في إثبات المرض العقلي والنفسي

مقدمة

الحمد لله الذي جعل العقل زينة، يتميز به الإنسان على سائر المخلوقات الدنوية، به يعرف منافع الأمور من مضارها، ويزن أفعاله قبل الإقدام عليها، إن كانت خيرا عزم عليها وأقبل مطمئنا، وان كانت شرا، ارتد عنها وأدبر سالما، وهو مناط التكليف، لا يسأل عن أفعاله إلا إذا اقترفها وهو سليم العقل مدركا ومختارا لها، فاذا ثبت اعتلاله بما أثر على إدراكه واختياره، لم يجز مساءلته عنها، وفي ذلك عين الحكمة وجوهر العدل.

وفي الميدان الجنائي لا يكفي ارتكاب جريمة من طرف شخص ليقال إنه مسؤول عنها، بل يجب أن يكون أهلا لتحمل مسؤوليته الجنائية عن هذا الفعل ([143])، وهو لا يكون كذلك إلا إذا كان تام الإدراك متمتعا بكامل قواه العقلية والنفسية، وأقدم على ارتكاب الفعل الجرمي عن بينة وتمييز واختيار، غير أنه وإلى حدود الأمس القريب، لم يكن الأمر دائما بهذا الإشراق، حيث شكل الجنون والعته عند العديد من الأمم مسا من عمل الشيطان يعاقب عنهما الممسوس بقساوة وغلظة، لا مكان فيهما للرحمة ولا للشفقة، بل يضاعف له العذاب جزاء لحمقه ونقصان مداركه، وهو موقف شاذ، غريب تبرأت منه التشريعات الغربية مع مجيء القرن الثامن عشر، وتنزهت عنه الشريعة الإسلامية منذ ما يزيد عن أربعة عشر قرنا، وقد كان لها قصب السبق كأول نظام قانوني نص على الجنون كمانع أساسي تمتنع به المسؤولية الجنائية ([144]) ” حيث صح عن الرسول صلى الله عليه وسلم قوله “رفع القلم عن ثلاثة، عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق “([145])، فكان إجماع علماء الشريعة على أنه لا قصاص على صبي ولا مجنون ولا على من كان غائبا بسبب يعذر فيه كالنائم والمغمى عليه أو من هو في حكمهما ([146]).

وقد كانت فرنسا أولى الدول الغربية التي تبنت نظام عدم مساءلة المختلين عقليا وأدرجته في مجموعتها الجنائية لسنة 1810، وكان المريض العقلي قبل ذلك يحاسب حسابا عسيرا على ما يقدم عليه من تصرفات منحرفة ([147])، أما في إنجلترا فقد شكلت قضية ماكنوتن Mcnaghten سنة 1843 مدخلا لتبني معيار ماكنوتن الذي يشترط للقول بعدم المسؤولية، تعذر علم الجاني بطبيعة الفعل وصفته ([148]).

ولما كان لزاما إثبات الخلل العقلي من أجل إقرار امتناع المسؤولية الجنائية، فان القضاء لم يجد مناصا من مراجعة ذوي الاختصاص من أهل الخبرة لمساعدته في تحديدها وتقدير درجاتها، باعتبار أن هذا الأمر يتطلب لفهمه معلومات دقيقة، وكفاية علمية أو فنية خاصة لا تتوافر لدى القاضي ([149])؛ ولا شك أن الخبرة النفسية تعد من أدق المسائل التي تتطلب إلماما واسعا، بعلوم الطب العقلي والنفسي وهي وسيلة ناجحة لتحقيق العدالة، وقد تم تعريفها بأنها ” تطبيق المعرفة والخبرة في مجال الطب النفسي على القضايا التي تتناولها المحاكم، وعلى القانون بشكل عام”([150])، وبالنظر إلى الأهمية التي ما فتئ المنتظم الدولي الحقوقي يوليه لموضوع الخبرة النفسية فقد بادر إلى عقد العديد من المؤتمرات التي أوصت بضرورة عرض الجناة على خبرات عقلية ومن ذلك المؤتمر الثاني للدفاع الاجتماعي المنعقد في سان ريمو سنة 1947 وفي لييج ببلجيكا سنة 1949، والمؤتمر الثاني لقانون العقوبات المنعقد في لاهاي عام 1950، وكذا في المؤتمر الثاني لعلم الإجرام الذي انعقد في باريس في نفس السنة، فضلا عن المؤتمر الدولي الثالث للدفاع الاجتماع المنعقد في أنفرس ببلجيكا عام 1954، بالإضافة إلى المؤتمر الثالث لمنظمة الأمم المتحدة لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين، الذي دارت فعالياته في مدينة استوكهولم عام 1965، وهي كلها تجمعات حقوقية دولية نبهت إلى أهمية الخبرة النفسية وحثت على مراجعتها في مختلف الجرائم ([151]) باعتبار ما تكتسيه من أهمية لا تنكر في مجال إرساء دعائم المحاكمة العادلة متى تم الاستناد في إنجازها إلى القواعد العلمية المتعارف عليها في علوم الطب النفسي ونظريات علم النفس.

فألى أي حد استطاع الخبير النفسي أن يكون عونا حقيقيا للقاضي في إثبات وجود المرض العقلي من عدمه لدى الجناة، وتوجيهه التوجيه الصحيح نحو تطبيق المقتضيات القانونية التي تتوافق مع حالتهم المرضية؟ تلك كانت الإشكالية المحورية التي سنحاول تسليط الضوء عليها على امتداد فصول ومباحث هذا البحث الذي ارتأينا تقسيمه إلى فصلين، خصصنا أولهما للحديث عن الخبرة النفسية كأجراء قضائي لإثبات المرض العقلي (الفصل الأول)، وثانيهما لثبوت المرض العقلي وأثره على المسؤولية الجنائية (الفصل الثاني).

الفصل الأول

الخبرة النفسية كإجراء قضائي

لإثبات المرض العقلي والنفسي

إن الخبرة النفسية هي وسيلة القضاء التي تساعده على تقدير درجة المسؤولية الجنائية، وهي كما قال جون برادل Jean pradel تقنية لقياس المسؤولية ([152])، فالقاضي مهما اتسعت مداركه وتشعبت معارفه، يقف حيال تحديد أنواع الأمراض العقلية والنفسية التي تختل بها ملكتا الإدراك والإرادة، موقف المنتظر لإفادة الخبير النفسي بوصفه الأقدر على الإحاطة بهذه المسألة، باعتباره ما تلقاه من تكوين علمي أهله للتعاطي مع هذا الموضوع، والقاضي وان كان هو الخبير الأعلى في الدعوى، وبه تناط مهمة الرقابة على مختلف عناصرها، واستنباط وجه قضائه منها، فإنه لا يستطيع أن يشق طريقه بنفسه إلى استيضاح الحالة العقلية والنفسية للجاني وقت ارتكابه لجريمته، فهي مسألة شديدة التعقيد، وذات صبغة تقنية لن تجليها إلى خبرة نفسية، باعتبار أن مناط اشتغالها إنما يكون على المسائل التقنية، ويبقى للقاضي الاهتمام بالنواحي القانونية؛ غير أن تحديد حدود فاصلة بين ما هو قانوني وما هو تقني في العمل القضائي ليس دائما بهذه السهولة، فكثيرا ما يتداخل عمل الخبير مع عمل القاضي في الدعوى، وهو ما قد يؤدي إلى اختلال واضح في مسالك العدالة، في ظل تقاعس التشريع الجنائي عن رسم حدود واضحة تفصل عمل القاضي عن عمل الخبير، وعدم قدرة الاجتهاد القضائي عن سن توجيهات ثابتة تحكم هذه المسألة، وهو ما أدى إلى ظهور اختلالات واضحة في تحديد طبيعة الخبرة بصفة عامة ومدى إلزامية الركون إليها، وتقدير نتائجها من حيث قوة ثبوتيتها، وهي مواضيع سنقوم ببسط الحديث فيها وفي غيرها مركزين على أعمال الخبرة النفسية وطبيعة التقارير النفسية الشرعية في ثلاثة مباحث، سنعرض في أولها للأوامر القضائية الصادرة بإجراء خبرات عقلية ونفسية (المبحث الأول )، وفي ثانيها سنتناول أعمال الخبرة النفسية في الأعمال العقلية والنفسية (المبحث الثاني )، وفي ثالثها سنعمل على تسليط الضوء على التقرير النفسي وحجيته في الإثبات (المبحث الثالث ).

المبحث الأول

الأوامر القضائية الصادرة بإجراء خبرات عقلية ونفسية

إن طبيعة التصدي لهذا المبحث بالتحليل والمناقشة، يقتضي إبراز نوع الهيئات القضائية التي أوكل إليها المشرع المغربي أمر إصدار خبرات عقلية (المطلب الأول ) وإظهار مدى إلزامية تقيدها بالرجوع إلى أهل الخبرة لإصدار هذا النوع من الخبرات (المطلب الثاني، وأخيرا تسليط الضوء على مشتملات قرار الخبرة العقلية وصياغته الفنية ( المطلب الثالث ).

المطلب الأول: الهيئات القضائية مصدرة قرار الخبرة

لقد أوكل المشرع المغربي أمر إجراء خبرات عقلية للمساعدة على تحديد درجة المسؤولية الجنائية عند الجناة إلى هيئات التحقيق والحكم على غرار باقي أنواع الخبرات الأخرى حيث نص الفصل 194 من قانون المسطرة الجنائية في فقرته الأولى على أنه “يمكن لكل هيئة من هيئات التحقيق أو الحكم كلما عرضت مسألة تقنية أن تأمر بإجراء خبرة إما تلقائيا وإما بطلب من النيابة العامة أو من الأطراف “.

من هنا يتبين أن قضاة التحقيق ( الفقرة الأولى ) وهيئات الحكم ( الفقرة الثانية) هي الجهات القضائية التي أوكل إليها القانون أمر إصدار أوامر بأجراء خبرات عقلية.

الفقرة الأولي: قضاة التحقيق

بمقتضى المادة 194 من قانون المسطرة الجنائية يمكن لقضاة التحقيق لدى محاكم الاستئناف والمحاكم الابتدائية الأمر بإجراء خبرات عقلية على الجناة لمساعدتهم في إبراز نوع الخلل العقلي الذي لوحظ عليهم ومدى تأثير ذلك على إدراكهم وإراداتهم.

كما خول الفصل 88 من قانون المسطرة الجنائية الصلاحية نفسها لقاضي التحقيق ب ” أن يأمر في أي وقت باتخاذ جميع التدابير المفيدة وان يقرر إجراء فحص طبي أو يكلف طبيبا بالقيام بفحص طبي نفساني “، ورغم أن المشرع لم يستعمل في هذه المادة الأخيرة كلمة خبرة إلا أننا نعتقد أن مثل هذا القرار بإجراء فحص نفسي والذي قد يشمل المتهم كما قد يشمل الضحية لا يمكن تصنيفه إلا في خانة الخبرة، باعتبار تطابق النتائج التي قد تترتب على الحالتين معا سواء فيما يتعلق بالخبرة التي يتم إنجازها في إطار الفصل 194 من قانون المسطرة الجنائية أو الفحص الذي يتقرر في إطار الفصل 88 من نفس القانون.

غير أن ما قد يثير بعض الجدل هي الصيغة الواردة في القانون الجنائي المغربي في الفقرة الأولى من الفصل 136 والتي جاء فيها ” إذا رأى قاضي التحقيق أن المتهم تظهر عليه علامات واضحة للخلل العقلي فأنه يجوز له بمقتضى أمر معلل أن يأمر بوضعه مؤقتا في مؤسسة لعلاج الأمراض العقلية من أجل ملاحظته وعلاجه إذا اقتضى الأمر…..” وهي صيغة قد توحي بأن مجرد الإقتناع الذي قد يتخلد لدى قاضي التحقيق من ظهور علامات واضحة للخلل العقلي على المتهم قد تكون مدعاة لإيداعه في مؤسسة لعلاج الأمراض العقلية وذلك في غياب النص الصريح على ضرورة إجراء خبرة عقلية للوقوف على حقيقة ذلك من جهة، ولورود كلمة “مؤقتا” التي قد تفيد بأن هذا الإجراء هو تدبير وقتي، الغاية منه هو تمكين المتهم من علاجات استعجالية تمهيدا لمواصلة إجراءات التحقيق في حقه من جهة أخرى.

وهو رأي لا نعتقد صوابه على اعتبار أن تقدير وجود الخلل العقلي من عدمه، هي مسألة تقنية تنأي عن اختصاص قاضي التحقيق ولا يمكن إلا للخبراء النفسيين التصدي لإظهارها، ويكون الرأي الصائب في اعتقادنا أن قاضي التحقيق لا يقوم بإصدار أمره المعلل بإيداع متهم في مؤسسة لعلاج الأمراض العقلية إلا بعد أن يقوم بإصدار قرار بعرضه على خبرة عقلية يثبت فيها الخبير النفسي إصابته بخلل عقلي أثر سلبا على إدراكه أو إرادته. ويكون قراره بالإيداع منسجما مع درجة المسؤولية الجنائية التي ثبتت لديه من خلال ما انتهى إليه الخبير في تقريره النفسي. فإن أقر قاضي التحقيق بعدم مسؤوليته الجنائية أصدر قراره بعدم المتابعة ([153]) وإن ثبت لديه نقصان في مسؤوليته اصدر حسب الأحوال إما قرارا بالإحالة على غرفة الجنايات تمهيدا لمحاكمته من أجل الأفعال المنسوبة إليه مع مراعاة حالته المرضية، وأما قرارا مؤقتا إذا لزم الأمر بإيداعه في مؤسسة الأمراض العقلية لتلقي العلاجات المناسبة تمهيدا لمواصلة محاكمته بعد ذلك، انسجاما مع الفقرة الأخيرة من الفصل 136 من القانون الجنائي والتي جاء فيها ” وفي حالة استئناف المتابعة وصدور حكم على المتهم بعقوبة سالبة للحرية فإن محكمة الموضوع يجوز لها أن تامر بخصم المدة التي قضاها في المؤسسة من مدة تلك العقوبة “. وطبيعي ألا تستأنف المتابعة إلا في حالة عدم ثبوت انعدام المسؤولية الجنائية لدى المتهم وكانت مسؤوليته كاملة أو ناقصة إذ يتعين في الحالة الأولى التصريح بإعفائه طبقا للقانون، في حين يكون معرضا للعقوبات المناسبة في حالة ثبوت مسؤوليته الجنائية كليا أو جزئيا.

الفقرة الثانية: هيئات الحكم

والمقصود بهيئات الحكم الواردة في الفقرة الأولى من المادة 194 من قانون المسطرة الجنائية التي خولها المشرع حق إصدار أوامر بإجراء خبرات عقلية، كل محكمة موضوع تنشر أمامها الدعوى العمومية من أجل الفصل فيها بقرارات قضائية، سواء أمام المحاكم الابتدائية أو أمام محاكم الاستئناف، وذلك عندما تثار أمامها مسألة تحديد المسؤولية الجنائية لمرتكبي الأفعال الإجرامية الذين ظهرت عليهم أثناء المحاكمة علامات وجود خلل عقلي أثرت على إدراكهم أو إرادتهم بصفة كلية أو جزئية قد يجعل من هذه المسؤولية تتأرجح بين الوجود والعدم والنقصان.

غير أن تحديد وجود مثل هذا الخلل العقلي وتحديد وقت الإصابة به هو من المسائل الفنية التي لا تشملها المعرفة القانونية للقضاة، لذلك كان لزاما عليهم طلب مساعدة أهل الخبرة من الأطباء النفسيين المتخصصين، عبر انتدابهم بمقتضى خبرات نفسية بإجراء الفحوصات اللازمة على المتهمين، بغية استيضاح هذه النقطة التقنية وبسطها أمام هيئة الحكم التي تتولى بعد ذلك تحديد مسؤوليتهم الجنائية عن أفعالهم الإجرامية. ويختلف الإطار القانوني الذي تنتدب فيه هيئات الحكم الخبراء بحسب اختلاف ظروف كل قضية عن الأخرى ” فاذا تعلق الأمر بالتأكد من وجود خلل عقلي أعدم لدى الجاني الإدراك أو الإرادة بتزامن مع ارتكابه لأفعاله الإنحرافية، يكون انتداب الخبير قد تم في إطار الفصلين 76 و 134 من القانون الجنائي اللذين يتحدثان عن انعدام المسؤولية الجنائية. واذا كان انتدابه قد تم للتثبت من وجود خلل عقلي لدى الجاني أنقص لديه الإدراك أو الإرادة فأضعفهما دون أن يبلغ درجة إلغائهما بتزامن مع ارتكابه للأفعال المنسوبة إليه، فيكون هذا الانتداب قد تم في إطار الفصلين 135 و 78 من القانون الجنائي اللذين يتعلقان بالمسؤولية الناقصة.

وكنتيجة لهذا الاختلاف في الإطار القانوني الذي يقع فيه انتداب الخبراء، تتنوع القرارات القضائية الصادرة في هذا النوع من القضايا بين الإعفاء والإدانة بإصدار عقوبات كاملة أو مخففة حسب الأحوال، أو توقيف النظر في الدعوى إذا توفرت شروطها المنصوص عليها في الفصل 79 من القانون الجنائي، حيث إذا تبين لمحكمة الموضوع بعد استعانتها بخبرة طبية أسفرت عن إقرار المسؤولية الكاملة أو الناقصة لدى الجاني، أنه لم يعد قادرا على الدفاع عن نفسه بعد أن طرأت أو اشتدت عليه أعراض خلل عقلي بعد ارتكابه للفعل المنسوب إليه أصدرت قرارها – بعد إثبات ما تقدم – بوقف النظر في الدعوى إلى حين.

ولعل الجدير بالملاحظة في الصيغة التي اعتمدها المشرع في المادة 79 من القانون الجنائي أنه خول لمحكمة الموضوع أن تقدر بنفسها مدى تفاقم الخلل العقلي الذي طرأ على الجاني وتحدد تبعا لذلك قدرته أو عجزه عن الدفاع عن نفسه دون الاستعانة بخبرة جديدة، على اعتبار أنها سبق أن أمرت بإنجاز خبرة أولى وقفت خلالها على المسؤولية الكاملة أو الناقصة عند الجاني، وهي قراءة لا نعتقد صوابها، فالقول بوجود خلل عقلي أو بتفاقمه واشتداده يعد من المسائل التقنية التي يختص بإثباتها الخبراء دون القضاة، سيما وأنه لا وجود لما قد يمنع المحكمة من الأمر بأجراء خبرة ثانية وثالثة إذا لزم الأمر.

المطلب الثاني: حول إلزامية الرجوع إلى أهل الخبرة بإجراء خبرات عقلية

إن الحديث عن هذا المعطى، يقتضي للإلمام به، توضيح طبيعة الخبرة ونطاق اختصاصها (الفقرة الأولى )، وتحديد مدى إلزامية الاستعانة بأهل الاختصاص في الخبرات العقلية (الفقرة الثانية ).

الفقرة الأولي: نطاق اختصاص الخبرة وطبيعتها

لقد تعددت الآراء الفقهية التي حاولت التصدي لإظهار طبيعة الخبرة من خلال الدور الذي ما فتئت تلعبه في مجريات سريان الدعوى العمومية، كما اختلفت وجهة نظر القانون المغربي ومعه الاجتهاد القضائي في تحديد هذه الطبيعة (البند الأول).

غير أن القول بأن نطاق اختصاص الخبرة هو توضيح تلك المسائل التقنية التي قد تعترض القاضي أثناء نظره في الدعاوي المختلفة، هو أمر وقع عليه إجماع كافة هذه الأطراف (البند الثاني ).

البند الأول: نطاق اختصاص الخبرة

إن مناط أعمال الخبرة والجدوى من ورائها هو الاشتغال على المسائل التقنية التي تعن للقاضي أثناء النظر في الدعاوي المختلفة ([154]). ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تمتد إلى مناقشة وجه من أوجه العمل القضائي، وهو ما أكده المشرع المغربي في الفقرة الأخيرة من الفصل 195 من قانون المسطرة الجنائية، التي جاء فيها ” يجب أن توضح دائما في المقرر الصادر بإجراء الخبرة مهمة الخبراء التي لا يمكن أن تنصب إلا على دراسة مسائل تقنية “.

فنطاق إجراء أية خبرة قضائية يتعين أن تتقيد بإشكالات فنية تتطلب دراية خاصة، لا يأنس القاضي في نفسه القدرة على الإحاطة بها ولا يستطيع أن يشق إليها طريقه بنفسه.

وهو المعطى الذي توحدت عليه كافة التعريفات التي صيغت للخبرة والتي أجمعت على أنها إجراء من إجراءات التحقيق يكلف به القاضي أحد المختصين من الخبراء لتنوير معارفه ومساعدته على فهم ما استشكل عليه من مسائل ذات صبغة تقنية أو فنية برزت له بمناسبة البت في إحدى القضايا المعروضة عليه ([155]). ولعل المتمعن في هذا التعريف يستشف أن الخبير لا يمكنه إبداء الرأي إلا في مسألة تقنية أو فنية مما يدخل في نطاق اختصاصه بمقتضى ما تلقاه من تكوين معرفي وعلمي خاص، ولا ينبغي له تجاوز ذلك للخوض في مسائل قانونية مما يدخل في نطاق اختصاص القاضي، ونفس الشيء يقال بالنسبة لهذا الأخير، الذي لا يمكنه تفويض سلطته القضائية للخبير بأن يطلب منه إبداء الرأي في مسألة خارجة عن نطاق ما تلقاه من معرفة علمية وتتعلق بإشكالات قانونية يبقى الملزم دون غيره بإيجاد حلول لها. كأن يطلب منه مثلا تحديد أركان الجريمة أو مرتكبيها أو إظهار العلاقة السببية بين الفعل والضرر، أو تقدير درجة المسؤولية الجنائية في حالة الخبرات العقلية. إذ أن تلك الأمور هي من اختصاص القضاء لا يمتد إليها اختصاص الخبير ولا يتسع لها نطاق الخبرة. أما ما يتعلق بإثبات وجود الخلل العقلي لدى المتهم بتزامن مع ارتكابه للأفعال المنسوبة إليه أو قبل ذلك أو بعده، أو عدم وجوده، فهو بلا جدال، مسألة تقنية لا يجدر بالقاضي الجنائي التصدي للجواب عنها بالإيجاب أو النفي بنفسه. وإنما يكون عليه الاستعانة بأهل الخبرة من الأطباء والأخصائيين النفسيين لاستيضاح هذه المسألة وتسليط الضوء عليها. وهو الأمر الذي استقر عليه الاجتهاد القضائي ولم يثبت أن تضاربت الأحكام الصادرة عن محكمة النقض – المجلس الأعلى سابقا – بخصوص هذه النقطة وهي كثيرة ومن ذلك ما جاء في أحد قراراتها ([156])، والتي جاء في حيثيتها المعتمدة لنقض وأبطال القرار المطعون فيه بالنقض ما يلي:

“وحيث أن الأمر يتعلق بمسألة طبية دقيقة لا يكون فيها الجزم إلا لمن تتوفر فيه الخبرة في ذلك الميدان، وأن المحكمة عندما اعتبرت الطاعن متمتعا بكامل قواه العقلية وأعرضت عن استدعاء الطبيبين المطلوب الاستماع إليهما، وبرفضها اللجوء إلى خبرة لاستجلاء الحقيقة، واعتمادها فقط على كون أجوبة المتهم كانت واضحة ومفهومة ولا توحي بأي اضطراب تكون قد أبدت رأيها في موضوع لا دراية لها به ودون الاستعانة بذوي الاختصاص في هذا الميدان، علما أن المطلوب هو حالة المتهم وقت ارتكابه الفعل الجرمي، مما تكون معه قد عرضت قرارها للنقض والإبطال “.

وهذه الحيثية تتكرر دائما في العديد من القرارات القضائية الصادرة عن محكمة النقض باختلافات طفيفة لا تأثير لها على جوهر الفكرة التي رسختها هذه الجهة القضائية تماشيا مع القصد الصريح للمشرع المغربي الوارد في الفقرة الأخيرة من الفصل 195 من قانون المسطرة الجنائية والتي مفادها أن الخبرة لا يمكن أن تنصب إلا على دراسة مسائل تقنية.

البند الثاني: طبيعة الخبرة

لقد اختلفت آراء فقهاء القانون في معرض تناولهم لطبيعة الخبرة، وذهبوا في ذلك مذاهب شتى ([157]) حيث أورد الفقه القانوني مجموعة من النظريات التي اعتمدها الفقهاء لتحديد طبيعة الخبرة كل على حسب فهمه وتقديره. ومن أهم الأقوال التي قيلت في ذلك أنها وسيلة من وسائل الإثبات ( أولا)، ثم كونها وسيلة لتقدير دليل إثبات (ثانيا )، وأنها إجراء مساعد للقاضي ( ثالثا )، وأخيرا أنها شهادة فنية (رابعا ).

أولا: الخبرة وسيلة من وسائل الإثبات

والمقصود بطبيعة الخبرة لدى القائلين بهذه النظرية أنها مصدر من مصادر الأدلة ووسيلة إثبات تهدف إلى الكشف عن وقائع مجهولة من خلال واقع معلوم ([158]) عن طريق تتبع إجراءات معينة منصوص عليها في القانون تمكن من إيجاد الحجة والدليل للتحقق من وقوع الجريمة. فالخبرة هي الوسيلة ورأي الخبير هو الدليل يضعه بين يدي القاضي ليساعده في الكشف عن الحقيقة اعتمادا على ما توفر لديه من دراية علمية لا تتوافر لدى القاضي ([159]). وهذا هو الرأي الغالب عند الفقهاء، غير أن الكثير منهم لم يميز بين الخبرة كوسيلة من وسائل الإثبات أو كدليل من أدلته، حيث مزجوا بين القولين واعتبروهما شيئا واحدا يمثلان معا طبيعة الخبرة.

ثانيا: الخبرة وسيلة لتقدير دليل إثبات

يستند القائلون بهذا الرأي إلى أن الخبرة ليست وسيلة إثبات، لأنها لا تهدف إلى أيجاد دليل إثبات أو خلقه، ولكنها وسيلة لتقدير سلامة عنصر إثبات قائم أصلا في الدعوى، غير أنه يصعب على القاضي استنباطه أو اعتماده باعتباره يكتسب صبغة تقنية، وهو ما يظهره بمظهر العنصر الغامض والحالة المستعصية على تقديره بمعارفه القانونية، الشيء الذي يلزمه ويدفعه إلى انتداب ذوي الاختصاص من الخبراء ممن يتوفرون على دراية تقنية وعلمية خاصة، تمكنهم من توضيح ما صعب فهمه على القاضي، فيكون دور الخبرة عند القائلين بهذه النظرية ليس البحث عن الدليل، وإنما تقدير سلامة دليل قائم أصلا في الدعوى ([160]).

ثالثا: الخبرة إجراء مساعد للقاضي

تقوم هذه النظرية على أساس أن المادة موضوع الخبرة تكون موجودة أصلا في الدعوى غير أنها تحتاج إلى معرفة تقنية خاصة لفهم مغزاها واستنباط ما قد توفره من معلومات قد تؤثر في قناعة القاضي الشيء الذي يدفع بهذا الأخير إلى طلب مساعدة ذوي الاختصاص لإتمام معلوماته بخصوص النزاع المعروض عليه ([161])، وأعانته على فهم واستيضاح ما استشكل لديه منها، من هنا كانت الخبرة عند أنصار هذه النظرية إجراء مساعدا للقاضي يستعين بها على فهم بعض الوقائع الغامضة التي تكون موجودة أصلا في الدعوى.

رابعا: الخبرة شهادة فنية

وأساس هذه النظرية اعتبار الخبرة نوعا من الشهادة الفنية يقوم بها الخبير بعد انتدابه من المحكمة ويضمنها في تقريره الطبي، ولا تزال هذه النظرية تجد لها صدى في القانونين الإنجليزي والتركي ([162]) غير أنها لاقت معارضة شديدة من بعض الأوساط الفقهية التي تناقلتها، كالفقه المصري اعتمادا على أنه لا قياس مع وجود الفارق، فلكل من الخبرة والشهادة طبيعته الخاصة. فالشهادة هي ” ما يدلي به الغير من أقوال في شأن واقعة منتجة في الدعوى، بشرط أن يكون إدراكه لما يشهد به، قد تم عن طريق إحدى حواسه” ([163])، كما عرفها أحد الفقهاء اختصارا بأنها تلك” المعلومات التي يقدمها لمصلحة التحقيق شخص من الغير” ([164])، في حين أن الخبرة هي إجراء القضائي تلجأ إليه المحكمة لاستبيان وقائع ذات صبغة تقنية معروضة عليها في الدعوى. ولم نجد لهذه النظرية أثرا في الفقه المغربي ومرد ذلك – في اعتقادنا- إلى عدم سداد هذا الرأي في نظره.

أما المشرع المغربي ورغم إحالته على مقتضيات الاستماع إلى الشهود للتقيد بها أثناء الاستماع إلى الخبراء في المادة 209 من قانون المسطرة الجنائية ([165]) فإن قصده – في نظرنا – لم يكن اعتبار الخبرة نوعا من الشهادة بقدر ما نظن أن إحالته تلك، تعني اعتبار الخبرة عنصرا من عناصر الإثبات مثلها مثل الشهادة.

أما الاجتهاد القضائي المغربي فقد درج على اعتبار الخبرة وسيلة من وسائل الإثبات وأجراء من إجراءات التحقيق، حيث جاء في أحد قرارات محكمة النقض ([166]) ” حيث… إنه وقع الاعتداد بالخبرة العقلية التي أمر بها حكم 25 ماي 1958، وإنه وإن كانت صيغة بناء على الخبرة العقلية التي وقع إجراؤها موجزة بشكل مؤسف، إلا أنها تثبت على نحو كاف أن المحكمة راعت عند الأخذ بمسؤولية المتهم الجنائية الكاملة ما توصل إليه إجراء التحقيق هذا….”.

وفي نفس السياق صدر عن محكمة النقض -المجلس الأعلى سابقا – قرارها الذي جاء فيه ” وحيث أنه من جهة أخرى فإن الخبرة ليست هي المقصودة بالذات وأنها لا تقضي ولا تبرم، و إنما هي وسيلة من وسائل الإثبات تلجأ إليها المحكمة عند الضرورة لتستعين بها وعلى ضوئها في إصدار قرارها النهائي الذي وحده يقول كلمة الفصل ” ([167])، فالراجح إذن في الاجتهاد القضائي المغربي أنه عد الخبرة وسيلة من وسائل الإثبات.

والواقع أن المتتبع لماهية الخبرة وطبيعتها القانونية قد يقف عند كل خاصية من خصائص هذه النظريات في أحد جوانبها ويفقدها في جوانب أخرى، فقد تظهر في بعض الأحيان بمظهر وسيلة إثبات في الدعوى عندما تؤدي إلى خلق دليل قد يعتمده القاضي في تكوين قناعته والحكم وفق ما ثبت لديه منها، وقد تستعمل في أحيان أخرى لتقدير سلامة دليل إثبات قائم في الدعوى كالاعتراف أو الشهادة، وقد تتخذ شكل شهادة فنية يدلي بها الخبير أما القاضي في مجلس القضاء لتبصيره بوقائع يجهلها، وتعرف إليها هو بفضل تكوينه التقني والعلمي.

غير أن الراجح في نظرنا هو اعتبار الخبرة إجراء مساعدا للقاضي يستعين به على فهم واستيضاح بعض الوقائع التقنية الموجودة أصلا في الدعوى والتي قد تعترضه أثناء البث فيها وتدفعه إلى تكليف ذوي الاختصاص من الذين يتوفرون على دراية علمية وتقنية لمساعدته على فهم تلك الوقائع، واستنباط الوسائل والمعلومات التي قد تعينه في الفصل في الدعوى وتحقيق العدالة.

ففي مجال الخبرات العقلية يستعين القاضي بالخبير النفسي لمساعدته على تحديد درجة المسؤولية الجنائية عند المتهم عبر توضيح نوع الخلل العقلي الذي أصيب به فأفقده إدراكه أو إرادته أو أضعفهما لديه عند ارتكابه للأفعال المنسوبة إليه، تمهيدا لإصدار الحكم العادل الذي يتناسب مع درجة المسؤولية التي كان عليها وقت اقترافه لهذه الأفعال الانحرافية ([168]).

الفقرة الثانية: إلزامية الاستعانة بأهل الاختصاص في الخبرات العقلية

الأصل في الخبرة أنها جوازيه ولا إلزامية فيها. فهي إمكانية خولها المشرع لهيئات التحقيق والحكم للاستعانة بالخبراء لتوضيح ما قد يعن لهم من مسائل تقنية أثناء النظر في القضايا المختلفة لا تدخل في نطاق اختصاصهم القانوني، وتتطلب دراية علمية خاصة. هذه الصبغة الجوازية التي سبق لمحكمة النقض- المجلس الأعلى سابقا- أن أعلنت موقفها الإيجابي منها في عدة قرارات، حيث جاء في أحدها أن الخبرة ” وسيلة إثبات تملك معها المحكمة سلطة تقديرية لا تخضع فيها لرقابة المجلس وان عدم الاستجابة لطلب إجراء خبرة لا يؤثر في قرار المحكمة وأن السكوت عنه يعد جوابا ضمنيا برفضه ” ([169]).

غير أن جل القرارات التي أتيح لنا الاطلاع عليها والتي أبدى فيها المجلس الأعلى سابقا رأيه بخصوص الدفع الذي أثير أمام المحكمة لعرض متهمين على خبرة عقلية بغية التأكد من مداركهم العقلية، والذي أعرضت عن الاستجابة له وقضت برده، أثبت أن هذه الجهة القضائية تتجه نحو إرساء دعائم اجتهاد قار، يقضي بضرورة الاستجابة لمثل هذه الدفوع كلما تمت إثارتها من طرف فرقاء الدعوى العمومية وأثناء سريانها مشترطة في ذلك توفر مجرد بداية حجة قد توحي بوجود اختلال عقلي أو اشتباه بذلك، حتى لا تتعارض مع سابق ما ذهبت إليه في بعض القرارات من كون أن المحكمة غير ملزمة بأن تستجيب للخبرة التقنية، بعد أن عللت رفضها تعليلا استخلصته من ظروف المتهم والحالة التي كان عليها وقت استنطاقه، مثمنة بذلك رفضها الاستجابة لطلب إجراء خبرة عقلية لمجرد إثارتها من قبل الدفاع دون أن يعزز طلبه بما قد يؤكد فرضية وجود ضرورة لمثل هذا الطلب ([170]).

وهذا الرأي الأخير وان كان يستند إلى مرجعية فقهية، حيث ورد في موسوعة الفقه والقضاء في الطب الشرعي للأستاذين شريف الطباخ وأحمد جلال أن “محكمة الموضوع غير ملزمة بإجابة الدفاع إلى ما يطلبه من ندب خبير لتقدير حالة المتهم العقلية، ما دامت قد استبانت سلامة عقله من موقفه من التحقيق ومن حالته بالجلسة، ومن إجاباته على ما وجهته إليه من الأسئلة ومناقشته للشهود، فقد يرى بأن الأمر من الوضوح بحيث يستطيع البث فيه بنفسه ” ([171])، إلا أنه اشترط تسبيب قرار رفض الاستجابة لملتمس إجراء الخبرة العقلية، حيث يتقيد القاضي عند رفضه الاستعانة بخبير أو الدفع بامتناع المسؤولية بتسبيب رفضه تسبيبا كافيا ([172]).

وهذا التوجه ينسجم مع ما أقره المشرع المغربي في الفقرة الأخيرة من المادة 194 من قانون المسطرة الجنائية عندما أشار إلى أنه ” إذا ارتأى قاضي التحقيق أنه لا موجب للاستجابة للطلب الخاص بإجراء الخبرة، فعليه أن يصدر بذلك أمرا معللا..”، وبالنسبة لمحكمة الموضوع فإن ضرورة تسبيب الأحكام يقتضي منها الجواب على مثل هذه الدفوع تحت طائلة تعرضها للنقض والإبطال لعلة نقصان التعليل أو فساده.

غير أنه ومن واقع استقراء فحوى مجموعة من القرارات التي تواتر صدورها عن محكمة النقض في مادة الخبرة العقلية يتبين أن القضاء المغربي ممثلا في أعلى هيئاته، يحاول الترسيخ لاجتهاد قانوني هام، هو إلزامية استشارة المتخصصين
من الخبراء النفسانيين كلما أثيرت أثناء سريان الدعوى العمومية مسألة التثبت من القدرات العقلية للأشخاص المتابعين والمتهمين بارتكاب أفعال إجرامية. وكان ملف القضية يتوفر على بعض الحجج الأولية التي قد تؤسس لفرضية وجود مثل هذا الخلل، كالشواهد والوصفات الطبية أو اللفيفيات العدلية المتعلقة بالاختلالات العقلية.

ونسوق على سبيل الاستدلال لتأكيد هذا التوجه الجديد لمحكمة النقض قرارها ([173]) الذي جاء في حيثيته المعتمدة للقول بالنقض والإبطال” حيث أن المحكمة مصدرة القرار المطعون فيه، لما تقدم لها دفاع العارضة بملتمس إجراء خبرة طبية عليها للتأكد من سلامة قواها العقلية، ورفضت الملتمس المذكور بعلة عدم تقديمه إلا أثناء المحاكمة وعدم الإدلاء بأي إشهاد طبي يؤكد واقعة الخلل العقلي المدعى به، وأن اللفيف العدلي المدلى به المتعلق لأثبات الخلل العقلي لا يمكن أن ينهض دليلا لإثباته لعدم تدعيمه بأي ملف طبي، وان الوصفة الطبية المدلى بها من طرف دفاعها لا يمكن الركون إليها لعدم ترقيمها وأدراجها بسجلات المستشفى الحسني بالناظور، وتحريرها من طرف طبيب عام غير مختص، ولا تشير لنوع المرض، ولم يتم الإدلاء بملف طبي من المؤسسة السجنية تكون قد بتت في مسألة فنية بحتة، لا تستطيع بنفسها إبداء الرأي فيها مما كان معه عليها الاستعانة بأهل الخبرة للوصول إلى غاية الأمر فيها، للتأكد من القوى العقلية للمتهمة لتحديد مسؤوليتها التي من شأنها أن ثبتت وجودا أو عدما أو نقصانا أن تغير مجرى العقوبة، والإجراء الذي يمكن أن يصدر في حقها، خاصة وأنها التزمت الصمت التام في جميع جلسات المحاكمة، ولم تتفوه بأية كلمة رغم إلحاح المحكمة عليها بالجواب وأشعارها بأن من مصلحتها الدفاع عن نفسها… وان عدم استجابة المحكمة لمتلمس يتعلق بمسألة فنية من اختصاص الأطباء النفسانيين يعتبر خرقا لحقوق الدفاع أدى إلى فساد التعليل والتناقض فيه الموازي لانعدامه، مما يعرض معه قرارها للنقض والإبطال ” ([174]).

وفي نفس هذا السياق أيضا يندرج قرار آخر ([175]) لمحكمة النقض جاء في إحدى حيثياته ” حيث أن الطاعن تقدم بواسطة دفاعه بملتمس يرمي إلى عرضه على خبرة لتحديد قدراته العقلية والنفسية قبل وأثناء وبعد ارتكاب الفعل، وبالتالي تحديد مدى مسؤوليته الجنائية وعزز ملتمسه بالحالة التي كان يوجد عليها المتهم قبل ارتكاب الفعل وأدلى بشهادة طبية مؤكدا أنه كان يعالج بمستشفى الأمراض العقلية من مرض نفسي، وان المحكمة ردت الملتمس معللة ذلك بما عاينته من حالة المتهم أثناء جلسة المناقشة ولم تعتبر ما قد تكون عليه حالته العقلية وقت ارتكاب الفعل، الأمر الذي جاء معه القرار المطعون فيه ناقص التعليل “.

ولعل ما يؤكد صحة هذا التوجه الذي بدأ يتشكل عبر الاجتهاد القضائي لمحكمة النقض، والذي صار يفرض على القضاة اللجوء إلى أهل الخبرة كلما تعلق الأمر باستيضاح الحالات النفسية لمرتكبي الجرائم الذين يحاكمون أمامهم لتقدير مدى إصابتهم باختلالات عقلية أثرت سلبا على مداركهم أو إراداتهم، وكانت السبب وراء اقترافهم لهذه الأفعال، هو نقضه لقرارات قضائية تجاهلت ملتمسات الدفاع بعرض موكليهم على خبرات عقلية رغم وجود بعض الدلائل في الملف قد توحي بوجود مثل هذه الاضطرابات النفسية لديهم. بل إنه في القرار عدد 1599 المستدل به قضى بنقض وأبطال القرار الاستئنافي للعلة المذكورة رغم عدم الإدلاء بإثباتات طبية سابقة عن ارتكاب الأفعال تفيد إصابة المتهم باختلال عقلي.

المطلب الثالث: مشتملات قرار الخبرة العقلية والنفسية

تعد الأوامر الصادرة عن الجهة القضائية بإجراء خبرات عقلية ونفسية على الجانحين هي المحرك الأول لإطلاق أعمال الخبرة الطبية الشرعية، وفيها يقوم القاضي بتوجيه مجموعة من الاستفسارات ذات الطبيعة التقنية إلى الخبير ليتولى توضيحها والإجابة عنها في تقريره الذي سيوجهه إليه، بعد إنهائه لأشغال الخبرة، ليستنير بها القاضي عند نظره في الدعوى، ويصدر على ضوئها قراراته التي تتناسب وحالات الجانحين النفسية.

غير أنه لوحظ في العديد من القرارات التي تصدر عن المحاكم المغربية بشأن إجراء خبرات عقلية ونفسية، والتي تيسر لنا الاطلاع عليها أن القضاء وإن كان يشدد في الغالب الأعم من الأحيان على تكليف الخبراء النفسيين باستيضاح مدى تأثر ملكتي الإدراك أو الإرادة لدى الجناة بسبب الإصابة بالمرض العقلي، إلا أنه غالبا ما يطلب منهم تحديد درجة المسؤولية الجنائية ([176])، علما أن هذه المسألة هي اختصاص قضائي صميم.

ولسنا نجزم في هذا المقام أن كافة القرارات التمهيدية بإجراء خبرات عقلية الصادرة عن مختلف محاكم المملكة تتضمن مثل هذا التكليف للخبراء، ولكن قسطا وافرا منها لا يسلم من هذه النقيصة، الأمر الذي يصبح معه التساؤل مشروعا حول تحديد الجهة المعنية بتقدير درجة المسؤولية الجنائية (الفقرة الأولى )، وطبيعة أو نوع الأسئلة التي يتعين توجيهها إلى الخبير النفسي في القرار الصادر بإجراء الخبرة (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: الجهة المخول لها قانونا تحديد درجة المسؤولية الجنائية

إن المطلوب من الخبراء النفسيين عند انتدابهم لإجراء فحوصات عقلية ونفسية على المتهمين مرتكبي الأفعال الإجرامية، مساعدة القضاء على توضيح بعض المسائل التقنية المتعلقة بحالتهم العقلية والنفسية التي تبين أنها مصابة بخلل عقلي أثر على إدراكهم أو إرادتهم بشكل كلي أو جزئي دفعهم إلى اقتراف هذه الأفعال. على اعتبار أنهم الأقدر على استيضاح هذه الأمور بفضل التكوين العلمي المتخصص الذي تلقوه بهذا الشأن.

أما مسألة تحديد درجة المسؤولية الجنائية عند الجاني يبقى اختصاصا قضائيا صميما، لا ينبغي تفويته للخبراء. فالقاضي يبقى المؤهل الوحيد للبت في تقدير مدى توفر مرتكب الجريمة على المسؤولية الجنائية، أو انتفائها لديه كليا أو جزئيا، بعد أن يطلع على تقرير الخبير النفسي الذي ينبغي أن يتقيد فيه بإبراز ملامح الخلل العقلي لدى المصاب، وتوضيح درجة تأثيره على إدراكه وأرادته سواء بإعدامهما كليا، أو بأضعافهما والتشويش عليهما، أو بعدم المساس بهما. وعلى ضوء ذلك يتولى القضاء تحديد درجة المسؤولية الجنائية إما باعتبارها منعدمة أو ناقصة أو مكتملة حسب الأحوال، انسجاما مع الخلاصة التي انتهى إليها الطبيب الشرعي في خاتمة تقريره.

وفي هذا الصدد يقول بعض الفقه ” كما أن تقرير حالة المتهم وقت الجريمة هي من المسائل الموضوعية التي تختص محكمة الموضوع بالفصل فيها وليس من شأن الخبير تقرير ما إذا كان الجاني مسؤولا جنائيا عن أفعاله أم غير مسؤول، وإنما تنحصر مهمته في تقدير ما إذا كان مصابا بجنون أو عاهة عقلية من عدمه، وعلى القاضي بعد ذلك أن يستخلص من تقرير الخبير ما لإرادة المتهم من قيمة قانونية ” ([177]).

وهو نفس الرأي الذي تبناه أحد الأخصائيين النفسانيين في معرض حديثه عن المسؤولية الناقصة، حيث أوضح أنه يعود للخبير النفسي مهمة إظهار التصرف المرضي النفسي للجاني ( القاتل ) والعمل على تصنيفه داخل الإطار العيادي الملائم للمرض الذي يعاني منه، وذلك تمهيدا لإظهار مسؤوليته الناقصة، بعد أن يثبت في تقريره أنه كان في حالة ضعف عقلي أثناء ارتكابه للفعل الجرمي أنقصت لديه الإدراك والإرادة، ويتولى القضاء بعد ذلك تحديد مدى توفر المسؤولية الناقصة ([178]).

ونحن – وبدون أن نسقط في التعميم – لا يسعنا إلا أن نعبر عن أسف عميق نستشعره كلما اطلعنا على أوامر قضائية صادرة بإجراء خبرات نفسية، يطلب فيها القضاة من الخبراء تحديد درجة المسؤولية الجنائية للجناة. بل أكثر من ذلك وقفنا على إحدى الحالات العملية التي عرضت على إحدى محاكم المملكة التي بادرت إلى استدعاء الخبير النفسي أمام مجلس قضائها وكلفته بتحديد درجة المسؤولية الجنائية للمتهم بعدما تبين لها إغفاله لتضمين هذه المسألة في خاتمة تقريره ([179]). في حين كان الأحرى تثمين موقف الطبيب النفسي الذي لم يشر إليها احتراما منه لحدود اختصاصه. علما أن مسألة استدعاء الخبراء النفسيين للإدلاء بشهاداتهم في مجلس القضاء هو إجراء لا نملك إلا أن نعتز به ونشجع عليه، لما فيه من فائدة حقيقية لتوضيح العناصر الغامضة التي قد تعتري الحالة النفسية للمتهم. غير أنه يتعين أن تتمحور الأسئلة الموجهة إليه حول نوع وطبيعة المرض العقلي وتأثيره على الإدراك أو الإرادة وتزامن ذلك مع اقتراف الفعل الجرمي. ثم يأتي بعد ذلك يأتي دور القاضي في تحديد المسؤولية الجنائية، على ضوء ما أدلى به الخبير النفسي من توضيحات شفهية أو كتابية.

ولعل القول بغير ذلك يعد تنازلا من القضاة عن اختصاصهم القضائي للبت في هذه المسألة، وعن حقهم في مناقشة محتويات الخبرة، وإضفاء المراقبة القضائية عليها، هذه المراقبة التي قد تصل حد استبعادها إذا لزم الأمر، فالقاضي يبقى هو الخبير الأعلى في الدعوى، وهو بهذا التفريط يبوأ الخبير هذه المكانة ويجلسه مكانه في مجلس القضاء.

الفقرة الثانية: حول الأسئلة التي يتعين توجيهها إلى الخبراء النفسانيين

إن الأسئلة التي يتعين توجيهها للخبراء ينبغي أن تستجيب لمقتضيات الفصول 135-134-132 من القانون الجنائي، من حيث إبراز درجة التأثير التي لحقت الإدراك أو الإرادة لدى مرتكبي الجرائم عند اقترافها نتيجة ما لحق بهم من اختلالات في قواهم العقلية، هذا التأثير الذي قد يكون كليا يعدم الإدراك أو الإرادة، وقد يكون جزئيا يضعفهما وينتقص منهما.

كما يتعين أن تنصب هذه الاستفسارات كذلك على درجة ما يمثلها المصاب من خطورة على المجتمع ومدى قابليته لتلقي عقوبة جنائية، وذلك حتى يتسنى للمحكمة تطبيق المقتضيات الواردة في الفصول 76-77-78-79 من القانون الجنائي بخصوص إيداع هؤلاء الجناة المرضى الذين قد يشكلون خطورة محتملة على محيطهم الاجتماعي بمؤسسات العلاج من الأمراض العقلية، أو إنزال عقوبات جنائية تتناسب وحالاتهم المرضية، وختاما يتعين تكليف الخبراء بالإجابة عن مدى إمكانية شفاء هؤلاء المتهمين و إعادة إدماجهم وزرعهم من جديد في الوسط الاجتماعي الذي ينتمون إليه.

وهي نفس الأسئلة التي اتفق علماء النفس والمتخصصون من الباحثين في هذا الميدان على تضمينها بالأوامر القضائية الصادر بإجراء خبرات نفسية، والتي يكون خبراء الطب النفسي مطالبين بالإجابة عنها ([180]). وفي هذا يقول الأستاذ أدولف رييولط ” يطلب القاضي من الخبير أن يرشده في حالة ما إذا أدى الفحص إلى اكتشاف خلل عقلي أو نفساني له ارتباط لإصابات مرضية (صرع مثلا) وهل للجريمة المقترفة علاقة بهذه الحالة المرضية العقلية وهل حال مرتكب الجريمة تشكل خطرا، وهل من الممكن تطبيق العقاب الجنائي عليه، وأخيرا هل يمكن أن يعالج أو يعاد إدماجه ([181])، وهي تقريبا نفس الاستفسارات التي يتعين توجيهها إلى الخبراء والتي أوردها الأستاذ أحمد الحمداوي بشكل تسلسلي في مؤلفه – مسؤولية القاتل العادي والمرضي – وذلك على النحو الآتي ([182]):

” ويتعين على الخبير الإجابة على الأسئلة التالية:

هل الفحوصات الطب نفسية والنفسية تظهر عند المتهم اختلالات عقلية أو نفسية؟ والى أي تصنيف ترجع ؟([183])

هل المخالفة المنسوبة إليه لها علاقة بهذا النوع من الاضطرابات؟

هل يمثل المتهم حالة خطرة؟

هل هو قابل لأن يعرض لعقوبة جنائية؟

هل يمكن إعادة إدماجه وعلاجه؟

تلك إذن هي مجموعة من الأسئلة التي يحسن بالقضاة توجيهها إلى الخبراء النفسانيين لاستيضاحها والإجابة عنها، والتي يكون من شأن إظهارها وحسن الإجابة عنها، تعبيد الطريق أمام القاضي لتحديد درجة المسؤولية الجنائية. مع إمكانية إضافة أي استفسار آخر يصب في هذا المنحى كتحديد زمن هذا الاختلال العقلي مثلا، ومدى تزامنه مع اقتراف الجريمة ولو أن ذلك يعد تحصيل حاصل عند الجواب عن السؤال الثاني المتعلق بنوع العلاقة التي تربط الاختلالات العقلية الملاحظة مع نوع المخالفات والجرائم المرتكبة.

ولقد صار معروفا في العمل القضائي أن الأسئلة التي يتم توجيهها إلى الخبراء تتنوع من قاض إلى آخر، كما أن جل القضاة المغاربة لا يتقيدون في أوامرهم الصادرة بإجراء خبرات عقلية بطرح هذه الأسئلة بشكل تسلسلي أو حتى متقطع، بل إن الكثير منهم يقوم باختزال هذه الأسئلة في سؤال واحد يتنازل فيه عن اختصاصه القضائي في قياس درجة المسؤولية الجنائية كما هو الشأن في أحد النموذج العملية التي وقفنا عليها أثناء البحث الميداني في هذا الموضوع والذي اكتفت فيه هيئة المحكمة في قرارها الصادر بإجراء خبرة نفسية بالاقتصار على تكليف الخبير بتحديد درجة المسؤولية الجنائية أثناء ارتكاب الأفعال المنسوبة إليه ([184]). ونحن نتساءل كيف يمكن لمحكمة الموضوع، أن تمارس اختصاصها القضائي بتحديد درجة المسؤولية الجنائية عند الجاني و إقرار إيداعه بمؤسسة للعلاج أو إنزال العقوبة كاملة أو مخففة به، ومناقشة تقرير الخبرة ومقارنته بباقي عناصر الدعوى، من خلال الجواب الذي قد يأتي به الخبير النفسي على مثل هذا السؤال اليتيم- والذي سبق أن أوضحنا عدم دقته.

ولا يسعنا إلا أن نتطلع إلى اليوم الذي سيتولى فيه العمل القضائي توحيد صيغة الأسئلة الموجهة إلى الخبراء، بأن تتضمن الاستفسارات التي أجمع علماء النفس على جدوى طرحها عليهم، وسنكون حينئذ أمام قرارات مثالية لإجراء خبرات نفسية متكاملة.

المبحث الثاني

أعمال الخبرة الطبية في الأمراض العقلية والنفسية

يتضمن هذا المحور من البحث الوجهين النظري والعملي لعلم الطب النفسي الشرعي، الذي يقوم فيه الخبراء والأطباء النفسانيين بلعب الدور المحوري في مساعدة القضاء على تحديد درجة مسؤولية الجناة و إبراز تمظهرات الفعل الجرمي على الضحايا، وتقدير مدى المعاناة التي تكبدوها جراء تعرضهم لأضراره المادية والمعنوبة، مع إفراغ كل ذلك في قالب عملي يتمثل في تقارير شرعية، تصاغ وفق فقرات معينة تتضمن وجهة النظر الطبية النفسية في شكل أجوبة على انتظارات الهيئة القضائية وأسئلتها التي اشتمل عليها قرارها المتعلق بانتداب أطباء نفسيين بإجراء خبرات عقلية. ولا تنحصر أعمال الخبرة النفسية على الجناة مرتكبي الأفعال الإجرامية فقط (المطلب الأول )، بل تتعداه إلى ضحايا هذه الأفعال من خلال تقدير الأضرار النفسية اللاحقة بهم ومساعدتهم من الناحية النفسية على مواجهة المجتمع وتتبع المسطرة القضائية والمحاكمات التي قد يشكلون طرفا في إجراءاتها (المطلب الثاني ).

المطلب الأول: أعمال الخبرة النفسية على الجانحين

يكون الخبير النفسي بالإضافة إلى إجراء أعمال الخبرة النفسية على الجانحين ( الفقرة الأولى ) مطالبا باكتشاف أي تصنع لادعاء مرض عقلي أو توتر نفسي، قد يلجأ إليه الجناة في محاولة يائسة للتملص من مسؤوليتهم الجنائية والحيلولة دون إنفاذ العقاب عليهم ( الفقرة الثانية ).

الفقرة الأولي: أعمال الخبرة النفسية

إن المقصود بأعمال الخبرة النفسية تلك الأدوات والأساليب التي يستخدمها الأطباء النفسيون ومعهم خبراء علم النفس لتشخيص الأمراض العقلية والنفسية التي يدعي مرتكبوا الأفعال الإجرامية الإصابة بها، ويتجلى جوهر مهمة الخبير النفسي في إعداد واستخلاص إجابات وافية وواضحة على الأسئلة التي تضمنها قرار انتدابه لإجراء فحوصات عقلية ونفسية على متهم بارتكاب أفعال انحرافيه إذ يكون مطالبا بتبيان ما إذا كان الخلل العقلي الذي لوحظ عليه يرتبط بحالات مرضية، وإظهار نوع العلاقة التي تربط الجريمة المنسوبة إليه بهذا المرض العقلي، ومدى تقبله لعقوبة جنائية مع تحديد درجة خطورته وتقدير نسبة نجاح إعادة إدماجه في وسطه الاجتماعي ([185])، على النحو الذي بيناه آنفا عند حديثنا عن مشتملات القرار القضائي بإجراء الخبرة العقلية.

وفي سبيل ذلك يتعين عليه إجراء كافة الاختبارات والفحوصات الطبية النفسية التي خبرها وعلمها انطلاقا من تكوينه العلمي والأكاديمي، للتأكد من مدى تأثر الصحة العقلية للمتهم مقترف الجريمة الذي يدعي إصابته بمرض نفسي شوش على إدراكه أو إرادته، وبالنظر إلى خصوصية هذا المرض النفسي في أعراضه و أسبابه وآثاره وطرق علاجه، باعتباره يستهدف الوظائف المعرفية عند الإنسان مثل الإدراك والتركيز والقدرة على اتخاذ القرار والاستبصار بالمرض ([186])، فإن الأطباء النفسانيين مدعوون أكثر من غيرهم إلى توخي أقصى تدابير الحيطة والحذر في تعاملهم مع هذا النوع من المرضى الذين قد لا يشتكون من مرضهم، وكثيرا ما يتعايشون مع أعراضه وعلاماته أقرب إلى الأسوياء منهم إلى المرضى.

ولما كان العلاج النفسي هو طريقة علاجية للاضطرابات النفسية باستخدام الوسائل السيكولوجية المختلفة ([187])، والتي تلعب فيها الكلمة الدور الرئيسي في العلاج، على اعتبار أن تأثيرها في المرض لا يقل عن تأثير الدواء في الداء ([188])، فان مساعدة القضاء على استخلاص درجة المسؤولية الجنائية عند الجناة لا تخرج عن هذا الإطار، فهي تنبني على عنصر المقابلة Entretien الذي يشكل أساس التحليل النفسي المعتمد في علاج الأمراض النفسية ([189])، وهو نفسه الأداة الأولى التي يعتمدها الخبير النفسي في إجراء خبرته الطب – نفسية والتي تتخذ مسميات أخرى من قبيل الحوار أو الاستنطاق، بالإضافة إلى أدوات أخرى يتعين عليه الإلمام بها والاطلاع عليها في أفق إنجاز تقريره الطبي الشرعي الذي سيوجهه إلى ساحة القضاء وذلك وفق النقاط التالية:

البند الأول: الاطلاع على وثائق القضية

وهي أولى الخطوات التي يتعين على الطبيب النفسي سلوكها للتعرف إلى الظروف المحيطة بمحاكمة المتهم المشتبه إصابته بخلل عقلي أفقده الإدراك أو الإرادة أو شوش عليهما، ودفعه إلى ارتكاب الجريمة وذلك من خلال الاطلاع على محضر الضابطة القضائية وما تضمنه من تحريات عن حالة المريض وسوابقه ([190])، وكذا الدوافع التي دفعته إلى اقتراف الجريمة، إذ في ظل غياب أي دافع لها يمكن استخلاص علامات المرض العقلي ([191]). ويقوم كذلك بالاطلاع على ملتمسات النيابة العامة وقرارات قاضي التحقيق ومحاضره المختلفة، للوقوف على تصريحاته إبان مرحلة البحث التمهيدي والتحقيق الإعدادي وردود أفعاله أثناء المحاكمة، والظروف والملابسات التي دفعت بالجهة الآمرة بإجراء الخبرة إلى الإقدام على هذه الخطوة، مع الاطلاع على مشتملاتها والأسئلة المطلوب استيضاحها والإجابة عنها في تقريره الشرعي.

البند الثاني: الاطلاع على الملف الطبي

وهي خطوة يهدف من ورائها الخبير إلى معرفة التاريخ المرضي للمشتبه فيه عبر الاطلاع على الشواهد الطبية والوثائق الاستشفائية والعلاجية التي تم إرفاقها بملف القضية، للوقوف على حقيقة المرض العقلي الذي يعاني منه، أو المعاناة النفسية التي يشتكي منها وما تلقاه من تدخلات علاجية للتخفيف من هذه المعاناة وما إذا كان قد سبق له الدخول إلى إحدى المستشفيات العقلية، لأن ذلك قد يكون محل اعتبار لاكتشاف وقوع انتكاسة في حالته الصحية ([192])، والتي قد تكون وراء قرار المحكمة القاضي بعرضه على خبرة طبية لتحديد مسؤوليته الجنائية.

البند الثالث: التواصل مع المحيط العائلي للمصاب

ويتم ذلك عبر عقد جلسات مع أقارب المريض وأصحابه ومعارفه ولا ينبغي أن يقتصر الأمر على مصدر واحد فقط ([193]) وتكون غاية الخبير في ذلك التعرف إلى الوسط العائلي للمريض ومحيطه الاجتماعي، والحصول على أكبر قدر من المعلومات المتعلقة بحالته المرضية وظروفه العائلية وعلاقته بالآخرين قصد الإفادة منها فيما بعد، أثناء استنطاقه له.

ويتعين على الخبير عند تقصيه للتاريخ العائلي للمريض من خلال التواصل مع أفراد عائلته التزام الحذر والحيطة، فالأمر قد يكون في غاية الحساسية إذ كثيرا ما يعمد الأهل إلى إخفاء ما قد يكون في العائلة من أمراض عقلية وانحرافات سلوكية سابقة تحت ضغط الحرج الاجتماعي أو بالإلقاء باللائمة لطرف على آخر، فعائلة الأب قد تلقي باللوم على عائلة الأم والعكس صحيح أيضا ” ويتعين أن تستهدف أسئلته كذلك البحث عن كل اضطراب عقلي أو مرض جسدي في العائلة إلى ثلاثة أجيال سابقة على الأقل ([194]) إذ كثيرا ما يكون العامل الوراثي أحد الأسباب التي ينشأ عنها المرض العقلي والذي قد يتوارثه الأبناء عن الآباء خلال أجيال طويلة ([195]) غير أن ذلك لا يمكن أن يؤخذ على سبيل اليقين وإنما من باب الاحتمال، وكل ذلك من اجل استعداد أحسن لتفهم الحالة النفسية الراهنة للمريض.

البند الرابع: مقابلة المريض ومحاورته

إن جل أعمال الخبرة النفسية تتم عن طريق المحاورة والتخاطب. فالطبيب النفسي هو طبيب حوار بالدرجة الأولى، كما أن الحديث مع المريض والتحاور معه يشكل ركيزة أساسية لتشخيص المرض وعلاج المصاب من مرضه النفسي. ([196]) غير أنه يحسن بالطبيب الخبير أن يتفادى ما أمكنه في البداية التحدث مع المتهم حول موضوع الجريمة التي هو متهم بارتكابها، وذلك حتى يعطيه الثقة والاطمئنان ([197]) إلا إذا استرسل هذا الأخير في الحديث عن ذلك من تلقاء نفسه. ونفس الشيء ينطبق أيضا عند استفساره عن مرضه النفسي، إذ ينبغي أن يكون ذلك بطريقة مهذبة ولبقة بعيدة عن السؤال المباشر، ويشمل الاستفسار السؤال عن تاريخ المرض الحالي، عن بدايته وأعراضه وعلاماته، ثم عن عاداته وظروفه العائلية وعلاقته بأسرته وبالآخرين، وعن طفولته وأطواره الجنسية، وما قد يكون قد ظهر عليه من انحراف أو شذوذ أو أي مرض عقلي أو جسدي سابق ([198]). ولا يجب بناء أية استنتاجات من وقائع الجلسة الأولى مع المريض، بل يتعين أن يتم ذلك عبر عدة جلسات تتخللها عدة حوارات في لقاءات متكررة سيما في بعض الحالات الصعبة أو المعقدة ([199])، مع إخضاعه للمراقبة خلال الفترة الفاصلة بين الجلسات.

ويتولى الخبير خلال فترات المقابلة والمحاورة إجراء الفحوصات العقلية للمريض عن طريق فحص سلوكه بملاحظة ملامح وجهه وطريقة ملبسه وهندامه، وتعليقه على ما يحيط به من ظروف، إذ قد يكون التغيير في السلوك أولى علامات المرض العقلي ([200])، سيما إذا لم يكن مبررا كالتحول من الغبطة والسرور إلى الحزن والانطواء، أو من النظام والترتيب إلى الإهمال والقذارة، ويقوم الخبير كذلك بفحص الإدراك عند المريض عبر طرح مجموعة من الأسئلة البسيطة عليه والمتعلقة بإسمه وعمره وعمله وحالته الاجتماعية، وعن طريق ملاحظة إجاباته وسرعتها ودقتها وتواترها ووضوحها، يمكنه استخلاص تصور عن هذا الإدراك ([201]). كما يقوم بفحص قوة التفكير والانتباه عند المريض عبر إجراء اختبارات بسيطة تتعلق بعرض صور غير مكتملة عليه لتحديد جزئها المتبقي وكذا أوراق العملة للتعرف إليها وإلى قيمتها. كما يجري الخبير اختبارات على معلوماته العامة، عبر طرح أسئلة تتناسب ومستواه الثقافي وتحصيله العلمي ([202]). ودائما وباستعمال تقنية التحاور يقوم الخبير بفحص ذاكرة المريض وقوة إرادته بحيث يستغل الخبير في هذا الجزء من الاختبار المعلومات التي استقاها من عائلة المريض لمساءلته عنها، والوقوف على درجة تذكره لها، وعن بعض الأشياء البسيطة التي تحدث له يوميا ومواقيتها كمواعيد الطعام والأكل مثلا، كما يحدد درجة انقياده لما يوجه إليه من إملاءات، ومدى قدرته على التصرف وفق إرادته وتفكيره الذاتي.

والى جانب هذه الفحوصات العقلية يتعين إخضاع المريض لفحوصات جسدية دقيقة لفحص مختلف أجهزة الجسم خاصة ما يتعلق بالجهاز العصبي، باستعمال كافة طرق التشخيص الضرورية بما في ذلك الكشف بالأشعة، سيما وأن هناك بعض الأمراض كالبلاجرا ([203]) مثلا الذي يكون منشأها سوء التغذية لعدم تناول بعض الأطعمة التي تحتوي على الفيتامين “B” كاللحوم والبيض والحليب وتتسبب في اضطرابات عقلية لدى المصاب بها ([204])، ونفس الشيء يقال بالنسبة لمرض الزهري والإصابة العميقة في الرأس. وعند النساء يتعين البحث فيما إذا كانت المرأة في حالة وضع حديث أو إجهاض أو نفاس أو رضاعة وهي حالات قد تكون وراء حدوث مثل هذه الاختلالات المرضية ([205]). كما أن هناك أمراضا عقلية تكون ناتجة عن أمراض عضوية بحيث تستلزم الفحوصات المتعلقة بها أخذ عينات وإجراء التحاليل المناسبة، فلا ينبغي إذن اعتبار الفحص الجسدي إجراء مكملا، بل هو عمل أساسي لا يجب التفريط فيه، فكثيرا ما يعجز الطبيب النفسي في علاج حالة مرضية بسبب إهماله لفحص الجسم ([206]).

هذا وقد يلجأ الطبيب النفسي إلى الاستعانة ببعض الأجهزة والآلات الطبية التي قد تساعد على اكتشاف بعض الأمراض التي من شأنها التأثير على الجهاز العصبي، كجهاز التخطيط الكهربائي الذي يساعد على الكشف عن مجموعة من الأمراض العقلية كمرض الصرع مثلا، وهو اضطراب مزمن يصيب الوظائف الدماغية ويتمظهر على شكل نوبات حادة ومتكررة وفجائية، ويكون من خصائصه إتيان المريض لسلوكات تشنجية أو اهتزازية ([207])، ويقوم هذا الجهاز على تسجيل التغيرات التي تحدث في النشاط الكهربائي للمخ بحيث يختلف الرسم الكهربائي لمخ المصابين بالصرع عن الرسم الكهربائي لمخ الأسوياء، مما يسمح باكتشاف وجود مثل هذا الاضطراب العقلي ([208]). وبعد الانتهاء من كافة هذه الفحوصات يصبح بإمكان الطبيب النفسي الإجابة عن انتظارات المحكمة، وأبداء رأيه بخصوص الأسئلة الموجهة إليه بقصد استيضاحها، ويحسن به تضمين تقريره الموجه إلى القضاء بعض المقتطفات من أقوال المتهم التي اعتمدها في تكوين رأيه والوصول إلى استنتاجاته ([209]).

الفقرة الثانية: تصنع المرض العقلي وادعاء الإصابة به

لعل أكبر التحديات التي تواجه الخبراء النفسانيين عند انتدابهم من طرف القضاء لإجراء فحوصات عقلية على الجناة المعتدين بقصد مساعدته على تحديد درجة مسؤوليتهم الجنائية، هو كشف المتصنعين منهم الذين قد يدعون إصابتهم باختلالات عقلية أو اضطرابات نفسية، في محاولة ماكرة للتنصل من تبعات مسؤوليتهم الجنائية، قصد الإفلات من العقاب وتجنب الجزاء العادل الذي يتعين إلحاقه بهم، إذ بدون العقوبة لا تتحقق العدالة، ولا تسترد كرامتها.

ويكون المظهر الشائع من الخلل العقلي الذي قد يدعيه المتصنعون هو من النوع التهيجي، على اعتبار أن تصنع الإصابة بهذا المرض لا يتطلب دراسة معينة أو معرفة مسبقة، فضلا عن أن فكرة الجنون (المرض العقلي ) عند العامة تقوم على المظهر التهيجي ([210]) حيث يلجأ المتظاهر بذلك إلى الصراخ والتحدث مع نفسه بصوت عال، مع إتيان أفعال وحركات عنيفة لترسيخ هذا التصنع وإتقان هذا الادعاء. أو قد يقوم بتقمص نوبة من نوبات الصرع، سبق أن شاهدها من قبل للتأثير على قرار الخبير النفسي واستدراجه للوقوع في المصيدة التي نصبها له ” وفي غير هذا السياق قد يحبذ متصنع المرض النفسي الظهور بمظهر الحزين المكتئب ([211]) الذي ينزوي في أحد جوانب أو أركان المكان، دون حراك وفي صمت تام، رغم دعوته إلى الحديث والكلام من طرف محاوره ومستنطقه دون أن يجيب أو يستجيب، إمعانا في إتقان دور التصنع المرضي الذي بدأه. وفي وضعية أخرى قد يتظاهر مريض حقيقي بكونه إنسانا سليما لا يعاني من أية اضطرابات نفسية مخافة أن يوضع في مصحة للأمراض النفسية، أكثر من أن يزج به في السجن، فيحاول ما أمكنه الظهور بمظهر العاقل المتزن الذي يدرك تبعات أفعاله ونتائجها ([212]).

ولكشف هؤلاء المدعين المتصنعين، يتعين وضعهم تحت المراقبة المستمرة والسرية لرصد حركاتهم وسكناتهم، فالطبع قد يغلب التطبع في أية لحظة، والاستمرار في حالة الادعاء هو من الأمور شديدة الصعوبة، ولا بد أن يغفل المدعي ولو للحظة واحدة، عن ادعائه فيعود إلى طبيعته، وهي لحظة كافية لإظهار حالته الحقيقية ([213]) واكتشاف تصنعه للمرض، إذ لا يمكن لممثل مهما بلغت درجة حنكته وذكائه، التمادي في اصطناع شخصية مزيفة على امتداد فترات حياته اليومية ([214]).

وقد يلاحظ هذا التصنع أيضا، إذا تبين أن التصرفات المرضية التي يأتيها الجناة لا تنطبق على أعراض المرض الذي يدعون الإصابة به، فمدعي الجنون كما أسلفنا يأتي تصرفات شاذة من صراخ وصياح معتقدا أنها من لوازم الجنون، وهي تصرفات قد لا تتفق مع أعراض الأمراض العقلية المعروفة، لجهل المدعين عادة بالخاصيات المرضية لهذه الاختلالات العقلية، أما إذا كان المتصنع ملما ببعض أعراض هذه الأمراض، فإن الأمر لا يخلو من بعض الصعوبة، ويتعين تذليلها بوضع المدعي مدة طويلة تحت الملاحظة المستمرة دون أن يشعر بأنه خاضع لأية مراقبة ([215]).

ويهدأ المريض الحقيقي من نوبة الهيجان عندما يخاطبه الطبيب أو الملتفون حوله، أما المتصنع فيتمادى في حركاته وتهيجه كلما حاول أحد أن يحدثه أو يكلمه ([216])، وتكون تبعا لذلك درجة حرارة المتصنع مرتفعة نتيجة المجهود الذي بذله في ادعاء المرض، في حين تكون درجة حرارة المريض الحقيقي عادية بل وفي حالات معينة أقل من عادية حتى بعد إصابته بنوبة هيجان ([217]). ويصعب على مدعي المرض الاستمرار في تصنعه طويلا ( أكثر من يومين ) ويخلد إلى النوم إذا جاء الليل ولا يصبر كثيرا على الجوع والعطش، في حين يمكن للمريض الحقيقي الاستمرار في اضطرابه وهياجه من غير نوم لأيام عديدة وربما أسابيع دونما حاجة إلى الأكل والشرب ومن غير أن يناله الهزال بدرجة شديدة، ويكون نومه متقطعا سريع التنبه والاستيقاظ وأكثر هيجانا في الليل منه في النهار على خلاف المتصنع ([218]).

وكما هو الشأن في حالة وجود اختلالات عقلية حقيقية يتعين كذلك في حالة ادعاء المرض العقلي أن يستعين الخبير بالوسط العائلي للمريض المحتمل لمعرفة تاريخ المرض وكيفية ظهور أعراضه وفجائية ذلك من عدمه، فالظهور المفاجئ للمرض العقلي قد يكون دليلا على تصنع المرض، على اعتبار أن أعراض أغلب الأمراض العقلية تظهر بالتدريج ([219]) وعلى مراحل معينة وغالبا ما تسبقها تغيرات في العواطف والأخلاق والأعمال، على خلاف الادعاء بالمرض الذي تبدأ أعراضه على المدعي (المتصنع) بمجرد اقتراف الجريمة التي هو متهم بارتكابها ([220])، فضلا عن أن المريض الحقيقي قد يتصف منذ طفولته بالغباء والبلادة وهو ما قد لا يثبت عند المدعي، الأمر الذي قد يكون معه مفيدا التحري عن طفولته وشبابه ([221])، كما أن مدعي الجنون كثيرا ما يجتهد ليجعل الآخرين يقتنعون بأنه مجنون في حين أن المريض الحقيقي يستشيط غضبا كلما لمح له أحدهم أنه مصاب بخلل عقلي، بل تراه يصف الجميع بالحمق ويرى في نفسه أعقل الناس، وهي وسيلة أخرى يمكن من خلالها تمييز المتصنع من المريض الحقيقي.

هذا وقد طور الخبراء النفسيون ما يسمى بالتجربة العلاجية في اكتشاف حقيقة المرض من الادعاء، وقوامها حقن الشخص بحقنة مورفين بجرعة صغيرة يهدأ معها المدعي مباشرة في حين لا تفيد مع المريض الحقيقي، هذا الأخير الذي يكون كذلك أقدر على تحمل الصدمات الكهربائية والصبر على آلامها وهو شيء لا يطيقه المدعون ([222]).

هذه إذن بعض المعايير التي يمكن من خلالها للطبيب النفسي الشرعي أو الأخصائي النفسي تحديد صدق ادعاء المرض العقلي لدى المتهمين بارتكاب أفعال إجرامية من عدمه، ولعل حنكته وتجربته في هذا المجال قد تكون فاعلة ومفيدة في تشخيص المرض وإظهار أعراضه وعلاقته بالمخالفات المرتكبة، وسدا منيعا يحول دون بلوغ المتصنعين المدعين غايتهم في التنصل من مسؤوليتهم الجنائية وبالتالي الإفلات من العقاب.

المطلب الثاني: أعمال الخبرة النفسية على ضحايا الأفعال الإجرامية

قد يمتد مجال إجراء الخبرة النفسية ليشمل إلى جانب مرتكبي الأفعال الإجرامية، الأشخاص ضحايا هذه الأفعال، وقد تم تعريف الضحية بأنها كل شخص تعرض لضرر ([223]) وفي الميدان الجنائي يتعين أن يكون الضرر ناتجا عن فعل معاقب عليه من طرف مجموعة القانون الجنائي من هنا أمكن القول بأن الضحية هي ذلك الشخص الذي لحقها ضرر بسبب تعرضها لفعل معاقب عليه جنائيا، وقد أجمع علماء النفس وعلماء الإجرام ومعهم رجالات البحث القضائي على أن الاستعانة بخدمات الخبراء النفسانيين في فحص ضحايا الأعمال الإجرامية قد يكون له بالغ الأثر في اكتشاف أبعاد الجريمة وماهيتها ([224])، وخاصة ضحايا الاعتداءات الجنسية التي قد يكون من شأن الإسراع بإجراء فحوصات تقنية عليها، تقدير حقيقة الأضرار المعنوبة اللاحقة بها وتحديد نسبة مساهمتها في اقتراف هذه الأفعال. غير أنه يحسن قبل الخوض في إظهار ماهية أعمال الخبرة النفسية على الضحايا (الفقرة الثانية) التطرق إلى إبراز نوع الخدمات التي قد يكون على الطبيب النفسي إسداءها لضحايا الأفعال الإجرامية (الفقرة الأولى ).

الفقرة الأولى: الطب النفسي وضحايا الأفعال الإجرامية

لاشك أن موقع الضحية كشخص مورست عليه اعتداءات جنائية قد يولد لديها العديد من الاضطرابات والاختلالات من مختلف الأشكال والأنواع، وهو ما قد ينعكس على محيطها الأسري الخاص أو وسطها الاجتماعي العام، مما يجعل من مسألة مراجعة الأخصائيين والأطباء النفسانيين أمرا بالغ الضرورة للتخفيف من الآثار السلبية لهذه الاعتداءات. ويلعب في ذلك الطبيب النفسي دورا محوريا ومزدوجا، وفي الحالتين معا يكون ذلك على جانب كبير من الأهمية، ومسألة الازدواجية التي نقصدها، تتجلي في تقمص الطبيب النفسي لدور الموجه والمصاحب للضحية على امتداد سريان المسطرة القضائية التي قد تكون جارية والتي تعد أحد أطرافها، إلى جانب عمله الأصلي كمعالج وطبيب يروم التخفيف من المعاناة النفسية لمريضه.

البند الأول: الدور العلاجي للطبيب النفسي

إن المهمة الأصلية للطبيب النفسي هي تقديم العلاجات الضرورية لضحية الاعتداء الجنائي عبر تشخيص نوع الأضرار النفسية التي لحقت بها جراء ذلك، وتحديد العلاجات المناسبة لكل حالة على حدة والتي قد تختلف حسب سن الضحية وجنسها ونوع الاعتداء الذي مورس عليها. ويروم الطبيب في ذلك التخفيف من المعاناة اللاحقة بها دون الاعتداد بالجانب القانوني لواقعة الاعتداء، ويكون سبيله في ذلك مضاعفة الاستماع والإنصات إلى الضحية التي تكون في أمس الحاجة إلى إفراغ مكنونات نفسها، عبر التصريح والتعبير عما يختلج في صدرها من معاناة ومكابدة، على امتداد لقاءات قد تكون عديدة ومتكررة، والتي يشكل فيها الاحتكاك الأول اللقاء الأكثر أهمية لاستيضاح معالم الحالة النفسية للضحية وحجم المعاناة التي تكون قد تولدت لديها بشكل قد يؤثر إيجابا على المتابعة اللاحقة لها ([225]).

وتبعا لشكل وهيئة الحوارات التي قد تجمعه بالضحية، يكون الطبيب النفسي مطالبا تارة بإظهار قدرة أكبر على الاستماع والإنصات إليها، أو اختيار التدخل في الحوار الحاصل تارة أخرى على أن يتفادى كل تصرف قد تكون نتيجته مفاقمة الضرر لديها أو تجديده ([226]). ويحسن به في هذا الإطار تنويع الأسئلة التي قد يطرحها عليها، بين ما يتعلق بوقائع قضيتها خاصة، أو اختيار حوارات مفتوحة قد تساعدها في التخفيف من حدة القلق النفسي الذي تعانيه، ودفعها إلى مزيد من التصريح والتعبير، على أن يتحرى الطبيب ما أمكنه في حواراته مع الضحية مخاطبة الجانب الإنساني لديها لاستخلاص أفضل النتائج، وهي الحوارات التي لا ينبغي أن تكون مجرد استنطاق عادي جاف، غايته البحث عن الأعراض المرضية فقط، وإنما هو علاقة بين ذاتين مشتركتين ([227]). ولا يتأتى ذلك إلا بربط جسور وثيقة بين المعالج والمريض، في إطار علاقة مهنية تفاعلية وثيقة ([228])، الشيء الذي يتيح الفرصة أمام الضحية (المريض) التعبير بكل طلاقة عن مشاعرها والإفصاح عن انفعالاتها وأفكارها مما قد يساعد على التخفيف من حدة صراعاتها النفسية الداخلية ([229]).

وخلال هذه اللقاءات المتكررة، قد تحاول الضحية استفسار طبيبها المعالج عن خصائص المسطرة القضائية الجارية، أو التي سيشرع فيها قريبا، فيكون على الطبيب النفسي أن يجيبها إلى استفساراتها وأن لا يتهرب من الإفصاح أمامها عن المعلومات التي قد يتوفر عليها بهذا الخصوص، غير أنه يجب أن يبقى بعيدا عن اختياراتها القانونية إزاء قضيتها، فلا يحاول التأثير على قراراتها بالإفصاح عن وقائع مجهولة تتعلق بموضوع الاعتداء الذي مورس عليها، أو دفعها للانتصاب كطرف مدني أمام القضاء للمطالبة بتعويضات مادية من عدمه، فهي قرارات يتعين أن تكون نابعة عن قناعاتها الشخصية، دون أن تتعرض لأية إملاءات أو إيحاءات من طرفه قد تؤثر على شخصية هذه القناعات ([230]).

البند الثاني: دور الطبيب النفسي أثناء سريان المسطرة القضائية

إن مهمة الطبيب إزاء ضحايا الاعتداءات الجنائية لا تقف عند حدود تشخيص الاضطرابات النفسية التي لحقت بهم من جرائها، أو وصف الطرق العلاجية الأكثر فاعلية لها، وإنما تتعدى ذلك إلى تقمص دور الموجه والمساند لها أثناء سريان المسطرة القضائية التي قد تكون أثيرت من طرفها أو من طرف النيابة العامة. فبالإضافة إلى دوره الاعتيادي في تقديم الرعاية الطبية والعلاجات الضرورية، يتعين على الطبيب النفسي إظهار قدرة خاصة لمساعدة الضحية ومساندتها أثناء سريان المسطرة القضائية، إذ يتحتم عليه مضاعفة الاستماع إليها عبر إبداء كافة أشكال الدعم لها خلال فترة زمنية قد لا تكون قصيرة، بالنظر إلى طول الإجراءات القضائية والتي تشكل مصدر قلق دائم لها. كما يتعين عليه الإلمام بطرق ومساطر المحاكمة القضائية وتأثيراتها المحتملة على الجوانب النفسية للضحية حتى لا تتعارض مع ضروريات عمله العلاجي ([231])، الذي وان لم يؤد بالضرورة إلى شفاء الضحية فإنه لا شك سوف يقوم بالتخفيف عنها وأراحتها من الوجهة النفسية. وفي ذلك يقول المفكر ترودو Trodeau “أن العلاج النفسي يشفي المريض أحيانا ويخفف عنه غالبا ويريحه دوما “([232]).

وخلال مختلف المراحل التي قد تمر منها المسطرة القضائية والتي قد تمتد لزمن غير قصير، يمكن أن تطرح خلالها مسألة مصداقية أقوال وتصريحات الضحية، خاصة في حالة إنكار الجاني للأفعال المنسوبة إليه، أو افتقار الدعوى الجارية إلى الدلائل والحجج الدامغة التي قد ترجح كفة إدانته، وهو ما قد يؤدي إلى تأزم وضعيتها الصحية. ولا يكون على الطبيب النفسي في هذه الحالة أن يتقمص دور المدافع عنها بالتعرض إلى مصداقية أقوالها عن طريق أية شهادة أو وثيقة قد يصدرها، أو أن يقوم بأعدادها لمتابعة الدعوى، وإنما يقتصر دوره على مساعدتها من الناحية الطبية النفسية للاستعداد بإجراء أية مواجهات قضائية عن طريق طمأنتها أو تهدئتها دون أي تدخل منه في الدعوى ([233]).

ولما كان الأمر يتعلق بعلاقات تتجاوز محور الضحية والطبيب، فإن هذا الأخير يكون ملزما بالتعامل مع الأغيار أشخاصا كانوا أو مؤسسات، وعليه التزام أقصى درجات الحذر وهو يتعامل مع الوسط العائلي للضحية باعتبار صعوبة الجزم بنواياهم الحقيقية تجاهها، ولعلمه المسبق بأهمية المساندة العائلية والدفء الأسري في جلسات العلاج النفسي. أما علاقته بالمؤسسات القانونية فتتحدد بتحرير شهادات طبية تسلم للضحية، يضمنها ما تعانيه من اختلالات نفسية ومرضية وما أقدم عليه من تدخلات علاجية لاستخدامها في إطار المسطرة القضائية الجارية حسب ما تتطلبه القضية ([234]).

ويتضح ختاما أن دور الطبيب النفسي في التخفيف من معاناة ضحايا الأفعال الإجرامية قد يأخذ أبعادا خاصة لا يقتصر فيها على دور المعالج لأعراض مرضية جسمية كانت أو نفسية، وإنما يتعداه ليتقمص دور الموجه والمصاحب أثناء سريان المسطرة القضائية التي قد تكون جارية لتفهم إجراءاتها والتخفيف من الآثار السلبية الناتجة عن طول مراحلها، وتعقد مساطرها على حالاتهم النفسية، وتهيئتهم لتقبل النتائج التي قد تسفر عنها هذه المساطر القضائية.

الفقرة الثانية: الخبرة النفسية وضحايا الأفعال الإجرامية

إن عرض ضحايا الأفعال الإجرامية على خبرات عقلية بطلب من القضاء لتحديد الأضرار النفسية التي تولدت لديهم بسبب هذه الاعتداءات هو أمر مستساغ من الناحية الطبية الشرعية ولا تعارضه القوانين المنظمة للخبرة. ويتحقق هذا النوع من الخبرة النفسية عمليا في الجرائم الجنسية ([235])، وذلك بتقدير الأضرار اللاحقة بضحايا هذا النوع من الاعتداءات عن طريق فحص حالاتها النفسية والعقلية أثناء سردها للحادثة وتحديد مدى تفهمها لوقائعها ([236])، مع تقدير نسبة مسؤوليتها في وقوع الاعتداء خاصة وأن الادعاء بكون الاعتداء الجنسي وقع تحت وطأة التهديد والإكراه لا يمكن الأخذ به بدون تحفظ ومناقشة ([237]).

وسواء انتصبت ضحية الفعل الإجرامي كطرف مدني في الدعوى العمومية، أو لم تنتصب فأنها تتحول بدون شك إلى أداة من أدوات العدالة، على اعتبار أن الآثار النفسية التي تكبدتها من جراء المعاناة التي تعرضت لها، وكذا تقدير مصداقية تصريحاتها بخصوص الواقعة من عدمها، تعد عناصر أساسية قد يتحدد بها مصير الغير في نفس الدعوى، ولما كانت طبيعة الأضرار اللاحقة بالضحية في هذا النوع من الاعتداءات لا تكتسب دائما صبغة حسية، فإن القضاء يجد صعوبة بالغة في تحديد مبالغ التعويض المادي المناسب لما تعرضت له من أضرار، الشيء الذي يدفعه إلى انتداب خبراء نفسانيين لمساعدته على ذلك.

ويكون على الخبير لعب دور أساسي في إفادة العدالة بنتائج موضوعية تتعلق بالحالة الصحية للضحية، رغم علمه المسبق أن المعاناة النفسية التي تكبدتها نتيجة الفعل الجرمي الذي مورس عليها، لا يمكن دائما أن يتخذ أبعادا حسية كما يريدها الآخرون ([238]). والمسطرة القضائية الجارية، تتطلب الإفادة بوجهة نظر موضوعية بخصوص هذه المسألة، سيما وأن الانعكاسات السلبية للاعتداء الجنسي قد تمتد لتشمل إلى جانب الأضرار المادية الجسدية، أضرارا نفسية، ويكون واجبا على القضاء تحديد التعويضات المادية المناسبة لهما معا ([239])، وذلك بعد أن يقوم الخبير المنتدب بإجراء فحوصات وافية على شخصية الضحية للوقوف على حقيقة الأضرار اللاحقة بها وطبيعة الأمراض التي أصيبت بها ودرجتها ([240]) وتضمين كل ذلك في تقريره الطبي الموجه إلى القضاء الذي يتولى تحديد مبلغ جبر الضرر.

وحيث أن انخراط الضحية في مسلسل قضائي يرمي إلى إدانة الشخص المتهم بارتكاب الفعل الجرمي الذي أضر بها، وهي الإدانة التي قد تنشدها وتسعى إليها باعتبار ما قد تشكله في حد ذاتها من جبر معنوي للضرر الذي لحق بها. وهو موقف قد يشكك في أقوالها أمام القضاء، خاصة أن الحجج والأدلة في الجرائم الجنسية تكون في الغالب قليلة ومبهمة وفي كثير من الأحيان منعدمة، الأمر الذي تكون معه مصداقية التصريحات الصادرة عن الضحية بخصوص وقائع الحادثة وجديتها موضوع مساءلة ونقاش قضائي لما قد يترتب عليها من آثار خطيرة قد تمس حرية الغير وسمعته.

وفي ذلك يقول أحد الباحثين أنه ” أمام إنكار الظنين والاستبعادات المستنتجة من الاتهامات المدلى بها من قبل الضحية فإن القيام بفحص الحالة العقلية لهذه الأخيرة، يمكننا من تقصي التصريحات الكاذبة ومن تحديد درجة المصداقية التي يمكن أن تعطى لتصريحات الضحية المفترضة “([241]).

يتضح إذن أن أعمال الخبرة النفسية على ضحايا الأفعال الإجرامية تأخذ شكلا مزدوجا فهي ترمي إلى الوقوف على حقيقة الأضرار المرضية سواء النفسية منها أو الجسمية التي لحقت بها من جهة، وإلى التحقق من مصداقية الأقوال والتصريحات التي قد تتضمنها روايتها لوقائع الدعوى المثارة في شكايتها، والتي أدت إلى تحريك الدعوى العمومية من جهة أخرى. واذا أضفنا إلى ذلك الدور العلاجي الذي يقوم به الأطباء النفسانيون إزاء مرضاهم من ضحايا الجرائم المختلفة في التخفيف والمساندة والتوجيه فأننا نصبح أمام علم قائم بذاته ما انفك يجد له مكانا ضمن نظريات علم الإجرام المختلفة، وهو ما صار يعرف بعلم الضحية La victimologie، الذي يقوم على أساس تقاسم الأدوار بين الفاعل والضحية في ارتكاب المخالفة الجنائية، وأن التصرف الجرمي الذي أقدم عليه الفاعل تجاه الضحية، كان بإيحاء وتأثير من تصرف مماثل صادر عن هذه الأخيرة بشكل قد يدفعنا إلى تصور نوع من المشاركة في غير معناها القانوني، بين طرفي الفعل الجرمي: الفاعل والضحية وهو ما أفضى إلى اقتراف هذا الفعل ([242]).

المبحث الثالث

التقرير النفسي وحجيته في الإثبات

إن قياس درجة أهمية الخبرة الطبية في الدعوى العمومية يتحدد لا محالة بدراسة حجية التقارير الطبية الموجهة إلى ساحة القضاء في الإثبات، وإقرار مدى إلزامية الأخذ بنتائجها من عدمه عند الفصل في الدعوى، غير أن الأمر قد يتطلب قبل ذلك التعرف إلى شكليات التقرير الطبي، وطريقة صياغته الفنية، وتسليط الضوء على بعض النماذج العملية التي عرضت على أنظار القضاء، والوقوف على درجة تقيد خبراء الطب النفسي بالشكليات المتعارف عليها عند صياغة تقاريرهم الطبية، ومدى التزامهم بأهم الفقرات التي يتعين أن تشتمل عليها.

المطلب الأول: التقرير النفسي وصياغته الفنية ([243])

إن التقرير النفسي ([244]) هو ثمرة ذلك الأمر القاضي بإجراء خبرة نفسية، والذي تأمر به السلطات القضائية المختصة في مرحلة التحقيق أو الحكم، والمقصود بصياغته الفنية ذلك القالب الشكلي الذي تفرغ فيه أعمال الخبرة العقلية فتعطينا تقارير مكتوبة بفقرات معينة قد تختلف في بعض شكلياتها من تقرير طبي إلى آخر حسب نوع القضية ووقائعها، والحالات المرضية للأشخاص موضوع هذه الخبرات، غير أنه ومن واقع دراسة مجموعة من تقارير الخبرة الموجهة إلى المحاكم، ومن خلال الاطلاع على بعض المصنفات القانونية القليلة التي تناولت هذه المسألة، أمكننا حصر بعض الفقرات التي قد تبدو شائعة ومتماثلة في صياغة العديد من التقارير التي أتيح لنا الاطلاع عليها، وتشكل قواسم مشتركة بين مختلف التقارير الطبية الشرعية الموجهة إلى ساحة القضاء.

الفقرة الأولى: الديباجة Preamble

وفيها يضمن الخبير اسمه وصفته باعتباره طبيبا نفسيا أو أخصائيا نفسيا، ومراجع قرار تعيينه في النازلة والجهة الرسمية التي قامت بانتدابه ([245]) (قاضي التحقيق، أو المحكمة الابتدائية، أو محكمة الاستئناف)، ونوعية المهمة التي تم انتدابه لإنجازها حتى يتأتى للجهة المنتدبة (بكسر الدال) ومعها فرقاء الدعوى العمومية مراقبة أعمال الخبير والتعليق عليها وذلك بأحداث مقاربة بين هذه المهمة وما توصل إليه من نتائج تتعلق بها. ويكون ذلك عمليا عبر استعراض مختلف الأسئلة القضائية التي تضمنها قرار الانتداب والتي يطلب من الخبير إيجاد حلول وأجوبة لها، ثم يشار فيها إلى أداء اليمين بالنسبة لمن تم تعيينه من الخبراء خارج الجدول الرسمي، وفي نفس هذه الفقرة تتم الإشارة إلى هوية الشخص موضوع الخبرة بذكر اسمه وعمره وعنوانه مع الإشارة إلى زمان ومكان إجراء عمليات الخبرة، والتي قد تجرى في مستشفى للأمراض العقلية أو في عيادة أو مصحة متخصصة أو في السجن إذا كان المراد فحصه معتقلا.

الفقرة الثانية: الوثائق Documents

وفي هذا الشق من التقرير يقوم الخبير بعرض الوثائق التي سلمت إليه، أو التي حصل هو عليها ([246])، على أن يبرز نوعها ومصدر حصوله عليها، وكذا اسم الجهة التي سلمته إياها وتاريخ هذا التسليم ([247])، وفي الغالب ما تكون الشواهد الطبية الأولية المرفقة بملف التقاضي هي الموجهة كوثائق إلى الطبيب الخبير والتي تلقاها من الجهة المنتدبة بعد إحالتها ملف النازلة موضوع الخبرة عليه، أومن طرف الشخص المعني بإجراء الخبرة النفسية، إذا تعلق الأمر بضحية اعتداء جنائي طلب منه إجراء خبرة نفسية عليها، لتحديد درجة الأضرار اللاحقة بها جراء هذا الاعتداء.

الفقرة الثالثة: الفحص L’ EXAMEN

يتولى الخبير في هذه الزاوية استعراض مختلف التحقيقات والمعاينات التي قام بها ([248])، مع إظهار ملاحظاته واستنتاجاته من الفحص الذي قام به، أو من خلال استنطاقه للمشتبه فيه مع تضمين هذه الفقرة مقتطفات من تصريحاته أو تصريحات الضحية والتي قد تكون لها علاقة بتحديد نتائج مهمته، مع إبراز الأجهزة الفنية التي قام باستعمالها والأدوات الكاشفة التي استخدمها وأهميتها ([249])، خاصة بعض الأجهزة الطبية التي قد تستعمل في تشخيص وعلاج بعض الأمراض العقلية كالصرع أو ما شابهه.

الفقرة الرابعة: المناقشة La discussion

يقوم الخبير في هذه الفقرة من التقرير باستعراض وقائع النازلة التي انتدب من أجل إنجاز تقريره فيها بكثير من الإيجاز، ثم يتولى مناقشة الحالة الطبية للشخص موضوع الخبرة، ووصف حالته المرضية بإظهار نوع الأمراض النفسية التي قد يكون مصابا بها، وخصائص هذه الأمراض وعلاقتها بالأفعال المرتكبة إذا كان المتهم هو الشخص موضوع الخبرة، أما إذا انصبت على الضحية، فإن الخبير يتولى إظهار مدى العلاقة الرابطة بين حالتها النفسية والأضرار والإصابات اللاحقة بها، وما قد يطالها من تطورات محتملة في المستقبل ([250])، ليخلص في الأخير إلى مناقشة حالة الشخص موضوع الخبرة من الناحية الطب – نفسية الشرعية، وذلك بالإجابة أن أمكن على الأسئلة التي تضمنها قرار تعيينه، وفي حالة الفحص العقلي لضحية فعل جرمي يقوم بتقدير الأضرار التي لحقت بها استنادا إلى حالتها الطبية مستعملا في ذلك أسلوبا ملائما ([251]) يتناسب وثقافة المتلقي، ثم يختم هذه الفقرة بالإشارة بنوع من الإيجاز إلى مختلف العناصر التي قد تشكل خاتمة تقريره.

الفقرة الخامسة: النتيجة La conclusion

في خاتمة تقريره يعبر الخبير عن رأيه تجاه الإشكاليات التي طلب منه توضيحها عبر إيجاد حلول وأجوبة مناسبة لها، على أن تتصف الإجابة بالدقة والوضوح، وتشمل كل سؤال من الأسئلة التي تضمنها قرار انتدابه ([252])، مرورا بتبيان المناهج العلمية والطرق الفنية التي اعتمد عليها للوصول إلى ما انتهى إليه من رأي ([253]) مع إظهار الحجج والأسباب التي استند إليها في ذلك، وتتباين نتيجة الخبرة العقلية حسب ما إذا كان موضوعها، الشخص ضحية الفعل الجرمي أو مرتكبه، ففي الحالة الأولى تنصب نتيجتها على إبراز طبيعة الأضرار النفسية والجسدية التي لحقت بالضحية خاصة في الجرائم الجنسية ومدى اشتراكها النسبي في وقوع الاعتداء، وفي الحالة الثانية تكون الغاية مساعدة القضاء على تحديد درجة المسؤولية الجنائية لدى مرتكبي الأفعال الإجرامية، وكيفية التعامل القضائي معهم عبر تقدير مدى قابليتهم لتحمل عقوبة جنائية وإظهار خطورتهم من عدمها و إبراز فرصهم المحتملة للشفاء وإعادة إدماجهم الاجتماعي.

وعلى الخبير أن يتحرى ما أمكن في أسلوب تحريره لهذه النتيجة، سهولة الألفاظ ودقتها واستعمال عبارات شائعة ومفهومة، أما في حالة انتداب أكثر من خبير نفسي واحد لإجراء أعمال الخبرة العقلية ووقع تباين في الآراء فان كل واحد منهم يبدي رأيه الشخصي في خاتمة نفس التقرير ([254]). وختاما يشهد الخبير على نفسه أو الخبراء في حالة تعددهم بالقيام بأعمال الخبرة بصفة شخصية، ثم يذيل التقرير بالتوقيع طبقا لما تنص عليه المادة 205 من قانون المسطرة الجنائية، وذلك تحت طائلة البطلان ([255]) على اعتبار أن توقيع الخبير أو الخبراء في حال تعددهم بالإضافة إلى وضع تأشيرة طابعهم، وحده الكفيل بإضفاء الصبغة الرسمية على هذا التقرير ([256]).

وتبقى على الأرجح هذه الفقرات هي مجمل المراحل التي يتعين على الخبير النفسي التقيد بها عند إنجاز تقريره الطب نفسي، علما أنه وعلى الصعيد العملي فإن هذه الشكليات لا تجد لها دائما صدى في التقارير الطبية النفسية الموجهة إلى ساحة القضاء والتي تختلف من تقرير إلى آخر، بحيث قد نجد بعض هذه الفقرات وقد لا نجد بعضها الآخر، كما قد نجدها مصاغة تحت مسميات مختلفة، رغم أنها قد تتماثل في موضوعها فمثلا قد نجد عبارة “السوابق الشخصية المرضية ” والتي يتولى الأطباء فيها استعراض وثائق الملف الطبي للشخص موضوع الخبرة هي نفسها فقرة الوثائق التي تحدثنا عنها كأحد فقرات الصياغة الفنية للتقرير الطبي النفسي، كما قد نجد عبارات ” السيرة الشخصية والمرضية ” أو ” التشخيص والتحليل ” كمسميات قد تتوافق مع فقرتي الفحص والمناقشة التي ذكرناهما سابقا.

غير أن الإعاقة الحقيقية التي قد تثيرها شكلية التقارير الطبية النفسية، هي في صعوبة الألفاظ الطبية التي تصاغ بها هذا النوع من الخبرات، خاصة فيما يرجع لمسميات الأمراض العقلية والنفسية ومدى علاقتها بخاصيتي الإدراك والإرادة، الشيء الذي قد ينآي عن الاستيعاب الكامل والإحاطة الشاملة بها من طرف المتلقي، واستخلاص الاستنتاجات المفيدة التي يتعين عليه استخلاصها منها، وهي صعوبة تثيرها التقارير المحررة باللغة العربية، فما بالك بتلك التي تحرر باللغة الفرنسية وما أكثرها، في ظل ندرة استخدام القضاء لسلطته في استدعاء الخبراء والاستماع إلى إفاداتهم وشروحاتهم بخصوص الخبرات المنجزة، وهذه نقيصة نتمنى على القضاء المغربي أن يتداركها في أقرب الآجال، ويسارع إلى استدعاء الخبراء النفسيين مجلسا، كلما اقتضى الأمر توضيح وقائع مبهمة أو غامضة تضمنها التقرير الطبي، أو الاستزادة من المعلومات المتعلقة بشخصية المجرم، وفهم سلوكه الانحرافي وتقدير درجة مسؤوليته الجنائية بكل دقة، الأمر الذي قد يشكل خطوة متقدمة في الدرب الموصل إلى تحقيق العدالة.

المطلب الثاني: حجية التقرير النفسي في الإثبات

لقد سكت المشرع المغربي في معرض سرده للنصوص المنظمة للخبرة في قانون المسطرة الجنائية عن تحديد قيمتها الإثباتية وذكر مدى إلزاميتها وتقييدها لقناعة القاضي، تاركا بذلك الباب مفتوحا على مصراعيه أمام آراء الفقهاء واجتهادات العمل القضائي للتصدي لهذه المسألة، وحسنا فعل لأن القضاء هو الجهة المعنية بتطبيق القانون وتفسيره، والفقه بآرائه ونظرياته يبقى الوسيلة المثلى لتوضيح نصوصه ورفع اللبس عن فصوله.

الفقرة الأولى: القيمة الثبوتية للتقرير النفسي أمام القضاء المغربي

لقد سبق القول في معرض حديثنا عن نطاق اختصاص كل من القضاء والخبرة أن القانون المغربي حث القضاة على طلب مشورة أهل الاختصاص من الخبراء كلما عنت لهم مسألة تقنية بقصد مساعدتهم على توضيحها، والاستفادة من المعلومات التي قد تتمخض عنها، للوصول إلى الحقيقة، وهو التوجه الذي تبناه القضاء المغربي، بل وشدد على مراجعة الخبراء كلما ظهر بالملف ما يستوجب طلب التوضيح والمشورة تحت طائلة نقض القرارات التي تجاهلت طلبات الأطراف الرامية إلى عرض أحد أطراف الدعوى العمومية على خبرة طبية نفسية، متى كان ذلك مجديا وضروريا للبت في الدعوى، وتعلقت الاستشارة بنقطة فنية لا يدركها علم القاضي، وهو توجه رشيد يبرز بجلاء دور الخبرة وأهمية الخلاصات التي قد تنتج عنها في نظر الاجتهاد القضائي المغربي.

ومن خلال مجموعة من القرارات الصادرة عن محكمة النقض – المجلس الأعلى سابقا – في موضوع الخبرة بصفة عامة والتي أتيح لنا الاطلاع عليها، ثبت لدينا أن الاتجاه السائد في الاجتهاد القضائي المغربي يتجه نحو اعتبار أعمال الخبرة ونتائجها المضمنة في التقرير الطبي الشرعي غير ملزمة للقاضي، ولا تشكل قيدا عليه في تكوين قناعته، فله أن يأخذ بنتائجها ويعتمدها في إصدار حكمه وله أن يستبعدها إلى غيرها من عناصر الدعوى مما قد يعينه على الفصل فيها حيث نص القرار رقم 685 الصادر بتاريخ 30 يونيو 1960 على أن ” آراء الخبراء المنتدبين من طرف القضاة ليست مفروضة على القاضي ” ([257]) ولم يشترط في ذلك سوى تسبيب الحكم القاضي باستبعاد الخبرة وتعليله وهو ما نفهمه من خلال الاطلاع على القرار رقم 545 الصادر بتاريخ 11/02/1960 والذي جاء فيه ” حيث أن تقدير البيانات المضمنة في تقرير الخبير وملاءمة الأمر بإجراء خبرة تكميلية يدخل في إطار سلطات قضاة الموضوع الذين بينوا في هذه القضية مواضع النقض التي حدت بهم إلى استبعاد تقرير الخبير، وعللوا مقررهم بملاحظات واقعية لهم فيها السلطة التقديرية….” ([258])، بل أن الاجتهاد القضائي ذهب أبعد من ذلك عندما نص المجلس الأعلى سابقا في قراره المؤرخ في 26/11/1959 أنه إذا كانت تقديرات الخبراء القضائيين المعنيين لا تلزم القاضي، فأن هذا الأخير الملزم بتعليل قراره لا يمكنه تعديلها أو تكذيبها بمجرد تأكيد رأي مخالف عار من أدنى حجة…”([259])، ولعل الفهم الصحيح لمغزى ما تضمنه هذا القرار الأخير يقودنا إلى القول أن المجلس الأعلى قصد تنبيه القضاة إلى عدم استبعاد آراء الخبراء استنادا إلى آراء أو حجج مخالفة لا تكتسي صبغة فنية وإنما شدد على ضرورة رد رأي فني اعتمادا على رأي فني آخر يخالفه في الرأي، وهو توجه سليم قد يحفظ للخبرة بعضا من مصداقيتها، ويبقي لها تلك الأهمية التي بوأها إياها المشرع كأجراء مساعد للقاضي للفصل في القضايا المختلفة.

وفي مجال الخبرات النفسية نعتقد أن القرارات القضائية الصادرة عن محكمة النقض والتي سبق لنا الإشارة إلى بعضها في سياق هذا البحث ومن ذلك القرار غير المنشور عدد 1599-4 المؤرخ في 24/07/2002 الصادر في الملف الجنائي عدد 18288-01 والقرار عدد 0311-9 المؤرخ في 15/11/2005 الصادر في الملف الجنحي عدد 11783-2003، وكذا القرار غير المنشور عدد 3241/3 المؤرخ في 08/11/2006 والصادر في الملف الجنحي عدد 9010/6/3/06 وهي كلها قرارات حديثة ومتواترة قضى فيها جميعا المجلس الأعلى سابقا – محكمة النقض حاليا -، بالنقض والإبطال لعلة تجاهل المحكمة لطلبات الدفاع بعرض موكليهم من الأظناء على خبرات نفسية لتحديد قدراتهم العقلية رغم تعليلها لقرار الاستبعاد بعلل مختلفة، معتبرة أن المسألة هي تقنية بالدرجة الأولى ولا يسوغ التصدي للفصل فيها إلا من طرف ذوي الاختصاص من الأطباء النفسانيين، وهو ما قد يعني بالتبعية أن آراءهم التي سوف يضمنونها في تقاريرهم عقب انتدابهم لإجراء هذا النوع من الخبرات ستكون بلاشك حاسمة في تكوين قناعة القضاة لإصدار أحكامهم.

الفقرة الثانية: القيمة الثبوتية للتقرير النفسي عند الفقهاء

يعد الطب الشرعي النفسي الذي هو فرع من فروع الطب الشرعي أحد أهم تجليات الخبرة القضائية التي أورد فقهاء القانون بشأنها مجموعة من الأقوال والآراء بخصوص ما لها من حجية أمام القضاء ولم يتفقوا في ذلك على رأي واحد، حيث برز على الساحة اتجاهان رئيسيان: الأول يقول بعدم إلزامية نتائج الخبرة على القاضي والثاني يقر بإلزاميتها عليه.

البند الأول: عدم إلزامية نتائج الخبرة

يقوم هذا الرأي على أساس أن الخلاصة التي ينتهي إليها الخبير في تقريره غير ملزمة للقاضي ولا تمثل عليه قيدا في تكوين قناعته، فله أن يأخذ بها كلها أو بجزء منها وله أن يطرحها كليا أو جزئيا ولا شيء عليه في ذلك، بشرط أن يعلل قراره القاضي باستبعاد نتائجها في حكمه، وهذا الاتجاه هو الراجح عند جل فقهاء القانون المغاربة، ومن القائلين به الأستاذ محمد عياط في مؤلفه دراسة في المسطرة الجنائية المغربية في معرض حديثه عن حجية أعمال الخبرة قائلا ” أن نتائج الخبرة كمبدأ عام لا تلزم القاضي بقبول فحواها، وبالتالي لا تحتم عليه إصدار حكم موافق لما صرحت به، والواقع أن خلاصات الخبرة لا هي دائما في المستوى المطلوب من الموضوعية ولا هي دوما عين الحقيقة، حتى يفرض المشرع الالتزام بها على القاضي فمن المعروف أن خبراء في نفس الميدان وعلى نفس الكفاءة والتمكن من اختصاصهم، كثيرا ما يصدرون آراء متناقضة حول موضوع واحد، وان الخبرة معرضة للخطأ…وللقاضي أن يقتنع بما أثبتته الخبرة أولا يقتنع به وله أن يستعمله جزئيا أو كليا، أو يهمله تماما بدون حرج، على أن ذلك مرهون دائما بتعليل مقنع للحكم الذي يصدره ” ([260]) وهو نفس الرأي الذي قال به الأستاذ لحبيب بيهي في معرض حديثه عن القيمة الإثباتية للخبرة، موضحا أن القاضي يتمتع إزاءها بحرية التقدير وله أن يأخذ بها أو يطرحها وعليه أن يعلل قراره باستبعادها ([261])، وهو الاتجاه نفسه الذي سار فيه الأستاذ إبراهيم زعيم عندما قرر أن للمحكمة كامل السلطة في تقدير قوته التدليلية بحيث يمكنها الأخذ به برمته أو بجزء منه دون الجزء الآخر، على أنها تكون ملزمة إذا حكمت خلافا لذلك الرأي، ببيان الأسباب التي أوجبت إهماله كله أو بعضه ([262])” وفي نفس هذا الإطار يندرج رأي الأستاذ أحمد الخمليشي عندما أوضح أن للقاضي السلطة الكاملة لتقدير مدى سلامة الاستنتاج الذي انتهت إليه الخبرة، فله أن يأخذ بها، وله أن يستبعدها وفي هذه الحالة يتعين عليه تعليل قراره ([263]).

ويتضح من خلال هذا الجرد الذي قمنا به لآراء بعض القانونيين المغاربة أنهم ينتصرون للرأي الذي يستبعد أية إلزامية للنتائج التي ينتهي إليها الخبراء في تقاريرهم على القضاة، فهي لا تشكل أدنى قيد عليهم في تكوين قناعتهم، فلهم أن يأخذوا بها كليا أو جزئيا أو يطرحوها ولا شيء عليهم في ذلك، بشرط تسبيب أحكامهم وتعليلها في حالة الاستبعاد، وهو قول نعتقد انه يبخس كثيرا من قيمة الخبرة كأجراء مساعد للقاضي يلجأ إليها هذا الأخير عندما تعترضه مسألة تقنية تستلزم لاستيضاحها معارف خاصة لا يملكها غير الخبراء، هذه المعرفة التي تسعفه في الوصول إلى النتيجة التي يضمنها في تقريره والتي قد تكون خير معين للقاضي لإصدار حكم سديد، ونحن بهذا الرأي نكون أشبه بمن يأخذ باليد اليسرى ما أعطته اليد اليمنى، إذ لا فائدة من مراجعة أهل الخبرة ما دامت آراءهم غير ملزمة على الإطلاق.

البند الثاني: إلزامية نتائج الخبرة

وقوام هذا الرأي أن تقرير الخبير ملزم للقاضي، ويشكل عليه قيدا في تكوين قناعته، إذ لا يستطيع تجاهل مضامينه في إصدار حكمه واستبعاده إلى غيره من عناصر الدعوى التي قد تخالف ما انتهى إليه من نتائج وتعاكس ما أفضى إليه من خلاصات بل عليه اعتماده كعنصر أساسي في تكوين قناعته، وتوجيه باقي عناصر الدعوى نحو ما قد يتفق والنتائج التي انتهى إليه تقرير الخبير، والتحول عن باقي العناصر التي تخالف ما خلص إليه، ويصدر حكمه وفقا لقناعته التي اعتمد في تكوينها على عناصر الدعوى المختلفة التي يبقى أهمها ما جاءت به الخبرة من إفادات تقنية ومعلومات فنية، فيبت في الدعوى وهو مطمئن إلى سلامة قراره وواجهة حكمه.

ومن القائلين بإلزامية تقرير الخبير وتقييده لعقيدة القاضي أثناء الفصل في الدعاوى نجد الدكتورة آمال عبد الرحيم عثمان ([264]) التي انتصرت إلى الرأي القائل بإلزامية مستنتجات الخبرة على قناعات القاضي، إذ باعتماد الخلاصات التي انتهى إليها الخبير، تتشكل قناعته فتصدر أحكامه على أساسها ولا يصح عندها وعند بعض أنصار هذا الرأي خصوصا الأساتذة خليل محمود وضاوي خليل طرح النتائج التي انتهت إليها الخبرة إلى عناصر الدعوى الأخرى ([265]) التي قد تتعارض معها، أو أن تعتمدها للفصل فيها. وهذا قول وان كان يسبغ على تقارير الخبرة ما هي جديرة به من اهتمام وتقدير، إلا أنه ينطوي في اعتقادنا على الكثير من الغلو والمبالغة فهو يضفي عليها حالة من القدسية التي تجعلها بمنأى عن المراقبة القضائية، وتنزع عن القاضي صفته كخبير أعلى في الدعوى وهو ما لا يستقيم ومنطق العدالة الحقيقية. الأمر الذي فتح المجال أمام ظهور قول وسط يميل إلى تضييق هذا الرأي والتقييد منه.

حيث اعتبر تقرير الخبير قيدا على قناعة القاضي ما لم تخالف نتائجه الملابسات والظروف المحيطة بالموضوع الذي شكل مادة الخبرة، لأن ذلك يدخل ضمن الوقائع المادية للدعوى التي يبقى القاضي الأقدر على فهمها واستخلاص النتائج والعبر منها، مما قد يساعده على الفصل فيها، بحيث يصير بمقدوره الاستغناء عن الخلاصات التي ضمنها الخبير في تقريره رغم قطعيتها من الناحية العلمية، إذا ثبت أنها لا تتناسب منطقيا مع تواتر الأحداث وتسلسلها الواقعي. وهو بذلك يخضع تقرير الخبير لنوع من المراقبة القضائية، أو ما يسمى في كتب الفقه بالرقابة القانونية للرأي الفني.

ومن الذين قالوا بهذا الرأي نجد الأستاذ حسين عبد السلام جابر في مؤلفه ” التقرير الطبي بإصابة المجني عليه وأثره في الإثبات ” حيث انتهى فيه إلى أن مهمة القاضي كما استقر عليها قضاء النقض و أشار إليها الفقهاء هي الرقابة القانونية للرأي الفني، وأن هذه الرقابة من القاضي هي أساس ما وصفه به الفقهاء بأنه الخبير الأعلى في الدعوى وهذه الصفة لا تعني أن للقاضي أن ينازع في قيمة ما يتمتع به الدليل العلمي من قوة استدلالية قد استقرت بالنسبة له وتأكدت من الناحية العلمية، ولكن هذا المبدأ ينطبق على الملابسات والظروف التي أحاطت بهذا الدليل ([266]).

ومن الدارسين المغاربة الذين اعتبروا أن تقرير الخبير هو قيد على القاضي في المسائل التقنية، نجد الأستاذ لحسن بيهي في مؤلفه “الدليل العملي ودوره في تكوين اقتناع القاضي الجنائي “، والذي اعتبر أنه ” إذا كانت للقاضي الجنائي كامل السلطة في تقدير قوة الدليل للحجج المدلى بها في النوازل المعروضة عليه، فإن دحضه لما هو تقني أو علمي، لا ينبني على معلومات شخصية، أو تصريحات مدلى بها، بل عند الشك في تقرير أو تعارض تقريرين، للقاضي الصلاحية في انتداب خبير ثان أو ثالث لرفع اللبس ([267]).

وهو نفس الرأي الذي تبناه الأستاذ مصطفى نجدي هرجة الذي قيد المحكمة التي ترفض الأخذ بخبرة تتعلق بأمر فني لا تستطيع تقديره بنفسها، أن تستند في هذا الرفض إلى خبرة فنية تنفي ما جاء في الخبرة الأولى ([268]).

والواقع فإنني أجد في نفسي ميلا كبيرا إلى هذا الرأي الأخير وأحسب أنه أحسن ما قيل في هذا الموضوع، إذ أنه وبالنظر إلى هذا التقدم التكنولوجي الكبير، والتطور المستمر الذي تشهده علوم الطب وفروعه المختلفة صار من الصعب التغاضي عن الدور الهام الذي ما فتئت تضطلع به الخبرة في مساعدة القضاء على استيضاح المسائل التقنية التي قد تعينه للفصل في الدعاوي المختلفة على النحو الذي يحقق أكبر قدر من العدالة، كما أن الدليل العلمي صار بلا جدال أهم الأدلة التي قد يطمئن إليها القاضي ويجعله أساسا لتكوين قناعته التي قد يعتمدها في إصدار أحكامه، غير أن ذلك لم يكن ليحجب دوره المحوري في الدعوى أو ينزع عنه صفة الخبير الأعلى، والمؤهل الوحيد لتقدير سلامة الأدلة وتطابقها مع الملابسات والظروف المحيطة بوقائع الدعوى، فنتائج الخبرة وان شكلت عليه قيدا في تكوين قناعته ومعطى تجب مراعاته أثناء النظر في الدعوى. فأنها تبقى عنصرا من عناصرها التي تخضع لرقابته القضائية، هذه المراقبة التي تنصب على الوقائع المادية المحيطة بالدعوى والتي لا يمكن أن تشكك في قيمة الخبرة كدليل فني إذا تقرر استبعاد نتائجها، وإنما يتم طرحها لتعارضها مع السياق العام الذي تصب فيه باقي الملابسات والظروف المحيطة بالدعوى، غير أنه في هذه الحالة يستحب أن يكون غض الطرف عن تقرير الخبير مدخلا لإجراء خبرة ثانية قد تكون مضادة، فالشيء الفني لا يدحض إلا بشيء فني مثله، والقاضي عندما يفاضل بين تقريرين ويرجح أحدهما عن الآخر فإنما يوازن بينهما من الناحية الواقعية، ولا يناقش القيمة العلمية لكل واحد منهما، وهو في ذلك يمارس رقابته القضائية على وقائع الدعوى التي تشكل الخبرة أحد عناصرها.

ولا يخرج التقرير النفسي باعتباره أحد الصور العملية للخبرة الطبية عن هذا الإطار، فهو وان كان ملزما في نتائجه، وقيدا على القاضي في تكوين عقيدته، فانه ليس بمنأى عن مراقبته القضائية، هذه الرقابة التي نشدد على ضرورة إيقاعها على هذا النوع من الخبرات خاصة، على اعتبار أن مادتها الأصلية إنما تم استقاؤها من العلوم الإنسانية المختلفة التي يأتي في مقدمتها علم النفس بنظرياته المتشعبة التي تهتم بتحليل وتفسير الأمراض النفسية وإيجاد العلاجات المناسبة لها، وهو ما قد يجعل من النتائج المتوصل إليها تعرف بعض التباين والاختلاف لدى بعض الخبراء النفسانيين. وهو ما أعلنه أحد الباحثين قائلا ” إلا أنه ويا للأسف نجد أن علوم الإنسان كعلم النفس وعلم الأمراض العقلية والعلوم الاجتماعية وعلم الإجرام ليست بعلوم مضبوطة، لذا فإنه لا يمكن أن يكون لمعلومات ونظريات هذه العلوم طابعا قطعيا، فالخبرات النفسية والعقلية والاجتماعية والإجرامية تبقى أقل مستوى من ناحية الضبط من الخبرات المبنية على العلوم الطبيعية كالخبرة المتعلقة بعلم التحقيق الجنائي…. فلا يمكن أبدا لفحوص الشخصية أن تصل إلى الدقة التي تتمتع بها الفحوص الكيماوية أو البيولوجية ” ([269]).

والمقصود هنا بعض الخبرات التي قد تجرى على جسم الإنسان مثلا، والتي قد تكون نتائجها عالية الدقة كما هو الشأن بالنسبة لاختبارات الحمض النووي أو البصمة الوراثية، على خلاف الخبرات العقلية، التي قد تكون خلاصاتها موضوع مناقشة وإعادة نظر. وهو قول صحيح إلى حد كبير، حيث وقفنا غير ما مرة، على تقارير نفسية متناقضة النتائج في القضية الجنائية الواحدة ([270]). وهو شيء لا يستقيم والأهمية التي ما فتئ الاجتهاد القضائي يوليها لأهمية الخبرة العقلية حيث شدد كما رأينا تحت طائلة النقض والإبطال على مراجعة أهل الاختصاص من الخبراء النفسانيين كلما تعلق الأمر باستيضاح الحالة العقلية للمتهمين أثناء ارتكاب أفعالهم الانحرافية، وبالنظر إلى الطبيعة التقنية لهذه الاستشارة فإن العمل القضائي استقر على الأخذ برأي الخبير في هذه المسألة والحكم وفق مستنتجاته التي ضمنها في تقريره، واذا حصل واستبعدت نتائج الخبرة النفسية فإن ذلك يكون باعتماد نتائج خبرة نفسية مضادة، إذ لا يستقيم في هذا النوع من القضايا تجاهل نتائج هذه الخبرات إلى غيرها من عناصر الدعوى الأخرى للفصل فيها.

من هنا يمكن أن نستشف ثقل المسؤولية الموضوعة على عاتق خبراء الطب النفسي ومدى الأهمية التي قد تنطوي عليها تقاريرهم الموجهة إلى ساحة القضاء، إذ قد تشكل مدخلا لإعفاء شخص من عقوبة قد تغيبه لعشرات السنين وراء القضبان، وهذه دعوة منا إليهم لتحري أقصى درجات الدقة والحذر في إنجاز وصياغة مثل هذه الخبرات وإعطائها ما تستحقه من الأهمية والأولية والمصداقية.

الفصل الثاني

ثبوت المرض العقلي والنفسي

وأثره على المسؤولية الجنائية

إن مسألة إثبات المرض العقلي تعد من أهم المسائل التي يتوقف عليها تحديد درجة المسؤولية الجنائية، ولقد رأينا سابقا أن هذه المهمة يضطلع بها خبراء الطب النفسي الذين يكون عليهم تحديد نوع المرض العقلي أو النفسي الذي اعترى مرتكب الفعل الإجرامي الذي ظهرت الحاجة إلى استيضاح حالته العقلية، وهي مهمة ليست باليسيرة أو السهلة، فالأمراض العقلية والنفسية هي عديدة ومتشعبة بتشعب مذاهب علم النفس المختلفة وعلوم الطب النفسي، خلافا لما عليه الحال في أغلب مراجع الفقه الجنائي التي تحصر كل اضطراب يصيب العقل في مصطلح الجنون ” ويكون على هؤلاء الخبراء كذلك، وصف درجة تأثر ملكتي الإدراك والإرادة نتيجة الإصابة بالمرض العقلي، بوصفهما عنصرا المسؤولية الجنائية، وبعد ذلك يتولى القضاء التثبت من توفر شروط امتناع المسؤولية الجنائية كليا أو جزئيا، في خطوة أولى تمهيدا لإعمال المقتضيات القانونية المتعلقة بتطبيق آثار ثبوت المرض عليها، ومن أجل الإحاطة بمختلف جوانب هذا الموضوع ارتأينا تقسيم هذا الفصل إلى ثلاثة مباحث، سنحاول في أولها تسليط بعض الضوء على بعض الأمراض العقلية والنفسية (المبحث الأول )، على أن نتناول في ثانيها مسألة شروط امتناع المسؤولية الجنائية نتيجة الإصابة بالمرض (المبحث الثاني)، لنختمه بالحديث على أثر ثبوت الإصابة بالمرض العقلي على المسؤولية الجنائية (المبحث الثالث).

المبحث الأول

الأمراض العقلية والنفسية

لقد شاع لدى عامة الناس أن كلمة الجنون تصلح مصطلحا للتعبير عن الأمراض العقلية والنفسية مجتمعة، فكل خلل يصيب العقل ويؤثر على ملكاته هو جنون، غير أن هذا الفهم لا يجد له سندا في علم الطب النفسي، فلكل منهما أسبابه وأعراضه، ومن خلالها يشتد أو يضعف مدى تأثيرها على عنصري الإدراك والإرادة لدى المريض، وهو خلط لم تسلم منه الكثير من كتب القانون التي خاضت في هذا الموضوع، خاصة لدى فقهاء القانون الجنائي، مما انعكس كذلك على العديد من التشريعات التي جعلت من الجنون مرادفا للمرض العقلي والنفسي الذي ترتفع به المسؤولية الجنائية كالقانونين السوري واللبناني ([271]) ” غير أن الجنون ليس إلا مظهرا من مظاهر الاختلالات العقلية الكثيرة التي قد تصيب عقل الإنسان فتفقده الإدراك والإرادة، إذ أن هناك العديد من الأمراض العقلية الأخرى التي يكون لها نفس التأثير على هذين العنصرين أو قد يكون لها وقع أقل، والتي يمكن أن نقسمها إلى قسمين أمراض عقلية وأخرى نفسية.

المطلب الأول: الأمراض العقلية

وهي الأمراض التي قد تؤدي إلى اضطرابات خطيرة في الشخصية، واختلال شديد في الملكات العقلية ([272]) مما قد ينجم عنه فقدان الإدراك وتلف في الإرادة، وقد تم تعريفه بأنه خلل شامل في الشخصية يعوق الفرد ذاتيا واجتماعيا ويشكل ارتباكا في سلوكه ([273])، ويعد العالم كرايبلين kraeplin أشهر من صنف هذه الأمراض على أساس سببي بين أمراض عقلية عضوية ناتجة عن خلل في المخ أو في خارجه مع التأثير فيه، وبين أمراض عقلية وظيفية لا تتصل بأي عامل عضوي ([274]).

الفقرة الأولي: الأمراض العقلية العضوية

وتنشأ عن علة عضوية تصيب أحد أجزاء الجهاز العصبي كالمخ، مما يؤدي إلى اختلال في وظائفه ([275])، ومن أشهرها الذهان، وهو ما يطابق المعنى القانوني والاجتماعي لكلمة جنون ([276])، ويسمى أيضا بالذهان العضوي psychose organique وهو مرض عقلي ذو منشأ عضوي عصبي أو فيزيولوجي يرتبط بتلف جزئي أو كلي في الجهاز العصبي ([277])، فينطوي على اضطراب عقلي خطير واختلال عميق في الشخصية، يجعل السلوك العام للمريض مضطربا ويعوق نشاطه الاجتماعي، ومن أهم مظاهره الجنون والصرع.

البند الأول: الجنون

هو اضطراب شديد في الشخصية يحول بين الفرد والتوافق الاجتماعي، فيكاد يكون منقطع الصلة بين ما يجري حوله في البيئة والمجتمع ([278])، وهو عند فقهاء القانون تلك الظاهرة من ظواهر الاعتلال العقلي الذي يعتري عقل الأنسان فيفقده الوعي والإدراك ([279])، وينقسم عندهم إلى جنون مطبق: يصاحب الأنسان منذ ولادته، أو قد يكون طارئا عليه ويستمر معه بحيث يزيل العقل والتمييز، ويلغي الأدراك والإرادة، والى جنون متقطع وهو مشابه للجنون المطبق من حيث الآثار، غير أنه يعتري الشخص في فترات متقطعة يعود إليه عقله في غيرها من الأوقات، فتنعدم مسؤوليته الجنائية في فترة الجنون، وتعود إليه في فترة الإفاقة ([280])، ومن الوجهة الطب – نفسية يمكن التمييز بين عدة أنواع من الجنون ([281]).

أولا: الشلل الجنوني العام: وينشأ عن طريق الإصابة بعدوى الزهري لمدة طويلة، فينتج عنه ضعف في ذاكرة المريض ووقوعه في تقلبات مزاجية بين التفاؤل والتشاؤم والاكتئاب، وهو ما يدخله في مرحلة الاضمحلال العقلي، ويسمى أيضا بالذهان الناتج عن عدوى ([282]).

ثانيا: جنون الكحول: وهو مرض عقلي وعضوي تسممي، ينشأ عن تسمم أنسجة المخ بالمواد الداخلة في تركيب المسكرات والمخدرات، ومن أعراضها الاضطراب في الذاكرة والتدهور التدريجي في الإدراك ([283]).

ثالثا: جنون الشيخوخة: وهو يصيب الأشخاص الذين بلغو سنا متقدما، وينشأ عن تحلل تدريجي في خلايا القشرة المخية، ويكون من أعراضه ضعف الذاكرة وفقدان الترابط في التفكير والكلام ([284]).

رابعا: جنون البلاكرا Pellagra: وهو مرض عقلي ينشأ عن سوء التغذية وتبدأ أعراضه في صورة طفح أحمر جلدي ثم حالات من الإمساك والإسهال، وسبعة في المائة فقط من المصابين بهذا المرض هم الذين يتحول عندهم إلى اضطراب عقلي بعد أن تزول أعراضه العضوية، ويعد الذهول والاكتئاب أهم أعراضه ([285]).

والعبرة في المرض العقلي المانع للمسؤولية، هو إفقاده للإدراك والإرادة، أو إنقاصه منهما حسب الأحوال، حتى لو لم يتمظهر في شكل جنون فعلي، وفي هذا يقول بلولير ” أن هناك من مرضى النفوس من ليس بمجانين ولكن تنتابهم حالات نفسية حادة يفقدون معها القدرة على ضبط النفس والتفكير والتأمل، فأمثال هؤلاء لا يسألون عما يقولون أو يفعلون” ([286]). فمن منا لم يستشعر يوما تغييرا في نفسه وشخصه، بتغير الزمان والمكان والوقائع والظروف.

البند الثاني: الصرع

وهو اضطراب مزمن يصيب الوظائف الدماغية ويتمظهر في شكل نوبات حادة ومتكررة وفجائية، ويكون من خصائصه إتيان المريض لسلوكات تشنجية أو اهتزازية ([287])، وقد تم تعريفه أيضا بأنه ” اضطراب وقتي في وظائف المخ يميل إلى التكرار بشكل نوبات آنية ومحددة ومصحوبة بفقدان الوعي أحيانا ” ([288])، وهو ينشأ أساسا كنتيجة لتغيرات فيزيو كيميائية في خلايا المخ مما ينتج عنه التأثير في مظاهر سلوك المريض ([289])، قد يتطور إلى فقدان للوعي أو الذاكرة فلا يستطيع السيطرة على جوارحه ويكون معرضا لنوبات ودوافع لا قبل له باحتمال مقاومتها ([290]). ويميز علم الطب النفسي في نوبات الصرع بين النوبة الكبرى والنوبة الصغرى، ففي الأولى يسقط خلالها المريض على الأرض فاقدا للوعي نتيجة ازدياد حدة الاختلاجات والتشنجات في الأطراف والجسم وتعابير الوجه، وهي نوبة يسبقها عادة علامات منذرة بساعات أو أيام تعلن عن قرب حدوثها، ومن هذه العلامات القلق والصداع والاكتئاب والتوتر، أو بعض اضطرابات الإدراك الحسي كالهلوسة مثلا ([291])، وفي الثانية تخف حدة هذه التشنجات ويحتفظ المريض فيها بوعيه، غير أن أعراض الصرع عموما تظهر في الحالتين معا والمتمثلة في حالة التوتر وسرعة التهيج والغضب أو الصداع والكآبة ([292]).

وقد افترض العالم لمبروزو وجود علاقة بين الجريمة ومرض الصرع، قائلا أن هناك منطقة مشتركة بين الإجرام والصرع الذي اعتبره سببا هاما من أسباب الجريمة ([293])، وغالبا ما يرتكب المريض بالصرع جرائمه بعد نوبة صرعية أو قبل
حدوثها مباشرة، ويرتكب جرائم قتل أو اغتصاب غريبة غير مفهومة، وقد يقدم البعض على الانتحار ([294])، نتيجة اشتداد آثار الاضطراب العقلي وهو ما سمي أيضا بجنون الصرع ([295]).

الفقرة الثانية: الأمراض العقلية الوظيفية

وهي نوع من الأمراض العقلية التي لا يكون منشأها سببا عضويا ([296]) وإنما ترجع إلى بعض الاضطرابات النفسية التي قد تصيب المريض.

البند الأول: الفصام أو الشيزوفرينيا Schézophrénie

وهو الأوسع انتشارا في الأمراض العقلية ويعني انقسام الشخصية، وعدم انتظامها ([297])، وقد تم تعريفه أيضا أنه اضطراب عقلي أو ذهان عقلي ينتمي إلى فصيلة الأمراض الوظيفية التي لا ترجع إلى أسباب عضوية في جسم الإنسان أو في مخه ولكنها اضطرابات تطرأ على الوظائف العقلية ([298])، ومن أعراضه الانسحاب من الحياة الاجتماعية، وعدم التفاعل معها وتفضيل الانطوائية والعزلة وحياة التشرد ([299])، ويضاف إلى هذه الأعراض الهلاوس سواء السمعية أو البصرية.

ويعد الفصام من أخطر الأمراض العقلية وأكثرها صلة بالجريمة، حيث يندفع المريض إليها بإيعاز من هلاوسه وهذاءاته فيتكون لديه اعتقاد خاطئ يدفعه على ارتكابها، وتشكل جرائم الإيذاء أكثر الجرائم شيوعا بين مرضى الفصام العقلي ([300]).

البند الثاني: ذهان الهذاء أو البارانويا Paranoia

وقد تم تعريف البارانويا بأنها ” حالة مرضية ذهانيه واضطراب وظائفي، وتتصف بالأوهام، والهذيان والمعتقدات الخاطئة عن الاضطهاد، أو الشعور بالعظمة، أو هذاء الجنس، أو هذاء الغيرة والمشاكسة” ([301]). وغالبا ما يعيش المصاب بمرض ذهان الذهاء حياة مستقرة نوعا ما إلى جانب عائلته غير أنه يتمسك بوجود معتقد وهمي عندما يتعلق الأمر بموضوع معين له علاقة بأعراض المرض لديه، فمن كان مصابا بهذاء العظمة يعتقد في كونه شخصا عظيما في ميدان معين من ميادين الحياة الاجتماعية، ومن كان مصابا بهذاء الاعتلال يعتقد في إصابته بمرض خطير في جسمه، والمصاب بهذاء الاضطهاد يعتقد في كونه مضطهدا من الجميع، ومن كان مصابا بهذاء العشق يعتقد انه معشوق النساء وقاهر قلوب العذارى، والمصاب بهذاء الغيرة يعتقد في خيانة من يحبها خطيبة كانت أو زوجة أو عشيقة ([302]). ومن خلال ما تقدم يتبن بان أعراض البارانويا قد تأتي في شكل شعور بالاضطهاد أو العظمة الأمر الذي قد تفرز معه بدورها هلاوس سمعية وحسية وهذيانات مختلفة قد تخلق لديه انعدام الترابط الذهني والتوافق الاجتماعي ([303]).

وتعتبر البارانويا من بين الأمراض العقلية الخطيرة التي تستمد خطورتها من مختلف الجرائم التي يرتكبها المريض بدافع من الهذيان الذي قد يسيطر على تفكيره، دون أن يكون له سندا في الواقع الفعلي ([304])، ويتشكل الفعل الإجرامي الذي قد يرتكبه مريض البارانويا على حسب الأعراض المرضية المسجلة لديه ([305]).

البند الثالث: ذهان الهوس والاكتئاب

تختلف نوبات الهوس عن نوبات الاكتئاب، في أن منشأ الأولى يكون حالة من النشوة والغبطة تغمر المصاب وتتطور في مرحلة ثانية إلى حركية زائدة تصاحبها ثرثرة قد تقلب حالة الانتشاء إلى غضب وهياج قد يؤدي به إلى ارتكاب الجريمة، وتنشأ الثانية (الاكتئاب ) من إغراق النفس في الهموم والأحزان والخواطر المظلمة ([306]) وبالتالي اختيار العزلة والانطواء، وقد ينتقل المريض من هوس وهياج إلى هبوط واكتئاب، وقد يقدم على تصرفات عنيفة كإيذاء الغير وتحطيم الأشياء، ثم يعود للضحك بصوت عال، وبعدها يدخل في مرحلة هدوء واكتئاب ([307]). وخلال النوبات الحادة لهذاء الهوس والاكتئاب قد يرتكب المريض تجاوزات جنائية خطيرة، قد تصل إلى حد القتل والانتحار كحالة الأم التي قامت بقتل أطفالها الثلاثة مخافة المجاعة بزعمها، ثم حاولت الانتحار غير أنه وقع إسعافها لتدلي بهذه الرواية ([308]).

وخلاصة الكلام في هذا المقام، أن معنى الفصام والذهان كأمراض عقلية غالبا ما تختلط بمصطلح الجنون الشائع في الفقه الجنائي كمعيار لتحديد المسؤولية الجنائية، وهو مفهوم لا يتفق مع تصورات علماء النفس وأطباء الصحة العقلية، لما ينطوي عليه من مفهوم قانوني ضيق لهذه الأمراض العقلية.

المطلب الثاني: الأمراض النفسية

وتسمى أيضا بالأمراض العصبية ([309]) وهي تلك التي يلاحظ فيها اختلال جزئي في الشخصية نتيجة الإصابة باضطراب نفسي دون أن ينجم عن ذلك انفصال المريض عن محيطه الاجتماعي ([310])، وقد عرفتها جمعية الطب النفسي الأمريكي في تقريرها السنوي لعام 1952 بأنها ” مجموعة الانحرافات التي لا تنجم عن علة عضوية أو تلف في تركيب المخ، بل هي اضطرابات وظيفية، مزاجية في الشخصية، وترجع إلى الخبرات أو الصدمات الانفعالية، أو الاضطرابات في علاقات الفرد مع الوسط الاجتماعي الذي يعيش فيه ويتفاعل معه، وترتبط بماضي الفرد وخاصة في طفولته المبكرة ” ([311]) وهي ما قد يؤدي في الغالب من الأحيان إلى الإنقاص من ملكتي الإدراك والإرادة دون أن يصل حد إفقادهما كليا.

الفقرة الأولى: الهستيريا Hysterie

وقد تم تعريفها بأنها ” عصاب تحولي أي مرض نفسي يتميز بتحول الصراع النفسي إلى صورة اضطراب بدني أو عقلي، دون أن تكون هناك علل عضوية يمكن أن تسبب هذه الاضطرابات التي هي في الواقع بمثابة محاولات للهروب من الصراع النفسي، وللتخلص من القلق الذي تنشأ عنه، فالمريض الهستيري إنما هو شخص يهرب من القلق، بالالتجاء إلى الاضطرابات البدنية والعقلية التي تكون مفيدة نوعا ما في وقايته وحمايته ” ([312]).

وهي تنتج حسب العالم فرويد عن كبت مرضي لمؤثرات جنسية، حيث دلت أساليب التحليل النفسي، على أن عامل الكبت يقوم بدور خطير في حياتنا العقلية، وله انعكاس مباشر على الخاصيات التي تكتسبها شخصيتنا ([313])، ولقد ميز علماء النفس في الهستيريا بين أربعة أنواع: فهناك الهستيريا التحويلية، والتي تنتج عن رغبات جنسية مكبوتة، ثم تتحول إلى أعراض بدنية وعضوية تتمثل في ظهور تشنجات وتقلصات عضلية، مصحوبة بهذيان لفظي، ولا يكون فيها المصاب فاقدا للوعي تماما وإنما مفتقدا للجزء منه فقط ([314])، وهناك الهستيريا القلقية التي هي عبارة عن تخيلات فكرية قاتمة، وأحلام يقظة مزعجة، تساور المصاب بالمرض ([315])، ثم هستيريا المعتقدات الوهمية، وهي ثلة من الأوهام التي تسيطر على المصاب فتفسد سلامة تقديره، بحيث تظهر له كحقائق واقعية ([316]). وأخيرا المخاوف الهستيرية التي هي عبارة عن مخاوف وانفعالات يستشعرها المصاب من مواقف وأشياء معينة لا تستدعي الخوف عادة، كالخوف من بعض الحيوانات أو من المرور أو الوقوف في أماكن معينة كالمضايق والمرتفعات ([317]).

وقد يقدم المريض الهستيري على ارتكاب جرائم متفاوتة الخطورة ذات صلة بحالته المرضية التي قد تتطور إلى هذيان مصحوب باختلاط وهلاوس سمعية وبصرية، كتوجيه تهمة خطيرة للنفس أو الغير أو الشروع في الانتحار ([318]).

الفقرة الثانية: القلق النفسي

هو مرض نفسي مرجعه وجدانات القلب المترتبة عن عدم إشباع الغرائز الجنسية ([319]) لعدم تيسر الوسيلة المشروعة لذلك، أو توفرها بشكل غير متكافئ وفي ظروف غير ملائمة لا تروي الظمأ الجنسي، مما ينعكس على شؤون الحياة الأخرى، يستشعر فيها المريض القلق وعدم الارتياح، مما قد يدفعه في مرحلة متقدمة إلى إدمان المخدرات والمسكرات ([320]).

الفقرة الثالثة: الإعياء النفسي

ويسمى أيضا بالضعف العصبي أو النورستنيا Neurastheria، ويتمظهر في شكل ضعف في القوى المعنوية وإحساس بالإعياء والتعب عند القيام باقل مجهود ذهني أو عضوي ([321])، وعلى خلاف القلق النفسي يرجع علماء النفس أسباب الإعياء إلى الإفراط في العملية الجنسية، ويرى آخرون إلى أن منشأ المرض هو التسمم الذاتي الناشئ عن فساد في الجهاز الهضمي ([322])، وغالبا ما يكون المصابون بهذا المرض من الفاشلين في الحياة العملية، فيقدمون على اختيار الانزواء والانطواء والاستغراق في التفكير في مشاكلهم، مما يؤدي إلى اشتداد الإعياء لديهم، وقد يتورطون في ارتكاب أنشطة إجرامية لا تحتاج إلى نشاط بارز ([323]).

وخلاصة القول فإن الأمراض النفسية بشكل عام لا تؤدي عادة إلا إلى الإنقاص من ملكتي الإدراك والإرادة لدى الجانحين، الأمر الذي لا ترتفع معها المسؤولية الجنائية عندهم، بالرغم مما قد يشكل ذلك من مدخل لإنقاصها حسب درجة ما اعترى ملكاته العقلية من ضعف أو اختلال.

المبحث الثاني

شروط امتناع المسؤولية الجنائية نتيجة الإصابة بالمرض

الأصل في الإنسان سلامة العقل والقدرة على التمييز وكليهما يشكل مناط المسؤولية الجنائية. وهو ما ذهب إليه المشرع المغربي في الفصل 132 من القانون الجنائي – كما سلف الذكر عندما قرر بأن ” كل شخص سليم العقل قادر على التمييز يكون مسؤولا شخصيا عن الجرائم التي يرتكبها “، غير أن سلامة العقل تكون على المحك عندما يثور ما يفيد بأن مرتكب الفعل الجرمي مصاب بمرض عقلي أو اختلال نفسي أفقد لديه ملكتي الإدراك أو الإرادة (المطلب الأول)، وأن ذلك تزامن مع اقترافه لهذا الفعل (المطلب الثاني )، لتكتمل بذلك شروط امتناع المسؤولية الجنائية.

المطلب الأول: فقدان الإدراك والإرادة نتيجة الإصابة بخلل عقلي

إن الخوض في هذا الموضوع يستدعي توضيح ماهية كل من عنصري الإدراك والإرادة (الفقرة الأولى )، والحديث عن مدى تأثرهما كليا أو جزئيا نتيجة الإصابة بخلل في القوى العقلية ( الفقرة الثانية ).

الفقرة الأولى: ماهية الإدراك والإرادة

لقد أجمع أغلب الفقه على أن مقياس المسؤولية الجنائية يتحدد بمدى توفر عنصري الإدراك والإرادة لدى الجاني أو فقدانهما، وقد عرف الإدراك بأنه” قدرة الإنسان على فهم ماهية وطبيعة أفعاله، وتقدير نتائجها من حيث الواقع دون
القانون ” ([324]). بمعنى اكتسابه القدرة على تقدير نتائج أفعاله من حيث اعتبارها صوابا أو خطأ، قد ينتج عنها في هذه الحالة الأخيرة الإضرار بالحقوق الاجتماعية، التي وفر لها المجتمع حماية جزائية دون أن يشمل ذلك إلماما بمقتضيات القوانين الزجرية المنصوص عليها، على اعتبار أن ذلك يكون مفترضا، إذ لا يعذر أحد بجهله للقانون، وعملية الإدراك ليست حسية مما يجعلها غير قابلة للملاحظة المباشرة، وإنما يستدل عليها بالاستجابات الصادرة عن الفرد ([325])، دون أفعاله المختلفة، وفي بعض التشريعات العربية كمصر والأردن يأتي الإدراك بمسميات مختلفة كالوعي والشعور، وقد يأتي بمعنى التمييز ([326])، أي المقدرة على فهم ماهية الفعل المرتكب وطبيعته والآثار المترتبة عليه من زاوية ماديات الفعل دون تكييفها القانوني ([327])، فالإدراك إذن هو العلم بالصفة غير المشروعة للفعل من حيث آثاره وأضراره ومخاطره التي تلحق بالحقوق والمصالح الجديرة بالحماية الجزائية، وليس العلم بتكييفه القانوني، ولقد أضافت قواعد ماكناتن Mc Naughten rules، مسألة الخطأ والصواب في عنصر الإدراك فاعتبرت أنه معرفة الإنسان لطبيعة وصفة فعله وتمييزه في ما إذا كان خطا أو صوابا ([328]) حيث تنتفي المسؤولية بعدم علم الجاني بطبيعة فعله أو أثره (صفته) أو أنه خطأ بمقياس الشخص العاقل.

أما الإرادة فقد عرفت بأنها نشاط نفسي يتجلى في قدرة الإنسان على توجيه نفسه لارتكاب فعل معين أو للامتناع عنه ([329]) وقد عرفت أيضا الإرادة بأنها ” قدرة الشخص على توجيه سلوكه على نحو معين بحرية واختيار ” ([330])، فهي حالة نفسية داخلية تتحكم في اختيارات الشخص بإتيان الفعل أو الكف عنه، قد تأتي بلفظ حرية الاختيار التي هي مقدرة الجاني على تحديد الوجهة التي تتخذها إرادته، فلا يكفي أن يكون قادرا على أن يعلم بالتوجهات المختلفة التي يمكن أن تتخذها، بل يجب أن يكون قادرا على اختيار توجها منها وتوجيه إرادته إليها ([331])، سواء بالإتيان أو الترك، فحيث تتكون الجريمة بالامتناع يجب الإقدام على الفعل، وحيث تتكون بالإتيان على الفعل يجب الامتناع عنه ([332])، غير أن ذلك مشروط بتوفر قدر من حرية الاختيار لدى الجاني لإمكانية مساءلته، فاذا أحاطت به ظروف انتفت معها هذه الحرية أو تقلصت بشكل معين فلم تترك له سبيلا آخر إلا إتيان الفعل، ارتفعت مسؤوليته أو تخففت حسب الأحوال ([333])، وهو مذهب نادت به المدرسة التقليدية وتأثرت به العديد من التشريعات الحديثة واعتمدته في قوانينها ([334])، مستبعدة نظرية أنصار مذهب الجبرية – المدرسة الموضوعية – والذين ينكرون وجود الإرادة وحرية الاختيار، نظرا لخضوع الإنسان لجميع أفعاله وتصرفاته لمؤثرات تتعلق بذاته ومحيطه الاجتماعيين، وهي التي تدفعه نحو الوجهة التي تريدها، والمسؤولية لدى أنصار هذا المذهب هي مسؤولية اجتماعية فيسأل الجاني عن جريمته على أساس اجتماعي، إذ أن الجريمة مقدرة عليه، وللمجتمع الاحتراز منه وإيقاع التدبير عليه ([335])، وهو توجه لم يجد له صدى في أغلب القوانين والتشريعات المعاصرة.

هذا وإن القول برفع المسؤولية الجنائية يتحقق بمجرد فقدان احد هذين العنصرين: الإدراك أو الإرادة ولو دون الآخر، وفي ذلك يقول الأستاذ أشرف توفيق شمس الدين أنه ” ليس بشرط أن يفقد الجاني الشعور والاختيار معا بل يكفي أحدهما” ([336])، فقد يفقد الجاني الإدراك بخلل عقلي رغم توجيهه إرادته لارتكاب الفعل الجرمي، كما أنه قد تنعدم الإرادة لديه لوقوع إجبار أو إيحاء يسلبها نتيجة استغلال اضطرابات نفسية رغم إدراكه النسبي للمضار التي قد ينطوي عليه فعله، وعلى هذا الأساس سار المشرع المغربي الذي نص على انعدام المسؤولية الجنائية للجاني بمجرد انتفاء أحد العنصرين دون أن يشترط اجتماعهما معا، وهو ما قد يفهم من استعمال المشرع لحرف العطف أو ([337]) ” يستحيل عليه معها الإدراك أو الإرادة ” الفصل 134 من القانون الجنائي، بمعنى أن المسؤولية الجنائية ترتفع بمجرد توفر أحدهما ولو بمعزل عن الآخر.

الفقرة الثانية: تأثير الخلل العقلي على عنصري الإدراك والإرادة

لقد سبق القول بأن تحقق المسؤولية الجنائية عن الفعل الضار لا تتم إلا في ظل سلامة العقل والقدرة على التمييز، غير أن الإصابة بأحد الأمراض العقلية أو النفسية قد يؤدي حتما إلى التأثير على سلامة العقل، ويضع المسؤولية الجنائية في الميزان في ظل اختلال ملكتي الإدراك والإرادة بتزامن مع ارتكاب الفعل الجنائي، وحسنا فعل المشرع المغربي عندما اختار استعمال عبارة ” خلل في قواه العقلية ” للتنصيص على الإصابة بمرض من الأمراض العقلية أو النفسية. وهي عبارة واسعة تشمل جميع ما يصيب العقل من اختلال وعاهات قد تفقده الإدراك أو الإرادة، ولم يقم بربط ذلك بوجود مرض عقلي أو نفسي معين، كما هو الشأن بمرض الجنون مثلا، على غرار ما فعلته بعض التشريعات الأخرى ([338]) فكان بذلك متميزا عنها، وموفقا إلى حد كبير في الأخذ بنظريات علم النفس والطب النفسي بشأن تصنيفات الأمراض العقلية والنفسية التي هي كثيرة ومتعددة – كما رأينا – ودون أن يحصرها في مسمى الجنون باعتباره الاختلال العقلي الشائع في كتب الفقه الجنائي، تاركا هذه المسألة لذوي الاختصاص يحددونها تبعا لما هو متعارف عليه في علم النفس كاختلالات عقلية أو نفسية. ولا يخلو الأمر في هذه الحالة من فرضيتين: تؤدي الأولى إلى القول بانعدام المسؤولية الجنائية لدى الجاني إذا ما ثبتت إصابته بأحد الأمراض العقلية أو النفسية أفقدته الإدراك أو الإرادة بتزامن مع اقترافه الفعل الجنائي، وتؤدي الثانية إلى إنقاص مسؤوليته الجنائية إذا تسبب المرض العقلي في التشويش على هاتين الملكتين وإضعافهما دون بلوغ حد إفقادهما. وهو ما تبناه المشرع المغربي حيث عكست المادة 134 من مدونة القانون الجنائي فرضية المسؤولية المنعدمة وقد جاء فيها ” لا يكون مسؤولا ويجب الحكم بإعفائه من كان وقت ارتكابه الجريمة المنسوبة إليه في حالة يستحيل عليه معها الإدراك والإرادة نتيجة لخلل في قواه العقلية “.

ويعد الهوس الاكتئابي المزمن، والصرع المصحوب باضطراب الشخصية، والفصام المرفوق بالهذيان من أهم الأمراض العقلية التي غالبا ما تؤدي إلى رفع المسؤولية الجنائية ([339])، كما أورد الأستاذ أكرم نشأت إبراهيم في مؤلفه علم النفس الجنائي مجموعة من الاضطرابات النفسية التي تعدم المسؤولية الجنائية عند الجانح، ومن ذلك إصابته بنوبات الهستيريا التشنجية، أو الهستيريا التسلطية ونوبات ازدواجية الشخصية، وهي كلها حالات مرضية يختل فيها إدراك المصاب بها وأرادته إلى حد فقدانهما مما يستتبع القول بانعدام مسؤوليته الجنائية ([340]).

أما فرضية المسؤولية الناقصة فقد نص عليها المشرع المغربي في المادة 135 من مدونة القانون الجنائي بقوله ” تكون مسؤولية الشخص ناقصة إذا كان وقت ارتكابه الجريمة مصابا بضعف في قواه العقلية من شأنه أن ينقص إدراكه أو إرادته ويؤدي إلى تنقيص مسؤوليته جزئيا “، وتبعا لذلك تكون أهم خاصيات الأمراض العقلية النفسية التي تنقص المسؤولية هي عدم إلغاء الإدراك أو الإرادة لدى المصابين بها كليا، وإنما إضعافهما والتشويش عليهما بشكل قد يؤدي في كثير من الأحيان إلى اختراق ستار الجريمة، وارتكاب أفعال انحرافية. ومن هذه الأمراض نجد حالة الهستيريا القلقية وهستيريا المعتقدات الوهمية والمخاوف الهستيرية، وكذا القلق النفسي والإعياء النفسي ([341])، وجميعها عبارة عن عوارض نفسية لا تعدم المسؤولية وإنما تنقصها وتخفف منها، فكثيرا ما يظهر المصاب بها بمظهر الشخص العادي الذي يتجاوب بشكل طبيعي مع محيطه الخارجي، ولا يستطيع غير خبير تقدير إصابته بهذه الاختلالات النفسية.

المطلب الثاني: تزامن ارتكاب الفعل الجرمي مع فقدان الإدراك أو الإرادة

هل الجاني كان فاقدا لإدراكه أو إرادته وقت ارتكابه للفعل الجرمي؟ ذلك هو السؤال المحوري الذي يكون الخبير النفسي مطالبا بالإجابة عنه بشكل واضح لا يعتريه لبس أو غموض، عندما تنتدبه الجهة القضائية المختصة لإجراء خبرة طبية على متهم بارتكاب فعل جرمي تبين خلال إحدى مراحل البحث أو التحقيق أو المحاكمة أنه مصاب باختلالات عقلية أدت إلى إفقاده الإدراك والإرادة، وكانت السبب وراء ارتكابه للفعل الجرمي. وهي الحالة المرضية التي يكون على الطبيب الخبير إثبات وجودها، وتحديد ماهيتها، وإظهار انعكاسها على الوقائع المعروضة عليه، قبل أن يخوض في مسألة تحديد زمن ووقت الإصابة بها، ومدى تزامن ذلك مع ارتكاب الفعل الإجرامي، وفي هذه الحالة الأخيرة لا يخلو الأمر من حالتين:

الفقرة الأولى: تقرير تزامن فقدان الإدراك أو الإرادة مع ارتكاب الفعل الإجرامي

عندما يخلص الخبير في نتيجة تقريره إلى أن الجاني كان فاقدا للإدراك أو الإرادة أثناء ارتكابه للفعل الإجرامي، يكون على محكمة الموضوع أن تصرح بعدم مسؤوليته وتحكم بإعفائه، وفي حالة استمرار خلله العقلي أن تأمر بإيداعه في مؤسسة لعلاج الأمراض العقلية ([342])، ويستمر هذا الإيداع القضائي طالما استوجبه الأمن العام وعلاج الجاني مع ما يستتبع ذلك من فحص دوري لتشخيص حالته الصحية قد يفضي إلى إنهاء حالة الإيداع باتباع المسطرة القانونية المنصوص عليها في المادة 77 من مجموعة القانون الجنائي والتي سنعمل لاحقا على بسطها بشيء من التفصيل في معرض تناولنا لمسألة الإيداع القضائي. وللقول بإعفاء الجاني، لابد للمحكمة أن تتأكد من تزامن الفعل الجرمي المرتكب مع حالة فقدان الإدراك أو الإرادة كنتيجة لإصابته بخلل في قواه العقلية، ولا تنتفي المسؤولية الجنائية في حالة الجنون المتقطع مثلا ووقوع الجريمة في فترة الإفاقة. كما لا تؤثر الإصابة بالخلل العقلي في المسؤولية إذا كانت سابقة عن ارتكاب الجريمة أو لاحقة عنه. وفي هذا يقول بعض الباحثين ” ويجب أن يكون الجنون أو العاهة العقلية قد احدث أثره في الإدراك أو الاختيار وقت ارتكاب الجريمة، ولذلك فان المرض العقلي المتقطع لا ينفي المسؤولية، إذا كانت الجريمة قد ارتكبت في فترات الإفاقة، إذ تعني الإفاقة احتفاظ المتهم بشعوره واختياره” ([343]).

ويلاحظ أن المشرع المغربي لم يفصح صراحة عن الموقف القضائي الذي يتعين سلوكه في حالة الحكم بإعفاء شخص ثبت عدم إدراكه وفقدانه لإرادته أثناء ارتكابه للفعل الجرمي، ثم تحسنت بعد ذلك حالته وأظهر عند إجراء الخبرة إشارات إيجابية بشفائه من الخلل العقلي الذي لحق به، وكان سببا في إعدام مسؤوليته الجنائية وقت ارتكابه للفعل المنسوب إليه. وأحسب أن القصد الضمني للمشرع، والتصرف الأقرب إلى العدالة في هذه الحالة، هو أن تقرن المحكمة حكمها القاضي بالإعفاء بإطلاق سراح المعني بالأمر حالا، إلا أنه من الناحية العملية فهذه الفرضية تكاد تكون منعدمة وعبثا حاولت إيجاد قضية مماثلة بت فيها القضاء المغربي على النحو المشار إليه غير أنني لم أجد، فالمعتاد أن الأحكام بالإعفاء تكون مقرونة بالإيداع في مؤسسة لعلاج الأمراض العقلية استجابة لما خلص إليه الخبير في خاتمة تقريره، والذي غالبا ما يكون بألفاظ تفيد استحالة الإدراك أو الإرادة ([344]) في تناسب زمني مع ارتكاب الأفعال الانحرافية مشفوعة باقتراح إيداع الجانحين في المؤسسات العلاجية المتخصصة.

الفقرة الثانية: تقرير فقدان الإدراك أو الإرادة بعد ارتكاب الفعل الإجرامي

وهي الحالة التي يتعين أن ينتهي إليها الخبير في خاتمة تقريره، بعد أن يضمنها ما يفيد بأن المتهم كان مكتمل المسؤولية الجنائية أو ناقصها أثناء ارتكابه للأفعال المنسوبة إليه وأن ما ظهر بعد ذلك عليه من أمارات الخلل العقلي كان بعد ارتكابه لهذه الأفعال. وهي الحالة التي لم ينص عليها المشرع المغربي صراحة وان كان قد أورد إحدى تطبيقاتها في المادة 79 من القانون الجنائي والذي يتحدث عن الحالة التي يعجز فيها المتهم عن إبداء أوجه دفاعه أثناء سريان محاكمته بسبب اضطراب نفسي لحقه بعد ارتكابه للفعل الجنائي، والتي جاء فيها انه ” إذا قررت محكمة الموضوع بعد الخبرة الطبية أن الشخص المتابع لديها بجناية أو جنحة كامل المسؤولية أو ناقص المسؤولية بالنسبة للوقائع المنسوبة إليه، ولكن بسبب خلل في قواه العقلية طرأ عليه أو اشتد أثره بعد ارتكاب الفعل، أصبح غير قادر على الدفاع عن نفسه في الدعوى، فانه يجب عليها:

– أن تقرر أن المتهم عاجز عن إبداء دفاعه بسبب خلل في قواه العقلية.

– أن تامر بوقف النظر في الدعوى.

– أن تامر بإدخاله في مؤسسة لعلاج الأمراض العقلية.

ويبقى الأمر بالاعتقال ساريا بالنسبة للمتهم حتى يتم إيداعه فعلا، ويجب على الطبيب المعالج أن يخطر رئيس النيابة العمومية بقرار إخراجه في ظرف عشرة أيام على الأقل قبل تنفيذ الأمر بالخروج، ويبقى الأمر بالاعتقال الذي كان نافذا وقت إدخاله بالمؤسسة ساري المفعول وتستأنف المتابعة، بناء على طلب النيابة العامة، وفي حالة صدور حكم بعقوبة سالبة للحرية فان محكمة الموضوع يمكن لها أن تخصم المدة التي قضاها في المؤسسة من مدة تلك العقوبة “.

فقد يظهر لمحكمة الموضوع، أن الشخص المتابع أمامها صار عاجزا عن الدفاع عن نفسه بسبب خلل عقلي طرأ عليه أو تنامي أثره بعد ارتكابه للفعل، رغم وجود خبرة بين يديها أمرت بإجرائها في وقت سابق، أثبتت مسؤوليته الجنائية الكاملة أو الجزئية عن اقترافه له، غير أنها لاحظت بعد ذلك تدهور حالته العقلية بشكل أفقده القدرة على إبداء أوجه دفاعه، وهو ما تكون معه مطالبة بإصدار مقرر قضائي تسجل فيه عجز المتهم عن إبداء دفاعه بسبب خلل في قواه العقلية، وتأمر فيه بوقف النظر في الدعوى، وإيداعه في مؤسسة لعلاج الأمراض العقلية التي يظل بها إلى أن يقرر الطبيب المعالج وضع حد لهذا الإيداع وإخراجه لتحسن حالته العقلية. هذا القرار الذي يتعين أن يشعر به رئيس النيابة العامة قبل عشرة أيام على الأقل من تنفيذه ليتمكن من استئناف المتابعة.

غير أنه من خلال استقراء واقع العمل القضائي يتضح أن تطبيق مقتضيات هذه المادة شبه غائب عن ردهات المحاكم، وعبثا حاولت إيجاد حالة قضائية تم فيها تفعيل فحوى الفصل 79 من القانون الجنائي غير أنني لم أجد، ولست أزعم أن العمل القضائي المغربي خال مما يفيد التصدي لهذه الحالة، غير أنني على يقين أن المجهود المتواضع الذي بذلته في التنقيب، لم يسفر عن مثل هذه النتيجة التي كنت أرجوها لتدعيم هذا البحث بحالات عملية تصدى لها القضاء المغربي. لعل مرد ذلك إلى الصعوبة البالغة التي يجدها الخبراء المتخصصين من علماء النفس والأطباء النفسانيين في تحديد وقت فقدان الإدراك أو الإرادة، كمسألة شديدة التعقيد والدقة فما بالك بغيرهم ممن لا يتوفرون على هذه الدراية العلمية المتخصصة. كما أن مسألة فقدان الإرادة أو الإدراك غالبا ما تكون عالقة لدى المشتغلين في الدعوى من قضاة ومحامين وخبراء بوقت ارتكاب الأفعال الجنائية وليس بعدها أو قبلها، باعتباره العنصر المحدد لوجود المسؤولية الجنائية أو نفيها. فضلا عن أن القضاة يتعاملون بحذر شديد مع كل شخص متابع ظهرت عليه اضطرابات نفسية بعد ارتكاب الفعل الإجرامي، مخافة أن يقعوا في مصيدة تصنعه للمرض، وبالتالي أن يستفيد من إعفاء عقابي لا يستحقه، وهو ما استنتجته شخصيا من خلال تتبع بعض القضايا الجنائية التي أثيرت فيها مسألة عرض الأشخاص المتابعين على خبرة طبية نفسية للاشتباه بإصابتهم باختلالات عقلية مع أنهم أبدوا تجاوبا واضحا وردود فعل عادية وطبيعية مع كافة المتدخلين في البحث الجنائي سواء إبان فترة البحث التمهيدي أو خلال مرحلة التحقيق الإعدادي، بل وحتى بعد بدأ سريان المحاكمة، ثم ظهرت عليهم بعد ذلك بعض أمارات الاضطراب النفسي دون أن يكون من بين وثائق الملف ما قد يعزز حصول مثل هذا الاختلال.

وقد أثبت الواقع العملي أن رد فعل المحكمة غالبا ما يكون باختيار أحد مسلكين لإنهاء الدعوى العمومية: فأما أن تقرر أن الجاني الذي طرأ عليه خلل عقلي يعد مسؤولا جنائيا عن فعله الإجرامي وان ما ظهر عليه من اضطرابات نفسية لاحقة، تعد مجرد محاولة منه للإفلات من العقاب، خاصة وأنه قد أبدى تجاوبا واضحا خلال المراحل المختلفة التي مرت منها الدعوى العمومية، فتصدر تبعا لذلك حكمها القاضي بالإدانة واستحقاق العقاب. وإما أن تحيله على خبرة طبية يقوم بها طبيب نفسي، تكون مهمته إبراز العناصر التي يتم بواسطتها تحديد درجة المسؤولية الجنائية عند الجاني، ويكون قرار المحكمة منسجما مع النتائج التي خلص إليها الخبير، سواء بإدانته أو بإعفائه.

وهو التوجه الذي يبدو أقرب إلى الاجتهادات التي تواترت مؤخرا عن المجلس الأعلى والتي سنعمل على الإشارة إليها في حينه.

أما تفعيل مقتضيات الفصل 79 من القانون الجنائي فهي نادرة الحصول في المحاكمات الجنائية، على اعتبار أن تركيز أطراف الدعوى العمومية ينصب على فقد أن الإدراك أو الإرادة أثناء ارتكاب الأفعال الانحرافية وليس قبل ذلك أو بعده. كما أن اللجوء إلى مقتضيات هذه المادة تشترط أن تكون هناك خبرة نفسية سابقة أمرت بها المحكمة وثبت لديها من خلاصتها، أن الشخص المتابع أمامها هو كامل المسؤولية أو ناقصها وهو ما يفهم من استقراء الفقرة الأولى من الفصل 79 من القانون الجنائي ” إذا قررت محكمة الموضوع، بعد الخبرة الطبية، أن الشخص المتابع لديها بجناية أو جنحة كامل المسؤولية أو ناقص المسؤولية بالنسبة للوقائع المنسوبة إليه “.

وصيرورة المتهم بعد ذلك عاجزا عن إبداء أوجه دفاعه قد يكون مدعاة للاعتقاد في تصنعه للمرض ومحاولة للتملص من المسؤولية. والرأي أن تسارع المحكمة إلى تفعيل مقتضيات الفصل 79 من القانون الجنائي وذلك بتقرير عجز الجاني عن إبداء أوجه دفاعه بسبب إصابته بهذا الخلل العقلي، وتصدر تبعا لذلك قرارها بوقف النظر في الدعوى، وإيداعه في مؤسسة علاجية إلى حين شفائه واسترجاع قدرته على الدفاع عن نفسه، ويكون قرارها في كلتي الحالتين خطوة كبيرة نحو إرساء العدالة فهي تحافظ للجاني على حقه في إبداء أوجه دفاعه من جهة، وتحمي المجتمع من أي تلاعب أو تحايل قد يحول دون إنفاذ العقاب بمستحقيه من جهة أخرى. غير أن ما يمكن أن يؤاخذ على الصيغة التي تضمنها الفصل 79 من القانون الجنائي، هو خلوها من إظهار الكيفية التي تتأكد فيها المحكمة بلحوق خلل عقلي طارئ على المتهم، خاصة وأن الفصل القانوني المذكور يفترض أنها أمرت بإنجاز خبرة عقلية أولى ثبت لديها بموجبها توفر المسؤولية الجنائية في صورتها الكاملة أو الناقصة لديه. فهل تقرر بنفسها وقوع مثل هذا التراجع في ملكاته العقلية بشكل أعجزه عن الدفاع على نفسه، أم أنها تأمر بخبرة ثانية للوقوف على هذه المسألة. وأمام سكوت النص القانوني، لا يسعنا إلا أن نؤكد على أن تقدير وجود الخلل العقلي من عدمه، هو مسألة فنية لا تتسع له معارف القاضي ولا يمكن أن يشق إليها طريقه بنفسه، بل تتطلب الاستعانة بذوي الاختصاص لتحديدها، فالراجح إذن أن تستعين المحكمة بأهل الخبرة، في خبرة طبية ثانية لتأكيد حصول مثل هذا الاضطراب النفسي من عدمه، وتتولى بعد ذلك إصدار القرار المناسب على ضوء نتيجة الخبرة.

ويترتب عن عجز المتهم عن إبداء أوجه دفاعه، وقف النظر في الدعوى وإيداعه في مؤسسة لعلاج الأمراض العقلية. وبعد صيرورة ذلك ممكنا تستأنف المتابعة بناء على طلب النيابة العامة، لمواصلة إجراءات المحاكمة على اعتبار أن الاختلال العقلي الطارئ على مرتكب الجريمة بعد اقترافه لها لا يلغي مسؤوليته الجنائية ([345]) غير أنه في حالة صدور عقوبة سالبة للحرية يمكن أن تخصم منها المدة التي قضاها الجاني رهن الإيداع القضائي.

ويلاحظ أن المشرع المغربي سكت عن الحالة التي يلحق فيها الاختلال العقلي بمرتكب الجريمة أثناء البحث التمهيدي، ولم يشر إلى الإجراءات المسطرية الواجب اتباعها في هذه الحالة، ولعل الرأي السليم هو أن تشير الضابطة القضائية إلى الطارئ الذي حصل للظنين والذي جعله يعجز عن الإدلاء بتصريحاته بخصوص الفعل الذي قام بارتكابه في صلب محضرها ثم تواصل باقي إجراءات البحث التمهيدي المتعلقة بالقيام بالمعاينات اللازمة وتفتيش الأماكن التي لها صلة بالجريمة، والاستماع إلى كافة المصرحين ممن لهم علاقة بالقضية موضوع البحث وذلك تفاديا لضياع معالم الجريمة، ثم تحيل محضرها رفقة الظنين إلى النيابة العامة التي تحيله بملتمس كتابي على قاضي التحقيق الذي يتولى تفعيل مقتضيات الفصل 136 من القانون الجنائي أو على المحكمة في القضايا التي لا تحقيق فيها لتفعيل مقتضيات الفصول 76-78-79 من نفس القانون حسب الأحوال ([346]).

وكما هو الشأن بسكوت المشرع عن حالة الخلل العقلي خلال البحث التمهيدي سكت كذلك عن حالة الإصابة باضطراب عقلي عند المحكوم عليه نهائيا بعقوبة سالبة للحرية والمتواجد رهن الاعتقال، والذي يبقى كذلك، حيث تعطى له العلاجات داخل السجن أو يتم عرضه بصفة دورية على اختصاصي في الطب النفسي لمتابعة حالته (المادتين 130-123 من القانون رقم 98-23 المتعلق بتنظيم وتسيير المؤسسات السجنية ) مع مراعاة تشديد المراقبة عليه وعزله اذا وصفت حالته بالخطيرة ويمكن اقتراح ترحيله إلى إحدى المؤسسات السجنية التي تتوفر على طبيب اختصاصي للأمراض العقلية والنفسية حتى يكون تحت إشرافه ( المادة 101 من المرسوم التطبيقي للقانون المتعلق بتنظيم وتسيير المؤسسات السجنية ). ويبقى معتقلا إلى أن يقع ما ينهي هذا الإجراء، وذلك على خلاف القانون المصري الذي ينص في المادة 487 من قانون ” الإجراءات الجنائية ” على وجوب إرجاء تنفيذ العقوبة حتى يبرأ المحكوم عليه مع إمكانية الأمر بوضعه في أحد المحال المعدة للأمراض العقلية من طرف النيابة العامة على أن تستنزل المدة التي يقضيها في هذا المحل من مدة العقوبة المحكوم بها ([347]). ونعتقد أن إرجاء تنفيذ العقوبة إلى حين شفاء المدان هو الأكثر عدلا والأقرب إلى الصواب، إذ أن الحكمة من الاعتقال بالردع أو الإصلاح تبدو غير مجدية مع من كان يعاني من خلل عقلي، ويبقى حريا بالمشرع المغربي أن يحذو حذو نظيره المصري في ذلك.

هذا وقد تعمدنا عدم تخصيص مبحث خاص للحالة التي يصاب فيها الجاني بإختلالات عقلية ونفسية قبل ارتكابه للفعل الإجرامي، إذ أن العبرة تبقى بفقدان الإدراك أو الإرادة أثناء اقترافه للجريمة، وهي الحالة التي تعدم مسؤوليته الجنائية وتعفيه من العقاب. أما إذا ثبت ارتكابه للفعل وهو في حالة عادية، بعد أن شفي من مرضه العقلي شفاء تاما، فإنه يسأل عن أفعاله مسؤولية كاملة. إلا أن مسألة الشفاء هذه لدى المجرم الذي كانت لديه اضطرابات نفسية هي صعبة التحقق، لذلك يرى بعض خبراء علم النفس أن المريض النفسي الذي تلقى علاجا نفسيا ولم يعد يشكل خطرا على المجتمع أو الأمن، ويقوم بشكل فجائي بارتكاب جناية وهو في حالة نفسية مرضية ” Etat psychique satisfaisant” يسأل مسؤولية ناقصة طبقا للفصل 135من القانون الجنائي ([348])، وهو قول لا نملك إلا أن نسلم به وندعمه، فطبيعة الأمراض العقلية والنفسية تجعل من الصعوبة البالغة الجزم بوقوع شفائها شفاء كاملا، كما أن احتمال ظهورها من جديد وبشكل فجائي يعد احتمالا واردا، فيكون من العدالة التعامل بنوع من الرأفة مع هذا النوع من الجناة.

المبحث الثالث

اثر ثبوت الإصابة بالمرض العقلي والنفسي

إن الإقرار بثبوت الإصابة بالمرض لدى مرتكب الفعل الجرمي هي من المسائل الموضوعية التي يختص بالفصل فيها قاضي الموضوع وهو إجراء يقوم به غالبا بعد الاستعانة بأهل الخبرة في ذلك (ا لمطلب الأول )، وبعد التصريح بثبوت المرض يبادر القاضي إلى تطبيق أثره على المسؤولية الجنائية (المطلب الثاني ).

المطلب الأول: ثبوت الإصابة بالمرض

قلنا أن إثبات المرض العقلي هو من اختصاص قاضي الموضوع، وللمحكمة أن تتحقق منه بنفسها أن آنست فيها القدرة على ذلك، فهي الخبير الأعلى في كل ما يستدعي خبرة فنية ([349])، فالأصل في الخبرة أنها جوازيه ولا إلزامية فيها فهي إمكانية مخولة للقضاء له أن يأخذ بها أو يطرحها ولا شيء عليه في ذلك، وهي اختيارية، سبق لمحكمة النقض أن أعلنت موقفها منها في عدة قرارات جاء في أحدها أن الخبرة هي “وسيلة إثبات تملك معها المحكمة سلطة تقديرية لا تخضع فيها لرقابة المجلس، وأن عدم الاستجابة لطلب إجراء خبرة لا يؤثر في قرار المحكمة وأن السكوت عنه يعد جوابا ضمنيا برفضه” ([350])، غير أن مسألة تقرير وجود العيب العقلي من عدمه وقت ارتكاب الجريمة هي من المسائل الشائكة شديدة التعقيد، لما لها من ارتباط وثيق بمعارف علم النفس والطب النفسي، وهو تخصص ينأى بطبيعته عن مجال تخصص القاضي ولا يمكن أن يشق إليها طريقه بنفسه خاصة وأن النتائج التي قد تترتب عن ثبوت الخلل العقلي من عدمه هي ذات أهمية كبيرة للفصل في الدعوى على النحو الذي يكون أقرب إلى العدالة ([351])، فأما إقرار المسؤولية لدى المتهم، وبالتالي عقابه طبقا للقانون، وأما القول بانعدام مسؤوليته الجنائية أو نقصانها حسب الأحوال. وهو ما يستتبع إعفاءه من العقاب أو تخفيضه في حقه. وباستقراء أنواع الأمراض العقلية والنفسية، والإحاطة بأسبابها وأعراضها، يتضح أن أخطرها هي التي لا تظهر للعيان، بل تكون متوارية في نفوس أصحابها كامنة بين ثنايا الصدور، ولا يستطيع غير خبير إخراجها من هذه المكامن. وفي هذا تقول إحدى الباحثات ” أن أخطر صور الجنون هي ما خفي أمرها بحيث يصعب على غير الخبير الفني اكتشاف أعراضه، فانه يحسن أن تستعين المحكمة في الحالات التي تكون محل شك بالخبير” ([352]).

لذلك فان التثبت من وجود الخلل العقلي لدى المتهم، هو بلا جدال مسألة تقنية لا يجدر بالقاضي الجنائي التصدي للجواب عنها بالإيجاب أو النفي بنفسه، وإنما يكون عليه الاستعانة بأهل الخبرة من الأطباء والأخصائيين النفسيين، لاستيضاح هذه المسألة وتسليط الضوء عليها. غير أن هذا الاتجاه لا يجد له صدى في القضاء المصري الذي يعتبر مسألة التثبت من الجنون أو عدمه هو مسألة موضوعية يستقل بها قاضي الموضوع ويكيفه في ذلك مجرد تسبيب سائغ لقضائه، ولا حرج على القاضي أن يكتفي بقناعته بوجود الجنون أو عدمه ([353])، وقد جاء في أحد قرارات محكمة النقض المصرية أن ” المحكمة غير ملزمة بندب خبير فني في الدعوى تحديدا لمدى تأثير مرض الطاعن على مسؤوليته الجنائية، بعد أن وضحت لها الدعوى إذ أن الأصل أن تقدير حالة المتهم العقلية من الأمور الموضوعية التي تستقل محكمة الموضوع بالفصل فيها ما دامت تقيم تقديرها على أسباب سائغة ([354]).

أما القضاء السوري فقد اعتبر أن التثبت من الخلل العقلي هو من اختصاص ذوي الخبرة من الأطباء المختصين حيث جاء في قرار لمحكمة النقص السورية ” أن الأمراض العقلية هي من الأمراض الخفية الدقيقة التي تحتاج إلى خبرة واسعة ودراية تامة، ولا يجوز للمحكمة أن تقدر من تلقاء نفسها عقلية الضنين، فلابد من الاعتماد على رأي الطبيب أو تركه إلى رأي أقوى منه علما “.

وبالرجوع إلى القانون المغربي فان المشرع اعتبر أن التثبت من الخلل العقلي الذي يرفع المسؤولية الجنائية أو يخفضها هو موكول لمحكمة الموضوع تتولاه بعد الاستعانة برأي ذوي الخبرة وهو ما يفهم من استقراء المواد 76 من مجموعة القانون الجنائي والتي جاء فيها ” إذا تبين لمحكمة الموضوع وبعد إجراء خبرة طبية… “، والفصلين 78 و 79 من نفس القانون اللذين ينصان على أنه ” إذا قررت محكمة الموضوع بعد الخبرة الطبية…”.

مما نستخلص معه أن المشرع المغربي جعل مسألة التحقق من وجود الخلل العقلي من اختصاص أهل الخبرة من الأطباء النفسانيين، وهو التوجه الذي تم تزكيته قضائيا حيث تواتر عن محكمة النقض المغربية صدور العديد من القرارات التي تصب في هذا الاتجاه، والذي جاء في أحدها ” حيث أن الطاعن تقدم بواسطة دفاعه بملتمس يرمي إلى عرضه على خبرة لتحديد قدراته العقلية والنفسية قبل وأثناء وبعد ارتكاب الفعل، وبالتالي تحديد مدى مسؤوليته الجنائية، وعزز ملتمسه بالحالة التي كان يوجد عليها المتهم قبل ارتكاب الفعل، وأدلى بشهادة طبية مؤكدا أنه كان يعالج بمستشفى الأمراض العقلية من مرض نفسي وأن المحكمة ردت الملتمس معللة ذلك بما عاينته من حالة المتهم أثناء جلسة المناقشة ولم تعتبر ما قد تكون عليه حالته العقلية وقت ارتكاب الفعل، الأمر الذي جاء معه القرار المطعون فيه ناقص التعليل” ([355]).

هذا وقد أوكل المشرع المغربي أمر إجراء خبرات عقلية للمساعدة على تحديد درجة المسؤولية الجنائية عند الجناة إلى هيآت التحقيق والحكم، وذلك إما تلقائيا أو بطلب من النيابة العامة أو المتهم أو دفاعه ([356])، وسواء أخذت المحكمة برأي الخبير أو أهملته تبعا لاقتناعها بثبوت الخلل العقلي من عدمه، فإن ذلك يوجب عليها تعليل وجه قضائها بالاعتماد على رأي فني آخر، فالشيء الفني لا يدحض إلا بشيء فني مثله ([357]).

المطلب الثاني: أثر ثبوت المرض في التطبيق القانوني والقضائي

يترتب على وجود الخلل العقلي الكلي أو الجزئي المؤدي إلى فقدان ملكتي الإدراك والإرادة أو إضعافهما وقت ارتكاب الجريمة، امتناع المسؤولية الجنائية عنها (الفقرة الأولى)، أو إنقاصها حسب الأحوال (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: أثر الخلل العقلي المؤدي إلى امتناع المسؤولية الجنائية

عندما يثبت لمحكمة الموضوع أن الجاني كان فاقدا للإدراك أو الإرادة أثناء ارتكابه للفعل الجرمي وجب عليها أن تصرح بعدم مسؤوليته الجنائية، وأن تحكم بإعفائه، وفي حالة استمرار خلله العقلي أن تامر بإيداعه في مؤسسة لعلاج الأمراض العقلية ([358])، وهو ما نصت عليه بتفصيل المادة 134 من مجموعة القانون الجنائي المغربي أنه ” لا يكون مسؤولا، ويجب الحكم بإعفائه، من كان وقت ارتكابه الجريمة المنسوبة إليه، في حالة يستحيل عليه معها الإدراك أو الإرادة نتيجة لخلل في قواه العقلية.

وفي الجنايات والجنح، يحكم بالإيداع القضائي في مؤسسة لعلاج الأمراض العقلية وفق الشروط المقررة في الفصل 76.

أما في مواد المخالفات – فإن الشخص الذي يحكم بإعفائه – إذا كان خطرا على النظام العام – يسلم إلى السلطة الإدارية “.

فالمحكمة وعندما يثبت لديها أن الجاني وقت ارتكابه للجريمة المنسوبة إليه كان فاقدا لملكتي الإدراك أو الإرادة نتيجة ما لحق به من اختلال في قواه العقلية، تكون ملزمة بالتصريح بانعدام مسؤوليته، وتحكم بإعفائه من العقاب، ونتيجة لما قد تنطوي عليه حالته الصحية من خطورة محتملة على المجتمع، فأنها تقرر حجز الجاني في مؤسسة للعلاج كتدبير وقائي في مواجهة هذه الخطورة المفترضة، على اعتبار أن عدم توقيع العقاب على الجاني المريض نتيجة امتناع المسؤولية الجنائية لديه لا يحول دون إخضاعه للتدابير الوقائية ([359]).

ولقد عرف المشرع المغربي الإيداع القضائي داخل مؤسسة لعلاج الأمراض العقلية بأنه وضع شخص في مؤسسة مختصة بمقتضى قرار من محكمة الموضوع إذا كان متهما بارتكاب جناية أو جنحة أو بالمساهمة أو المشاركة فيها، ولكنه كان وقت ارتكاب الفعل في حالة خلل عقلي ثبت بناء على خبرة طبية، واستوجب التصريح بانعدام مسؤوليته مطلقا وإعفائه من العقوبة التي قد يستحقها وفق القانون ([360]). وهو إجراء احترازي وتدبير وقائي أوجبه المشرع، وجعل غايته حماية المجتمع من الخطورة المحتملة التي قد يمثلها مرتكب الجريمة الذي ثبتت عدم مسؤوليته الجنائية، ومخافة العودة إلى ارتكاب أفعال مماثلة. وهو التدبير الوحيد الذي تقرره المحكمة دون الحاجة إلى إصدار العقوبة 3 ([361]) باعتبار طبيعته الوقائية المحضة، ولما فيه من مصلحة لمرتكب الجريمة، تتجلى في تلقيه العلاجات المناسبة التي قد تعيده شخصا سويا إلى المجتمع متى تم له الشفاء. وهذا التدبير – الإيداع القضائي – لا تقرره المحكمة إلا بمناسبة النظر في الجنايات أو الجنح، أما المخالفات فانه يتعين تسليم المخالف إلى السلطة الإدارية إذا عد خطرا على النظام العام.

هذا وبعد إقرار الإيداع القضائي على النحو المذكور لا يمكن مطلقا متابعة المودع من أجل نفس هذه الأفعال بعد شفائه أو استئناف محاكمته من جديد، فما هي إذن المسطرة المتبعة في إقرار الإيداع القضائي ؟ (البند الأول )، وما هي مسطرة إنهائه؟ (البند الثاني ).

البند الأول: مسطرة إقرار الإيداع القضائي

لقد خول المشرع المغربي لكل من قاضي التحقيق ([362]) ومحكمة الموضوع ([363]) حق إقرار هذا الإيداع بعد اعتماد خبرة طبية يؤمر بها للمساعدة على تحديد درجة المسؤولية الجنائية عند الجاني، عبر إبراز ما يعانيه من اختلال في مداركه العقلية، أثر بشكل كلي أو جزئي على تمام إدراكه أو إرادته. ولا يحكم به إلا إذا أثبتت الخبرة استمرار معاناة المصاب من هذا الخلل العقلي، أو من بقايا آثاره التي لا تزال عالقة به، مما استدعى إقرار إيداعه في مصحة للأمراض العقلية لتلقي العلاجات المناسبة.

وقد يكون هذا الإيداع نهائيا عندما تصدر محكمة الموضوع قرارها القاضي بانعدام المسؤولية الجنائية عند المتهم وتحكم بإعفائه مع إيداعه بمؤسسة للعلاج من الأمراض العقلية والنفسية وذلك بعد أن تصرح أنه كان وقت ارتكابه للأفعال المنسوبة إليه في حالة خلل عقلي منعه من الإدراك والإرادة استجابة للإملاءات الواردة في الفصل 76 من القانون الجنائي، ويكون ذلك على الصيغة الآتية غالبا ([364]):

 لهذه الأسباب

حكمت المحكمة علنيا نهائيا وحضوريا

بكون المتهم ( فلان الفلاني ) كان وقت ارتكابه للأفعال موضوع المتابعة في حالة خلل عقلي يمنعه تماما من الإدراك والإرادة، وتصرح بانعدام مسؤوليته مطلقا وتحكم بإعفائه من العقاب مع إيداعه في مؤسسة العلاج من الأمراض العقلية والنفسية ب……… و إبقاء الأمر باعتقاله ساري المفعول إلى حين إيداعه الفعلي بالمؤسسة المذكورة. “

ولا يمكن بعد ذلك متابعة المودع من أجل نفس هذه الأفعال بعد شفائه أو استئناف محاكمته من جديد.

كما قد يكون هذا الإيداع نهائيا أيضا، عندما يصدر قاضي التحقيق قراره بعدم المتابعة إذا ثبت لديه بعد الخبرة المأمور بها أن المتهم كان يعاني وقت الفعل باختلال عقلي أفقده الإدراك أو الإرادة ([365]) غير أنه من الناحية العملية فهذه الحالة الأخيرة، نادرة التحقق إذ أن القرار الشائع الذي يتخذه قاضي التحقيق هو قرار مؤقت بإيداع المصاب في مصحة للعلاج من الأمراض العقلية تمهيدا لإحالته على المحكمة التي تتصدى بشكل نهائي للفصل في القضية.

ونعتقد أن السبب وراء امتناع قضاة التحقيق عن إصدار أوامر بعدم المتابعة لانعدام المسؤولية الجنائية، هو قراءتهم للفقرة الأولى من المادة 216 من قانون المسطرة الجنائية التي جاء فيها ” يصدر قاضي التحقيق أمرا بعدم المتابعة إذا تبين له أن الأفعال لا تخضع للقانون الجنائي أو لم تعد خاضعة له أو أنه ليست هناك أدلة كافية ضد المتهم أو أن الفاعل ظل مجهولا “، ويتضح بجلاء أن المشرع المغربي لم يرد مسألة انعدام المسؤولية كأحد حالات الأمر بعدم المتابعة الذي يصدره قاضي التحقيق، ونحن نعتقد أن ذلك يعد إغفالا يتعين تداركه مستقبلا إذ كيف يعقل أن يصدر قاضي التحقيق أمرا بالإحالة على غرفة الجنايات لمحاكمة شخص أثبتت الخبرة التي أمر بإنجازها، أنه كان في حالة خلل عقلي أفقده الإدراك أو الإرادة أثناء ارتكابه للأفعال المنسوبة إليه ([366]). وهذا التوجه زكاه بعض الباحثين موضحين أنه ” يترتب على امتناع المسؤولية في حالة الجنون أن تمتنع سلطة التحقيق عن السير في الدعوى فتصدر أمرا بألا وجه لإقامتها، فاذا كانت قد رفعت إلى المحكمة وجب عليها الحكم بالبراءة ” ([367]).

وحيث أن الوسيلة الوحيدة التي تعبر فيها سلطة التحقيق عن عدم جدوى إقامة الدعوى هي الأمر بعدم المتابعة، وهو نفس التوجه الذي تبناه الأستاذ أدولف رييولط وأعاد صياغته في مؤلفه الخبرة في ميدان الطب الشرعي في معرض حديثه عن الإجراءات التي يقوم بها قاضي التحقيق لتفعيل مقتضيات المادة 136 من القانون الجنائي حيث صرح أن نتائج هذا التدبير:

إما أن يقرر بأن الفاعل مسؤول جزئيا وأذاك يحال على محكمة الموضوع التي تطبق مقتضيات الفصل 78.

وإما أن يقرر طبيب الأمراض العقلية انه أمام معتوه غير مسؤول فيخطر قاضي التحقيق الذي يصدر أمرا بعدم المتابعة ([368]).

ونعتقد أن الصواب الذي يتعين على قاضي التحقيق القيام به عندما ينتهي الخبير الذي انتدبه لإجراء خبرة نفسية إلى أن المتهم المحال عليه كان في حالة فقدان تام لإدراكه وأرادته عند اقترافه للجريمة، أن يبادر إلى إصدار أمر بعدم المتابعة، وان يقرر إيداعه بمؤسسة العلاج من الأمراض العقلية، على أن ينتهي هذا الإجراء وفق المقتضيات المنصوص عليها في الفصل 77 من القانون الجنائي، ويبقى على المشرع المغربي أن يساير هذا الرأي عبر تعديلات قانونية صريحة.

ويكون قرار الإيداع قرارا مؤقتا في حالة ثبوت إصابة الجاني بالخلل العقلي بعد ارتكابه للأفعال المنسوبة إليه، أو في حالة الإقرار بنقصان اعترى مسؤوليته الجنائية بحيث يمكن استئناف محاكمته بعد شفائه أو تنفيذ ما تبقى من العقوبة الحبسية المحكوم عليه بها على النحو الذي سوف نبسط فيه الحديث عند التعرض للمسؤولية الناقصة.

وتتولى النيابة العامة تنفيذ القرارات الصادرة عن قاضي التحقيق ومحكمة الموضوع القاضية بإيداع الأظناء في مصحات للعلاج من الأمراض العقلية، والذين يكونون في حالة اعتقال فعلي بالمؤسسة السجنية، في انتظار ترحيلهم إلى هذه المؤسسات العلاجية عبر تكليف الضابطة القضائية بمقتضى أوامر إدارية بالسهر على مباشرة إجراءات هذا الترحيل، ويستمر الإيداع في مؤسسة العلاج متى استمر الخلل العقلي عند الجاني فهو غير محدد المدة ولا ينقطع إلا بالشفاء وعدم الإخلال بالأمن العام، فلا مجال للحديث عن انقضائه بالتقادم أو العفو أو إلغاء القانون أو الصلح أو غيرها من أسباب انقضاء التدابير القضائية ([369]). ولقد نص على ذلك المشرع صراحة في الفقرة الأولى من المادة 77 من القانون الجنائي والتي جاء فيها ” الإيداع القضائي يستمر طالما استوجب ذلك الأمن العام وعلاج الشخص المأمور إيداعه ” ولم يحدد المشرع معنى كلمة – الأمن العام – ولا يفهم من الصيغة التي اعتمدها في هذه الفقرة ما إذا كان يشترط تحقق الأمرين معا لوضع حد للإيداع، وهما تمام الشفاء وعدم الإخلال بالأمن العام أم أن مجرد الشفاء قد يكفي لإنهائه ووضع حد له.

ويبقى الشخص المودع تحت المراقبة الطبية المستمرة أثناء فترة الإيداع، ويتعين إخضاعه للفحوصات الدورية، كلما رأى الطبيب المعالج ذلك مجديا، وفي كل الأحوال يتعين أن يتم هذا الفحص كل ستة شهور ( الفقرة الثانية من الفصل 77)، إلى أن يقرر الطبيب المعالج أنه قد استعاد عافيته وشفي من الخلل العقلي الذي كان يعاني منه، وهي الخطوة الأولى التي يتعين تحققها لمباشرة مسطرة إنهاء الإيداع القضائي.

البند الثاني: مسطرة أنهاء الإيداع القضائي

لقد أثبت الواقع العملي أن مجرد الشفاء يبقى السبب الرئيسي لتحريك مسطرة إنهاء الإيداع و إخراج المودع، وبعد ذلك يمكن مراقبة ما قد يكون لهذا الإخراج من تأثير على مسألة – الأمن العام – التي لم يرد المشرع بشائها تعريفا محددا، مما يتعين معه الرجوع إلى القواعد العامة في فهم مصطلحات من هذا قبيل. ونعتقد أنه في ظل غياب نص صريح يوحي بذلك، فإن المشرع أوكل إلى جهاز النيابة العامة في شخص رئيسها مراقبة مسألة تأثر الأمن العام بإخراج المودع قضائيا من مؤسسة العلاج، بوصفها الساهرة على حماية أمن المجتمع وطمأنينته والحيلولة دون تأثرهما سلبيا، أما فيما يتعلق بالمسطرة الواجب اتباعها لوضع حد للإيداع فقد تضمنتها الفقرة الثالثة من الفصل 77 التي جاء فيها ” إذا استقر الطبيب المعالج على إنهاء الإيداع، فانه يجب أن يخطر بذلك رئيس النيابة العامة بمحكمة الاستئناف الذي له أن يطعن في قرار الإخراج في ظرف عشرة أيام ابتداء من تسلمه ذلك الإخطار، وذلك وفق الشروط المقررة في الفصل 28 من ظهير 21 شوال 1378 الخاص بالوقاية والعلاج من الأمراض العقلية وحماية المرض والمصابين بها، وهذا الطعن يوقف مفعول الأمر بالإخراج “.

ويلاحظ من خلال استقراء هذه الفقرة، أن المشرع المغربي قد خص الطبيب المعالج بحق الإعلان عن مبادرة وضع حد لهذا الإيداع، وجعل من جهاز النيابة العامة لدى محكمة الاستئناف رقيبا على التطبيق الأمثل لهذا الحق، وبذلك يكون قد بقي وفيا لما نص عليه في الفقرة الأولى من الفصل 77 بشأن اشتراطه لشفاء المودع وعدم تأثير إخراجه على الأمن العام للمبادرة إلى رفع الإيداع عنه.

فالطبيب المعالج هو وحده القادر على تقدير مسألة شفائه، وهو صاحب هذه المبادرة، والنيابة العامة بوصفها الساهرة على حماية المجتمع والممثلة للحق العام، تبقى الجهة الوحيدة المؤهلة، والقادرة على تقدير مدى ما يكون لهذا الإخراج من تأثير على الأمن العام، والمقصود هنا، التأثير السلبي الذي تكون نتيجته الإخلال باستقرار المجتمع وأمنه. فإن هي اعتبرت أن لا تأثير له في ذلك، بادرت إلى إبداء موافقتها على قرار الإخراج فيتم وضع حد للإيداع، وان ثبت لديها أن من شأن إخراج المودع المس بالأمن العام بادرت إلى الطعن في هذا القرار، ولا يشكل هذا الطعن تشكيكا من النيابة العامة في مسألة تحقق الشفاء عند المودع كما قد يعتقد البعض، وإنما الغاية من وراء ممارستها لهذا الحق، هو حماية النظام العام والمجتمع من شخص قد يشكل خطورة محتملة عليه، أو بسبب عودته من جديد إلى صفوفه.

وليست هناك صيغة محددة يعتمدها الأطباء لتقرير شفاء المودع قضائيا في مؤسسة علاج الأمراض العقلية والتي يتم تضمينها في إخطار اتهم الموجهة إلى رؤساء النيابات العامة بشأن الرغبة في وضع حد لهذا الإيداع، فالصيغ والمفاهيم تختلف من حالة لأخرى حسب نوع المودع، وطبيعة الأفعال المنسوبة إليه، ونوع المرض العقلي والنفسي الذي أصيب به، غير أن القواسم المشتركة التي قد تجمعها تتجلي في إفراغ الصيغ التي تحرر بها هذه الاخطارات في قوالب مقتضبة، قد لا يتضمن بعضها سوى ما قد يفيد شفاء المودع من الاضطراب النفسي الذي رفع مسؤوليته الجنائية، واستدعى إيداعه بمؤسسة لعلاج الأمراض العقلية، وقد يتضمن بعضها الآخر بعض الإضافات تتعلق أساسا بنوع من التوسع في إظهار الحالة الصحية المشجعة التي أصبح عليها المودع، وتكون هذه التقارير في مجمل الأحوال محررة باللغة الفرنسية وفي قوالب موجزة ([370]).

الفقرة الثانية: أثر الخلل العقلي المؤدي إلى إنقاص المسؤولية

لم يغب عن نظر المشرع المغربي وعلى غرار باقي التشريعات المقارنة التنصيص على حالة المسؤولية الناقصة، حيث جاء في الفصل 135 من القانون الجنائي على أنه: “تكون مسؤولية الشخص ناقصة إذا كان وقت ارتكابه الجريمة مصابا بضعف في قواه العقلية من شأنه أن ينقص إدراكه أو إرادته ويؤدي إلى تنقيص مسؤوليته جزئيا.

وفي الجنايات والجنح تطبق على الجاني العقوبات أو التدابير الوقائية المقررة في الفصل 78 أما في المخالفات فتطبق العقويات مع مراعاة حالة المتهم العقلية “.

إن الشيء الجدير بالملاحظة في الصيغة التي اعتمدها المشرع للتنصيص على مسألة نقصان المسؤولية، هو استعماله لبعض المصطلحات الواسعة من قبيل ” ضعف القوى العقلية” و ” إنقاص الإدراك والإرادة ” (البند الأول) وفرض سلوك مسطرة معينة واتخاذ تدابير محددة عند ثبوت نقصان المسؤولية (البند الثاني).

البند الأول: ضعف القوى العقلية ونقصان الإدراك والإرادة

لقد سبق الحديث عن معنى الإدراك والإرادة أثناء التعرض لمفهوم المسؤولية المنعدمة واشتراط المشرع المغربي لمعاصرتهما وجودا وعدما لقياس درجة هذه المسؤولية، فلا حاجة للخوض فيهما من جديد، على اعتبار أن نفس المفاهيم تتكرر كلما تعلق الأمر بتحديد مدى توفر المسؤولية الجنائية عند الجاني أو انعدامها كليا أو جزئيا، كما هو الشأن بالنسبة للمسؤولية الناقصة موضوع هذا المبحث، وهي درجة وسطى بين المسؤولية الكاملة والمسؤولية المنعدمة ويكون موضوعها الجناة المصابين بخلل جزئي في تكوينهم العقلي، أو النفسي، أو العضوي، على اعتبار أن ما لديهم من التمييز يكون أقل مما يتمتع به المجرمين الأسوياء وأكثر مما لدى المجرمين فاقدي العقل فقدانا مطبقا كالمجانين، وهم بذلك يعاملون معاملة خاصة، تتجلي في تخفيف العقوبات التي قد يحكم عليهم بها نظرا لما اعترى مسؤوليتهم الجنائية من نقصان ([371]).

غير أن ما هو جدير بالملاحظة في الصيغة التي نص عليها المشرع المغربي للقول بنقصان المسؤولية، هي استعماله لمفاهيم فضفاضة وواسعة يشترك فيها كل من الطب والقانون لترتيب آثار معينة، ومن ذلك “ضعف القوى العقلية” و “نقصان الإدراك والإرادة ” وهي مصطلحات لا تجد لها سندا دقيقا في معجم تصانيف الأمراض العقلية والنفسية، ولا تتطابق مع الخاصيات المرضية وعلم الأمراض الخاصة المتعلق بالأمراض النفسية ([372]) مما يجعلها مثار حيرة وجدل عند الخبراء، الذين يجدون أنفسهم ملزمين بالبحث عن حالات مرضية يكون من خصائصها إنقاص إدراك الشخص أو إرادته، وأضعاف قدراته العقلية، استجابة للغاية التي قصدها المشرع وطلب تحققها للقول بنقصان مسؤوليته الجنائية عقب ما لحقه من هبوط وتراجع في بعض وظائفه النفسية نتيجة إصابته بإختلالات عقلية تسببت في إنقاص إدراكه و إرادته. من هنا كان نداء بعض علماء النفس المغاربة للخبراء النفسيين إلى توخي أقصى درجات الحيطة والحذر، والتزام أعلى مستويات اليقظة في التعاطي مع الفصل 135 من مجموعة القانون الجنائي فيما يتعلق بتحديد مصطلحاته وتوظيفها توظيفا عياديا، وذلك عن طريق إبراز التصرف المرضي النفسي للجاني، والعمل على تصنيفه داخل الإطار العيادي الملائم للمرض الذي يعاني منه، تمهيدا لإقرار نقصان إدراكه و إرادته وضعف قدراته العقلية ([373]) وهما الحالتان اللتان يتعين توفرهما لتمتيعه بالمسؤولية الناقصة استجابة لإنتظارات الهيئة القضائية التي قامت بانتدابه لمساعدتها في تحديد درجة المسؤولية الجنائية.

ولعل من أهم خاصيات الأمراض النفسية والعقلية التي تنقص المسؤولية هي عدم إلغاء الإدراك والإرادة لدى المصابين بها كليا، و إنما إضعافهما والتشويش على حسن أدائهم وتعاطيهم مع المواقف الحياتية المختلفة، بشكل قد يؤدي في كثير من الأحيان إلى اختراق ستار الجريمة وارتكابهم لأفعال انحرافية، ومن هؤلاء نجد المصابين ببعض أنواع الهستيريا الذين ينقص لديهم الإدراك والإرادة، مما يكون سببا للتخفيف من مسؤوليتهم الجنائية كالمصابين بالهستيريا القلقية، وهستيريا المعتقدات الوهمية، والمخاوف الهستيرية وكذلك الذين يعانون من القلق النفسي أو الإعياء النفسي ([374])، وهي جميعا عبارة عن عوارض نفسية لا تعدم المسؤولية الجنائية بقدر ما تخففها باعتبارها تشكل تشويشا على الإرادة وأضعافا للإدراك، دون أن تقوم بإلغائهما كليا، وكثيرا ما يظهر المصاب بها بمظهر الشخص العادي الذي يتجاوب بشكل طبيعي مع محيطه الخارجي، ولا يستطيع إلا متخصص في علم النفس أو خبير في الطب النفسي تقدير إصابته بهذه الاختلالات النفسية.

البند الثاني: التدابير المتخذة عند ثبوت نقصان المسؤولية

لقد أحال الفصل 135 من القانون الجنائي في حالة ما إذا تعلق الأمر بجناية أو جنحة وثبت للمحكمة أن مرتكب الجريمة كان وقت ارتكابه لها، يعاني من ضعف في قواه العقلية انقص لديه الإدراك والإرادة، على تطبيق مقتضيات قانونية معينة نص عليها في الفصل 78 من نفس القانون والذي جاء فيه أنه:

” إذا قررت محكمة الموضوع بعد الخبرة الطبية، أن مرتكب جناية أو جنحة، رغم كونه قادرا على الدفاع عن نفسه في الدعوى إلا انه كان مصابا وقت الأفعال المنسوبة إليه بضعف في قواه العقلية، يترتب عليه نقص في مسؤوليته، فإنه يجب عليها:

أن تثبت أن الأفعال المتابع من أجلها المتهم منسوبة إليه.

أن تصرح بأن مسؤوليته ناقصة بسبب ضعف في قواه العقلية وقت ارتكاب الفعل.

أن تصدر الحكم بالعقوبة.

أن تأمر إذا اقتضى الأمر ذلك بإدخال المحكوم عليه في مؤسسة لعلاج الأمراض العقلية قبل تنفيذ العقوبة السالبة للحرية، ومدة بقائه في هذه المؤسسة تخصم من مدة العقوبة وينتهي إيداعه في المؤسسة وفق الشروط المقررة في الفقرة الأخيرة من الفصل 77″.

لقد سبق القول أن جل الذين يعانون من اختلالات نفسية وعقلية من شائها إضعاف مداركهم وإراداتهم من غير إلغائها كليا، قد يظهرون بمظهر الأسوياء الطبيعيين أثناء محاكمتهم، من هنا كانت المقولة التي استعملها المشرع في الفقرة الأولى من الفصل 78 ” رغم كونه قادرا على الدفاع عن نفسه “، فالجاني الذي أثبتت الخبرة الطبية التي أنجزت عليه أنه كان وقت ارتكابه للأفعال المنسوبة إليه مصابا، بضعف في قواه العقلية تسببت في إنقاص مسؤوليته، يتصرف بشكل طبيعي أثناء محاكمته، وأظهر تجاوبا واضحا مع أسئلتها ومناقشاتها، باسطا أقواله، ومبديا ملاحظاته أمامها، فهو قادر على إبداء أوجه دفاعه، ورغم ذلك فالمحكمة ملزمة بمعاملته معاملة خاصة، وتمتيعه بما يستحقه من ظروف مخففة باعتباره كان ناقص المسؤولية، وذلك بعد أن تتقيد في حكمها بالخطوات الآتية:

أولا: إثبات ارتكاب الجاني للأفعال المنسوبة اليه

وهو الدور الطبيعي الذي يقوم به القضاء الجنائي عند محاكمته للمشتبه بارتكابهم للجنايات والجنح، والقاسم المشترك بين كافة الأحكام الجنائية، وذلك بالتحقق من صدق المتابعات المنسوبة للمتهمين بعد تقدير مدى وجاهة وسائل الإثبات التي قد يسوقها أطراف الدعوى كل حسب الجهة التي يمثلها، وعليها تنبني قناعة القاضي الجنائي الذي يتولى إصدار حكمه بكل تجرد واقتناع، جازما بصوابية منطوق حكمه لديه، من غير ريبة أو تردد، فالأحكام الجنائية القاضية بالإدانة لا تبنى على الشك وإنما على اليقين.

ثانيا: التصريح بنقصان مسؤولية الجاني

تتولى المحكمة في حيثيات حكمها التنصيص على حالة نقصان المسؤولية، بالاعتماد على ما ورد في تقرير الخبرة من خلاصات أظهرت معاناة الجاني من مرض نفسي أضعف لديه الإدراك أو الإرادة من غير أن يعدمهما بشكل يجعله قادرا على تحمل عقوبة حبسيه مخففة قد يشير إليها الخبير النفسي في ذيل تقريره، ففي بعض الحالات العملية قد يستعمل الخبير الصيغة التالية “بعد إنهائه للعقوبة الحبسية يتعين إخضاعه للعلاج في مرحلة أولى ثم لمتابعة مستمرة من قبل خبير نفسي “. وهي الصيغة التي قد يفهم منها أن الضعف العقلي الذي تخلد لدى الجاني لم يعدم لديه المسؤولية الجنائية ولا يجعله بمنأى عن تحمل العقاب، وتلقي الجزاء المناسب لحالته، بما في ذلك تعريضه لعقوبة سالبة للحرية، رغم الإقرار الطبي بحالته المرضية Pathologique. وهو ما قد تعتمده المحكمة نفسها في تسبيب حكمها في الحيثية المتعلقة بإقرار المسؤولية الجزئية عند الجاني، ومن ذلك ما ورد في إحدى القرارات الجنائية الصادرة عن محكمة الاستئناف بالناظور في حيثيتها التي تناقش فيها تقرير الخبرة والتي جاء فيها ” وحيث أن الخبرة المأمور بإنجازها وان كانت تشير إلى أن المتهم كان يعاني من حالة ذهان قديمة، وفي تطور، فأنها لم تحدد ما إذا كان المتهم في حالة عقلية ونفسية تعفيه من المسؤولية الجنائية وقت ارتكاب الفعل المنسوب إليه، والأكثر من ذلك فإن السيد الخبير أرجأ مسألة معالجة المتهم مما يعانيه إلى مرحلة ما بعد السجن، وبالتالي فان المتهم مسؤول من الناحية الجنائية عن الأفعال والوقائع الثابتة في حقه “.

ورغم أن المحكمة لم تنص صراحة على مسألة المسؤولية الناقصة إلا أنها عادت في حيثية متأخرة من نفس القرار لتقرر ” وحيث أن المحكمة ارتات تمتيعه بظروف التخفيف لظروفه الاجتماعية والشخصية والصحية، ومن ثم عقابه بالعقوبة الحبسية المشار إليها في منطوق القرار ” ([375]).

مما قد يفهم منه، أن المحكمة أقرت بنقصان مسؤولية المتهم الذي حكمت عليه بعقوبة مخففة، بالنظر إلى ما ثبت لديها من إصابته بخلل عقلي لم يعدم مسؤوليته الجنائية بصفة نهائية، ولو أننا نعتقد أن مقتضيات الفصل 78 من القانون الجنائي كانت تفرض عليها التصدي في حيثياتها لإظهار المسؤولية الناقصة للجاني، ثم تحديد العقوبة التي تناسبه، على غرار ما فعلته غرفة الجنايات لدى محكمة الاستئناف بفاس في أحد قراراتها ([376]) حيث جاء في إحدى حيثياته ” حيث ثبت من تقرير الخبرة الطب -نفسية الذي أنجزه الدكتور تيسير بنخضرا على المتهم د.ع أن مسؤولية المتهم عن الأفعال المنسوبة إليه ناقصة، ويبقى قادرا عن الدفاع عن نفسه بسبب تأثير ميله للتأويل المرضي، مما جعل المحكمة تقتنع باعتباره ناقص المسؤولية وقت ارتكاب الفعل ” ورغم تحفظنا على ما ورد في هذه الحيثية من تحديد الخبير لدرجة المسؤولية الجنائية، والحالة أنها مسألة يختص القضاء وحده بالبت فيها، إلا أننا نثمن ما انتهت إليه المحكمة في منطوق حكمها بخصوص التنصيص على مبدأ المسؤولية الناقصة والذي جاء على النحو الآتي:

 لهذه الأسباب

حكمت غرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف علنيا ابتدائيا وحضوريا بمؤاخذة المتهم د.ع من اجل جناية القتل العمد مع اعتباره ناقص المسؤولية وقت ارتكاب الفعل وتحكم عليه بعشر سنوات سجنا نافذا وبتحميله الصائر وبتحديد ..مدة الإكراه البدني في الأدنى وتأمر بإتلاف المحجوز”.

وبذلك تكون المحكمة قد التزمت وفعلت مقتضيات الفصل 78 من القانون الجنائي المتعلقة بالتصريح بمسؤولية المتهم الناقصة، حسب ما يفرضه القانون وينسجم مع مقتضياته.

ثالثا: إصدار الحكم بالعقوبة

ففي حالة المسؤولية الناقصة التي يضعف فيها لدى الجاني الإدراك والإرادة دون أن يصل حد انعدامهما تتولى المحكمة إصدار العقوبة المناسبة في حق الجاني التي يتعين أن تكون مخففة بالنظر إلى الحالة التي كان عليها من ضعف الإدراك والإرادة أثناء ارتكابه للفعل الجرمي المنسوب إليه، وفي هذا تختلف عن المسؤولية المنعدمة التي لا يمكن للمحكمة إلا أن تصرح بإعفاء الجاني وتقرر إيداعه في مؤسسة لعلاج الأمراض العقلية أن لزم الأمر.

وقد تبنى القضاء المغربي نظرية المسؤولية الناقصة وجعلها سببا من أسباب تخفيف العقوبة باعتبارها تراعي شخصية مرتكب الجريمة ودرجة إجرامه ولا تكون ملزمة إلا بتعليل قرارها بمنح ظروف التخفيف والتي لا يستفيد منها إلا من حكم بتمتيعه بها فآثارها شخصية بحتة ([377]) بحيث لا تنصرف إلى باقي المساهمين أو الشركاء الذين لم يتم تمتيعهم بظروف التخفيف، وتتولى المحكمة بعد ذلك تحديد العقوبة المناسبة وفق التدرج المنصوص عليه في الفصول 447 وما بعده من القانون الجنائي ([378]).

رابعا: الإيداع  إن اقتضى الأمر في مؤسسة لعلاج الأمراض العقلية

وعلى خلاف الإيداع القضائي في مؤسسة لعلاج الأمراض العقلية المنصوص عليه في حالة انعدام المسؤولية فإنه لا يحكم به في حالة المسؤولية الناقصة إلا إذا لزم الأمر، حيث استعمل المشرع مصطلح ” أن اقتضى الأمر” وهو يعني حسب الأستاذ ادولف رييولط تلك الحالة التي تفيد فيها نتائج الخبرة الطبية أن مرتكب الجريمة كان وقت وقوع الحادث مصابا بنقص طارئ في قواه العقلية إلا أنه رجع فاستعاد بعد الحادثة قواه العقلية الطبيعية ([379])، ولسنا نعتقد أن الصيغة الشرطية التي تضمنتها عبارة ” إن اقتضى الأمر ” تفيد بكون الجاني قد استعاد قواه العقلية الطبيعية على اعتبار أن منطق الأشياء تقتضي ألا يحكم بإيداع متهم في مؤسسة للعلاج من الأمراض العقلية إلا إذا كان لا يزال يعاني من آثار المرض النفسي الذي يتمظهر به، أما إذا أثبتت الخبرة انه استعاد قواه العقلية الطبيعية بعد الحادثة، فلا مجال للحديث عن إيداع قضائي، لانتفاء الغاية من وراء ذلك وهو الخضوع للعلاج، إذ يتعين في هذه الحالة الحكم بالعقوبة مباشرة، والتي تكون مخففة استنادا إلى حالة الضعف العقلي الذي أثبتت الخبرة أنها أنقصت لدى الجاني الإدراك والإرادة وقت ارتكابه للأفعال المنسوبة إليه، غير أنه إذا أثبتت الخبرة أن الجاني لا يزال يعاني من تبعات المرض النفسي الذي ألم به عند ارتكابه للفعل الجرمي الذي أضعف لديه ملكات الإدراك والإرادة، فإن المحكمة تقدر في هذه الحالة العقوبة الحبسية المناسبة، وتأمر بالموازاة مع ذلك بإيداع الجاني بمؤسسة العلاج من الأمراض العقلية لأجل تلقي العلاجات المناسبة، وينفذ هذا الإيداع قبل تنفيذ العقوبة الحبسية على أن تخصم منها المدة التي قضاها الجاني تحت الإيداع القضائي لتلقي العلاجات الضرورية وتنتهي مدة الإيداع طبقا لما هو وارد في المادة 77 من القانون الجنائي التي سبق بسط مقتضياتها بنوع من التفصيل عند الحديث عن الإيداع القضائي في مؤسسة لعلاج الأمراض العقلية في حالة المسؤولية المنعدمة، غير أنه في هذه الحالة – لا مجال للحديث عن سلوك مسطرة الطعن- وإنما تقوم النيابة العامة بعد توصلها لأخطار الطبيب المشرف على العلاج والمتضمن لما يفيد شفاء المودع، باتخاذ الترتيبات اللازمة لنقله من المستشفى مكان الإيداع إلى المؤسسة السجنية لتنفيذ العقوبة الحبسية المحكوم بها عليه، واذا استغرقت المدة التي قضاها الجاني رهن الإيداع مدة العقوبة الحبسية المحكوم بها، فإنه يتعين إطلاق سراحه في هذه الحالة تماشيا مع الصيغة الواردة في الفقرة الأخيرة من الفصل 78 والتي جاء فيها “…ومدة بقائه في هذه المؤسسة تخصم من العقوبة…” فيطلق سراح المودع بعد إخراجه من مؤسسة العلاج العقلي.

وتبقى المسؤولية الناقصة حسب آراء علماء النفس المتخصصين، هي الخلاصة الأكثر انتشارا التي ينتهي إليها الخبراء عندما يتعلق الأمر بعرض مرتكبي الجرائم المصابين باختلالات نفسية على خبرات طبية لتحديد درجة مسؤوليتهم الجنائية، ففي قضايا جرائم القتل مثلا تبقى النتائج الأكثر شيوعا التي ينتهي إليها الخبراء هي تلك المتعلقة بالمسؤولية الناقصة وهذا النقص قد يكون خفيفا وقد يتسع إلى مستوى عال، مهما كان المرض النفسي الذي أصيب به الجاني وقت ارتكابه للفعل ([380]) وهو نفس الرأي الذي اعتمده الأستاذ ادولف رييولط عندما أشار في مؤلفه ” الطب الشرعي ” إلى أنه صار من الواضح أن أكثر المستنتجات التي يصل إليها الخبراء هي التنقيص أو التخفيف من المسؤولية، والتي يصعب تقدير أهميتها بتدقيق إذ تتراوح بين مسؤولية ناقصة شيئا ما، ومسؤولية ناقصة إلى مدى أبعد ” ([381]) وهي وجهة نظر لا يمكن أن ننكر وجاهتها خاصة إذا نظرنا إليها من زاوية أن العدالة لا تتحقق إلا بإيقاع الجزاء العادل، والعقوبة المحكوم بها مهما بلغت درجة تخفيفها تبقى عزاء مقبولا لضحايا الأفعال الإجرامية.

غير أنه من خلال استقراء مجموعة من الأوامر القضائية الصادرة بإحالة الجناة على خبرات عقلية، وكذا الاطلاع العملي على مجموعة من تقارير الخبرة التي ينجزها الأطباء النفسانيون للمساعدة على تحديد درجة المسؤولية الجنائية، يلاحظ تركيزا واضحا للجانبين معا، سواء القضاء أو الخبراء على المسؤولية المنعدمة أكثر من غيرها بحيث تحث أسئلة القضاة الموجهة إلى الخبراء على تحديد درجة المسؤولية الجنائية أثناء ارتكاب الأفعال الانحرافية. ويكون جواب الخبراء في الغالب يتمحور حول المسؤولية الكاملة والمسؤولية المنعدمة أكثر من غيرها في مقابل تركيز يقل نوعا ما في إظهار خصائص المسؤولية الناقصة.

وهو كلام نسوقه بكل تحفظ، على اعتبار أن الأمر قد يعرف بعض الاختلاف من دائرة قضائية إلى أخرى، ولعل ما يؤكد ذلك التزايد الكبير الذي نشهده في عدد المودعين في مستشفيات العلاج من الأمراض العقلية الذين أقر القضاء عدم مسؤوليتهم الجنائية على ضوء الخبرات العقلية التي أنجزت عليهم، وبالمقابل التراجع الحثيث في عدد المودعين بسبب إقرار مسؤوليتهم الناقصة نتيجة ضعف في مداركهم العقلية، وحتى على فرض انتهاء الخبراء النفسيين في تقاريرهم لما قد يفيد في تحديد نقصان مسؤولية مرتكبي الجرائم، فإن ذلك في الغالب من الحالات، لا يكون مشفوعا بالتماس إيداعهم بمستشفيات الأمراض العقلية لتلقي العلاجات المناسبة، بل يكتفون بالإشارة إلى ما قد يفيد نقصان مسؤوليتهم الجنائية وإمكانية تعريضهم لعقوبات جنائية، ومما يؤكد هذا التصور من الناحية العملية، أن أكثر نزلاء مستشفيات الأمراض العقلية ببلادنا هم من المرضى النفسيين الذين تم إقرار عدم مسؤوليتهم الجنائية، في إطار مقتضيات الفصل 77 من مجموعة القانون الجنائي المغربي.

خاتمة

عديدة هي الخلاصات التي خرجنا بها من هذا البحث، غير أن أهمها على الإطلاق يبقى ما وقفنا عليه من أهمية لا تنكر صارت تكتسيها الخبرة النفسية باعتبارها إجراء قضائيا يلجأ إليه القاضي لمساعدته على استيضاح الحالات العقلية والنفسية لمرتكبي الأفعال الإجرامية، وهي بلا شك محطة مفصلية لا غنى للمحاكمة العادلة عنها، فهي تجسيد واقعي لمنطق العدالة التي لا تسترد حرمتها إلا بإحدى طريقتين: إما بأنزال العقاب بمستحقيه على قدر مسؤوليتهم، وأما بإعفاء من ثبت أنه لا جدوى من عقابه لثبوت عدم إدراكه لكل أفعاله وطبيعة تصرفاته.

ولقد مر معنا في خلال مباحث هذا العمل، أن التشريع الجنائي المغربي في مجال الخبرة النفسية لا يزال يعاني من ثلة من النقائص التي تحول دون تطوير هذا الفرع من الخبرة، ومن ذلك عدم النص صراحة على صلاحية قاضي التحقيق بالأمر بإعفاء المختلين من الجناة في حالة ثبوت ما يفيد انعدام مسؤوليتهم، وعدم تفعيل مقتضيات المادة 79 من القانون الجنائي المغربي أمام محاكم الموضوع، وعدم توحيد الأسئلة التي يتعين طرحها على الخبراء النفسيين للإجابة عنها، واختلاط النواحي التقنية فيها بما هو قانوني، إضافة إلى استمرار تجاهل المشرع لمركز الضحية في الدعوى على حساب المتهم، بعدم النص صراحة على إمكانية عرض الضحايا على خبرة نفسية لاستيضاح الآثار النفسية السلبية التي تخلدت لديهم جراء تعرضهم للجرائم المختلفة، وعزوف القضاء عن استدعاء الخبراء أمام المحاكم لتوضيح تقاريرهم مجلسا والرد على أسئلة الأطراف، مع تركيز الطرفين معا – القضاة والخبراء – على المسؤولية المنعدمة أكثر من غيرها من صور المسؤولية الجنائية الأخرى، فضلا عن ظاهرة سكوت المشرع عن حالة الخلل العقلي اللاحق للمحاكمة ووضعية السجناء المرضى عقليا. هذا إذن كان بعضا من كل، نهيب بالمشرع المغربي التدخل عاجلا، لإرجاع الأمور فيها إلى نصابها، ولأجل ذلك ارتأيا الإدلاء بمجموعة من الاقتراحات التي نعتقد صادقين أنها قد تعيد إلى الخبرة النفسية كثيرا من مصداقيتها متى وجدت من المشرع المغربي آذانا صاغية والتي سنعمل على إيرادها بشكل تسلسلي:

1- تخويل السيد قاضي التحقيق صلاحية قانونية واضحة لإصدار قرار بالإعفاء من المسؤولية على غرار محكمة الموضوع متى ثبتت لديه انعدامها لدى الجناة، إذ لا يستساغ منطقيا تمكينه من حق إصدار خبرات عقلية ونفسية، وصلاحية إيداع المتهمين من المختلين المصحات العقلية دون أن يتوفر على حق التصريح بإعفائهم من المسؤولية متى ثبت لديه ذلك بمقتضى خبرة نفسية.

2 – ضرورة تفعيل محاكم الموضوع للمادة 79 من القانون الجنائي التي تتحدث عن الاختلال العقلي اللاحق لارتكاب الجريمة متى توفرت ظروفها وتحققت شروطها، وعدم التركيز الكامل على غرار ما يحدث حاليا من القضاة والخبراء النفسيين على السواء على الخلل العقلي المعاصر للجريمة.

3 – اعتبار الخبرة إجراء مساعد للقاضي لا يلجأ إليها إلا بمناسبة استيضاح وقائع غامضة ذات صبغة تقنية، لا يملك القاضي أن يشق إليها طريقه بنفسه، وبالتالي إعطاء الخلاصات التي تنتج عنها، حجية مقبولة تجعل القاضي لا ينصرف عنها إلى غيرها من وقائع الدعوى، إلا باعتماد خبرة مضادة، فالدليل العلمي لا يقطعه سوى دليل علمي آخر.

4 – ضرورة تدخل المشرع المغربي لحصر الأسئلة التي يتعين على الخبراء النفسيين الإجابة عنها على ضوء ما صار متعارفا عليه دوليا، وعدم الاكتفاء بترك صلاحية ذلك للجهات المعنية بإصدارها، لتفادي التناقض الحاصل في ذلك حاليا بين هذه الجهات.

5- التزام الخبير النفسي بالنواحي التقنية في المهمة المسندة إليه، وعدم الخوض في المسائل القانونية التي تكون من صلاحية القاضي، والتزام هذا الأخير بعدم التنازل عن دوره المحوري للفصل في النزاعات باعتباره الخبير الأعلى في الدعوى، خاصة فيما يتعلق بتحديد درجة المسؤولية الجنائية.

6 – عدم إقصاء الضحايا من الفحص النفسي على إثر تعرضهم لإعتداءات إجرامية، وفتح هذه الإمكانية أمامهم بمقتضى نصوص تشريعية واضحة من أجل إرساء نوع من التكافؤ بين مركز كل من الجاني والضحية في الخصومة الجنائية.

7 – تفعيل استدعاء محاكم الموضوع للخبراء النفسانيين لتوضيح ما يرد بتقاريرهم أثناء انعقاد جلسات المحاكمة، من أجل مزيد من التواصل بين القاضي والخبير، وفهم أفضل لنتائج خبرته التي قد لا تكون دائما بالوضوح الكافي التي يمكنه من إصدار أحكام عادلة.

8 – قطع السكوت التشريعي من طرف المشرع فيما يخص حالات إصابة السجناء بالمرض العقلي عقب انتهاء محاكمتهم وصدور عقوبات نافذة في حقهم، عبر إعطاء الأولوية لعلاجهم في المصحات والمراكز الاستشفائية المؤهلة لذلك، عن طريق وقف تنفيذ عقوباتهم السالبة للحرية، مع ضرورة استنزال مدة العلاج من مدة العقاب.

9 – عدم التركيز – من طرف القضاة والخبراء النفسانيين – على المسؤولية المنعدمة كصورة وحيدة من صور المسؤولية الجنائية التي تنتج عن الإصابة بالأمراض العقلية والنفسية، خاصة أن أغلب النظريات في علم النفس والطب العقلي ترجح فرضية المسؤولية الناقصة في الغالب الأعم من الاختلالات العقلية والنفسية.

10- فتح المجال للقيام بأعمال الخبرة النفسية على الأخصائيين النفسيين، وعدم حصر ذلك على الأطباء، مع توصية بأجراء تقارير نفسية يشترك فيها الصنفين معا، اعتبارا لما يكتسيه هذا النوع من الخبرة من أهمية غير خافية في باب إحقاق الحق، وإنفاذ الجزاء العادل من جهة، ومن أجل إعطاء مزيد من المنعة والمصداقية لهذه التقارير، وتحصينها من بعض الأخطار التي قد تشوبها والتي قد تشكل مدخلا لضياع العدالة من جهة أخرى.

تلك إذن كانت عشرة وصايا، أردنا من خلالها إبداء بعض النصح للقيمين على الشأن التشريعي ببلادنا، من أجل المسارعة إلى النهوض بهذا الصنف من الخبرة التي لا جرم أنها تعد من أهم الخبرات تأثيرا على حسن سير العدالة، في ظل حديث جاد عن الرفع من مستوى الخدمات الصحية في مجال الأمراض العقلية والنفسية والتي تشهد أوضاعا أقل ما يقال عنها، أنها مقلقة.

ملحق البحث

الوثيقة رقم 1

• نموذج عملي رابع لفحوى قرار خبرة نفسية صادر عن محكمة الاستئناف بفاس في الملف الجنائي عدد 04530 قرار تمهيدي رقم 67 المؤرخ في 29/01/2007:

لهذه الأسباب:

حكمت غرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف بفاس علنيا ابتدائيا وحضوريا وتمهيديا:

بعرض المتهم (س. ب) على خبرة عقلية يعهد بها للدكتور…. عنوانه بمستشفى ابن الحسن بفاس.

فحص المتهم فحصا دقيقا

أن يضمن في تقريره أن كان المتهم مصاب بخلل عقلي أم لا، وفي حالة كونه مصاب بخلل عقلي مع ذكر أسباب هذا الخلل ومداه ونسبته، وهل هو خلل مطلق أو متقطع.

ذكر هل هذا الخلل، أن كان موجودا، هل كان وقت ارتكاب الفعل ومزامنا له أو بعده، وذكر مدى مسؤوليته، أي مسؤولية المتهم الجنائية في حالة كونه مصاب بأي خلل عقلي كان، هل هي مسؤولية كاملة أو ناقصة أو منعدمة، والقول تبعا لذلك هل هو قادر على الدفاع عن نفسه في الدعوى.

رفع تقرير مفصل حول النقط السالفة الذكر قبل تاريخ الجلسة الذي هو ………………..

وحددت أتعابه في…………………………………… يؤديها المتهم

الرئيس كاتب الضبط

الوثيقة رقم 2

• نموذج عملي لقرار خبرة صادر عن محكمة الاستئناف بالناظور في الملف الجنائي عدد 2001-189 قرار تمهيدي عدد 15 مؤرخ في 03/10/2001:

لأجله:

قررت المحكمة علينا تمهيديا وحضوريا

إحالة المتهم (ي ك) على خبرة طبية تنتدب المحكمة للقيام بها الدكتور ……………………….. بالمستشفى الحسني بالناظور الذي يتعين عليه بعد أداء اليمين القانونية فحص المتهم المذكور فحصا دقيقا وذلك لتحديد مدى سلامة قواه العقلية والنفسية والقول ما إذا كان وقت ارتكابه للفعل الجرمي المنسوب إليه يتمتع بقواه العقلية جزئيا أم كليا أم لا، وبالتالي تحديد مدى مسؤوليته عن الفعل المنسوب إليه وقت ارتكابه، وهل هذه المسؤولية جزئية أم كلية أم منعدمة وتحرير تقرير مفصل بذلك في أصل مدموغ ونسخ كافية يضعها بكتابة ضبط هذه المحكمة داخل أجل شهر من تاريخ توصله بهذا القرار، وتحدد أجرته في مبلغ……………………. تؤديها الخزينة العامة وتدرج القضية بجلسة………………….. مع بقاء المتهم رهن الاعتقال.

بهذا صدر وتلي القرار في نفس اليوم والشهر والسنة أعلاه.

الإمضاء

الرئيس الكاتب

الوثيقة رقم 3

خبرة طب –نفسية ([382]):Expertise psychiatrique

نحن الموقعان أسفله:

-الدكتور P. S طبيب مساعد في مستشفيات الأمراض النفسية، المحلف والساكن بمستشفى الأمراض النفسية لــ. P……..

-الدكتور S. M طبيب بمستشفيات الأمراض النفسية، خبير لدى محكمة الاستئناف لـــ A……..

والساكن بمستشفى P………..

المكلفين بقرار من السيد V……، قاضي التحقيق لدى محكمة الاستئناف ب S ……..بتاريخ 11/12/80.

نظرا للمسطرة المتبعة ضد J. M. G المتهم بالقتل العمد، للقيام بفحصه من الناحية الطب -نفسية، والإجابة عن الأسئلة الآتية:

هل الفحص يبين وجود اختلالات عقلية أو طب-نفسية ؟ واذا كان الأمر كذلك يتعين وصفها وتحديد إلى أي الأمراض يمكن إرجاعها؟

هل هذه المخالفات المنسوبة إليه لها علاقة أم لا بهذه الاختلالات ؟

هل المتهم يمثل حالة خطرة ؟

هل المتهم يمكن أن يتحمل عقوبة زجرية؟

هل يمكن علاجه أو إعادة إدماجه؟

ومع المهمة التالية:

تحليل الحالة الراهنة لشخصية المتهم، والقول ما هي من الناحية النفسية العناصر الفردية، الوراثية أو المكتسبة من طباع وسمات ومزاج، والعوامل المحيطة العائلية والاجتماعية التي يمكن استخلاصها من البنية العقلية ودرجة تطور أشكال ردود الفعل عند المعني بالأمر.

نستخلص من حكي J. M. G العناصر التكوينية التالية:

ازداد بتاريخ 17 دجنبر 1960 ب: M، الأبوين متوفيين: الأم سنة 1972 نتيجة سرطان عام والأب سنة 1977 على اثر حادثة سير في الطريق العمومية.

انه الأصغر سنا بين أخوته الخمسة، أربعة ذكور وأنثى واحدة، أحد أخوته George-الأخ البكر متزوج ويسكن ب S (Aisne)، الآخرون يقطنون في ناحية باريس.

تابع دراسته حتى سن السادسة عشر سنة، هذا التمدرس رغم ضعفه، فقد تابعه إلى مستوى شهادة الدروس المهنية C.E.P وقد كان مسجلا لمدة سنة في سلك الحسابات، حيث غاب عن العديد من الدروس ( الحصص ).

قال لنا J. M. G أن علاقته بابيه كانت صعبة مع موت أمه، حيث حدثت هذه الوفاة وهو في سن الثانية عشر (12) عاما، وقد عايشها بمثابة صدمة وإهمال.

يتذكر أمه بذكرى امرأة ناعمة وطيبة، ويصف أباه عكس ذلك، برجل عنيف كثير الغضب ” كانت له غضبات بدون سبب، الشيء الذي كان يخيفني، وكنت اذهب لأنام “.

التمظهرات المزاجية للأب استفحلت أمام غياب J. M. G عن دروس المحاسبة، هذه السمات المزاجية لم تسمح للمتهم بالتأقلم مع محيط تكوينه المهني، مع أن J. M. G لم يبد أية قابلية أو استعداد لمتابعة دراساته كيفما كانت، هذا الجو العائلي العدواني كان يعاش كإهمال عاطفي تأصل واقعيا بوضعه في ملجأ…. S. T. G.

بقي في هذا الملجأ حوالي ثلاثة اشهر، ظهرت عليه بعدها الاضطرابات الأولى للسلوك حيث ادخل إلى مستشفى الأمراض النفسية S. T. G وبعد ذلك أودع طوعيا في مستشفى….C أمام تفاقم المرض العقلي الذي يعاني منه، امتدت هذه الفترة في مؤسسة الطب النفسي من أبريل 1977 حتى شتنبر 1978.

في هذا التاريخ قبل J. M. G في الملجأ وفي مركز المساعدة على العمل (CAT) في ….S ولم يسبق أن تمت المناداة عليه للقيام بالخدمة العسكرية.

I الوقائع:

فيما يخص الأفعال المنسوبة إليه، أعطانا J. M. G السرد التالي: كان يعرف M. TH، القاطنة مثله بملجأ…..C، وكانت تربطهما علاقة عاطفية جنسية، حيث قررا قضاء ليلتين في الفندق سيما ليلتي الخميس والجمعة، والجمعة والسبت، أما نهار يوم الجمعة فقد قضياه في غرفة الفندق دون أن يغادراها، ويوم السبت صباحا عادا سويا إلى الملجأ، وفي نفس اليوم أفهمته M. TH أنها لا ترغب في الخروج معه، وجد J. M. G نفسه وحيدا وهي الآونة التي أحس فيها – كما قال لنا – بالغيرة.

وفي مساء يوم السبت التقى مجددا M. TH هذه التي لم تعطه أية أجوبة حول استفساراته الملحة عن رفضها مقابلته في الساعات السابقة، وفي يوم الأحد مر برفقة M. TH وذهبا سويا إلى السينما، في نظر J. M. G الوضعية تأزمت، M. TH ترفض دائما إعطاءه أي جواب عن أسئلته، مساء الأحد نشب بينهما شجار حاد، فوصفته M. TH بالقواد (الديوث)” Maquereau “.

صباح الاثنين ذهب J. M. G إلى عمله كالمعتاد، وفي المساء التقى ب M. TH في مقصف…C كما هي العادة، وعند خروجها من المقصف نشبت مشاداة أخرى اكثر حدة اعترفت خلالها M. TH أنها أعطت علبة السجائر التي أهداها إياها J. M. G إلى أحد الرفاق، ووصفته ثانية بالقواد وغادر الطرفين نحو الملجأ ومرا أمام كوخ، عندها انتابت J. M. G الرغبة في ضرب M. TH لأنها شتمته.

ونستشهد بمقتطفات من أقوال J. M. G ” لقد استدرجتها نحو الكوخ ثم خنقتها لم تكن تتحرك غير أني كنت ما أزال غاضبا، وراغبا في ضربها…..ضربتها بقبضة يدي مرة على خدها الأيسر، فنزفت من انفها، نزعت ملابسها لأطعنها بالخنجر، طعنتها بالخنجر ثلاث مرات في ثديها الأيسر وأخرى بين الثديين، وكان غضبي ما يزال قويا، نزعت تبانها ” Culotte ” قبل ضربات الخنجر… لم اعرف لماذا…لكن ليس بغرض ممارسة الجنس معها وفي الغد عدت إلى الكوخ، كانت M. TH ما تزال هناك، نظرت إليها لمدة عشر دقائق دون أن أستطيع الذهاب، كانت أول مرة أرى فيها أحدا ميتا”

II الفحص الطب نفسي وتحليل السوابق:

فيما يخص السوابق الطبية، لقد اطلعنا على الملف الطب -النفسي ل J. M. G هذا الملف يذكر بالاستشفاء السابق الممتد من أبريل 1977 إلى شتنبر 1978 الاضطرابات السلوكية الأولى ظهرت وتفاقمت في الوقت الذي كان فيه J. M. G لا يزال بملجأ…ST. G، في هذه الحقبة الزمنية، انتابته أزمة هيجان مرضي ( تكسير الزجاج في الملجأ ) قادته إلى مصحة الدكتور V. A أين ظهر عليه مرض عقلي حاد تطلب إيداعه في مستشفى… T. G..S، شهادة آنية ل… C ب L ‘OISE

شهادة القبول ل 8 أبريل 1977:

أنا الموقع أسفله الدكتور H طبيب في المركز الاستشفائي ل…S. T. G أؤكد أنني فحصت J. M. G المولود في 17 دجنبر 1960 الساكن 31 زنقة Des bergerettes ب …S T. G وإنني لاحظت ما يلي:

هذا المريض مصاب بحالة ذهانية حادة مع حركية اندفاعية، غير متحكم فيها مع إصابات جسمية (حروق على يديه وصدره، حالة سكر حادة) هذه الحالة تعد الوحيدة التي يستطيع التعبير بها عن وجوده، تكوين ذهاني مع تبعثر كامل – هلوسة – انقسام كامل للانا – لهذه الأسباب يجب إخضاع هذا المريض للاستشفاء في مؤسسة يتم تسييرها طبقا لقانون 1888.

شهادة حررت في 8 أبريل 1977 فيST. G

توقيع الدكتور H

شهادة مباشرة (فورية ) 9 أبريل 1977:

مرض فصامي يبدو تطوره منذ عدة شهور، اضطرابات السلوك، اندفاع، نوبات هيجان مرضي، تعاطي كبير للخمور مع غيبوبة الثمالة ( سكر مفرط )، محاولة إضرام النار عمدا بمستشفى…ST. G ، تشويه ذاتي، حروق بالسجائر، اضطرابات هلوسية، مع هلوسات سمعية إلزامية، غياب التعبير بالملامح، عدم الاهتمام، الملل، واللانفعية.

للملاحظة

توقيع الدكتور Z

خلال مدة استشفائه ب …. C-V، استفاد J M G من علاج مبني على المنشطات العصبية، وبعدها تدريجيا، رخص له بالخروج لزيارة أخيه G الساكن ب….S

في شتنبر 1978 كانت حالته تبدو مستقرة، وبالنظر إلى تحسن مرضه تم تحرير طلب الالتحاق بمركز المساعدة على العمل (C. A. T) ب….S حيث تم قبوله ضمن شهادة الخروج المحررة ب….. C في 2 شتنبر 1978.

شهادة الخروج 2 سبتمبر 1978:

فصام الشخصية، اضطرابات سلوكية مع اندفاع، وأزمات هيجان غيبوبة سكرية (كحول )، محاولة إضرام النار عمدا، اضطرابات هلوسية الآن في تحسن توقف ظاهر للاضطرابات الهلوسية ونقصان في ردود الفعل الاندفاعية، استمرارية عمق التخفيف النفسي مع الاختمارية، اللامبالاة، وعدم الاكتراث، هدوء، منشغل شيئا ما.

يمكنه الخروج بطلب من أخيه، بالنظر إلى قبوله من طرف ال C. A. T ل ……. S

توقيع الدكتور Z

بعد خروجه عاش J. M. G بعض الوقت مع أخيه، وبسرعة التحق بملجأ العمال الشباب ب….S كان عمره 18 سنة.

لقد بقي مدة سنة ونصف بهذا النادي، وعاد من جديد لملجأ….C طيلة هذه المدة كان يعمل بمركز المساعدة على العمل (C. A. T) بصفته بستاني.

يظهر انه تأقلم مع هذا النمط من العيش، فتراجع تعاطيه للخمور وهو ما تم جدولته خلال استشفائه، ووجد في هذه الفترة تعبيرا معتدلا حيث استفاد لمدة سنتين من العيش في محيط محمي، وحاول بلورة استقلالية جزئية ناتجة عن استقرار نسبي.

الفحص العيادي الحالي ل J. M. G والمعلومات السريرية السالفة الذكر تبين وجود اختلالات عقلية مهمة مرتبطة بالاضطرابات الذهانية للشخصية، تم على إثرها تشخيص مرض فصام الشخصية، هذه الاضطرابات الذهانية التي عرقلت تطور ونضج الأنا في مختلف مكوناتها.

الآليات الاداتية الفكرية لم تتبلور بطريقة منسجمة، نتج عنها انحصار الكفاءات الفكرية وهو ما خلق حالة من التأخير العقلي الخفيف في حده الأدنى (معدل ذكاء ” 70-80 ” Q. I ).

هذه الإصابة في الأنشطة العملية للفكر لم تمكن J. M. G من التحكم النسبي في الآليات الأولية للكتابة والقراءة، ومع ذلك يتضح موضوعيا، وبطريقة جلية صعوبات التركيز، اضطرابات التجريد، والعمليات الفكرية مكونة نقصا في الأفكار التصورية.

إن مفهوم الذهان يثار خصوصا أمام البطء الفكري بارتباط مع اضطرابات في تسلسل الأفكار، وأمام فقر المخزون الكلامي المتفاقم مع صعوبات التواصل مع الآخر، وأخيرا أمام التواء الأحكام التمييزية.

وعلى المستوى السلوكي نذكر أن J M G اظهر أثناء استشفائه سنة 1977 أزمات هيجانية مرضية مع اندفاع غير متحكم فيه، محاولا إيذاء الذات بواسطة الحرق بالسجائر.

الفحص العيادي الحالي لم يبين أية علاقة حادة من هذا النوع، على سبيل الاحتياط طلبنا التخطيط الكهربائي، للدماغ من مستشفى….S ونتيجة التخطيط لتاريخ 17 فبراير 1981 تدخل في الإطار العادي، وتمكن من إلغاء مقابل نفسي – حركي للصرع أمام غياب العلامات الكهربائية للتشنج العصبي ( الارتجاج )، فضلا عن ذلك لم نجد أيا من آليات التأويل أو الهلوسة التي تخفي موضوع الهذيان، وعلى الخصوص، لا نتوفر على فكرة تدل على مرض الغيرة الهذياني، ولا على ظاهرة الهلوسة التي تكون قد لعبت دورا في الأفعال الجنحية، كما أن حالات السكر المتفرقة ل JMG لم تكن بحال من الأحوال ذات طبيعة سهلت المرور إلى الفعل موضوع الطب الشرعي.

أمام غياب مرض طب-نفسي كبير و أخذا بالاعتبار تكيفه السابق في مركز المساعدة على الشغل (C. A. T) وفي الملجأ، وكونه لا يستعمل أي نوع من الأدوية، نوع المنشطات العصبية فان المشهد العيادي اتجه نحو استقرار مرض الذهان الفصامي المشخص سنة 1977

تحت هذا الظهور والاستقرار العيادي المبكر تستمر في الوجود اضطرابات خطيرة وعميقة للشخصية، والتي تتميز بسيطرة البعد الذهاني: عدم النضج العميق للانا، اعتماده الكبير (عدم استقلاليته) في علاقته مع الآخر، وعدم تحمله الإقصاء، وكذلك الإحساس بالتخلي المعاش على الطريقة البدائية.

الجانب الجنسي تم تثبيته في المرحلة الطفولية، وما قبل الأوديبية والتي كانت موضوع انشغالات مسيطرة: قراءات JMG تغذي استيهاماته البدائية من نوع الاستعرائية (إظهار العورة)، التلذذ النظري (البصري ) الشنق الذاتي، السادو مازوشي، هذه الاستيهامات الجنسية المختلفة من النوع الانحرافي ليس موضوع آليات الكبح، أو المحرمات ذات الصلة بالبلورة العادية للانا، بل كانت من طبيعة حثت على ظهور الغريزة الجنسية وتحقيقها.

III المناقشة:

لقد فحصنا JMG المتهم بالقتل العمد انه يعترف بصدق الأفعال المنسوبة إليه.

دراسة السوابق والفحص العيادي الحالي يبين بوضوح أهمية الاختلالات العقلية JMG يعاني من اضطرابات عميقة في الشخصية، من النوع الذهاني، والتي أعاقت النضج العادي للأنا وتسببت في قصور فكري من نوع الإعاقة العقلية الخفيفة.

أثناء استشفاءاته في مؤسسات الطب -نفسي، تم تشخيص مرض فصام الشخصية، المرض العقلي ل JMG اظهر في ذلك الحين صفة متعددة ومشهدية، والتي كانت فيها الهلوسة السمعية، محاولات الإيذاء الذاتي، ردود الأفعال الاندفاعية، التعاطي بشكل هوسي للخمور، هي المسيطرة.

وبعد ذلك تحسن مشهده العيادي، مما ساعد على توجيهه إلى مركز المساعدة على العمل (C. A. T) و…..S.

أثناء استقرار حالته، استطاع التكيف مع وسط محفوظ (محمي)، ولم يشهد أي مرور إلى ارتكاب فعل مضاد للمجتمع إلى حين اقترافه للأفعال المنسوبة إليه، طيلة هذه المدة كانت الاضطرابات الخطيرة للشخصية مقنعة (مغطاة) بهذا التكيف الظاهري.

وفي نمط العيش هذا، أقام JMG علاقة عاطفية مع M. TH وعرف لأول مرة التجربة الجنسية، هذه اللقاءات الجنسية كانت تتم بطريقة سريعة، وعن طريق الصدفة في غياب مكان شخصي.

الاثنان معا كانا يريدان أن يضفيا على علاقتهما الغرامية طابعا تقليديا وعاديا وبطريقة تكاد تكون علاقة زوجية.

بعد هذا الوقت الوجيز الذي قضياه معا والذي عاشه J M G على نحو انصهاري، جعله يحس بان تصرف TH.M يعد تخل عاطفي لا يمكن تصوره، أن الظهور المتجدد والهام لإشكالية التخلي، والإهمال المعاش بطريقة بدائية كانت وراء إلغاء الآليات الدفاعية للانا، والمبلورة بطريقة هشة، وهو ما سهل تثبيتا نسبيا لسجله الذهاني، وفي سياق هذا النكوص الغريزي، العاطفي حقق ( اسقط ) J M G على شخصية TH.M غرائزه البدائية وما قبل الأوديبية المرتبطة بعدم التساهل والتخلي بالنسبة إليه، وهو ما أدى إلى ظهور عنيف لتمظهرات غريزية، من نوع انحرافي ونظام سادي وتلذذ نظري ( بصري ) الخ…

الأفعال المنسوبة إليه لها علاقة مباشرة بالاضطرابات النفسية المرضية العميقة للشخصية، والمسجلة مباشرة في المعاش الذهاني لهذا الشخص، يمكن اعتبار أن JMG كان في حالة العته ( الجنون ) ” Demence ” حسب مفهوم الفصل 64 من القانون الجنائي ( الفرنسي ) وقت ارتكاب الأفعال.

لا يمكن تحميله عقوبة جنائية.

الشخص يتوفر، ونؤكد ذلك بشكل خاص، على خطورة واضحة، واذا كان هذا التعبير ظرفيا كما تظهره الوقائع، فان تكرار المرور إلى هذه الأفعال الطب شرعية يبقى واردا: حالته تفرض إيداعه بمستشفى أمني نوع….

IV خلاصات:

1- الفحص الطب -نفسي ل JMG اظهر وجود اختلالات عقلية مهمة، هذا الشخص يعاني من اضطرابات خطيرة وعميقة في الشخصية من النوع الذهاني، تم على إثرها تشخيص مرض الفصام سنة 1977 هذه الاضطرابات النفسية المرضية مقنعة ( مغطاة ) بمظهر من الاستقرار وبالتكيف النسبي في وسط محروس (محفوظ) ظهرت بشدة للعيان بمناسبة صدمة التخلي التي أدت إلى بروز غرائز بدائية قاتلة تجسدت إذن في المرور إلى الفعل الجنائي.

2- المخالفة المنسوبة إلى الشخص لها علاقة مباشرة بهذه الاختلالات وكان حول J M G في حالة الجنون (العته ) ” Demence ” حسب مفهوم الفصل 64 من القانون الجنائي ( الفرنسي ) أثناء ارتكاب الأفعال.

3 – لا يمكن تحميل الشخص أية عقوبة جنائية.

4 – الشخص يشكل – ونؤكد على هذا بشكل خاص – خطرا قويا يستلزم إيداعه بالمستشفى الأمني.

5 – ليس هناك أي معطى – وإلى يومنا هذا – يمكن بشكل إيجابي من طرح تخمين حول علاج و إعادة إدماج هذا الشخص، فهما عنصران يتحددان حسب تطور المرض العقلي والصفات العلاجية المبذولة لهذا الغرض.

حرر في باريس: 10 مارس 1981

التاريخ:

التوقيع:

الوثيقة رقم 4

نموذج تقرير طبي نفسي أنجز على ذمة ملف جنائي عرض أمام غرفة الجنايات بالناظور:

الدكتور ن. ب. عاختصاصيفي الأمراض العقلية والنفسيةوالعصبيةخبير محلف لدى المحاكمDr N. B . ANeuro – PsychiatreEXPERTASSERMENTE PRESDES TRIBINAUX

RAPPORTD’EXPERTISEEDICALE

Je soussigné Docteur N. B . A, médecin Neuro- psychiatre à Ouajda, expert assermenté près des tribunaux commis par jugement prononcé par la cour d’Appel de Nador, le 03/07/2006, dossier N° 227/2005 . Aux fins d’examiner Monsieur A. B et de dire dans un rapport détaillé : si l’inculpé était en état de démence défini par la Loi.

Serment préalablement prêté, j’ai examiné l’interessé et procédé à l’expertise demandée, et certifié en mon honneur et conscience avoir constaté ce qui suit :

– LES FAITS :

Monsieur A. B, est accusé d’avoir incendie volontairement des locaux commerciaux, ce qui a causé la blessure d’une personne.

II- ELEMENTS BIOGRAPHIQUES :

Il S’agit de Monsieur A. B agé de 30 ans, né en 1977 à kelaât Sraghna, niveau scolaire 3e AS, se dit fellah, célibataire, ses parents sont vivants, et il a 7 frères et soeurs. Comme antecedents toxiques, il s’adonnait à la consommation du Hachich durant 4 ans, à raison de 10 DH par jour selon ses dire.

III- L’EXAMEN PSYCHIATRIQUE :

Monsieur A. H se présente calme, bien orienté, cohérent, n’est pas halluciné et n’exprime aucune idée délirante. Il dit qu’il n’a pas d’antécédents de maladie psychiatrique et reconnaît être fumeur de Hachich. Quant aux faits qui lui sont reprochés, il dit qu’il a été accusé à tort d’avoir allumé un incendie et reconnaît avoir fumer le Hachich le jour même.

IV- Discussion

En dehors d’une toxicomanie au Hachich, nous n’avons relevé aucun signe de maladie psychiatrique, ni au moment de l’examen, ni dans ses antécedents médicaux.

V- CONCLUSION

Monssieur A. H n’était pas en état de démence défini par la Loi aux moments des fais qui lui sont reprochés.

Il est donc responsable.

Dr : A . B

Signature


الوثيقة رقم 5

المملكة المغربيةوزارة الصحةمندوبية ولاية……عمالة………..ROYAUME DU MAROCMinistère de la SantéDélégation de la Wilaya de ………….Préfécture de ………………

LE Médecin –Chef de l’Hôpital ….

A

Monsieur le Procureur Generel du Roi Près de la Cour d’Appel de

………..

Objet : Sortie d’un malade en placement judiciaire.

Nous avons l’honneur de porter à votre connaissance que Mr/Mme

………….….

D.J.n° …… admis(e) à l’hôpital sur décision judiciaire n° ……………….. ne présente actuellement aucun trouble psychiatrique rendant son hospitalisation nécessaire.

De ce fait, nous comptons le/la faire sortir après votre accord.

Le médecin traitant Le médecin- Chef


الوثيقة رقم 6

المملكة المغربيةوزارة الصحةمندوبية ولاية……عمالة………..ROYAUME DU MAROCMinistère de la SantéDélégation de la Wilaya de ………….Préfécture de ………………

LE Médecin – Chef de l’Hôpital ….

A

Monsieur le Procureur General du Roi Près de la Cour d’Appel de

………..

Objet : Demande de sortie d’un malade en placement judiciaire.

Nous avons l’honneur de porter à votre connaissance que l’état mental du patient(e) ………….………., affaire n° ………… D.J.n° ………… admis(e) à l’hôpital en date …………… s’est bien stabilisé sous traitement, le contact est bon, le discours est cohérent, le comportement est normal dans le service, le (la) patient(e) ne présente actuellement aucun trouble psyciatrique évolutif.

Par conséquent, nous estimons qu’il (elle) est apte à mener une vie familiale et sociale adaptée et nous avons décidé de le (la) faire sortir après votre accord tout en continuant la prise en charge médicale en ambulatoire.

Le médecin traitant Le médecin- Chef


[143] أبو المعاطي حافظ أبو الفتوح: شرح القانون الجنائي المغربي، القسم العام، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 1980، ص. 232.

[144] محمد كما الدين إمام: المسؤولية الجنائية أساسها وتطورها، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، الطبعة الثالثة، ص. 217.

[145] وهو الحديث الذي روي بلفظ: أخبرنا عفان، حدثنا حماد بن سلامة، حدثنا حماد عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال “رفع القلم عن ثلاثة إلى آخر الحديث، وقد قال حماد أيضا وعن المعتوه حتى يعقل، أورد هذا الحديث أبو محمد عبد الله بن بهرام الدارمي: سنن الدارمي، المجدد الثاني، دار الفكر، بيروت، ص.  171.

[146] ابن قدامة: المغني، الجزء التاسع، مطبعة دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ص. 357.

[147] محمد كمال الدين إمام: المرجع السابق، ص 218.

[148] ضاري خليل محمود: أثر العاهة العقلية في المسؤولية الجنائية، منشورات مركز البحث القانونية، بغداد 1982، ص. 101.

[149] وجيه محمد خيال: آثار الشذوذ العقلي والعصبي على المسؤولية الجنائية، رسالة لنيل درجة الدكتوراه في القانون، جامعة عين شمس، القاهرة، 1983، ص 477.

[150] نظام أبو حجلة: الطب النفسي الشرعي، مقال مستخرج من شبكة الأنترنت، على الموقع الإلكتروني، ،www.jmid.net/subject تم الاطلاع عليه بتاريخ 18 ماي 2013، على الساعة السادسة مساءا.

[151] وجيه محمد خيال، المرجع السابق، ص. 482.

[152] Sébastien Saetta : L’intervention de l’expert psychiatre dans les affaires criminelles, thèse présentée en vue de l’obtention du grade académique de docteur de l’université du Luxembourg en sciences sociales et docteur de l’université de Toulouse II , 2011, P. 8.

[153] غير أنه من الناحية العملية، لم نقف على نماذج عملية من العمل القضائي اصدر فيها السادة قضاة التحقيق قرارا بعدم المتابعة بعد ثبوت عدم المسؤولية الجنائية عند المتهم إذ غالبا ما يبادرون في هذه الحالة إلى إصدار أمر بالإحالة على غرفة الجنايات التي تتولى التصريح بالإعفاء مقرونا بالإيداع.

[154] شعبان محمود محمد الهواري: أدلة الإثبات الجنائي، دار الفكر والقانون، المنصورة، 2013، ص. 114.

[155] انظر ثلة من التعريفات المتعلقة بالخبرة والتي أوردها الأستاذ خالد الشرقاوي السموني في كتابه: الخبرة القضائية في ضوء قانون المسطرة المدنية والاجتهاد القضائي، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، ص. 16.

[156] يتعلق الأمر بالقرار غير المنشور عدد 9/1130 المؤرخ في 15 /11 / 2005 الصادر في الملف الجنحي عدد 11783 /2003.

[157] آمال عبد الرحيم عثمان: الخبرة في المسائل الجنائية، دراسة قانونية مقارنة، رسالة مقدمة بكلية الحقوق بجامعة القاهرة للحصول على درجة دكتور في العلوم الجنائية، دار ومطابع الشعب، القاهرة، ص. 17 وما بعدها

[158] حسين عبد السلام جابر: التقرير الطبي بإصابة المجني عليه و أثره في الإثبات في الدعويين الجنائية والمدنية، المطبعة العربية الحديثة، ص. 55.

[159] كمال الودغيري: الخبرة في القانون المغربي، دراسة تأهيلية وتطبيقية، مطبعة أبي فاس، الطبعة الأولى 2001، ص. 11.

[160] حسين عبد السلام جابر، المرجع السابق، ص. 55.

[161] كمال الودغيري، المرجع السابق، ص. 11.

[162] حسين عبد السلام جابر، المرجع السابق، ص. 56.

[163] عوض محمد عوض: المبادئ العامة في قانون الإجراءات الجنائية، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية 1995، ص. 675.

[164] جلال ثروت: نظم الإجراءات الجنائية، دار الجامعة الجديدة للنشر، الإسكندرية، 1997، ص. 447.

[165] تنص المادة 209 من قانون المسطرة الجنائية انه ” يجوز في الجلسة الاستماع إلى الخبراء بصفة شهود طبق الشروط المنصوص عليها في المواد 335-345-346.

[166] وهو القرار رقم 379 الصادر بتاريخ 22 يوليوز 1959. المنشور في كتاب اجتهادات المجلس الأعلى في المادة الجنائية 1957 – 1965 منشورات جمعية تنمية البحوث والدراسات القضائية سنة 1981 , ص. 98.

[167] وهو القرار عدد 388 الصادر بتاريخ 20 يناير 1983 في الملف الجنحي عدد 6604 المنشور في مجموعة قرارات المجلس الأعلى المادة الجنائية 1966- 1986. منشورات جمعية تنمية البحوث والدراسات القضائية 1987، المطبعة والمكتبة العالمية، ص. 348.

[168] آمال عبد الرحمان عثمان، المرجع السابق، ص. 28.

[169] ويتعلق الأمر بالقرار رقم 4963 الصادر بتاريخ 29 /05 /1984 في الملف الجنائي عدد 9381-84، أورده الحسن البو عيسى: كرونولوجيا الاجتهاد القضائي في المادة الجنائية، مطبعة النجاح الجديدة بالدار البيضاء، ص. 30.

[170] انظر القرار عدد 6156 الصادر بتاريخ 24 شتنبر 1987 في الملف الجنحي رقم  15185-86 الذي سبقت الإشارة إليه والمنشور في مجموعة قرارات المجلس الأعلى المادة الجنائية من 1981 إلى 1995، المرجع السابق، ص. 224-225.

[171] شريف الطباخ وأحمد جلال: موسوعة الفقه والقضاء في الطب الشرعي – الجزء الثاني – المركز القومي للإصدارات القانونية- الطبعة الثالثة – 2005، ص. 45.

[172] شريف الطباخ واحمد جلال، المرجع السابق، ص. 45.

[173] – وهو القرار غير المنشور رقم 1599 المؤرخ في 24/07/2002 والصادر في الملف الجنحي عدد 18288-01.

[174] وكتأكيد لهذا التوجه يندرج كذلك القرار عدد 1130 – 9 المؤرخ في 15/11/2005 والصادر في الملف الجنحي عدد 11783- 2003 الذي سبقت الإشارة إلى بعض مضامينه عند الحديث عن نطاق الخبرة حيث جاء في إحدى حيثياته ” لكن حيث أن المحكمة عندما جزمت بان المتهم كان وقت ارتكابه للأفعال المنسوبة إليه في كامل قواه النفسية والعقلية ومسؤولا جنائيا، لم تبين من أين خلصت إلى تلك النتيجة: والحال أن بالملف شواهد طبية سابقة عن تاريخ الوقائع المدان من أجلها المتهم تؤكد مرضه كما يوجد لفيف يسهد شهوده بان هذا الأخير مصاب باختلال وخبال واختلاط في عقله وذهنه… وبرفضها اللجوء إلى خبرة لاستجلاء الحقيقة… والاستعانة بذوي الاختصاص في هذا الميدان….تكون قد عرضت قرارها للنقض والإبطال.

[175] وهو القرار غير المنشور عدد 3241 – 3 المؤرخ في 08/11/ 2006 الصادر في الملف الجنحي رقم 9010/6/3/06.

[176] راجع الوثيقة رقم 1 و 2 من ملحق هذا البحث.

[177] شريف الطباخ واحمد جلال، المرجع السابق، ص. 44.

[178] EL HAMDAOUI A : .la responsabilité du meurtrier normal et pathologique selon le code pénal marocain – mémoire de d.e.ss de psychologie clinique pathologique université Paris-nord – année universitaire 1995/1996 ; P .49 .

[179] يتعلق الأمر بالقرار عدد 801 الصادر عن غرفة الجنايات لدى محكمة الاستئناف بفاس في الملف الجنائي الابتدائي رقم 14 – 2005 بتاريخ 15/11/2015 وقد جاء في إحدى حيثياته انه ” قد تبين للمحكمة أن الخبيرة لم توضح في تقريرها مدى مسؤولية المتهم عن الأفعال المنسوبة إليه فتقرر استدعاؤها وبعد أدائها اليمين القانونية أفادت أن المتهم يوم ارتكابه للجريمة المتابع من أجلها لم يكن يعاني من أي مرض عقلي وانه كان كامل المسؤولية عن أفعاله….”.

[180] راجع الوثيقة رقم 3 المتواجدة بملحق هذا البحث، والمتضمنة لتقرير نفسي نموذجي أنجز من طرف طبيبين بمستشفي الأمراض النفسية بباريس، فرنسا.

[181] ادولف رييولط: الطب الشرعي، ترجمة إدريس ملين، الرباط، منشورات المعهد الوطني للدراسات القضائية، مطبعة الساحل، 1981، ص. 100.

[182] EL HAMDAOUI. A : OP CIT, P. 44

[183] والمقصود بالتصانيف العلمية التي تعنى بتحديد المدلول المرضي للعاهة العقلية تلك التي وضعتها منظمة الصحة العالمية لسنة 1966 وتصنيف الجمعية الطبية النفسانية الأمريكية لسنة 1968 والتي قسمتها إلى:

أمراض التخلف العقلي وتشمل التخلف العقلي البسيط والشديد.

الأمراض العصابية وتشمل: القلق النفسي والهستيريا والاكتئاب الانفعالي والوساوس المرضية وافتقاد الشخصية.

الأمراض الذهانية الوظيفية وتشمل الفصام (الشيزوفرينيا) وذهان الاضطهاد (البارانويا) والهذاء والهوس أورد هذه التصانيف الأستاذ سامي النصراوي: دروس في علم الإجرام شركة بابل للطباعة والنشر والتوزيع، الرابط 1992، ص. 60.

[184] ويتعلق الأمر بالقرار التمهيدي رقم 01-06 مؤرخ في 13 /02 /2006 الصادر عن محكمة الاستئناف بالناظور بإجراء خبرة نفسية في الملف الجنائي عدد 132 – 5002 والذي جاء فيه:

” لهذه الأسباب

قررت غرفة الجنايات الاستئنافية علنيا حضوريا وتمهيديا، وقبل البت في الموضوع :

في الشكل: بقبول الاستئناف

في الموضوع: إجراء خبرة طبية على المتهم ك ي وتحديد مدى مسؤوليته الجنائية أثناء ارتكاب الأفعال المنسوبة إليه يعهد بها إلى الخبير المحلف الدكتور……………………….لإنجازها، وتحدد أجرته في مبلغ………………………. يضعها المتهم بصندوق المحكمة داخل اجل 15 يوما من تاريخ النطق بهذا القرار وحفظ البث في الصائر وأدراجه بجلسة……………………………….

الرئيس كاتب الضبط”

[185] ادولف رييولط، الطب الشرعي، المرجع السابق، ص. 96.

[186] الأشهب: الطب النفسي والقانون – أحكام وتشريعات ذوي الأمراض النفسية مقال مستخرج من شبكة الأنترنيت من الموقع الإلكتروني http://www.mnabr.com ، تم الاطلاع عليه بتاريخ 16 مارس 2013 على الساعة الرابعة عصرا.

[187] جنان سعيد الرحو: أساسيات في علم النفس، بيروت منشورات الدار العربية للعلوم، الطبعة الأولى، 2005، ص. 414.

[188] جنان سعيد الرحو، المرجع السابق، ص. 414.

[189] أكرم نشأت إبراهيم: علم النفس الجنائي، مكتبة الثقافة للنشر والتوزيع 1998، ص. 107.

[190] خالد محمد شعبان: مسؤولية الطب الشرعي، دراسة مقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون الوضعي، الإسكندرية، دار الفكر الجامعي، 2008، ص. 365.

[191] المستشار عبد الحميد المنشاوي: الطب الشرعي ودوره الفني في كشف الجريمة، الناشر منشأة المعارف،  الإسكندرية، 2007، ص. 572.

[192] خالد محمد شعبان، المرجع السابق، ص. 365.

[193] شريف الطباخ وأحمد جلال، المرجع السابق، ص. 56.

[194] شريف الطباخ وأحمد جلال، المرجع السابق، ص. 56.

[195] خالد محمد شعبان، المرجع السابق، ص. 366.

[196] المكي التهامي: حديث حول الأبحاث السيكولوجية في الطب النفسي المعاصر، مقال منشور بالمجلة المغربية لعلم النفس، العدد الأول، مطبعة النجاح الجديدة، دجنبر 2007، ص. 28.

[197] أبو اليزيد علي المتيت: البحث العلمي عن الجريمة، عالم الكتب، القاهرة 1973، الطبعة الأولى، ص. 220.

[198] شريف الطباخ وأحمد جلال، المرجع السابق، ص. 56.

[199] ادولف رييولط، الطب الشرعي، ص. 97.

[200] عبد الحميد المنشاوي، المرجع السابق، ص. 518.

[201] شريف الطباخ وأحمد جلال، المرجع السابق، ص. 57 و 58.

[202] شريف الطباخ وأحمد جلال، المرجع السابق، ص. 58.

[203] ويصنف هذا المرض ضمن خانة الأمراض العقلية، وهو كثير الانتشار عند الطبقة الفقيرة باعتباره ينشأ عن سوء التغذية، للتوسع في أنواع الأمراض العقلية والنفسية يراجع وجيه محمد خيال: المرجع السابق، ص. 46.

[204] اكرم نشأت إبراهيم، المرجع السابق، ص. 115.

[205] خالد محمد شعبان، المرجع السابق، ص. 366.

انظر كذلك عبد الحميد المنشاوي، المرجع السابق، ص. 520.

[206] شريف الطباخ واحمد جلال، المرجع السابق، ص. 57.

[207] عماري سناء: التصورات العامة و أثرها على شخصية المصروع، بحث لنيل الإجازة في علم النفس، جامعة محمد الخامس كلية الآداب والعلوم الإنسانية – شعبة علم النفس، السنة الجامعية 2005 – 2006، ص. 5.

[208] أكرم نشأت إبراهيم، المرجع السابق، ص. 116.

[209] راجع بعض النماذج العملية لتقارير الخبرة الطب نفسية الواردة في ملحق هذا البحث.

[210] يحيى شريف: الطب الشرعي والبوليس الجنائي، الجزء الثاني، الطبعة الأولى، القاهرة، ص. 255.

[211] عبد الحميد المنشاوي، المرجع السابق، ص. 542.

[212] ادولف رييولط، الطب الشرعي، المرجع السابق، ص. 97.

[213] شريف الطباخ وأحمد جلال، المرجع السابق، ص. 62.

[214] ادولف رييولط، الطب الشرعي، المرجع السابق، ص. 97.

[215] شريف الطباخ وأحمد جلال، المرجع السابق، ص. 61.

[216] عبد الحميد المنشاوي، المرجع السابق، ص. 545.

[217] خالد محمد شعبان، المرجع السابق، ص. 367.

[218] عبد الحميد المنشاوي، المرجع السابق، ص 545.

وانظر كذلك خالد محمد شعبان، المرجع السابق، ص. 367.

[219] شريف الطباخ وأحمد جلال، المرجع السابق، ص. 62.

[220] عبد الحميد المنشاوي، المرجع السابق، ص. 543.

[221] خالد محمد شعبان، المرجع السابق، ص. 368.

[222] عبد الحميد المنشاوي، المرجع السابق ، 545 و 546.

[223] CAROL JONAS : quel est le rôle du psychiatre au long du parcours judiciaire de la victime article tiré d’ internet web :

http://psydoc-fr.broca.inserm.fr/conf&rm/conf/confvictime/experthtml/jonas.html dernière mise à jour dimanche 22 Avril 2013 .

[224] ادولف رييولط، الطب الشرعي، ص. 106.

[225] CAROL. J. , article précedent , web cit .

[226] CAROL. J. , article précedent , web cit.

[227] المكي التهامي، المقال السابق، ص. 28. وفي نفس هذا السياق يقول أيضا وهكذا يعتبر الطبيب النفسي طبيب الإنسان ككل، لأن عليه أن يأخذ بعين الاعتبار في ممارسته لعملية التشخيص والعلاج والوقاية، أعراض المرض شخصية المصاب محيطه العائلي والاجتماعي والثقافي إذا أراد معرفة مريضه معرفة دقيقة تمكنه من فهم سلوكه وعلاج اضطراباته في احسن الأحوال “.

[228] جنان سعيد الرحو، المرجع السابق، ص. 417.

[229] جنان سعيد الرحو، المرجع السابق، ص. 419.

[230] CAROL. J. , article precedent , web cit.

[231] CAROL. J. , article precedent , web cit.

[232] جنان سعيد الرحو، المرجع السابق، ص. 417.

[233] CAROL. J. , article precedent , web cit.

[234] CAROL. J. , article precedent , web cit.

[235] ادولف رييولط: الخبرة في ميدان الطب الشرعي، الدار البيضاء، مطبعة النجاح الجديدة ص. 56.

[236] محمود مرسي عبد الله وسحر كامل: الموجز في الطب الشرعي وعلم السموم، مؤسسة شباب الجامعة لطباعة والنشر، الإسكندرية، ص. 86.

[237] عبد الحميد الشواربي: الخبرة الجنائية في مسائل الطب الشرعي، منشأة المعارف الإسكندرية 1989، ص. 98.

[238] CAROL. J. , article precedent , web cit.

[239] بخصوص ازدواجية الأضرار التي تلحق بضحية الاعتداء الجنسي نسوق على سبيل المثال جريمة الاغتصاب التي تعرضت لها إحدى الفتيات من السعودية والتي شغلت الرأي العام السعودي في القضية التي صارت تعرف ” بفتاة القطيف ” والتي تناوب على اغتصابها سبعة شبان حيث صرحت في أعقاب الجريمة أن الحادث خلف لديها أضرارا نفسية كبيرة وأنها أصبحت تعيش حياة ممزوجة بالأرق والقلق، وتتعاطى للمهدئات وأدوية مرض الربو، بالإضافة إلى الكدمات والتسلخات التي أصيبت بها على مختلف أنحاء جسدها جراء هذا الاعتداء الجنسي. وقد أوردت تفاصيل هذه الحادثة جريدة الصباح العدد 2440 ليوم الأربعاء 13/02/2008

[240] ادولف رييولط، الخبرة في ميدان الطب الشرعي، المرجع السابق، ص. 56.

[241] ادولف رييولط، الخبرة في ميدان الطب الشرعي، المرجع السابق، ص. 56.

[242] وفي ذلك يقول الأستاذ ادولف رييولط في مؤلفة الخبرة في ميدان الطب الشرعي، المرجع السابق، ص: 57 ” فبعض نظريات علم الإجرام تبلور ما اصطلح على تسميته ” ” بعلم الضحية ” فهي تشير إلى هذه الملاحظة الرامية إلى كون معظم المخالفات الجنائية تحتوي على فعل جرمي يشارك فيه كل من الفاعل والضحية بحيث يكون لتصرفاتهم اثر كبير على طبيعة الجرم ومسؤولية مرتكبيه الذي يكون هو الآخر متأثرا مباشرة بتصرفات الضحية التي تشارك بشكل أو بأخر في ارتكاب المخالفة “.

[243] راجع الوثيقة رقم 4 في ملحق هذا البحث المتضمنة لتقرير نفسي صادر عن أحد الأطباء النفسيين المغاربة لملاحظة صياغته الفنية.

[244] من اجل التوسع اكثر في معرفة أنواع التقارير الطبية المختلفة التي توجه إلى ساحة القضاء من شواهد طبية وتقارير رفع الجثة وشهادات الوفاة والتقرير الطبي الشرعي راجع سيد عباس عبد الكريم: المشكلات العملية في التقارير الطبية، دار المجد للنشر والتوزيع، ودار الفكر القانوني للنشر والتوزيع، طنطا، الطبعة الثانية 2007، ص. 17 وما بعدها. وكذلك حسين عبد السلام جابر، المرجع السابق، ص. 160 وما بعدها.

[245] إبراهيم زعيم: نظام الخبرة في القانون المغرب، تينمل للطباعة والنشر، 1993، ص. 61.

[246] ادولف رييولط، الخبرة في ميدان الطب الشرعي، المرجع السابق، ص. 25.

[247] EL AYADI AHMED : expertise médicale judiciaire et médecine légale a Nador sur L’Etude

des dossiers jugés entre 1980 et 1990 par les tribunaux de Nador, mémoire pour l’obtention

du diplôme universitaire inter universitaire de médecine légale et de réparation juridique du

dommage corporel, 1993, p. 15.

[248] عبد العزيز زاكور: المبادئ الأساسية للخبرة في القانون المغربي: مقال منشور بمجلة رابطة القضاة العدد 12 – 13، مطبعة النجاح الجديدة، مارس 1985، ص. 30.

[249] كمال الودغيري: المرجع السابق، ص. 290.

[250] EL AYADI. A. , OP CIT, P. 16.

[251] EL AYADI. A. , OP CIT, P. 16.

[252] كمال الودغيري، المرجع السابق، ص. 292.

[253] إبراهيم زعيم، المرجع السابق، ص. 65.

[254] راجع المادة 206 من قانون المسطرة الجنائية.

[255] EL AYADI. A. , OP CIT , P. 16.

[256] كمال الودغيري، المرجع السابق، ص، 293.

[257] قرار منشور في كتاب اجتهادات المجلس الأعلى في المادة الجنائية 1957 – 1965 المرجع السابق، ص. 96.

[258] اجتهادات المجلس الأعلى في المادة الجنائية 1965-1957 المرجع السابق، ص. 96

[259] أورد هذا القرار الأستاذ إبراهيم زعيم، المرجع السابق، ص. 68.

[260] محمد عياط: دراسة في المسطرة الجنائية المغربية، الجزء الأول، منشورات شركة بابل للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، ص. 279.

[261] الحبيب ببهي: شرح قانون المسطرة الجنائية الجديد، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، الجزء الأول، الطبعة الأولى، سنة 2004، ص. 311.

[262] إبراهيم زعيم، المرجع السابق، ص. 67.

[263] احمد الخمليشي: شرح قانون المسطرة الجنائية: الجزء الثاني الطبعة الثانية، منشورات مكتبة المعارف، الرباط، ص. 208.

[264] آمال عبد الرحيم عثمان، المرجع السابق، ص. 307.

حيث أعلنتها صراحة مؤكدة على ” محكمة الموضوع لا يجوز لها إهمال تقديرات الخبراء في المسائل الفنية البحتة”.

[265] الحبيب بيهي، المرجع السابق، ص.  309.

[266] حسين عبد السلام جابر، المرجع السابق، ص. 193.

[267] لحسن بيهي: الدليل العملي ودوره في تكوين اقتناع القاضي الجنائي، مكتبة دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع، الرباط، الطبعة الأولى، 2007 ص. 70.

[268] أورد هذا الرأي شعبان محمود محمد الهواري، المرجع السابق، ص.  130.

[269] أدولف رييولط، الطب الشرعي، المرجع السابق، ص. 46.

[270] كما هو الشأن في القضية موضوع قرار محكمة النقض عدد 1599-4 الصادر في الملف الجنحي عدد 88281-10 بتاريخ 24 /07 / 2002، والذي أمرت فيه محكمة الموضوع بإجراء ثلاثة خبرات نفسية في مراحل مختلفة من القضية، انتهت الأولى إلى ما يفيد ثبوت المسؤولية الجنائية للمتهمة واكتمالها، في حين أقرت الثانية والثالثة التي أنجزت من طرف ثلاثة أطباء نفسيين بانعدام مسؤوليتها الجنائية.

[271] حيث نص قانون العقوبات السوري في المادة 230 على أنه “يعفي من العقاب من كان في حالة جنون ” وجاء في المادة 23 من قانون العقوبات اللبناني أنه ” يعفي من العقاب من كان في حالة جنون أفقدته الوعي “.

راجع عبد السلام التونجي: موانع المسؤولية الجنائية، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، معهد البحوث والدراسات العربية، 1979، ص. 111.

[272] حسين علي الغول: علم النفس الجنائي، الاطار والمنهجية، الطبعة الأولى 2003 دار الفكر العربي، القاهرة، ص. 221.

[273] خالد سليمان: المسؤولية الجزائية للمجرم المضطرب نفسيا، دراسة مقارنة، دار زينون الحقوقي، ص. 69.

وقد أورد الأستاذ كذلك في مؤلفه تعريفا للمرض العقلي نسبه للدكتور لطفي الشربيني جاء فيه بانه ” حالة اضطرابات في الوظائف العقلية تؤثر في التفكير والسلوك والوجدان “.

[274] أكرم نشأت، المرجع السابق، ص. 111.

[275] وهو التعريف الذي اعتمده المشرع الفرنسي في المادة 121-1 من مجموعته الجنائية القديمة للقول بانعدام المسؤولية الجنائية لدى هذا النوع من المرضى حيث جاء فيها ” ليس مسؤولا جنائيا الشخص الذي كان في وقت ارتكابه للجريمة في حالة خلل نفسي أو عصبي نفسي أفقده التمييز والسيطرة على أفعاله”.

انظر مؤلف الأستاذ أحمد الحمداوي باللغة الفرنسية: El hamdaoui A , Op cit , P. 45.

[276] حسين علي الغول K، المرجع السابق، ص. 221.

[277] خالد سليمان: المرجع السابق، ص. 71.

وقد ميزه عن الذهان الوظيفي psychose fontionnelle الذي هو مرض عقلي ذو مصدر نفساني غير عضوي.

[278] محمد علي السكيكر: العلوم المؤثرة الجريمة والمجرم، دار الفكر الجامعي، طبعة 2008، ص. 111.

[279] عبد السلام التونجي، المرجع السابق، ص.  108.

[280] أحمد فتحي بهنسي: المسؤولية الجنائية في الفقه الإسلامي، دار الشروق، الطبعة الرابعة 1988، ص. 215.

[281] انظر بتفصيل في هذا الشأن أكرم نشأت، المرجع السابق، ص. 112.

[282] حسين علي الغول، المرجع السابق، ص. 221.

[283] أكرم نشأت، المرجع السابق، ص. 113.

[284] أكرم نشأت، المرجع السابق، ص. 114.

[285] أكرم نشأت، المرجع السابق، ص. 115.

[286] محمد فتحي: علم النفس الجنائي، الجزء الثاني مكتبة النهضة المصرية، ص.  103.

[287] عماري سناء، المرجع السابق، ص. 53.

[288] خالد سليمان، المرجع السابق، ص. 72.

[289] أشرف توفيق شمس الدين: شرح قانون العقوبات – القسم العام، النظرية العامة للجريمة والعقوبة، دار النهضة العربية، الطبعة الأولى 2008، ص. 331.

[290] عبد السلام التونجي، المرجع السابق، ص. 113.

[291] أشرف توفيق شمس الدين، المرجع السابق، ص. 331.

[292] خالد سليمان، المرجع السابق، ص. 73.

[293]   عبد الرحمان العيسوي: اتجاهات جديدة في علم النفس القضائي، منشورات الحلبي الحقوقية، 2004، ص. 246. وقد استخلص لمبروزو فرضيته هذه من دراسته حالة الجندي الإيطالي ميسدا Misda الذي انتابته فجأة حالة غريبة وشرع في مطاردة بعض زملائه في الجيش حيث قتل ثمانية منهم وسقط مغشيا عليه وعند استيقاظه لم يتذكر شيئا عن الجريمة، وبعد الفحص تبين انه مصاب بالصرع.

[294] خالد سليمان، المرجع السابق، ص. 74.

[295] أكرم نشأت، المرجع السابق، ص. 117

[296] حسين علي الغول، المرجع السابق، ص. 222.

[297] حسين علي الغول، نفس المرجع، ص. 229.

[298] خالد سليمان، المرجع السابق، ص. 76.

[299] انظر في هذا الصدد خالد سليمان، المرجع السابق، ص. 77.

و كذلك حسين علي الغول، المرجع السابق، ص. 229.

[300] حسين علي الغول، المرجع السابق، ص. 229.

[301] خالد سليمان، المرجع السابق، ص. 80.

[302] أكرم نشأت، المرجع السابق، ص. 129.

[303] خالد سليمان، المرجع السابق، ص. 81.

[304] خالد سليمان، نفس المرجع، ص. 81.

[305] انظر ببعض من التفصيل أكرم نشأت، المرجع السابق، ص. 129.

ومن أشهر الأمثلة التاريخية على إحدى صور البارانويا الناتجة عن هذاء الاضطهاد نجد الجريمة التي اقترفها دانييل ماكناتن MC Naghten الإنجيزي سنة 1843 الذي حاول اغتيال رئيس الوزراء البريطاني روبرت بيل بإطلاق الرصاص عليه معتقدا أنه كان يريد قتله.

[306] أكرم نشأت، المرجع السابق، ص. 128.

[307] خالد سليمان، المرجع السابق، ص. 108.

[308] أكرم نشأت، المرجع السابق، ص. 126.

[309] محمد فتحي، المرجع السابق، الجزء الأول، ص. 140.

[310] أكرم نشأت، المرجع السابق، ص. 92.

[311] خالد سليمان، المرجع السابق، ص. 54.

[312] محمد عثمان نجاتي: علم النفس في حياتنا اليومية، دار العلم الكويت، 1977. ص. 463.

[313] محمد فتحي، المرجع السابق، الجزء الأول، ص. 149.

[314] أكرم نشأت، المرجع السابق، ص. 94. علما بأن الأستاذ في الصفحتين 96 و 97 من نفس مؤلفه عدد مجموعة من أنواع الهستيريا (كالتشنجية أو التسلطية ) ضمن الحالات التي ترفع المسؤولية الجنائية تماما ولا تقتصر على إنقاصها.

[315] محمد فتحي، المرجع السابق، الجزء الأول، ص. 159.

[316] أكرم نشأت، المرجع السابق، ص. 97.

[317] محمد فتحي، المرجع السابق، الجزء الأول، ص. 163.

[318] خالد سليان، المرجع السابق، ص. 61. وقد أورد الأستاذ مثالا على قيام المريض الهستيري بتوجيه تهمة خطيرة على الغير حالة الضابط الفرنسي نوري- Nourry la Roncière الذي حكم عليه سنة 1835 بالأشغال الشاقة لمدة عشر سنوات بعدما اتهمته ابنة قائد المعسكر بأنه ارسل لها رسائل فاحشة، وحاول أن يقتحم عليها غرفتها من أجل اغتصابها، وتبين فيما بعد أن الابنة تعاني من الهستيريا وكانت ادعاءاتها كاذبة.

[319] محمد فتحي، المرجع السابق، الجزء الأول، ص. 190.

[320] أكرم نشأت، المرجع السابق، ص. 104.

[321] محمد فتحي، المرجع السابق، الجزء الأول، ص. 199.

[322] أكرم نشأت، المرجع السابق، ص. 105.

[323] أكرم نشأت، المرجع السابق، ص. 105.

[324] أكرم نشأت، المرجع السابق، ص. 171.

[325] جنان سعيد الرحو، المرجع السابق، ص. 120.

[326] محمد الأزهر: مبادئ في علم الإجرام، مطبعة دار النشار المغربية، عين السبع، الدار البيضاء، الطبعة السابعة 2005، ص. 28.

[327] محمد صبحي نجم: شرح قانون العقوبات الأردني، القسم العام، منشورات الجامعة الأردنية، الطبعة الأولى، عمان 1988. ص. 181.

[328] ظهرت قواعد ماكناتن في إنجلترا عام 1843 بمناسبة قضية دانييل ماكناتن. انظر أكرم نشأت، المرجع السابق، ص. 172.

وكذا عبد السلام التونجي، المرجع السابق، ص. 139.

[329] أكرم نشأت، المرجع السابق، ص. 171.

[330] شادية الشومي، في القانون الجنائي العام، الطبعة الثانية 2001، ص.  144.

[331] محمد صبحي نجم، المرجع السابق، ص. 182.

[332] 5 عبد السلام التونجي، المرجع السابق، ص. 145.

[333] 6 محمد صبحي نجم، المرجع السابق، ص. 182.

[334] كما فعل المشرع المغربي في الفصلين 134 و 135 من القانون الجنائي، عندما اشترط الفقدان الكلي أو الجزئي لملكتي الإدراك والإرادة لدى الجاني بسبب إصابته بخلل عقلي بالقول بارتفاع مسؤوليته الجنائية كليا أو جزئيا، وهو ما رسخه القضاء المغربي كذلك في عدة قرارات نذكر منها القرار غير المنشور عدد 2005/9 الصادر بتاريخ 22 دجنبر 2004 في الملف الجنحي رقم 2004/78 والذي جاء فيه ” أنه بالرجوع إلى القرار المطعون فيه يتبين أنه عندما قضى بانعدام مسؤولية المتهم (ح. م ) جنائيا بخصوص جناية الضرب والجرح العمديين المؤديين إلى الموت دون نية إحداثه… لم يعلل ذلك تعليلا كافيا بإبراز كيف استنتجت المحكمة أن المتهم كان وقت ارتكابه الفعل الجرمي في حالة خلل عقلي يمنعه تماما عن الإدراك والإرادة، والحال أن تقرير الخبرة الطبية المحرر من طرف الطبيب السيد ش فضلا عن عدم إشارته إلى أن المتهم كان وقت ارتكاب الفعل الجرمي المنسوب إليه في حالة خلل عقلي يمنعه تماما من الإدراك والإرادة فإن الصفحة الثانية من التقرير المذكور المتضمنة لاستنتاجات الطبيب الخبير غير موقعة من طرف هذا الخير وبالتالي لا يمكن الأخذ بما جاء فيها مما يكون معه القرار المطعون فيه والحالة هذه مشوبا بنقصان التعليل الموازي لانعدامه، الأمر الذي يعرضه للنقض.

[335] أكرم نشأت، المرجع السابق، ص. 174. أ

[336] أشرف توفيق شمس الدين، المرجع السابق، ص. 332.

راجع كذلك في نفس المعنى شادية الشومي، نفس المرجع، ص. 144.

[337] ” أو” هو حرف عطف قد يأتي في صورة عدة معاني كالشك والإبهام والتقسيم والإباحة والتخيير… انظر ابن هشام الأنصاري: مغني اللبيب في كتب الأعاريب، دار الفكر بيروت، الطبعة الخامسة، 1979، ص. 87.

[338] كما هو الشأن بالنسبة للقانون المصري مثلا في المادة 62 من قانون العقوبات.

[339] 1 El hamdaoui A, op.cit, P. 47

[340] 2 أكرم نشأت، المرجع السابق، ص. 96 و 97.

[341] 1 أكرم نشأت، المرجع السابق، ص. 178 – 179 – 180.

[342] انظر الفصل 76 من مجموعة القانون الجنائي المغربي.

[343] شريف الطباخ واحمد جلال، المرجع السابق، ص. 42.

[344] EL HAMDAOUI. A, OP. CIT, P. 46

[345] وفي هذا يقول الأستاذين احمد جلال وشريف الطباخ: ” أن الجنون الطارئ على الجاني بعد ارتكابه للجريمة لا يؤثر بالطبع على مسؤوليته الجنائية – ولكن يقتصر أثره على إجراءات الدعوى إذا طرأ أثناءها – أو يؤثر على وقف تنفيذ العقوبة إذا طرأ بعد صدور الحكم عليه “، المرجع السابق، ص. 48.

[346] وهي الفصول التي تتحدث عن الإجراءات الواجب اتخاذها من طرف قاضي التحقيق ومحكمة الموضوع في حالة ثبوت إصابة المتهم باضطراب عقلي اثر على إدراكه و إرادته ويقول الأستاذين شريف الطباخ واحمد جلال بخصوص هذه المسألة ” أن وقف الإجراءات لا يشمل ولا يمنع القيام بالإجراءات الضرورية التي لا تمس بشخص المتهم خصوصا إذا كانت لها صفة الاستعجال كالمعاينة والتفتيش وسؤال الشهود حتى لا تضيع معالم الجريمة بمضي الزمن ولا يواجه بها المتهم إلا عند إفاقته “، المرجع السابق، ص 50.

[347] شريف الطباخ واحمد جلال، المرجع السابق، ص، 50.

[348] EL HAMDAOUI. A, OP. CIT, P. 47 .

[349] 1-محمد سامي النبراوي: شرح الأحكام العامة لقانون العقوبات الليبي، منشورات جامعة قاريونس، بنغازي الطبعة الثانية، 1987، ص. 247.

[350] 2 -ويتعلق الأمر بقرار عدد 4963 الصادر بتاريخ 29 ماي 1984 في الملف الجنائي عدد 84/9381، أورده الحسن البوعيسي، المرجع السابق، ص. 30.

[351] ويقول محمد كمال الدين إمام في نفس هذا المعنى ” وعلى القاضي أن يستوثق من رأي العلم في الحالة المعروضة، ومدى توافر الجنون وأثره من عدمه “، المرجع السابق، ص. 219.

[352] أورد هذه القولة محمد سامي النبراوي، المرجع السابق، ص. 248.

[353] عبد السلام التونجي، المرجع السابق، ص. 152.

[354] يتعلق الأمر بالنقض عدد 766 بتاريخ 31/10 /1970، أورد هذا القرار إيهاب عبد المطلب وسمير صبحي، المرجع السابق، ص. 573.

[355] 1 ويتعلق الأمر بالقرار غير المنشور عدد 3241/3 المؤرخ في 8 نونبر 2006 الصادر في الملف الجنحي رقم 9010/6/3/06. وفي نفس هذا الاتجاه يصب قرار محكمة النقض غير المنشور كذلك عدد 1130/9 المؤرخ في 15 نونبر 2005 الصادر في الملف الجنحي عدد 2003/11783، حيث ورد في الحيثية المعتمدة لنقض وأبطال القرار المطعون فيه بالنقض ما يلي ” ” وحيث أن الأمر يتعلق بمسألة طبية دقيقة لا يكون فيها الجزم إلا لمن تتوفر فيه الخبرة في ذلك الميدان، وأن المحكمة عندما اعتبرت الطاعن متمتعا بكامل قواه العقلية وأعرضت عن استدعاء الطبيبن المطلوب الاستماع إليهما، وبرفضها اللجوء إلى خبرة لاستجلاء الحقيقة، واعتمادها فقط على كون أجوبة المتهم كانت واضحة ومفهومة ولا توحي بأي اضطراب، تكون قد أبدت رأيها في موضوع لا دراية لها به، ودون الاستعانة بذوي الاختصاص في هذا الميدان، علما أن المطلوب هو حالة المتهم وقت ارتكابه الفعل الجرمي مما تكون معه قد عرضت قرارها للنقض والإبطال “.

[356] 2 ينص الفصل 194 من قانون المسطرة الجنائية في فقرته الأولى على أنه ” ” يمكن لكل هيأة التحقيق أو الحكم كلما عرضت مسألة تقنية أن تأمر بإجراء خبرة إما تلقائيا وأما بطلب من النيابة العامة أو من الأطراف “.

[357] 3 عبد السلام التونجي، المرجع السابق، ص. 153.

[358] انظر الفصل 76 من مجموعة القانون الجنائي المغربي.

[359] شادية الشومي، المرجع السابق، ص. 144.

[360] انظر المادة 75 من مجموعة القانون الجنائي المغربي.

[361] 3 أحمد الخمليشي: شرح القانون الجنائي – القسم العام – مكتبة المعارف للنشر والتوزيع 1985. ص. 331.

[362] انظر الفصل 136 من مجموعة القانون الجنائي المغربي.

[363] راجع الفصول 79-78-76 من مجموعة القانون الجنائي المغربي.

[364] هذه الصينة مستقاة من مراجعة مجموعة من القرارات الجنائية الصادرة بإعفاء الأظناء وإبداعهم بمؤسسات العلاج من الأمراض العقلية والنفسية.

[365] ادولف رييولط، الطب الشرعي، المرجع السابق، ص. 96.

[366] ومع ذلك فإنه الأمر الذي يحدث غالبا في العمل القضائي ومن ذلك ما جاء في القرار الجنائي عدد 88 الصادر في الملف رقم 70-07 بتاريخ 02/05/2007 عن محكمة الاستئناف بوجده – غير منشور – والذي قضى في منطوقه ” باعتبار المتهم وقت ارتكابه للفعل المنسوب اليه في حالة خلل عقلي مع التصريح بانعدام مسؤوليته وإعفائه من العقاب وإيداعه بمستشفى الأمراض العقلية بوجدة “. معتمدا في ذلك على الخبرة الطبية التي سبق أن امر بإنجازها على ذمة نفس القضية السيد قاضي التحقيق فجاء في احدى حيثيات قرارها المذكور ” حيث أن المحكمة بعد اطلاعها على الخبرة الطبية الموجودة بالملف تبين لها أن المتهم عند ارتكابه للأفعال المنسوبة اليه لم يكن في كامل قواه العقلية يجعله مدركا لتصرفات أفعاله الأمر الذي يوجب التصريح بانعدام مسؤوليته وإعفائه من العقاب ” وهي نفس الخبرة التي سبق أن أمر بإنجازها السيد قاضي التحقيق.

[367] شريف الطباخ واحمد جلال، المرجع السابق، ص. 44.

[368] ادولف رييولط، الخبرة في ميدان الطب الشرعي، المرجع السابق، ص. 51.

[369] أبو المعاطي حافظ أبو الفتوح، المرجع السابق، ص. 358.

[370] راجع الوثيقتين رقم 5 و 6 في ملحق هذا البحث.

[371] محمد الأزهر، المرجع السابق، ص. 28.

[372] EL HAMDAOUI. A, OP CIT, P. 48

[373] EL HAMDAOUI. A, OP CIT, P. 49

[374] اكرم نشأت إبراهيم، المرجع السابق، انظر الصفحات أعداد 178-179-180. وفيها يعرض الأستاذ لتوضيح خصائص كل حالة من حالات الهستيريا التي تضعف المسؤولية الجنائية عند الجناة.

[375] يتعلق الأمر بالقرار الجنائي غير المنشور -عدد 259 الصادر بتاريخ 13/12/2006 في الملف الجنائي رقم 139 – 06 الصادر عن محكمة الاستئناف بالناظور.

[376] وهو القرار غير المنشور عدد 441 الصادر بتاريخ 2007 / 06 / 27 في الملف الجنائي عدد 2006-67.

[377] انظر الفصل 146 من مجموعة القانون الجنائي المغربي المتعلق بتسبيب منح ظروف التخفيف.

[378] ففي القرار الجنائي عدد 441-07 المستدل به والصادر في الملف رقم 67 – 06 الصادر عن محكمة الاستئناف بفاس حكمت المحكمة على المتهم “د. ع” بعد مؤاخذته من اجل جناية القتل العمد بالسجن المؤبد بعشر سنوات سجنا بعد أن متعته بظروف التخفيف عقب التصريح بمسؤوليته الناقصة.

[379] ادولف رييولط، الطب الشرعي، المرجع السابق، ص. 95.

[380] EL HAMDAOUI. A, OP CIT, P. 50 .

[381] ادولف رييولط، الطب الشرعي، المرجع السابق، ص. 102.

[382] تمت ترجمته هذا التقرير النفسي إلى العربية بمعرفة الدكاترة برقيق أحمد مدير مستشفى الرازي للأمراض العقلية بوجدة وعبد القادر الدريوش طبيب نفساني بنفس المستشفى وبمعرفة الأستاذ أحمد الحمداوي أستاذ علم النفس المرضي وعلم الإجرام العيادي بالمعهد الملكي لتكوين الأطر بالرباط.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading