أحمد ادريوش
أستاذ التعليم العالي –جامعة محمد الخامس / اكدال
بدعوة كريمة من الأستاذ الفاضل محمد أوزيان مدير “مجلة الحقوق “، يسعدني أن أساهم في هذا العدد الخاص بالقوانين العقارية الجديدة بعرض تقديمي عام يبرز أهم جوانب إصلاح القانون العقاري، ومدى قدرته على تحقيق الغايات المنشودة، وتلبية الحاجيات المرصودة، وتشجيع الاستثمارات المجلوبة.
فقد تدخل المشرع المغربي في السنين الأخيرة بمجموعة من التدابير التشريعية والتنظيمية الجديدة لمواكبة متطلبات هذه الاستثمارات في مختلف مجالات الفلاحة والسياحة والتعمير، وما تقتضيه من الحاجة إلى رصيد عقاري لإنجازها، وإلى موارد مالية كافية لتمويلها، وإلى تأطير قانوني ملائم سواء تعلق الأمر بالقواعد العامة المؤطرة للنظرية العامة للعقد أو بالقواعد الخاصة بالعقود المسماة أو بغيرها من المقتضيات مع الحرص على تحقيق الانسجام المطلوب بين مختلف مكونات المنظومة القانونية المغربية وبين إصلاح القانون العقاري.
المطلب الأول: الحاجة إلى رصيد عقاري
وهي أم الحاجات أيا كانت السياسة المتبعة في ميدان الاستثمار العقاري. وتقتضي تلبيتها توفير الأراضي اللازمة لهذا الاستثمار بصفة عامة ولتأمين سكن مناسب بصفة خاصة.
ويتوفر القانون المغربي على عدة وسائل لتوفر هذا الرصيد العقاري؛ أهمها: نزع الملكية للمنفعة العامة والاقتناء بطريق التراضي. وهما وسيلتان لا تمكنان، في نظر الدولة والمؤسسات العمومية التابعة لها المعنية بالموضع من توفير الأراضي اللازمة للتعمير بأسهل الطرق وأقلها تكلفة.
ولمواجهة المشاكل القانونية التي يرتبها تكوين ذلك الرصيد العقاري في مجال التعمير اقتضى نظر المشرع التدخل لإعادة النظر في المقتضيات القانونية المتعلقة بالمجالات المذكورة. وذلك قصد تحقيق:
- إدماج العقاري غير المحفظ عند التخطيط لسياسة التعمير،
- إحداث حق أولوية في الشراء لفائدة الوكالات الحضرية عند تفويت عقارات أو حقوق عينية عقارية؛
- مراجعة بعض المقتضيات المتعلقة بنزع الملكية للمنفعة العامة قصد جعل توفير هذا الرصيد العقاري من المنفعة العامة؛
- إحداث وكالة وطنية للإنعاش العقاري لتدبير هذا الرصيد العقاري.
أما في مجال الاستثمار الفلاحي، فقد كان على المغرب الاجتهاد في التوفيق بين أمرين متناقضين هما: توفير الرصيد العقاري المناسب قصد تشجيع الاستثمارات الأجنبية في مختلف مجالات الفلاحة والسياحة من جهة، ومن جهة أخرى التحكم في الرصيد العقاري المرصود للفلاحة الذي لا يمكن أن يملكه إلا المغاربة مع فرض القيود على تملاك الأجانب لهذه العقارات، وأهمها توقف العمليات العقارية على رخصة إدارية من جهة وإقرار حق الشفعة لفائدة الدولة للأخذ بالأفضلية للعقارات المراد تفويتها أو تملكها من لدن الأجانب.
ولا تقل الحاجة إلى سكن مناسب أهمية عن سابقتها. وهي ذات وجهين أساسيين هما: الحاجة إلى تأطير قانوني لتملك مسكن عائلي، والحاجة إلى تأطير قانوني للتساكن في إطار الملكية المشتركة.
فقد انتشر التعامل في المدن المغربي في السنين الأخيرة بشراء المساكن قبل بنائها. وصورة هذه المعاملة أن يلتزم منعش عقاري ببيع شقة أو مسكن على أن الأرض التي سيقام عليها والمواد والأدوات من عند المقاول فيتراضيا على ذلك قبل الانتهاء من البناء أو حتى قبل البدء فيه حيث لا يعاين المشتري الشقة أو المسكن إلى على التصميم. ولذلك سمي أيضا بالبيع على التصميم Vente sur plan. كما سمي ببيع العقار في طور البناء ( (Vente d’ immeuble á construire.
وتتخذ هذه المعاملة غالبا أحد الشكلين التاليين:
- الوعد من جانب واحد، وقد استقرت الممارسة على تسميته ” بالخيار” (option) أو التعهد بالخيار (Pacte d’ option)، وهون غير بيع الخيار المنظم بيموجب ظهير الالتزامات والعقود.
- الوعد الملزم للجانبين أو الوعد المتبادل بالبيع والشراء، وقد استقرت الممارسة على تسميته ب (compromis) أي الاتفاق على البيع والشراء أو البيع الابتدائي.
والصورة الثانية هي أكثر انتشارا في الممارسة التعاقدية في المغرب من الأولى.
وقد تدخل المشرع لتأطير هذه الحاجة، أي تملك مسكن عائلي، في أحد القالبين التاليين:
- بيع العقار في طور الإنجاز؛ وقد أدمجت المقتضيات المتعلقة به ضمن ظهير الالتزامات والعقود حيث تمم القسم المتعلق بعقد البيع بفرع رابع من 20فصلا عرف فيها هذا العقد وحدد نطاق تطبيقه ثم تعرض لمختلف مقتضياته على التمييز فيها بين البيع الابتدائي وبين البيع النهائي).
