عبد الحق بوكبيش

أستاذ باحث بالكلية المتعددة

التخصصات بالناظور

اهتم القانون الجنائي المغربي بجريمة التسميم، شأنه شأن غيره من القوانين الجنائية، وعاقب عليها بشدة، نظرا لما تنطوي عليه من خسة ونذالة ولما يرتبط بها من صعوبات في اكتشافها وإثباتها في مقابل سهولة ارتكابها.

وخلافا لبعض التشريعات المقارنة، التي اعتبرت القتل بالسم ظرف تشديد في القتل العمد، عمد المشرع المغربي، إلى جعل التسميم جريمة خاصة، مستقلة بنصها عن القتل العمد، تقوم بالاعتداء على حياة شخص بواسطة مواد من شأنها أن تسبب الموت عاجلا أو آجلا، أيا كانت الطريقة التي استعملت أو أعطيت بها تلك المواد وأيا كانت النتيجة ([1]) أي سواء ماتت الضحية أم لم تمت.

وبمناسبة دراسته لهذه الجريمة، انصب اهتمام الفقه أساسا على ركنها المادي، فاحتدم النقاش لا سيما حول طبيعة المادة المعطاة للضحية والمحاولة، أما ركنها المعنوي، فلم يكن مثار أي نقاشات خاصة، إذ كان مسلما به، أن الركن المعنوي لجريمة التسميم، والمتمثل في القصد الجنائي، يقوم على نية القتل، وهذه الأخيرة يمكن استخلاصها من علم الجاني بالطبيعة القاتلة للمادة المعطاة للضحية، وذلك من غير إقامة أي تمييز بين عنصري العلم بالطبيعة القاتلة للمادة المعطاة ونية القتل.

إلا أنه، ومنذ نهاية الثمانينات وبداية التسعينات من القرن الماضي، وبعد انتشار فيروس السيدا، وظهور ما يعرف في فرنسا بقضية الدم الملوث، وتعدد حالات النقل العمدي لفيروس السيدا، طرح النقاش بحدة حول ما إذا كان يكفي لقيام الركن المعنوي لجريمة التسميم، توافر القصد العام، أي مجرد علم الجاني بالطبيعة القاتلة للمادة المعطاة للضحية، أم أنه يتطلب علاوة على ذلك، قصدا خاصا وهو نية القتل، وهو ما أدى إلى بروز تيارين بخصوص هذه المسألة، أحدهما يكتفي بالقصد العام (الفقرة الأولى)، بينما يشترط الآخر، ضرورة وجود قصد خاص إلى جانب القصد العام (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: الاكتفاء بالقصد العام

قبل أن نستعرض الحجج التي يؤيد بها أنصار فكرة الاكتفاء بالقصد العام وجهة نظرهم (ثانيا)، يجدر بنا (أولا) التطرق إلى مضمون القصد العام في جريمة التسميم.

أولا: مضمون القصد العام في جريمة التسميم

القصد العام، هو الإرادة المتجهة نحو الفعل الإجرامي، وهي تتحقق لدى الجاني إذا ما توافرت لديه إرادة النشاط المكون للجريمة مع علمه بكافة العناصر الأخرى التي يتكون منها ركنها المادي ([2]).

وهذا العلم ينصرف إلى القانون والواقع، أي يجب أن يكون الفاعل عالما بأن القانون يجرم الفعل الذي أتاه وأن يكون عالما بأن المادة التي يعطيها للضحية من شأنها أن تسبب لها الموت أن آجلا أو عاجلا.

ولما كان العلم بالقانون مفترض بمقتضى قرينة قانونية غير قابلة لإثبات العكس ([3]) يبقى العنصر المحدد للركن المعنوي لجريمة التسميم، هو علم الجاني بأن المادة التي يعطيها للضحية من شأنها أن تسبب لها الموت إن آجلا أو عاجلا، وبانتفاء ذلك العلم، يكون من غير الممكن مساءلة الفاعل عن جريمة التسميم، كما لو أعطى المادة للضحية وهو جاهل لطبيعتها أو قدمها عن خطأ أو نتيجة لغلط أو تدليس إجرامي من الغير.

ثانيا: حجج أنصار فكرة الاكتفاء بالقصد العام

يعتقد أنصار فكرة الاكتفاء بالقصد العام، بأن نية القتل غير متطلبة بالمرة في جريمة التسميم، ولتدعيم وجهة نظرهم هذه، يوردون مجموعة من الحجج:

أول هذه الحجج، يقتضيها المنطق السليم، حسب وجهة نظرهم، إذ يعتقدون بأن جريمة التسميم، لو كانت مجرد صورة للقتل العمد، وهي القتل بالسم، لكان التنصيص عليها كجريمة خاصة غير ذي جدوى، فالمشرع لا يجرم بنص خاص القتل بسلاح ناري أو القتل بالخنق… وإنما قام بوضع نص خاص بالتسميم لوجود فرق بين القتل العادي والتسميم ([4]).

أما الحجة الثانية، فتتعلق بشكلية جريمة التسميم، التي يتطلب لقيام ركنها المادي مجرد اتيان النشاط الإجرامي ومن غير اشتراط ترتب نتيجة ما على ذلك النشاط، إذ يكفي لقيام الركن المادي إعطاء الفاعل للضحية مادة من شأنها ان تسبب لها الموت عاجلا أو آجلا وذلك بغض النظر عن حدوث الموت من عدمه.

ولما كانت جريمة التسميم، تقوم بغض النظر عن موت الضحية، تكون بذلك قد وضعت علامات اختلافها عن القتل العمد، ولذلك فإن النية التي تسبق ادانة الفاعل لا ينبغي ان تفهم بالنظر إلى معطى لا يساهم في التعريف القانوني لهذه الجريمة، لأن من شأن ذلك أن يتعارض مع التفرقة بين الجرائم المادية والجرائم الشكلية ([5]) ومع منطق الجريمة الشكلية التي يقوم تجريمها على مجرد إتيان الفعل وبصفة مستقلة عن آثاره ([6]).

أما الحجة الثالثة، فتتعلق بالأصل التاريخي لنص الفصل 301 من مدونة القانون الجنائي الفرنسي، والذي عوض في سنة 1810 نصا من مدونة 1791، كان يعرف التسميم بالقتل المرتكب عمدا بالسم، حيث يعتقد أنصار هذا الاتجاه أن عدم إيراد مصطلح القتل ومصطلح العمدي في النصوص الجديدة، دليل على عدم رغبة المشرع في جعل التسميم قتلا عاديا مرتكبا بالسم وإنما جريمة خاصة مستقلة بذاتها عن القتل العمد([7]).

وقد لقي هذا الاتجاه مناصرة شديدة من لدن جانب من الفقه المغربي ([8]) الذي وبعد أن أشار إلى أن المادة 398 من القانون الجنائي المغربي، ترتد من حيث مصدرها التاريخي إلى مدونة نابليون لعام 1810، قدر بأن صياغة النص المغربي، لم تكن موفقة في التعبير عن المضمون الحقيقي للنص الأصلي، معتبرا بأن القراءة المتأنية للنص الفرنسي تنم عن كون الخاصية الجوهرية التي تتسم بها جريمة التسميم انما تتأتى من مجرد تهديد الحياة أو التآمر عليها Attentat à la vie، وليس الاعتداء عليها فعلا Atteinte à la vie ، هو الحال في جريمة القتل العمد.

 

الفقرة الثانية: ضرورة وجود القصد خاص إلى جانب القصد العام

على خلاف أنصار فكرة القصد العام، الذين قدروا لقيام الركن المعنوي لجريمة التسميم، الاكتفاء بعنصر العلم بالطبيعة المميتة للمادة المستعملة، اتجه أنصار القصد الخاص إلى تبني موقف آخر)، أولا (عمل القضاء الفرنسي على تكريسه)، ثانيا (وهو اشتراط ضرورة وجود القصد الخاص إلى جانب القصد العام.

أولا: موقف أنصار القصد الخاص

ينطلق أنصار القصد الخاص، من الاعتراف بداية بكون الركن المعنوي لجريمة التسميم يقوم على القصد العام، الا أن هذا الأخير غير كاف لوحده، حيث يتعين وجود قصد خاص إلى جانبه، أي نية القتل، غير ان نظرتهم إلى هذه الأخيرة تختلف اختلافا جذريا عن نظرة الفقه إليها قبل ظهور قضية الدم الملوث في فرنسا.

فكما سبقت الإشارة، كان الفقه يعتقد بأن قوام الركن المعنوي لجريمة التسميم هونية القتل، وهذه الأخيرة يمكن استخلاصها من علم الجاني بالطبيعة القاتلة للمادة المعطاة للضحية، أو بعبارة الأستاذ احمد الخمليشي([9])” ومتى ثبت علم الجاني بأن المادة سامة ويمكن إن تحدث الموت في الأحوال العادية، فإن قيامه بإعطائها للضحية يعتبر قرينة على قصده القضاء على حياته، على انه يمكنه دفع هذه القرينة بأية وسيلة إثبات مضادة تقنع المحكمة”.

غير أن أنصار فكرة القصد الخاص، لا يكتفون بهذا الحد الأدنى الذي يصهر نية القتل في القصد العام، وإنما قرروا القيام بترقيتها إلى مرتبة القصد الخاص، حيث يتعين وفقا لوجهة نظرهم، إقامة الدليل على وجودها وبصفة مستقلة عن علم الجاني بالطبيعة المميتة للمادة المعطاة للضحية.

ولتأكيد وجهة نظرهم هذه، يركزون على موضع جريمة التسميم في القانون الفرنسي، التي وردت ضمن الفرع المتعلق بالجرائم الماسة بالحياة شأن القتل العمد، الذي يرتبط بالتسميم بقاسم مشترك وهونية القتل([10]).

كما يركزون أيضا، على كون الطابع المادي أو الشكلي للجريمة ليس له أي تأثير على النية، لأنه وفي سائر الأحوال، وكيفما كان نوع الجريمة، تتحدد النية بالهدف الذي يسعى إليه الفاعل وليس بالنتيجة المحققة ([11]).

وبالفعل فالنية تتحدد بالهدف الذي يسعى إليه الفاعل وليس بالنتيجة المحققة، وأكثر من ذلك، يلاحظ أن نص المادة 398 من القانون الجنائي المغربي، اعتبر جريمة التسميم اعتداء على الحياة، وجه الاختلاف بينها وبين جريمة القتل العمد تتمثل في الوسيلة المستعملة، والتي حددها النص، وبعبارته: “مواد من شأنها أن تسبب الموت عاجلا أو آجلا”، لذلك يتعين لتحديد الركن المعنوي لجريمة التسميم إقامة الدليل على نية القتل وذلك بشكل مستقل عن إثبات علم الجاني بالطبيعة المميتة للمادة المستعملة أو المقدمة.

ثانيا: التكريس القضائي للقصد الخاص في جريمة التسميم

سنحت الفرصة للقضاء الفرنسي لتكريس القصد الخاص في جريمة التسميم، بمناسبة قضية الدم الملوث بفيروس السيدا، والتي تتلخص وقائعها في تقديم مصابين بمرض سيولة الدم، لشكايات ضد مركز تحاقن الدم، يدعون فيها بأنهم حقنوا بمواد من شأنها أحداث الموت، فتمت إحالة الأطباء المتورطين في القضية على المحكمة الجنحية لباريس تحت تكييف الغش في خصائص جوهرية للبضاعة.

وقد رفض المطالبون بالحق المدني تكييف الوقائع على أنها جريمة غش، معتبرين أنفسهم ضحية لجريمة تسميم حقيقية، فدفعوا بعدم اختصاص المحكمة الجنحية، على أساس أن الوقائع جنائية وليست جنحية.

وبتاريخ 23 أكتوبر 1992، أصدرت المحكمة الابتدائية لباريس حكما([12]) كيف الوقائع على أنها جريمة غش، ورد فيه بأن “الفقه والقضاء توصل إلى ان الجرائم المنصوص عليها في الفصول 301 و 318 من القانون الجنائي، تتطلب بالضرورة إقامة الدليل على نية القتل…. فجريمة التسميم جريمة عمدية تقترف عن علم وإرادة واعية لتحقيق نتيجة معينة سعى إليها الفاعل مسبقا وهي الموت، والتي تعتبر عنصرا تكوينيا في جريمة التسميم… وفي الوقت الذي تم فيه إقامة الدليل وبشكل كاف على نية الغش، فلا شيء يسمح بالمقابل من التثبت مما إذا كانت لدى المتابعين نية القتل، وبالتالي فإن الدفع بعدم اختصاص المحكمة هو دفع مرفوض”.

وبعد صدور هذا الحكم، عمد المطالبون بالحق المدني إلى استئنافه، الا أن محكمة الاستئناف لباريس، أيدت في قرارها الصادر بتاريخ 13 يوليوز 1993 ([13]) موقف قضاة الدرجة الأولى الذين اخذوا بتكييف الغش، معتبرة “ان التسميم يعتبر جريمة قتل خاص بسبب الوسيلة المستعملة من قبل الفاعل، وهذه الأخيرة يتطلب لقيامها إقامة الدليل على إرادة القتل لدى الفاعل، وإذا كان من الممكن استخلاص نية القتل من علم الفاعل بالطابع القاتل للمادة التي قدمها للغير، فإن ذلك الاستخلاص لا يكون ممكنا الا إذا كانت ظروف القضية تسمح بذلك، كوجود خصومات بين الفاعل والضحية، وهوما لا يعتبر متوافرا في هذه القضية التي تدخل الوقائع المجرمة فيها، في إطار العلاقة بين صانع منتجات طبية وطبيب ومريض، ولذلك يكون قضاة الدرجة الأولى قد طبقوا القانون تطبيقا سليما، عندما قضوا باختصاص المحكمة الجنحية، وادانة المتهمين بجريمة الغش”.

وهذا القرار تم الطعن فيه بالنقض لأسباب مسطرية محضة، لذلك لم تسنح الفرصة لمحكمة النقض الفرنسية في قرارها الصادر بتاريخ 22 يونيو 1994 ([14]) باتخاذ موقف حاسم حول النقاش الدائر بخصوص الركن المعنوي لجريمة التسميم، إلى أن صدر عنها قرار 18 يونيو2003 ([15]) وذلك بعد عشر سنوات على بداية قضية الدم الملوث، حيث اعتبرت وبشكل جازم بأن “جريمة التسميم لا يمكن ان تقوم إلا إذا كان ما قام به الفاعل كان مع نية القتل، التي تعتبر العنصر المعنوي المشترك بين جريمة التسميم وبقية الجرائم الماسة إراديا بحياة الأشخاص”.

كما سنحت الفرصة للقضاء الفرنسي لإبداء موقفه بخصوص النقاش الدائر حول الركن المعنوي لجريمة التسميم في قضايا النقل العمدي لفيروس السيدا، في إطار العلاقات الجنسية غير المحمية، التي يعمد فيها الشريك إلى إخفاء واقعة حمله لفيروس السيدا على شريكه في العلاقة الجنسية، حيث اعتبرت محكمة النقض الفرنسية في قرار لها([16]) بأن “مجرد العلم بالطابع القاتل للمادة لا يكفي لتحديد نية القتل”، لتستقر محكمة النقض الفرنسية على استبعاد تكييف التسميم في هذا النوع من القضايا([17]).

خلاصة القول، جريمة التسميم جريمة عمدية، تتطلب لتحديد ركنها المعنوي، علاوة على إثبات علم الجاني بالطبيعة القاتلة للمادة المستعملة أو المعطاة للضحية، إقامة الدليل على نية القتل وبشكل مستقل عن إثبات عنصر العلم، أما القول بالاكتفاء بإثبات عنصر العلم فقط، ففيه تعارض مع حرفية نص المادة 398 من القانون الجنائي ومع مبدأ الشرعية الجنائية.


[1] المادة 398 من القانون الجنائي.

[2] محمد زكي أبو عامر: قانون العقوبات، القسم العام، دار الجامعة الجديدة للنسر 2007، الفقرة 104.

[3] “لا يسوغ لأحد ان يعتذر بجهل التسريع الجنائي”، المادة الثالثة من القانون الجنائي.

[4] M.L.Rassat: Droit penal special, dalloz6,e edition; 2011, n° 327.

[5] Y. Mayaud: lorsque l’empoisonnement rejoint le meurtre, ou du faux débat sur l’animus necandi, RSC 1999; p.98.

[6] Y. Mayaud: la nature formelle du crime d’empoisonnement, D2000, Sommaires commentés,p.26.

[7] M.L. Rassat: l’élément moral d’empoisonnement, note sous : cass crim, 2juill1998, jcp ed G 1998, 10132.

[8] عبد الحفيظ بلقاضي، النظام الخاص لجريمة التسميم في القانون المغربي، قراءة جديدة للمادة 398 من القانون الجنائي على ضوء انتشار ظاهرة نقل فيروس السيدا إلى الغير إراديا، مجلة الإشعاع، العدد 25، 2002، ص 24.

[9] أحمد الخمليشي: القانون الجنائي الخاص، الجزء الثاني، مكتبة المعارف 1982، ص 99.

[10] J. L.Delmas Saint Hilaire: la mort:la grande absente de la décision rendu dans l’affaire du sang contaminé par le tribunal correctionnel de paris, Gaz.pal 1993.1.Doct, p257.

[11] D.Mayer: la notion du substance mortelle en matière d’empoisonnement, D1994. chron, p.325.

[12] TGI Paris, 16 ch corr,23 octl992, D1993, jurisp, p. 222.

[13] CA Paris, 13 juill1993, D1994, jurisp, p. 118.

[14] V: cass.crim, 22juinl994, D1995, jurisp, p. 85.

[15] cass.crim,18 juin 2003, D 2004,jurisp,p.1620.

[16] cass.crim,2juinl998,D1998 .457, note J.Pradel.

[17] V:cass.crim,10jan2006,Bull crim 2006,n°11,p.37

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading