عبد الله فواز حمادنة
باحث بمختبر البحث: قانون الأعمال بكلية العلوم القانونية
والاقتصادية والاجتماعية بسطات
قاضي بمحكمة البداية بعمان بالمملكة الأردنية الهاشمية
يونس الأزرق الحسوني
باحث بمختبر البحث: قانون الأعمال بكلية العلوم القانونية
والاقتصادية والاجتماعية بسطات
إطار بالوكالة القضائية للمملكة المغربية
تقديم
يعتبر إنهاء النزاع بين الأطراف الهدف الرئيسي من الوساطة، فتتويج هذه العملية باتفاق نهائي نابع من إرادة طرفي النزاع أساس عملية الوساطة برمتها. لذلك قتن المشرع اتفاق التسوية وعمل على ترتيب آثاره القانونية. وبما أن عملية الوساطة برمتها مبنية على إرادة الأطراف ورغبتهما في إيجاد حل للنزاع هي الأساس، فالنتيجة منطقية هي التزام طرفي النزاع بتنفيذ اتفاق التسوية إراديا واختياريا.
كذلك الأمر فإن اتفاق التسوية النهائي لا بد أن يمر بمراحل شكلية من حيث توقيع الأطراف والوسيط ومصادقة القاضي المختص. ذلك أنه إذا امتنع أحد الأطراف عن التوقيع على ما تم الاتفاق عليه شفهيا فإن الاتفاقية ليس لها أي أثر قانوني.
والسؤال الذي يثور هنا هل يكتسب اتفاق التسوية النهائي، بعد مصادقة القاضي المختص، صفة الحكم القطعي بمعنى أنه يحسم موضوع النزاع في جملته أوفي جزء منه أوفي مسألة متفرعة عنه سواء تعلقت هذه المسألة بالقانون أم الوقائع.
وهل أن الاتفاق النهائي الذي يتوصل إليه الطرفان من خلال الوساطة، وبعد التوقيع عليه من الأطراف والوسيط ومصادقة القاضي المختص، إن اقتضى الأمر ذلك، يعتبر بمثابة حكم قضائي له حجية الأمر المقضي به، وهنا تكمن فعالية اتفاق التسوية والأثر القانوني المترتب عليه ومدى إلزاميته للأطراف وتبرز أهمية الوساطة كطريق بديل لحل النزاعات، ومدى حجية الاتفاق وإلزاميته للأطراف وإمكانية الطعن فيه.
وفي هذا البحث سنتناول بشيء من التفصيل دراسة مدى حجية اتفاق التسوية النهائي الناتج عن عملية الوساطة ( المطلب الأول )، ونطاق آثار اتفاقية التسوية من حيث الأشخاص ومدى سلطة المحكمة في تعديل أو رفض اتفاقية التسوية ( المطلب الثاني ).
المطلب الأول: حجية اتفاق التسوية الناتج عن عملية الوساطة
في هذا المبحث سنتطرق لحجية اتفاق التسوية الناتج عن عملية الوساطة (الفقرة الأولى ) قبل التعرض إلى إمكانية المصادقة عليه من قبل القاضي أو تذييله بالصيغة التنفيذية ( الفقرة الثانية ).
الفقرة الأولى: الحجية الذاتية لاتفاق التسوية
من المعروف أن عملية الوساطة تنتهي إما باتفاق الأطراف على تسوية النزاع القائم بينهما أو بعدم الاتفاق على تسوية وبالتالي فشل العملية وإحالة النزاع على القضاء أو التحكيم ليتولى الفصل في النزاع .
فإذا توصل الوسيط إلى تسوية للنزاع فإن ذلك يعني أن مساعي الوساطة قد نجحت، وهذا يتطلب توقيع الأطراف على الاتفاقية، مع إمكانية اللجوء إلى القاضي المختص للمصادقة عليها، وفي هذه الحالة تعتبر هذه الاتفاقية بمثابة حكم قطعي لا يقبل الطعن، ويكون قابلا للتنفيذ لدى دوائر التنفيذ المختصة.
ومن هنا فإن اتفاق التسوية النهائي الناتج عن الوساطة وبعد أن يمر بالمراحل الإجرائية من حيث توقيع الأطراف والوسيط يكتسب قوة الشيء المقضي به ([1])، كما يمكن تذيله بالصيغة التنفيذية، وفي هذه الحالة لا يجوز لأي من طرفي النزاع الطعن لهذا الاتفاق بكافة طرق الطعن، وهذا يعني أن الاتفاق النهائي الناتج عن الوساطة تماما كالحكم القضائي الذي يصل إلى مرتبة يصبح فيها غير قابل للطعن بأي طريق من طرق الطعن، وهذه ميزة تتمتع بها اتفاق التسوية ([2])
فهو إذن يعتبر بمثابة حكم قضائي وقطعي، وعليه لا يجوز لأي من أطراف النزاع الذي تم تسويته من خلال الوساطة أن يطرح النزاع مرة أخرى أمام القضاء لأن هذا الحق ينقضي بإبرام اتفاقية الوساطة ([3])
كذلك الأمر فإن اتفاق التسوية النهائي الناتج عن الوساطة يتميز بالقوة الإلزامية التي تنتج عن عقد الوساطة إذ إن الأطراف ملزمون باحترام ما توصلوا إليه من اتفاق سواء أكانت الالتزامات إيجابية أم سلبية.
وعليه فإذا أقام أحد الأطراف دعوى أمام القضاء سبق أن تم تسوية موضوعها باتفاق نهائي في إطار الوساطة، فإنه يجوز للطرف الآخر إثارة دفع أمام المحكمة المنظور أمامها النزاع لسبق الفصل فيها.
وفي هذه الحالة على المحكمة النظر في هذا الدفع قبل نظر الدعوى موضوعا لأن هذا الدفع من الدفوع التي تتعلق بالنظام العام ([4]).
وقد اعتبر المشرع الأردني اتفاقية التسوية النهائية الناتجة عن عملية الوساطة بعد التصديق عليها بمثابة حكم قطعي، إذ أوضحت المادة 7/ب من قانون الوساطة الأردني رقم (12) لسنة 2006 أنه إذا توصل الوسيط إلى تسوية النزاع كلئا أو جزئيا يقدم إلى قاضي إدارة الدعوى أو قاضي الصلح تقريرا بذلك، ويرفق به اتفاقية التسوية الموقعة من أطراف النزاع لتصديقها، وتعتبر هذه الاتفاقية بعد التصديق عليها بمثابة حكم قطعي. وهنا نجد أن المشرع الأردني اعتبر اتفاقية التسوية النهائية حكما قطعيا أي له قوة الشيء المقضي به بحيث لا يجوز لأي من طرفي النزاع الطعن بهذه الاتفاقية أمام أي مرجع قضائي.
أما المشرع المغربي فقد نص صراحة في الفصل 69/327 من قانون المسطرة المدنية المغربي ([5]) على أنه يكتسي الصلح بين الأطراف قوة الشيء المقضي به، ويمكن أن يذيل بالصيغة التنفيذية، ولهذه الغاية فإن رئيس المحكمة المختصة محليا للبت في موضوع النزاع هو المختص بإعطاء الصيغة التنفيذية.
وقد ميز المشرع الفرنسي بين الوساطة القضائية المنظمة بموجب مرسوم 1975 ([6]) والوساطة الاتفاقية المنظمة أحكامها بموجب مرسوم 2012 ([7]) فالنظام المتبع بالنسبة للوساطة القضائية يسمح للقاضي بعد موافقة أطراف النزاع باختيار شخص يوكل له مهمة الوساطة بين الأطراف لحل النزاع وديا ( المادة 131-1 من قانون المسطرة المدنية الفرنسي) بعد انتهاء عملية الوساطة تم أخبار القاضي إما بنجاح العملية أو فشلها، كما يصادق القاضي على اتفاق الأطراف بناء على طلب منهم ( المادة 131-12 ). ولم يتطرق المشرع الفرنسي لطبيعة أثار اتفاق التسوية هل يتعلق الأمر باتفاق ذو قوة الشيء المقضي أم لا.
فيما يتعلق بالوساطة الاتفاقية فقد خصص لها المشرع المواد 1532 إلى 1535 من قانون المسطرة المدنية. فهذا النوع من الوساطة يتم بناء على اتفاق الأطراف خارج المسطرة القضائية. وقد أشار المشرع الفرنسي إلى إمكانية المصادقة على الاتفاق النهائي من قبل القضاء بناء على طلب الأطراف ( المادة 131-12 )، بعد إن تتم المصادقة على الاتفاق من قبل القضاء يمكن تنفيذه في كل دول الأعضاء الاتحاد الأوروبي حسب المادة 1535 من قانون المسطرة المدنية والتي تحيل على المادة 6 من المبدأ التوجيهي للبرلمان الأوربي والمجلس المتعلق ببعض جوانب الوساطة في الميدان المدني والتجاري ([8])
وعلى العموم فالمشرع المغربي كان أكثر توفيقا من المشرع الأردني ذلك أنه نص بصريح العبارة على أن اتفاق التسوية ” وثيقة الصلح ” يكتسب قوة الشيء المقضي به. وبالتالي وعند تذييل هذه الاتفاقية بالصيغة التنفيذية فإنه لا يمكن لأي من طرفي النزاع الطعن بها أمام أي مرجع قضائي.
وقد سبق للاجتهاد القضائي أن كرس الطبيعة الحاسمة لاتفاق الصلح، حيث جاء في قرار لمحكمة الاستئناف التجارية بفاس: ” وحيث إن كان من أثر الصلح إنهاء النزاع وحسمه، فلا يجوز الرجوع فيه ولو باتفاق الطرفين تطبيقا للفصل 1106 من قانون الالتزامات والعقود، لان في ذلك تجديد للنزاع، ذلك أن عدم جواز الرجوع فيه مرتبط بفكرة الأثر الكاشف له…” ([9])
والسؤال المطروح هنا إلى أي مدى يمتد نطاق قوة الشيء المقضي به في اتفاقية التسوية؟
نرى أن حجية اتفاق التسوية النهائي تكون لما ورد في بنود الاتفاق النهائي، أي أن البنود المتفق عليها في الاتفاق النهائي هي التي تكتسب قوة الشيء المقتضى به. أما الأمور التي لم يشتمل عليها اتفاق التسوية النهائي فلا تكتسب قوة الشيء المقضي به لأنها لم تكن ضمن بنود الاتفاقية.
وعليه فإن الاتفاقية الجزئية والتي تتعلق بجزء من وقائع الدعوى فإنها تكتسب قوة الشيء المقضي به بالنسبة لما ورد في الاتفاق الجزئي. أما المسائل التي لم يتم الاتفاق عليها فلا تكتسب قوة الشيء المقضي به.
كما أن الدفع بقوة الشيء المقضي به لا بد أن تتوافر فيه ثلاثة شروط وهي اتحاد الخصوم والمحل والسبب.
فإذا تقدم أحد طرفي اتفاقية التسوية النهائية بدعوى أمام القضاء وأثار الطرف الآخر دفعا مفاده رد الدعوى لسبق الفصل فيها بموجب اتفاقية التسوية واكتسابها قوة الشيء المقضي به فإنه يشترط في الدفع توافر الشروط سالفة الذكر من حيث اتحاد الخصوم والمحل والسبب بمعنى أنه لا بد أن يكون الخصوم في الاتفاقية ومحل الاتفاق والسبب هم ذاتهم في الدعوى المرفوعة أمام القضاء حتى يثار الدفع ([10])
أما إذا لم تتوافر الشروط الثلاث السالفة الذكر فإنه لا مجال لإثارة الدفع بقوة الشيء المقضي به.
إذن نستنتج مما سبق أن اكتساب اتفاقية التسوية النهائية قوة الشيء المقضي به هي ميزة مهمة جدا من مميزات ولوج الوساطة ذلك انه اذا لم يكتسب الاتفاق النهائي قوة الشيء المقضي به فانه لا فائدة من ولوج الوساطة إذ إن الهدف الرئيسي لعملية الوساطة اختصار إجراءات التقاضي وليس إطالة أمد النزاع .
الفقرة الثانية: تذييل اتفاق التسوية بالصيغة التنفيذية وإشكالية التنفيذ
عرفنا سابقا أنه إذا نجح الوسيط في تسوية النزاع كليا أو جزئيا فإن ذلك يعني أن مساعي الوساطة تكون في هذه الحالة قد نجحت، ويترتب على هذا الاتفاق عدة آثار من أهمها ( بالنسبة للقانون الأردني ) تقديم تقرير إلى قاضي الموضوع يتضمن اتفاقية التسوية موقعة من الأطراف والوسيط وذلك للتصديق عليها من قبل القاضي المختص أو تذييلها بالصيغة التنفيذية.
وبما أن المشرع المغربي قتن الوساطة الاتفاقية، فوثيقة الصلح الناجمة عن الوساطة تكتسب قوة الشيء المقضي به إثر توقيعها من قبل الأطراف والوسيط دون الحاجة إلى المصادقة عليها من قبل القضاء، بل يمكن تذييل الصلح الناتج عن الوساطة بالصيغة التنفيذية كما سبقت الإشارة إلى ذلك. بمعنى أنه لا حاجة، في القانون المغربي، لمصادقة القاضي على اتفاق التسوية كي يصبح ملزما للأطراف أو يرتب آثاره .