- الإيجار المفضي على تملك العقار، وقد نظمه المشرع بنص خاص خارج ظهير الالتزامات والعقود.
ومن جهة أخرى فقد أدى النمو الديمغرافي الذي عرفته بلادنا، في النصف الآخر من القرن العشرين والتغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي واكبته، إلى هجرة كثيفة من البادية إلى المدينة صاحبها توسع في العمران وغلاء في أسعار الملكية العقارية مما استلزم اللجوء إلى السكن الجماعي في بناء عمودي أو أفقي.
واستجابة لهذه الحاجة تدخل المشرع لوضع إطار قانوني جديد يقول عنه: إنه يأخذ بعين الاعتبار التطور الذي عرفه قطاع السكنى، ويتلافى السلبيات التي أفرزتها ظهير 1946 ويسمح باستعمال الملكية المشتركة، أينما كانت، استعمالا يستفيد منه جميع الشركاء في الملك ولا يضر بأي واحد منهم، ويضمن حقوقهم، ويلزمهم بالقيام بواجبهم للحفاظ علي
سلامة البناء وحسن استعماله، وذلك ببيان حقوق والتزامات كل مشترك، وتحديد كيفية تسيير العقار المشترك، والآليات التي تسهر على إرادته وحسن تسييره ومسؤولياتها في ذلك.
المطلب الثاني: الحاجة إلى التمويل
وتطغى هذه الحاجة على كافة المجالات؛ لأنه لا يمكن تنفيذ أي مخطط إذا لم يرصد له التمويل الكافي. وتعتبر عمليات التجهيز والبناء والاستثمار الفلاحي من أهم العمليات التي تتطلب موارد مالية ضخمة بالنظر إلى ارتفاع تكاليفها.
قد يكون من المفيد الحديث عن سياسة القروض لتمويل المشاريع المتعلقة بالاستثمار في مجالات الفلاحة والسياحة والتعمير بما في ذلك القروض الصغيرة والمتوسطة. غير أننا سنقتصر في هذا الإطار على إبراز ما يتضمنه القانون المغربي من المقتضيات القانونية الداعمة لعملية تمويل المشاريع السكنية والمشاريع المهنية بصفة خاصة وأثرها على القواعد العامة المؤطرة لالتزامات والعقود.
ولأجل تمويل المشاريع السكنية صدر القانون رقم 10.98 المتعلق بتسنيد الديون الرهنية. وهي عملية جدية من العمليات المالية يمكن بموجبها لمؤسسة ائتمان أن تتنازل عن الحقوق التي لها على زبائنها والناشئة عن قروض مضمونة برهن رسمي. ويتم هذا التنازل بواسطة صندوق للتوظيف الجماعي في هذا المجال، مقابل سندات أو حصص قابلة للتداول في السوق المالية.
وقد كان ينبغي الاحتياط عند تسمية هذه العملية بما يضمن لها فحواها من جهة وتستقيم معه الصياغة القانونية من جهة أخرى. خصوصا وأن القانون المنظم لها تضمن مصطلحات جديدة أجنبية تستعصي عن الترجمة الحرفية. فقد سماها المشرع “تسنيد الديون الرهينة “. فالترجمة الحرفية لعبارة ( la titrisation) هي ” التسنيد” أي التحويل إلى سند. وعرفه في المادة الثانية منه بأنه “العملية المالية المتمثلة في قيام صندوق توظيف جماعي للتسنيد بشراء ديون رهينة يؤدي ثمنها بواسطة حصيلة إصدار حصص ممثلة لتلك الديون وعند الاقتضاء بواسطة حصيلة إصدار اقتراض سندي معتمد على تلك الديون وذلك وفقا للأحكام الواردة في هذا القانون “.
وتفيدنا الدراسة المقارنة أن هذا القانون مستوحى إلى حد كبير من القانون الفرنسي؛ لكن يبدو أن القانون الفرنسي نفسه قد اقتبسها عن القوانين الأنجلوسكسونية.
وقد أفصح المشرع عن الغاية الأساسية من تنظيم هذه العملية وهي تشجيع القروض السكنية. إذ حصر صراحة تطبيق هذه العملية على القروض السكنية فقط. وهي التي حددتها المادة الثانية في تعريفها للديون الرهينة بأنها “الديون الممثلة لقروض مضمونة برهون عقارية من الرتبة الأولى والممنوحة للأغراض التالية:
- تمليك المساكن الفردية أو إصلاحها أو توسيعها؛
- البناء الفردي للمساكن؛
- بناء أو تملك مساكن معدة للاستئجار.”
ومن جهة أخرى، فالتحليل الاقتصادي لهذه العملية يفيد بأنها وسيلة جدية لإعادة التمويل الذاتي لمؤسسات الائتمان بلجوئها مباشرة إلى السوق المالية؛ فالديون الرهنية هي في الحقيقة عبارة عن أموال مجمدة لدى مؤسسات الائتمان، ويكون من شأن عملية التسنيد أن تحول تلك الديون إلى سيولة لتمويل قروض أخرى. ولذلك يعول عليها في تخفيض تكاليف القروض المؤدي إلى تنشيط المعاملات العقارية في جميع الميادين الفلاحية والسياحية والبنكية.
