ذ. حميد ولد البلاد
قاض بالمحكمة الإدارية بالرباط
إذا كانت الإدارة كسلطة عامة تهدف بالأساس إلى إشباع الحاجات العامة لمختلف المرتفقين، وسائلها في ذلك ما توفر لديها من موارد بشرية وآليات قانونية من قبيل القرارات والعقود الإدارية، وما تسخره في سبيل ذلك من أملاك عامة سواء كانت منقولة أو غير منقولة، تقف أمام إلحاح المرتفقين في الحصول على خدمات كاملة دون انقطاع، إذا ما حدث اختل النظام العام بأكمله.
غير أنه أمام ذلك الإلحاح وما يقتضيه من استمرار تقديم الخدمات العامة بشكل مضطرد، هناك إلحاح من نوع آخر ينبعث من داخل رحم الإدارة وينتسب إليها، مصدره تلك العناصر البشرية التي تبث روحها في ذلك الكيان وتحركه، فالإدارة بالنسبة للمرتفقين في حياتهم اليومية هم أولئك الموظفون والأعوان الذين يحتكون بهم يوميا لتنفيذ المرفق العام، أما الإدارة بالنسبة لأولئك الموظفين والأعوان فهم رؤساؤهم المباشرون وأصحاب القرار الذين يحددون مسارهم المهني ويؤثرون فيه بشكل مباشر.
فالإدارة إذن، تشغل عددا كبيرا من الموارد البشرية في إطار روابط اختلف حول طبيعتها القانونية لتمر من الرابطة العقدية إلى الرابطة النظامية التي تحدد الحقوق والالتزامات وتصبح ضابطا للمطالب والاستجابات، وهكذا تختلف طرق التعبير عن المطالب والحصول على الحقوق، ليبقى الحق في الإضراب أهمها إن على مستوى علاقات القطاع الخاص أو علاقات القطاع العام غير أن إقراره وممارسته في علاقات القطاع العام ظلت محل نقاش واختلفت النظرة إليه بحسب المراحل التاريخية التي مرت من المنع المطلق إلى الاعتراف المقيد لتضع على المحك مشروعية الإضراب من جهة، ومشروعية مواقف الإدارة تجاه المضربين من جهة أخرى، وكان مدار النقاش أيهما يغلب: هل الحق في الإضراب أم استمرارية المرافق العمومية ؟ إن دراسة هذا الموضوع من وجهة نظرة قضائية تقتضي مناقشته في مبحثين: يستعرض الأول لموقف القضاء من الإضراب في القطاع العام بين المنع والاعتراف، بينما يتطرق الثاني لضوابط ممارسة حق الإضراب في القطاع العام ولجزاءات الإخلال بها.
المبحث الأول
الإضراب في القطاع العام: من المنع الى الاعتراف
إن التطور التاريخي في المنظومة القانونية المتعلقة بالإضراب في القطاع العام مر لا داخليا وخارجيا لا من مرحلة المنع شبه المطلق إلى مرحلة الاعتراف المقيد.
المطلب الأول: منع الإضراب في القطاع العام
إن أول موقف عبر عنه القضاء الإداري -ممثلا في مجلس الدولة الفرنسي -من الإضراب في القطاع العام هو المنع إلى درجة اعتباره يتجاوز الخطأ الفردي من جانب الموظف أو العون نحو التعبير الجماعي عن وضع أنفسهم خارج نطاق تطبيق الضمانات التي تقرها العقود التي تربطهم بالإدارة ([2]).
وقد انطلق هذا التوجه القضائي من تحليل الرابطة التي تجمع الموظف أو العون بالإدارة معتبرا إياها عقد القانون العام، ومؤدى ذلك أن الرابطة العقدية تنحل بمجرد حدوث الإضراب، تأثرا في ذلك بموقف محكمة النقض الفرنسية التي كانت تعتبر خلال تلك الفترة أن الإضراب يؤدي إلى فسخ عقد الشغل في القطاع الخاص. كما اعتبر نفس التوجه القضائي أن الإضراب يتناقض مع مفهوم المرفق العام الذي من بين مبادئه الأساسية الاستمرار والإضطراد، لذلك فإن الموظف أو العون المضرب يضع نفسه بإرادته خارج المرفق العام، وقرار الإدارة بعزله لا يعدو أن يكون مجرد معاينة لآثار تلك الوضعية ([3]).
غير أنه في مرحلة لاحقة وأمام الانتقادات الشديدة الموجهة لفكرة العقد في الرابطة بين الموظف والإدارة واستبدالها بالرابطة التنظيمية، أصبح مجلس الدولة الفرنسي ينظر إلى المضربين على أساس أنهم وضعوا أنفسهم خارج تطبيق القوانين التي ترسي الضمانات والحقوق ([4]).
وخلال هذه المرحلة بأكملها أقر مجلس الدولة الفرنسي بمشروعية العقوبات التي يتعرض لها الموظف المضرب دونما نظر إلى مدى ملاءمتها، وكان يكتفي بالتأكد من ثبوت واقعة المشاركة في الإضراب ليعتبرها خطأ من جانب الموظف وليعتبر أن قرار الإدارة بمعاقبته يبقى مشروعا.
وقد كان لهذا التوجه القضائي صدى واسعا، إذ تم تكريسه تشريعيا في النظام الأساسي للوظيفة العمومية (قانون 14/9/1941) على عهد حكومة فيشي، الذي أرسى مبدأ منع الموظفين من الإضرار بالاستمرار الضروري للمرفق العام تحت طائلة اعتباره إخلالا خطيرا بواجباتهم، وأنه إذا كان ذلك ناتجا عن عمل جماعي أو مدبر، فإن الموظف يحرم من الضمانات التأديبية المنصوص عليها في ذلك القانون.
أما في المغرب، فإن الفصل 5 من المرسوم رقم 1465-57-2 بتاريخ 1958/2/5 بشأن مباشرة الموظفين للحق النقابي جاء نسخة طبق الأصل للفصل 17 من قانون 1941/9/14 المتعلق بالنظام الأساسي للوظيفة العمومية بفرنسا المشار إليه سابقا، لذلك فقد تأثر المجلس الأعلى بالتوجهات التي أرساها مجلس الدولة الفرنسي خلال هذه المرحلة، إذ أكد في أحد قراراته ([5]) أن ظهير 24 فبراير 1958 لم يلغ الفصل 5 من مرسوم 1958/2/5 الذي استبعد التمتع بالضمانات التأديبية في حالة الإضراب المدبر عن العمل، معتبرا -على هدي مجلس الدولة الفرنسي -أن الإضراب الجماعي عن العمل يؤدي بالموظفين إلى وضع أنفسهم خارج نطاق تطبيق المقتضيات القانونية المتعلقة بالوظيفة العمومية التي تضع الحقوق مقابل الالتزام بالممارسة الفعلية والمستمرة للوظيفة باستثناء التغيبات المبررة. فقد كان موقف المجلس الأعلى واضحا، فإضراب الموظفين مسألة ممنوعة بمقتضى السلطة المخولة لرئيس الإدارة في اتخاذ التدابير الضرورية لضمان استمرار المرفق العام، ومن بينها منع كل توقف مدبر وجماعي عن العمل بمقتضى مرسوم 1958/2/5 ([6]).
فخلال هذه المرحلة إذن، كان هناك منع تشريعي صريح وتشدد قضائي تجاه إضراب الموظفين، غير أنه سرعان ما بدأ يتحول ذلك نحو الاعتراف التدريجي بممارسة حق الإضراب وبحدود سلطات الإدارة تجاه المضربين.
المطلب الثاني: الاعتراف المقيد بحق الإضراب في القطاع العام
لقد دشن مجلس الدولة الفرنسي لمرحلة جديدة في نظرته إلى الإضراب في القطاع العام من خلال قراراه الشهير الصادر بتاريخ 1950/7/7 Dehaene وتتلخص وقائع هذا النزاع في أن السيد Dehaene ([7]) الذي كان يعمل رجل سلطة (رئيس مكتب) بولاية Indre-et-Loire خاض إضرابا مهنيا إلى جانب باقي موظفي الولايات ابتداء من 1948/7/13 وعلى إثر ذلك وجه وزير الداخلية إلى الولاة كتابا يحثهم على توقيف رجال السلطة المضربين، فأصدر الولاة قراراتهم بالتوقيف، غير أن الإضرابات لم تنته إلا بعد أسبوع، وعقب رجوعهم إلى العمل تلقى رجال السلطة المضربون عقوبات التوبيخ بسبب مشاركتهم في تلك الإضرابات، فتقدموا بالطعن أمام مجلس الدولة الذي وإن كان قد رفض الطعون المذكورة غير أن الجديد في توجهه إقراراه بممارسة حق الإضراب، انطلاقا من تصدير الدستور (دستور الجمهورية الرابعة) الذي كان ينص عليه أن ” حق الإضراب يمارس في إطار القوانين التي تنظمه “، وإبان تلك الفترة كان هناك قانونان يعالجان نسبيا مسألة الإضراب في القطاع العام، قانون 1947/12/27 حول الشركات الجمهورية للأمن الذي حرم أعضاءها من حق الإضراب وشبهه بمغادرة العمل (ترك الوظيفة)، وقانون 1948/9/28 المتعلق بالشرطة الذي نص على أن “كل توقف مدبر عن العمل يمكن أن يعاقب عليه خارج الضمانات التأديبية “، غير أن مجلس الدولة خلص إلى أن القانونين المذكورين لا ينظمان مسألة الإضراب بشكل كامل مقرا بحرية ممارسته من جهة وبحق الإدارة في الحد من تلك الممارسة متى كان هناك تعسف في استعماله حفاظا على استمرار المرافق العمومية.
وباعترافه بحق الإدارة في منع الإضراب بعدما تبين لها أن من شأنه عرقلة الوظيفة التي تمارسها الولايات ويشكل خطرا كبيرا على النظام العام، لذلك فإن الموظفين الذين خالفوا الأوامر الإدارية بالامتناع عن خوض الإضراب يكونوا قد ارتكبوا مخالفة تأديبية تبرر معاقبتهم بالتوبيخ.
غير أن ما يهم في هذا القرار ذلك النسق التحليلي الذي اعتمده مجلس الدولة لاستبعاد الاعتراف القانوني 27/ 12/1947 و28/9/1948 ببعد تنظيمي عام لمسألة الإضراب، ليعتبر مجال تطبيقهما منحصرا على الأسلاك الوظيفية التي يشملانها، ولتصبح القاعدة العامة ما ورد في تصدير الدستور من الإقرار بحق الإضراب، إلا أن إقراره بشكل مطلق لا ينفي حق الإدارة في تحديد طبيعة ومدى القيود التي ترد على ذلك الحق تحت رقابة القاضي.
وإعمالا لرقابته، استخلص القضاء مجموعة من المبادئ التي ينبغي أن تخضع لها ممارسة حق الإضراب، منها:
- إضراب الأعوان العموميين حق مشروع من حيث المبدأ باستثناء الأعوان الممنوعين صراحة.
- يجب أن ينصب الإضراب على الدفاع عن مصالح مهنية محضة، ومن ثم فإن الإضراب السياسي غير مشروع ([8]).
- يجب أن يتلاءم حق الإضراب مع الالتزام بالتحفظ ([9]).
- يمكن للحكومة اتخاذ الإجراءات اللازمة لتجنب الاستعمال السيء أو المنافي لمتطلبات النظام العام، غير أنها تخضع في ذلك لرقابة القاضي.
- في غياب العمل الفعلي المنجز لا يستحق الموظف أجرة فترة الانقطاع ([10]) عن العمل بسبب الإضراب. وعلى ضوء المبادئ المذكورة، صدر قانون 31/7/1961 لمنع الإضرابات المفاجئة والشاملة، متبنيا مبدأ جديدا هو ضرورة إخطار الإدارة بمكان وتاريخ وساعة ومدة الإضراب وكذا أهدافه (الفصل 3 من القانون)، ومعتبرا أن عدم الالتزام بتلك الشكليات يعرض الموظفين للمساءلة التأديبية دون عرضهم على المجلس التأديبي والاكتفاء باستفسارهم فقط.
أما بالنسبة للتشريع والقضاء المغربيين، فالجديد أن الفصل 14من دستور 1962 تضمن صراحة ” أن حق الإضراب مضمون، وسيبين قانون تنظيمي الشروط والإجراءات التي يمكن معها ممارسة هذا الحق ” غير أنه لحد الآن لم يصدر ذلك القانون التنظيمي، مما أدى إلى اختلاف التفسيرات لمضمون ذلك الفصل ومدى تعليق ممارسة حق الإضراب على عدم وجود ذلك القانون ([11]) أم أن مرسوم 5 فبراير 1958 يبقى ساري المفعول إلى حين صدور القانون التنظيمي؟ والواقع أن تتبع الاجتهاد القضائي الناذر في مثل هذا النزاعات يبين وجود تفسيرين لهذه الإشكالية، فمن جهة هناك قرار صادر عن المجلس الأعلى بتاريخ 1984/5/25 ([12])، اعتبر -أمام عدم وجود قانون تنظيمي حول الإضراب -أن التوقف المدبر عن العمل يكون سببا لصدور عقوبات في مواجهة الموظف مطبقا بذلك مقتضيات الفصل 5 من مرسوم 5/2/1985. وفي مقابل ذلك هناك توجه حديث دشنته المحكمة الإدارية بمكناس في قضية شيبان ([13])، اعتبرت من خلاله أن المبدأ يقتضي اعتناق النص الدستوري الذي يضمن حق الإضراب مستبعدة بذلك التطبيق العام لمرسوم 1958/5/2، غير أنها أكدت على ضرورة ممارسته بشكل يمنع إساءة استعماله ويضمن انسجامه مع مبدأ استمرارية المرفق العام وإمكانية تقييده ببعض الإجراءات، تماما وفق المنهج الذي اتبعه مجلس الدولة الفرنسي في قضية Dehaene وقد انتهت تلك المحكمة إلى إلغاء قرار بمعاقبة أحد الموظفين بسبب مشاركته في الإضراب بعدما وقفت على مشروعية الإضراب وعلى عدم الخروج عن ضوابطه.
وقد سارت المحكمة الإدارية بالرباط في نفس التوجه مؤكدة أن إضراب الموظفين من الحقوق المكفولة بمقتضى الدستور ولا يحول تأخر صدور القانون التنظيمي دون ممارسته ([14])، غير أنها أعملت اجتهادها لوضع ضوابط ممارسة ذلك الحق في إطار التوقيف بين تكريسه الدستوري ومبدأ استمرار المرافق العمومية.
المبحث الثاني
ضوابط ممارسة حق الإضراب في القطاع العام وجزاءات الإخلال بها
أمام الفراغ التشريعي، تدخل القضاء -في إطار دوره الإنشائي -من أجل وضع ضوابط تسمح بالتوقيف بين ممارسة حق الإضراب ومتطلبات استمرار الموفق العام، غير أن الإخلال بها قد يعرض الموظف إلى المساءلة التأديبية، لتبقى جزاءات أخرى (الاقتطاع من الراتب) واردة حتى مع الالتزام بتلك الضوابط.
المطلب الأول: ضوابط ممارسة حق الإضراب في القطاع العام
أمام عدم صدور القانوني التنظيمي الذي من المفروض أن يبين شروط وإجراءات ممارسة حق الإضراب، فقد تدخل القضاء الإداري في إطار دوره الإنشائي لوضع بعد الضوابط الضرورية للتوفيق بين الإضراب كوسيلة ضرورية للدفاع عن المطالب المهنية وبين الحفاظ على السير الجيد للمرافق العمومية واستمرارها ([15])، وتتلخص أهم تلك الضوابط في:
- الإخطار: Préavis
أول ضابط تخضع له ممارسة حق الإضراب هو شكلية الإخطار préavis، وهي شكلية تضمنها الفصل 3 من قانون 31/ 7/ 1961 المتعلق ببعض أشكال الإضراب في المرافق العمومية (فرنسا)، على أساس أن يتم تبليغه إلى الإدارة بخمسة أيام كامله، لتمكينها من اتخاذ الاحتياطات اللازمة لضمان استمرار المرفق العام، وينبغي أن يتضمن الإخطار تحديدا واضحا لمكان وتاريخ وساعة ومدة الإضراب مع تحديد الأسباب الداعية إلى خوضه، على أساس أن يوجه إلى السلطة الإدارية المؤهلة لتلقيه ([16]).
والإخطار بهذا المعنى يشجع الحوار بين الموظفين والإدارة لتمكين هذه الأخيرة مع التعرف على مطالب موظفيها ([17]).
غير أن شكلية الإخطار لا تنطوي على ضرورة الحصول على ترخيص لممارسة هذا الحق، فهو من الحقوق التي لا تتوقف ممارستها على الترخيص أو الطلب ([18]).
- موضوع الإضراب وأهدافه
إن المنطق يقتضي أن الإضراب وسيلة للدفاع عن المطالب المهنية، لذلك فإن موضوعه وأهدافه لا ينبغي أن تخرجان عن المسائل المهنية المحضة.
إذ ورد في قرار مجلس الدولة الفرنسي ([19]) أن الهيئة التأسيسية عندما أشارت في تصدير الدستور إلى أن حق الإضراب يمارس في إطار القوانين التي تنظمه، فإنها تكون قد وجهت دعوى للمشرع قصد البحث عن التوفيق الضروري بين الدفاع عن المصالح المهنية التي يشكل الإضراب أحد صوره وبين الحفاظ على المصلحة العامة التي قد تتضرر من ذلك الإضراب.
كما أكدت المحكمة الإدارية بالرباط أن الإضراب ينبغي أن يكون لأسباب مهنية ([20])، لذلك فإذا أخرج الإضراب عن ذلك الموضوع وعن تلك الأهداف، يصبح عملا غير مشروع، كما هو الشأن بالنسبة للإضراب لأهداف سياسية.
- يجب التوفيق بين ممارسة حق الإضراب وواجب التحفظ
فالمبدأ أن الموظف العمومي مطوق بواجب التحفظ الذي يستخلص من مقتضيات الفصل 13 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية من خلال نصه على أنه ” يجب على الموظف في جميع الأحوال أن يحترم سلطة الدولة ويعمل على احترامها ويتجلى واجب احترام سلطة الدولة في احترام الموظف لرؤسائه سواء المباشرين أو الأعليين “
وانطلاقا من التنصيص على ذلك الواجب، فإن ممارسة حق الإضراب ينبغي ألا تتجاوز ذلك الواجب نحو استعمال عبارات أو حركات تنطوي على الإخلال به ([21]).
- ممارسة حق الإضراب لا تخول احتلال الأماكن الإدارية
فالأصل أن الأماكن الإدارية مخصصة لخدمة المرتفقين ومحل عمل الموظفين، ومن ثم، فإذا ما عزم هؤلاء على خوض إضراب، فإن ذلك لا يخولهم احتلال الأماكن الإدارية أو منع المرتفقين من ولوجها ([22]).
- تنافي الإضرابات المفاجئة والشاملة مع الممارسة العقلانية لحق الإضراب
الإضرابات المفاجئة تتنافي مع حق الإضراب الذي ينبغي أن يبقى منسجما مع استمرار المرافق العمومية، لذلك، فإن ممارسة حق الإضراب تقتضي احترام مبدأ الإخطار المشار إليه سابقا.
أما الاضرابات الشاملة أو العامة، فهي التي تنطوي على توقف العمل بشكل تسلسلي أو دوري مدبر بين مختلف القطاعات أو الطبقات المهنية (الأسلاك الوظيفية) في نفس المؤسسة أو المرفق أو الهيئة، وقد نص الفصل 4 من قانون 1963/7/31) فرنسا ) على منع هذا النوع من الإضرابات لكونه يؤدي إلى تعطيل المرفق العام ويمس بشكل خطير بالنظام العام.
- الحدود الزمنية للإضراب
إن مسألة محدودية المدة الزمنية المخصصة للإضراب من المسائل الدقيقة، فإذا كان الأصل أن الإضراب هو -في تعريفاته المستعملة -توقف مؤقت عن العمل، فإن حدود المدة المعقولة للتوقف لا تستوجب وضع ضابط زمني محدد بالنظر إلى اختلاف طبيعة المرافق العمومية واختلاف درجة إلحاح الخدمات التي تقدمها. ومع ذلك، فإن القضاء يلح على قصر مدة الإضراب ([23]) ويرجع إليه تقدير ما إذا كانت مدة الإضراب معقولة بالنظر إلى طبيعة المرفق أخذا بعين الاعتبار حساسية بعض المرافق العمومية التي تقتضي ضمان تقديم حد أدنى من الخدمات ([24]).
والملاحظ في مجموع الضوابط التي تخضع لها ممارسة حق الإضراب أنها محاولة للتوفيق بين ذلك الحق ومتطلبات استمرار المرفق العام والحفاظ على النظام العام، غير أنه يترتب عن عدم احترامها أن تصبح ممارسة ذلك الحق متعارضة مع تلك المتطلبات بما قد تؤدي إلى تعريض الموظف المضرب إلى المساءلة التأديبية.
المطلب الثاني: جزاءات الإخلال بضوابط ممارسة حق الإضراب
إذا كانت النتيجة الحتمية لممارسة حق الإضراب خارج الضوابط المشار إليها سابقا اعتبار الموظف مرتكبا لخطأ مهني يعرضه للمساءلة التأديبية، فإنه حتى مع احترامه لجميع تلك الضوابط قد يتعرض للاقتطاع من راتب اليوم الذي خاض فيه الإضراب تطبيقا لقواعد محاسباتية.
فبالنسبة للمساءلة التأديبية، فإن ممارسة الإضراب خارج تلك الضوابط تجعله عملا غير مشروع من جانب الموظف، لأن خروج الإضراب عن ضوابطه يؤدي إلى تعارض مطلق مع المرفق العام، فوحدها تلك الضوابط تضمن التوفيق بينهما. إذ بتعارضه مع المرفق العام، يؤدي الإضراب بأصحابه إلى وضعهم خارج تطبيق القوانين التي ترسي الضمانات والحقوق.
فخوض إضراب خارج تلك الضوابط يصبح سببا لتدخل الإدارة بإنزال العقوبة على الموظف ([25])، غير أنه طالما كان الإضراب محترما للضوابط التي أرساها الاجتهاد القضائي، فإن ممارسته لا تشكل خطأ من جانب الموظف ومن ثم لا يمكن معاقبته من أجل ذلك ([26]).
وهذا هو الجديد في العمل القضائي، فقد تحول -على مستوى المنازعات التأديبية -من نظرة مجردة إلى الإضراب باعتباره خطأ موجبا للمساءلة التأديبية، إلى التمييز بين ما إذا كانت ممارسته في احترام لتلك الضوابط وفي انسجام مع متطلبات سير المرفق العام ولا يشكل بالتالي أي إخلال مهني كما لا تستوجب العقاب، وبين الممارسة المتعسفة لهذا الحق خارج ضوابطه التي تشكل خطأ موجبا للعقاب.
غير أنه لا ينبغي الخلط بين مشروعية ممارسة حق الإضراب بالنظر إلى احترام تلك الضوابط من عدمه، وبين اقتطاع راتب الموظف المتوقف عن العمل أو المتغيب عنه دون الحصول على ترخيص.
فالاقتطاع المذكور يجد أساسه القانوني في القانون رقم 81.12 ([27]) بشأن الاقتطاعات من رواتب موظفي وأعوان الدولة والجماعات المحلية المتغيبين عن العمل بصفة غير مشروعة، إذ ورد في فصله الفريد ” بصرف النظر عن العقوبات التأديبية المنصوص عليها في الظهير الشريف رقم.1.58.800 بتاريخ 4 شعبان 1377 (24 فبراير 1958 ) بمثابة النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية يخضع راتب كل موظف أو عون للدولة أو للجماعات المحلية المتغيبين عن العمل خلال فترة من اليوم بدون ترخيص لاقتطاع تحدد شروطه وكيفياته بموجب نص تنظيمي “، كما يجد أساسه أيضا في الفصل 41مكرر من النظام العام للمحاسبة العمومية ([28]) الذي يقتضي ألا يكون الأداء إلا بعد التأكد من إنجاز العمل.
وهذه القاعدة (العمل المنجز) هي التي يطبقها مجلس الدولة الفرنسي ([29])، معتبرا أن الموظف لا يستحق الأجر عن مدة توقفه عن العمل لعدم إنجازه لأي خدمة.
وهو نفس التوجه الذي تبناه القضاء المغربي، مع اختلافات بسيطة في الأسس المعتمدة في ذلك التوجه. فمن جهة، هناك أحكام صادرة عن المحكمة الإدارية بالرباط ([30]) اعتبرت أن الموظف المضرب دون احترام ضوابط ممارسة هذا الحق يفقد حقه في الحصول على أجرة ذلك اليوم، انطلاقا من أن تغيبه عن العمل لم يكن مبررا.
والواقع أن هذا التحليل قد يوحي بأنه في حالة ممارسة الإضراب وفقا لضوابطه فإن الموظف المضرب يبقى محتفظا بحق الحصول على أجرة يوم الإضراب، غير أن المحكمة الإدارية بأكادير ([31]) ربطت بين الحصو ل على الأجرة خلال يوم التغيب أو التوقف (بسبب الإضراب) وبين حصول الموظف على ترخيص بذلك التغيب في إطار تطبيق قانون 81.12 بعدما استعرضت لحالات الحصول على الأجرة رغم عدم إنجاز العمل في إطار الرخص الإدارية سواء السنوية أو الاستثنائية أو رخص التغيب.
وقد كانت محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط أكثر وضوحا، عندما اعتبرت ([32]) أن ممارسة حق الإضراب في شكل امتناع عن العمل يؤدي إلى فقدان حق الحصول على أجرة ذلك اليوم في إطار الفصل 41 من قانون المحاسبة العمومية وقانون 81.12 نظرا لعدم حصول الموظف المضرب على رخصة بالتغيب عن العمل، كما كانت أكثر وضوحا عندما اعتبرت أنه ليس من الضروري أن يتم الإضراب في شكل الانقطاع عن العمل لشل حركة المرافق العمومية. وتبدو بذلك كأنها تؤسس لتوجه جديد حول الإضراب في المرافق العمومية نحو البحث عن صوره الأنجع بالنسبة لذوي المطالب المهنية في انسجام تام مع مبدأ استمرار المرافق العمومية، داعية الأطراف إلى التخلي عن الإضراب في صورته التقليدية من خلال التوقف المؤقت عن العمل إلى ابتداع صور أخرى تضمن حرية ممارسته والتعبير عن المطالب المهنية دونما إضرار باستمرار المرافق العمومية. غير أنه يجدر التذكير أن جميع التوجهات القضائية الوطنية في هذا الموضوع لم تصبح بعد اجتهادات متواترة لكون المجلس الأعلى لم يقل كلمته حولها بعد.
وإذا كان العمل القضائي -سواء المقارن أو الوطني -قد مر في توجهاته بخصوص الإضراب في القطاع العام من مرحلة المنع المطلق إلى الاعتراف التدريجي المقيد في إطار ضوابط معينة، فما ذلك إلى انعكاس لطبيعة المناخ السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي عرفه كل مجتمع، غير أن هاجسا أساسيا ظل من ثوابت هذا الموضوع بالنظر إلى أنه خاصية تميز بها ظهور ونشأة القضاء الإداري وخاصية من خصوصات القانون الإداري بصفة عامة وهي فكرة المرفق العام.
غير أن أجواء الانفتاح الديمقراطي شجعت الاجتهاد القضائي على التراجع عن كثير من مظاهر التشدد سيما على مستوى النظر إلى ممارسة حق الإضراب كخطأ من جانب الموظفين والتخفيف من حالات تعريضهم للتأديب بعدما أنشأ بعض الضوابط جعل من احترامها في الإضراب حصانة للموظف من كل متابعة تأديبية. ومع ذلك فإن دواعي المحاسبة العمومية تقتضي حرمان الموظف من أجرته في حالة عدم إنجاز أي عمل سيما إذا كان ذلك خارج حالات التغيب المرخص بها، لذلك فحتى في حالة احترام المضربين لجميع ضوابط ممارسة حق الإضراب فإن استمراره في نفس الصورة (التوقف عن العمل)، وإن كان يعفيهم من المتابعة التأديبية فإن أجورهم تبقى عرضة للاقتطاع، وكان الأمر يعكس تضحية من جانبهم بتلك الأجور مقابل التمسك بممارسة حق الإضراب في الصورة المذكورة.
وعلى أي حال، فإن التدخل التشريعي (القانون التنظيمي) حول تقنين شروط وإجراءات ممارسة حق الإضراب أصبح ضرورة ملحة لوضع تعريف موحد لمضمون وصور هذا الحق وملاءمة التشريعات الأخرى معها سيما في مجال المحاسبة العمومية.
[1] ورقة مقدمة للندوة المنظمة من طرف رابطة المفتشين الإقليميين والمتصرفين بوزارة المالية بالرباط يوم 2008/7/5 تحت موضوع ” حق الإضراب بين القانون والممارسة”
[2] C.E 7/8/1909, Winkell, cité dans les grandes arrêts de la jurisprudence administrative, 7e édition, sirey, Paris 1978, p. 90.
[3] Voir : – C.E. 6/8/1910 Amalric et autres.
- C.E. 1/3/11912 Tichit et autres.
- C.E. 14/3/1912 Delle Mondot et autres.
- C.E. 24/6/1921 Nos et autres.
- C.E. 18/4/1947 Jarrigion,op.cit, p. 91 et 92.
[4] Voir : C.E.22/10/1937 Delle Minaire et autres.
C.E. 10/12/1943 Firdion,op.cit, p.92.
