بومدين كعيبيش: طالب دكتوراه
تخصص القانون الجنائي للأعمال
كلية الحقوق والعلوم السياسية
جامعة أبو بكر بلقايد  تلمسان
koibich.boumediene@outlook.fr

 

مقدمة:

تولي الجزائر على غرار باقي الدول أهمية كبيرة لمجال البناء عموما والسكن على وجه التحديد لما له من مكانة هامة سواء على الصعيد الاقتصادي أو الاجتماعي، وتجسد ذلك من خلال تخصيص ميزانيات ضخمة لإعداد برامج سكنية ومدن حديثة وفق نسيج عمراني منظم.

ورغم هذه الجهود المالية للسلطات العمومية. إلا أنها لم تتوصل إلى الوفاء باحتياجات المواطن. نتيجة محدودية موارد الدولة من جهة ومن جهة أخرى لسوء التسيير وعدم الدقة في اتخاذ القرارات لعدم وجود رؤية وسياسة واضحة يمكن اتباعها في مجال السكن. وأمام ارتفاع نسبة النمو الديموغرافي للسكان والنزوح الريفي الذي تزايد نتيجة انعدام الأمن. كل هذه العوامل مجتمعة أدت إلى جعل عنصر السكن يقل بكثير عن الطلب عليه وهو ما هيأ ظرفا مناسبا لتولد أزمة السكن الخانقة التي عرفتها الجزائر.

نتيجة لذلك بات من الضروري النهوض بهذا القطاع من خلال سياسة كفيلة بتحقيق نتائج في مستوى تطلعات برامج السكن المسطرة التي يجب أن تكون على رأس قائمة الأولويات الوطنية. ومن هنا جاءت ضرورة لجوء الإدارة العمومية إلى أسلوب الصفقات العمومية كأهم وسيلة وضعها المشرع فييد الإدارة العمومية لتنفيذ العمليات المتعلقة بإنجاز الأشغال سواء كانت أشغال عمومية أو بناء السكنات أو المرافق العامة ([1])، حيث تلجأ الدولة إلى التعاقد مع مؤسسات مقاولة متخصصة في مجال البناء سواء كانت وطنية أو اجنبيه من اجل تجسيد برامجها و تنفيذ مخططاتها، غير أن بعض المقاولين ونظرا لاستثمار أموال ضخمة في مجال البناء أصبحوا يجدون في عمليات البناء تجارة مربحة مما أدى ببعضهم إلى السرعة في إنجاز المباني التي آلت إليهم بموجب صفقات عمومية، الأمر الذي قد يكون على حساب متانة هذا البناء وقوة تحمله، وذلك نتيجة لعدم الدقة في التنفيذ أو إمكانية استعمال طرق الغش باستخدام مواد غير مطابقة للمواصفات الفنية بغية تحقيق المزيد من الربح.

كل ذلك حتم على المشرع التصدي لهذه الظاهرة الخطيرة من خلال تحديد مسؤولية المقاول وأنواع العقوبات التي يمكن أن تسلط عليه، غير أن الأمر يقتضي منا بداية تحديد أهم الالتزامات التي تقع على عاتق المقاول والتي يترتب عن الإخلال بها قيام تلك المسؤولية وهو ما سنحاول معالجته وفق مبحثين:

المبحث الأول: التزامات المقاول في مجال البناء.

المبحث الثاني: الجزاءات (العقوبات) المترتبة عن إخلال المقاول بالتزاماته.

المبحث الأول: التزامات المقاول في مجال البناء:

يقع على عاتق المقاول بمجرد انعقاد الصفقة ودخولها حيز التنفيذ عدة التزامات يمكن تقسيمها إلى التزامات متعلقة بطبيعة الصفقة العمومية باعتبارها عقد إداري تم تمويله بأموال عمومية، والتزامات أخرى متعلقة بمضمون الصفقة العمومية المتعلق بأشغال البناء.

المطلب الأول: التزامات المقاول المتعلقة بطبيعة الصفقة العمومية:

يمكن تقسيم هذا النوع من الالتزامات بدوره إلى صنفين الأول يتعلق باحترام مختلف القوانين والمراسيم. والثاني يتعلق بالتنفيذ الشخصي للصفقة العمومية.

الفرع الأول: من حيث احترام المراسيم والقوانين:

يلتزم المقاول المتعاقد أثناء تنفيذه للصفقة العمومية المتعلقة بأشغال البناء بالخضوع إلى مختلف القوانين والمراسيم المتعلقة بتنظيم مهنته وكذا بالقوانين المنظمة لكيفيات تنفيذ الصفقة العمومية المتعلقة بأشغال البناء.

أولا: تطبيق التشريع الخاص بالصفقات العمومية:

في هذا الصدد تنص المادة الأولى من المرسوم الرئاسي 247/15 المؤرخ في 16 سبتمبر 2015 المتضمن تنظيم الصفقات العمومية وتفويضات المرفق العام على أنه يتم تطبيق سياسة إعداد وإبرام وتنفيذ ومراقبة الصفقات العمومية وتفويضات المرفق العام التي تبرمها على التوالي المصالح المتعاقدة والسلطات المفوضة طبقا للقوانين والتنظيمات المعمول بها وأحكام هذا المرسوم.

كما تنص المادة 95 من نفس المرسوم على أنه يجب أن تشير كل صفقة عمومية إلى التشريع والتنظيم المعمول بهما وإلى هذا المرسوم وهو نفس الأمر الذي أشارت إليه مختلف النصوص المتعاقبة المنظمة للصفقات العمومية.

ومن هنا يظهر انه حتى ولو أغفلت الصفقة العمومية ذكر بعض الالتزامات التي تقع على عاتق المقاول أثناء إعدادها يبقى هذا الأخير ملزم باحترام المرسوم الرئاسي المتعلق بالصفقات العمومية.

ثانيا: احترام القوانين المنظمة لمهنة المقاول:

يتعين على المقاول في إطار الصفقة العمومية الممنوحة له احترام مختلف القوانين المنظمة لمهنته، وكمثال على ذلك وجب عليه احترام وتطبيق تشريع العمل على العمال المستخدمين لديه أثناء عملية تنفيذ موضوع الصفقة العمومية. ولاسيما فيما يخص نظام الصحة والضمان الاجتماعي، كما تنص عليه المادة 17 و35 من دفتر الشروط الإدارية العامة لسنة 1964 ([2]).

كما ألزمت المادة 175 من قانون التأمين 95/07 على المقاول أن يكتتب تأمينا لتغطية مسؤوليته المدنية والمهنية التي قد يتعرض لها بسبب أشغال البناء وتجديد البناءات أو ترميمها، وعليه إثبات وقت فتح الورشة بأنه قد اكتتب عقد التأمين ويمتد هذا التأمين من يوم فتح الورشة إلى غاية تاريخ الاستلام النهائي للأشغال.

أما المادة 178 من قانون التأمين ألزمت أيضا المقاول باكتتاب عقد تأمين على المسؤولية العشرية المنصوص عليها في المادة 554 من القانون المدني ويبدأ سريانها من يوم الاستلام النهائي للمشروع.

من جهة أخرى فان المقاول مسؤول عن احترام الالتزامات التي يفرضها قانون التهيئة والتعمير 90/ 29 المعدل والمتمم وذلك بالرجوع إلى المادة 77 منه التي تلزم بضرورة الحصول على رخصة البناء.

الفرع الثاني: من حيث التنفيذ الشخصي للصفقة العمومية:

أولا: المبدأ العام:

المبدأ العام في الصفقات العمومية أن صاحب الصفقة وهو المقاول ملزم بتنفيذ الطلبات المحددة في الصفقة شخصيا بنفسه وعلى مسؤوليته الخاصة ([3]) وعلى أساس مبدأ حسن النية ([4]). وما يبرر ذلك هو أن الصفقات العمومية مثلها مثل باقي العقود الإدارية يتم انعقادها مع الأخذ بعين الاعتبار شخصية المتعاقد وذلك من أجل تفادي الغش في قواعد إبرام الصفقات العمومية ([5])، وينتج عن التزام المقاول بالتنفيذ الشخصي التزامات فرعية كضرورة حضوره شخصيا في موقع العمل أو تعيين ممثل له، وضرورة اختيار محل إقامة قريب من موقع المشروع، وضرورة اختيار المعاونين ورؤساء الورش والعمال، وأخيرا ضرورة الالتزام بالسر المهني

ثانيا: الاستثناء (التعامل الثانوي):

القاعدة المسلم بها أنه لا يمكن للمقاول المتعاقد مع الإدارة أن يحل غيره محله في تنفيذ جميع التزاماته التعاقدية أو تنفيذ جزء منها إذ يبقى المقاول الأصلي (المتعامل المتعاقد) مسؤولا في مواجهة المصلحة المتعاقدة. كما لو كان التنازل أو التعاقد من الباطن لم يتم. ([6]) وحلول المقاول الجديد محل المقاول المتعاقد قد يكون في حالة التنازل عن الصفقة من طرف المقاول المتعاقد لفائدة شخص آخر بشرط موافقة الإدارة على هذا التنازل سواء كان هذا التنازل كلي أو جزئي وقد يكون في حالة التعامل الثانوي أو ما يعرف بالمناولة حسب آخر مرسوم رئاسيي (م.ر (247/15 إذا غالبا ما يلجأ المقاول المتعاقد في صفقات أشغال البناء إلى المقاولة من الباطن والتي تتمثل في تخصيص جزء من الأشغال المطلوبة منه لفائدة طرف ثالث يطلق عليه اسم المتعامل الثانوي أو المناول ويقوم بهذا الإجراء المقاول الأصلي بموجب عقد مناولة (م 140 من م، ر (247/15 وذلك تحت مسؤوليته وبعد موافقة المصلحة المعاقدة ([7])

ويجب أن يتم عقد المناولة ضمن شروط حددتها المادة 143 من نفس المرسوم.

المطلب الثاني: التزامات المقاول المتعلقة بموضوع الصفقة العمومية:

تتمثل أهم الالتزامات التي تقع على عاتق المقاول والتي تتعلق بموضوع الصفقة العمومية المتعلقة بأشغال البناء فيما يلي:

الفرع الأول: التزام المقاول بإنجاز الأشغال موضوع الصفقة العمومية:

إن هم بالتزام يقع على عاتق المقاول هو تنفيذه أشغال البناء موضوع الصفقة العمومية. وهذا الأشغال ذكرها المشرع في المادة 29من م.ر 247/15 المتضمن تنظيم الصفقة العمومية حيث تتعلق خاصة بالبناء أو التجديد أو الصيانة أو التأهيل أو التهيئة أو الترميم أو الاصطلاح أو التدعيم أو الهدم لمنشأة أو جزء منها بما في ذلك التجهيزات المرتبطة بها الضرورية لاستعدادها.

كما يلتزم المقاول إلى جانب ذلك بضمان هذه الأشغال المنجزة وهو أمر تشترطه المصلحة المتعاقدة عند اختيار المقاول ضمانا للمنفعة العامة وحماية لهذه المصلحة من مخاطر سوء تنفيذ المقاول للأشغال أو من خطر عدم استرجاع الأموال المدفوعة كتسبيقات زيادة عن المبالغ المستحقة للمقاول، أو في حالة عدم تسديد دفعات القرض الذي من الممكن للمقاول أن يأخذه مقابل رهن الصفقة لغرض التمويل لتنفيذ المشروع ([8]).

الفرع الثاني: التزام المقاول باحترام مدة الإنجاز:

باعتبار أن الصفقة العمومية المتعلقة بالأشغال عموما لها صلة قوية بالخدمة العمومية، وبحسن سير المرفق العام، وجب أن ينفذ المقاول المتعاقد أعمال هذه الصفقة في الآجال المتفق عليها ولا يجوز له تجاوزها ([9]). فهو ملزم بالتقيد بالمهلة المحددة في الصفة تقييدا شديدا.

غير انه قد يتأخر المقاول في البدا في الأشغال موضوع الصفقة ويرجع ذلك إلى خطأ من طرف المصلحة المتعاقدة كعدم تمكينه من موقع الأشغال أو من مخططات المشروع موضوع الصفقة العمومية، أو إلى القوة القاهرة كسوء الأحوال الجوية، ففي هاتين الحالتين يحق للمقاول طلب تمديد أجل الصفقة، وهذا ما نصت عليه معظم دفاتر الشروط الإدارية العامة ومنها الدفتر الجزائري في مادته 34.

الفرع الثالث: التزام المقاول بمراعاة أصول الفن في استخدام المادة:

يجب على المقاول أن يستخدم المادة طبقا لأصول الفن بحيث أن لكل مهنة أو حرفة أصول وقواعد يلتزم بها أهل المهنة والفن، ولما كان مقاول البناء من أهل الفن المعماري فعليه أن يحترم أصول فن البناء والعمران.

وتطبيقا لذلك إذا اكتشف المقاول في أثناء عمله أو كان يمكن أن يكتشف تبعا لمستواه الفني أن بالمادة عيوبا لا تصلح معها للغرض المقصود وجب على المقاول أن يخطر المصلحة المتعاقدة فورا بذلك وإلا كان مسؤولا عن كل ما ترتب
على إهماله من نتائج.

المبحث الثاني: الجزاءات المترتبة عن إخلال مقاول البناء بالتزاماته:

ادا أخل المقاول بالالتزامات السالفة الذكر فان من شان ذلك أن يجعله عرضة للمساءلة الإدارية والجنائية على النحو التالي:

المطلب الأول: سلطة الإدارة (المصلحة المتعاقدة) في توقيع جزاءات على المقاول المتعاقد معها:

تملك جهة الإدارة باعتبارها سلطة عامة توقيع جزاءات إدارية على المقاول المتعاقد معها الممتنع عن تنفيذ التزامه التعاقدي أو المتأخر في أدائه أو الذي نفنه بصورة لا تتفق وشروط التعاقد.

وتهدف تلك الجزاءات إلى تأمين سير المرفق العام بضمان تنفيذ العقد المرتبط به بدقة بإجبار المتعاقد على الوفاء بالتزامه التعاقدي على الوجه الأمثل ([10])

وتأخذ هذه الجزاءات الإدارية صور عدة نوجزها فيما يلي:

الفرع الأول: الجزاءات المالية:

إن الجزاءات المالية هي عبارة عن المبالغ التي يحق للإدارة مطالبة المقاول المتعاقد بها عندما يخل بالتزاماته التعاقدية ([11])، وهي على النحو التالي:

أولا: غرامة التأخير:

غرامة التأخير هي مبلغ من المال يحدد بنسبة معينة جزاء على التأخير في تنفيذ المتعاقد لالتزاماته في المدة المقررة للتنفيذ ([12]).

وهي جزاء قصد به ضمان وفاء المتعاقد مع الإدارة بالتزامه في المواعيد المتفق عليها حرصا على سير المرفق العام بانتظام وباضطراد.

فهذا الجزاء هو بمثابة تعويض اتفاقي جزافي عم يصيب المرفق العام من أضرار نتيجة لعدم تنفيذ المتعاقد لالتزاماته في المواعيد المحدد بالعقد، ومع ذلك فان الفكرة الأساسية فيه تكمن في إرغام الطرف المتعاقد مع جهة الإدارة على تنفيذ التزامه أكثر منها في تعويض الإدارة عن الضرر الذي يكون قد لحق بها.

وتستحق هذه الغرامة بمجرد التأخير حتى ولو لم ينجم عنه ضرر مع عدم خضوعها لتقدير القضاء حيث تستحق في جميع الأحوال بالنسبة المتفق عليها في العقد.

وتعد غرامة التأخير من أكثر الجزاءات المالية شيوعا، والتي توقعها الإدارة على المتعاقد الذي يتراخى في تنفيذ الصفقة العمومية. ويرجع أساس فرض هذه الغرامة إلى تحديد الإدارة مواعيد خاصة لتنفيذ الصفقة، وبناءا على ذلك تقدر حبة المرفق لهذه المواعيد، ولذا تلجأ إلى فرضها على المتعاقد معها لحمله على تنفيذ التزاماته في الموعد المحدد ([13])

ومن حيث الطبيعة القانونية للغرامة التأخيرية فهي منصوص عليها في الصفقة العمومية في حد ذاتها، أي أنها ذات طبيعة عقدية، فهي كالجزاء العقدي وتعويض اتفاقي في آن واحد، تهدف إلى حمل المتعاقد على تنفيذ ما التزم به في العقد. ([14])

غير انه ومع ذلك يمكن للمصلحة المتعاقدة أن تعفي المقاول المتعاقد معها من الغرامة التأخيرية في أحد الحالتين.

الحالة الأولى: إذا كان التأخير بسبب أجنبي لا يرجع إلى المتعاقد كأن تكون قوة قاهرة أو فعل الغير أو فعل الإدارة.

الحالة الثانية: إذا كان المتعاقد قد طلب رسميا مهلة جديدة فوافقت الإدارة دون إبداء أي تحفظ حيث يعد ذلك بمثابة تعديل للعقد. ([15])

ثانيا: مصادرة مبلغ الضمان التأمين:

أوجب قانون الصفقات العمومية في المادة 130 من المرسوم الرئاسي 247/15 على المصلحة المتعاقدة أن تحرص في كل الحالات على إيجاد الضمانات الضرورية التي تضمن وجودها في وضعية مالية حسنة بما يكفل حسن تنفيذ الصفقة، ويتم ذلك بفرض ضمانات مالية بعنوان كفالة حسن التنفيذ وكفالة رد التسبيقات المنصوص عنها في المادة 110 من المرسوم ومن ثم يمكن تعريف الضمان أو التأمين بأنه مبلغ من المال يودع لدى الجهة الإدارية المتعاقدة لتتقي به أثار الأخطاء التي يرتكبها المتعاقد أثناء تنفيذ العقد الإداري ويضمن لها قدرته على مواجهة المسؤوليات الناتجة عن تقصيره.

وعقوبة مصادرة الضمان مثلها مثل باقي الجزاءات ذات الطابع المالي التي تجد أساسها في حماية المصلحة العامة، إلا أنه يختلف عنها في سببه والغاية منه لكون أن هذا الضمان محجوز لدى المصلحة الإدارية عن طريق البنك قبل وقوع إخلال أو تقصير المقاول في تنفيذ التزاماته التعاقدية في الصفقة العمومية ([16]) ولعقوبة مصادرة الضمان خصائص يمكن أن نوجزها فيما يلي:

  • إن الإدارة تتمتع به حتى لو لم ينص عليه صراحة في الصفقة العمومية، حيث أنه يدخل في الامتيازات الممنوحة للمصلحة المتعاقدة قانونا.
  • إن المصلحة المتعاقدة لها أن توقع جزاء المصادرة دون الحاجة إلى اتخاذ أي إجراءات قضائية أي بطريق التنفيذ المباشر دون انتظار حكم قضائي.
  • إن المصلحة المتعاقدة تقوم بتوقيع هذا الجزاء بدون الحاجة إلى إثبات الضرر الذي أصابها من جراء تقصير المقاول في تنفيذ التزاماته التعاقدية ذلك أن الضرر يكون مفترض في كل العقود الإدارية ([17]).
  • إن الضمان المودع من طرف المقاول في إطار الصفقة العمومية يمثل الحد الأدنى للتعويض الذي يحق للمصلحة المتعاقدة اقتضاؤه.
  • إنه لا يجوز للإدارة التنازل على حق مصادرة الضمان مقدما، إلا أن توقيعه يرتبط بسلطتها التقديرية فلها أن تعفى المقاول من هذا الجزاء سواء بصفة صريحة أو ضمنية ([18]).

الفرع الثاني: سلطة الإدارة في توقيع الجزاءات غير المالية على المقاول:

تتمتع المصلحة المتعاقدة في أثناء تنفيذ الصفقة العمومية المتعلقة بأشغال البناء ومنها السكن سلطة توقيع جزاءات غير مالية، على المقاول المخل بالتزاماته التعاقدية نوجزها فيما يلي:

أولا: سحب العمل المحدد في الصفقة من المقاول:

وهو عبارة عن جزاء توقعه الإدارة في أثناء تنفيذ الصفقة العمومية المتعلقة بأشغال البناء بمقتضاه تحل الإدارة نفسها محل المقاول المقصر عن تنفيذ التزاماته أو المتباطئ في أدائها أو أن تعهد إلى غيره بتنفيذ هذه الأعمال وذلك على حساب المقاول وتحت مسؤوليته أي أن تضع المقاولة تحت إدارتها المباشرة لضمان تنفيذها حرصا على دوام المرفق العام وانتظامه ([19]).

وغالبا ما تلجأ الإدارة إلى هذا الإجراء عند وجود تقصير أو إخلال جسيم من طرف المقاول المتعاقد كعدم التزامه بالمدة المتفق عليها في العقد، أو تواجد المقاول في مركز مالي سيء يمكن أن يمنعه من أداء التزاماته التعاقدية، ومن أهم خصائص هذا الإجراء أنه أجراء مؤقت لا يترتب عليه انتهاء الصفقة، كما أنه جزاء تتخذه الإدارة بموجب قرار صادر عنها من دون الحاجة للالتجاء إلى القضاء.

ثانيا: سلطة الإدارة في توقيع الجزاء الفاسخ:

يعتبر الفسخ الجزائي أحد أنواع الجزاءات التي تستطيع الإدارة فرضه بالإدارة المنفردة على المتعاقد الذي يخل بتنفيذ التزاماته في أثناء تنفيذ الصفقة.

ويعتبر الفسخ جزاء خطير بطبيعته، فلا تستطيع الإدارة ممارسته إلا إذا أخل المقاول بالتزامه إخلالا جسيما. لا يترك لها حينها أي خيار آخر سوى استعماله كوسيلة لحماية مبدأ استمرار دوام المرفق العام بانتظام واضطراد، وبالتالي فهو يعد اشد العقوبات المخولة للإدارة صرامة “.

وبالرجوع إلى المادة 149 من م.ر رقم 15/247 نجد أنها نصت على أنه يمكن للمصلحة المتعاقدة أن تفسخ الصفقة من جانب واحد إذا لم ينفذ المتعاقد التزاماته.

غير أن سلطة الإدارة في فسخ الصفقة مع المقاول، وبالنظر إلى خطورتها وآثارها، فان الإدارة قبل ممارستها تلزم بإتباع إجراءات خاصة تتمثل خاصة في اعذر المقاول قبل اللجوء إلى الفسخ.

ثالثا: التسجيل في القائمة السوداء:

قد تلجأ الإدارة فضلا على عقوبة الفسخ إلى تسجيل المقاول المخل بالتزاماته في قائمة سوداء تمنع التعامل معه أو إعادة التعاقد معه في صفقة عمومية أخرى ([20])، كما يمكن لها طلب تعويضات عم أصابها من ضرر جراء هذا الفسخ الذي أدى بها إلى التعاقد من جديد مع مقاول آخر لإنهاء الأشغال محل الصفقة العمومية.

وإجراء التسجيل في القائمة السوداء يجد أساسه القانوني في المادة 35 من دفتر الشروط الإدارية العامة لسنة 1965 في فقرتها 11، وأيضا المادة 75 من المرسوم الرئاسي 247/15 المتضمن تنظيم الصفقات العمومية، إلا أن المشرع ترك للمقاول حق الدفاع عن نفسه وتقديم وسائل دفاعية في الأجل المحدد.

المطلب الثاني: الجزاءات العقابية لمقاولي البنك:

كما سبق القول فانه يجب على المقاول أن ينفذ عمله وفقا للأصول الفنية المتعارف عليها ووفقا للتصاميم الهندسية وأن يحترم الالتزامات المفروضة عليه، وأي عمل مخالف لهذا يترتب عنه خضوع المقاول للمسؤولية الجنائية، إضافة إلى العقوبات الإدارية المشار إليها في المطلب السابق، ويكون بذلك عرضة لتطبيق عليه الجزاءات المنصوص عليها قانونا.

الفرع الأول: صور الجرائم التي تقع من المقاول:

أولا: عدم مراعاة الأصول الفنية في التنفيذ:

إن المقاول أثناء عملية تشييده للبناء ملزم بان يقوم بالتنفيذ وفقا للأصول الفنية وطبقا للرسومات والبيانات والمستندات والتي منح الترخيص على أساسها وأن تكون نوعية ونسب المواد المستخدمة مطابقة للمواصفات القياسية والفنية المعمول بها، كما أنه لا يجوز للمقاول أن يدخل أي تعديلات جوهرية على الرسومات المعتمدة إلا بعد الحصول على ترخيص بذلك من الجهة الإدارية المختصة.

وبناءا على هذه الالتزامات، يتخذ الخطأ في التنفيذ الحالات الآتية:

الحالة الأولى: من واجب المقاول أن يتقيد بالرسومات الهندسية المعتمدة في تنفيذ الأشغال والالتزام بكل المقاييس والتوجيهات، ففي حالة ما إذا أخطأ في التنفيذ، تقوم مسؤوليته الجنائية عندئذ.

الحالة الثانية: من أهم الالتزامات التي يجب على المقاول التقيد بها تنفيذ ما تتطلبه الأصول الفنية والتقنية والقياسية المتعارف عليها في مجال البناء، فتقوم مسؤوليته الجنائية إذا خالف الأصول الفنية والقياسية المعمول بها في مجال
التنفيذ.

ثانيا: الغش في استخدام مواد البناء:

إن الغش في استخدام مواد البناء، واستخدام مواد غير مطابقة للمواصفات الفنية لا يختلف عن الغش في معناه العام إلا أنه يختلف من حيث محله الذي ينصب عليه، والغش في هذه الحالة له طابع مادي ملموس، يمكن أن يكتشفه المكلف بالإشراف على التنفيذ ([21]).

كما إن الغش في مجال البناء يعتبر استخداما لمادة دون المستوى المطلوب أو التغيير والتزييف في محتوى المادة أما المواد الغير مطابقة للمواصفات الفنية المهنية فهي عدم توافر المادة المستخدمة على الشروط والمقاييس المطلوبة ووفقا للأصول المعمول بها في مجال البناء.

الفرع الثاني: العقوبات:

إن أي تلاعب أو غش أو خداع أو محاولة الخداع فقط في نوعية مواد البناء يجعل المقاول عرضة للمساءلة الجنائية وذلك وفقا لنص المادة 429 من قانون العقوبات والمعدلة بموجب المادة 60 من القانوني رقم 23-06 المؤرخ في 20 ديسمبر 2006 ضمن الباب الرابع بعنوان الغش في بيع السلع والتدليس في المواد الغذائية والطبية. حيث تنص على أنه: ” يعاقب بالحبس من شهرين إلى ثلاث سنوات، وبغرامة من 20.000 إلى 100.000 دج أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط كل من يخدع أو يحاول أن يخدع المتعاقد سواء في الطبيعة أو في الصفات الجوهرية أو في التركيب أو في نسبة المقومات اللازمة لكل هذه السلع.

  • سواء في نوعها أو مصدرها.
  • سواء في كمية الأشياء المسلمة أو في هويتها.

وفي جميع الحالات فإن على مرتكب المخالفة إعادة الأرباح التي حصل عليها بدون حق.

كما تنص المادة 430 من نفس الأمر السابق الذكر على عقوبة مشددة، حيث تنص على أنه: ” ترفع مدة الحبس إلى خمس سنوات والغرامة إلى 500.000 دج إذا كانت الجريمة أو الشروع فيها المنصوص عليهما أعلاه قد ارتكب:

  • سواء بواسطة الوزن أو الكيل أو بأدوات أخرى خاطئة أو غير مطابقة.
  • سواء بواسطة طرق احتيالية أو وسائل ترمي إلى تغليط عمليات التحليل أو المقدار أو الوزن أو الكيل أو تغيير عن طريق الغش في تركيب أو وزن أو حجم السلع أو المنتجات، ولو قبل البدء في هذه العمليات.
  • سواء بواسطة بيانات كاذبة ترمي إلى الاعتقاد بوجود عملية سابقة وصحيحة أو إلى مراقبة رسمية لم توجد”.

كما نجد أن المادة 26 فقرة 02 من القانون 06 -01 المتعلق بمكافحة الفساد تنص على عقوبة أخرى تتراوح
ما بين سنتين إلى 10 سنوات، وبغرامة من 200.000 دج إلى 1000.000 دج وذلك في حالة ما إذا قام المقاول بإبرام عقد أو صفقة مع الدولة أو الهيئات المحلية أو المؤسسات أو الهيئات العمومية ذات الطابع الصناعي التجاري بغرض القيام بإنجاز وتشييد بناءات، واستغل في ذلك سلطة أو تأثير أعوان الهيئات المذكورة من أجل الزيادة في الأسعار التي يطبقها عادة أو من أجل التعديل لصالحه في نوعية المواد والخدمات التي يقدمها، والجريمة هنا تتطلب توافر القصد الجنائي العام المتمثل في علم الجاني بنفوذ أعوان الدولة وإرادة استغلال هذا النفوذ لفائدته، وكذا القصد الخاص المتمثل في نية الحصول على امتيازات مع العلم أنها غير مبررة.

الخاتمة:

يلاحظ في خاتمة هذا المقال انه وان كان المشرع قد حدد مسؤولية المقاول عند إخلاله بالتزاماته إلا أن الواقع اثبت عدم فاعليتها في القضاء على التجاوزات المرتكبة في مجال البناء عموما والسكن تحديدا نظرا لعدم التناسب بين حجم وجسامة الفعل المقترف والعقوبة المقررة له، مما يستدعي وجوب إعادة النظر فيها وتشديدها قدر الإمكان.

من جهة ثانية ولفرض مزيد من الطابع المهني، ودفع المقاولين إلى بذل جهد أكبر لتحسين مستوى أدائهم المعماري يتعين فرض مستوى دراسي معين في مجال البناء والتعمير لكل شخص يريد ممارسة مهنة مقاولي البناء، إذ نلاحظ في الواقع العملي لنشاط البناء والتعمير انه يكفي لكل شخص يملك إمكانيات مالية معتبرة لكي يمارس مهنة مقاول البناء، ولا وجود لشرط المؤهل المهني الذي من شانه تحسين مستوى أداء العمل في المجال المعماري، والذي يؤدي بدوره إلى التقليل من إخطار تهدم البناء.

المراجع:

  • قائمة الكتب:
  1. أحسن بوسقيعة، الوجيز في القاون الجزائي الخاص، جرائم الفساد، طبعة 3، الجزء الثاني.
  2. محمد فؤاد عبد الباسط، الأعمال الإدارية القانونية، الكتاب الثاني العقد الإداري دار النهضة العربية، القاهرة مصر ط 2012
  3. محمود خلف الجبوري، العقود الإدارية، دارا الثقافة للنشر التوزيع عمان الأردن ط 2010.
  4. عبد العزيز المنعم خليفة، الأسس العامة للعقود الإدارية، الإبرام التنفيذ المنازعات. في ضوء أحدث أحكام مجلس الدولة ووفقا لأحكام قانون المناقصات والمزايدات، دار الفكر الجامعي الإسكندرية ط 2005.
  5. عمار بوضياف، الصفقات العمومية في الجزائر، دراسة تشريعية وقضائية وفقهية، جسور للنشر، الطبعة الثانية.
  6. حسان عبد السميع هاشم، الجزاءات المالية في العقود الإدارية، دار النهضة العربية، القاهرة، 2002،
  7. رياض عيسى، مظاهر سلطة الإدارة في تنفيذ المقاولات العام الطبعة الأولى، مطبعة العربي الحديثة، بغداد، 1976.
  • قائمة الرسائل:
  1. بشير يحاوي، الدور الرقابي للجان الصفقات العمومية على المستوى المحلي، مذكرة لنيل شهادة الماجستير كلية الحقوق بوداود، جامعة بومرداس، تاريخ المناقشة، 07 جوان 2012،
  2. بختي سهام. التزامات المقاول في الصفقات العمومية المتعلقة بأشغال البناء. رسالة مقدمة لنيل شهادة الماجستير.
    تخصص القانون العقاري كلية الحقوق بن عكنون، الجزائر 2014-2013،
  3. محمود خليل خضير، الغرامات التأخيرية في العقود الإدارية، رسالة مقدمة لنيل شهادة الماجستير، كلية القانون،
    جامعة بغداد، 1991.
  4. سعيد عبد الرزاق باخبيرة، سلطة الإدارة الجزائية في أثناء تنفيذ العقد الإداري. أطروحة مقدمة لنيل شهادة الدكتوراه في القانون العام، كلية الحقوق، بن عكنون، الجزائر 2008-2007
  5. تبوب حمزة المسؤولية الجنائية لمشيدي البناء مذكرة نهاية الدارسة لنيل أجازه المدرسة العليا للقضاء الدفعة 16، 2005/2008،
  • القرارات:
  1. القرار المؤرخ في 28/03/ 2011 يحدد كيفيات الإقصاء من الصفقات العمومية.
  • المراجع بالفرنسية:
  1. C.Lajoye,2007 droit des marche publique.Alger.BERTI edition
  2. Richeu Laurent, Droit des contrats administratif. paris LGDJ (5éme édition),

[1] بشير بجاوي، الدور الرقابي للجان الصفقات العمومية على المستوى المحلى، مذكرة لنيل شهادة الماجستير، كلية الحقوق، بوداود، جامعة بومرداس، تاريخ المناقشة، 07 جوان2012، ص 6.

[2] بختي سهام. التزامات المقاول في الصفقات العمومية المتعلقة بأشغال البناء. رسالة مقدمة لنيل شهادة الماجستير. تخصص القانون العقاري كلية الحقوق بن عكنون، الجزائر 2013-2014، ص 35.

[3] سليمان محمد الطماوي، الأسس العامة للعقود الإدارية (دراسة مقارنة)، ط3، دار الفكر العربي، مصر، 1975، ص 429-432.

[4] سليمان محمد الصهاوي، المرجع نفسه، ص 432-429.

[5] C.Lajoye,2007 droit des marche publique.Alger.BERTI edition.p21.

[6] بختي سهام، المرجع السابق، ص43.

[7] Richeu Laurent, Droit des contrats administratifs, paris, LGDJ (5éme édition), p510.

[8] C.Lajoye, O.P Cit.p176.

[9] عمار بوضياف، الصفقات العمومية في الجزائر، دراسة تشريعية وقضائية وفقهية، جسور للنشر، الطبعة الثانية 2009 ص 53.

[10] عبد العزيز المنعم خليفة، الأسس العامة للعقود الإدارية، الإبرام التنفيذ المنازعات. في ضوء أحدث أحكام مجلس الدولة ووفقا لأحكام قانون المناقصات والمزايدات، دار الفكر الجامعي الإسكندرية ط 2005، ص261.

[11] محمود خلف الجبوري، العقود الإدارية، دارا الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، الأردن ط 2010، ص 133.

[12] محمد فؤاد عبد الباسط، الأعمال الإدارية القانونية، الكتاب الثاني، العقد الإداري، دار النهضة العربية، القاهرة، مصر، ط 2012، ص 448.

[13] محمود خليل خضير، الغرامات التأخيرية في العقود الإدارية، رسالة مقدمة لنيل شهادة الماجستير، كلية القانون، جامعة بغداد، 1991، ص 48

[14] حسان عبد السميع هاشم، الجزاءات المالية في العقود الإدارية، دار النهضة العربية، القاهرة، 2002، ص 62.

[15] رياض عيسى، مظاهر سلطة الإدارة في تنفيذ المقاولات العام، الطبعة الأولى، مطبعة العربي الحديثة، بغداد، 1976، ص 203.

[16] سعيد عبد الرزاق باخببيرة، سلطة الإدارة الجزائية في أثناء تنفيذ العقد الإداري. أطروحة مقدمة لنيل شهادة الدكتوراه في القانون العام، كلية الحقوق، بن عكنون، الجزائر، 2007-2008، ص 219

[17] بختي سهام، المرجع السابق، ص 319.

[18] محمد فؤاد عبد الباسط، المرجع السابق، ص 318.

[19] سعيد عبد الرزاق باخببيرة، المرجع السابق، ص 220.

[20] القرار المؤرخ في 2011/03/28 يحدد كيفيات الإقصاء من الصفقات العمومية.

[21] تبوب حمزة، المسؤولية الجنائية لمشيدي البناء، مذكرة نهاية الدارسة لنيل أجازه المدرسة العليا للقضاء، الدفعة16 ، 2005/2008، ص 74.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading