر قانوني، وفي ذلك ذهب المجلس الأعلى في قرار له بتاريخ 1 دجنبر 1982 “أن الشك الذي ينتج عن مقاربة شروط العقد، لا يجرد هذا الأخير من أي أثر، فمن الأولى تنفيذ العقد على تجريده من كل أثر عند تفسيره، وتنفيذ العقد يفرض تفسيره من طرف المحكمة، التي تكون ملزمة بالبحث عن إرادة الأطراف دون الوقوف عند المعنى الحرفي للألفاظ ولا عند تركيب الجمل، وعليه يخالف القانون ويتعرض للنقض الحكم الذي يجرد العقد من كل أثر، في حين كان من الممكن موافقة الشروط فيما بينها عبر التفسير”[66].

ومن الاستثناءات التي يخضع فيها القاضي لرقابة المجلس الأعلى عند تفسيره للعقد الغامض العبارة، حالة تفسير الشك بشكل مخالف لروح الفصل 473 ق.ل.ع.م، التي تلزم تفسيره لصالح الملتزم[67].

خاتمة:

من خلال دراستنا لموضوع تفسير العقد واستعراضنا للضوابط الأصولية والقضائية التي تحكم عملية التفسير، ومدى رقابة المجلس الأعلى على قاضي الموضوع بخصوص المسألة يمكن استخلاص النتائج التالية:

  1. إن القاضي وهو يفسر العقد لا يقتصر على عملية التفسير بصفة مستقلة، وإنما يكون مضطرا بالرجوع إلى مرحلة تكوين عقد ليبحث عن النية المشتركة للمتعاقدين.
  2. إن ضوابط تفسير العقد متعددة منها ما نص عليها المشرع ومنها ما لم ينص عليها، إذ تبقى من صميم إبداع الفقه واجتهاد القضاء، حيث تلعب دورا مهما في إرشاد القاضي من أجل استخلاص النية المشتركة للمتعاقدين وإزالة الغموض للوصول إلى تنفيذ العقد، إلا أنها ضوابط في غالبيتها استثنائية وجاءت على سبيل المثال، فللقاضي أن يستعين بوسائل أخرى يراها مناسبة تمكنه من الوصول إلى النتيجة التي يهدف إلى تحقيقها، لكنه يكون مقيدا باحترام بعض الضوابط القانونية التي نص عليها المشرع بمقتضى نصوص آمرة من قبيل:
  1. عدم الانحراف عن القصد المباشر متى كان العقد واضح الدلالة
  2. احترام قاعدة عدم التوسع في تفسير التنازل عن الحق
  3. احترام قاعدة الشك يفسر لصالح المدين ولصالح الطرف الضعيف في عقود الإذعان.
  4. إن رقابة المجلس الأعلى على محاكم الموضوع بخصوص عملية تفسير العقد تقتصر فقط على الحالات التالية:
  1. ضرورة تطبيق العبارات الواضحة الدلالة في العقد
  2. مخالفة الضوابط القانونية الإلزامية لتفسير عبارات العقد الغامض المنصوص عليها بمقتضى نصوص آمرة، أما في سواها فلا يخضع تفسير العقد الغامض لهذه الرقابة لأن هذه العملية تعد مسألة واقع.

[1]() جميل الشرقاوي “دروس في أصول القانون”، دار النهضة، الطبعة 1972، ص: 84. كما اعتمد على المعيار ذاته:

توفيق حسن فرج: “النظرية العامة للإلتزام في مصادر الالتزام مع مقارنة بين القوانين العربية”، دار النهضة العربية، الطبعة الثالثة

Louis JOSSERAND: “Cours de droit civil positif français”, T.2, Paris 1933, p: 125.

DEMOLOMBE: “Cours de code napoléon traite des contrats”, Tome 2, Paris, 1869, p: 20.

MAZEAUD: “Leçon de droit civil”, Tome2, 4ème édition, p: 373.

[2]() المختار عطار: “قانون الالتزامات والعقود، مصادر الالتزام”، دار النشر المغربية. الطبعة الثانية، 1997، ص: 178

صبري السعدي: “شرح القانون المدني الجزائري”، نظرية العقد، الجزء الأول، دار الهدى، عيد ميلة، طبعة 1992، ص 228

[3]() عبد الحكيم فودة: “تفسير العقد في القانون المدني المصري والمقارن”، منشأة المعارف الإسكندرية، طبعة 1993، ص: 11. وقد تبنى نفس المعيار:

– عبد القادر العرعاري: “النظرية العامة للالتزامات في القانون المغربي”، الجزء الأول: مصادر الالتزامات، الكتاب الأول، نظرية العقد، طبعة 1995، ص: 204.

[4]() استعمل المشرع المغربي مصطلح التأويل بدل التفسير وجاء في النص باللغة الفرنسية Interprétation الذي يعني التفسير والأرجح أن يستعمل التفسير بدلا من التأويل لأن “الفرق بين التفسير والتأويل أن التفسير هو إيضاح معنى اللفظ، والتأويل أن التفسير هو إيضاح معنى اللفظ، والتأويل هو سوقه إلى ما يؤول إليه “معجم فاكهة البستان بدون ذكر تاريخ الطبعة ص 1083

[5]() عبد الحكم فودة م.س ص: 17

[6]() نور الدين أشحشاح: “محاضرات في تفسير النصوص القانونية”، مطبعة اسبارطيل، طنجة، طبعة 2006- 2007، ص 24- 25

[7]() د. الشيخ عبد الوهاب خلاف: “تفسير النصوص القانونية وتأويلها”، بحث منشور، مجلة القانون والاقتصاد، مارس 1948، العدد 1، السنة الثامنة، ص: 180.

[8]() نور الدين أشحشاح: م.س، ص: 25.

[9]() قرار المجلس الأعلى عدد 96 بتاريخ 13/9/1962 منشور بمجلة القضاء والقانون، عدد 48- 49، سنة 1962، ص: 379 مع تعليق للأستاذ موسى عبود.

[10]() Juris Classeur de droit international, éditions techniques S.A, Paris, 1990, fasc 552E: “Certaines méthodes, dites subjectives, et c’est le système traditionnel en interne des contractants la déclaration de volonté n’est qu’un moyen de découvrir cette volonté interne, l’intention des parties doit donc prévaloir sur les termes employés”, p:3.

[11]() MARTY: “Rôle du juge dans l’interprétation des contrats travaux asse Capitant”, T.P 1949, p: 85.

[12]() CARRE: Loi d’organisation et de compétence, T2, Paris, 1946, p: 780.

[13]() للتوسع في مفهوم القاعدة يراجع:

– إبراهيم فكري “الكتابة كوسيلة إثبات بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي” أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص كلية الحقوق مراكش 1999 ص: 198.

[14]() عبد الحكم فودة: م.س ص: 71.

[15]() توفيق حسن فرج: “النظرية العامة للالتزام في مصادر الالتزام، مقارنة بين القوانين العربية”، الطبعة 3، ص: 298.

– سليمان مرقس: “نظرية العقد”، دار النهضة العربية، طبعة 1988، ص: 340.

– CARBONNIER (J): “Droit civil les obligations”, Thmis, 11ème édition, 1982, p: 250.

[16]() عبد الفتاح عبد الباقي: “نظرية العقد”، الطبعة 1981، ص: 305.

[17]() أنور سلطان: “مصادر الالتزام الموجز في النظرية العامة للالتزام”، دار النهضة العربية، الطبعة 1983، ص: 311

– عبد الرازق السنهوري: “الوسيط في شرح القانون المدني المصري”، الجزء الأول: نظرية الالتزام، الطبعة الثانية، 1963، ص: 602

[18]() عبد القادر العرعاري: “النظرية العامة للالتزامات في القانون المدني المغربي”، الجزء الأول: مصادر الالتزامات، الكتاب الأول، نظرية العقد، طبعة 1995، ص: 205.

[19]() قرار محكمة الاستئناف بالرباط بتاريخ 30 يناير 1946، منشور بمجلة القضاء والقانون، عدد 85، يناير- مارس 1986، ص: 68

[20]() انظر: -محمد الشيلح: سلطان الإرادة في ضوء ق.ل.ع المغربي، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا، جامعة محمد الخامس أكدال، الرباط، 1983 ص: 245.

– محمد الكشبور: “رقابة المجلس الأعلى على محاكم الموضوع في المواد المدنية” محاولة للتمييز بين الواقع والقانون، أطروحة لنيل الدكتوراه، كلية الحقوق الدار البيضاء، 1985- 1986، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء 2001، ص: 183.

[21]() Ghestin (j): traité de droit civil, les obligations, les effets du contrat .L.G.D.J. paris, 1992, p: 21.

بمعنى أنه يمنع على القاضي البحث عن النية المشتركة للمتعاقدين وذلك عندما تكون ألفاظ العقد صريحة، وهذا معناه أنه إذا ثار نزاع حول مدلول العقد الذي تكون عباراته واضحة فإن القاضي يكون عليه أن يمتنع عن تقصي حقيقة النية المشتركة للمتعاقدين ويقتصر فقط على استعمال دوره السلبي المتمثل في تطبيق نصوص العقد كما لو كان يطبق نصوص القانون.

– محمد الشيلح: م.س، ص: 239

[22]() Boré (J): la cassation en matière civil, 1980, p:230

[23]() مجلة القضاء والقانون، العدد 48- 49، ص: 380.

[24]() مجلة القضاء والقانون، ع 48 و49، أورده الأستاذ محمد الكشبور في أطروحته، م.س، ص: 183

[25]() مجلة رابطة القضاء، عدد 2 و3، 1966، ص: 23

[26]() نور الدين أشحشاح م.س ص: 24

[27]() عبد الوهاب خلاف “علم أصول الفقه” دون ذكر تاريخ الطبعة ص: 117.

[28]() نجاة بضراني: “مدخل لدراسة القانون”، مطبعة النجاح الجديدة، الطبعة الثانية، 2001، ص: 292.

[29]() نور الدين أشحشاح: م.س، ص: 22

[30]() عبد الحي حجازي “النظرية العامة للالتزام وفق القانون الكويتي” دراسة مقارنة المصادر الإرادية

العقد والإرادة المنفردة مطبوعات جامعة الكويت طبعة 1982 ص: 574

[31]() BATIFFOL (H): “Question de l’interprétation juridique”, Archives de philosophie de droit, n°17, Ed. Sirey, 1972, p: 22.

[32]() بخصوص هذه الحالة، ينص الفصل 469 من ق.ل.ع على: “عندما تذكر في العقد حالة لتطبيق الالتزام فينبغي أن لا يفهم من ذلك أنه قد قصد تحديد مجاله بها دون غيرها من بقية الحالات التي لم تذكر”.

[33]() بخصوص هذه الحالة، ينص الفصل 465 من ق.ل.ع على “إذا أمكن حمل عبارة بند على معنيين كان حمله على المعنى الذي يعطيه بعض الأثر أولى من حمله على المعنى الذي يجرده عن كل أثر”.

[34]() أوردنا هذه الضوابط على سبيل المثال حيث توجد ضوابط أخرى مثل قاعدة مراعاة العقد في مجموعه.

[35]() عبد الحكم فودة: المرجع السابق، ص: 228.

[36]() جاء في الفصل 463 من ق.ل.ع “تعتبر مضافة لشروط العقد، الشروط الجاري بها العمل في مكان إبرامه والشروط التي تقتضيها طبيعته”.

[37]() احمد شوقي عبد الرحمان: “قواعد تفسير العقد الكاشفة عن النية المشتركة للمتعاقدين ومدى تأثير قواعد الإثبات عليها”، المطبعة العربية الحديثة، طبعة 1977، ص: 32.

[38]() قرار شرعي عدد 82 عن المجلس الأعلى، مجلة قضاء المجلس الأعلى عدد 10، أكتوبر 1969، ص: 58 أورده وعلق عليه:

– مأمون الكزبري: “نظرية الالتزامات في ضوء قانون الالتزامات والعقود المغربي”، الجزء الأول، مطابع دار القلم، بيروت، الطبعة الثانية، 1972، بند 194، ص: 239 و240.

[39]() عبد الحكم فودة: م.س، ص: 228

[40]() احمد شوقي عبد الرحمان: م.س، ص: 32

[41]() المختار عطار: “قانون الالتزامات والعقود، مصادر الالتزامات”، دار النشر المغربية، الطبعة الثانية، الدار البيضاء، 1997، ص: 178.

[42]() عبد الرازق السنهوري: “مصادر الحق في الفقه الإسلامي”، الجزء الرابع، القاهرة 1960، ص: 102.

[43]() سنكتفي بذكر هتين القاعدتين، حيث توجد ضوابط أخرى مثل طريقة تنفيذ العقد التي قد تهدي إلى معرفة قصد المتعاقدين

[44]() للتوسع يراجع:

– محمد البقالي: “المدخل لدراسة القانون”، مطبعة اسبارطيل، الطبعة الثانية، طنجة 2003، ص: 102 وما يليها.

[45]() عبد القادر العرعاري: م.س، ص: 207

[46]() احمد شوقي عبد الرحمان: مرجع سابق، ص: 89

[47]() ينص الفصل 470 من ق.ل.ع “إذا ذكر في الالتزام المبلغ أو الوزن أو المقدار على وجه التقريب بعبارتي “ما يقارب وتقريبا” وغيرهما من العبارات المماثلة، وجب الأخذ بالتسامح الذي تقضي به عادات التجار أو عرف المكان”.

[48]() E. ALLAN FARNSWORTH: “L’interprétation des contrats internationaux”, Revue de droit des affaires internationales, volume 3-4, année 2002. Les juridictions américaines ne se limitent pas au contenu du contrat pour l’interpréter, mais lesquelles celui-ci a été formé telles que la nature des parties et le contexte de la transaction”, p: 276.

[49]() ينص الفصل 427 من قلع على: “المحررات المتضمنة لالتزامات أشخاص أميين لا تكون لها قيمة إلا إذا تلقاها موثقون أو موظفون عموميون مأذون لهم بذلك”.

[50]() للتوسع أكثر حول مفهوم المستهلك بصفة عامة والمستهلك المقترض بصفة خاصة ومواجهته للمقترض المهني يراجع:

– عبد المهيمن حمزة: النظام القانون لقروض الاستهلاك -دراسة تأصيلية- رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون المدني والأعمال، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية طنجة، 2008- 2009.

[51]() تكريسا لهذا المعنى بنص الفصل 25 من ق.ل.ع على “…. ويكون السكوت عن الرد بمثابة القبول، إذا تعلق الإيجاب بمعاملات سابقة بدأت فعلا بين الطرفين”.

[52]() د. عبد الحكم فودة: المرجع السابق، ص: 121.

[53] عبد الحميد الشواربي: “فسخ العقد في ضوء القضاء والفقه”، منشأة المعارف، الإسكندرية، طبعة 1997، ص: 227.

[54] عبد المنعم فرج الصدة: “نظرية العقد في القوانين العربية”، دار النهضة العربية، طبعة 1974، بند 85، ص: 66.

[55] بدر حسام اليعقوبي: “أصل الالتزام في القانون المدني الكويتي”، طبعة 1981، ص: 287.

[56] بنص الفصل 477 من ق.ل.ع على: “حسن النية يفترض دائما ما دام العكس لم يثبت”.

[57] ينص الفصل 231 من ق.ل.ع على: “كل تعهد يجب تنفيذه بحسن النية…”.

[58] علي إبراهيم: “الوسيط في المعاهدات الدولية”، دار النهضة العربية، طبعة 1998 – 1999، ص: 779.

[59] الفصل 462 من ق.ل.ع.م

[60] محمد الشيلح: م.س، ص: 251.

[61] في سبيل الوقوف على المراحل التاريخية التي مرت بها محكمة النقض الفرنسية في إطار الرقابة على تفسير قاضي الموضوع للعقد، يمكن الرجوع إلى:

Marty et Raynaud: “Droit civil”, T2, éd. 1962, p : 204.

وعموما يمكن التمييز بين ثلاثة مراحل في مسار محكمة النقض الفرنسية:

تمتد المرحلة الأولى من سنة 1808 إلى غاية 1872، وخلالها كانت محكمة النقض تراقب تفسير العقد سواء أكانت بنوده واضحة أم غامضة.

أما المرحلة الثانية: فقد امتدت من سنة 1808 إلى غاية 1872، وفي ظلها وضعت محكمة النقض مجموعة من المبادئ، تتمثل في تمتع قاضي الموضوع بسلطة تقديرية واسعة في فهم بنود العقد، وترتيب الآثار المترتبة عليها، دون أن يشكل ذلك خرقا للفصل 1134 من القانون المدني الفرنسي (المقابل للفصل 230 ق.ل.ع.م)، وعلى فرض وقوع قاضي الموضوع في الخطأ، فإنه لا يعدو أن يكون من باب القضاء السيئ الذي يقف طلب إصلاحه في مرحلة الاستئناف، ولا يخضع حكم قاضي الموضوع للنقض إلا في حالة استخلاص قاضي الموضوع مفهوما معينا للعقد، ثم يرفض تطبيق ما توصل إليه لأسباب تتعلق بمبادئ العدالة.

أما المرحلة الثالثة: فابتدأت من سنة 1872، ولا وزال معمولا بها لحد الآن، وخلالها تبنت محكمة النقض الفرنسية موقفا جديدا، تميز فيه بين ما إذا كانت عبارات العقد واضحة، حيث لا يجوز لقاضي الموضوع الانحراف عن معناها الظاهر تحت ستار التفسير، وإلا تعرض حكمها للنقض، أو إن عبارته غامضة، حيث يتمتع قاضي الموضوع بسلطة واسعة في مجال التفسير ولا رقابة عليه من طرف محكمة النقض، باعتبار ذلك يدخل في مجال الواقع الذي لا تبسط سلطتها عليه.

يمكن الرجوع بهذا الخصوص إلى أطروحة الأستاذ محمد الكشبور: مرجع سابق، ص: 158 وما بعدها.

[62] مع مراعاة بعض الحالات التي سيأتي ذكرها فيما بعد، بخصوص الحالات الاستثنائية.

[63] د. محمد الكشبور: مرجع سابق، ص: 157.

[64] مجلة القضاء والقانون، ع 85-87، ص: 289.

[65] مجلة القضاء والقانون، ع 88-89، ص: 270.

[66] قرار عدد 752، منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى، عدد 31، مارس 1983، ص: 32.

[67] يرى الباحث علي هنانا أن القاضي يخضع لرقابة المجلس الأعلى في حالة تفسيره الشك لفائدة الدائن، ونقول بأن الباحث قد وقع في خلط حينما اعتقد بأن المفهوم المخالف “للملتزم” هو الدائن، في حين أن هذا الأخير قد يكون طرفا ضعيفا كالمؤمن له، مما ينبغي تفسير الشك لصالحه وحمايته بدل المدين الذي هو طرف قوي في هذه الحالة.

  • انظر هذا الرأي للباحث علي هنانا في رسالته: القضاء المدني والقوة الملزمة للعقد، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في قانون الأعمال، جامعة محمد الأول، وجدة 1999 – 2000، ص: 54.

وعموما، يمكن القول أن غالبية الفقه يعتبر عبارة الملتزم الواردة في الفصل 473 من ق.ل.ع. تفيد المدين.

انظر:- عبد القادر العرعاري: م.س، ص: 207.

  • مأمون الكزبري، م.س، ص: 241.
  • جمال صبحي برسوم: تأويل العقود بين القانون والقضاء والفقه في المغرب ومصر، تعليق على قرار منشور بمجلة القضاء والقانون، ع 133 – 134، 1985، ص: 143.

ونؤكد أن قاعدة الشك يفسر لصالح المدين تبقي قاعدة نسبية، ففي عقود الإذعان يجب أن يفسر فيها الشك دائما لفائدة الطرف المذعن سواء كان دائنا أو مدينا بالالتزام.

عبد القادر العرعاري: م. س، ص: 207، هامش 19.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading