إشكالية قانونية أم أزمة تدبير؟
حليمة السعدية فاكول
طالبة باحثة في سلك الدكتوراه،
جامعة محمد الخامس، الرباط
ارتبط تطور مفهوم المرفق العمومي بتطور الدولة عموما، وبتغير الحياة الإدارية على الخصوص، حيث كان لأدوار الدولة في المجتمع أثر كبير على فكرة المرفق العمومي الذي انتقل من مجرد مرفق لإشباع حاجيات إدارية إلى مرفق ذو طبيعة اقتصادية، تجارية كانت أو صناعية، وبالتالي إحداث تحول في القواعد المؤطرة للمرفق العمومي ([1]).
وقد ساهمت سياسة الخوصصة بشكل كبير في هذا التحول، حيث تم إدخال القطاع الخاص في تدبير المرافق العمومية إلى جانب القطاع العام، فأصبح من حق الإدارة أن تعهد للأفراد أو الشركات بإدارة المرفق العام ([2])، وذلك تحت مسميات وأساليب متعددة ([3]).
أما في المغرب، فقد عرفت سنوات التسعينات تحولات كبيرة خاصة بعد تطبيق سياسة التقويم الهيكلي ودخول الدولة في سياسة الخوصصة التي عملت على إدخال أساليب جديدة في تدبير المرافق العمومية خاصة المحلية منها، كان اخرها أسلوب التدبير المفوض ([4]).
ويكتسي موضوع تدبير مرفق النقل الحضري بالمغرب، كأحد مواضيع التدبير المفوض أهمية بالغة نظرا لارتباطه بسياسة المدينة وبالتدبير المحلي، وله علاقة حاسمة بالمواطن، وبالتالي فإن تدبيره يقتضي نوعا من المساواة والإنصاف في الولوج والاستمرارية في الخدمات ([5]). وقد أناط القانون المنظم للجماعات الحضرية والقروية لهذه الأخيرة الاختصاص في تدبير النقل الحضري حيث أصبح لزاما على المجلس أن يضمن للمواطن التنقل في ظروف طبيعية ومريحة وامنة وأن تكون وسائل النقل متوفرة بشكل عادي ومتوازن بين مختلف أحياء المدينة ([6]).
غير أنه بالنظر إلى التجربة المغربية في مجال التدبير المفوض بصفة عامة وتدبير النقل الحضري بصفة خاصة يجعلنا نبدي جملة من الملاحظات حول الإشكالات التي يعرفها تدبير هذا المرفق على مستوي مدينة الرباط، حيث ازداد الوضع تأزما بالرغم من المجهودات المبذولة في هذا المجال مما حول هذا القطاع إلى أزمة تعيق تنمية العاصمة الإدارية. وهذا يدفعنا إلى التساؤل عن وضعية النقل الحضري بالرباط والعوامل المفسرة لهذه الأزمة ومدي نجاعة التدابير المتخذة لتجاوزها. فإلى أي حد كانت اختيارات الدولة في مجال تدبير النقل الحضري في مستوي تطلعات المواطن المغربي؟ وهل حقق التدبير المفوض ما لم يستطع أن تحققه أساليب التدبير المعتمدة سابقا؟
المبحث الأول
قطاع النقل للقطب الحضري سلا- الرباط- تمارة(2013-2002)
محاولة تشخيص
إن مجال تدبير النقل الحضري لم يعد يقتصر على تدخل الجماعات الترابية فقط بناء على قرارات إدارية منفردة، بل أصبح تدبير هذا المرفق يتم وفق عقد يبرم على إثر مسطرة تفاوضية بين الإدارة والطرف الاخر تناقش مضمون التعاقد وشروطه.
أصبحت السياسة التعاقدية في مجال تدبير المرافق العمومية وسيلة بديلة وفعالة لتجاوز المشاكل المطروحة أمام هذه المرافق. والتعاقد في مجال تدبير النقل الحضري، يعتبر أيضا وسيلة تقنية عصرية وملاءمة لإعادة النظر في طرق تسيير هذا المرفق. فتدبير قطاع النقل الحضري عن طريق التعاقد يقتضي التشاور والتعاون بدل اعتماد أسلوب انفرادي للإدارة العمومية.
والجماعات المحلية باعتبارها هي المكلفة بتدبير مرفق النقل الحضري تلجأ إلى التعاقد مع أحد الخواص لتسند له مهمة تدبير المرفق، مع منح هذا الأخير بعض الامتيازات الخاصة في إطار تدبير هذا المرفق إما بناء على عقد الامتياز (مطلب أول) أو عقد التدبير المفوض (مطلب ثاني).
المطلب الأول: مرحلة التدبير بعقد الامتياز
عرف الطلب على خدمات النقل الحضري في بداية 2000 تزايدا كبيرا، الأمر الذي ترتب عنه عجز الوكالات الجماعية المستقلة للنقل الحضري عن تلبية حاجيات السكان فيما يخص النقل. بما حدا بالجماعات المعنية (سلا- الرباط- تمارة) اللجوء إلى أساليب تدبيرية جديدة لمرفق النقل الحضري قصد تغطية الحاجيات المتزايدة عليه، ومن بين هذه الأساليب، طريقة منح رخص الامتياز للخواص ([7]).
فالعجز المالي الذي عرفته الوكالات المستقلة، وضعف التجهيزات والأسطول من الحافلات وتقلص الخدمات المستمر، وهيمنة الظواهر السلبية في تدبير القطاع، جعل من الضروري القيام بإصلاح جذري يرتكز على التدبير بواسطة عقد الامتياز.
عرف الامتياز كطريقة من طرق تسيير المرافق العامة من قبل الخواص، وانتشر في جميع الدول وبالخصوص في فرنسا إذ يعتبر كتوكيل لمهمة السلطة المانحة إلى شخص اخر من أجل ضمان سير الخدمة. اعتمد هذا الأسلوب بالمغرب ابتداء من سنة 1913 خلال فترة الحماية ([8]). إلا أنه تمت الإشارة إلى هذا الأسلوب في اتفاقية الخزيرات سنة 1906 واعتمد بعد ذلك كمدخل لمساهمة رؤوس الأموال الأجنبية في استغلال المرافق العامة وإنجاز الأشغال العامة ([9]).
وعقد الامتياز هو الاتفاقية التي تسند بموجبها الإدارة إلى شركة خاصة أو هيئة عمومية أو شبه عمومية تدبير مرفق عام واستغلاله طبقا لشروط محددة في كناش التحملات، مقابل تقاضي رسوم المرتفعين بهذا المرفق. ويصادق على الامتياز بالنسبة للدولة بموجب مرسوم وبالنسبة للجماعات الترابية بموجب قرار من لدن المجلس الجماعي ([10]).
بناء على عقد الامتياز تم منح شركات بعينها امتياز النقل الحضري بمدينتي الرباط وسلا تدبير، وبذلك قامت عدة شركات بتدبير النقل الحضري بهذا القطب منها: شركة بوزيد، شركة الراحة ثم شركة النقل الممتاز وشركات أخري.
إلا أن هذا النوع من التدبير لم ينجح في تجاوز الاختلالات التي عرفها تدبير النقل الحضري، ولم يستجب لحاجيات المواطنين، وعدم تحسينه لمستوي وجودة الخدمات المقدمة للجمهور في سياق يتسم بعجز الوكالات عن تدبير المرفق وعدم قدرتها على تحقيق التوازن المالي. أمام هذه الوضعية التي عرفها النقل الحضري وجدت الجماعات الحضرية الرباط- سلا-تمارة أنه أصبح من المستعجل تبني أسلوب التدبير المفوض من أجل تحسين مستوي تدبير النقل الحضري بالقطب.
المطلب الثاني: مرحلة التدبير المفوض: السياق
ظهر مصطلح التدبير المفوض لأول مرة في فرنسا من طرف الأساتذة المتخصصين في القانون الإداري، حيث يعود لهم السبق في الحديث عن عبارات: “تفويض المرفق العام Delegation de service public”، اتفاقية “تفويض المرفق العام “Convention de delegation de service public”، “التدبير المفوض Gestion delegue”. هذا المصطلح الأخير ظهر على يد الفقيه الفرنسي “Jean- Francois Avby” في كتابه المرافق العامة les Services publics سنة 1982، من تم أقر المشرع الفرنسي العمل بهذه الوسيلة لتدبير الملك العام المائي كما كرسها الاجتهاد القضائي الفرنسي ([11]).
في المغرب، فإن الأمر يختلف، ذلك أن الظهور الأولي لمصطلح التدبير المفوض كان على المستوي التطبيقي بمناسبة التجربة التي خاضتها المجموعة الحضرية للدار البيضاء بتعاقدها مع الشركة الفرنسية La lyonnaise des eaux سنة 1997 في إطار عقد التدبير المفوض، وبعدها شركة REDAL مع المجموعة الحضرية الرباط، سلا، تمارة، الصخيرات سنة 1998، ثم بعد ذلك سيبدأ الفقه المغربي بالاهتمام بهذا النوع الجديد من العقود الإدارية ([12]).
أما تشريعيا فقد ذكر مصطلح التدبير المفوض لأول مرة بموجب القانون رقم 78.00 المتعلق بالتنظيم الجماعي في المادة 39 منه، والمادة 36 من القانون 79.00 المتعلق بتنظيم العمالات والأقاليم، إلا أن الإقرار الصريح بهذا كان بصدور القانون 54.05 المتعلق بالتدبير المفوض للمرافق العامة ([13]).
عرفت المادة الثانية من القانون رقم 54.05 التدبير المفوض بأنه: “عقد يفوض بموجبه شخص معنوي خاضع للقانون يسمي “المفوض” لمدة محددة، تدبير مرفق عام يتولى مسؤوليته إلى شخص معنوي خاضع للقانون العام أو الخاص يسمي “المفوض إليه” يخول إليه حق تحصيل أجرة من المرتفقين أو تحقيق أرباح من التدابير المذكورة أو هما معا”.
وانسجاما مع التوجه السياسي والاقتصادي، الذي يهدف إلى تحقيق المردودية والتنافسية والخوصصة وتبني الشراكة بين القطاعين العام والخاص، تم اعتماد التدبير المفوض في قطاع النقل الحضري كغيره من المرافق العمومية الأخرى ([14]).
هذا الأسلوب الذي يعتبر من أساليب تسيير المرافق العامة المحلية والبنيات التحتية الأساسية، اتخذ مكانته داخل التدبير الإداري كنتيجة منطقية لمجموع التغيرات التي عرفتها جل المرافق العامة والمحلية على وجه الخصوص ([15]).
بناءا على ذلك وبمبادرة من الجماعات الحضرية، تم إعلان الاهتمام وبعده إعلان طلب العروض بشأن تدبير مرفق النقل الحضري، ومن خلاله تم اختيار المجموعة المكونة من: فيوليا ترونسبور، شركة النقل بوزيد، شركة النقل الهناء، النقل الممتاز، حافلة الكرامة، ثم شركة النقل أحسن حافلة كمفوض له لتدبير النقل الحضري بالرباط وسلا ([16])، وتم عقد اتفاقية التدبير المفوض مع هذه المجموعة.
وبناءا على اتفاقية التدبير المفوض للنقل الحضري التي تحدد التزامات وواجبات كل من المفوض والمفوض له، تعهدت شركة ستاريو بمجموعة من الالتزامات، كتأمين استغلال المرفق العمومي للنقل الحضري في أحسن شروط السلامة والراحة والولوجيات والانتظام والسرعة ودقة المواعيد، وتعهدت الشركة تبعا للشروط المنصوص عليها في الاتفاقية باستعمال أسطول يتكون من حافلات جديدة منها 400 حافلة يجب استخدامها في السنة الأولي من التدبير. وتنص الاتفاقية كذلك على التزام الشركة بالفحص التقني طبقا للأنظمة الجاري بها العمل وجهاز للحراسة عليه تأمين سلامة المستعملين. كما تعهد المفوض له بوضع نظام عصري لآلات وتجهيزات صرف التذاكر، يساعد السلطة المفوضة في مسألة التتبع والمراقبة. وبالإضافة إلى التجهيزات الأساسية، تلتزم الشركة بإنجاز بنيات تحتية ووسائل للاستغلال بما في ذلك المخابئ والمستودعات والمآرب والورشات ([17]).
المبحث الثاني
محاولة في تقييم مرحلة التدبير المفوض ومتطلبات إصلاح القطاع
خلق عقد التدبير المفوض المبرم بين وزارة الداخلية الممثلة في جهة الرباط وبين شركة ستاريو لتدبير النقل الحضري بالعاصمة نقاشات وتصادمات وشكاوى المواطنين، وذلك إثر المشاكل التي عرفها هذا القطاع، مما جعل الوزارة الوصية على القطاع اللجوء إلى مجموعة التجمعات الحضرية لحل مشكل النقل الحضري بالعاصمة.
المطلب الأول: مشاكل التدبير المفوض للنقل الحضري بالعاصمة
شهدت مرحلة تدبير النقل الحضري بواسطة عقد التدبير المفوض مجموعة من المشاكل والاختلالات على المستوي القانوني والتدبيري والاجتماعي، مما استدعي ضرورة مراجعة الأسلوب المعتمد لتدبير هذا المرفق بالقطب الحضري الرباط – سلا.
فقرة أولي: على المستوي القانوني
عرف التدبير المفوض للنقل الحضري العاصمة عدة مشاكل تتعلق بالإخلال ببنود الاتفاقية كعدم توفير الشركة للأسطول المتفق عليه – 400 حافلة خلال السنة الأولي من التدبير – ولجأت مقابل ذلك إلى جلب حافلات متهالكة من الخارج والاكتفاء بالحافلات المتواجدة من قبل، وكذا عدم القيام بالفحص التقني وجهاز للحراسة مما نتج عنه حرائق واعتداءات داخل الحافلات، مما يترجم غياب أي مجهود للشركة في الاستثمار. والملاحظ خلال السنة الثانية للاستغلال أن الشركة لم تقتن أي تجهيزات أو بنيات تحتية بل اكتفت بكراء المستودعات والورشات وكذلك مبني الإدارة، وهذا فوت على السلطة المفوضة امتلاك هذه الوسائل عن طريق نظام ممتلكات التدبير المفوض ([18]).
كل هذه الالتزامات لم تطبق على أرض الواقع، بالإضافة إلى عدم توصل السلطة المفوضة بالوثائق والمعلومات التي تهم تدبير مرفق النقل الحضري من طرف الشركة. ولعل هذا ناتج عن عدم الخضوع لمقتضيات القانون 54-05 الذي يضمن رقابة خارجية تمارس بشكل أوسع من خلال تتبع مراحل العقد، من مختلف المناحي الاقتصادية، المالية، الاجتماعية والتدبيرية. بحيث يكون للجهة المفوضة السلطة الكاملة للمراقبة والتأكد من خلال المستندات، وبعين المكان من حسن سير المرفق وحسن تنفيذ العقد. إضافة إلى إمكانية القيام بإجراء المراقبة والتدقيقات المحاسبية اللازمة، وإن تطلب الأمر الاستعانة بخبراء متخصصين ([19]). ذلك لأن التدبير المفوض لا يعني الخوصصة النهائية، بقدر ما يعني التدبير فقط دون التنازل عن القطاع، الذي يظل خاضعا لملكية الجهة المفوضة، التي تبقي لها سلطة التوجيه والمراقبة قصد تحقيق المصلحة العامة.
كل هذه الأسباب السالفة الذكر عجلت بانسحاب شركة ستاريو من تدبير مرفق النقل الحضري بالعاصمة لصالح نظام مجموعة التجمعات الحضرية.
فقرة ثانية: على المستوي التدبيري
يلاحظ تهميش المنتخبين بالنسبة لتدبير القطاع، ذلك أن لجنة التتبع كان يرأسها الوالي منفردا في غياب تام للمنتخبين ورؤساء الجماعات أيضا، وهي طريقة لسحب صلاحيات هؤلاء، وبالتالي الوالي يتخذ القرارات بشكل انفرادي باسم السلطة المفوضة. بالإضافة إلى ضعف تكوين وتأهيل العنصر البشري التابع للمفوض وبعد مسافته عن الواقع لمسايرة وتتبع التنفيذ اليومي والمتواصل لأهداف عقد التدبير مما شكل عائقا أمام ممارسة الرقابة ومتابعة تنفيذ التزامات الشركة المفوض إليها ([20]).
فقرة ثالثة: على المستوي الاجتماعي
إن الهدف من اعتماد التدبير المفوض في قطاع النقل الحضري كما هو معتمد في دفتر التحملات، هو استغلال هذا المرفق في أحسن شروط السلامة والراحة والولوجيات والانتظام والسرعة ودقة المواعيد ([21])، إلا أن الشركة لم تلتزم بهذا الاتفاق، ذلك أن معظم الخطوط كانت غير مغطاة وكان المواطنون ينتظرون لساعات بل أحيانا يلجئون إلى وسائل بديلة فرضها عليهم الواقع، والذي أثر سلبا على صورة العاصمة الإدارية وشوه سمعة النقل الحضري. يبقي المواطن في هذا كله هو المتضرر من سوء هذا التدبير، ولعل أفضل مثال لهذه المعاناة هي تلك الطوابير في ساحة باب شالة وباب الحد التي تعكس المعاناة اليومية للمواطن مع وسائل نقل العاصمة ([22]).
المطلب الثاني: مجموعة التجمعات الحضرية لحل مشكل تدبير النقل الحضري بالعاصمة
في إطار تدبير أزمة النقل بالقطب الحضري الرباط -سلا-تمارة ونظرا لأن شركة ستاريو لم تتمكن من احتواء مشاكلها ومن تم وضعت طلب اللجوء إلى مسطرة التسوية القضائية بالمحكمة التجارية بالرباط، فإن السلطة المفوضة بتنسيق مع السلطة الوصية اتخذت عدة تدابير كاللجوء إلى حل خارج التسوية القضائية لضمان استمرارية المرفق ([23])، تم توقيع بروتوكول اتفاقية التدبير المفوض متعلق بتفويت أسهم الشركة المفوض إليها لمجموعة التجمعات الحضرية، وعهد لهذه الأخيرة اختصاصات الجماعات المكونة لها فيما يخص النقل الحضري على صعيد المجال الترابي لهذه الجماعات، وذلك بناءا على القانون 78.00 المتعلق بالميثاق الجماعي كما تم تغييره وتتميمه بمقتضي القانون رقم 01.03 والقانون رقم 17.08 الصادر بتاريخ 18 فبراير 2009 خاصة المواد من 83-1 إلى 83-13 منه، وعلي الفصل 34 من عقد التدبير المفوض. وبهذا الاتفاق تم وضع حد بصفة توافقية لمساهمة فيوليا ترونسبور في رأسمال الشركة المفوض إليها وتفادي كل متابعة قضائية التي يمكن أن تترتب عليه ([24]).
وتفويت أسهم فيوليا ترونسبور لا يعني حل شركة ستاريو أو فسخ عقد التدبير المفوض، وهكذا فإن العقد يبقي ساري المفعول وجميع الالتزامات المضمنة في العقد يتم تحويلها للمساهمين الجدد.
وبناءا عليه، يكون هذا الاتفاق استمرارية المساهمين الجدد في عقد التدبير المفوض في جميع الحقوق والالتزامات، الأمر الذي يتنافى مع قانون التدبير المفوض بحيث إن مجموعة التجمعات المكونة من الجماعات الثلاث هي في نفس الوقت المفوض والمفوض له، باعتبار أنه تم تفويت أسهم فيوليا ترونسبور لمجموعة التجمعات الحضرية والتي تتكون من ([25]):
– الجماعة الحضرية لسلا 8 مقاعد.
– الجماعة الحضرية الرباط 6 مقاعد.
– الجماعة الحضرية تمارة 2 مقاعد.
فيما يخص القرار القاضي بتحديد كل من الجماعة الحضرية للرباط، سلا وتمارة في مجموعة التجمعات الحضرية، يعتبر إقصاء للجماعات الأخرى، مع العلم أنها تستفيد من خدمات النقل الحضري بناءا على اتفاقية التدبير المفوض.
كما نجد في هذه الحالة أن تدبير النقل الحضري يتم من خلال طريقتين:
– مجموعة التجمعات الحضرية فيما يخص الجماعات الحضرية الرباط، سلا وتمارة.
– صيغة التدبير المفوض فيما يتعلق بباقي الجماعات الأخرى.
وتجدر الإشارة إلى أنه في إطار تدبير مرفق النقل الحضري من خلال طريقة مجموعة التجمعات الحضرية، يتم إنشاء لجنة تتبع يفترض أن تتكون من أطر وتقنيي الجماعات المكونة لمجموعة التجمعات – تتكلف هذه اللجنة بتتبع مسار تدبير مرفق النقل الحضري – غير أن الملاحظ هو احتكار وزارة الداخلية لهذه اللجنة من خلال ممثل عنها هو من يتولى اختصاص هذه اللجنة.
مطلب ثالث: الحاجات ال أساسية لتجاوز أزمة تدبير القطاع
من خلال ما سبق وعلي ضوء مختلف النقاشات المنصبة على هذا الموضوع، والمشاكل التي يعرفها القطاع على المستوي الوطني كغياب الإطار القانوني المنظم لقطاع النقل غياب مخطط التنقل الحضري وعدم كفاية الإطار المؤسساتي ([26])، يمكن الإدلاء بمجموعة من المقترحات كمداخل لتجاوز هذه الأزمة، والتي يمكن تقسيمها إلى ما هو تدبيري وما هو قانوني:
1. المدخل التدبيري
– إعداد مخطط شامل واستراتيجية متكاملة للنقل الحضري بالقطب الحضري سلا- الرباط- تمارة.
– ضرورة إخضاع شركة المفوض لها تدبير المرفق للمراقبة والافتحاص المالي قصد تحسين وتطوير التدبير، وعقلنة عملية الاقتراض لدي صندوق التجهيز الجماعي.
– تفعيل الدور الرقابي الذي يلعبه المناديب أعضاء مجموعة التجمعات الحضرية العاصمة، ودور مجلس الرقابة في إطار الصلاحيات المخولة لهما من أجل الإشراف الأمثل على تدبير النقل الحضري.
– التفكير في صيغة تشاركية بين الدولة والقطاعات الحكومية المعنية من أجل توسيع الأسطول والرفع من عدد الحافلات.
2. المدخل القانوني
– ضرورة استحضار إشكالية النقل عند مناقشة واعتماد تصاميم التهيئة الموحدة بالشكل الذي يغطي كافة أحياء القطب.
– الحرص على التطبيق السليم لشركة ستاريو لمقتضيات دفتر الشروط والتحملات، خاصة في الشطر المتعلق بتطوير وتجديد وصيانة الأسطول.
– ضرورة الحسم في وضعية هيئة السلطة المفوضة، التي تشرف على تدبير القطاع والتي أصبحت متجاوزة من الناحية القانونية بعد تأسيس مجموعة التجمعات الحضرية.
من خلال تتبع هذا الملف والمشاكل التي يعرفها يتضح ويتأكد أن سياسة المدينة في شقها المتعلق بتدبير مرفق النقل الحضري يغلب عليها الطابع الترقيعي وعدم استقرار أنماط وأساليب تدبير المدينة، ولعل السبب في ذلك – ربما – يرجع إلى استيراد الأنظمة المقارنة دون دراسة مدي قابليتها للتطبيق على أرض الواقع وحسب الظروف التي يعرفها المحيط الاجتماعي المغربي، لأن الإمكانيات ليست هي الإمكانيات والعقليات ليست هي العقليات. زد على ذلك أن صفقات التدبير المفوض تدار أحيانا في إطار خارج قانون التدبير المفوض وبعيدا عن شروط دفتر التحملات الموقعة على أساسها الاتفاقية، الشيء الذي يصعب من إمكانية إخضاعها للمراقبة، ولهذا فغالبا ما لا تثار مسطرة المراقبة حتى في حالات عدم احترام بنود العقد، الأمر الذي يمس بمبدأ الشفافية ويسيء إلى مفهوم حكامة المدن وسياسة المدينة.
[1] للمزيد من المعلومات حول فكرة المرفق العام العمومي راجع: محمد الأعرج، القانون الإداري المغربي، الجزء الأول، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة “مواضيع الساعة”، العدد 61، 2009.
[2] Mohammed Amine Benabdallah, «La gestion déléguée du service public au Maroc», REMALD, n° 92, mai-juin 2010, page 9.
[3] سيتم التطرق لهذه الأساليب في محاور المقال، وهي الوكالة المستقلة، الامتياز، التدبير المفوض.
[4] سعيد نكاوي، التدبير المفوض على ضوء القانون 54-05، دار الآفاق المغربية للنشر، مطبعة الأمنية، الرباط، 2010، ص. 11.
[5] الفصل 154 من دستور المملكة المغربي، الصادر سنة 2011.
[6] المادة 39 من القانون رقم 78.00 المتعلق بالميثاق الجماعي كما وقع تغييره وتتميمه بمقتضي القانون رقم 17.08 الصادر في 18 فبراير 2009.
[7] المهدي بنمير، اللامركزية والشأن العام المحلي، المطبعة والوراقة الوطنية، مراكش، 2000، 93 ص.
[8] M. Rousset et J. Garagon, Droit administratif marocain, 2003, p. 343.
[9] بوعزاوي بوجمعة، “النظام القانوني للأملاك العامة المخصصة للمرافق العامة المفوضة”، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، يناير – أبريل، عدد مزدوج 79-78 ص. 83.
[10] عبد الواحد شعير، “الوضعية القانونية لممتلكات الجماعات المحلية”، مجلة المالية المحلية والاقتصاد الجهوي، سنة 1995، العدد 1، ص. 43.
[11] Amal Mecherfi, «La gestion déléguée au Maroc : un nouveau mode d’exécution des services publics locaux», REMALD, série “Thèmes actuels”, n° 30, 2001, p. 55.
[12] Amal Mecherfi, Ibid., p. 56.
[13] ظهير شريف رقم 01.06.15 صادر في 15 محرم 1427ه/ 14 فبراير 2006 بتنفيذ القانون 54.05 المتعلق بالتدبير المفوض للمرافق العامة، الصادر بالجريدة الرسمية عدد 5404، الصفحة 744.
[14] الشريف الغيوبي، “تفويض تدبير المرافق العمومية نحو شراكة متينة مع الخواص”، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد مزدوج 88-87 يوليوز – أكتوبر 2009.
[15] محمد اليعكوبي، تأملات حول الديمقراطية المحلية بالمغرب، الطبعة الثانية، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، 2008، ص. 90.
[16] مذكرة عن وزارة الداخلية، حول التدبير المفوض لمرفق النقل الحضري العمومي عبر الحافلات.
[17] البند 19 و20 الباب الخامس من اتفاقية التدبير المفوض لمرفق النقل الحضري بواسطة الحافلات بالرباط- سلا- الصخيرات- تمارة، الموقعة بتاريخ 26 فبراير 2009.
[18] البند 18 من اتفاقية التدبير المفوض لمرفق النقل الحضري بواسطة الحافلات، مرجع سابق الذكر.
[19] المواد من 20-19-18-17 من القانون رقم 05-54 المتعلق بالتدبير المفوض، مرجع سابق الذكر.
[20] مصطفي يخلف، “الرقابة القضائية لعقود التدبير المفوض عقدي النقل الحضري بأكادير نموذجا”، www.marocdroit.com
[21] البند 18 الباب الرابع من اتفاقية التدبير المفوض لمرفق النقل الحضري بواسطة الحافلات، مرجع سابق.
[22] محمد لغروس، “النقل بين الرباط وسلا … أزمة طال عمرها”، جريدة التجديد، عدد 3065، الأربعاء 16 يناير 2012، ص. 6.
[23] مذكرة صادرة عن وزير الداخلية.
[24] ملحق لاتفاقية التدبير المفوض لمرفق النقل الجماعي الحضري بواسطة الحافلات بالرباط – سلا – الصخيرات – تمارة، ص. 3.
[25] قرار وزير الداخلية رقم 10 الصادر بتاريخ 6 يونيو 2011 والقاضي بتحديد الجماعات المنتمية لمجموعة التجمعات الحضرية “العاصمة”.
[26] «Nouvelle politique du Maroc pour le développement du transport urbain», Abdellatif Chadali, Directeur de la planification et de l’équipement, ministère de l’Intérieur, 11 décembre 2008.