أما بخصوص تمويل المشاريع العقارية المهنية فقد سبق للممارسة التعاقدية المغربية أن تلقت عقد “التمويل بالكراء” (Crédit-bail) Leasing وبدأ التعامل بهذا العقد بالمغرب منذ منتصف الستينات حين أنشئت سنة 1965 شركة خاصة لذلك هي Maroc leasing ثم تناسلت هذه الشركات وكثرت فيما بعد وعددها سبعة هي:
DIAC LEASING ; ITERLEASING ; MAGHREBAIL. MAROC. SOGELEASE UNION BALL ET WAFA BIL).
ولم ينظم المشرع المغربي هذا العقد إلا بعد مضي ثلاثين سنة على التعامل به. فخصص له القسم الخامس من الكاتب الرابع (المتعلق بالعقود التجارية) من مدونة التجارة (المواد من 431 إلى 442)، سواء تعلق هذا العقد بمنقول أو بعقار في الوقت الذي كان فيه المشروع التمهيدي قد اقتصر على التمويل بالكراء المتعلق بمنقول فقط
وقد تبنت الصيغة النهائية لمدونة التجارة نفس التعريف والتحديد الذين جاء بهما القانون البنكي لسنة 1993 (حل محله قانون (2006 حيث أصبح العقد يرد على العقار أيضا.
وهذه صيغته:
“يعد عقد ائتمان إيجاري وفق مقتضيات المادة 8 من الظهير الشريف رقم 1.93.147 الصادر في 15 محرم 6)1414 يوليوز (1993 المعتبر بمثابة قانون يتعلق بنشاط مؤسسات الائتمان ومراقبتها:
كل عملية إكراء للسلع التجهيزية أو المعدات أو الآلات التي تمكن المكترين كيفما كان تكييف تلك العمليات، من أن يتملك في تاريخ يحدده مع المالك كل أو بعض السلع المكراة لقاء ثمن متفق عليه يراعى فيه جزء على الأقل من المبالغ المدفوعة على سبيل الكراء الائتمان الكرائي للمنقول)؛
كل عملية إكراء للعقارات المعدة لغرض مهني، تم شراؤها من طرف المالك أو بناها لحسابه، إذا كان من شأن هذه العملية، كيفما كان تكييفها، أن تمكن المكتري من أن يصير مالك لكل أو بعض الأموال المكراة على أبعد تقدير عند انصرام أجل الكراء (الائتمان الإيجاري العقاري ).”
وفيما يتعلق بشهر التمويل بالكراء المتعلق بعقار، وكذا كل تعديل ارتبط به، فقد أخضعه مشرع مدونة التجارة لظهير التحفيظ العقاري (المادة 441). وهذا يعني أن التمويل بالكراء لا يمكن أن يرد إلا على عقارات محفظة.
ولم يكتف المشرع، فيما يتعلق بالتمويل بالكراء للعقار، بالإحالة إلى قانون التحفيظ العقاري، وإنما نص صراحة في المادة 442 على أنه ” لا يواجه الأغيار بالعقد إذا لم يتم شهره “. وبذلك استثناه من الحكم المنصوص عليه في الفصل 68 من ظهير التحفيظ العقاري.
فبموجب هذا الفصل لا يجوز التمسك بعقود الأكرية التي لم يقع إشهارها، بتسجيلها في السجل العقاري، في مواجهة الغير لكل مدة تتجاوز ثلاث سنوات تحسب من اليوم الذي تنتج فيه أثرها.
وخلافا لما نص عليه المشرع بخصوص تقادم إشهار التمويل بالكراء للمنقول (الفقرة الأخيرة من المادة (438 فإن إشهار التمويل بالكراء للعقار لا يتقادم. وهذا مبدأ عام من مبادئ نظام الشهر العقاري في المغرب وفي غيره من الدول التي تأخذ بنظام الشهر العيني. لكنه يخضع لنظام التحيين المعتمد وذلك بتعديل تقييد العقار في اسم المكتري الذي يتملك العقار عند انتهاء العقد أو بالتشطيب على التقييد في حالة الفسخ.
وبالإضافة إلى هذا التمويل بالكراء المخصص لأغراض مهنية أو تجارية، نظم المشرع كذلك بموجب نص خاص التمويل بالكراء لغرض تملك مسكن خاص هو ما سماه ” الإيجار المفضي إلى تملك العقار”.
وبصرف النظر عن طبيعة عقد التمويل بالكراء، تجارية كانت أو مهنية أو مدنية صرفة، فإن جوهر العملية يقوم على توظيف النظام القانوني للكراء ليشكل ضمانا للقروض الممنوحة ووسيلة للتملك في آن واحد.
وهو نفس التوظيف الذي تبناه بنك المغرب ضمن ما بات يعرف عندنا بالمنتجات البديلة للتمويل المعتمدة بموجب توصية والي بنك المغرب الصادرة بتاريخ 13 شتنبر .2007
اقتباسا منه لما استقرت عليه الممارسة التعاقدية لدى البنوك الإسلامية.
فقد ميزت التوصية المذكورة في التمويل بالكراء بين نوعين من الكراء هما: ” الإجارة التشغيلة” عندما يتعلق الأمر بإيجار بسيط، و”الإجارة واقتناء” عندما تكون الإجارة مصحوبة بالتزام قاطع بالشراء من طرف المستأجر.
ولم تقتصر هذه التوصية على توظيف النظام القانوني للكراء كوسيلة للتمويل وضمان للقروض الممنوحة ووسيلة للتملك في آن واحد؛ بل وظفت كذلك عقد الشركة أو ما سمته “المشاركة ” وعرفته بأنه “كل عقد يكون الهدف منه اشتراك مؤسسة الائتمان بمساهمة في رأسمال شركة موجودة أو قيد الإنشاء، من أجل تحقيق الربح. يشارك الطرفان في تحمل الخسائر في حدود مساهمتها وفي الأرباح حسب نسب محددة مسبقا بينهما”. ثم ميزت فيه بين “المشاركة الثابتة ” حيث تبقى مؤسسة الائتمان والعميل شريكين داخل الشركة إلى حين انقضاء مدة العقد؛ والمشاركة المتناقصة حيث تنسحب مؤسسة الائتمان من رأسمال الشركة تدريجيا حسب مقتضيات العقد.
وفضلا عن هذا وذاك فقد نظم كذلك وسيلة ثالثة للتمويل وهي بيع المرابحة، وعرفته بأنه “كل عقد تقتني بموجبه إحدى مؤسسات الائتمان على سبيل التمليك وبناء على طلب أحد العملاء، منقولا أو عقارا من أجل إعادة بيعه له بتكلفة الشراء مع زيادة وربح معلوم يتم الاتفاق عليه مسبقا. يتم الأداء من طرف العميل الآمر بالشراء دفعة واحدة أو بدفعات متعددة، في مدة يتم الاتفاق عليه مسبقا. يتم إدراج الربح بمنتجات مؤسسة الائتمان على مدى مدة العقد”.
وحقيقة هذه الصورة هي أن فقهاء وخبراء للتمويل البنوك الإسلامية قد حولوا صورة من صور تحديد الثمن إلى وسيلة للتمويل تحايلا على أحكام الفقه الإسلامي وهي ما سموه، ومن بعدهم والي بنك المغرب، “المرابحة “. وهي أن يقول البائع للمشتري: “اشتريها بكذا وتربحني فيها كذا” وهي من صور بيوع الأمانة لدى الفقهاء لأن المشتري “يحتكم فيها إلى ضمير البائع ويطمئن إلى أمانته في تحديد الثمن فيصدقه في الثمن الذي اشترى به ثم يزيده عليه قدرا معلوما من الربح يضاف إلى الثمن الأصلي (مرابحة )؛ أو ينقص البائع قدرا معلوما من الثمن المصرح به ويتحمل فيه البائع الخسارة (وضعية: اشترتيها بكذا وأضع عنك كذا) أو لا يزيد ولا ينقص أي يبيع السلعة أو البضاعة بثمنها (بيع التويلة) على غير ذلك من الصور التي فصلها كل من ابن جزي وابن رشد الحفيد ومن بعدهم السنهوري وهم جميعا من أهم مراجع الخلاف العالي.
لكن منظري ما عرف في المجال المالي بالبنوك الإسلامية طوروا هذه الصورة من صور تحديد الثمن إلى جعلها وسيلة وسائل التمويل يحتمون بها من التعامل للفائدة المتداولة بين البنوك من جهة؛ ويؤطرون بها شرعية الأرباح التي يتم جنيها بواسطة هذه العملية وغيرها من وسائل التمويل الأخرى.
المطلب الثالث:
الحاجة إلى التأطير القانوني الملائم
وقد تمثل هذا التأطير في ثلاثة جوانب هي:
- إصلاح القانون العقاري؛
- التلطيف من صرامة النظام القانوني بهدف استيعاب المؤسسات الجدية؛
- ضمان المصداقية للمحررات والوثائق المتضمنة لمعاملات عقارية.
الفقرة الأولى: إصلاح القانون العقاري
يتعلق الأمر في هذا الإصلاح بتنقيح لبعض مقتضيات نظام التحفيظ العقاري؛ وبمرجعة جدرية لبعضها الآخر حيث أعاد المشرع النظر في بعض المفاهيم والأحكام المترتبة عنها في نفس الوقت. كما يتعلق الأمر أيضا بتدوين جديد للكثير من المقتضيات المتعلقة بالعقارات المحفظة أو غير المحفظة ضمن مدونة واحدة بالرغم من الاختلاف الموجود بين النظامين وكذا بالمقتضيات المتعلقة بالأوقاف.
وإذا كانت خاصية إصلاح القوانين الاقتصادية هي استمرارية الاقتباس من القوانين الأوربية؛ فغن إحدى خصائص إصلاح القوانين العقارية هي ثنائية مصادر الاقتباس، أي الاقتباس من القوانين الأوربية ومن الفقه الإسلامي.
وقد سبق البيان أن الاقتباس من القوانين الأوربية هو تقليد تاريخي في المغرب خاصة في مجالات الأموال العينية، فإن استمرارية الاقتباس من هذه القوانين أملتها ضرورة الشراكة مع الاتحاد الأوربي ومواكبة زمن العولمة. أما الاقتباس من الفقه الإسلامي فيقتصر على مجالات كل من الأحوال الشخصية والعقارات غير المحفظة والأوقاف.
لكن يظل الفقه الإسلامي هو المصدر الثاني للتشريع سواء كان العقار محفظا أو غير محفظ.
وتشكل هذه المدونة، المتضمنة للقواعد المنظمة للحقوق العينية، أحد أهم أقسام القانون المدني. وقد احتفظت بما سبق أن تشمنه التشريع المتعلق بالعقارات المحفظة من الأحكام الخاصة بالعقود المنشئة لحق عيني على عقار محفظ كالكراء الطويل الأمد، والارتفاق والرهن بنوعيه الرسمي والحيازي، وأضافت إليها عدة عقود استقرت عليها الممارسة المغربية.
