المغير للنظام الأساسي العام للوظيفة العمومية

د. عبد الخالق علاوي

أستاذ باحث بكلية العلوم القانونية والاقتصادية

والاجتماعية، فاس

عرف النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية منذ صدوره بموجب ظهير 24 فبراير 1958 عدة تعديلات وتغييرات خلال الخمسة عقود الماضية وصلت إلي 12 تعديلا، غير أن ما ميز هذه التعديلات هو محدوديتها سواء من حيث عدد المواد المشمولة بالتعديل، أو من حيث تأثير هذه التعديلات على جوهر النظام الأساسي العام، حيث أن كبر تعديل شمل 5 مواد خلال سنة 1997([1])، في حين لم تتعدى أغلب التعديلات الأخرى مادتين أو ثلاث مواد على الأكثر.

لذا، فإن القانون رقم 50.05 يشكل أهم تعديل عرفه النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية([2])، إن على المستوى الشكلي أو على مستوى المضمون، فعلى المستوى الأول غير القانون المشار إليه 12 فصلا في ظهير 24 فبراير 1958، وتممه بخمسة فصول أخرى، وعلى مستوى المضمون، فإن هذا القانون لا يشكل مجرد تعديل تقنى للنظام الأساسي العام، بل إنه يؤسس لبعض القواعد الجديدة فيه، ويمس مباشرة أسس ومرتكزات النظام الأساسي العام، حيث أن مقتضيات وأحكام هذا القانون تهم العناصر الأساسية لهذا النظام سواء تعلق الأمر بالتوظيف، أو بوضعيات الموظف وواجباته، وكذا تطور مساره المهني.

وهكذا، فإن نظام التوظيف كان من المواضيع التي شملها القانون من خلال تعديل الفصل 22 وإضافة الفصل 6 مكرر. ولاشك أن نظام التوظيف باعتباره يرتبط بإجراءات اختيار المرشحين لشغل الوظائف العمومية، يكتسى أهمية بالغة في إطار وظيفة عمومية تقوم على مبدأ المسار المهني، مما يجعل لعمليات التوظيف نتائج وآثار وازنة على حاضر ومستقبل الإدارة العمومية، حيث أن التوظيف يلزم الإدارة لمدة طويلة، مادام أنه يؤدي إلي شغل وظائف عمومية على سبيل الدوام والاستمرار.

ومن الزاوية التدبيرية، فإن التوظيف يشكل أول مرحلة من مراحل تدبير الموارد البشرية، لذا فإنه يؤثر بنسبة كبيرة على العمليات المرتبطة بالمراحل الأخرى لتدبير المسار المهني للموظف، كالترقية والتكوين المستمر والحركية وغيرها…

كما أن أهمية نظام التوظيف يظهر في أبعاده المختلفة، إذ أن له بعد ديمقراطي باعتباره يرتبط مباشرة بمبدأ المساواة لولوج الوظائف العمومية كمبدأ دستوري، كما أن له بعد تدبيري يتصل بفعالية سياسة التوظيف ومدى تلاؤمها مع حاجيات الإدارة العمومية، ومن ثم ارتباطه بمردودية ومستوى أداء الإدارة ككل.

إن هذه الأهمية التي يكتسيها نظام التوظيف تجعل كل محاولة لمراجعته أو إصلاحه، جديرة بالدراسة والنقاش والتفكير وهذا ما تسعى إليه هذه المساهمة، من خلال دراسة ما تضمنه القانون 50.05 من مقتضيات تتعلق بطرق التوظيف. فقد تضمنت هذه المقتضيات تعميم المباراة بإقرارها كآلية عامة للتوظيف في مختلف درجات الإدارات العمومية (أولا) كما أسست للتعاقد لأول مرة كآلية للتشغيل في الوظيفة العمومية (ثانيا).

أولا: تعميم المباراة كآلية للتوظيف

  1. المباراة آلية وحيدة للتوظيف النظامي

حدد الفصل 22 من النظام الأساسي للوظيفة العمومية في صيغته السابقة، أي قبل تعديله بموجب القانون 05-50، طرق التوظيف في درجات وأطر الإدارات العمومية، حيث نص في الفقرة الأولى منه على ما يلى: “يقع التوظيف في كل منصب إما عن طريق مباريات تجرى بواسطة الاختبارات أو نظرا للشهادات، وإما بواسطة امتحان الأهلية أو القيام بتمرين لإثبات الكفاءة، وذلك مع مراعاة المقتضيات المؤقتة المقررة في التشريع الجاري به العمل”.

يتضح أن المقتضيات المشار إليها، تهم في حقيقة الأمر ولوج الدرجات بشكل عام سواء عن طريق التوظيف أو الترقية، فإذا كانت المباريات بناء على اختبارات أو الشهادات تتعلق بالتوظيف، فإن امتحان الأهلية هو طريقة للترقية، كما أن مقتضيات هذه الفقرة تشير إلي ضرورة مراعاة مقتضيات مؤقتة، وهذا كله يجعل مقتضيات الفقرة المذكورة غير منسجمة ومتجاوزة.

وإذا حصرنا نطاق تركيزنا على التوظيف، فإن القراءة المعمقة لمقتضيات الفقرة الأولى، تجعلنا نستخلص بشكل واضح أن طرق التوظيف تنحصر في المباريات التي تجري إما بناء على اختبارات، أو بناء على الشهادات، لذلك فإنه يمكن القول أن الفصل 22 في صيغته القديمة كان يؤسس للمباراة كطريقة وحيدة للتوظيف، مع تحديد شكلين للمباراة، الأول يتم بناء على اختبارات، والثاني بناء على الشهادات([3]).

غير أنه يبدو أن هذا النص تم تأويله وتطبيقه بشكل مخالف، إذ يتضح من المقتضيات المتعلقة بالتوظيف المنصوص عليها في الأنظمة الأساسية الخاصة بهيئات موظفي الإدارات العمومية والصادرة تطبيقا للنظام الأساسي العام للوظيفة العمومية أنها تنص بشكل عام على طريقتين للتوظيف، تتعلق الأولى بالتوظيف بناء على مباراة، وتتمثل الثانية في ما يسمى بالتوظيف مباشرة بناء على الشهادات([4])، كما أن بعض الأنظمة الأساسية كانت تنص على التوظيف بناء على الشهادات فقط([5]).

وهكذا تم قراءة مقتضيات الفقرة الأولى من الفصل 22، كما لو أنه يؤسس لازدواجية في طرق التوظيف، المباراة من جهة والتوظيف المباشر بناء على الشهادات من جهة أخرى.

إن طريقة المباراة بناء على الشهادات كما حددها الفصل 22 تختلف جذريا عن التوظيف المباشر كما تم التنصيص عليه في الأنظمة الأساسية، إذ أن المباراة بناء على الشهادات تقتضى التباري([6]) والتنافس في كل الأحوال، بين حاملي شهادات معينة استنادا إلي هذه الشهادات ومراعاة لطبيعة الوظائف المفتوحة للتوظيف، لذلك فإن الأمر كان يقتضى تحديد القواعد التي تنظم هذا النوع من المباراة، من أجل تقنين شروط وضوابط التباري ومعايير الاستحقاق، وذلك على غرار ما تم القيام به بالنسبة للمباريات بناء على الاختبارات التي تم تحديد قواعدها ومبادئها من خلال المرسوم الملكي الصادر بتاريخ 22 يونيو 1967 بسن نظام عام للمباريات والامتحانات المهنية([7]).

أما بالنسبة للتوظيف المباشر بناء على الشهادات بالشكل الذي ورد به في الأنظمة الأساسية، والذي لا نجد له سندا في الفصل 22، وكما تم تطبيقه، فإنه سمح بتوظيف حاملي شهادات معينة بشكل مباشر، أي بدون مراعاة أية شروط أو معايير للتنافس والتباري بين المرشحين، ولعل هذا ما جعل الإدارات العمومية تلجأ في أحيان كثيرة إلي إجراء توظيفات مباشرة دون إعلان أو إشهار، وبالتالي دون أي مراعاة لقواعد التنافس أو التباري([8]).

وإذا كان من بين أهداف تعديل الفصل 22 تجاوز الغموض الذي كان يعانى منه هذا الفصل في صيغته القديمة، فإنه لا يبدو أن هذا الهدف قد تحقق، إذ أن قراءة مقتضيات هذا الفصل بعد تعديله تؤدي إلي الخروج بانطباع واضح حول الليس الذي يعتريه والناجم عن طريقة صياغته من حيث الشكل، إذ ينص الفصل 22 على أنه “يجب أن يتم التوظيف في المناصب العمومية وفق مساطر تضمن المساواة لولوج نفس المنصب، ولاسيما حسب مسطرة المباراة.

وتعتبر بمثابة مباراة امتحانات التخرج من المعاهد والمؤسسات المعهود إليها بالتكوين حصريا لفائدة الإدارة.

استثناء من أحكام الفقرة الأولى يمكن للحكومة أن ترخص للسلطات المكلفة بالدفاع الوطني أو بالأمن الداخلي والخارجي للدولة، بأن تقوم بتوظيفات بعد اختبار الكفاءات المطلوب توافرها في المترشحين دون إعلان سابق أو لاحق. تحدد شروط وكيفيات تطبيق أحكام هذا الفصل بموجب مرسوم.

إن قراءة هذه المقتضيات تفيد بأن القاعدة الأساسية للتوظيف في المناصب العمومية هي المباراة، باعتبار أن هذه الآلية هي التي تم التنصيص عليها صراحة في هذا الفصل، بصيغة تؤكد تكريسها كآلية أساسية ورئيسية من خلال عبارة “لاسيما حسب مسطرة المباراة”.

كما أن هذه المقتضيات يستفاد منها كذلك وجود استثناءين على المباراة، يتعلق الأول باعتبار امتحانات التخرج من المعاهد والمؤسسات المعهود إليها بالتكوين حصريا لفائدة الإدارة، بمثابة مباراة، أي تدخل في حكم المباراة، وهو ما يترتب عنه إعفاء خريجي المعاهد والمؤسسات المشار إليها من المباراة للتوظيف في أطر ودرجات الإدارات العمومية.

ويتعلق هذا الاستثناء بخريجي بعض معاهد ومؤسسات التكوين التي تقوم بمهام التكوين بشكل حصري لفائدة الإدارة، كما هو الشأن بالنسبة لخريجي المدرسة الوطنية للإدارة والمعهد العالي للإدارة.

غير أن المشكل الذي يطرح بخصوص هذا الاستثناء هو تحديد هذه المعاهد والمؤسسات التي يقصدها المشرع، إذ أنه يصعب تحديدها اعتمادا فقط على عنصر التكوين الحصري لفائدة الإدارة، لذلك يظل وجوب تحديدها أمرا ملحا.

ويرتبط الاستثناء الثاني بإمكانية التوظيف من طرف الإدارات المكلفة بالدفاع والأمن بدون اللجوء إلي مباراة، وذلك بعد ترخيص من طرف الحكومة.

والواضح من هذا الاستثناء أنه يهدف إلي تجاوز مسطرة المباراة بالنسبة للتوظيف في أطر ودرجات الإدارات العمومية المكلفة بالدفاع الوطني والأمن الداخلي والخارجي بالنظر لحساسية المهام والوظائف المسندة لها. غير أن هذا الاستثناء، وفق ما يمكن استنباطه من مقتضيات النص ينبغي أن يكون مقيدا بشروط تتمثل في صدور ترخيص من طرف الحكومة، وهذا شرط شكلي صريح، وهناك شرط ضمني يتمثل في حصر تجاوز المباراة في حالات معينة واستثنائية يقتضى فيها الأمر الأخذ بالاعتبار خصوصية بعض الوظائف والمهام بالإدارات المشار إليها والتي لا يمكن الإعلان عنها وبالتالي تنظيم مباراة من أجل التوظيف فيها.

لكن إذا كان واضحا أن المباراة حسب النص هي القاعدة الأساسية والرئيسية للتوظيف في أطر ودرجات الإدارات العمومية، فهل يعنى ذلك أنها القاعدة الوحيدة؟

إن هذا السؤال يثار بعد قراءة الفقرة الأولى من الفصل 22 المشار إليه التي تنص على أنه “يجب أن يتم التوظيف في المناصب العمومية وفق مساطر تضمن المساواة بين جميع المترشحين لولوج نفس المنصب”، وهو ما قد يوحى بأن التوظيف قد يتم بناء على مساطر أخرى بالإضافة إلي المباراة شريطة أن تراعى احترام مبدأ المساواة.

غير أن الملاحظ أن الفقرة المشار إليها لم تحدد هذه المساطر، لذلك وفى غياب هذا التحديد تظل المباراة هي الطريقة الوحيدة للتوظيف في أطر ودرجات الإدارات العمومية، وهو ما ينسجم مع مقتضيات المرسوم التطبيقي للفصل 22 الذي تضمن تنظيم المباراة فقط([9])، دون أن يشير إلي مساطر أخرى للتوظيف، ويمكن اعتبار ذلك بمثابة تفسير رسمي بكون المباراة هي الطريقة الوحيدة للتوظيف، ودون مساطر أخرى.

وبخصوص الفقرة الأولى التي تشير إلي مساطر أخرى للتوظيف، فيمكن فهمها بالرجوع إلي صيغة مشروع القانون 05-50 كما صادق عليه مجلس النواب، حيث يجدر التذكير بأن مشروع القانون المذكور بعد مصادقة مجلس النواب عليه عرف بعض التعديلات بعد إحالته على مجلس المستشارين، ومن بينها حذف الفقرة الثانية من الفصل 22، حيث كانت هذه الفقرة منسجمة مع الفقرة الأولى، إذ أن مقتضيات الفقرتين الأولى والثانية من الفصل 22 في الصيغة الأولى لمشروع القانون كما صادق عليه مجلس النواب، وردت على الشكل التالي:

“يجب أن يتم التوظيف في المناصب العمومية وفق مساطر تضمن المساواة بين جميع المترشحين، لولوج نفس المنصب، ولاسيما مسطرة المباراة.

وإذا تعذر ذلك، ولاسيما إذا كان عدد المناصب المراد شغلها طبقا لقانون المالية أو خصوصية المواصفات المطلوب توافرها في المترشحين لا يبرران تنظيم مباراة، أمكن للإدارة أن تلجأ إلي مساطر أخرى، شريطة أن يبلغ إلي العموم عدد المناصب المراد شغلها والشروط الواجب توافرها في المترشحين، ومسطرة التوظيف المعتمدة، وكذا قائمة المترشحين المقبولين”.

واضح إذن أن قراءة الفقرة الأولى على ضوء الفقرة الثانية، يجعلنا ندرك سبب ورودها بالصيغة المشار إليها، إذ أنه في الصيغة الأولى لمشروع القانون، كان التوجه يسير نحو إقرار مساطر متعددة للتوظيف شريطة أن تضمن المساواة، ولاسيما باعتماد المباراة. وبناء على ذلك يسمح للإدارات في حالات معينة كما هو الشأن عند وجود عدد محدود من المناصب المتباري بشأنها، أو بسبب خصوصية المواصفات المطلوبة في المرشحين، بعدم اعتماد المباراة، واللجوء بدل ذلك إلي مساطر أخرى للتوظيف.

وإجمالا، فإن صيغة الفقرة الأولى من الفصل 22، لا ينبغي أن تفتح المجال لأي تأويل بوجود مساطر أخرى للتوظيف إلي جانب المباراة، باعتبار أن المشرع نص على المباراة كطريقة للتوظيف، إلي جانب استثناءين وحيدين، هما امتحانات التخرج من بعض المعاهد والمؤسسات التي تقوم بالتكوين حصريا لفائدة الإدارة، وكذا الترخيص للسلطات الحكومية المكلفة بالدفاع الوطني أو الأمن الداخلي والخارجي بتجاوز مسطرة المباراة.

ولذلك، فإن أي تأويل بإضافة مساطر أخرى للتوظيف يعد خروجا عن النص، إذ أن ذلك يعتبر كما لو أنه تحديد لاستثناءات أخرى على المباراة غير واردة في النص.

لقد درج الاجتهاد القضائي ومعه الفقه في فرنسا، على اعتبار أن تحديد طرق التوظيف، يرجع إلي المشرع وحده، بوصفه يندرج في إطار الضمانات الأساسية الممنوحة للموظفين. أما السلطة التنظيمية، فيرجع لها تحديد كيفيات إعمال وتطبيق أليات التوظيف المنصوص عليها من طرف المشرع([10])، ولذلك لا غرابة إذا علمنا أن القانون رقم 83-634 بتاريخ 13 يوليوز 1983 المتعلق بحقوق والتزامات الموظفين، والذي يشكل الجزء الأول من النظام الأساسي العام لموظفي الدولة والجماعات الترابية، ينص بشكل واضح ودقيق في الفصل 16 منه على أنه يتم توظيف الموظفين بواسطة مباراة، ما عدا إذا كان هناك استثناء محدد بموجب قانون.

فالقاعدة التي يقررها التشريع الفرنسي في مجال الوظيفة العمومية إذن هي أن التوظيف يتم بموجب مباراة، وإذا كان هناك استثناء فلا يمكن إقراراه إلا بموجب قانون.

إن قراءة مقتضيات الفصل 22 في صيغته الجديدة، وبالرغم من طريقة صياغة الفقرة الأولى منه تفيد أن المباراة، وعدا الاستثناءين المشار إليهما، تعتبر هي الطريقة النظامية الوحيدة للتوظيف، وأن إقرار أي ألية أخرى غير المباراة لا يمكن أن يتم إلا بموجب قانون.

  1. تقدير آلية المباراة بين التأمين القانوني وضمان الفعالية

عادة ما يتم ربط المباراة كطريقة للتوظيف بنظام المسار المهني ( (Systeme de carriereإذ أن هذا النظام الذي يعتمد على التوظيف من أجل الاستمرار في الوظيفة والخضوع لحياة إدارية يرتكز على توظيفات موحدة عن طريق إجراء مباريات.

فإذا كانت الوظيفة العمومية الفرنسية تشكل النموذج الأول والتاريخي لنظام المسار المهني، فإن المباراة اعتبرت من مرتكزات وأسس هذا النموذج، حيث تشكل نظام الوظيفة العمومية الفرنسية تاريخيا وبشكل تدريجي من خلال مجموعة من المبادئ والقواعد من أبرزها اعتماد التوظيف على آلية المباراة.

فقد ظهر مبدأ المباراة في التوظيف منذ نهاية القرن الثامن عشر وتحديدا منذ سنة 1776 كما تم اعتماده بعد الثورة الفرنسية سنة 1789، ومنذ سنة 1875 تم استعمال المباراة كطريقة عامة للتوظيف، وتم تكريسها في قانون 19 أكتوبر 1946 بمثابة النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية الفرنسية([11])، وهكذا فإن المباراة شكلت معطى تاريخيا، وتقليدا إداريا راسخا في الوظيفة العمومية الفرنسية.

وتعد المباراة كرمز لتوحيد الوظيفة العمومية في الأنظمة التي تتبنى مبدأ المسار المهني، كما أنها تستند إلي مبدأ المساواة لولوج الوظائف العمومية، حيث ترتبط المباراة ارتباطا تاريخيا ومباشرا بهذا المبدأ، بل إن المباراة اعتبرت من طرف فقه قانون الوظيفة العمومية على أنها آلية بديهية لتطبيق هذا المبدأ منذ صدور إعلان حقوق الإنسان والمواطن في فرنسا سنة 1789 الذي أقر في الفصل 6 مبدأ المساواة لولوج المواطنين للوظائف العامة حسب كفاءاتهم، لذلك جسدت المباراة آلية لتقدير استحقاق المرشحين لولوج الوظائف العمومية، حيث اعتبر الفقه أنها تفيد الاستحقاق([12])، وأنها آلية لتطبيق وإعمال مبدأ المساواة.

فالمباراة تهدف إلي تحقيق التلاؤم والتوافق الممكن بين تحقيق المصلحة العامة للإدارة من خلال تمكينها من اختيار أفضل الكفاءات، والمصلحة الخاصة للمرشحين بتمتيعهم بالضمانات التي يفرضها إعمال مبدأ المساواة، لذلك فإنها تمثل بهذا المعنى إيجابيات لا تتوفر في طرق أخرى للتوظيف، ولعل هذا ما يفسر أن المباريات يحكمها نظام قانوني معقد يجد أساسه في نصوص قانونية وتنظيمية ومبادئ وقواعد قضائية وفقهية، هو ما يشكل النظام العام للمباريات الذي يغطى جميع مراحل تدبير المباريات. إذ أن تعقد هذا النظام وتعدد مصادره لا يبرر إلا بضرورة إحاطة المباريات بكافة الضمانات اللازمة.

كما أن المباراة ترتكز كذلك على إلزامية التوفيق بين مبدأين، هما مبدأ المساواة من جهة والفعالية من جهة أخرى، ونتيجة لذلك فالمباراة تسعى إلي إيجاد حلول لمعادلات صعبة من خلال السعي إلي التوفيق بين المتناقضات التالية:

  • احترام مبدأ المساواة لولوج الوظائف العامة والاستجابة للحاجيات الفعلية والحقيقية للإدارة؛
  • الفعالية والسرعة من جهة وضمان الشفافية والنزاهة من جهة أخرى؛
  • تضخم عدد المرشحين، وقلة عدد المناصب المتباري بشأنها.

إن تقدير آلية المباراة وتحديد قيمتها لا ينبني فقط على التأمين القانوني لها وعلى مدى احترامها للمبادئ والقواعد القانونية التي ترتكز عليها، وهى مسألة في غاية الأهمية بدون شك لأن ذلك ما يحصنها ويحدد مدى شرعيتها، لكن هذا التقدير ينبغي أن يحتكم كذلك إلي مدى فعاليتها ونجاعتها بالاستناد إلي النتائج التي تفرزها، ومدى استجابتها للحاجيات الفعلية للإدارة وتحقيقها للأهداف المرجوة من التوظيف.

لذلك، فإنه إذا كان الفصل 22 من النظام الأساسي العام للوظيفة كما تم تعديله قد أرسى المباراة كقاعدة عامة للتوظيف، فإن ذلك لا يعنى حسم النقاش في إشكالية تحديد طرق وآليات التوظيف بالإدارات العمومية، إذ أن تعميم المباراة يقتضى تحديد شكلها ونظامها وكيفيات إجراءها.

وبالرجوع إلي النظام العام السابق للمباريات بالإدارات العمومية كما حدده المرسوم الملكي رقم 401.67 بتاريخ 22 يونيو 1967، فإن المباراة تتم في شكل اختبارات كتابية وشفوية، أو كتابية فقط عند الاقتضاء، وهو نفس الشكل الذي يستفاد من النظام الجديد للمباريات المحدد بموجب مرسوم 25 نونبر 2011 السالف الذكر.

فالقاعدة العامة لشكل المباريات في الوظيفة العمومية تتمثل إذن في إجرائها في شكل اختبارات كتابية وشفوية أو تطبيقية عند الاقتضاء مع ضرورة الإشارة إلي بعض الاستثناءات، كما هو الشأن بالنسبة لمباريات توظيف أساتذة التعليم العالي المساعدين، التي تتم عن طريق اختبار خاص بشهادات المرشحين وأعمالهم يتعلق بدراسة ملف الترشيح، ثم باختبار في شكل عرض ومناقشة([13]).

إن نظام المباريات ولاسيما في الشكل الذي اتخذه من ظل المرسوم الملكي لــ 22 يونيو 1967، جعل المباراة في نهاية المطاف بمثابة مسابقة مفتوحة في وجه عدد كبير من المرشحين، يتوفرون على شهادات معينة دون مراعاة التوفر على شروط تتعلق بطبيعة المؤهلات والكفاءات من أجل التوظيف في الدرجات المعنية، وبدون أي توصيف للوظيفة.

كما أن المباريات التي تجرى عادة في شكل اختبارات كتابية وشفوية تتسم بالطابع التقليدي، وغياب المهنية، ويطغى عليها الطابع الأكاديمي والعام، بشكل يجعلها إعادة إنتاج للامتحانات المدرسية والجامعية، حيث تنصب على مواضيع عامة لا تمكن من اختبار مؤهلات المرشحين في علاقتها مع طبيعة الوظائف المراد شغلها. وهو ما يجعل المباراة في نهاية المطاف وفى أحيان كثيرة، بمثابة ألية شكلية لشغل المناصب المالية الشاغرة، وبالتالي عاجزة عن استقطاب كفاءات مناسبة لحاجيات الإدارة.

وبغاية معالجة جانب من اختلالات نظام المباريات صدر مرسوم 25 نونبر 2011 بمثابة نظام جديد لمباريات التوظيف في درجات الإدارات العمومية، والذي وبالإضافة إلي كونه تضمن مجموعة من القواعد والمبادئ المرتبطة بشفافية المباريات والتنظيم اللاممركز لها وإجراء مباريات مشتركة بين الإدارات، فقد أرسى ولأول مرة قواعد من شأنها أن تؤسس لمهنية مباريات التوظيف، حيث تضمن مقتضيات تتيح الاستعانة بالأدوات التدبيرية الحديثة للموارد البشرية ولاسيما الدلائل المرجعية للوظائف والكفاءات، وكذا إمكانية اشتراط توفر المرشح على الكفاءات والمهارات العلمية التي تتطلبها ممارسة الوظيفة المطلوب شغلها، بالإضافة إلي ربط اختيار مواضيع الاختبارات بالمتطلبات والمهارات المهنية المرتبطة بالوظيفة.

ثانيا: التأسيس القانوني للتشغيل بموجب عقد

  1. تطبيقات التشغيل بموجب عقد قبل صدور القانون 05-50

عرفت الإدارات العمومية ظاهرة تشغيل الأعوان المتعاقدين بالرغم من أن النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية لم يكن ينص على مقتضيات تسمح بذلك، حيث وجد في الإدارات العمومية بالإضافة إلي فئات الموظفين أعوانا متعاقدين تم تشغيلهم بناء على أسس مختلفة، تتمثل بالأساس في منشور رقم 22 بتاريخ 7 غشت 1961 المتعلق بالتوظيف بواسطة عقد، والذي رخص للإدارات العمومية بالتوظيف بناء على عقود، شريطة أن لا تتوفر هذه الإدارات على أنظمة أساسية خاصة بموظفيها، ونص على أن هذا التوظيف يتم في وضعية مماثلة لإحدى الدرجات النظامية.

واستنادا إلي هذا المنشور لجأت الإدارات العمومية إلي توظيف أعوان متعاقدين، بموجب عقود خاضعة للقانون العام.

يبدو واضحا أن التشغيل بموجب عقد استند على أسس هشة، وهو ما يطرح تساؤلا في العمق حول مدى شرعية اعتماد آلية التعاقد كطريقة لشغل الوظائف العمومية بواسطة منشور، ومبعث هذا التساؤل يرتبط بكون أن الأمر يتعلق بتحديد طرق شغل الوظائف العمومية، أو تحديد طرق التوظيف، وهو ما كان يستدعى إصدار قانون ينظم التشغيل بموجب عقد.

إن التشغيل بموجب عقد في وضعيات مماثلة لإحدى الدرجات النظامية يشكل استثناء حقيقيا على قاعدة جوهرية في النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية تتعلق بكون شغل الوظائف العمومية الدائمة لا يمكن أن يتم إلا طبقا للقواعد العامة للتوظيف المقررة في النظام الأساسي العام، إذ ينص الفصل 6 من هذا النظام على أنه “لا يمكن الوصول إلي مختلف الوظائف القارة إلا ضمن الشروط المحددة في هذا القانون الأساسي…”

وبالرجوع إلي مقتضيات النظام الأساسي العام المتعلقة بالتوظيف نجدها قد حصرت ولوج الوظائف العمومية الدائمة كمبدأ في وجه أشخاص مرشحين لحمل صفة “موظفين” بعد اكتمال إجراءات التوظيف، وهذا ما يتجسد في أحكام الفصل 22 السالف الذكر الذي حدد آليات التوظيف، وبناء على ذلك فإن الوظائف الدائمة لا يمكن أن يشغلها طبقا للنظام الأساسي العام أشخاص غير موظفين كما هو الشأن بالنسبة للأعوان المتعاقدين.

وفى هذا السياق نجد مقتضى واضحا في النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية الفرنسية، لا نجده في نظيره المغربي، حيث ينص القانون رقم 634-83 بتاريخ 13 يوليوز 1983 المتعلق بحقوق والتزامات الموظفين، في المادة 3 منه على أنه، باستثناء الحالات المقررة بموجب مقتضيات تشريعية، فإن الوظائف المدنية الدائمة بالدولة والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية التابعة لها يشغلها موظفون.

ولعل هذا ما يفسر أن المشرع الفرنسي دأب على إقرار التوظيف بموجب عقد بمقتضى قوانين، وهو ما يتجلى في قانون 3 أبريل 1950 الذي يتعلق بالأعوان المساعدين ومن بينهم المتعاقدين، وكذلك القانون رقم 84.16 الصادر في 11 يناير 1984 المتعلق بالمقتضيات النظامية المطبقة على الوظيفة العمومية للدولة([14]).

وعلى مستوى مضمون المنشور المشار إليه يتضح غياب أي قواعد أو ضوابط تنظم كيفيات تطبيق التعاقد، سواء تعلق الأمر بحالات اللجوء إلي تشغيل أعوان متعاقدين، أو من حيث تحديد طبيعة العقد أو مدته أو عناصر العقد.

وكان طبيعيا أن يؤدي غياب إطار قانوني واضح ومحدد للتعاقد في الوظيفة العمومية، إلي تطبيقات وممارسات حادت في كير من الأحيان عن مراعاة مبادئ المساواة والاستحقاق لولوج الوظائف العمومية، بل إن بعض الإدارات ذهبت إلي حد التوظيف في وضعيات مماثلة لدرجات نظامية محددة بموجب أنظمة أساسية موجودة سلفا، وذلك خلافا للمنشور رقم 22 المشار إليه، الذي لا يسمح باللجوء إلي التعاقد إلا في حالة عدم توفر الإدارات العمومية على أنظمة أساسية خاصة بموظفيها، وهو ما جعل التعاقد بمثابة طريقة للإفلات والهروب من طرق التوظيف النظامية ولاسيما المباراة، لذا يعتبر أمرا معبرا ما تضمنه منشور كاتب الدولة المكلف بالشؤون الإدارية عدد 11 الصادر بتاريخ 21 فبراير 1983 الذي أشار بشكل واضح إلي هذا الأمر، حيث جاء في هذا المنشور ما يلى:

“وبعد، لقد لوحظ أن بعض الإدارات تلجأ غالبا لأجل سد حاجياتها من الموظفين إلي التوظيف بموجب عقد دون مراعاة قواعد التوظيف المنصوص عليها في مختلف الأنظمة الأساسية الخاصة بموظفي الدولة، لذا يشرفني أن أذكركم أن التوظيف بموجب عقد – حسب المنشور رقم 22 و. ع. بتاريخ 7 غشت 1961 – يقتصر على الإدارات التي لا تتوفر على نظام أساسي خاص بموظفيها”.

عموما، فإن نتائج التشغيل بموجب عقد، في ظل الأساس التنظيمي المشار إليه أدت في كثير من الحالات إلي إنتاج فئة من الأعوان المتعاقدين لا تختلف كثيرا عن الموظفين النظاميين في عدة جوانب، باستثناء طريقة التوظيف.

فالأعوان المتعاقدون يشغلون غالبا وظائف تكتسى في الواقع طابعا دائما، كما أنهم وإن لم يكونوا مرسمين فهم مرتبين في درجات ورتب، حيث يحدد عقد التوظيف درجة ورتبه العون المتعاقد.

وبالنسبة لتطور مسارهم المهني فإن ترقيتهم تتم في الرتبة والدرجة وفق نفس القواعد الجارية على الموظفين، فإذا كانت الترقية في الرتبة بالنسبة للعون المتعاقد تتم وفق نفس القواعد السارية على الموظف، مع اختلاف يتمثل في إضافة أقدمية 4 أشهر على الأقدمية المطلوبة للموظف طبقا للمنشور رقم 38 بتاريخ 10 شتنبر 1963 فإن الملاحظ أن المنشور عدد 9 و. ع. بتاريخ 25 يونيو 2009، عمم جميع قواعد الترقية في الرتبة والدرجة المطبقة على الموظفين، لتجري كذلك على الأعوان المتعاقدين الذين تم توظيفهم بموجب عقود خاضعة للقانون العام في وضعيات مماثلة للدرجات النظامية.

وحتى فيما يتعلق بطبيعة العلاقة التي تربطهم بالإدارة، وعلى خلاف ما قد يعتقد، فإن الاجتهاد القضائي والفقه الفرنسيين، اعتبرا باستمرار أن هذه العلاقة هي علاقة قانونية وتنظيمية وليست تعاقدية([15])، ولعل هذا ما دفع بعض الفقه في فرنسا إلي التشكيك في وجود فئة خاصة وأصيلة للأعوان المتعاقدين([16]).

إن وضعا بهذا الشكل يجعل التساؤل يطرح بحدة حول الجدوى من وراء اعتماد التشغيل بموجب عقد في الأصل وعن مبرراته ودواعيه.

غير أن أخطر الاختلالات والعيوب التي اعترت الإطار التنظيمي للتعاقد هو ما تضمنته بعض المراسيم بمثابة أنظمة أساسية خاصة ببعض هيئات الموظفين من مقتضيات تسمح بإدماج الأعوان المتعاقدين في الدرجات النظامية([17])، مع أن إدماج الأعوان المتعاقدين يدخل في مجال القانون، باعتبار أن الإدماج هنا يتمثل في تدابير تهدف إلي ترسيم الأعوان المتعاقدين في درجات نظامية، بمعنى أن الأمر يتعلق بتخويل العون المتعاقد صفة موظف بإدماجه في إحدى هيئات الوظيفة العمومية، ويدرج الفقه وكذا الاجتهاد القضائي في فرنسا إدماج الأعوان غير المرسمين بمن فيهم المتعاقدين كطريقة من طرق التوظيف([18])، لذلك فإن الاختصاص بسن مقتضيات بإدماج الأعوان المتعاقدين يرجع إلي المشرع.

وانسجاما مع هذه القاعدة، فإن المشرع الفرنسي في إطار امتصاص العمل الهش بالإدارة، أصدر خلال فترات مختلفة قوانين تقضى بإدماج الأعوان غير المرسمين بمن فيهم الأعوان المتعاقدين([19]). كما أن المشرع المغربي نفسه في تعامله مع ترسيم الأعوان المؤقتين أصدر قانونا يتعلق بترسيم الأعوان المؤقتين والمياومين والعرضيين([20]).

وبغاية تجاوز الفراغ التشريعي في مجال التشغيل التعاقدي، نص القانون 50.05 بتغيير النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية في الفصل 6 مكرر منه على إمكانية الإدارات العمومية تشغيل أعوان بموجب عقود وفق الشروط والكيفيات المحددة بموجب مرسوم، كما نص نفس الفصل على أنه لا ينتج عن هذا التشغيل حق الترسيم في أطر الإدارة.

إن النص على التعاقد كآلية للتشغيل في النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية يمكن قراءته من حيث المبدأ في إطار الدعوة إلي انفتاح النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية على بعض تقنيات نظام التشغيل، باعتبار أن هذا النظام الأخير يرتكز على العقد كآلية أساسية للتوظيف، وقد كان النقاش حول إصلاح النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية في الندوة الوطنية المنظمة بمناسبة مرور 50 سنة على إصداره مناسبة لتتجسد هذه الدعوة([21]).

وفضلا عن ذلك، فإن التنصيص على العقد يمكن إدراجه في الرغبة في إضفاء نوع من المرونة على أحكام النظام الأساسي العام، إذ انه موازاة مع صرامة القواعد النظامية التي تحصر ولوج درجات وأطر الإدارات العمومية في التوظيف النظامي عن طريق المباراة، بموجب الفصل 22، تم إرساء إمكانية اللجوء إلي التعاقد كأداة مرنة وملائمة في يد المشغلين العموميين المعنيين، أي الإدارات العمومية والجماعات الترابية من أجل الاستجابة لحاجيات محددة أو ذات طابع خاص، لذلك فإن بعض الفقه في فرنسا اعتبر أن الأعوان المتعاقدين هم أبناء طبيعيين وضروريين لمبدأي استمرارية المرفق العام وقابليته للتبديل والتغيير([22]).

ويوضح ذلك بعض الفقه بكون اللجوء إلي المتعاقدين، يمكن أن يفسر بشكل عام بآثار نظام المسار المهني، هذا النظام الذي له مزايا عديدة فيما يتعلق بكفاءة الأعوان والتلاؤم مع استمرارية المرفق العام، يمكن أن تكون له سلبيات ترتبط بملاءمة حاجيات المرفق مع الموارد البشرية، لذلك فإنه تاريخيا ظهر اللجوء إلي الأعوان غير المرسمين بشكل عام والأعوان المتعاقدين بشكل خاص، في الوظيفة العمومية الفرنسية كوسيلة لتجاوز صرامة قواعد نظام المسار المهني([23]).

  1. نطاق وضوابط التشغيل بموجب عقد

بالرجوع إلي مقتضيات الفصل 6 مكرر يلاحظ أن المشرع أرسى فقط مبدأ إمكانية اللجوء إلي العقد كآلية لتشغيل أعوان متعاقدين دون تحديد شروط وحالات ذلك، حيث أحال تحديد هذه الشروط والكيفيات إلي مرسوم تطبيقي.

فقد جاءت مقتضيات الفصل 6 مكرر خالية من تحديد الحالات الموجبة للتشغيل بعقد، وتم النص بدل ذلك على أن إمكانية لجوء الإدارات العمومية إلي التعاقد يكون “عند الاقتضاء”، وهذه العبارة إذا كانت تفيد الطابع الاستثنائي للجوء إلي العقد، فإنها مع ذلك تظل عبارة غامضة، لأنها لا تفيد بالضبط حالات ذلك.

إن تحديد حالات اعتماد التعاقد يعتبر مسألة في غاية الأهمية والخطورة في ذات الوقت، لا يقل أهمية عن التأسيس لمبدأ التعاقد في حد ذاته، لذلك فإن المكان الطبيعي لتحديد هذه الحالات يتمثل في النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية أي الفصل 6 مكرر وليس المرسوم التطبيقي، إذ أن إعطاء السلطة التنظيمية إمكانية تحديد حالات اللجوء إلي التعاقد يعنى إطلاق سلطتها في ذلك، وقد يؤدي إلي ما يتناقض والقصد من إرساء التعاقد، والتعارض مع طبيعته الاستثنائية.

وبالاطلاع على بعض التجارب المقارنة في الموضوع، يلاحظ أن القانون رقم 84.16 بتاريخ 11 يناير 1984 المتعلق بالمقتضيات النظامية الخاصة بالوظيفة العمومية للدولة في فرنسا يحدد حالات توظيف الأعوان المتعاقدين على سبيل الحصر ولاسيما في الفصول 4 و 5 و 6 منه، ويمكن إجمال هذه الحالات فيما يلى:

  • عدم وجود هيئات للموظفين يمكن لهم القيام بالوظائف المعنية؛
  • الوظائف المنتمية لفئة أ؛
  • عندما تستدعى ذلك طبيعة بعض الوظائف بتمثيليات الدولة في الخارج؛
  • الوظائف ذات الطابع المؤقت أو الموسمي، عندما لا يمكن القيام بها من طرف موظفين.

ونفس النهج اعتمده المشرع الجزائري حيث حدد حالات التوظيف بموجب عقد في المواد 19 و 20 و 21 من الأمر عدد 03.06 المؤرخ في 15 يوليوز 2006 الذي يتضمن القانون الأساسي العام للوظيفة العمومية، وتتحدد هذه الحالات فيما يلى:

  • مناصب الشغل التي تتضمن نشاطات الحفظ أو الصيانة أو الخدمات؛
  • انتظار تنظيم مباراة توظيف، أو إحداث سلك جديد للموظفين؛
  • تعويض الشغور المؤقت لمنصب شغل؛
  • القيام بأعمال تكتسى طابعا مؤقتا.

وإذا كان الفصل 6 مكرر السالف الذكر لم يتضمن حالات التعاقد، فإنه لم يحدد كذلك مدة العقد ولا طبيعته، هل يتعلق الأمر بعقد محدد المدة أو غير محدد المدة، وهو ما يخول كذلك للسلطة التنظيمية حرية واسعة لتقدير ذلك.

عموما، فإن المشرع أرسى آلية التعاقد لتشغيل أعوان متعاقدين بكثير من الغموض وعدم التحديد، فباستثناء النص على أن التشغيل بموجب عقد لا ينتج عنه الترسيم في أطر الإدارة، فإن العناصر الأساسية لنظام التعاقد تظل غامضة وغير معروفة، وهو الأمر الذي لا يسعف على تكوين نظرة واضحة إلا بعد صدور المرسوم التطبيقي.

ومع تسجيل هذه الملاحظات فإنه يمكن مع ذلك قراءة نظام التعاقد كآلية جديدة في النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، وبالتالي محاولة تقدير موقعه، ولاسيما في ارتباط مع المباراة وتحديد بعض ضوابطه. ويمكن تحديد بعض المحددات الأساسية والضوابط العامة للتعاقد في الطبيعة الاستثنائية للتعاقد، وفى ضرورة مراعاته لمبدأي المساواة والاستحقاق.

فالطبيعة الاستثنائية للعقد بما يفيد اعتماده على سبيل الاستثناء تقتضيه أولا ومن حيث المبدأ طبيعة نظام الوظيفة العمومية المغربية الذي هو نظام للمسار المهني، إذ أن القواعد العامة لشغل الوظائف العمومية محددة بشكل دقيق في انسجام مع المنطق العام الذي يحكم الوظيفة العمومية المغربية وما يضمن التدبير الجيد لهذه الوظائف، لذلك فإن التعاقد الذي يقع خارج هذه القواعد العامة يشكل مجرد استثناء.

فقد كرس النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، الجزء الأول من بابه الرابع المعنون بالانخراط في الوظيفة العمومية ونظام الحياة الإدارية للقواعد العامة للتوظيف، ولاسيما ما تضمنه الفصل 22 والذي سبقت الإشارة إلي أنه ينص على المباراة كقاعدة عامة للتوظيف.

أما التشغيل بموجب عقد فتم التنصيص عليه كما سلف القول في الفصل 6 مكرر من الباب الأول المعنون ب “قواعد عامة وأحوال قانونية للموظفين” مباشرة بعد الفصل 6 الذي يتعلق بالتعيين في المناصب السامية، التي تتميز بطبيعتها بكونها مناصب غير قارة، والتعيين فيها قابل للتراجع عنه، وهذا ما يجعل التشغيل بموجب عقد يتم على هامش القواعد العامة للتوظيف.

إن إقرار نظام وظيفة عمومية منظم ومحدد يقوم على مبدأ المسار المهني، ويحدد قواعد دقيقة وصارمة تنظم آليات وقواعد التوظيف يتعارض من حيث المبدأ مع اعتماد، في نفس النظام قاعدة التشغيل بموجب عقد. لذلك فإن النتيجة الحتمية المترتبة عن هذا الوضع، لاسيما بعد تعميم المباراة هو أن التشغيل بموجب عقد يجب أن يكتسى طابعا استثنائيا خالصا، بحيث لا يتم اللجوء إليه إلا في حدود ضيقة وفى حالات استثنائية، أي في الوظائف التي لا يمكن بطبيعتها أن تكون قابلة للتوظيف فيها من طرف موظفين، أي طبقا للقواعد العامة للتوظيف، وكذا الوظائف التي تناسب مهاما مؤقتة أو موسمية. بيد أن فتح المجال للإدارات العمومية بالتشغيل بموجب عقد، إذا كان يشكل استثناء على المباراة، فإنه يشترك معها في المبادئ العامة التي تشكل جوهر هذه الأخيرة، ويتعلق الأمر بمبدأي المساواة والاستحقاق.

إن مراعاة مبدأ المساواة الذي كثيرا ما تم إهماله في التطبيقات السابقة للتعاقد في الوظيفة العمومية المغربية بسبب غياب إطار قانوني أو تنظيمي محدد في هذا الشأن، يفرضه أولا الدستور، حيث نص دستور 1996 في المادة 12 منه على أنه: “يمكن جميع المواطنين أن يتقلدوا الوظائف والمناصب العمومية وهم سواء فيها يرجع للشروط المطلوبة لنيلها”.

كما أن دستور 2011 نص في الفصل 31 منه على ما يلى: “تعمل الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية على تعبئة كل الوسائل المتاحة لتسيير أسباب استفادة المواطنات والمواطنين، على قدم المساواة، من الحق في:

  • …؛
  • ولوج الوظائف العمومية حسب الاستحقاق؛
  • …”.

وهو ما نص عليه كذلك الفصل الأول من ظهير 24 فبراير 1958 بمثابة النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، الذي يقضى بأنه “لكل مغربي الجنسية الحق في الوصول إلي الوظائف العمومية على وجه المساواة”.

وإذا كان التعاقد غير منصوص عليه في النظام الأساسي العام قبل صدور القانون 50.05، (أي قبل 19 ماي 2011)، فإن ذلك لا يعنى عدم خضوعه لمبدأ المساواة، باعتبار أن مبدأ المساواة لولوج الوظائف العمومية، ورد على إطلاقيته وهو يقضى بإعماله وتطبيقه بالنسبة لولوج الوظائف العمومية، بصرف النظر عن طريقة الولوج، سواء تعلق الأمر بالمباراة، أو بالتوظيف بناء على الشهادات، أو التشغيل بموجب عقد.

وبعد صدور القانون 50.05 الذي أدرج التعاقد في النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، فإن مبدأ المساواة يصبح شرطا لازما للتشغيل بموجب عقد، وهو ما يقتضى اعتماد آليات وقواعد مضبوطة لتجسيد هذا المبدأ في المرسوم التطبيقي.

إن مراعاة المساواة في التعاقد إذا كان يتيح احترام حق أساسي للمواطنين والمواطنات، فإنه يساهم كذلك في ضمان مراعاة مبدأ الاستحقاق بفسح المجال للأشخاص الأكثر استحقاقا لولوج الوظائف العمومية عن طريق التعاقد.

ولئن كان مبدأ الاستحقاق لم يتم النص عليه سابقا بشكل واضح كمبدأ عام لولوج الوظائف العمومية إضافة إلي مبدأ المساواة، فإن دستور 2011، وبالإضافة إلي تكريسه للمساواة لولوج الوظائف العمومية وجعله حقا للمواطنات والمواطنين، فقد كرس مبدأ الاستحقاق كأهم مستجد دستوري في هذا الشأن، كما أنه جعل ولوج الوظائف العمومية حسب الاستحقاق بمثابة التزام واضح على السلطات العمومية.

إذا كانت المباراة ترتكز في أساسها على المساواة والاستحقاق، فإن اعتماد التعاقد كتقنية لشغل الوظائف العمومية، يتعين تقعيده كذلك على أساس مبادئ الشفافية والتباري والتنافس والاستحقاق.


[1] القانون رقم 10-97 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1-97-165 بتاريخ 2 غشت 1997، الجريدة الرسمية، عدد 4518 بتاريخ 18 شتنبر 1997.

[2] القانون رقم 50-05 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1-11-10 بتاريخ 18 فبراير 2011، الجريدة الرسمية، عدد 5944 بتاريخ 19 مايو 2011.

[3] إن قراءة هذه الفقرة الأولي من الفصل 22 كما وردت بالصيغة الفرنسية، وهي الصيغة الأولي التي صدر بها النظام الأساسي العام، وبالتالي الجديرة بالاعتماد، تفيد بشكل واضح هذا التفسير:

Article 22 : «Sous réserve des dispositions temporaires prévues par la législation en vigueur, le recrutement a lieu dans chaque emploi soit à la suite de concours sur épreuves ou sur titres, soit à la suite des épreuves d’un examen d’aptitude ou de l’accomplissement d’un stage probatoire».

[4] كما هو الشأن مثلا للنظام الأساسي الخاص بأسلاك الإدارة المركزية والموظفين المشتركين بالإدارات العمومية الصادر بموجب مرسوم 8 يوليوز 1963 قبل نسخه بموجب المراسيم بمثابة الأنظمة الأساسية الخاصة بهيئات المتصرفين والمحررين والمساعدين الإداريين، الجريدة الرسمية، عدد 5898 بتاريخ 9 دجنبر 2010.

[5] كما هو الشأن مثلا للنظام الأساسي الخاص بهيئة التقنيين المشتركة بين الوزارات الصادر بموجب مرسوم 6 أكتوبر 1987 قبل نسخه بموجب النظام الأساسي الحالي (مرسوم 2 دجنبر 2005).

[6] تعرف الوظيفة العمومية الفرنسية آلية المباراة بناء على الشهادات بالنسبة للوظيفة العمومية الترابية.

[7] المرسوم الملكي رقم 401.67 الصادر في 22 يونيو 1967 بسن نظام عام للمباريات والامتحانات الخاصة لولوج أملاك ودرجات ومناصب الإدارات العمومية، الجريدة الرسمية، عدد 2852 بتاريخ 22 يوليوز 1967.

[8] هذا لا ينفى لجوء بعض الإدارات إلي أسلوب الانتقاء عن طريق دراسة ملفات الترشيح أو إجراء مقابلات للتوظيف.

[9] مرسوم 25 نونبر 2011 بتحديد شروط وكيفيات تنظيم مباريات في المناصب العمومية، الجريدة الرسمية، عدد 6007 مكرر بتاريخ 27 دجنبر 2011 الذى نسخ المقتضيات المتعلقة بالمباريات المنصوص عليها في المرسوم الملكي رقم 401.67 الصادر في 22 يونيو 1967 بسن نظام عام للمباريات والامتحانات الخاصة لولوج أملاك ودرجات ومناصب الإدارات العمومية.

[10] René Chapus, Droit administratif général, tome 2, 8e éditions, Montchrestien, Paris, 1995, p. 73 et 75.

[11] Eliane Ayoub, la Fonction publique, Masson, Paris, 1975, p. 95.

[12] Pierre Dabezies, « Le problème du droit à concourir », Revue de Droit public, n° 6, 1977, p. 1133.

[13] قرار وزير التعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي رقم 1125.97 بتاريخ 4 يوليوز 1997 بتحديد إجراءات تنظيم المباراة الخاصة بتوظيف أساتذة التعليم العالي المساعدين، الجريدة الرسمية، عدد 4522 بتاريخ 2 أكتوبر 1997.

[14] Jean Marie Auby et autres, Droit de la fonction publique, 2005, Dalloz, p. 455.

[15] André de Laubadère, Traité de droit administratif, tome 5, la fonction publique, L.G.D.J., Paris 2000, p. 42.

[16] Yves Gaudemet, Existe-t-il une catégorie d’agents publics contractuels de l’administration ? A.J. 1977, p. 614

[17] كما هو الشأن مثلا بالنسبة للنظام الأساسي الخاص بهيئة الأطباء والصيادلة وجراحي الأسنان المشتركة بين الوزارات الصاد ر بموجب مرسوم 6 أكتوبر 1999 الجريدة الرسمية عدد 4736 بتاريخ 21 أكتوبر 1999 (المادتين 35 و 36).

[18] Voir à titre d’exemple, Jean Marie Auby et autres, ouvrage précité, p. 163.

[19]Op. cit., p. 479 et 480.

[20] قانون رقم 28-83 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف المؤرخ في 5 أكتوبر 1984 المتعلق بترسيم بعض أعوان الإدارة في أسلاك الموظفين.

[21] ظهر هذا التوجه كذلك في بعض الدراسات، ومن بينها دراسة حول تحديث النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، صدرت في أبريل 2002، ص. 102.

[22] Gerald Sutter, Herve Zecler, « Les agents contractuels des services publics administratifs », Revue de Droit public, n° 2, 2000, p. 522.

[23] Serge Salon et Jean Charles Savignac, la Fonction publique, Dalloz, 1976, p. 314.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading