دراسة مقارنة

عبد الحميد المليحي

دكتور في الحقوق

باحث في العلوم الجنائية

تقديم:

إن مشكل التفريد القضائي للعقوبة موضوع واسع ومعقد بالنسبة لغيره من المواضيع، فهو ليس جزء من نظرية العقاب، ولكنه يحتويها برمتها، كما أنه يضعنا أمام المبادئ الكبرى التي تحكم إدارة القضاء بوجه عام، وبالتالي تلوح للعيان الفائدة العملية من بحثه.

ووفقا لمبدأ قانونية الجرائم والعقوبات، فإن المشرع يحدد لكل جريمة عقوبتها على أساس ما يكشف عنه من خطر على مصلحة المجتمع أو ما يحدثه من ضرر بها، مع التسليم في ذات الحين بعدم إمكانية تحديد العقوبة المناسبة لمرتكب الجريمة لعدم درايته بشخصيته وظروفه، ومن ثم ترك تطبيق العقوبة المناسبة لمرتكب الجريمة لعدم درايته بشخصيته وظروفه، ومن ثم ترك تطبيق العقوبة للقاضي وأناط به الملاءمة بين التحديد التشريعي المجرد الوارد في القانون، وبين ما يعرض عليه من حالات واقعية.

فالمشرع يحدد لكل جريمة عقوبتها ولكنها ليست عقوبة ثابتة ذات حد واحد وإنما هي عقوبة موضوعة بين حدين أحدهما أدنى لا يجوز للقاضي أن ينزل دونه، ([1]) والآخر أعلى لا يجوز له أن يعتليه ([2])، وبين هذين الحدين متسع من المجال يتحرك القاضي فيه.

وكلما اتسع المجال بين الحدين كلما ازدادت حركية القاضي الجنائي وتوسعت سلطته التقديرية ([3]).

ويدعم هذه السلطة الثقة التي يفترضها المشرع في القاضي، وهي ثقة يستحقها القاضي الحديث لعلمه وخبرته ثم لاستقلاله ونزاهته، ويقتضي الاستعمال السليم لهذه السلطة أن تعاون القاضي أجهزة فحص فني لشخصية المتهم حتى يتعرف تماما عليها فيحدد العقوبة الملائمة لها والاعتراف بهذه السلطة يعني الاعتراف بالتفريد القضائي ([4]).

وعليه، سنقسم هذه الدراسة إلى مبحثين:

المبحث الأول: الوسائل القانونية الممنوحة للقاضي لتشخيص العقاب

المبحث الثاني: التشديد القضائي للعقوبة وخاصة حالة العود

المبحث الأول:

الوسائل القانونية الممنوحة للقاضي لتشخيص العقاب

لقد استهدفت المدارس الوسطية من إحداث النظم العقابية والمرنة التي أخذت بها القوانين الجنائية المعاصرة تزويد القضاة بالوسائل القانونية التي تمكنهم من تحديد العقوبة الملائمة للمجرم ([5]).

لذا فإن سلطة القاضي التقديرية لم توجد إلا لتحقيق أسمي وأنبل الأهداف المتوخاة من العقاب وهو إصلاح الجاني وتقويمه، فإذا كان المجرم يستحق الرأفة أمكن للقاضي التحرك في إطار ما لا يتعارض مع القاعدة القانونية لإصدار حكم رحيم، أما في حالات العكس فالقاضي مدعو لتطبيق اقصى العقوبات.

ومن المسلم به أن التحديد التشريعي للجزاء هو الأساس الذي ينبني عليه عمل القاضي الجنائي، إذ ليس بهدنة أن ينزل عقوبة أو تدبير لمن يرد به نص تشريعي، وليس له أن يتجاوز لا ما فرضه المشرع من حدود ([6]).

المطلب الأول: تعريف سلطة القاضي الجنائية وأثرها على السياسة الجنائية الحديثة

حتى نقف على ماهي سلطة القاضي الجنائي التقديرية لابد من بيان من مفهوم الجنائية من ناحية (الفقرة الأولى) وبيان موقف السياسة الجنائية الحديثة منها من ناحية ثانية (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: تعريف سلطة القاضي الجنائي التقديرية

أن التعريف والتأويل والشرح هو من عمل الفقه والقضاء، ولذلك فإن المشرع ليس في حاجة لأن يضع تعريفا للجريمة وحتى الرجوع إلى الكتب الفقهية، وبالرجوع إلى اجتهادات القضاء في بلادنا وغيرها لا نجد تعريفا شاملا يفي بالغرض المقصود الذي هو إعطاء تعريف تقني دقيق لسلطة تقديرية للقاضي.

وتعني الجريمة في تحديد العقوبة قدرته على الملائمة بين الظروف الواقعية للحالفة المعروضة عليه والعقوبة التي يقررها فيها، وهي في أبسط صورها، المقدرة على التحرك بين المدة الأدنى والأقصى للعفوية لتحديدها بينهما وعند أحدهما ذلك أن المشرع مهما أوتي من معرفة ومهما صحت تنبؤاتها للواقع والمشاكل التي يمكن أن تثار فلا يمكن أبدا تصور كل شيء بدقته وتفاصيله، وبالتالي الإحاطة به بطريقة شاملة، لذا كان لزاما عليه تفويض القاضي نوعا من الحرية في اختيار العقوبة الأكثر ملائمة لطبيعة الجاني ([7]).

ويعني هذا أن القانون الجنائي خول القاضي الزجري حق تقدير العقوبة بعد تقدير الخطورة الإجرامية للأفعال المرتكبة وتقدير شخصية المجرم ([8]).

فسلطة القاضي الجنائي في تقرير العقوبة تتمثل في المدى الذي يسمح له القانون من حيث اختيار نوع العقوبة المتناسبة مع مدى جسامة الجريمة، فارتباط العقوبة بالجريمة يكون ارتباطا وثيقا، فتقدير القاضي للجزاء في هذه الحالة، إنما يكون بحسب موقف الجريمة المنافي لمجتمعه وليس بحسب أعماله.

وإلى جانب حدود سلطة القاضي الزجري في تقدير العقاب، لا غنى للسياسة العقابية الحديثة عن الاستعانة بكل من العقوبة والتدابير الوقائية كصورتين لرد فعل الاجتماع إزاء الجريمة، لأن كلا منهما تحقق في مجالها الخاص ما تعجز الأخرى عن تحقيقه في الوقت الذي تتقارب فيه الأحكام القانونية التي يخضع لها كل منهما في مواضع وتتباعد في مواضع أخرى.

وقد أثار مثل هذا التداخل منذ وقت غير قصير جدلا فقهيا حول تنظيم العلاقة بين العقوبة والتدبير الوقائي ومدى ملائمة الجمع بينهما أو الإبقاء على نظام الازدواج، حيث يثور البحث عما إذا كان من حسن السياسة الجنائية إدماجهما في الجزاء الموحد، وعن الحدود الفاصلة بينهما إذا اخذ بنظم الازدواج. كما يثير التداخل المشار إليه مدى إمكانية إنزال كل من العقوبة والتدبير على شخص واحد إذا توفر مناط كل منهما فيه ([9]).

يمكن القول أن سلطة القاضي التقديرية هي الرخصة ” ([10]) -أن صح هذا التعبير -الممنوحة للقاضي من طرف المشرع لتقدير العقوبة وفقا لحديها الأدنى والأقصى وإمكانية تجاوز هذين الحدين وذلك وفقا لبعض الظروف أو الملابسات التي من شأنها أما أن تقلص من خطورة الجريمة أو العكس. ذلك أن المشرع مهما أوتي من معرفة، ومهما صحت تنبؤاته للواقع والمشاكل التي يمكن أن تثار، فلا يمكن أبدا تصور كل شيء بدقته وتفاصيله، وبالتالي الإحاطة به بطريقة شاملة، لذا كان لزاما عليه تفويض القاضي نوعا من الحرية في اختيار الجزاء الأكثر ملائمة لطبيعة الجاني لا سيما القاضي المختص في معرفة شخص الجاني الذي اضبح محور قانون العقوبات. بعد أن كانت شخصيته هذه مهملة، إذ كان ينظر في توقيع العقوبة فقط إلى هول الجريمة وما خلفته دون الأخذ بعين الاعتبار مرتكبها.

لكن بظهور مبدأ التفريد الذي أحاط الفرد بعناية بالغة لم يعد ممكنا الاقتصار الجانب المادي في الجريمة، بلى أصبح الجانب النفسي والاجتماعي يلعبان دروا حاسما في اختيار الجزاء.

إن تقدير العقوبة أو التدبير ضمن سلطة القاضي الجنائي يعد فنا لا يدرس ولا يراقب متى تم طبقا للقانون ويهتدي إليه القاضي لها بحكم علمه بالقانون وخبرته ومن خلال ملكة أودعت فيه، فسلطة القاضي الجنائي التقديرية في مجال تطبيق أثر القاعدة التجريمية تعني قدرته على الملائمة بين الظروف الواقعية للحالة المعروضة عليه وظروف مرتكبها والعقوبة التي يقررها أو التدبير الذي ينزله ضمن ما هو مقرر قانونا على وجه يحقق التنسيق بين المصالح الفردية والاجتماعية ([11]).

الفقرة الثانية: موقف السياسة الجنائية الحديثة من سلطة القاضي التقديرية

تعرف السياسة الجنائية لكونها (الوسائل الزجرية التي تستخدمها الدولة لمكافحة الجريمة) ([12]) وهي بهذا المفهوم جزء من السياسات العمومية للدولة تتميز بكونها:

سياسة عمومية للدولة هدفها مكافحة الجريمة.

  1. تعتمد الوسائل الزجرية لتحقيق أهدافها وهي أما:

إجراءات تشريعية وقانونية زجرية.

أو تدابير تنفيذية للأدوات التشريعية الزجرية.

ولذلك فوضع السياسة الجنائية يتم عن طريق:

البرلمان بمقتضى النصوص القانونية.

الحكومة عن طريق النصوص التنظيمية والتدابير التطبيقية ([13]).

لذلك فسلطة القاضي الجنائي في تقدير العقوبة من الموضوعات التي اعرض الفقه عن وضع نظرية عامة لها، رغم ما تتسم به من أهمية تكمن في الاتصال بتطبيق القانون الجنائي وما لذلك من علاقة بحرية الأفراد ومصالحهم ([14]).

يمكن القول بأن التشريعات الجنائية الحديثة تسير باستمرار نحو توسيع سلطة القاضي التقديرية في تحديد العقوبات، ولا سيما منذ ظهور طلائع المدرسة الوضعية والمدارس الوسيطة، التي كان ميلادها إيذانا بالتتبع السريع للخطوات التشريعية في هذا المجال، مما بلغ بقضاة عصرنا تخوم السلطة التقديرية المطلقة في أجزاء غير قليلة من العالم.

إن الحافز الأصلي للمشرع الحديث إلى منح القاضي مزيدا من السلطة التقديرية في تحديد العقوبات يكمن في حقائق عن علم الإجرام بفروعه الثلاث المتشعبة من العلوم البيولوجية والنفسية والاجتماعية ([15])، لذلك فإن الاعتراف بالسلطة التقديرية أصبح أمرا حتميا ([16]) بعد الاعتراف بالمبدأ التفردي القضائي الذي يسعى إلى إصلاح الجاني وتأهيله.

