(قضاء محكمة الاستئناف بالرباط نموذجا)
الدكتور/ عبد الرزاق اصبيحي
الكاتب العام للمجلس الأعلى لمراقبة مالية الأوقاف العامة
أستاذ محاضر بجامعتي الحسن الأول بسطات ومحمد الخامس السويسي بالرباط
مقدمة
في بداية هذه المداخلة نرى لزاما علينا أن نلفت الانتباه إلى ثلاث قضايا نعتبرها مدخلا ضروريا لمناقشة قضية تعاطي محكمة الاستئناف بالرباط، ومن خلالها القضاء المغربي، مع الأوقاف، وخاصة مع ما يتعلق منها بحماية أملاكها: القضية الأولى تخص علاقة الأوقاف بالقضاء، القضية الثانية تتعلق بمبررات حماية الأوقاف، والقضية الثالثة ترتبط بخصوصية المنازعات الوقفية في دائرة النفوذ الترابي لمحكمة الاستئناف بالرباط.
أولا: علاقة الأوقاف بالقضاء
لقد مرت الأوقاف في إدارتها بمرحلتين: فقبل المرحلة التي تم فيها إنشاء أجهزة رسمية عبارة عن إدارة حكومية مركزية تختص بتسيير شؤون الأوقاف وتدبير أمورها، كان الوقف قد مر بمرحلة يدار فيها من قبل نظار أفراد يعينون من قبل الواقفين في الغالب. وكان هؤلاء النظار يباشرون مهامهم تحت إشراف ومراقبة القضاء. وهكذا كان الوقف في هذه المرحلة ولمدة قرون عديدة يولد بإرادة حرة هي إرادة الواقف، ويستظل بسلطة مستقلة هي سلطة القضاء ([1]).
وقد كانت كلمة القضاء هي الفيصل في محاسبة من يتولى النظر على الوقف، والقاضي وحده هو من كان يملك سلطة عزل الناظر عندما تثبت لديه موجبات عزله من خيانة أو تفريط أو تقصير. أما المحبس فلا يمكنه عزل متولي النظر في حبسه، وإن كان هو الذي عينه، وإن قصر في أمر النظارة، أو أخل بالتزاماته. وهذا الأمر كان مقررا لدى الفقهاء المسلمين أيضا، ففي جواب للفقيه السرقسطي عن سؤال حول ناظر عينه محبس وظهرت خيانته أن هذا الناظر إنما يعزله القاضي ويعين غيره ([2]). بل علق الرهوني على قول أبي سعيد بن لب: “والحكم عند الفقهاء أن ليس للمحبس عزل من قدمه للنظر في الحبس …….” بالقول: “فانظر قوله (والحكم عند الفقهاء) كيف أتى به جمعا معرفا بأل مقتصرا عليه، وهو يدل أن المذهب كله عليه” ([3]).
ولم يقتصر الأمر عند حدود مراقبة القضاء لنظار الأوقاف، بل إن جميع التفويتات والمعاوضات وإن كانت فيها مصلحة للأوقاف، لا يمكن أن تمضي إلا بعد أن يجيزها القاضي ويتأكد فعلا من أن هذه المصلحة هي حقيقية وليست متوهمة. قال ابن رشد: “إن كانت القطعة من الأرض المحبسة قد انقطعت منفعتها جملة وعجز عن عمارتها، فلا بأس بالمعاوضة فيها بمكان يكون حبسا مكانها، ويكون ذلك بحكم من القاضي بعد ثبوت السبب والغبطة في العوض، ويسجل ذلك ويشهد به” ([4]). وربما هذا هو السبب الذي جعل المشرع المغربي في ظهير 21 يوليوز 1913 المتعلق بنظام تحسين حالة الأحباس العمومية يوكل للقاضي ترأس لجان السمسرة الخاصة بكراء ومعاوضة الأوقاف، وهو ما يعني استمرار وصاية القضاء بالمغرب وإشرافه على الأوقاف، طيلة الفترة الاستعمارية، حتى بعد تحول إدارة الأوقاف من الإدارة الفردية إلى إدارة مركزية هي إدارة عموم الأوقاف التي تحولت في ما بعد إلى وزارة عموم الأوقاف.
غير أن هذا الوضع لم يستمر للأسف، حيث وهنت في ما بعد علاقة الأوقاف بالقضاء، ولم تعد له أي ولاية عليها، مما أفقدها مكسبا مهما، كان في الإمكان أن تستفيد منه في حماية ممتلكاتها من الاعتداء والغبن والترامي، خصوصا أمام ضعف الوازع الديني الذي كان يردع الكثيرين عن التطاول على الأوقاف.
ومع ذلك، فإنه لا يزال بالإمكان أن نعول على القضاء، باعتباره حامي الحقوق وراعي الشرعية، في حماية الأوقاف والذود عن حماها، بما يصدر عنه من أحكام وقرارات تغل أيدي المعتدين على الممتلكات الوقفية، وتحاصر محاولاتهم إضفاء الشرعية على تصرفاتهم فيها.
ثانيا: مبررات حماية الأوقاف
يظن كثير من الناس أننا عندما ننادي بضرورة حماية الأوقاف إنما نصدر موقفنا من موقف عاطفي نابع من اشتغالنا في إدارة الأوقاف. وإذا كنا لا نخجل أبدا من هذا الأمر، فإن موضوع حماية الملكية العقارية للأوقاف يتجاوز ذلك بكثير. ذلك أن الوقف بما هو عطاء وتبرع وتبرر وصله للآخر كان ولا يزال يلبي حاجات اجتماعية ملحة، أي أنه يرتبط رأسا بالمصلحة العامة للمجتمع.
إنه من الخطأ الفادح أن نعتبر الدفاع عن الأوقاف دفاعا عن إدارة الأوقاف، أو عن طريقة تدبير الأوقاف، أو عن اختيارات هذا التدبير أو أساليبه. فقد نكون غير راضين عن ذلك كله، أو لنا رؤية أخرى فيه، لكن هذا لا يبرر لنا العزوف عن السعي لحماية الأوقاف، ولا يسوغ لنا النكوص عن الذود عنها.