وطالما أن الأصل في اتفاقية التسوية (وثيقة الصلح ) الناتجة عن الوساطة منبثقة عن إرادة مشتركة تخدم مصالح الأطراف فإن مصيرها يصب في التنفيذ الطوعي، بحيث يقوم طرفا النزاع بتنفيذ ما تم التوصل إليه نتيجة الوساطة، إلا أنه إذا امتنع أحد الأطراف عن التنفيذ بشكل اختياري فإنه للطرف الآخر الحق في اللجوء إلى دوائر التنفيذ وفقا للأصول القانونية المتبعة على اعتبار أن اتفاقية التسوية النهائية بعد التصديق عليها أو تذييلها بالصيغة التنفيذية تكتسب حكم الأحكام القضائية في التنفيذ، وبالتالي قابليتها للتنفيذ لدى دوائر التنفيذ المختصة ([11])
ومن هنا نجد أن اتفاقية التسوية (وثيقة الصلح ) لا يمكن أن تنفذ لدى دوائر التنفيذ المختصة إلا بعد أن يتم أكساؤها الصيغة التنفيذية بحيث إنه إذا تم أكساؤها الصيغة التنفيذية فإن صاحب الشأن يستطيع تقديمها إلى دوائر التنفيذ المختصة ليتم تنفيذها.
ذلك أن وثيقة الصلح بعد المصادقة عليها أو تذييلها بالصيغة التنفيذية فإنها تكتسب صفة الحكم القطعي وقوة الشيء المقضي به وبالتالي تنفيذها كأي حكم قضائي قطعي صادر عن المحاكم المختصة ([12]).
وعلى ضوء ذلك نجد أن المشرع الأردني أوضح في المادة 7/ب من قانون الوساطة رقم (12) لسنة 2006 أنه إذ ا توصل الوسيط إلى تسوية النزاع كليا أو جزئيا يقدم إلى قاضي إدارة الدعوى أو قاضي الصلح تقريرا بذلك ويرفق به اتفاقية التسوية الموقعة من اطراف النزاع لتصديقها وتعتبر هذه الاتفاقية بعد التصديق عليها بمثابة حكم قطعي.
ومن خلال هذا النص نرى أن المشرع الأردني أوجب تصديق اتفاقية التسوية من قبل قاضي الإحالة حتى تعتبر بمثابة حكم قطعي غير قابل للطعن باي طريق من طرق الطعن العادية، أما اذا لم يتم تصديقها من قبل قاضي الإحالة فإنها لا تكتسب صفة الحكم القطعي وبالتالي لا يمكن تنفيذها لدى دوائر التنفيذ المختصة.
وفي المقابل نجد أن المشرع المغربي وفي الفصل 68/327 من قانون المسطرة المدنية المغربي في فقرته الأخيرة اخضع الصلح الذي يتوصل إليه الأطراف لأجل صحته وأثاره لمقتضيات القسم التاسع بالكتاب الثاني من قانون الالتزامات والعقود ([13]) مع مراعاة الفصل 327/69 من قانون المسطرة المدنية أي أن اتفاق التسوية النهائي الذي يتوصل إليه الأطراف بمساعدة الوسيط يعد صلحا، وبالتالي يتم اللجوء إلى أحكام الفصول 1099 إلى 1104 من قانون الالتزامات والعقود المغربي الذي ينظم أحكام الصلح بصفته عقد من العقود المسماة ([14])
كما أوضح الفصل 69/327 من قانون المسطرة المدنية أنه يكتسي الصلح بين الأطراف قوة الشيء المقضي به، ويمكن أن يذيل بالصيغة التنفيذية ، ولهذه الغاية فإن رئيس المحكمة المختصة محليا للبت في موضوع النزاع هو المختص بإعطاء الصيغة التنفيذية.
نستنتج من هذه النصوص أن المشرع المغربي اعتبر اتفاق الوساطة صلحا، وأن هذا الصلح يكتسب قوة الشيء المقضي إذ لا يجوز لأي من الطرفين الطعن بهذا الاتفاق بكافة طرق الطعن العادية، وبالتالي يستطيع صاحب الشأن تنفيذ هذا الاتفاق لدى دوائر التنفيذ المختصة بعد أن يتم تذييله بالصيغة التنفيذية من قبل رئيس المحكمة المختصة.
ومن خلال النصوص التي تحكم عملية الوساطة في التشريع المغربي وقانون الوساطة الأردني نجد أنه تثور عدة إشكالات تنفيذية سواء في التشريع المغربي أو في التشريع الأردني، وهذه الإشكالات تحتاج إلى معالجة تشريعية.
ففي التشريع المغربي يثور الإشكال في حالة عدم تذييل الاتفاق بالصيغة التنفيذية من طرف رئيس المحكمة ويمتنع أحد الأطراف عن تنفيذ هذا الاتفاق، وعلى ضوء ذلك يلجأ الطرف الثاني للقضاء وفقا للقواعد العامة في الالتزامات، وهذا بالطبع لا يتناسب مع الغاية والهدف الرئيسي من الوساطة المتمثل بتخفيف العبء عن القضاة بالإضافة للسرعة في إنهاء المنازعات.
وهذه الإشكالية تحتاج إلى معالجة تشريعية ذلك أن الاتفاق ابتداء طوعنا ونابغا من إرادة الطرفين، والأصل أنه لا يحتاج إلى تذييله بالصيغة التنفيذية وبالتالي يعتبر نافذا في الحال عند التوقيع عليه من قبل الأطراف والوسيط. ([15])
وهذا ما سارت عليه بعض الأنظمة الأنكلوسكسونية كما في الولايات المتحدة وبريطانيا إذ نجد أن اتفاقيات التسوية النهائية لا يتم تذييلها بالصيغة التنفيذية إذ إن اتفاق التسوية النهائي قابل للتنفيذ بمجرد توقيعه من الأطراف والوسيط.
كما أن مقتضيات الفصل 69/327من قانون المسطرة المدنية المغربي تشير إلى تذييل الصلح بالصيغة التنفيذية، بمعنى إن التذييل الاتفاقية بالصيغة التنفيذية أمر اختياري، وهذا الأمر يؤدي في غالب الأحيان إلى الامتناع عن التنفيذ.
وبالتالي كان الأولى بالمشرع المغربي النص صراحة على وجوب تذييل اتفاقية التسوية النهائية بالصيغة التنفيذية بحيث تصبح الاتفاقية سندا تنفيذيا قابلا للتنفيذ وفقا للإجراءات المتبعة في دوائر التنفيذ المختصة ([16])
ويثير الفصل 69/327 إشكالا آخر في التنفيذ يتعلق بالجهة القضائية المختصة بتذييل وثيقة الصلح بالصيغة التنفيذية إذ إن الفقرة الثانية أعطت الاختصاص لرئيس المحكمة المختصة محليا لإعطاء الصيغة التنفيذية.
وهنا هل يستطيع نواب الرئيس أو القضاة في المحكمة المختصة تذييل الاتفاقيات بالصيغة التنفيذية نيابة عن رئيس المحكمة رغم النص صراحة على أن رئيس المحكمة هو المختص؟
في الحقيقة والواقع العملي فإن اختصاصات رئيس المحكمة متشعبه منها يتعلق بعمل قانوني ومنها يتعلق بعمل إداري وبالتالي فإن حصر الاختصاص برئيس المحكمة فيه إرهاق للرئيس بالإضافة إلى إمكانية تأخر البت في طلبات التذيل، وهذا لا يستقيم مع مبدأ السرعة التي تتميز بها الوساطة ومن مصلحة الأطراف السماح لنواب الرئيس بتذيل الاتفاقيات بالصيغة التنفيذية في الحالة التي يكون هناك مانع يحول دون قيام الرئيس بممارسة هذا الاختصاص .
وهذا ما سار عليه القضاء المغربي في بعض القرارات التي تتطلب التذييل بالصيغة التنفيذية رغم أنها خاصة بالتحكيم إلا أنه برأيي يمكن القياس عليها في الوساطة إذ ذهبت محكمة استئناف القنيطرة إلى أن ” العبرة برئيس المحكمة المخول له سلطة الأمر بتذييل حكم المحكمين بالصيغة التنفيذية ليس فقط لمن هو معين على رأس المحكمة بل تمتد هذه السلطة لمن ينوب عنه”([17]).
إذن نستنتج من هذا الحكم أنه لا مانع من إعطاء الاختصاص لنائب الرئيس في التذييل بالصيغة التنفيذية في التحكيم وبالقياس على هذا الحكم لا مانع من منح هذا الاختصاص لنائب رئيس المحكمة المختصة للتخفيف عن الرئيس وللتسهيل على أطراف وثيقة الصلح.
ومن الإشكالات التنفيذية التي يمكن أن تثور أيضا، هناك إمكانية التمسك بالاتفاقية الشفوية التي توصل إليها أطراف النزاع نتيجة الوساطة فهل يجوز لأطراف النزاع التمسك بالاتفاق الشفوي أمام قاضي الموضوع ؟ وهل يجوز دعوة الوسيط لأثبات توصل الأطراف إلى اتفاق شفوي ؟
المشرع الأردني حسم هذه التساؤلات بنص صريح في المادة (7/ب ) من قانون الوساطة الأردني رقم (12 ) لسنة 2006 عندما أوضح بأن اتفاقية التسوية التي يتم التوصل إليها نتيجة الوساطة لا تكتسب صفة الحكم القضائي القطعي إلا بعد كتابتها وتوقيعها من الأطراف وتذييلها بتصديق القاضي المختص أي أنه لا يعتد بالاتفاق الشفوي وبالنتيجة لا يجوز طلب الوسيط للشهادة على الاتفاق الشفوي لأن القول بخلاف ذلك فشل لعملية الوساطة ([18])
وكذلك الأمر بالنسبة للمشرع المغربي إذ لا يعتد بالاتفاق الشفوي حسب ما جاء في الفصل 68/327 من قانون المسطرة المدنية المغربي: “يوقع الوسيط مع الأطراف وثيقة الصلح الذي توصل إليه “([19])
على ضوء ما سبق نرى أن وجوب تذييل الاتفاقية بصيغة التنفيذ هو بمثابة نوع من الرقابة القضائية على اتفاقية التسوية وللحيلولة دون إثارة أية إشكالات تنفيذية أمام دوائر التنفيذ، لأنه أحيانا تكون الاتفاقيات مخالفة للنظام العام أو غير قانونية وهنا حتى يكون لاتفاقيات التسوية آثار قانونية ملزمة للطرفين، وحتى تصبح أحكاما تكتسب قوة الشيء المقضي به، يجب أن تذييل بالصيغة التنفيذية من قبل القاضي المختص وللحيلولة دون تراكم الاتفاقيات الناتجة عن الوساطة وعدم تمكن الأطراف من تنفيذها.
المطلب الثاني: أثار اتفاقية التسوية ونطاق سلطة المحكمة في تعديله
سنتطرق من خلال هذا المطلب لدراسة آثار اتفاقية التسوية “وثيقة الصلح ” من حيث الأشخاص ( الفقرة الأولى ) ونطاق سلطة المحكمة في التعديل أو رفض اتفاقية التسوية ( الفقرة الثانية ).
الفقرة الأولى: أثار اتفاقية التسوية (وثيقة الصلح ) من حيث الأشخاص
عرفنا سابقا أن الحكم القضائي القطعي يكتسب قوة الشيء المقضي به بالنسبة للخصوم أنفسهم في الدعوى، وهذا تطبيقا لقاعدة نسبية أثر الحكم، بمعنى أنه لا يجوز الاحتجاج على شخص بحكم في دعوى لم يكن طرفا فيها، ذلك أن أطراف الخصومة التي صدر فيها الحكم هم فقط اللذين تقتصر عليهم الحجية.
وبالتالي فإن الدفع بحجية الشيء المقضي به لا يجوز إثارته إلا إذا كانت الدعوى الجديدة بين الخصوم أنفسهم والذين كانوا أطرافا في الدعوى التي سبق الفصل فيها ([20])
كذلك الأمر فإن حجية الحكم القضائي قد تمتد إلى الخلف العام والخلف الخاص والدائنين العاديين أما عدا هؤلاء فهم من الغير وبالتالي لا تعتبر الأحكام القضائية حجة عليهم ([21])
وطالما أن اتفاق التسوية النهائي الناتج عن الوساطة اتفاق ملزم لأطراف النزاع، ويكتسب قوة الشيء المقضي به بعد توقيعه من الأطراف والوسيط وتذييله بالصيغة التنفيذية، ويصبح بمثابة حكم قضائي لا يقبل الطعن باي طريق من طرق الطعن العادية، وينفذ هذا الاتفاق أمام دوائر التنفيذ المختصة فإن السؤال المطروح هنا هل إن اتفاقية التسوية (وثيقة الصلح ) والناتجة عن الوساطة تسري بحق الأغيار الذين لم يشتركوا في مفاوضات الوساطة ؟ وما مدى نطاق هذه الاتفاقية من حيث الأشخاص على اعتبار أنها حكم قضائي له قوة الشيء المقضي به؟
الأصل العام أن اتفاقية التسوية النهائية (وثيقة الصلح ) ترتب التزامات متبادلة بين أطراف النزاع بمعنى أن أطراف الاتفاقية في النزاع المعروض على الوسيط والذي تم تسويته باتفاقية تسوية نهائية يرتب التزامات في ذمة الأطراف الموقعين على اتفاقية التسوية إذ لا يجوز لأي من الأطراف الرجوع أو التحلل من هذ ا الالتزام بعد مروره بالمراحل الشكلية السابق ذكرها.
وحيث إن اتفاق التسوية النهائي هو في حقيقته عبارة عن اتفاق صلح بين الأطراف فإن الالتزامات الناتجة عن هذا الاتفاق لا تلزم إلا أطراف الاتفاق .
وبالتالي فإن آثاره المباشرة لا تسري على الأغيار الذين لم يشتركوا في مفاوضات الوساطة، وذلك بالنظر إلى طبيعة هذه المفاوضات والتي تقوم على السرية. أما الآثار غير المباشرة فإنها يمكن أن تسري على الغير، والمقصود بالغير في اتفاق الصلح كل من لم يكن طرفا في العقد بشخصه أو من يمثله فهو بذلك يشتمل على الخلف الخاص والخلف العام والدائنين ([22])
وعلى ضوء ما سبق فإن الغير يتأثر نتيجة الصلح الذي من شأنه ترتيب حقوق عينيه على العقار المبيع أو المرهون والتي تم حفظها بتسجيلها بالسجل التجاري. كما أن صلح الإبراء من دين يستفيد منه الأغيار، أما إذا رتب التزامات بذمتهم فلا يلتزمون بها إلا إذا قبلوا هذه الالتزامات، ذلك أن اتفاق الصلح هو كاشف ومنشئ ([23])
وهو ما أكده قرار لمحكمة الاستئناف التجارية بفاس، حيث جاء في إحدى حيثياته: ” وحيث أنه كان الصلح عقد بمقتضاه يحسم الطرفات نزاعا قائما أو يتوقيان قيامه تطبيقا للفصل 1098 من قانون الالتزامات والعقود فإن للصلح أثران أثر انقضاء والمتمثل في نزول كل من الطرفين على جزء من ادعاءاته وأثر تثبيت والمتمثل في الجزء الذي خلص بسليمه الطرف الآخر…” ([24])
وبالتالي يمكن القول بأن اتفاق التسوية النهائي (وثيقة الصلح ) تسري آثاره بين أطراف النزاع على اعتبار أنه عقد صلح ذلك أن العقد متى انعقد صحيحا، وتوافرت في كل ركن شروطه انعقد صحيحا وترتب عليه آثار يتحدد نطاقها بين المتعاقدين.
وطالما أن اتفاق التسوية النهائي بعد تذييله بالصيغة التنفيذية يعتبر بمثابة حكم قضائي يكتسب قوة الشيء المقضي به، فإن نطاقه يتحدد بأطراف النزاع الموقعين على اتفاقية التسوية، وأن هذا الاتفاق لا يسري بحق الغير الذي لم يشترك بمفاوضات الوساطة، إلا أنه يمكن أن تمتد آثار الاتفاق غير المباشرة إلى الأشخاص الذين لم يشتركوا في المفاوضات، وهم الخلف العام والخاص والدائنين.
الفقرة الثانية: مدى سلطة المحكمة في التعديل أو رفض اتفاقية التسوية
إن تذييل اتفاقية التسوية النهائية الموقعة من الوسيط والأطراف بالصيغة التنفيذية أو المصادقة عليها من قبل القاضي المختص يعد نوعا من الرقابة القضائية على الاتفاقيات التي يتوصل إليها أطراف النزاع من خلال الوساطة.
كما أن اتفاقية التسوية النهائية (وثيقة الصلح ) والتي يتم التوصل من خلالها إلى تسوية نهائية للنزاع لا يمكن تنفيذها إلا بعد أن تذييل بالصيغة التنفيذية أو المصادقة عليها من قبل المحكمة المختصة، وبالتالي فإن المصادقة من قبل المحكمة ركن شكلي للتنفيذ (بالنسبة للوساطة القضائية ) إذ انه لا فائدة من إبرام الاتفاق اذا لم يكن بالإمكان تنفيذه.
وعليه فإن تدخل القضاء يهدف لمراقبة سلامة التسويات والاتفاقيات الناتجة عن الوساطة وإضفاء الصيغة التنفيذية على الاتفاق للتأكد من عدم مخالفة الاتفاق للقانون والنظام العام .
كما أنه يحقق الهدف من اللجوء للوساطة، وهو تجاوز المشاكل التي يطرحها تنفيذ الأحكام القضائية لاسيما وأن التسوية عمل إرادي وتنفيذها يبقى خاضعا لإرادة الأطراف لأنها من صنعهم ([25])
فإذا كان تدخل القضاء في التشريع الأردني والمغربي هو لإكساء الاتفاق الذي توصل إليه الطرفان الصيغة التنفيذية لغاية تنفيذه، حسب الأصول لدى دوائر التنفيذ في الحالات التي لا ينفذ فيها الاتفاق طوعا فإن السؤال الذي يثور حول مدى سلطة المحكمة المختصة فهل تملك تعديل الاتفاق أو رفض وثيقة الصلح وما هو الأثر القانوني المترتب على ذلك؟
بالرجوع إلى نص المادة 7/ب من قانون الوساطة الأردني رقم ( 12) لسنة 2006, نجد أنها نصت على أنه: ” إذا توصل الوسيط إلى تسوية النزاع كليا أو جزئيا يقدم إلى قاضي إدارة الدعوى أو قاضي الصلح تقريرا بذلك ويرفق به اتفاقية التسوية الموقعة من أطراف النزاع لتصديقها وتعتبر هذه الاتفاقية بعد التصديق عليها بمثابة حكم قطعي.
إن ما يستفاد من هذا النص أن المشرع الأردني قد راعى الإجراءات الشكلية لتصديق اتفاقية التسوية بحيث إنه إذا استوفت وثيقة الصلح الإجراءات الشكلية المنصوص عليها يرفع الاتفاق لقاضي الإحالة لغايات التصديق عليها. وهنا نجد أن المشرع الأردني لم ينص صراحه على حق المحكمة في التعديل أو رفض الاتفاقية.
ولكن بالرجوع للقواعد العامة نرى أن رقابة المحكمة على اتفاقية التسوية النهائية هي رقابة موضوعية بحيث تتحقق المحكمة من عدم مخالفة الاتفاق للنظام العام، وإمكانية تنفيذه لدى دوائر التنفيذ المختصة.
وبمفهوم المخالفة فإن المحكمة إن وجدت أن اتفاقية التسوية النهائية مخالفة للنظام العام أو انطوت على مخالفة قانونية تحول دون تنفيذها فإنها تملك عدم التصديق عليها وإعادتها للوسيط والأطراف، لإعادة صياغتها بما يتفق مع النظام العام أو رفض اتفاقية التسوية وعدم التصديق عليها وبالتالي فشل عملية الوساطة وعرض النزاع على القضاء أو التحكيم ([26]).
أما فيما يتعلق بمدى سلطة المحكمة المختصة في تعديل اتفاقية التسوية النهائية فإنه من المعروف بأن وثيقة الصلح والناتجة عن الوساطة تتميز بانها طوعية أي أنها تتم بإرادة وتوافق الأطراف لاسيما وأن إرادة الطرفين وبعد إنهاء عملية الوساطة اتجهت إلى التوقيع على اتفاقية التسوية.
وبالتالي فإن المحكمة أو الوسيط لا يتدخلان بإرادة الطرفين، وعليه ولكون الوساطة اختيارية وتعتمد على إرادة الأطراف فإن المحكمة لا تملك التعديل على اتفاقية التسوية (وثيقة الصلح ).
أما فيما يتعلق بموقف المشرع المغربي فنستنتج من الفصل 69/327 من قانون المسطرة المدنية أن الجهة المختصة في تذييل وثيقة الصلح بالصيغة التنفيذية يجب عليها مراعاة الشروط المنصوص عليها في القانون رقم ( 08-05) من حيث عدم مخالفة الاتفاق للنظام العام، حتى يمكن لها البت في طلب التذييل أو رفضه أي أن الجهة المختصة وفق التشريع المغربي في التذييل لها الحق في قبول الطلب المتعلق بتذييله بالصيغة التنفيذية ولها الحق أيضا في رفض الطلب. هذا التوجه سلكته المحكمة التجارية بالرباط بتاريخ 2008/3/18 عندما رفضت قبول طلب التذييل بالصيغة التنفيذية لمحضر الصلح المنجز بين طرفين عن طريق الوساطة في إطار القانون رقم ( 05-08 ) المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية، وذلك طبقا للفصل 69/327 من قانون المسطرة المدنية ([27]) وبالتالي فالقاضي يبسط رقابته على عملية الوساطة ككل حتى مسألة ثبوت اتفاق الوساطة بمعنى أن التذييل بالصيغة التنفيذية لأي اتفاق على صلح الوساطة يستلزم ثبوت اتفاق وساطة مكتوب بين الطرفين ([28])
إلا أن لهذا النوع من الأحكام آثار مهمة على الوساطة، نظرا لأنها تحد من اتفاقيات الصلح الناتجة عن الوساطة بسبب خطأ أو سهوناتج عن السرعة المطلوبة في احتواء النزاع، خصوصا في الحالة التي لا يكون فيها أطراف النزاع قد اتفقوا على اللجوء إلى الوساطة من خلال العقد محل النزاع وائما اتفقوا على اللجوء إليها بعد نشوب النزاع .
هذا فضلا عن كون هذا التوجه القضائي لا يأخذ بعين الاعتبار الطابع الرضائي لعملية الوساطة، فرغم غياب اتفاق سابق على اللجوء إلى الوساطة، فليس هناك ما يمنع الأطراف من الاتفاق لاحق على ذلك، دون أن نغفل أن الأطراف لم ينازعوا في صلاحية الوسيط أو اختصاص بل وافقوا على أجراء الوساطة وتوفقوا في حل النزاع وابرام اتفاق التسوية، هذه الإشارات كانت كفيلة بأن يأخذ بها قاضي التذييل دون الوقوف على حرفية النص القانوني الذي لا يخدم بالضرورة مصلحة الأطراف ولا يستجيب للطابع الإرادي والعفوي في بعض الأحيان لعملية الوساطة.
ونرى أن مسألة الاتفاق على اللجوء إلى الوساطة لا تثير أي إشكال في الوساطة القضائية إذ إنه لا يملك قاضي الإحالة أي سلطة لإجبار الخصوم على ولوج الوساطة القضائية.
كما أن اللجوء للوساطة يتم من خلال اتفاق الأطراف في محضر رسمي بالإضافة إلى اتفاقهم على الوسيط الذي يتولى تقريب وجهات النظر بينهم.
ونرى أيضا أن قرار المحكمة التجارية بالرباط، وان كان يشكل نوعا من الرقابة القضائية على عملية الوساطة، إلا أنه يجب الأخذ بعين الاعتبار أن عملية الوساطة عملية طوعية واختيارية، وأن الهدف الرئيس من الوساطة هو توصل أطراف النزاع إلى حل توافقي وإنهاء النزاع واذا تحقق الهدف المنشود من الوساطة فيمكن عدم التمسك بالإجراءات الشكلية، وهذا لا يؤثر على وثيقة الصلح الناتجة عن الوساطة ذلك أن رفض المحكمة المختصة تذييل الاتفاق بالصيغة التنفيذية يعني فشل عملية الوساطة وإعادة عرض النزاع مجددا أمام القضاء.
وتثور مسألة أخرى هنا تتعلق بالأخطاء المادية أو الحسابية من جانب الوسطاء، وهذه الأخطاء تطرح أشكالا عند التنفيذ فهل يتم اللجوء للقضاء أم رفع دعوى المسؤولية المدنية ضد الوسيط لمطالبته بالتعويض عن الضرر ؟
لم يتطرق المشرع الأردني أو المغربي لهذه المسالة ولكن الاجتهاد القضائي المقارن تعرض لها من خلال قرار المحكمة العليا بفلوريدا والتي قضت بأن: ” المحكمة الابتدائية رفضت طلب الطعن الذي يوضح الخطأ الوارد في اتفاق تسوية الطلاق بإعطاء الزوجة ( 25) سهما فقط بدل ( 2505) أسهم وبما أنه لم يلحظ احد الخطأ الوارد في اتفاق التسوية فالمحكمة تقتصر فقط على شهادة وتصريحات الوسيط والوثائق الخاصة بشروط الاتفاق المتداولة في جلسة الوساطة ([29])
ونرى هنا أنه ولسرية الوساطة فإن المحكمة لا تملك دعوة الوسيط للشهادة، وبالتالي فإن أي خطأ مادي تم في وثيقة الصلح فان المحكمة لا تملك تعديل الاتفاق، كما أنها لا تملك تصحيح الخطأ المادي، وفي هذه الحالة عندما يعرض الاتفاق لتذييله بالصيغة التنفيذية وتبين أنه قد شابه خطأ مادي أو حسابي فإن الإجراء الأسلم هو إعادة وثيقة الصلح للوسيط مرة أخرى وعلى الوسيط في هذه الحالة دعوة الأطراف والقيام بتصحيح الخطأ المادي أو الحسابي وأن يتم التوقيع من قبل الأطراف والوسيط، وهو ما يعرف بالاتفاق اللاحق لوثيقة الصلح ثم يرفع الوسيط الاتفاق اللاحق والأصلي لكي يتم التصديق عليهما وتذييلهما بالصيغة التنفيذية بحيث يعتبر الاتفاق اللاحق ووثيقة الصلح وحدة واحدة لا تتجزأ وهذا الإجراء أيضا يساعد الوسيط للحيلولة دون رفع دعوى المسؤولية المدنية بحقه ومطالبته بالتعويض عن الخطأ المادي أو الحسابي الذي ظهر في وثيقة الصلح ([30])
إذن نستنتج مما سبق أن المحكمة المختصة عندما يعرض عليها اتفاقية التسوية النهائية (وثيقة الصلح ) فإنها تقوم بالتصديق عليها وتذييلها بالصيغة التنفيذية إذا تبين لها أن الاتفاق سليم ولا يخالف النظام العام. أما إذا تبين لها أن الاتفاق يتضمن مخالفة للنظام العام فإن للمحكمة رفض اتفاقية التسوية النهائية، وهذ ا يعني فشل عملية الوساطة وإعادة عرض النزاع على القضاء.
ولكن ليس للمحكمة سلطة في تعديل اتفاقية تسوية النهائية، وفي هذه الحالة تعاد الاتفاقية للوسيط لدعوة الأطراف وتعديل الاتفاقية وتقديم اتفاق تسوية لاحق ويعتبر مع الاتفاق النهائي وحدة واحدة .
ذلك أن الاتفاق هو من صنع الأطراف وبالتالي ليس من صلاحية المحكمة المختصة الحق في تعديل وثيقة الصلح لأن ذلك يتعارض مع مبدأ الطوعية والاختيارية التي تتميز بها الوساطة.
الخلاصة
إن الطابع الرضائي الذي تتميز به عملية الوساطة، بما فيها اتفاق التسوية النهائي للنزاع الذي يساهم طرفي النزاع في تحريره، يجب أن يحترم أيضا عند تنفيذ الاتفاق النهائي. فكما ساهمت إرادة الطرفين في إعداد وإنجاز الاتفاق يجب أن تساهم في تنفيذه بطريقة ودية دون الحاجة إلى اللجوء إلى الصيغة التنفيذية. فاللجوء إلى الوساطة والقبول بسلوك هذه المسطرة الإرادية يلزم الطرفين بالتنفيذ الحبي للاتفاق النهائي.
فالاتفاق النهائي الناتج عن الوساطة له كل المقومات القانونية لإنتاج كافة آثار على غرار الأحكام القضائية، فبمجرد تحريره يصبح ذو قوة الشيء المقضي به بالنسبة للتشريع المغربي، ونفس الأمر بالنسبة للتشريع الأردني جراء المصادقة عليه من قبل القاضي المختص. أما إذا تم تذييله بالصيغة التنفيذية فيصبح كالحكم القضائي تماما. بمعنى أن اللجوء إلى الوساطة يضمن الحل الودي والسريع للنزاع مع خصائص الأحكام القضائية فيما يتعلق بالقوة الاثباتية والتنفيذية لاتفاق التسوية.
وأخيرا نتمنى من السادة القضاة عند مراقبة اتفاق الصلح الناتج عن الوساطة أن يأخذوا بعين الاعتبار الطابع الرضائي والإرادي لعملية الوساطة بما فيها الاتفاق النهائي، وأن يتجنبوا الغلو في تفسير طبيعة النظام العام عند مراقبة صحة هذا الاتفاق .
[1] Madiha Ziyadi : «La médiation dans le monde des affaires au Maroc», Revue marocaine de médiation et d’arbitrage, n° 6, 2012, p. 30.
[2] للمزيد من التفاصيل راجع الملودي العمراني : الوساطة في التشريع المغربي والمقارن، أطروحة لنيل الدكتوراه، كلية العلوم القانونية والاقتصادية، جامعة عبد المالك السمدي بطنجة، السنة الجامعية 2011 2012، ص175
Pascal Ancel : «Force obligatoire et contenu obligationnel du contrat», RTD, 1999, p. 771.
[3] Louis Boyer : La notion de la transaction, contribution à l’étude des concepts de cause et des actes de déclaratifs, Sirey, 1974, p. 468.
[4] نصت المادة (111) من قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني على أن الدفع بعدم اختصاص المحكمة لانتفاء ولايتها أو بسبب نوع الدعوى أو قيمتها أو بمدم جواز نطرها لسبق الفصل فيها أو باي دفع آخر متصل بالنظام العام يجوز إثارته في أي حالة تكون عليها الدعوى وتحكم به المحكمة من تلقاء ذاتها . كما أكد المشرع الفرنسي في المادة ( 505 ) من القانون المدني على أن للصلح بين الطرفين حجية الشيء المقضي به بالدرجة الأخيرة .
[5] القانون 05-08 الصادر بتنفيذه ظهير الشريف رقم 1.07.169 بتاريخ 30 نوفمبر 2007، الجريدة الرسمية عدد 5584 بتاريخ 6 ديسمبر 2007، ص. 3894 .
[6] Décret n° 75-1123 du 5 décembre 1975.
[7] Décret n° 2012-66 du 20 janvier 2012.
Voir sur cette question : Milie Charpy : «L’encadrement juridique de la médiation en droit français», Revue marocaine de médiation et d’arbitrage, n° 6, 2012, pp. 58 et s.
[8] La directive 2008/52/ CE du 21 mai 2008 du Parlement européen et du Conseil sur certains aspects de la médiation en matière civile et commerciale.
Emilie Charpy : «L’encadrement juridique de la médiation en droit français», op cit, p. 61.
[9] قرار محكمة الاستئناف التجارية بفاس رقم 1836 مؤرخ في 13 ديسمبر 2007 في الملف عدد له 1684/05
[10] للمزيد من التفاصيل راجع سليمان مرقص، المسؤولية المدنية في تقنيات البلاد العربية القسم الأول (1971) , ص . 223
تمييز – حقوق رقم 1208/206 و 2180/2008 منشورات عدالة.
[11] رولا الأحمد : الوساطة لتسوية النزاعات المدنية في القانون الأردني، رسالة دكتوراه، جامعة عمان العربية 2008، غير منشورة، ص . 227 .
-الهادي المنذر : الحلول البديلة للنزاعات القضائية، دليل تطبيقي مفاوضات وساطة وتحكيم، بيروت، طباعة الشمالي، 2004، ص56 .
[12] نصت المادة (78) من قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني على أنه للخصوم أن يطلبوا إلى المحكمة في أية حالة تكون عليها الدعوى إثبات ما اتفقوا عليه من صلح أو أي اتفاق آخر في محضر الجلسة، ويوقع عليه منهم أو من وكلائهم فاذا كانوا قد كتبوا ما اتفقوا عليه الحق الاتفاق المكتوب بمحضر الجلسة واثبت محتواه فيه ويكون للمحضر في هذه الحالة قوة الحكم الصادر عن المحكمة، وتمطى صورته وفقا للقواعد المقررة وفقا للأحكام .
[13] ظهير 9 رمضان 1331 الموافق ل 12 أغسطس 1913 كما تم تغيره وتتميمه.
[14] Youness Lazrak Hassouni : «La valeur juridique de l’accord issu de la médiation», Revue marocaine de médiation et d’arbitrage, n° 6, 2012, p. 47.
[15] للمزيد من التفاصيل راجع الزهرة موجود ” عقود الوساطة في المسطرة المدنية ” رسالة النيل دبلوم الماستر في القانون الخاص جامعة عبد المالك السعدي كلية الحقوق بطنجة السنة الجامعية 2010/2011
Youness Lazrak Hassouni : «La médiation comme mode de règlement des litiges : quelle efficacité ?», Mémoire pour l’obtention de Master en droit privé, Université Mohammed V – Souissi, Faculté des Sciences Juridiques Economiques et Sociales Rabat, Année universitaire 2007-2008.
[16] للمزيد من التفاصيل راجع فيصل بجي : الوساطة كألية بديلة لتسوية منازعات الاستثمار، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص، جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بسلا، السنة الجامعية 2013/2014، ص .414.
[17] قرار محكمة الاستئناف بالقنيطرة في الملف المدني عدد 3196/93 الصادر بتاريخ 95/10/10 .
[18] أيمن مساعدة : الوساطة كوسيلة بديلة لحل النزاعات المدنية، مجلة أبحاث اليرموك، العدد 4، المجلد العشرون، 2004 ص .1951
[19] Youness Lazrak Hassouni : «La valeur juridique de l’accord issu de la médiation», op cit, p. 49
[20] المادة (41) من قانون البينات الأردني – للمزيد من التفاصيل راجع أحمد السيد صاوي : أثر الأحكام بالنسبة للغير، دار النهضة العربية، القاهرة، 1979، ص11
نقض مدني مصري رقم 1685، لسنة 60 ق، جلسة 11/6/ 1996، مجموعة أحكام النقض، س47، ص993
[21] الخلف العام : هو من يخلف السلف في ذمته المالية كلها، وهذا هو الوارث لكل التركة أو في جزء منها باعتبارها مجموعة مالية، وهو الوارث لجزء من التركة أو الموصي له بحصه منها.
الخلف الخاص لا يخلف السلف في ذمته المالية أو في حصة فيها بل يخلفه في ملكيه شيء مادي أو معنوي أو في حق عيني على شيء كالمشتري والموهوب له والموصي له بمين معنية والدائن . المرتهن.
وللمزيد من التفاصيل راجع أنور سلطان : مصادر الالتزام في القانون المدني الأردني، الطبعة الأولى – عمان 1987، منشورات الجامعة الأردنية، ص .175 وما بعدها.
[22] نصت المادة 754 من قانون الالتزامات والعقود المغربي : على أنه إذا طرأ تغيير على المركز القانوني لرب العمل وعلى الأخص بسبب الإرث أو البيع أو الإدماج أو التمويل المشروع أو تقديمه حصة في الشركة فإن جميع عقود الممل الجارية في يوم حصول هذا التغيير وتستمر لعن المالك الجديد للمشروع ولعن عماله وخدمه ومستخدميه.
[23] محمد بونبات : الوجيز في العقود المسماة، دراسة مقارنة للعقود باعتبار جدواها، المطبعة والوراقة الوطنية، 2002، ص .196.
Youness Lazrak Hassouni : «La valeur juridique de l’accord issu de la médiation «, op cit, pp. 49-50.
[24] قرار محكمة الاستئناف التجارية بفاس رقم 1798 مؤرخ في 60ديسمبر 2007 في الملف عدد 1920/06
[25] بن سالم اوديجا : الوساطة كوسيلة من الوسائل البديلة لفض النزاعات، الطبعة الأولى، 2009، مطبعة دار القلم، الرباط، ص.336
ينظر أيضا رولا الأحمد، مرجع سابق، ص226
[26] من الممكن لأطراف النزاع اذا لم تتم المصادقة على اتفاقية التسوية واتفق الأطراف على ما جاء بها فانه يجوز لأطراف النزاع تنفيذها بشكل طوعي على اعتبار أنها عقد وإسقاط الدعوية للمزيد من التفاصيل راجع رولا الأحمد، مرجع سابق، ص .226.
[27] قرار المحكمة التجارية بالرباط في الملف عدد 2008/1/1146، غير منشور.
[28] إن تذييل الصلح المنجز من خلال الوساطة بالصيغة التنفيذية من قبل رئيس المحكمة المختصة محليا للبث في موضوع النزاع يكون في حالة رفض الطرف الآخر القيام بالتنفيذ التلقائي لمقتضيات الصلح المذكور.
للمزيد من التفاصيل راجع عبد المجيد اغميجة، نطام الوساطة الاتفاقية في المغرب، المجلة المغربية للتحكيم التجاري، العدد الثالث، 2009، ص .18.
ينظر أيضا فيصل بجي، مرجع سابق، ص.416 وما بعدها.
[29] قرار صادر عن المحكمة العليا بفلوريدا في القضية Haffa v.Haffa,11thJudicial, Circuit Court ومنشور بتاريخ 5/5/2013 بالموقع الالكتروني http://www.ftoridamediationgroup.com
[30] يرى جانب من الفقه أنه يجوز لطرفي النزاع تصحيح الخطأ المادي في محضر الاتفاق كما يجوز للوسيط أن يصحح من تلقاء نفسه أو بناء على طلب أحد طرفي النزاع سواء كان الخطأ مادي أو حسابي أو مطبعي وذلك قبل التصديق على محضر الاتفاق من المحكمة المختصة أما بعد التصديق على محضر الاتفاق النهائي من المحكمة المختصة فإن اتفاق التسوية المصادق عليه من المحكمة تخضع للنظام الخاص بمراجعة المقود من تصحيح أو تفسير.
للمزيد من التفاصيل راجع خيري بيتانوني : الوساطة كوسيلة بديلة لفض النزاعات المدنية والتجارية، دار النهضة العربية، الطبعة الثانية، القاهرة،,.2012 201وما بعدها.