وقد سجلنا على هذا الإصلاح عدة ملاحظات تتعلق بالمنهجية وباللغة التي حرر بها وبأسلوب الصياغة القانوني والبناء العام للقوانين المعتمدة في هذا الصدد، وكذا بالمصالح والأغراض المراد تحقيقها، وعلاقتها بغيرها من المقتضيات التي تضمنتاها غيرها من القوانين النافذة وبالفقه الإسلامي كذلك.
الفقرة الثانية: التلطيف من صرامة النظام القانوني بهدف استيعاب المؤسسات الجديدة
يتجلى ذلك بشكل واضح في مجالين اثنين؛ يتعلق الأول بالتلطيف من نظام مراقبة العمليات العقارية بغرض التشجيع على الاستثمار الأجنبي في ميدان العقار.
أما الثاني فيروم إدماج مؤسسة التسنيد في القانون المغربي، حيث تبين للمشرع، أنه بالنظر للسرعة التي تقتضيها عملية تسنيد الديون الرهينة،
ولكي تكون منتجة وذات مردودية، أن يستثنيها من كثير من الشكليات المنصوص عليها في القوانين العامة وخاصة ظهير الالتزامات والعقود وظهير التحفيظ العقاري.
أولا: التلطيف من نظام مراقبة العمليات العقارية
كثيرة هي الحالات التي يشترط فيها القانون رخصة من الإدارة للقيام ببعض الأعمال أو لإبرام بيع أموال معينة سواء كانت هذه الأموال منقولة أو عقارية. ولذلك تعتبر هذه الرخصة بمثابة الوسيلة التي توجه بها السلطة العامة النشاط الاقتصادي وتراقبه في نفس الوقت. والهدف العام من اشتراط هذه الرخصة هو مراقبة العمليات العقارية، أما الأسباب
والدوافع الخاصة فتختلف من حالة إلى أخرى.
ولا تقتصر هذه المراقبة على العمليات العقارية التي يقوم بها الأجانب، وبل تشمل أيضا تلك التي يقوم بها المغربة، كما أنها لا تقتصر على العمليات التي ترد على العقارات الفلاحية أو القابلة للفلاحة بل تشمل حتى تلك التي تقع في المدار الحضري والمعدة للبناء.
بل إن تضاعف عدد ونوع هذه الرخص جعلنا نعتبرها الإطار القانوني للمعاملات العقارية لأنها تعتبر بالنسبة لها شكلية انعقاد.
وهي منصوص عليها في كثير من القوانين، إلا أن اثرها على النشاط الاقتصادي يختلف من نظام إلى آخر، فضلا عن تأثرها في الآونة الأخيرة بسياسة تحرير الاقتصاد وانفتاح المغرب على الرأسمال الأجنبي للاستثمار في المجال العقاري سواء تعلق الأمر بالفلاحة أو بالتعمير أو السياحة.
وإذا كان للأجانب الحق في تملك العقارات الموجودة في المدار الحضري، فإن تملك العقارات الفلاحية أو القابلة للفلاحة يخضع لقيد الترخيص المعتمد منذ أواخر القرن التاسع عشر والمؤطر اليوم بموجب عدة نصوص تشريعية وتنظيمية صادرة في فترة ما بعد الاستقلال.
غير أنه سرعان ما اتخذت التدابير الإدارية لتخفيف من هذه القيود بقصد جلب الاستثمار الأجنبي وذلك بمقتضى دوريات صادرة عن الوزير الأول ووزير الفلاحة لتأطير إعفاء الأجانب من القيود المنصوص عليها في القانون. ففي البداية أصدر الوزير الأول منشورا لتنظيم شهادة عدم الصبغة الفلاحية (نشور (1972 ثم بعد ذلك أصدرت وزارة الفلاحة (باسم الوزير تارة وباسم المحافظ العام تارة أخرى وباسم مدير المحافظة العقارية مرة ثالثة) عدة مناشير أو دوريات تعفي عقود الأكرية التي تتجاوز مدتها ثلاث سنوات منة الشروط المنصوص عليها في الظهير المتعلق بالرخصة (ظهير 1963).
وقد تطورت هذه التدابير في اتجاه تشجيع الاستثمار بناء على الرسالة الملكية الموجهة إلى الوزير الأول سنة 2002 حيث صدر مرسوم المحدث والمنظم على المستوى الجهوي للجنة المكلفة بالبت في الطلبات المتعلقة بجميع العمليات العقارية بغرض تشجيع الاستثمار في مجالات الفلاحة والسياحة، كما صدرت المراسيم المتعلقة بتفويض ولات الجهات وبالتدبير اللامتمركز للاستثمار
ثانيا: إدماج مؤسسة التسنيد في القانون المغربي
- الاستثناءات من ظهير الالتزامات والعقود
إن جوهر عملية التسنيد-وهي عملية مالية -من الناحية القانونية هو أنها “حوالة للديون المضمونة برهن رسمي مقابل سندات مالية “. وقد عبر عنها المشرع نفسه “بالتفويت” تارة و”بالشراء” تارة أخرى. كما حدد الكيفية التي يتم بها هذا التفويت حيث اشترط لذلك وثيقتين هما: المستند واتفاقية التفويت.
المستند: لقد نصت المادة 21على أن “تفويت الديون الرهينة من لدن المؤسسة المبادرة إلى صندوق التوظيف الجماعي للتسنيد يتم بمجرد تسليم مستند إلى مؤسسة التدبير والإيداع “.
في حين حددت المادة 22 البيانات التي ينبغي أن يتضمنها المستند.
وتوقع المؤسسة المبادرة المستند المشار إليه في المادة 21 أعلاه.
وتقوم مؤسسة التدبير والإيداع بتأريخ المستند المذكور وتوقيعه بالعطف عند تسليمه.
ويتضمن المستند لزوما البيانات التالية على الأقل:
- التسمية “عقد تفويت ديون رهينة للتسنيد”،
- بيان خضوع العقد إلى أحكام هذا القانون؛
- تسميتا المؤسسة المبادرة ومؤسسة التدبير والإيداع وعنوانهما؛
- تسمية صندوق التوظيف الجماعي للتسنيد؛
- لائحة الديون المفوتة مع بيان العناصر الكفيلة بتمييز كل دين عن غيره، ولاسيما منها اسم أو تسمية المدين وموطنه أو عنوانه ومكان أداء الدين ومبلغ رأسمال الدين وتاريخ استحقاقه ومبلغ الفوائد وطبيعة وتفاصيل الضمانات المتصلة بالدين وجميع عقود التأمين المكتتبة لفائدة المؤسسة المبادرة من أجل ضمان عملية القرض الرهني؛
- المبلغ الواجب على مؤسسة التدبير والإيداع أداؤه لفائدة صندوق التوظيف الجماعي للتسنيد مقابل الديون مع بيان تاريخ الأداء وكيفية إتمامه “.
- اتفاقية التفويت: وقد اقتصر المشرع على ذكر بعض بياناتها في المادة 23: ” يضاف إلى المستند اتفاقية تفويت يجب أن تتطابق بنودها مع بيانات المستند ومع أحكام هذا القانون، وتنص هذه الاتفاقية من بين ما تنص عليه على تسليم الوثائق والسدات الممثلة للديون المفوتة أو المؤسسة لها والمتعلقة بتوابعها مع ضمانات وكفالات ورهون حييزية إلى مؤسسة التدبير والإيداع.
يمكن أن تنص اتفاقية التفويت على ترتيب دين لفائدة المؤسسة المبادرة على كل أو جزء من علاوة تصفية صندوق التوظيف الجماعي للتسنيد في حالة تصفية “.
وانطلاقا من هذا التكييف استبعد المشرع تطبيق القاعدة العامة المنصوص عليها في الفصل 195 من ظيهر الالتزامات والعقود والتي تقضي بأنه “لا ينتقل الحق للمحال لهبة تجاه المدين والغير إلا بتبليغ الحوالة للمدين تبليغا رسميا أو بقبوله إياها في محرر ثابت التاريخ… “
وهذا ما نصت عليه صراحة المادة 31: “يترتب بقوة القانون عن تفويت الديون الرهينة نقل ملكية الديون لفائدة صندوق التوظيف الجماعي للتسنيد وفق المقابل المحدد في المستند وتسقط الديون المفوتة من باب الأصول في حصيلة المؤسسة المبادرة.
ويسري أثر تفويت الديون على الأطراف ويعتد به تجاه الدائن وذوي حقوقه والأغيار ابتداء من التاريخ الذي تضعه مؤسسة التدبير والإيداع على المستند ويحل المفوت إليه بقوة القانون محل المفوت ابتداء من التاريخ المذكور دونما حاجة إلى موافقة أي طرف آخر”.
وخلال مناقشة هذا القانون بالبرلمان طالب بعض النواب “باحترام مقتضيات الفصل 195 من قانون العقود والالتزامات الذي يلزم بإخبار المدين بمقرر بعد نفاذ حوالة الحق ” (وكذا في تقرير لجنة المالية والتنمية الاقتصادية، التابعة لمجلس النواب، دورة إبريل 1999، ص. 13).
وأجابت الحكومة بأن هذا القانون “أتى باستثناء على مقتضيات الفصل 195 من قانون العقود والالتزامات وأن التقييد الاحتياطي يعتبر بمثابة إخبار لجميع المدينين ” (ن.م.ص. 13)
- الاستثناءات من ظهير التحفيظ العقاري
المقتضيات المتعلقة بالتقييد الاحتياطي
المادة 24: “يقيد احتياطيا على الرسوم العقارية المثقلة بالرهون عزم المؤسسة المبادرة عل تفويت كل دين رهني وارد في المستند المشار إليه في المادة 22 أعلاه عن طريق تسليم ذلك المستند وذلك بواسطة تصريح موقع ومصادق عليه يودعه ممثلو مؤسسة التدبير والإيداع القانونيون لدى المحافظة العقارية لمكان العقار المعني.
يجب أن تحدد في التصريح بالعزم لأجل إجراء التقييد الاحتياطي المراجع العقارية للأملاك المعنية والرهون المتصلة بها.
يظل التقييد الاحتياطي المذكور ساري المفعول إلى غاية تاريخ تقييد نقل الرهون العقارية المعنية على سجلات المحافظة العقارية “.
المقتضيات المتعلقة بإجراءات التقييد
المادة 25: يجب أن يتم نقل الرهون العقارية التي تضمن الديون المفوتة في إطار عملية تسنيد على سجلات المحافظة العقارية بطلب من مؤسسة التدبير والإيداع، وما دام لم يتم التقييد المذكور، تمارس المؤسسة المبادرة وحدها جميع الحقوق المتعلقة بالديون الرهينة المفوتة لفائدة صندوق التوظيف الجماعي للتسنيد وحده وذلك وفق التعليمات الصادرة عن مؤسسة التدبير والإيداع.
المادة 26: لأجل إجراء تقييد نقل رهن مخصص لضمان دين رهني مفوت بموجب المستند المشار إليه في المادة 22 أعلاه، توجه مؤسسة التدبير والإيداع إلى المحافظ على الأملاك العقارية لمكان العقار المسجل والمثقل بالرهن المعني مختصرا من المستند المذكور مرفقا بالوثائق المثبتة لصفة المؤسسة وذلك برسالة مضمونة الوصل مع إشعار بالتسلم أو عن طريق إيداعها مقابل وصل.
لا تستلزم عملية النقل المذكورة الإدلاء بنظير الرسم العقاري أو الشهادة الخاصة لتقييد الرهن المعني “.
المادة 27: “يجب أن يتضمن مختصر المستند المشار إليه في المادة 26 من هذا القانون ما يلي:
- بيان كل عقار مسجل ومثقل برهن يضمن دينا رهنيا مفوتا بموجب المستند المذكور وذلك بواسطة رقم رسمه العقاري؛
- تسميات وعناوين المؤسسة المبادرة والمدين بالكفالة الرهنية إن اقتضى الحال ومؤسسة التدبير والإيداع.
- تاريخ المستند الناشئ عنه التفويت؛
- تاريخ تقييد الرهن المفوت ومراجعه؛
- تسمية صندوق التوظيف الجماعي للتسنيد؛
- تاريخ ووصف العقد المتعلق بالرهن الذي يضمن كل دين رهني وارد في مختصر المستند.”
المادة 28: يوقع المختصر المشار إليه في المادة 26 من هذا القانون من لدن ممثلي مؤسسة التدبير والإيداع والمؤسسة المبادرة القانونيين.
تعتبر المؤسسة المبادرة مسؤولة عن صحة المعلومات الواردة في نحتصر المستند.
المادة 30: “يعمل المحافظ على الأملاك العقارية بتقييد نقل كل رهن وارد في مختصر المستند المشار إليه في المادة 26 من هذا القانون لفائدة صندوق التوظيف الجماعي المستند”.
المقتضيات المتعلقة بأجل التقييد
المادة 29: ” استثناء من أحكام الفصل 65 مكرر من الظهير الشريف بتاريخ 9 رمضان 1331 12) أغسطس (1913 المتعلق بالتحفيظ العقاري، يجب إرسال أو إيداع مختصر المستند المشار إليه في المادة 26أعلاه لدى المحافظة العقارية لمكان العقار المسجل في ظرف ثلاثين يوما من تاريخ توقيع المستند المذكور”.
المقتضيات المتعلقة بالأثر الإنشائي
المادة 34: “تسري آثار نقل الرهون المدرجة في مختصر المستند بين الأطراف وتجاه الأغيار ابتداء من التاريخ الذي تضعه مؤسسة التدبير والإيداع على المستند المذكور، على أن لا يكون ذلك التاريخ سابقا لتاريخ إيداع التقييد الاحتياطي وذلك مع مراعاة التقييد الاحتياطي المنصوص عليه في المادة 25 أعلاه واستثناء من أحكام الفصلين 66و 67 من الظهير الشريف المشار إليه أعلاه الصادر في 9 رمضان 1331 12) أغسطس (1913 والمتعلق بالتحفيظ العقاري “.
المقتضيات المتعلقة بترتيب الحقوق
المادة 35: “استثناء من أحكام الفصلين 76 و77 والفقرة الثالثة من الفصل 85 من الظهير الشريف المذكور الصادر في 9 رمضان 12) 1331 أغسطس(1913 :
- لا يترتب على التقييدات المحتملة المنجزة ما بين تاريخ إيداع التقييد الاحتياطي والتاريخ الذي يحمل المستند أي أثر على تقييد نقل الرهون المعنية؛
- يستفيد تقييد نقل الرهون المعنية من الأولوية على أي طلب تقييد آخر يتعلق بالعقار المعني بالأمر والمقدم في نفس التاريخ الذي يحمله المستند مع مراعاة الاستثناء الوارد في المادة 29 أعلاه؛
- يفترض للاعتداد بجميع الحقوق أن نقل الرهون على السجلات العقارية قد تم في التاريخ الذي يحمله المستند.”
المقتضيات المتعلقة بالحجز
المادة 36: استثناء من أحكام الفصل 87 من الظهير الشريف المشار إليه أعلاه الصادر في 9 رمضان 1331(12 أغسطس 1913)، يتم التقييد المذكور على الرغم من أي تبليغ لأمر رسمي بالحجز العقاري للعقار المثقل بالرهن.
وكل ذلك مقابل رسم بسيط وقار تؤديه المؤسسة المبادرة أو مؤسسة الإيداع والتدبير.
المادة 37: ” يترتب على العمليات المنصوص عليها في هذا القانون أداء رسم التحفيظ العقاري المحددة طبقا لنص تنظيمي “.
الفترة الثالثة: ضمان المصداقية للمحررات والوثائق المتضمنة لمعاملات عقارية
الأصل في القانون المغربي هو ترك حرية الاختيار للمتعاقدين بين المحرر الرسمي وبين المحرر العرفي. لكن المشرع قيد هذه الحرية، بالنسبة لبعض المعاملات العقارية، وذلك بمنح احتكار تحرير المحررات العرفية لبعض المهنيين فقط. كحل وسط للسجال الذي دار بين الحكومة والبرلمان بخصوص إقرار مبدأ رسمية جميع التصرفات العقارية.
فقد تبنت الحكومة في مختلف مشاريع القوانين المتعلقة بكل من نظام الملكية المشتركة وبيع العقار في طور الإنجاز والإيجار المفضي إلى تملك العقار مبدأ الرسمية، استجابة منها لحاجة المجتمع إلى هذه الشكلية وضمانا لاستقرار المعاملات وتفاديا للأوضاع المساوية التي خلفها التعامل بالأوراق العرفية.
لكن البرلمان لم يقبل بهذه الفكرة على الإطلاق، وإنما أكد على حق الخيار بين المحرر الرسمي والمحرر العرفي من جهة، ومن جهة أخرى منح لبعض المهن احتكار تحرير الوثيقة العرفية على النحو الذي كرسته الصيغة النهائية والنافذة للقوانين المذكورة.
وتبعا لها أضحت المعاملات العقارية المعنية بهذا الحل هي جميع التصرفات المتعلقة بنقل الملكية المشتركة أو إنشاء حقوق عينية عليها أو نقلها أو تعديلها أو إسقاطها؛ والبيع الابتدائي للعقار في طور الإنجاز، وكذا عقد بيعه النهائي؛ وعقد الإيجار المفضي إلى تملك العقار. أما المهنيون المؤهلون لتحرير هذه العقود فهم ” الموثقون، والعدول والمحامون المقبولون للترافع أمام المجلس الأعلى بالنسبة لغيرهم من المهنيين الذين يخول لهم القانون المنظم لمهنتهم صلاحية تحرير العقود العرفية، فقد أحالت المراسيم التطبيقية على قرار مشترك لوزير العدل ووزير الفلاحة والتنمية القروية والوزير المنتدب لدى الوزير الأول المكلف بالإسكان والتعمير لتحديد لائحة المهن القانونية والمنظمة الأخرى، المقبولة لتحرير العقود المشار إليها، وكذا شروط تقييد أعضائها في اللائحة الإسمية المحددة سنويا.
وفضلا عن ذلك نص المشرع على وجوب توقيع العقد والتأشير على جميع صفحاته من الأطراف ومن الجهة التي حررته. كما اشترط أن يتم تصحيح الإمضاءات بالنسبة للعقود المحررة من طرف المحامي لدى رئيس كتابة الضبط للمحكمة الابتدائية التي يمارس المحامي بدائرتها.
كما حدد المشرع أيضا البيانات التي ينبغي أن يتضمنها العقد وخاصة عقد البيع الابتدائي للعقار في طور الإنجاز وكذا عقد بيعه النهائي. وهي: عقد البيع الابتدائي للعقار في طور الإنجاز وكذا عقد بيعه النهائي. وهي:
- هوية الأطراف المتعاقدة؛
- الرسم العقاري الأصلي للعقار المحفظ موضوع البناء أو مراجع ملكية العقار غير المحفظ، مع تحديد الحقوق العينية والتحملات العقارية الواردة على العقار وأي ارتفاق آخر عند الاقتضاء؛
- تاريخ ورقم رخصة البناء؛
- وصف العقار محل البيع؛
- ثمن البيع النهائي وكيفية الأداء؛
- أجل التسليم
- مراجع الضمانة البنكية أو أية ضمانة أخرى أو التأمين عند الاقتضاء. ويجب أن يرفق هذا العقد:
- “بنسخ مطابقة لأصل التصاميم المعمارية بدون تغيير وتصاميم الإسمنت ” المسلح ونسخة من دفتر التحملات.
بشهادة مسلمة من لدن المهندس المختص تثبت الانتهاء من اشغال الأساسات الأرضية للعقار.
وقد تطور الوضع في ضوء المدونة الجديدة للحقوق العينية الصادرة سنة 2011حيث تبنت موقفا مخالفا لما سبق أن نصت عليه القوانين السابقة؛ ويتمثل فيما يلي:
تكريس الاحتكار القانوني للوثيقة الرسمية لبعض العقود والتصرفات نصت عليها المدونة وهي: العمري (المادة (105 والرهن الحيازي (المادة (147 والمغارسة (المادة (268 والهبة (المادة (274.
ترك الخيار للمتعاقدين في باقي العقود والتصرفات بين المحرر الرسمي والمحرر العرفي مع تضييق دائرة احتكار تحرير هذا الأخير، وذلك بأن جعلته حكرا على المحامين دون غيرهم من المهنيين المشار إليهم في القوانين الخاصة السابقة على هذه المدونة.
قد نصت المادة 4 من مدونة الحقوق العينية على أنه” يجب أن تحرر-تحت طائلة البطلان -جميع التصرفات المتعلقة بنقل الملكية أو بإنشاء الحقوق العينية الأخرى أو نقلها أو تعديلها أو إسقاطها بموجب محرر رسمي أو محرر ثابت التاريخ يتم تحريريه من طرف محام مقبول للترافع أمام محكمة النقض ما لن ينص قانون خاص على خلاف ذلك.
يجب أن يتم توقيع العقد المحرر من طرف المحامي والتأشير على جميع صفحاته من الأطراف ومن الجهة التي حررته.
تصحيح إمضاءات الأطراف من لدن السلطات المحلية المختصة يتم التعريف بإمضاء المحامي للعقد من لدن رئيس كتابة الضبط للمحكمة الابتدائية التي يمارس المحامي بدائرتها”.
لكن إذا علمنا أنه قلما يلجأ إلى المحامين لتحرير هذه العقود والتصرفات خلصنا إلى نتيجة عامة مفادها الاحتكار الفعلي للوثيقة الرسمية لجل -حتى لا أقول لكل – العقود والتصرفات.