لقد أدت الأوقاف خدمات جليلة للمجتمع في السراء والضراء، بل كثيرا ما عوضت الدولة حين قصورها أو تقصيرها في تلبية الخدمات والمنافع العمومية. والأوقاف مؤهلة اليوم أيضا لتحصن مكتسباتها وتقتحم مجالات أخرى فرضت المستجدات أولويتها. وإنما يتطلب الأمر تفعيل الوقف ونشر ثقافته والتسويق له بين الناس لاستعادة إشعاعه.
ومن جهة أخرى، فإن الناس كانوا إلى عهد قريب يردعهم عن الاعتداء على عقار ما لمجرد معرفتهم بنسبته إلى الأوقاف، لكن ضعف الوازع الديني أمام مغريات الحياة المادية، وهيمنة النزعة الأنانية، وسيطرة الرغبة في التملك بكافة الوسائل المشروعة وغير المشروعة. كل ذلك أدى بكثير من الناس إلى عدم التورع في الاعتداء على الأملاك الوقفية، واستعمال مختلف الوسائل الاحتيالية للتطاول عليها وتملكها بغير موجب حق ولا قانون.
إن هذه الاعتبارات وغيرها مما لا يتسع المجال للاستفاضة فيه ليفرض على كل الضمائر الحية من رجال القضاء وغيرهم بذل جهود مضنية من أجل الحد من ظاهرة الترامي على الأملاك الوقفية، وحمايتها من الجشع والنهب.
ثالثا: خصوصية المنازعات الوقفية في دائرة النفوذ الترابي لمحكمة الاستئناف بالرباط
تتميز المنازعات الوقفية القائمة في دائرة النفوذ الترابي لمحكمة الاستئناف بالرباط بكثرة القضايا المدنية المرتبطة أساسا بنزاعات الكراء، سواء تعلق الأمر بالدعاوى الرامية إلى الأداء والإفراغ، أو فسخ العلاقة الكرائية للتولية أو الكراء من الباطن، أو فتح محلات الأحباس التي يغادرها مكتروها ويتركونها مهملة، أو طلب الزيادة في السومة الكرائية، أو بطلان إجراءات بيع الأصل التجاري، أو غير ذلك.
وفي المقابل، نجد أن عدد القضايا في المادة العقارية جد محدود، وهذا راجع بالأساس إلى أن أغلب الأملاك الوقفية في هذه الدائرة تدخل في دائرة ما يصطلح عليه بالرباع، أي الأملاك غير الفلاحية المعدة للاستعمال السكني أو المهني أو التجاري أو الصناعي. أما الأملاك الحبسية الفلاحية فهي قليلة في دائرة النفوذ الترابي لمحكمة الاستئناف بالرباط.
إن هذا الأمر يفرض مضاعفة الجهود من أجل حماية الرصيد العقاري الحبسي من الضياع والاستنزاف، وهو ما تحاول إدارة الأوقاف العمل من أجله بكل قوة، يسندها في ذلك القضاء الذي تلجأ إليه لمواجهة ادعاءات الغير من ذوي النيات الحسنة أو السيئة على حد سواء.
وهكذا، فإن أهم القضايا العقارية المتعلقة بالأوقاف التي بثت فيها محكمة الاستئناف بالرباط تتعلق إما بقضية شرط الحوز بالنسبة للعقار المحفظ، أو بقضية إثبات الوقف، أو بقضية تفسير بنود عقد الوقف. وسنتناول موقف هذه المحكمة في كل قضية من هذه القضايا الثلاث.
القضية الأولى: بخصوص شرط الحوز في الوقف المتعلق بعقار محفظ
من بين الشروط التي يشترطها الفقهاء المالكية في الوقف وفي سائر التبرعات أن يتم حوز المال المتبرع به قبل حصول المانع. والحوز هو إخراج المتبرع به من يد المتبرع وتمكين المتبرع له من بسط سلطته عليه. وأما المانع فهو موت المحبس أو إفلاسه. والعلة في اشتراط الحوز هو الرغبة في ضمان نوع من الإشهار لهذا التصرف حتى يعلم الجميع بأن ما تم التبرع به لم يعد في ذمة المتبرع، ولذلك اشترطوا أن يتم ذلك قبل موته أو إفلاسه، لأن بموته تنتقل أمواله إلى ورثته، وبإفلاسه تنتقل إلى دائنيه.
ويستثنى من شرط الحوز في التبرعات حالة الوصية بالحبس، وهي الحالة التي يحبس فيها المحبس حبسا معلقا على وفاته، حيث يأخذ الوقف في هذه الحالة حكم الوصية، ولا يفتقر إلى حوز قبل حصول المانع لأن نفاذه أصلا متعلق بوقوع هذا المانع. وهذا ما قررته محكمة النقض في قرارها ([5]) رقم 909 بتاريخ 21 فبراير 2012، ملف عدد 695/1/3/2009.
لقد كان التحقق من شرط الحوز يتم عن طريق معاينة البينة، وهذا ما يسمى بالحوز المادي، أي في صورته المادية. وهو بهذه الصورة لا يطرح أي مشكل بالنسبة للعقار غير المحفظ. لكن الإشكال طرح بالنسبة للعقار المحفظ من وجهين: الوجه الأول: إذا تم حوز المال الموقوف حوزا ماديا ولم تتم الحيازة بالصورة المتطلبة قانونا وهي التسجيل بالرسم العقاري فهل يعتبر الوقف صحيحا وينتج آثاره بين الأطراف وفي مواجهة الغير، أم أنه يعتبر كأن لم يكن؟ بصيغة أخرى هل تجزئ الحيازة المادية عن الحيازة القانونية في الوقف المتعلق بعقار محفظ؟
أما الوجه الثاني فيتمثل في ما إذا تم تسجيل الوقف في الرسم العقاري للعقار الموقوف دون أن يكون قد تم حوزه حوزا ماديا، فهل تغني هذه الحيازة القانونية عن الحيازة المادية أم لا؟
وفيما يلي سنحاول أن نرصد موقف محكمة الاستئناف بالرباط في القضيتين معا:
- موقف محكمة الاستئناف بالرباط من تحقق الحوز المادي دون القانوني في وقف العقار المحفظ:
جاء في القرار الصادر عن هذه المحكمة بتاريخ 20/04/93 في الملف رقم 548/84: “حيث إنه إذا كانت أحكام الفقه المالكي المعتمدة تشترط لصحة التبرعات عامة والحبس أيضا الحيازة، حيازة المحبس قبل موت المحبس وإفلاسه أو حصول أي مانع له قبل هذه الحيازة، فإن الحيازة المعتبرة بالنسبة للعقار المحفظ ليست مجرد الحيازة المادية بل نقل الملكية وذلك لا يكون، حسب الفصلين 66 و67 من ظهير 12 غشت 1913 المتعلق بالتحفيظ، إلا بتسجيل الحبس في الرسم العقاري موضوع الحبس. (راجع قرار المجلس الأعلى عدد 3304 الصادر بتاريخ 25/12/1991 ملف عدد 1902/90).
وحيث إنه بالاطلاع على شهادة المحافظة العقارية المتعلقة بالرسم العقاري عدد 22988، لم يقع تسجيل رسم التحبيس قيد حياة المحبسين إلى أن توفيا، أي أن الحيازة المعتبرة قانونا لم تتم حتى حصل مانع بوفاة المحبسين وانتقال العقار إلى ورثتهما وبالتالي أصبح عقد التحبيس فاقدا لأهم شرط من شروط صحته، وبالتالي منعدم الوجود قانونا إزاء الورثة، وأن الحكم الابتدائي لما اعتمد على مجرد الحيازة المادية والقول بصحة عقد التحبيس والأمر بتسجيله في الرسم العقاري غير مصادف للصواب”.
فمن خلال هذا القرار يتضح أن محكمة الاستئناف بالرباط أعطت الأولوية للقواعد المنصوص عليها في قانون التحفيظ، وبالضبط تلك المنصوص عليها في الفصلين 66 و67.
والحقيقة أننا هنا إزاء حجيتين متعارضتين: حجية فقهية تذهب إلى أن الحبس متى استوفى أركانه وشروطه وحيز ماديا عن المحبس قبل موته أو تفليسه كانت له الحجة الكاملة في مواجهة أطرافه والغير معا، وحجية قانونية تقضي بأن المعول عليه بالنسبة للحقوق المترتبة على العقار المحفظ هو تسجيلها في الرسم العقاري. فأي القاعدتين أحق بالتطبيق ؟؟
ينبغي التذكير بأن الوقف هو تصرف من نوع خاص يستمد أحكامه من مصدره الأصلي وهو قواعد الشريعة الإسلامية، وبالتالي فهذه القواعد هي المرجع في الحكم بصحة الوقف من عدمها. وهذا ما سار عليه المجلس الأعلى سابقا (محكمة النقض حاليا) في القرار عدد 579 المؤرخ في 13/02/2002، ملف مدني عدد 4054/1/9/95 بين وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية و ورثة الحاج عبد الله أعمار ومن معهم ([6]). فقد نقض هذا القرار قرار محكمة الاستئناف بالرباط، معللا قراره بحق بأن “عقد التحبيس متى استوفى شروطه المعتبرة فقها وتوثيقا، كان صحيحا، ووجوده ثابتا، وأثر إنشائه يبقى ساريا وفقا لقصد المحبس، وتنفيذ تسجيل مضمونه بالرسم العقاري يجب أن يتم ولو عارض ورثة المحبس في ذلك بعد وفاته، لكون موروثهم طبع تصرفه بطابع ديني محض جرى فيه على مقتضيات أحكام وقواعد ذلك الطابع المحدد فقها وتوثيقا؛ حيث نص عقد التحبيس المذكور على كونه “تحبيسا مؤبدا ووقفا مخلدا ما بقيت الدنيا، وقصد بذلك وجه الله العظيم وثوابه الجسيم والدار الآخرة والله لا يضيع أجر من أحسن عملا، وتخليا عن الأمتار المذكورة لمن ذكر، وحازها منهما سيدي بوبكر القادري المذكور بتقديمهما له ذلك”
إن ما ذهبت إليه محكمة الاستئناف بالرباط في قرارها السابق من إبطال الوقف المتعلق بعقار محفظ لم تتم فيه إلا الحيازة المادية دون الحيازة القانونية، إنما يعبر عن توجه سابق لهذه المحكمة تجاوزته فيما بعد بموجب القرار الصادر عنها تحت رقم 155بتاريخ 10 يوليوز 2008 في الملف عدد 30/2008/13، والذي وإن كان يتعلق بعقد صدقة إلا أنه يطبق على سائر التبرعات. فقد جاء في هذا القرار: “حيث إن المجلس الأعلى في قراراته الحديثة نبذ الاتجاه القديم (..) واعتبر أن الحيازة شرط صحة في التبرعات وتثبت بالبينة الشاهدة بالتبرع أو بغيرها مستقلة، وبحصولها سواء كان العقار محفظا أو غير محفظ، وعقد الصدقة الذي عاين شهيداه حيازة الطالب للمتصدق به فارغا من شواغل المتصدق وعدم تسجيله بالرسم العقاري في حياة المتصدق لا أثر له على صحته، ولا يؤدي إلى بطلانه مادام قد نشأ صحيحا (…) وعليه فالتبرع سواء تعلق بملك محفظ أو غير محفظ لابد من توفر الحيازة فيه، فمتى تمت حيازة الشيء المتبرع به حيازة فعلية فإنه لا يمكن إبطال عقد التبرع ولو لم يسجل في الرسم العقاري إن كان العقار محفظا” ([7]).
وهكذا نرى أن هذا التوجه الذي اعتبرته محكمة الاستئناف بالرباط التوجه الحديث، هو الذي تتحقق به حماية الملكية العقارية للوقف، وهو يوافق ما نصت عليه مدونة الأوقاف في المادة 38 منها والتي جاء فيها: “ينتج الوقف آثاره بين الطرفين بمجرد انعقاد العقد المتعلق به والإشهاد عليه، مع مرعاة أحكام المادة 25 أعلاه”.
- موقف محكمة الاستئناف بالرباط من تحقق الحوز القانوني دون المادي في وقف العقار المحفظ:
جاء في القرار الصادر عن هذه المحكمة تحت رقم:211 بتاريخ: 21 يوليوز 2008، في الملف عدد: 245/2007/10 ما يلي: “وحيث إن المستأنف عليهن بتسجيلهن لعقد الهبة بالمحافظة العقارية قيد حياة الواهب لهن وقبل تاريخ وفاته في 10/05/1999 يكن قد تحوزن بالعقار الموهوب منذ تاريخ التسجيل حيازة قانونية تغني عن إشهاد العدلين بمعاينة الحوز وإخلاء العقار واحترمت مقتضيات المادتين 66 و67 من ظهير التحفيظ العقاري وسايرن فيها اجتهاد المجلس الأعلى المتوافر في هذا الصدد” ([8]).
وفي قرار آخر لنفس المحكمة تحت رقم 59 بتاريخ: 02 مارس 2009، ملف عدد: -76 75/2008/10، نقرأ ما يلي: “حيث إن رسم الصدقة المتعلق بالمتصدق عليه امبارك قد انصب على عقار محفظ، وقد عمد المتصدق عليه إلى تسجيل عقده بالمحافظة العقارية حسب الثابت من الشهادة العقارية عدد 18118 قبل وفاة المتصدق، ومن ثمة فإن حيازته القانونية للمتصدق به ثابتة، وأصبح في غنى عن إثبات الحيازة المادية. وقد استقر المجلس الأعلى على اعتبار تقييد العقد الشرعي بالسجل العقاري حيازة قانونية تغني عن الحيازة المادية” ([9]).
إن هذين القرارين وإن كانا يتعلقان بعقد هبة وعقد صدقة، إلا أن ما قرراه من مبدأ إمكانية الاستغناء بالحيازة القانونية عن الحيازة الفعلية في العقار المحفظ ينسحب على باقي التبرعات بما في ذلك الوقف والذي لم نعثر على قرار صادر عن محكمة الاستئناف بالرباط خاص به في هذا الصدد.
نحن ندرك أن هناك من يعارض هذا التوجه بالقول إنه “لا يمكن بأي حال أن يكون تسجيل سند التبرع على الرسم العقاري للملك المتبرع به قائما مقام الحيازة الفعلية التي جعلها الفقه شرط صحة أو تمام في التبرعات، ولا يمكن لهذا التسجيل أن يغني عنها إذا لم يثبت طبقا لما قرره الفقه في ثبوتها وحسب الأصول، لأن الحيازة في التبرع شرط، والشرط ما يلزم من عدمه العدم، ولأن التسجيل حسب القواعد المقررة في قانون التحفيظ لا يساوي إلا قيمة السند المسجل ولا يمكن أن يصحح سندا باطلا ([10]).
لكننا نرد على هذا الاعتراض بأن تسجيل سند التبرع بالملك المحفظ على رسمه العقاري يغنى عن الحيازة الفعلية، لا يعني أن هذا التسجيل يكمل النقص الحاصل في السند المسجل، وإنما يعنى تعويض الحوز المادي بالحوز الحكمي. فالفقهاء الذين اشترطوا الحوز في التبرعات بصورته المادية هم أنفسهم الذين قرروا أن الحوز بصورته الحكمية يغني عن الحوز الفعلي، ومثلوا لذلك بقيام الواقف بكراء المال الموقوف لفائدة الموقوف عليه. ومن ثم فإن الحيازة الحكمية المتمثلة في التسجيل بالرسم العقاري ليست إخلالا بشرط الحوز بل هي تحقيق له بوجه غير مادي هو أقوى ضبطا وأوثق قانونا من الصورة التي ساقها الفقهاء.
إن ما ذهبت إليه محكمة الاستئناف بالرباط في هذا الصدد من الاستغناء عن الحيازة الفعلية بالحيازة القانونية المتمثلة في التسجيل بالرسم العقاري، إنما يحقق الحماية المطلوبة للملكية العقارية للوقف، فضلا عن كونه ينسجم مع مقاصد الحوز. وهو بذلك موافق لما جاءت به مدونة الأوقاف التي نصت في الفقرة الثانية من المادة 26 منها على أنه يصح الحوز بمعاينة البينة، أو بتسجيل الوقف في الرسم العقاري، أو بكل تصرف يجريه الموقوف عليه في المال الموقوف”.
القضية الثانية: بخصوص إثبات الوقف
لابد من التنبيه بداية إلى أن موضوع إثبات الوقف قبل صدور مدونة الأوقاف كان يعاني من فراغ قانوني. فطيلة قرابة قرن من الزمن لم تكن هناك أي مقتضيات تشريعية تبين كيف يتم إثبات الأملاك الوقفية. فكان لزاما على القاضي الرجوع إلى القواعد الفقهية بموجب الإحالة المنصوص عليها في الفصل 75 من ظهير 02 يونيو 1915 المحدد للتشريع المطبق على العقارات المحفظة قبل نسخه بمدونة الحقوق العينية. فقد نص هذا الفصل على أنه: “تبقى الأحباس خاضعة للقوانين والضوابط الخاصة والعوائد الإسلامية التي تجري عليها”.
غير أن الرجوع إلى ما قرره الفقهاء بهذا الخصوص لم يحل المشكل، على اعتبار أن الآراء الفقهية، ولو مع حصرها داخل المذهب المالكي باعتباره المذهب الرسمي للبلاد، اختلفت في هذا الموضوع بين اتجاهين: الاتجاه الأول يتشدد في وسائل إثبات الوقف ولا يقبل لذلك إلا رسم التحبيس المستوفي لجميع أركانه وشروطه الموضوعية والتوثيقية. والاتجاه الثاني يأخذ بالمرونة وييسر وسائل إثبات الوقف، أخذا بعين الاعتبار لضرورة حماية الوقف المتصل بالمصلحة العامة والعليا للمجتمع من جهة، ولخصوصية الوقف باعتباره يتعلق به حق الله تعالى وحق الغائب من جهة ثانية. ومن جهة ثالثة لكون أغلب العقارات الحبسية يعود تاريخ تحبيسها إلى مئات السنين، مما يصعب معه في كثير من الأحيان إيجاد وثيقة التحبيس المنشئة لها، فضلا عن عدم وجود هذه الوثيقة أصلا في حالات كثيرة يتم التحبيس فيها شفويا وفقا لما جرى به العمل في بعض البوادي بصفة خاصة.
لقد انعكس هذا الاختلاف في الآراء الفقهية على القضاء المغربي، فظهر فيه هو الآخر اتجاهان: اتجاه يتبنى الرأي الفقهي الأول، واتجاه يأخذ بالرأي الفقهي الثاني.
ولم تكن محكمة الاستئناف بالرباط خارج هذا السياق، وإن كان تبنيها للاتجاه الميسر لوسائل إثبات الوقف أظهر وأقوى حجة، حماية للملكية العقارية للوقف. وسنستعرض في ما يأتي نماذج من قرارات هذه المحكمة في هذا الإطار.
- الاتجاه المتشدد في إثبات الوقف: ونمثل له بقرارين من قرارات محكمة الاستئناف بالرباط:
القرار الأول: هو القرار رقم 77 الصادر بتاريخ 22/05/08، ملف رقم: 197/2006/12:
ففي النازلة المتعلقة بهذا القرار أدلت الأوقاف لإثبات ملكية الوقف للأرض المتنازع عليها بالحوالة الحبسية، معتبرة في دفوعاتها أنها أقوى حجة من الرسوم المدلى بها وأن القطعة المدعى فيها ملك لأحباس سلا بإجماع الجيران، ويعتبر جزء منها مقبرة، ملتمسة إلغاء الحكم وتصديا التصريح بصحة تعرضها، واحتياطيا إجراء خبرة والانتقال إلى عين المكان.
ولخصت محكمة الاستئناف هذه الدفوعات بالقول بأن المستأنفة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في شخص ممثلها القانوني ركزت أوجه استئنافها في حيازتها للعقار المدعى فيه باعتباره مقبرة بناء على رسم تحبيس أقدم تاريخا بالمقارنة مع باقي الرسوم المدلى بها من طالبي التحفيظ.
لكن محكمة الاستئناف لم تقتنع بهذه الدفوعات، وأيدت الحكم الابتدائي الصادر ضد الأوقاف، معللة قرارها بما يلي:
- حيث تأكد للمحكمة من دراسة وثائق الملف سيما تقرير الخبير محمد الرحموني المنجز بالطور الابتدائي والمؤرخ في 11/11/2005 بعد انتقاله لعين المكان وتطبيق الرسوم إلى أن رسم التحبيس رقم 123 لا ينطبق على العقارات ذات المطالب 7/20 و24/20 و30/20 بخلاف رسوم طالبي التحفيظ المعززة بوضع اليد المتمثل في البناء والسكن،
- وحيث إن طلب إجراء خبرة مضادة ومعاينة المحكمة غير لازم طالما تبين للمحكمة وجه القضاء في الدعوى من الخبرة المنجزة ابتدائيا طبقا للشروط الشكلية المتطلبة قانونا ومقتضيات الأمر التمهيدي وذلك بتطبيق رسوم الطرفين،
- وحيث إن إعمال قواعد الترجيح بين الحجج المجمع عليها فقها يستلزم بداية انطباقها على العقار المدعى فيه والحال أنه في نازلة الحال لا مجال لإعمال القواعد المذكورة طالما أن رسم المستأنفة لا يتعلق بالمطالب المتعرض عليها من طرفها.
وإذا كنا لا نجادل في ما ذهبت إليه محكمة الاستئناف بالرباط من أن “إعمال قواعد الترجيح بين الحجج المجمع عليها فقها، يستلزم بداية انطباقها على العقار المدعى فيه”، فإن عدم استجابة المحكمة لطلب الأوقاف إجراء خبرة مضادة، واعتمادها على تقرير الخبرة المنجزة في المرحلة الابتدائية للقول بعدم انطباق رسم التحبيس على أرض النزاع؛ هو في نظرنا محل نظر، ليس من حيث قانونيته فالمحكمة لها كامل السلطة التقديرية في تكوين قناعتها والأخذ بما انتهت إليه الخبرة أو عدم الأخذ به أو إجراء خبرة مضادة أو الانتقال إلى عين المكان أو غير ذلك من وسائل تحقيق الدعوى. ولكن من حيث ما يؤمل في القضاء من غيرة على الأوقاف وسعي حثيث لحمايتها. فمن هذه الزاوية كان على المحكمة في نظرنا بمجرد الادعاء بأن محل النزاع أو جزءا منه يتعلق بمقبرة، أن تجري كافة التحقيقات الممكنة للتأكد من صحة هذا الادعاء أو عدمه، إذ إن ثبوته يغني عن النظر في الرسوم والترجيح بينها. وهذا ما قضى به المجلس الأعلى سابقا (محكمة النقض حاليا) في القرار ([11]) رقم: 3288 بتاريخ 09 غشت 2011، ملف عدد: 4924/1/1/2009، والذي تبنى دفوعات الأوقاف بأن “المقابر هي حبس بطبيعتها ولا تحتاج إلى رسم تحبيس” بل ذهب القرار أبعد من ذلك عندما اعتبر أن نزع الملكية لأجل توسعة مقبرة هو في حد ذاته تحبيس”.
وتجدر الإشارة إلى أن مدونة الأوقاف نصت صراحة في المادة 50 منها على اعتبار المقابر الإسلامية ومضافاتها والأملاك الموقوفة عليها، وقفا عاما بقوة القانون.
القرار الثاني: هو القرار رقم: 69 الصادر بتاريخ 07/06/2012، ملف رقم 1403/2011/87: هذا القرار اعتبر أن وصولات الكراء من صنع الأوقاف، وبالتالي لا يمكن قبولها لإثبات حيازتها لمحل النزاع.
وتعليقنا على هذا القرار الأخير هو أنه أعمل القواعد العامة ولم يراع خصوصية الأوقاف. ذلك أن حيازة الأوقاف لمحلاتها في الغالب تكون عن طريق الكراء الذي يعتبر أكثر وسيلة يتم بها استثمار الممتلكات الوقفية لاستخلاص ريعها. كما أن الأوقاف عندما تدلي بوصولات الكراء، فهي لا ترمي من وراء ذلك إلى إثبات الملكية، وإنما تقصد إقامة الحجة على حيازتها الطويلة والهادئة للمحل المتنازع فيه. ولا يخفى على أحد أن الحيازة الهادئة لمدة عشرة سنوات والتصرف بدون وجود أية منازعة يعتبر سندا للملكية ولذلك فإن دعوى استحقاق العقار لا يمكن سماعها ولا قبول البينة المؤيدة فيها بعد مرور عشر سنوات.
ومن ثم، فإن عدم الاعتداد بالحيازة القائمة على الكراء لإثبات الوقف من شأنه أن يفتح المجال للتطاول على الأملاك الوقفية وادعاء ملكيتها حتى من المكترين أنفسهم كما وقع في عدد من المدن الأخرى كمراكش، نتيجة معرفتهم بأن الأوقاف نظرا لقدم تاريخ تحبيس أملاكها لا تستطيع أن تدلي برسوم التحبيس.
- الاتجاه المرن والميسر لوسائل إثبات الوقف: ونمثل له كذلك بقرارين من قرارات محكمة الاستئناف بالرباط:
القرار الأول الصادر بعد الإحالة تحت رقم 80 الصادر بتاريخ 21/06/2012، ملف عدد: 13/09/1401:
هذا القرار هو قرار حديث يدل على أن نهج هذه المحكمة يقوم فعلا على حماية الوقف من التطاول واستغلال نظام التحفيظ للإجهاز على الممتلكات الحبسية.
فيكفي أن نعرف أن هذا القرار ورد في 26 صفحة، لنعرف مقدار الجهد الذي بذل من أجل تثبيت حق الأوقاف، من خلال مناقشة عميقة وتحليلات دقيقة لمختلف الحجج والوثائق التي تمسك بها خصم الأوقاف.
والقرار بذلك يثبت قوة الحجة، ورصانة الفقه القضائي لدى قضاة هذه المحكمة المحترمين، حيث لم يمنعهم نقض القرار الأول لهذه المحكمة، من حماية الوقف بأبلغ حجة وأقوى دليل. وقد كان من الممكن أن يشكل نقض محكمة النقض للقرار الأول الصادر عن هذه المحكمة والذي كان لصالح الأوقاف، موجها لتغيير الوجهة لصالح خصم الأوقاف، دون بذل الجهد المطلوب واستفراغ الوسع المرغوب، لبيان الحق الوقفي بأجلي بيان وأوضح برهان، حماية للوقف من العدوان.
وما كان لهذا القرار أن يصل إلى ما وصل إليه لو اكتفى بالقراءة السطحية لظاهر الوثائق المدلى بها، وهذا هو الفخ الذي حاول خصم الأوقاف أن ينصبه من خلال الإيهام بوقائع وحجج تغيرت بأخرى وتم تجاوزها قانونا وواقعا. غير أن المحكمة غاصت في التاريخ لاستجلاء الوقائع بدقة، وفحص الحجج والمقارنة بينها قبل ترتيب الأثار القانونية الحقيقية عنها، دون التقيد بأوصاف وتكييفات خصم الأوقاف أو الارتهان للمسارات التي أرادها لهذه القضية.
وهكذا اعتبرت الاختلاف في الحدود القائم بين حجتي الأوقاف المتمثلتين في الرسم الطبوغرافي لأحباس سلا المنجز سنة 1921 والملكية المنجزة سنة 1995، نتيجة طبيعية لما جرى من تغيرات نتجت عما تم من تصرفات خلال مدة 74 سنة الفاصلة بين التاريخين. ومن هذه التصرفات البيع الذي تم لجميع 5/6 الأرض المتخلفة عن موروث المتعرض (خصم الأوقاف) والمدلى برسم ملكيتها من طرفه كحجة منفردة بين يديه.
من جهة أخرى، فقد أعملت المحكمة في هذا القرار الفقه المقاصدي لطرق الإثبات ووسائله، باعتباره كشفا للحقيقة لا إنشاء لها. ومن ثم توسلت بكل الوسائل وأعملت كل الأدلة من أجل الوصول إلى هذه الحقيقة. وهذا ما جعلها تأخذ في ذلك بما يلي:
- الرسم الطبوغرافي لأحباس سلا المنجز شهر دجنبر 1921،
- الكناش الخاص بإحصاء أملاك الأحباس الكبرى والصغرى بمدينة سلا المتعلق بالسنوات من 1943 إلى 1945،
- محضر التحديد المنجز بتاريخ 19/6/1930 والمتعلق بأرض الفروكي الكبير (وهو ملك حبسي مجاور لأرض النزاع)،
- التصميم الطبوغرافي المنجز في دجنبر من نفس السنة (1930)،
- الملكية المؤرخة في 1995/10/13 والمتضمنة لاستمرار الملك والحيازة لأرض المطلب بشروطها المعتبرة شرعا.
وفي ختام هذه النقطة لابد من الإشارة إلى أن مدونة الأوقاف حسمت في موضوع إثبات الوقف لصالح اتجاه المرونة والتيسير، فنصت في المادة 48 منها على أنه: “يمكن إثبات الوقف بجميع وسائل الإثبات. وتعتبر الحوالات الحبسية حجة على أن الأملاك المضمنة بها موقوفة إلى أن يثبت العكس” ([12]).
القرار الثاني: القرار رقم: 05 الصادر بتاريخ: 24/12/2004، ملف رقم: 12/2003/101
لقد دفعت إدارة الأوقاف لإثبات تعرضها على مطلب تحفيظ بعض الممتلكات الوقفية المقدم من طرف المستأنف عليهما، بأنه قد جرى العرف والعادة على أن وزارة الأحباس عندما تريد أن تقيم دعوى ملك حبسي، فإنها ترجع إلى سجل تاريخي موجود في الوزارة وليس في النظارة يسمى كتاب 12 ضلع مسجلة فيه جميع الأملاك الحبسية، وهو منقول من الحوالات الحبسية على مر القرون، ويطلق عليها اسم السلطان الذي وقع الحبس في عهده، ويكفي نظارة الأحباس أن تدلي بما يفيد تصفح الكتاب المشار إليه. وقد أدلت بوثيقة التصفح ولم تعرها المحكمة الابتدائية أدنى اعتبار.
فقضى قرار محكمة الاستئناف بالرباط بإلغاء الحكم الابتدائي، وتصديا الحكم لصالح الأوقاف بصحة تعرضها، معللة قرارها بأنه “على خلاف ما ذكره المستأنف عليهما، فإن المستأنفة علاوة على إدلائها برسم تصفح يفيد أن الملك كان دائما مسجلا ضمن أملاك الأحباس وعلاوة على الإدلاء بتقرير الخبير عبد الغني البزاز الذي يبين وضعية عقار الأوقاف وعلاقته بعقار المستأنف عليهما وهي وضعية يؤكدها ويوضحها كذلك التصميم الهندسي للمحافظة العقارية والذي يشير إلى وجود هذا التعرض، فقد ثبت بالمعاينة الميدانية أن ما يرمي إليه المستأنف عليهما لا يستند على أساس سليم إذ إن حجتهما لا تستغرق العقار رقم 68 والذي توجد به على وجه الكراء السيدة رقية الحجار أي في الغرفة موضوع التعرض وفيها ولدت وكان والداها يسكنان بها وأن الجهة المستأنفة تتوفر على وصل كراء يعود لسنة 1959 ووصل آخر يعود لسنة 2004 ويتعلقان بكراء نفس الغرفة، إضافة إلى أن تصريحات الشاهد الحسين الطنجاي وهو من مواليد 1933 الذي استمع إليه المستشار المقرر بعين المكان (وهو نفسه المقصود بعلي الصحراوي) أفادت بأنه يسكن حاليا بالمنزل رقم 70 وأنه كان يسكن بالمنزل رقم 68 منذ الخمسينات ومكث به سنوات قليلة وأكد أن الدار رقم 68 في ملك الأحباس والدار رقم 70 في ملك السيد عبد العزيز ملين (علما بأن هذه الدار توجد بكاملها بالعقار رقم 72 ما عدا أن بابها مفتوح على الزنقة حسب الثابت من المعاينة) وأن الدار رقم 72 في ملك السيدة غيثة اشعيرة وأضاف أن الدار رقم 68 تسكن فيها السيدة رقية وقبلها والدتها وأن الغرف جميعها التي بيد السيدة رقية حسبما تم توضيحه بمحضر المعاينة (تستغل السيدة رقية علاوة على الغرفة موضوع التعرض غرفتين أخريين ومرحاض ومطبخ إضافة إلى قبو يؤدي إلى الأسفل) وليست موضوع نزاع ولا يمكن المرور إليها إلا عبر الباب رقم 68 وليس عبر الباب رقم 72. جميع تلك الغرف في ملك الأحباس”.
وهكذا نرى أن محكمة الاستئناف بالرباط من خلال هذا القرار أخذت برسم تصفح كناش الأحباس، وبوصولات الكراء، وبتقرير الخبرة، وبالتصميم الهندسي للمحافظة العقارية. وقامت بإجراء معاينة ميدانية وجلسة استماع للأشخاص الذين لهم علاقة بالقضية.
وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على سعي هذه المحكمة إلى الوصول إلى الحقيقة بكل الطرق، بما في ذلك القيام بإجراءات التحقيق للتأكد من ملكية الأوقاف لمحل النزاع. فضلا عن قبول المحكمة إثبات الوقف بمختلف وسائل الإثبات حماية منها للملكية العقارية للوقف.
القضية الثالثة: بخصوص تفسير ألفاظ الواقف
لاشك أن الإرادة الخيرة للواقفين هي مصدر نشوء الأوقاف بشتى أنواعها، ويترتب عن ذلك وجوب الوفاء لهذه الإرادة واحترامها والتقيد بها ما دامت واضحة وممكنة التنفيذ. وقد عبر بعض الفقهاء عن ذلك بقولهم: “لفظ الواقف كنص الشارع”. ويقصدون بذلك من جهة ضرورة الالتزام بلفظ الواقف كما يلتزم بالنص الشرعي، ومن جهة ثانية استعمال نفس الأدوات التي تستعمل لفهم الألفاظ الواردة في النص الشرعي من أجل فهم الألفاظ التي يعبر بها الواقف عن إرادته، من حيث التقيد بها إذا كانت صريحة، ومحاولة البحث عن القصد إذا كانت غامضة، ومحاولة الجمع بينها إذا كان يظهر منها التعارض فيما بينها، فإن تعذر الجمع بينها يتم الترجيح بينها بما يحقق المصلحة من الوقف.
في هذا الإطار صدر عن محكمة الاستئناف بالرباط القرار رقم: 1517 الصادر بتاريخ: 07/03/1995، ملف رقم: 3235/02، والذي جاء فيه: “حيث إنه بالرجوع إلى مضمون رسم التحبيس المؤرخ في رجب الفرد توثيق الرباط الذي أسس عليه المستأنفون طلبهم فهو يتضمن أن الحاج (…) حبس المدعى فيه على ذكور أولاده ما تناسلوا فإن انقرضوا فعلى أولاد بناته.
وحيث إنه بالاستناد إلى رسم التحبيس المشار إليه آنفا فإن المستفيدين من الحبس هم أولاد أفراد الطبقة الأولى وتشمل الأولاد الذكور لأبناء وبنات المحبس ما تناسلوا إلى حين انقراضهم لأن لفظ الأولاد إذا أطلق بدون إضافة يشمل الذكور والإناث لأن المراد به هو الجنس (…) ثم الطبقة الثانية وتشمل أبناء الذكور والإناث لبنات المحبس فقط دون عقبهن لأن المحبس لم ينص على ذلك بإضافة عبارة ما تناسلوا أو عقبهم. إذ أن ألفاظ الواقف تتبع وتحترم كألفاظ الشارع ولا يتوسع فيها فيجب احترام إرادته وحصر المحبس عليهم في النطاق الذي حدده المحبس في رسم التحبيس وإن القول بخلاف ذلك من قبيل تحريف إرادة المحبس وهو غير جائز”.
فمن خلال هذا القرار تكون محكمة الاستئناف بالرباط قد قررت جملة من الأمور المهمة نجملها في ما يلي:
- ضرورة التقيد بألفاظ المحبس الواردة في رسم التحبيس احتراما لإرادته، وبالتالي يتعين حصر المستفيدين في النطاق الذي حدده المحبس،
- لفظ الولد إذا أطلق بدون إضافة يشمل الذكور والإناث لأن المراد به هو الجنس،
- كون المحبس حبس على “ذكور أولاده ما تناسلوا، فإن انقرضوا فعلى أولاد بناته” معناه أن المستفيدين من الحبس هم أولا أفراد الطبقة الأولى، وتشمل الأولاد الذكور لأبناء وبنات المحبس ما تناسلوا إلى حين انقراضهم. ثم الطبقة الثانية، وتشمل أبناء الذكور والإناث لبنات المحبس فقط دون عقبهم، لأن المحبس لم ينص على ذلك بإضافة عبارة ما تناسلوا أو عقبهم.
[1]ينظر إبراهيم البيومي غانم. إبراهيم البيومي غانم: معالم التكوين التاريخي لنظام الوقف (اجتماعيا واقتصاديا ومؤسسيا)، مجلة “أوقاف” (تصدرها الأمانة العامة للأوقاف بالكويت)، العدد التجريبي (شعبان 1421هـ/ نونبر 2000م)، ص. 63-65.
[2]ينظر أبو العباس أحمد بن يحيى الونشريسي: المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى أهل إفريقية والأندلس والمغرب، خرجه جماعة من الفقهاء بإشراف محمد حجي، مطبوعات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمملكة المغربية، طبعة 1401هـ/1991م، الجزء السابع، ص. 145.
[3]ينظر أبو عيسى سيدي المهدي الوزاني: النوازل الجديدة الكبرى فيما لأهل فاس وغيرهم من البدو والقرى، قابله وصححه على النسخة الأصلية الأستاذ عمر بن عباد، منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمملكة المغربية، الطبعة 1914-1998، الجزء الثامن، الجزء 8، ص. 307.
[4]يراجع الونشريسي، المعيار المعرب، مرجع سابق، الجزء السابع، ص. 138.
[5]جاء في حيثيات هذا القرار: “والمحكمة مصدرة القرار المطعون فيه لما استندت في تعليل قضائها إلى أن رسم التحبيس المدلى به باطل لعدم حصول الحوز من المحبس عليهم، مع أن هذا التحبيس لا مجال للحوز فيه لأن المحبس منعه بجعل حبسه لا يخرج إلا بعد وفاته، ويعطى لذلك حكم الوصية لا غير، فإنها عللت قرارها تعليلا فاسدا ينزل منزلة انعدامه وعرضته للنقض”.
ينظر: قضاء محكمة الاستئناف بالرباط في ظل المبادئ الحديثة المعتمدة من طرف محكمة النقض، منشورات محكمة الاستئناف بالرباط، العدد 3، السنة 2013، ص. 213.
[6]منشور بمجلة القصر، العدد2، ماي 2002، ص. 119-123، وبمجلة القضاء والقانون، العدد 145، ص. 183-190.
[7]منشور في مجلة قضاء محكمة الاستئناف بالرباط في ظل المبادئ الحديثة المعتمدة من طرف محكمة النقض، . منشورات محكمة الاستئناف بالرباط، العدد الثاني، السنة 2012، ص. 166.
[8]منشور المرجع سابق، ص. 116.
[9]منشور المرجع سابق، ص. 311.
[10]ينظر محمد الأجراوي: الحيازة الفعلية في التبرعات بين الفقه والقانون الوضعي ودور المجلس الأعلى في التوفيق بينهما، مجلة المحاكم المغربية، العدد 84، شتنبر/أكتوبر 2000، ص. 27-28.
[11] قرار منشور في مجلة ملفات عقارية الصادرة عن محكمة النقض، العدد الأول، السنة 2012، ص. 30.
[12]السبب في اعتبار الحوالة الحبسية مجرد قرينة على حبسية ما دون فيها من أملاك هو أن هناك نوعين من الحوالات الحبسية: فهناك حولات دونت فيها معطيات عن الأملاك المحبسة في شكل تقييدات إدارية، وهناك حوالات متضمنة لرسوم التحبيس عليها إمضاءات العدول ومخاطبة القضاة، ولا تختلف بالتالي من حيث الحجية عن رسم التحبيس. ومن اجل اتخاذ موقف وسط يحافظ على الأوقاف دون أن يمس حقوق الناس تم اعتبار الحوالة الحبسية قرينة على حبسية ما دون فيها من أملاك، لكنها قرينة قابلة لإثبات العكس.