[5] المجلس الاعلى، قرار بتاريخ 1961/4/17 محمد الحيحي ضد وزير التربية الوطنية، أشار إليه محمد الاعرج، أ.م.م.إ.م.ت، عدد 68، ص 126 .
[6] Mohammed Amine Benabdallah, « La constitutionalité du droit de grève dans la fonction publique », Note sous T.A, Meknès, 12 juillet 2001, Chibane, REMALD, n° 44-45, p. 130.
[7] C.E. 7 juillet 1950, Dehaene, Rec. 246, Les grandes arrêts, p. 342.
[8] C.E. 18/2/1955 Bemot, Rec.97.
– C.E.8/2/1961 Rousset, Rec.85 Concl. Braibant
[9] C.E. 12/10/1956 Delle Coquand, Rec.362.
[10] C.E. 21/4/1950 Syndicat des agents techniques de la marine militaire d’Oran, Rec. 225.
[11] Mohammed Amine Benabdallah, « De la legalite du droit de greve dans la fonction publique », REMALD n° 70, 2006, p. 65 et suiv.
[12] قرار بتاريخ 1984/5/25 إدريس نداء ضد وزير البريد والمواصلات السلكية واللاسلكية، أورده محمد الأعرج، م.ر، ص. 127.
[13] المحكمة الإدارية بمكناس، حكم عدد3/2001/63 غ بتاريخ 2001/7/12 في الملف 3/2001/35غ.
[14] المحكمة الإدارية بالرباط، حكم عدد 141 بتاريخ 2006/2/7 في الملف 33/1/05 أنظر نفس المحكمة، حكم عدد 2673 بتاريخ 2007/12/25 في الملف 07-420غ
[15] Mohammed Amine Benabdallah, REMALD, n° 44-45, op.cit., p. 133.
والمحكمة الإدارية بمكناس حكم عدد 63/2001/3 بتاريخ 12/7/2001 ملف 3/2001/35 غ.
[16] C.E. 16/01/1970, Hopital rural de Grandevilliers, C Dame Poinsard,Rec 25.
والمحكمة الإدارية بالرباط، حكم عدد 141 بتاريخ 07/02/2006 في الملف 05/1/33.
[17] Mohammed Amine Benabdallah, “De la legalite d’exercice du droit de greve dans la fonction publique”, REMALD, n° 70, p. 67.
[18] حكمي المحكمة الإدارية بالرباط المشار إليهما سابقا.
[19] C.E. 07/07/1950, Dehaene, Rec, 246,op.cit., p. 342
[20] C.E. 18/2/1955m Bernot,Rec 97.
– C.E. 08/02/196l, Rousset, Rec 85, Concl.Braibant.
حكمي المحكمة الإدارية بالرباط المشار إليهما.
[21] C.E. 12/10/1956,Dclle Coquand,Rec 362.
وقرار عدد 621 صادر عن محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط بتاريخ 19/9/2007 في الملف عدد 36/06/5.
[22] C.E.l 1/02/1966,Legrand,Rec 110.
[23] المحكمة الإدارية بمكناس، في الحكم السابق أشارت إلى أن الاضراب لم يدم سوى يوم واحد.
[24] Mohammed Amine Benabdallah, « De la legalite d’exercice du droit de greve dans la fonction publique », op.cit, p. 68.
[25] قرار عدد 621 صادر عن محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط بتاريخ 2007/9/19 الملف 05/06/36.
وحكم عدد 10 صادر عن المحكمة الإدارية بوجدة بتاريخ 2006/2/16 في الملف 113/04 غ.
[26] حكم المحكمة الإدارية بمكناس، المشار إليه سابقا.
[27] ج. ر. عد د 3764 بتاريخ 1984/12/10.
[28] المرسوم الملكي عدد 66-330 بتاريخ 10محرم 1387 (1967/4/21) ج.ر عدد 2840 بتاريخ 1967/4/26.
[29] C.E. 21/4/1950, Syndicat des agents techniques de la marine militaire d’Oran, Rec 225. C.E. 9/4/1954, Caubel, Rec 225.
[30] الاحكام المذكورة سابقا.
[31] المحكمة الإدارية بأكادير، حكم عدد 248 بتاريخ 2005/12/22 في الملف عدد 185/2005.
[32] محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط، قرار عدد 730 بتاريخ 2007/10/17 في الملف عدد 201/07/05، وكذا قرارات عدد 731و732 و733و734و735و736و737 صادرة عن نفس المحكمة بنفس التاريخ.