ومع ذلك فقد صاحب هذا الوعي عند الكثيرين شعور يناهض الاتجاه نحو توسيع سلطة القاضي، وهو شعور ناشئ عن الإحساس بخطورة إخضاع حرية المواطنين ومصيرهم لأهواء وأمزجة القضاء ومعادلاته المتباينة وخاصة إذا كانوا غير مؤهلين أو تنقصهم القواعد القانونية الموجهة، لذا نجد السياسة الجنائية الحديثة -مع إقرارها منح القاضي سلطة تقديرية واسعة لتشخيص العقاب – يؤكد ضرورة الحيلولة دون جعل هذه السلطة التحكمية مطلقة، وتقضي بوجوب ممارستها ضمن النطاق القنوني الشكلي والموضوعي، وطبقا لتوجهات قانونية محددة وفي ضوء بحث دقيق لشخصية المجرم، مع تأهيل القاضي الجنائي وتهيئة مساعدين له من الأخصائيين الإكفاء” ([17]).

المطلب الثاني: مدى سلطة القاضي الجنائي في اختيار العقوبة

طبقا لهذا النظام يتسنى للقاضي حرية كاملة في الحكم بالعقوبة التي يراها مناسبة من بين العقوبات التي رصدها المشرع للجريمة، مراعيا في ذلك شخصية المجرم وظروفه وملابسات جريمته ضمن موجهات السياسة الجنائية المعاصرة، وفي هذا المطلب سنقف على كيفية ظهور العقوبات التخييرية ومدى أخذ التشريعات المقارنة بها (الفقرة الأولى) وموقف السياسة الجنائية المغربية منها (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: العقوبات التخييرية وتباين التشريعات في الأخذ بها

إن دراسة هذا الموضوع تقتضي التطرق لكيفية ظهور هذا النظام أولا، وتوضيح اختلاف الأنظمة في العقوبات التقديرية في التشريعات المقارنة ثانيا.

أولا: كيفية ظهور العقوبات التقديرية

يمكن القول مع بعض الفقه أن العقوبات التقديرية ليس سوى نتيجة لما كان قد أثار إليه “فان هامل” ([18]) ودعي إليه “جارسون” ([19]) وأقره “رايمود سالي ” في نظرية العقوبات المتوازنة، والتي تتلخص في وضع المشرع مجموعتين اثنتين من اثنين من العقوبات، الأولى عقوبات مشينة، والثانية عقوبات غير مشينة، حيث سيترك للقاضي سلطة لاختيار عقوبة مناسبة من احدى المجموعتين لكل مجرم على حدة.

وأعلن “سالي” أيضا اقتناعه بنظرية العقوبات المتوازنة بقوله أن : مقتضيات التفريد الحديث تقود إليها مباشرة، ولكنه اعترض على تحديد نطاق تطبيقها تبعا للبواعث فقط، لأن ذلك مجرد جزء من الظروف المتصلة بالفعل المرتكب، بينما الجرائم الفردية الخاصة للعقوبة يجب أن تتم طبقا لشخص المجرم بأكملها ([20]).

وبفضلى ظهور نظام العقوبات التخييرية التي تمنح للقاضي سلطة تقريرية واسعة في اختيار العقوبة الملائمة نوعا ما، اكتمل التفريد القضائي الذي كان يعتمد على تدرج العقوبة كما.

ثانيا: تباين التشريعات المقارنة في الأخذ بها

أدى ظهور العقوبات التخييرية إلى الأخذ بها من طرف عدة تشريعات حديثة، إلا أن الأخذ بهذا النظام يتفاوت حسب القدر من الحرية المتروك للقاضي في اختيار نوع العقوبة الأكثر ملائمة لشخص الجاني ويشكل هذا النظام نوعين من النظم:

  1. نظام العقوبات التخييرية المقيدة

وهو الذي اهتم المشرع بوضع ضابط له يلتزم به القاضي عند اختيار الجزاء، وقد اختلفت التشريعات في الأخذ بهذا النظام والذي يتضح في أربع صور، في الأولى يكون التخيير مقيدا بالباعث (المادة 20) من قانون العقوبات الألماني والثاني بالملائمة (الفقرة الثانية من المادة 57) من قانون العقوبات البولوني وفي الثالثة الجريمة أو خطورة المجرم (المادة 85) من قانون العقوبات اليوناني وفي الرابعة يتحقق بشروط معينة أخرى.

  1. نظام العقوبات التخييرية الحرة

بمقتضى هذا النظام يتمتع القاضي بحرية اختيار تامة في الحكم بالعقوبة من ضمن العقوبات المقررة للجريمة، سواء أكانت عقوبتين متنوعتين أم أكثر، والقانون لا يلزمه باتباع أية قاعدة معينة في هذا الاختيار، وتأتي القوانين الأنجلو سكسونية في مقدمة القوانين التي أخذت بهذا النظام.

الفقرة الثانية: موقف السياسة الجنائية المغربية من العقوبات التخييرية

سنبحث هذه الفكرة من خلال رصد موقف المشرع المغربي من العقوبات التخييرية أولا ومدى اخذ النظام القضائي بها ثانيا.

أولا موقف المشرع المغربي من العقوبات التخييرية

اذا ألقينا نظرة على نصوص القانون الجنائي المغربي نجد أن نصيب العقوبات التخييرية في هذا القانون ضئيل، بحيث اقتصر على عقوبة الحبس والغرامة في المواد التالية 288، 279، 345، 249، 362، 366، 373 / ف 3، 38، 382، 384، 390، 430، 431، 433، 448، 452، 455، 469، 470، / ف 3، 479، من القانون الجنائي المغربي وكذا الفصول 41، 42، 43، 44، 47، 48، 51، 52، 53، 56، من قانون الصحافة الصادر في 15 نونبر 1958 وقد تم تعديله بالقانون 3 أكتوبر 2002 ([21]) الذي اعتمد على نفس الوسيلة التخييرية بين العقوبة السالبة للحرية والغرامة في بعض مواده كالمواد 42 و 45 و 46 و 47 و 48 و 52 وغيرها من النصوص في باقي فروع القوانين الجنائية الخاصة، ولا خلاف في اعتبار نظام العقوبات التخييرية من افضل وسائل التشخيص القضائي للعقاب لما يبسطه أمام القاضي من مجال اختيار العقوبات الأكثر ملائمة، فإن المشرع المغربي قد فضلى في كل النصوص السابقة عدم تقيد القاضي في الخيار بين العقوبتين لأي قيد أو شرط أو الشيء الذي يفهم منه أمران اثنان:

أما أن المشرع المغربي يعتبر القاضي في مستوى المسؤولية المنوطة به، حيث ترك له معظم الحرية في إنزال العقوبتين معا أو الاقتصار على واحدة ([22]).

وأما أن المشرع واعيا منه على غرار جانب كبير من الفقه ([23]) بعدم جدوى العقوبات السالبة للحرية القصيرة المدة، وقد أثر لوضع هذه الإمكانية في يد القضاء، فاذا ارتأى القاضي الاقتصار على عقوبة الغرامة فقد يلجئ إلى ذلك بدلا من الزج بالمتهم في السجن لفترة قصيرة للمعالجة بلى وقد تكون سببا في انحرافه.

وبهذا يكون المشرع المغربي قد أنظم إلى مجموعة القوانين التي تقل فيه العقوبات التخييرية الحرة وبذلك يكاد يساير القانون الفرنسي ([24]) في هذا الاتجاه، إذ تقتصر العقوبات التخييرية الحرة المنصوص عليها في المواد السابقة على العقوبة بالحبس أو الغرامة أو كلتي الحالتين وهي بذلك تشمل فقط العقوبات الجنحية الأصلية المنصوص عليها في الفصل 17 من القانون الجنائي الفرنسي ([25]).

ولا نؤاخذ المشرع المغربي على هذا المسلك لأنه اختار الاتجاه الأمثل في تقديرنا، الذي يتحقق بتنسيق المشرع للمجالات التخييرية على نحو معتدل، ([26]) بتحديده الخيار بين عقوبتين متتاليتين في الشدة بدرجة متناسبة، لأن المجالات في توسيع مآلات التخيير قد يحير القاضي ويربكه وربما يعرضه إلى التورط في اختيار العقوبة القاسية جدا، أو التافهة جد ا بالنسبة للمحكوم عليه، وهذا ما تبناه المشرع المغربي بحيث لم يتح للقاضي إلا سلطة الخيار بين الحبس والغرامة وفق متطلبات السياسة الجنائية التي تنادي بتفريد العقاب وتشخيصه حسب الدوافع الشخصية لكل مجرم.

كما يبدو لنا سلامة الموقف المغربي في الأخذ بهذا النظام، لأن إخضاع حرية القاضي في هذا الشأن لأي قيد قد يخلى بطبيعة نظام التخيير، ويعني سلب المشرع من القاضي باليد اليسرى ما أعطاه له باليد اليمنى، مما يؤدي إلى قلب نظام العقوبات التخييرية من وسيلة للتشخيص القضائي إلى وسيلة للتفريد القانوني.

فرغم تحفظ المشرع المغربي في هذا المجال فإن نظام ظروف التخفيف كفيل بنقل القاضي إلى نظام العقوبات التخييرية على أوسع نطاق، وذلك لهذا من تأثير على العقوبة وبإلقاء نظرة على الفصل 147 يمكن التحقق من ذلك لكن سنرجئ الحديث عنه في المطلب الثاني المخصص للظروف القضائية المخففة ([27]).

من هنا نرى مع بعض الفقه أن المشرع المغربي شأنه شأن باقي التشريعات الحديثة – المشرع الفرنسي والمصري – التي أخذت موقفا وسطا وأعطت للقاضي سلطة تقديرية واسعة في اختيار العقوبة و تقديره لها بناء على خطورة الأفعال المجرمة المرتكبة، وأخذا بعين الاعتبار شخصية المجرم، ليحدد بذلك التوازن بين الجريمة والعقوبة، الردع العام والخاص، وإعادة إدماج المجرم في المجتمع، وحماية المجتمع من الجريمة، وعندما يجيز القانون للقاضي في اختيار احدى العقوبتين أو الحكم بهما معا، فإن الحكم بعقوبة واحدة ليس وجوبيا كما أن الحكم بعقوبتين ليس وجوبيا أيضا بل يتمتع القاضي في هذه الحالة بسلطة تقديرية تسمح له باختيار العقوبة المناسبة حسب ظروف النازلة وملابساتها.

ثانيا: حدود سلطة القاضي في تقدير العقوبة كما

سلطة القاضي الجنائي في تقدير العقوبة يباشرها ضمن وسيلتين عاديتين للتشخيص القضائي، وضحنا فيما سبق أحداهما والمتمثلة في الاختيار النوعي للعقوبة حيال العقوبات التي رصدها المشرع لكل فعلى جرمي. وفي هذه الفقرة سنبين الوسيلة الثانية والتي تتمثل في التقدير الكمي لها ضمن المجال الفاصل بين حديها الأقصى والأدنى، وغني عن البيان أن مشرعي الحاضر اتخذوا منحى التقليل من العقوبة السالبة للحربة المؤيدة للجرائم، كما حصروا عقوبة الإعدام بعدد مثيل من الجرائم التي تتسم بالجسامة والخطورة، وكان ذلك بفعل تأثير التيارات الفكرية المتجهة نحو تفريد العقاب والتي أفسحت المجال لسيادة نظام التدرج الكمي والقضائي للعقوبات في جميع القوانين المعاصرة، على خلاف فيما بينها في طريقة ومدة التدرج.

  1. مفهوم التدرج الكمي للعقوبة

إن التدرج الكمي للعقوبة يعني تحديد المشرع حدين أدني واعلى ([28]) للعقوبات التي تقبل بطبيعتها التجزئة مثل العقوبات السالبة للحرية والغرامة، فترك المشرع للقاضي سلطة تقدير مقدار العقوبة دون تجاوز حديها ([29]).

والتصرف بين الحدين الأدنى والأقصى للعقوبة، هو أبسط صورة للسلطة التقديرية للقاضي الجنائي ليحدد هذا الأخير العقوبة الزجرية بينهما أو عند أحدهما ([30]).

ونود الإشارة إلى أن نظام التدرج الكمي للعقوبة، وجد بعدما فشلت النظم العقابية القديمة التي خلفت كثيرا من السخط والاستياء في أوساط المهنيين، حيث ظهرت عدة مدارس حاولت إرساء المبادئ الأساسية للسياسة الجنائية الحديثة. ومن ضمن هذه المدارس المدرسة الوضعية إلى استطاعت إرساء أسس نظرية الخطورة الإجرامية التي تعتبر في نظرنا قوام نظام التدرج الكمي للعقوبة والتدبير الوقائي معا، وقد شهدت عدة تشريعات هذه النظرية، حيث اتجهت إلى وضع سلم تتدرج فيه كافة العقوبات والتدابير بحيث يكون على القاضي اختيار انسبها بموجب سلطته التقديرية، وجميع القوانين في الأنظمة المعاصرة تأخذ بهذا النظام على نحو متباين.

  1. الأشكال التي يتخللها التدرج الكمي

التدرج الكمي طريقتان: التدرج الكمي الثابت، التدرج الكمي النسبي.

  1. التدرج الكمي الثابت، يكون التدرج الكمي الثابت عندما يحدد المشرع حدين أدني واعلى ثابتين سواء أكان حدين عامين أم حدين خاصين، أم حدا أدنى عاما، وحدا اعلى خاصا أم حدا أدنى خاصا وحدا اعلى عاما ([31]).
  2. التدرج الكمي النسبي: الغرامة هي العقوبة التي يحدد لها المشرع أحيانا نطاقا كميا نسبيا يلزم القاضي بتدرج مقدارها بالنسبة إلى قيمة الضرر المتمثل للجريمة أو قيمة الفائدة التي حصل عليها المجرم منها وهي تدرج موضوعي، وبالنسبة للدخل اليومي للمجرم فهي تدرج شخصي ([32]).

وللتذكير فقط، فإن المشرع يحدد العقوبة أما بكيفية جامدة وأما بكيفية مرنة بين حدين أدنى واقصى، ليترك في هذه الحالة الأخيرة حرية القاضي الجنائي ليتصرف فيهما تبعا لما يظهر له من ظروف المجرم وملابسات الجريمة.

وتجد هذه الإمكانية أساسها فيما نص عليه الفصل 141 من القانون الجنائي الذي هو محور هذا البحث حيث نص على أن للقاضي سلطة تقديرية في تحديد العقوبة وتفريدها في نطاق الحدين الأقصى والأدنى المقررين في القانون المعاقب على الجريمة مراعيا في ذلك خطورة الجريمة من ناحية وشخصية المجرم من ناحية ثانية.

وما يعاب على مشرعنا هو عدم تعريفه لهذين الضابطين (خطورة الجريمة) و(شخصية الجرم) بطريقة قانونية محكمة كما أن عبارة الحدين القانونين الواردة في هذا الفصل غير دقيقة ونكتفي بهذا القدر مرجئين الحديث عن هذه المعايير بتفصيل في المبحث الثاني وذلك تفاديا لكل تكرار أو أطناب.

يمكن للقاضي أن يأخذ من العقوبة المقررة قانونا وسط الحدين أي مدة إذا كانت العقوبة سالبة للحرية، أو أي مبلغ إذا كانت العقوبة غرامة مالية، وذلك حسب ما يقدره ملائما حسب الجريمة المرتكبة وشخصية المجرم ودواعي الرحمة والرأفة والشفقة أو أسباب القوة والشدة الغلظة، واذا ما نوع القانون للعقوبات فجعلها سالبة للحرية أو سالبة للمال أو ماسة بالمعنويات ([33]) فالقاضي يختار المدة ويحدد المبلغ ويعين الطريقة ثم له الخيار في الجمع أو التفريد أو الاستبدال -فللقاضي أن يختار من بين حدي العقوبة وما يراه مناسبا للوقائع المعروضة أمامه وما يرى فيه ردعا للجاني وللغير وما من شأنه أن يعين تأهيل المجرم لإعادة دمجه في الحياة العادية داخل المجتمع ([34]).

فالقاضي إذن له دور أساسي في تحديد نوع العقوبة، إلا أأنه لا يستطيع مع ذلك أن يلعب هذا الدور إلا في الحدود الذي يبيحه، القانون فلا يستطيع الارتفاع عن الحد الأقصى ولا النزول عن الحد الأدنى ولا الحكم بالعقوبة الأخرى دون أن يخرق النص التشريعي، مما يعرض حكمه للنقد والإبطال كما جاء في أحد قرارات المجلس الأعلى ([35])

وما يلفت الانتباه هنا هو المدى الواسع بين الحد الأدنى والحد الأقصى في عدد غير قليل من نصوص المجموعة الجنائية المغربية كانت تتراوح العقوبة فيها بين خمس سنوات إلى ثلاثين سنة، ومثلها الفصل 189 ([36]) من القانون الجنائي المغربي.

وهذا بالضبط ما دفع بعض الفقه ([37]) إلى وصف هذا التحديد بكونه فضفاضا وذلك لتمكين القضاء من استعمال سلطته التقديرية في تعيين مقدار العقوبة المناسبة للنشاط الإجرامي ومرتكبه.

ويجمع بعض المهتمين بميدان التجريم والعقاب على أن العلة الحقيقية لهذا التصرف هي التوزيع المنطقي المتوازن الاختصاص بين التشخيص التشريعي والتشخيص القضائي على وجه تتحقق فيه التنسيق بين المصالح الاجتماعية والفردية ([38]).

ولم يهتم المشرع المغربي شأنه شأن أغلب التشريعات الحديثة بوضع رابط يحكم سير السلطة التقريرية داخل الحدود الشرعية للعقوبة والدليل على ذلك أن القاضي غير ملزم بتعليل قراره ([39])، في حالة الحكم للحد الأدنى والعكس أي الحكم بالحد الأقصى، والفرق شاسع بين الحدين، إذ الحكم بالحد الأدنى يعتبر نوعا من التخفيف في حين يشكل الحد الأقصى نوعا من التشديد.

والنتيجة التي يمكن استخلاصها هي حتمية اختلاف الأحكام في القضايا المتشابهة جدا باختلاف القضاة والمحاكم، لأن ما قد يبدو لهذا مخفف للعقوبة، قد لا يكون كذلك بالنسبة لغيره، وما قد يبدو مشددا لها بالنسبة لهذا قد يبدو كذلك، لقاضي غيره، وبالتالي نكون قد عرضنا حرية الأفراد بنوع من التعسف لأن القضاة ليس كلهم ميالون للرأفة فهناك من لا يميل لاستعمال الرأفة خشية من سخط الرائي العام مثلا، والعكس فهناك من لا يهمه الرائي العام بقدر ما تهمه مسألة إصلاح الآني مما يجعله يبحث عن العقوبة الأصلح ([40]).

ونعتقد أن نظام التدرج الكمي من أهم الأنظمة العقابية الحديثة، ذلك أن المشرع مهما حاول لن يستطع توصيف جميع الحالات والأشكال التي يمكن أن تقع بها الجريمة، وتفريد العقاب يتطلب ألا يحدد المشرع تحديدا جامدا لا يقبل التصرف ولا المرونة لأن الفكرة تشخيص العقاب صحية المنال، إذ أن العقوبة ليس مشكلة مسؤولية بل مسألة تفريد.

المطلب الثالث: سلطة القاضي التقديرية في تحديد الظروف المخففة وأهميتها في تشخيص العقاب

من أهم المواضيع التي يتمتع فيها القاضي الزجري بسلطة تقديرية واسعة في مجال العقوبة منح ظروف التخفيف القضائية، فإلى جانب ما يملكه القاضي من السلطة العامة في تقدير العقوبة ضمن النطاق الكمي والنوعي للعقوبة المقررة أصلا للجريمة، فإنه يتمتع بسلطة استثنائية في هذا المجال ففي حالة توفر الظروف المخففة، يجوز للقاضي النزول بالعقوبة إلى ما دون حدها الأدنى المنصوص عليه أو الحكم عليه بعقوبة أخرى أخف منها.

وحتى نقف على حقيقة هذه الظروف القضائية المخففة سنقوم بتحديد مفهومها وبيان سلطة القاضي حيالها وأثارها وجدواها بالنسبة لتشخيص العقاب. (الفقرة الأولى) على أن نحدد في (الفقرة الثانية) موقف التشريع والقضاء المغربي من هذا النظام وذلك على الشكل التالي:

الفقرة الأولى: مفهوم الظروف القضائية المخففة

سنتناول في هذه الفقرة عنصرين.

أولا: الظروف القضائية المخففة

هي الحالات والأفعال الموضوعية أو الشخصية التي تؤثر أو يمكن أن تؤثر على تخفيف العقوبة للجريمة المرتكبة، يحددها المشرع أو يترك تحديدها للقاضي ويجيز له عند توافرها النزول بالعقوبة إلى ما دون حدها الأدنى المقرر للجريمة أو إحلال عقوبة أخرى من نوع أخف محلها ([41]).

وقد عرفها البعض الآخر بأنها هي عناصر أو وقائع عرضية تبعية تضعف من جسامة الجريمة وتكشف عن ضآلة خطورة فاعلها وتستتبع تخفيف العقوبة إلى أقل من حدها الأدنى أو الحكم بتدبير يناسب تلك الخطورة.

ومن هنا، لا يمكن الحديث عن سلطة القاضي التقديرية كوسيلة لتفريد العقاب دون الحديث عن نظام ظروف التخفيف الذي اعتبره منذ بدايته دعما لنظام التفريد القضائي وتوسيعا لسلطة القاضي الجنائي في توقيع العقوبة الملائمة، لكونه يمنحها صلاحية تصحيح القساوة المجردة للقانون.

ومن هنا تبرز العلاقة الوثيقة بين نظام الظروف المخففة ونظرية الخطورة الإجرامية التي تقضي بتفريد العقاب حسب كل من خطورة الأفعال المرتكبة وشخصية المجرم ([42]).

فإذا كان نظام الظروف المخففة وسيلة فعالة لتفريد العقاب فنحن نرى من جهتنا، أن هذا النظام هو أيضا وسيلة فعالة لتحقيق أعراض العقوبة، وبدونه ينهار البنيان العقابي الذي يقوم على أساس التفريد القضائي في مرحلة تطبيق العقاب. ويلاحظ أن التعريف الأول جامع بين نظام هذه الظروف بحيث اعتبرها محددة قانونا لأن هناك بعض التشريعات التي استطاعت حصر الظروف القضائية مخففة رغم أن هذا المسلك منتقد بكونه كذلك اعتبر الظروف القضائية المخففة غير محددة قانونا ولا يترك تحديدها للقاضي. والواقع أن ظروف التخفيف لا يمكن حصرها لأنها عديدة ومتنوعة، ويوضح التعريف الثاني علاقة الظروف القضائية المخففة بفكرة الخطورة الإجرامية وبالتالي بمبدأ تفريد العقاب، ويعيب على هذا التعريف الأخير أنه اقتصر على فكرة الخطورة الإجرامية، وأن السياسة الجنائية الحديثة ترمي إلى التخلص من ماديات القانون الجنائي ومعالجة مشاكل الإجرام على ضوء بحث حالة المجرم الشخصية ([43]).

ويمكن حصر أنظمة الظروف المخففة في ثلاث أنظمة وهي سلطة القاضي المطلقة في تحديد الظروف المخففة، يطلق عليها كذلك بنظام عدم التعداد القانوني، ([44]) وطبقا لهذا النظام ينفرد القاضي بتحديد الظروف المخففة له وأن يستخلصها بحرية تامة من كل ما تعلق من مادية الجريمة وشخصية المجرم الذي ارتكب الفعل، وهذا يتفق مع الدور الاجتماعي الذي تلعبه وكونها وسيلة التشخيص القضائي للعقاب وأداة لتحقيق التجانس والتوافق بين نصوص التشريع وتطور المجتمع دون التضحية بأي من اعتباره، ويعتبر القانون المغربي من بين التشريعات التي أخذت به من خلال الفصل 146 من القانون الجنائي، كما اخذ به المشرع المصري في المادة 17 من قانون العقوبات وسار على هذا المنوال المشرع البلجيكي في (المواد 79 -85) من قانون العقوبات.

ثانيا: نظام حصر الظروف المخففة

ويطلق عليها أيضا التحديد التشريعي للظروف المخففة ([45])، وفي هذا النظام لا يبقى على القاضي إلا الرضوخ إلى القائمة المحددة سلفا من طرف المشرع، وهذا التحديد القانوني رغم ما ينطوي عليه من كبح لجماح القضاة الذين ربما يتأثرون بعواطفهم وانفعالاتهم عند إصدار الأحكام، فإنه يعيبه عدم إمكانيته لمسايرة التطور في سائر المجالات من جهة، فيتنافى مع السياسة الجنائية التي تؤمن للقاضي الجنائي تشخيص ملائم للعقاب ضمن الضوابط القانونية من جهة أخرى، وقد أخذت بهذا النظام بعض التشريعات منها قانون العقوبات السويسري (المادة 46،) والدانمارك في (المادة 84).

الفقرة الثانية: مدى اخذ المشرع والقضاء المغربي بنظام الظروف المخففة

أقدم المشرع المغربي على تبني نظرية الظروف المخففة في بعض الفصول من المجموعة الجنائية، هو ما جعل القانون كذلك يأخذ بهذه النظرية بشكل غير محدد.

أولا: مدى تكريس المشرع المغربي لنظام الظروف المخففة

يحظى القاضي بمقتضى الأحكام الواردة في المجموعة الجنائية بسلطة تقديرية واسعة في الأخذ بهذا القانون، غير أن هذه السلطة تتعرض لتقلص واضح في بعض القوانين الجنائية الخاصة (القانون الجنائي للأعمال) ([46]).

  1. النصوص التشريعية المنظمة لنظام الظروف المخففة ([47])

اهتم المشرع المغربي بالظروف القضائية المخففة واقر مشروعيتها في الفصول (146 إلى 151) ضمن الباب الثالث الخاص بتفريد العقوبات من مجموعة القانون الجنائي المغربي.

وينص الفصل 146 على انه إذا تبين للمحكمة الزجرية بعد الانتهاء من المرافعة في القضية المطروحة عليها، أن الجزاء المقرر للجريمة في القانون قاس بالنسبة لخطورة الأفعال المرتكبة، أو بالنسبة لدرجة إجرام المتهم، فإنها تستطيع أن تمنحه التمتع بظروف التخفيف إلا إذا وجد نص قانوني يمنع ذلك. ومنح الظروف المخففة موكول إلى تقدير القاضي، مع التزامه بتعليل قراره في هذا الصدد بوجه خاص. وينتج عن تخفيف العقوبات مراعاة الشروط التالية:

وتوضح الفصول من 147 ([48]) إلى 151 كيفية تخفيف العقوبات وشروط هذا التخفيف، وهذا التحديد الدقيق الوارد في الفصل 147 أعلاه دفع بعض الفقه المغربي إلى انتقاد المشرع المغربي على اعتبار أن ذلك يتنافى وروح التفريد، مما يفهم منه أن المشرع المغربي قد سلب باليد اليسرى ما كان يمنحه باليد اليمنى وتجد تبرير هذه النصوص في كون المشرع المغربي قد تأثر بالجانب القانوني الصرف للمسألة ([49]).

  1. سلطة القاضي في تفريد هذه الظروف

مدى هذه السلطة في الفقه والقضاء المقارن هو أن للقضاء الموضوع سلطة واسعة في تحديد الظروف المخففة، فله السلطة في استنباطها ولا يلتزم في الأصل بتعليلها، بل انه لا يلزم بتحديدها بلى وتكفي إشارته العامة لتوفر ظروفا التخفيف، بلى ولا تذكر حتما، مثلى هذه الإشارة، بحيث مجرد نطق القاضي الجنائي بعقوبة تقل عن الحد الأدنى المقررة قانونا يعني انه اعتبر ظروف التخفيف معتبرة وبناء عليها منح المتهم تمتيعه بها ولا يعاب على حكمه هنا بأنه لم يذكر النص العام المؤسس لهذه الظروف ([50]).

إلى أي حد سلطة القاضي الجنائي المغربي تراعي هذه الإمكانيات؟

إن المشرع المغربي في الفصل 146 وما يليه من القانون الجنائي بين كيفية استعمال القاضي سلطته التقديرية في أعمال الظروف المخففة للعقوبة.

يجمع الفقه الجنائي المغربي ([51]) على أن منح ظروف التخفيف موكول إلى تقدير القاضي مع إلزامه بتعليل قراره في هذا الصدد، ولكنه إذا أصدر العقوبة العادية فإنه غير ملزم بالتعرض إلى وجود أو عدم وجود الظروف المخففة فلا يكون قراره معيبا من هذه الناحية ([52]).

فرغم أن القاضي غير ملزم بمنح ظروف التخفيف عند الحكم بالعقوبة فإن الفصل 450 من قانون المسطرة الجنائية المغربي في فقرته الثانية ([53]) أوجب ” على رئيس المحكمة كلما قررت إدانة المتهم، أن تبت في وجود ظروف مخففة أو عدم وجودها.” وهذا ما سار عليه الاجتهاد القضائي المغربي ([54])، حيث يتعين على محكمة الجنايات طبقا للفصل السابع كلما قررت الإدانة أن تبت بوجود ظروف التخفيف أو عدم وجودها ولو تعلق الأمر بجنحة.

  1. يجمع الفقه كذلك ([55]) أن المحكمة الزجرية حرة في منحها ظروف التخفيف من عدمه فهي حقا لها لا للمتهم، وبالتالي لا تسأل لماذا لم تمنحها بل ولا يمكن عليها أن تجيب على السؤال الذي يقدم لها في هذا الصدد ([56])، لكن إذا صرحت بوجودها يكون عليها أن تطبق نتيجتها التي هي التخفيف في الحدود التي تقررها الفصول 147 إلى 151 من المجموعة الجنائية، والا كانت متناقضة مع نفسها وعرضت الحكم الذي يصدر للنقض والإبطال، والمسألة هنا من النظام العام حيث تثار في مجال جميع مراحل الدعوى بما في ذلك مرحلة النقض أمام المجلس الأعلى.
  2. كما فرض المشرع المغربي وجوب طرح ظروف التخفيف للمناقشة والاقتراع ([57]) لمنح الجاني إياها أو حرمانه منها واجب على المحكمة في طلب الرئيس المتعلق بظروف التخفيف، فالمحكمة يجب أن تقول بموجب ظروف التخفيف أو عدم وجودها وتبرر قرارها بمنح التخفيف أو رفضه، وذلك براي الأغلبية وهو نفس التوجه الذي سار عليه المجلس الأعلى في إحدى قراراته ([58]).
  3. نطاق ظروف التخفيف وآثارها
  1. نطاق ظروف التخفيف: حسب النصوص الزجرية الغربية مجال تطبيق ظروف التخفيف ليس خاص بنوع دون أخر وإنما يطبق على الجميع وبدون استثناء مما يسمح أن يطبق هذا النظام بالعموم والمرونة ([59])، وبخصوص نوع الفعل الجرمي المرتكب يشير بداية إلى أن تقرير ظروف التخفيف يتم من طرف قضاء الموضوع ([60])، ولا يهم كون المحكمة عادية أو استثنائية، نظرا لإطلاق النص.
  2. أثار ظروف التحفيف: يختلف هذا الأمر تبعا لاختلاف نوع العقوبة المقررة لجريمة في القانون، وبغض النظر عن العقوبات وأنواعها هل هي أصلية أم إضافية، فإن ظروف التخفيف يمكن أن تمنح وتقرر لجميع الجرائم، إلا أن الجنايات تتأثر بها أكثر من الجنح والمخالفات ([61]) ويمتاز بظرف من ظروف التخفيف على العقوبات الجنائية كما يقول بعض الفقه المغربي ([62]) بكونه إلزامي، بمعنى أن المحكمة عندما تمنح المتهم ظروف التخفيف تكون ملزمة بتخفيف العقوبة في الحدود التي عينها القانون ([63]) أما في الجنح فرغم منح ظروف التخفيف يبقى تخفيف العقوبة عن الحد الأدنى أمرا جوازيا من حق المحكمة أن تقرره أولا تقرره.

لكن تجدر الإشارة إلى أن الجاري به العمل في الفقه والتشريع والقضاء المقارن هو أن نطاق ظروف التخفيف يقتصر على الجنايات دون الجنح والمخالفات. ويبرر ذلك بعدم جدوى هذه الظروف بالنسبة للجنح والمخالفات، لأن النص القانوني يكتفي بالحد الأدنى العام بشأنها وهو منخفض بذاته فيستطيع القاضي النزول إليه بغير حاجة إلى التدرج بالظروف المخففة، إنما هذا لا ينسجم مع المقتضيات الجنائية المغربية ([64]) وخاصة الفصل 151 منها.

وصفوة القول مما سبق ذكره أن سلطة القاضي في التخفيف شاملة لعقوبة جميع الجرائم ([65])، ونحن نرى أن المشرع المغربي كان موفق في ذلكم، لأن قصر نظام ظروف التخفيف فيه مصادرة لحرية القاضي الموضوع في تقدير العقاب، والتفاف على مبدأ تشخيص العقاب الذي تبنته التشريعات الجنائية الحديثة، كما ينجم عن ذلك بعض النتائج الشاذة التي تظهر واضحة للعيان، مثل ذلك عدم استطاعة القاضي تخفيض عقوبة الحبس المنصوص عليها في (المادة 82) من قانون العقوبات المصري ([66]) وقاعدة شمول سلطة القاضي في التخفيف لعقوبات جميع الجرائم قد ترد عليها بعض الاستثناءات في القوانين الجنائية الخاصة، وهذا ما سنبحثه في النقطة الثانية.

ثانيا: تقلص سلطة القاضي التقديرية في القوانين الجنائية الخاصة

كان المشرع ذا نزعة متحررة في أخذه بنظام ظروف التخفيف، إذ أطلق بسلطة القاضي بمقتضى الفصل 146 من القانون الجنائي، في تقدير هذه الظروف ومنحها ([67])، لكن الفقرة الأولى من هذه المادة نصت على استثناء من هذه القاعدة حيث جاء في أخرها ” إلا إذا وجد نص قانوني يمنح ذلك”.

وتجد قاعدة حظر سريان ظروف التخفيف تطبيقا لها في عدة قوانين خاصة، من ذلك الفصل 35 من قانون 12، أكتوبر 1971 المتعلق بالأثمان ومراقبتها والتي جاء فيه: أن مقتضيات الفصل 146، من القانون الجنائي المتعلقة بالظروف المخففة لا تطبق على الأحكام بالغرامات طبقا لهذا القانون.

كما ينص القانون رقم 06.99 ([68]) المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة في المادة 17 بأن مقتضيات الفصل 146، من القانون الجنائي المتعلقة بالظروف المخففة لا تطبق على الأحكام بالغرامات طبقا لهذا القانون.

كما ينص الفصل 377 من القانون 17.95 المتعلق بشركات المساهمة على انه خلافا لمقتضيات الفصول 55 و 149، و 150، من القانون الجنائي لا يمكن النزول عن الحد الأدنى للغرامات المقررة في هذا القانون ولا يمكن الأمر بإيقاف التنفيذ إلا فيما يخص العقوبات الحبسية.

وتستقل أحكام ظروف التخفيف بخاصية أساسية في هذا المضمار مؤداها أن النزول عن الحد الأدنى بالغرامات يعتبر من المظاهر الأساسية التي تحظى بها الغرامة، خاصة في القانون الجنائي للأعمال باعتبارها العقوبة التي تتلاءم مع طبيعة الأشخاص -المجرمين -في هذا الإطار، حيث عمل المشرع في هذا القانون إلى تقليص دور العقوبات الحبسية، وتعزيز حضور الغرامة ([69]) على نحو نجد فيه الغرامة عقوبة رئيسية ([70]).

ويعكس هذا الموقف ميلا إلى تشديد العقاب ([71]) مما يدل على أن المشرع المغربي لا زال يتبنى مفهوما تقليديا للوظيفة العمومية يعلق اتجاهها على شدة العقوبة. هذا بينما يراهن مفهومها الحديث على توسيع السلطة التقديرية للقاضي لتمكنه من توجيه العقوبة نحو أعراضها المقدرة. لذلك موقف المشرع المغربي القاضي بحضر سريان ظروف التخفيف على هذه الغرامات يبدو معاكسا تماما بإرادته في اضطلاع هذه الغرامات لتحقيق هذه الوظيفة العقابية، إذ سيعيق عمل القاضي في تفريد الغرامة، خاصة أن حدودها قد تكون بالغة الارتفاع أحيانا مما يسبغ عليها طابعا ضريبيا ([72]).

ولم يتردد قضاء المجلس الأعلى في التأكيد على بعض المقتضيات القانونية القاضية بحضر تطبيق ظروف التخفيف على الغرامات، وهكذا ذهب في قرار له بخصوص تطبيق مقتضيات ظهير 12 نونبر 1932المتعلق بنظام التبغ بالمغرب، أن الذعائر المحكوم بها لفائدة مكتب التبغ تعتبر بمثابة تعويضات مدنية ولا تطبق في شأنها مقتضيات الفصل 146 من القانون الجنائي الخاص بظروف التخفيف ([73]).

الفقرة الثالثة: القضاء المغربي وسلطته في الأخذ بظروف التخفيف

أولا: لجوء القاضي المغربي إلى هذه الوسيلة بكثرة

من خلال الاطلاع على بعض الأحكام القضائية ([74])، أن القضاء المغربي يعتمد على الوسيلة ويطبقها في عدد غير قليل من القضايا لينزل بالعقوبة إلى ما دون حدها الأدنى، مراعيا في ذلك جسامة الجريمة والدوافع الشخصية لارتكابها حتى تتلاءم العقوبة وشخصية المجرم ويلاحظ كذلك أن القاضي الجنائي غالبا ما يميل إلى الرأفة بالمتهم وما أثار انتباهي في هذا الصدد هو تردد عبارة نظرا لظروفه العائلية والاجتماعية وعدم سوابقه … “في حيثيات كل الأحكام السابقة… “.

الحقيقة انه في كل هذه الأحكام جاء تعليل القاضي غير كافي، بلى فقد ذكر أن المحكمة قررت تمتيع المتهم بظروف التخفيف نظرا لحالته المادية والاجتماعية بحيث أصبحت هذه العبارة عادية ومألوفة لدى المحاكم، حتى أن معظم القضاة فقدوا هالة العدل وأصبحوا مجرد آلة لتطبيق القانون، أي قضاء مبرمج على جميع الظروف كما انهم لا نتعقد بأن المحكمة تكلف نفسها صعوبة البحث، لأن دراسة الحالة الاجتماعية للجاني ترد دائما في محاضر الاستنطاق لقاضي التحقيق الذي ينكب أصلا في البحث عن هوية المتهم ([75]).

ثانيا: حدود سلطة القاضي التقديرية في الأخذ بظروف التخفيف

لئن كان المشرع المغربي حكيما في منح القاضي هذه السلطة فقد الزمه بتعليل قراره بوجه خاص في حالة منحه هذه الظروف -والحالة هذه -أن القاضي في كل الأحكام السابقة لم يذكر نوعية هذه الظروف، فالتعليل هو بيان الأسباب والمبررات التي جعلت القاضي يقرر على هذا النحو أو ذاك، خاصة وانه في هذه الحالة بالضبط ينزل بالعقوبة عن حدها الأدنى، ومن هنا موقف المشرع المغربي الحذر بالنسبة لهذه النقطة ([76]).

وخلاصة، هو اتجاه هوية المشرع إلى تقييد سلطة القاضي في هذا المجال -باعتبار التخفيف -إجراء خطير ذلك أن إغفال حيثياته في ملف القضية قد يعرض قرار الحكم للنقض والإبطال، لأن المجلس الأعلى باعتباره محكمة قانونية يعتبر ظروف التخفيف لاصقة بشخصية المجرم.

المبحث الثاني:

التشديد القضائي للعقوبة وخاصة حالة العود

تقرر القوانين الجنائية تشديد عقوبة مرتكب الجريمة جوازيا أو وجوبيا، إذا سبق الحكم عليه نهائيا في جريمة أخرى.

ذلك أن نظام العود إلى الإجرام ظرفا أو سببا لتشديد العقاب على الجاني العائد، بالرغم من أن المشرع هو الذي يبين أحكام العود إلى الإجرام وصوره، الأمر الذي يجعل غالبية الفقه بتناول العود بالدراسة ضمن الأسباب القانونية المشددة أي كصورة من صور التفريد التشريعي لهذا الأخير، ونظرا لأن التشديد بسبب العود جوازي للمحكمة فقد أثرنا أن نتناوله باعتباره أحد مظاهر التفريد القضائي للعقوبة.

والتشديد التجاوزي وحده ينطوي على التفريد القضائي للعقاب، أما التشديد الوجوبي فهو ينطوي تحت مفهوم التفريد التشريعي.

وعليه، اهم أحكام العود تتلخص في معرفة أنواعه وشروط قيامه (المطلب الأول) ثم مدى سلطة القاضي في تشديد العقوبة في حالة العود (المطلب الثاني) مع الإشارة إلى الأحكام العامة لوقف التنفيذ في السياسة الجنائية (المطلب الثالث).

المطلب الأول: الأحكام ا لعامة للعود

سنتناول هذه الأحكام من خلال تحديد مفهوم العود وأنواعه في (الفقرة الأولى) ثم الحديث عن شروط قيامه (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: تحديد مفهوم العود وأنواعه

يعرف العود على “حالة الجاني الذي يقوم على ارتكاب جريمة أو جرائم جديدة بعد سبق الحكم عليه نهائي في جريمة أو جرائم سابقة تتيح للقاضي إمكانية تشديد العقوبة عليه أو اتخاذ تدابير من تدابير الوقاية “.

نكون أمام عود عندما يكون المجرم سبق له أن أدين بصفة نهائية من أجل جريمة سابقة وارتكب جريمة أو عدة جرائم أخرى، وعودة المجرم إلى ارتكاب الجريمة دليل على عدم تحقيق الردع الخاص.

ويلاحظ أن العود اعتبره المشرع المغربي من ظروف التشديد الشخصي، حيث انه لا يسري على الفاعلين والشركاء الذين لم يسبق لهم ارتكاب الجرائم، كما أن المشرع المصري نظمه بأحكام عامة في الفصول 154 -169 ولا تطبق على ظروف التشديد الأخرى، ذلك انه يختلف عنها في كونه لا يغير طبيعة الجريمة مطلقا، بالرغم من تحولها نتيجة حالة العود من موقعها في التقسيم الثلاثي للجرائم ([77])، وأنه حالة ترتبط بجميع الجرائم من جنايات وجنح ومخالفات، بينما ظروف التشديد خاصة بالجنح والجنايات ” ([78]).

الفقرة الثانية: أنواع العود وشروطه

هناك العود الخاص ويستلزم أن تكون الجريمة السابقة مماثلة للجريمة الجديدة ومن نفس طبيعتها أو على الأقل ملحقة بها ([79])، وهناك العود العام لا يستلزم ذلك، وهناك العود المؤقت يستلزم أن لا تمر مدة معينة على الإدانة السابقة وهناك العود الأبدي لا يستلزم ذلك.

تتفق جل النصوص الزجرية في المجموعة الجنائية على أن شروط العود كما يلي:

الشرط الأول: سبق الحكم على المتهم بحكم الحائز على قوة الشيء المحكوم به، من أجل جريمة سابقة على أن يكون هذا الحكم قاضيا بعقوبة لا بتدبير وقائي أو تهذيبي ” ([80]) ويدخل في حساب العود الأمر القضائي لأنه بمثابة حكم بالعقوبة علما بأن العبرة في السوابق بالأحكام الصادرة بالإدانة لا بالجرائم المرتكبة كما هو صريح في الفصل 154 من المجموعة الجنائية ([81]).

الشرط الثاني: أن يرتكب المعني بالأمر جناية أو جنحة أو مخالفة حسب الأحوال ” ([82]).

الشرط الثالث: أن يكون الحكم السابق صادر في المغرب ([83]) من محكمة عادية أو استثنائية شريطة أن يكون في هذه الحالة الأخيرة متعلق بجناية أو جنحة يعاقب عليها القانون العادي.

المطلب الثاني: مدى سلطة القاضي في تشديد العقوبة في حالة العود

من المسائل الهامة التي تثير النقاش بين العلماء، مدى وجوب تشديد عقوبة العائد وهل من المناسب تركها لاختيار القاضي، (الفقرة الأولى) مما يجعلنا نتساءل عن حدود سلطة القاضي في تشديد العقوبة في حالة العود (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: تشديد عقوبة العائد بين الوجوب والاختيار

إن التشريعات لا تسير على نسق واحد في هذا الشأن، فمنها ما يجعل التشديد وجوبيا على القاضي فيحد من سلطته، ومنها ما يميل إلى جعله جوازيا فيمنحه سلطة تقديرية حيال المجرم العائد، بينما نجد أن هناك تشريعات توجب التشديد عليه أحيانا وتترك الخيار للقاضي في أحيان أخرى.

أولا: السلطة المحددة

تسود قاعدة التشديد الوجوبي في تشريعات عديدة لا يملك القاضي في كنفها آية سلطة تقديرية في الحكم بالعقوبة المشددة على المجرم العائد ([84])، ويعد التشريع الليبي نموذجا للتشريعات التي تأخذ بالتشديد الوجوبي على العائد بمقتضى المادة 97 من قانون العقوبات والتشريع الفرنسي كذلك في المواد 56 -57 -474 من نفس القانون ” ([85]).

ثانيا: السلطة التقديرية والاتجاه المعتدل

تسليما بعدم صحة اعتبار تكرار الشخص للجريمة، قرينة قاطعة على خطورته، منح القاضي سلطة تقديرية في مجال تشديد عقوبة المجرم العائد بالشكل إلى يمنعه من ملائمة العقوبة وفقا لحالة كل مجرم، بما يؤدي إلى الانسجام مع مبدأ تفريد العقاب، وقد اخذ المشرع المصري، بهذا النمط في المادة 50 من قانون العقوبات. من شأن هذا الاتجاه التخفيف من غلو قاعدة السلطة، حيث يخرج حالات عود معينة من الخضوع لها بالسماح فيها للقاضي بالتشديد الجوازي ([86])، كقانون العقوبات الإيطالي حيث تنص المادة (99 -100) على التشديد الوجوبي كقاعدة عامة.

الفقرة الثانية: حدود سلطة القاضي التقديرية في تشديد عقوبة العائد

يمكن القول إن سلطة القاضي في تشديد العقوبة عند توفر حالة العود طبقا لما ينص عليها القانون، تعتبر سلطة واسعة إذ تسمح له بالحكم بضعف الحد الأقصى المقرر قانونا ([87])، علاوة على أن القاضي غير ملزم بتعليل قراره في هذا الصدد على غرار ما فعله -المشرع -بالنسبة لظروف التخفيف، ولو أن الأمر بالنسبة لحالة تشديد يشكل خطورة أكبر على حرية الجاني.

فبإجراء مقارنة بسيطة بين الضرر الذي يصيب المتهم نتيجة خفض عقوبته لظرف مخفف رغم تحققه، والضرر الذي يلحقه نتيجة تشديد عقوبته لظرف مشدد غير محقق، لوجدنا أن الضرر الذي يصيب المتهم في الحالة الثانية يكون أكبر، ونحن نتفق مع أستاذتنا “لطيفة المهداتي” ([88]) في هذا، إذ لا ضرر يصيب من لا تتوفر فيه ظروف التخفيف، ومع ذلك يمتعه القاضي بها حيث ينتفع في هذه الحالة ولا يتضرر، لذلك وصفت هذا الحالة بكونها تحكمية وان هذا الموقف غير سليم وهوما ينطبق على مشرعنا أيضا الذي لم يلزم القاضي بتعليل قراره في حالة العود.

وإذا توافرت شروط العود فإن القاضي كذلك غير ملزم بتشديد العقوبة إذ الأمر بالنسبة له جوازي محض ([89])، وليس وجوبي ولا يلزم بتبرير عدم تشديد العقوبة في هذه الحالة أيضا بلى يستطيع الحكم بالعقوبة المقررة أصلا رغم توافر ظروف حالة العود، ونحن نؤيد هذا الاتجاه لأن الفكرة الحديثة في العقاب تستلزم أن تكون العقوبة مرنة، يستطيع القاضي ملائمتها مع ظروف الجاني وأحوال الجريمة.

ذلك أن منح القاضي سلطة تقديرية واسعة في مجال تشديد عقوبة العائد يتماشى والسياسة الجنائية الحديثة التي تنادي بمبدأ تشخيص العقاب، ومع ذلك نرى أنه يكون من المفيد على المشرع إلزام القاضي بتعليل حكمه في حالة تشديد العقاب على العائد.

المطلب الثالث: الأحكام العامة لوقف التنفيذ في السياسة الجنائية المعاصرة

يعتبر نظام وقف تنفيذ العقوبة أحد أهم الدعائم الأساسية للنظام الجزائي الحالي، وعلامة كبرى على ما يتمتع به القاضي من صلاحيات واسعة في تفريد العقاب، ولتحديد مزايا وأبعاد هذا النظام في السياسة الجنائية الحديثة سنحاول إعطاء، فكرة عامة حول ماهية وقف التنفيذ (الفقرة الأولى) وإلى أي حد يحقق هذا النظام العدالة الجنائية من خلال تحقيق الردع الخاص والعام، وأثره على الضحية (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: ماهية وقف التنفيذ وأشكاله

سنتناول في هذه الفقرة عنصرين:

أولا: مفهوم وقف التنفيذ

يقصد بوقف تنفيذ العقوبة حسب بعض الفقه العربي ([90]) بأنه “ذلك النظام الذي بمقتضاه ينطلق القاضي بالعقوبة ويأمر بوقف تنفيذها لمدة معينة “.

وهذا التعريف يفترض بداية ثبوت إدانة المتهم والنطق بالعقوبة المقررة قانونا، ثم وقف تنفيذ هذه العقوبة ينصرف أثره إلى إجراءات تنفيذ العقوبة.

وعرفه بعض الفقه المغربي، “تكون الإدانة مع وقف التنفيذ عندما يسمح القاضي للمحكوم عليه بعدم تنفيذ العقوبة إذا ما هو احترم عددا من الشروط خلال فترة معينة “.

ومعلوم أن مبدأ إيقاف التنفيذ دخل إلى إنجلترا سنة 1887 وفي فرنسا سنة 1891 وفي مصر سنة 1904، فالقاضي الفرنسي يصدر حكما بالطرق العادية ولكن يأمر بعدم تنفيذه إلا إذا ارتكب المحكوم عليه خلال الخمس سنوات التالية لصدوره جريمة أخرى وحكم عليه بسببها بعقوبة مقررة في جنح ([91])، وهو ما أشار إليه المشرع المغربي في
الفصل 55 وما بعده من القانون الجنائي.

ثانيا: الأشكال التي يتخذها وقف التنفيذ

لا تسير التشريعات العقابية على نسق واحد في الأخذ بأسلوب وقف تنفيذ العقوبة قضائيا، وعليه سنحاول الوقوف على مختلف هذه الأشكال والتي يمكن حصرها في ثلاث أشكال:

  1. وقف التنفيذ البسيط أو المجرد:

وتأخذ به التشريعات ذات الأصل اللاتيني، حيث يجيز المشرع الفرنسي وقف التنفيذ البسيط أيا كان نوع الجريمة المرتكبة، سواء كانت جناية أو جنحة أو مخالفة ولكن يتطلب شروطا تتعلق بالجاني الذي يستفيد من وقف التنفيذ وشروط أخرى تتعلق بالجريمة ([92])، وقد تبنى المشرع المغربي هذا الاتجاه في الفصل 55 من القانون الجنائي.

  1. وقف التنفيذ مع الإلزام بالقيام بعمل للمصلحة العامة:

يجد هذا النظام أصوله في فرنسا في التعديل الذي اقترحته اللجنة التشريعية للجمعية الوطنية في مشروع الحكومة بشأن إلغاء ومراجعة قانون 2 فبراير 1981، والذي كان يطلق عليه قانون الأمة والحريات بسبب تطبيق السلطة التقديرية للقاضي في تفريد العقاب بشأن الأشخاص الذين سبقت إدانتهم بجرائم عنف، ليصبح فيما بعد القانون رقم 1 يونيو 1983 الذي أدخل هذا النظام ليستقر فيما بعد في المواد 132 -54 -132 -57 من قانون العقوبات الفرنسي ([93]).

ويجوز للمحكمة لأن تقضي في حكمها بإلزام المحكوم عليه بالقيام بعمل للمصلحة العامة لدى أحد الأشخاص المعنوية العامة، أو احدى الجمعيات التي تقوم بأعمال للمنفعة العامة، ولكن لا يجوز تطبيق هذا النظام إذا رفضه المتهم أو لم يكن هذا الأخير حاضرا بالجلسة.

  1. وقف التنفيذ مع الوضع تحت الاختيار:

توجد هذه الصورة في التشريعات الجرمانية حيث يوضع المحكوم عليه في فترة تجربة، وعند انقضاء هذه الفترة تعتبر العقوبة وكما أنها نفذت فعلا، بما في ذلك الحكم بالإدانة الذي يبقى قائما واعتباره سابقة في العود بالنسبة للجريمة التالية، فالأثر الوحيد الذي يستفيد منه المحكوم عليه هو أن يعفى من تنفيذ العقوبة فقط بحيث لا ينسحب هذا الأثر إلى اعتبارها كأن لم تكن، وهذا ما جعل بعض الفقه يصفه بكونه لا يجوز فيه المبالغة في الظروف بين من حكم عليه بالإدانة مع النفاذ وبين من حكم عليه مع إيقاف التنفيذ.

  1. وقف كل من محاكمة والنطق بالحكم:

يسود هذا النظام في التشريعات الأنجلو أمريكية، ومقتضاه وقف الدعوى دون أن يصدر حكم فيها، ما لم يحدث اعوجاج في سلوك الجاني باقتراف فعل يوصف في القانون بأنه جريمة، وبالتالي تقديمه للمحكمة من جديد وهذه الصورة تحافظ على سمعة المتهم ووضعه الاجتماعي.

الفقرة الثانية: دور وقف التنفيذ في تحقيق الردع العام والخاص وأثره على الضحية

لا تزال العقوبة محور النظام الجنائي ولا زالت السلاح الأول في السياسة الجنائية لمواجهة الظاهرة الإجرامية، وهذا يعني أن العقوبة محكومة بمعنى الفائدة أو الضرورة الاجتماعية، فالمجتمع لا يشهرها في وجه المجرم إلا إذا اثبت جدواها بالنسبة لإرجاعهم إلى حضيرة المجتمع، فيما نظر القضاء المغربي إلى هذه المؤسسة بأنها مادة طبيعية في يد العدالة للحيلولة دون الحكم بالعقوبات السالبة للحرية القصيرة المدة، لأن السياسة العقابية الحديثة تتجاوز الوظيفة الزجرية للقانون الجنائي([94]).

وتجدر الإشارة في الأخير إلى أن جل المستفيدين من وقف التنفيذ بشهادة القضاة المتمرسين تعود إلى ملفات حوادث السير، أو ما يعرف في الجرائم الغير العمدية لأن القضاء في هذه الحالة يكون في مواجهة أناس شرفاء لا علاقة لهم بالإجرام.


[1] باستثناء الحالات التي تتوافر فيها الأعذار المخففة النصية، أو ظروف التخفيف القضائية.

[2] اللهم إذا وجدت ظروف مسددة.

[3] حاتم حسن موسى بكار: “سلطة القاضي الجنائي في تقدير العقوبة والتدابير الاحترازية ” منشأة المعارف، 2002، ص 160-159.

[4] محمود نجيب حسني: “شرح قانون العقوبات، القسم العام، دار النهضة العربية، الطبعة السادسة، 1989، ص 807.

[5] أكرم نشأت إبراهيم: “السياسة الجنائية “، دراسة مقارنة، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 2008، ص 144 -145.

[6] حاتم حسن موسى بكار: “سلطة القاضي الجنائي في تقدير العقوبة والتدابير الاحترازية ” محاولة لرسم معالم من نظرية عامة، دار النسر، منشأة المعارف بالإسكندرية، طبعة 2002، ص 16.

[7] لطيفة المهداتي: “حدود السلطة التقديرية في تفريد الجزاء” دار طوب بريس، الرباط، الطبعة الأولى 2007، ص 51.

[8] إدريس الكريني: “السلطة التقديرية للقاضي الزجري، دار النشر مطبعة التلمسان، الطبعة الأولى 1425 هـ، 2004 ه، ص 147.

[9] أحمد عوض بلال عوض: “النظرية العامة للجزاء الجنائي”، دار النهضة العربية، طبعة 1995، ص 70.

[10] أحمد عبد العزيز الألفي: “الخطورة الإجرامية والتدابير الوقائية في التسريع الليبي”، المجلة الجنائية القومية، القاهرة نونبر 1975، ص 505.

[11] حاتم حسن موسى بكار: ” سلطة القاضي الجنائي في تقدير العقوبة والتدبير الاحترازية”، الدار الجماهيرية 1996، ص 144.

[12] لطيفة المهداتي: “حدود سلطة القاضي التقديرية في تفريد الجزاء” مرجع سابق، ص 51.

[13] مجلة الشؤون الجنائية وزارة العدل مديرية الشؤون الجنائية والعفو مركز الدراسات والأبحاث الجنائية عدد خاص بمناسبة الحوار الوطني حول إصلاح منظومة العدالة “العدالة الجنائية بالمغرب: أرقام ومعطيات، العدد الثاني، أكتوبر 2012، منشورات جمعية النشر المعلوماتي القانونية والقضائية، ص. 98.

[14] حاتم حسن موسى بكار: “سلطة القاضي الجنائي في تقدير العقوبة والتدابير الاحترازية ” مرجع سابق، ص 15.

[15] أكرم نشأت إبراهيم: “علم النفس الجنائي”، دار للنسر بغداد، طبعة 1960، ص 7 وما بعدها.

[16] وقد أقر المجلس الأعلى سلطة هه التقديرية في عدة قرارات نذكر منها القرار عدد 91/1948 الصادر في 3 /11 /2004 الذي قضى “… تكون المحكمة قد استعملت سلكتها في تقدير العقوبة لما رأت رفعها إلى الحد الذي يناسب خطورة الجريمة …”.

[17] أكرم نشأت إبراهيم: “الحدود القانونية لسلطة القاضي الجنائي في تقدير العقوبة دار الثقافة للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 1998، ص 56.

[18] لقد أشار “هامل” إلى ضرورة منح هه سلطة الاختيار بين نوعين من العقوبات كالحبس والغرامة ليتمكن من ملائمة طبقا لظروف المجرم والجريمة وذلك في تقريره الذي قدمه في المؤتمر لدولي لجمعية السجون العامة المنعقد في روما سنة 1887.

[19] وقد تحدث “جارسون” في تقريره المقدم إلى جمعية السجون العامة المنعقد في روما سنة 1886 عن عدة اعتبارات منها الباعث وسخط الرأي العام وجعل من الأول معيار للتفرقة بين المجموعتين السابقتين وبما أن الباعث من الأمور التي لا يمكن للمشرع أن يحددها مسبقا، فقد ترك المهمة للقاضي مانحا إياه سلطة تقديرية لتحديد ما أن كان الباعث مشاركا أو دنيئا برجوعه إلى صلاحيات كل قضية.
انظر: أكرم نشأت إبراهيم: مرجع سابق، ص 107.

[20] نفسه، ص 123.

[21] الظهير رقم 1 -02 -207 بتاريخ 25 رجب 1423 (3 أكتوبر 2002) المتعلق بإصدار القانون رقم 77-00 الذي يعدل ويكمل الظهير رقم 1 -58 -378 في 3 جمادى الأولى 1378 (15 نوفمبر 1958) الخاص بالصحافة والنشر 2003.

[22] لطيفة المهداتي: “حدود سلطة القاضي التقديرية في تفريد الجزاء” مرجع سابق، ص 95.

[23] محي الدين امزازي: “جدوى بدائل العقوبات الحبسية القصيرة المدى “المجلة العربية للدفاع الاجتماعي عن الجريمة ” يناير 1948، العدد 17، ص 8.

[24] وقانون العقوبات الفرنسي اقل قوانين هذه المجموعة تجاوبا مع نزام العقوبات التخييرية الحرة إذ لا تتضمن نصوصه سوى بضعة جنح ومخالفات أجيز للقاضي معاقبة مرتكبيها على سبيل تخير بالحبس أو الغرامة أو بهما معا.

انظر أكرم نشأت إبراهيم: “الحدود القانونية لسلطة القاضي الجنائي في تقدير العقوبة ” مرجع سابق، ص 120.

[25] ينص الفصل 17 من القانون الجنائي على أن العقوبات الجنحية الأصلية هي 1. الحبس، 2. الغرامة التي تتجاوز 1200. وأقل مدة الحبس شهر وأقصاها خمس سنوات، باستثناء حالات العود أو غيرها التي يحدد فيها القانون مدة أخرى.

[26] يرى بعض الفقه انه في إطار عدم وجود قضاء متخصص فان القول بالاختيار النوعي يبقى أولى صيانة للحري الفردية وتوفيا للخطأ القضائي الذي يصعب إدراكه في الكثير من الأحيان. للمزيد من التفصيل يراجع: حاتم حسن موسى بكار:
“سلطة القاضي الجنائي في تقدير العقوبة والتدابير الاحترازية ” مرجع سابق، ص 273.

[27] إدريس الكريني: “السلطة التقديرية للقاضي الزجري”، مرجع سابق، ص 214.

[28] حاتم حسن موسى بكار: “سلطة القاضي الجنائي في تقدير العقوبة والتدابير الاحترازية ” مرجع سابق، ص 144 -145.

[29] يطلق الفقه الجنائي عادة على الحد الأدنى والحد الأعلى اصطلاح الحدود الشرعية.

انظر: محمود سلامة: حدود سلطة القاضي الجنائي في تطبيق القانون، دار الفكر العربي القاهرة، طبعة 1975، ص 94.

[30] علي عمي: “المختصر في نظرية العامة للقانون الجنائي المغربي، أحكام الجريمة والمجرم والجزاء الجنائي على ضوء أخر التعديلات”، بدون دار النشر، طبعة 2004، ص 388.

[31] أكرم نشأت إبراهيم: ” الحدود القانونية لسلطة القاضي الجنائي في تقدير العقوبة ” مرجع سابق، ص 71.

[32] التدرج الشخصي مقرر في عدد محدود من القوانين، كالقانون السويدي والدانيماركي والفنلندي والبرتغالي.

[33] العقوبات أساسا تصيب المعاقب في جسده وحياته كالإعدام وتمسه في حريته كالسجن والحبس، وتمسه في ماله كالغرامة والمصادرة وتمسه في الاعتبار كالتشهير والنشر الإعلامي فالقاضي يتجنب الإعدام ويستبدله، بالسجن المؤبد أو المحدد ويقصر مدة الحبس أو يطيل مدة السجن ويغلط مبلغ الغرامة أو يخفضه ويصادر المال كله أو جزء منه ويأمر بنشر الحكم أو بعدم نشره.

[34] إدريس الكريني: مرجع سابق، ص. 388.

[35] يتعرض للنقد من اجل خرقه القانون الحكم الذي على متهم بعقوبة تقل عن الحد الأدنى أو تتجاوز الحد الأعلى المنصوص عليه في القانون قرار المجلس الأعلى رقم 260 بتاريخ 9 إبريل 1959، المجموعة 1ص 79، المنشور بكتاب إدريس بلمحجوب، الاجتهاد القضائي في مجموعة القانون الجنائي، الطبعة الأولى 1992، ص 77.

[36] ينص الفصل 189 على أنه: يؤاخذ بجناية المس بسلامة الدولة الخارجية ويعاقب بالسجن من خمس سنوات إلى ثلاثين سنة كل مغربي أو أجنبي ارتكب أحد الأفعال الآتية…”

[37] مأمون محمد سلامة: “حدود سلطة القاضي الجنائي في تطبيق القانون”، مرجع سابق، ص 93.

[38] علي عمي: المختصر في نظرية العامة للقانون الجنائي المغربي، أحكام الجريمة والمجرم والجزاء الجنائي على ضوء أخر التعديلات، مرجع سابق، ص 388.

[39] جاء في قرار 5 أكتوبر 977، صادر عن الغرفة الجنائية بمحكمة النقض الفرنسية الذي صرح بأن محكمة الاستئناف عندما رفعت العقوبة التي نطق بها القضاة الابتدائيون ضد المتهم مرتكب مخالفة رخصة السياقة، لم تستعمل إلا سلطتها التقديرية المطلقة التي يتمتع بها فعلا قضاة الزجر في تقدير العقوبة المرسومة من طرف القانون وتسهيل تقديري لا يخضع للمراقبة، أورده إدريس الكريني: ” السلطة التقديرية للقاضي الزجري”، مرجع سابق، ص 216.

[40] لطيفة المهداتي، حدود سلطة القاضي التقديرية في تفريد الجزاء” مرجع سابق، ص 60.

[41] أكرم نشأت إبراهيم: ” السياسة الجنائية، دراسة مقارنة، مرجع سابق، ص 146.

[42] انظر في هذا الصدد الفقرة الأولى من الفصل 146 من القانون الجنائي المغربي، إذا تبين للمحكمة الزجرية، بعد انتهاء المرافعة في القضية المطروحة عليها، أن الجزاء المقرر للجريمة في القانون قاس بالنسبة لخطورة الأفعال المرتكبة، أو بالنسبة لدرجة إجرام المتهم، فإنها تستطيع أن تمنحه التمتع بظروف التخفيف، إلا إذا وجد نص قانوني يمنع ذلك.

[43] محمد محمود مصطفى: “توجيه السياسة الجنائية نحو فردية العقاب”، مرجع سابق، ص 152.

[44] لطيفة المهداتي: “حدود سلطة القاضي التقديرية في تفريد الجزاء” مرجع سابق، ص 67.

[45] حسين إبراهيم صالح عبيد: “النظريات العامة للظروف المخففة: دراسة مقارنة ” الطبعة الأولى، دار النهضة العربية، القاهرة، 1970، ص 149.

[46] لا يتسع المقام في هذا البحث لمناقشة هذه الآراء والاطلاع عليها بتفصيل انظر:

  • علي حسن الخلف: “الوسيط في قانون العقوبات النظرية العامة ” الجزء الأول، طبعة 1986.
  • محمود نجيب حسني: “علم العقاب ” طبعة 1973، ص 129، مسار إليها في المرجع السابق للدكتور سامي النصراوي ص 96.
  • وأيضا لطيفة المهداتي: “حدود سلطة القاضي التقديرية في تفريد الجزاء” مرجع سابق، ص 65 -66.

[47] لم يعرف المشرع المغربي ظروف التخفيف، سيرا على النهج الذي اتبعه المشرع الفرنسي الذي اكتفى هو أيضا بتخويل هه سلطة العقوبة في كل الحالات التي توجد فيها ظروف المتهم “الفصل 463 من القانون الفرنسي”

[48] ينص الفصل 147 من القانون الجنائي المغربي: إذا كانت العقوبة المقررة في القانون هي الإعدام فإن محكمة الجنايات تطبق عقوبة السجن المؤبد أو السجن من عشرين إلى ثلاثين سنة. وإذا كانت العقوبة المقررة هي السجن المؤبد، فإنها تطبق عقوبة السجن من عشر إلى ثلاثين سنة. واذا كان الحد الأدنى للعقوبة المقررة هو عشر سنوات سجنا فإنها تطبق السجن من خمس إلى عشر سنوات، أو عقوبة الحبس من سنتين إلى خمس، واذا كان الحد الأدنى للعقوبة المقررة هو خمس سنوات سجنا فإنها تطبق عقوبة الحبس من سنة إلى خمس، واذا كانت العقوبة الجنائية المقررة مصحوبة بغرامة فإن محكمة الجنايات يجوز لها أن تخفض الغرامة إلى مائة وعشرين درهما أو أن تحذفها. في الحالة التي تحكم فيها محكمة الجنايات بعقوبة الحبس عوضا عن إحدى العقوبات الجنائية فإنه يجوز لها أن تحكم علاوة على ذلك، بغرامة من مائة وعشرين إلى ألف ومائتي درهم، وبالمنع من الإقامة والحرمان من الحقوق المسار إليها في الفقرتين الأولى والثانية من الفصل 26، لمدة تتراوح بين خمس وعشر سنوات.

[49] ويجب التذكير هنا بان هذه الملاحظة واردة فقط بالنسبة للعقوبات الجنائية.

[50] محمود نجيب حسني: “علم العقاب، مرجع سابق، ص 11 -12.

[51] أحمد الخمليشي: “شرح قانون المسطرة الجنائية” طبعة أولى، مكتبة المعارف، الرباط، 1980، ص 275.

[52] وهذا ما أكده المجلس الأعلى في إحدى قراراته أن منح الظروف المخففة أو عدم منحها امر متروك للقاضي الذي يكون ملزما بتحرير حكمه في حالة تمتيع المتهم بظروف التخفيف ولا يحتاج إلى تعليل قرار عدد 5263 بتاريخ 12 -86 -1990 ملف 22704، غير منشور.

[53] يبدو أن هناك تعارض بين هذه الفقرة والفقرة الثانية من الفصل 146، من ق. ج. م. التي تؤيد منح الظروف المخففة للقاضي ونرى أن هذا التناقض في الحقيقة لا وجود له كما قالت به لطيفة المهداني لأن المشرع لم يحدد سلفا الظروف التي يمكن اعتبارها مخففة وهي بذلك تدخل في سلطة القاضي التقديرية حيث يقر هوما يمكن اعتباره ظرفا مخففا أولا.

[54] قرار المجلس الأعلى بتاريخ 19 /1 /1976 عدد 32717 في الملف الجنائي، عدد 32717، منشور بكتاب محمد بفقير، قانون المسطرة الجنائية والعمل القضائي المغربي، الطبعة الأولى، 2006 بدون دار النشر، ص 319.

[55] علي عمي: “المختصر في النظرية العامة للقانون الجنائي المغربي، أحكام الجريمة والمجرم”، مرجع سابق، ص 393.

[56] بمقتضى الفصل 146 من القانون الجنائي فإن المحكمة لا تكون ملزمة برفض تعليلها إلا حينما تمنح ظروف التخفيف للمتهم وان الطاعن لم يمنح تلك الروف وبذلك المحكمة لا تكون ملزمة برفض تعليلها، قرار المجلس الأعلى عدد 6150 بتاريخ 24 شتنبر 1987، منشور في كتاب عبد العزيز توفيق: “شرح قانون المسطرة المدنية والتنظيم القضائي”، سلسلة المكتبة القانونية، الجزء الأول، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 1995، ص 49.

[57] يجب أن يقع الاقتراع بشأن ظروف التخفيف فيما يخص كل واحد من المتهمين على حدة لاختلاف كل واحد منهم عن الآخر، ويتعرض للنقض القرار الذي تضمن التداول بتنصيص جامع لكل المتهمين بشأن تمتيعهم أو عدم تمتيعهم بظروف التخفيف. قرار صادر عن الغرفة الجنائية للمجلس الأعلى رقم 722 /1/ بتاريخ 5 /6 /2006.

[58] حيث انه بمقتضى هذا الفصل فإن على رئيس المحكمة الجنائية أن يطلب من المحكمة كلما قررت إدانة المتهم أن تبث في وجود ظروف مخففة أو عدم وجودها. ويتخذ القرار بالأغلبية المطلقة ويقع التصويت عليهم (قرار المجلس الأعلى للحكم الجنائي عدد 97 الصادر بتاريخ 14 نونبر 1968 أورده إدريس الكريني، مرجع سابق، ص 229.

[59] عبد السلام بن حدو: “الوجيز في القانون الجنائي المغربي: المقدمة والنظرية العامة ” الطبعة الثالثة، مطبعة اسبارطيل، طنجة، 2008، ص 294.

[60] وهنا يطرح سؤال هل تمنح محاكم الحكم وحدها أم تمنح من طرف قاضي التحقيق نص الفصل 146 من المجموعة الجنائية واضح في هذه المسألة التي تكمن في التحقيق النهائي أي إصدار الحكم، وهذا ما تقوم به محاكم الحكم ولا علاقة له سلطة قاض التحقيق.

[61] عبد السلام بن حدو: مرجع سابق، ص. 295.

[62] أحمد الخمليشي: “شرح قانون المسطرة الجنائية، مرجع سابق، ص. 277.

[63] ولأجل ذلك قرر المجلس الأعلى نقض الحكم القاضي بالحد الأقصى من العقوبة رغم منحة المحكوم عليه ظروف التخفيف في قراره عدد 348 … أورده أحمد الخمليشي: ” شرح القانون الجنائي العام ” الطبعة الأولى، 1985، في الهامش 15، ص 277.

[64] علي عمي، مرجع سابق، ص 395.

[65] وفي نظرية سائدة في قانون العقوبات الفرنسي الذي يسمح للمحكمة بتطبيق نظام ظروف التخفيف على جميع الجنايات والجنح بموجب (المادة 463) وعلى المخالفات طبقا (للمادة 472).

[66] يلاحظ على المادة 17 عقوبات، إمكانية النزول الممنوحة للقاضي أصلا تعطى في مواد الجنح والمخالفات دون حاجة إلى استعمال المادة 17 عقوبات إمكانية النزول بالعقوبة إلى أهون درجاتها إذ إمكانية أن ينزل بالحبس إلى أربع وعشرين (24)

ساعة وبالغرامة إلى مائة قرش على نحولا يكون فيه انطباق المادة 17 في خصوص مواد الجنح والمخالفات، أي جدوى عملي.

محمد زكي أبو عامر: “قانون العقوبات القسم العام”، بدون دار النشر طبعة 1993، ص 433 – 435.

ويضيف في الهامش من نفس الصفحة أن هذه السلطة محظورة في مواد الجنح وان كان المشرع قد وضع لها حدا أدنى لا يجوز النزول عنه، كما هو الأمر في بعض جنح الدعارة.

[67] ذلك أن حظر تطبيق ظروف التخفيف لا يصلح أن يكون دليلا على تسديد العقاب في هذا القانون، إذ لوكان الأمر كذلك لا تصرف الحظر على العقوبات الحسية أيضا، والتي تضطلع بدور هام في نطاق هذا القانون لأن الأمر يختلف في القوانين التي توظف فيها الغرامات ليس فقط لاعتبارات عقابية وإنما لأغراض تعويضية كذلك.

[68] نص القانون17 95. في المادة 439 على اقصى الغرامة إلى مبلغ 2000000 درهم.

[69] مأمون الفاسي: “السياسة العقابية المالية في التشريع المغربي”، رسالة لنيل دبلوم القانون الخاص، كلية الحقوق بطنجة، السنة الجامعية: 2006 – 2007، ص. 154.

[70] تجدر الإشارة إلى أن هذا التشديد في استعمال الأداة الجنائية في قانون ذي طبيعة ليبرالية قوبل بامتعاض شديد من طرف الفاعلين الاقتصاديين انظر في ذلك:

[71] وصل الحد الأدنى للغرامة إلى 100000 درهم بمقتضى المادة 384 من قانون 17.95.

[72] ألغى هذا الظهير بمقتضى القانون 02.46 المتعلق بنظام التبغ المصنع.

[73] قرار عدد 196 س بتاريخ 24دجنبر 1970 منسور في كتاب عبد العزيز توفيق: “شرح قانون المسطرة المدنية والتنظيم القضائي”، مرجع سابق، ص. 48.

[74] قرار صادر عن محكمة الاستئناف بالرباط الجنائي عدد 427 ( 86بتاريخ 27 نونبر 986،)، أوردته لطيفة المهداتي: “حدود السلطة التقديرية في تفريد الجزاء” مرجع سابق، ص 71. وحكم جنحي عادي تحت عدد 1417 ملف جنحي عادي جماعي رقم 2714 /02 /24 تاريخ، 31 ماي 2006 منشور في رسالة مأمون الفاسي، مرجع سابق، ص 152.

[75] ينص الفصل 87 من قانون المسطرة الجنائية على انه “يقوم قاضي التحقيق إلزاميا في مادة الجنايات واختيارنا في مادة الجنح بإجراء بحث حول شخصية المتهم وحالته العائلية والاجتماعية”.

[76] لطيفة المهداتي: “حدود السلطة التقديرية في تفريد الجزاء” مرجع السابق، ص 75.

[77] نص الفصل 112 من القانون الجنائي المغربي كالتالي “لا يتغير نوع الجريمة إذا حكم بعقوبة متعلقة بنوع أخر من أنواع الجرائم لسبب من أسباب التخفيف أو لحالة العود”.

[78] علي عمي، مرجع سابق، ص 379.

[79] لمعرفة نموذج الجرائم المتماثلة أو الملحقة ببعضها، تراجع مقتضيات الفصل 158 من القانون الجنائي.

[80] لا تثبت حالة العود بمجرد ارتكاب جرائم حررت بشأنها محاضر ووقع الاعتراف بارتكابها وإنما تثبت بالأحكام الصادرة بالعقوبة عن هذه الجرائم متى كانت حائزة لقوة الشيء المقضي به قرار المجلس الأعلى عدد 7034 صادر بتاريخ 9 /10 /1989.

منشور في كتاب عبد العزيز توفيق، “شرح قانون المسطرة المدنية والتنظيم القضائي” مرجع سابق، ص 53.

[81] والسوابق تستنتج من السجل العدلي الذي تعرضت له نصوص المسطرة الجنائية في الفصول 654 إلى 674 فيمكنه الرجوع إليها كذلك.

[82] وهذه الحالات منظمة على الشكل التالي: الحالة الأولى منظمة بالمادة 155 من ق. ج. م والحالة الثانية منظمة بالمادة 156من نفس القانون، والحالة الثالثة نصت عليها المادة 157، من نفس القانون والحالة الرابعة والأخيرة نصت عليها المادة 159 من نفس القانون.

[83] أحمد الخمليشي: “شرح قانون المسطرة الجنائية”، مرجع سابق، ص 288 – 289.

[84] حاتم حسن موسى بكار، “سلطة القاضي الجنائي في تقدير العقوبة والتدابير الاحترازية ” مرجع سابق، ص 272.

[85] أكرم نشأت إبراهيم: الحدود القانونية لسلطة القاضي الجنائي في تقدير العقوبة، مرجع سابق، ص 207.

[86] حاتم حسن موسى بكار: “سلطة القاضي الجنائي في تقدير العقوبة والتدابير الاحترازية ” مرجع سابق، ص 275.

[87] بورقيبة محمد هشام: “العود إلى الجريمة في القانون الجنائي المغربي”، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون الخاص، الرباط، 1985، ص 60 وما بعدها.

[88] لطيفة لمهداتي، “حدود السلطة التقديرية في تفريد الجزاء” مرجع سابق، ص 84.

[89] بورقيبة محمد هشام: “العود إلى الجريمة في القانون الجنائي المغربي”، مرجع سابق، ص 91.

[90] نفسه. ص 92.

[91] إدريس بلمحجوب “قواعد تنفيذ العقوبات السالبة للحرية والعقوبات المالية”، الجزء الثاني، طبعة 1998، ص44.

[92] عصام عفيفي عبد البصير “تجزئة العقوبة” دار النهضة العربية، طبعة 2003، ص 46.

[93] عمر سالم: “ملامح جديدة لنظام وقف التنفيذ في القانون الجنائي”، دار النهضة العربية، الطبعة الأولى 1998، ص 179.

[94] محي الدين امزازي: “جدوى بدائل العقوبات الحبسية القصيرة المدى”، المجلة العربية للدفاع الاجتماعي عن الجريمة، مرجع سابق، ص 65.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading