دراسة مقارنة بين القانونين الجزائري والمصري

بوسماحة الشيخ

استاذ محاضر . قسم (أ)

جامعة ابن خلدون بتيارت

مقني عمار

أستاذ محاضر . قسم(أ)

جامعة ابن خلدون بتيارت

مقدمـــة:

لقد عنيت التشريعات عناية تامة بوضع القواعد والأحكام التي تكفل صون حقوق الدائنين، على قدر الإمكان، وكان لزاما عليه، أن تقرن وسائل التهديد والزجر، بنظام محكم لتصفية أموال المدين، وتوزيعها بين دائنيه توزيعا عادلا، بحيث ينال به كل منهم قسطا من دينه، دون تزاحم أو تشاحن بينهم.

والائتمان والثقة هي قوام العلاقات بين المتعاملين، وحسن النية هي أساس المعاملات المدنية والتجارية، وعلى ذلك إذا أخل التاجر المدين بالثقة التي أولاها له دائنه، فإن ذلك يستتبع سلسلة من التوقف عن سداد الديون، الأمر الذي يهدد باضطراب النشاط التجاري على نطاق واسع. ولذلك تتسم أحكام القانون التجاري بالتشدد مع المدين الذي يخل بالائتمان التجاري الذي منحه له دائته، إذ رسم الشارع طريقا لضمان الوفاء بالديون التجارية، وافترض تضامن المدنين بدين تجاري إذا ما تعددوا، وقسى في معاملة المدينين بالأوراق التجارية، وقرر نظام الإفلاس، وجعل منه أداة تهدد التاجر الذي يتوقف عن دفع دينه التجاري، حيث أن شهر إفلاس التاجر المتوقف عن الدفع يؤدي إلى تصفية أمواله تصفية جماعية لتحقيق المساواة بين الدائنين، زيادة على العقوبات الجزائية المحتملة.

وعلى منوال القانون التجاري سنت بعض التشريعات المدنية نظام الإعسار المدني، هادفة إلى تحقيق الائتمان في المعاملات المدنية، خاصة وأن القاعدة هي الدين أن مطلوب وليس محمول، إلا أنه نظام أقل صرامة من نظام الإفلاس التجاري، وأكثر مراعاة للتوفيق بين مصلحة الدائنين ومصلحة المدين ذاته، وفي هذا النظام لا يتطلب تكوين جماعة للدائنين، وإنما يخول لكل دائن حق التفرد بأي إجراء يناسب مركزه ويضمن ديونه.

ويلاحظ أن الإفلاس التجاري والإعسار المدني كلاهما نظامان يخلقان مراكز قانونية، ويرتبان آثار إجرائية بين المدين من جهة، والدائن أو مجموع الدائنين من جهة ثانية.

غير أنه يجب التذكير أن دعاوى الإعسار ليس الآلية القانونية الوحيدة التي تضمن للدائن استيفاء ديونه، فقد أوجدت التشريعات دعاوى أخرى رمت من خلالها حماية الضمان العام وهو أن “جميع أموال المدين ضامنة لالتزاماته”، وهذه الوسائل المدنية تأتي في مرحلة وسط بين التدابير التحفظية والتدابير التنفيذية، وبذلك فهي أقوى من الطرق التحفظية، لأنها تمهيد للتنفيذ، وأضعف من الطرق التنفيذية، لأن التنفيذ يتبعها دون أن تستغرقه.

وتتمثل دعاوى  الضمان في ثلاث دعاوى هي: الدعوى غير المباشرة، والدعوى البوليصية، ودعوى الصورية. وجميعها ترتكز على فكرة حماية الضمان العام للدائنين، فالدائن يصبو من ورائها لابقاء المال الذي كاد أن يخرج في الضمان العام، بواسطة الدعوى غير المباشرة، وأنه يعيد ما خرج من مال باستعمال الدعوى البوليصية أو يستبقي ما لم يخرج إلا ظاهرا بالدعوى الصورية.

ويضاف لما سبق وسيلة رابعة تدعم فكرة الضمان العام للديون، وهي حق الدائن في حبس مال المدين، وهذا الإجراء أقوى من الإجراء التحفظي، إذ أن الدائن يتخذه تمهيدا للتنفيذ بحقه، ولكنه يبقى أضعف من الإجراء التنفيذي، وذلك لعدم إستطاعة المدين الوقوف عند حبس مال المدين ليستوفي حقه، وإنما يجب عليه مواصلة إجراءات التنفيذ على المال المحبوس.

غير أن ما يلاحظ على هذه الدعاوى أنه يطغى عليها الطابع التفردي، حيث يقوم كل دائن بمفرده ولحسابه الخاص بممارسة الإجراءات التي تناسه، ولكن في التشريع الجزائري لا يتمخض عنها غل يد المدين عن التصرف في ما له بل يمكنه التصرف فيه ونيل جميع حقوقه.

ومن هذا المنطلق فكرت التشريعات في تدعيم الدعاوى السابقة بوسيلة أكثر فعالية، وهي دعاوى الإعسار، التي تشبه دعوى الإفلاس المعروفة في القانون التجاري.

حيث تعتبر دعوى الإعسار وسيلة قانونية من وسائل تحقيق الضمان للدائنين، إلا أن أحكام الإعسار ضد المدين غير التاجر، نظرا لوجود أحكام الإفلاس التي تسري في جانب التجار، مع مراعاة أن العبرة هي أيضا بطبيعة الدين، بكونه دين مدني وليس دينا تجاريا، ولذلك يجوز إخضاع التاجر لنظام الإعسار في ديونه المدنية، زيادة على إمكانية إخضاعه لنظام الإفلاس في ديونه التجارية.

وتجدر الإشارة في بداية البحث إلى أن بعض التشريعات المقارنة مثل ألمانيا وإنجلترا وهولندا والسويد والنرويج والدنمارك لا تميز بين الإفلاس التجارى والإعسار المدني، فتجعل المدين المعسر، التاجر وغير التاجر، خاضعاً لنظام واحد هو نظام الإفلاس التجارى. ومن ثم تؤسس هذه التشريعات آلية الإفلاس المدني (faillite civile)، دون وصفه نظاماً موحداً، فالإفلاس عندها يتناول كلا من الإفلاس التجاري (faillite) والإعسار المدني (déconfiture).

وما يعيب هذا النظام أنه يأخذ المدين المعسر بما يأخذ به التاجر المفلس من إجراءات لها ما يبررها في التعامل التجاري، ولكنها في المعاملات المدنية تعتبر قاسية في غير ضرورة.

وفي القانون السويسري نظم الإفلاس التجاري، وترك الإعسار المدني دون تنظيم موكولاً إلى إجراءات الحجز المعتادة.

ولكن بعض طوائف المدينين المعسرين أخضعت لنظام الإفلاس التجارى على سبيل الإجبار، وجعل للآخرين أن يختاروا هذا النظام. فمن يشاء منهم ذلك يقيد اسمه فى سجل خاص.

وعيب هذا النظام أنه لا يزال يترك الإعسار المدنى دون تنظيم، ويقتصر على نقل بعض المدينين المعسرين إلى نظام الإفلاس التجاري، ولا يتلاءم هذا النظام في بعض إجراءاته مع ملابسات الإعسار المدنى.

والكثير من الفقه يفضل النموذج الإسباني، لكونه ينظم الإعسار المدني تنظيماً مستقلاً عن تنظيم الإفلاس التجاري، ويسير في كل نظام وفقاً لمقتضياته، على أن هذا النظام لا يفرق كثيراً بين تنظيم الإفلاس التجاري وتنظيم الإعسار المدني من ناحية التصفية الجماعية.

غير أنه نظام الإعسار، شأنه شأن نظام الإفلاس، لا يمكن أن يصل إلى غايته المنشودة، إلا من خلال مجموع من الأحكام، توازن بين المصالح المتعارضة لذوي الشأن، تمهيدا للوصول إلى الحل المقصود، ومن الأحكام الهامة ما يتعلق منها بالآثار المترتبة عن الحكم بشهر الإعسار، حيث يترتب على ذلك آثار متعددة في جانب الدائن المعسر، وآثار أخرى في جانب الدائن لكل منهما، حيث كفل المحافظة على أموال المدين، وطلب القضاء بعدم نفاذ التصرفات التي تصدر منه، بعد اضطراب مركزه المالي وتوقفه عن الدفع، خشية أن يكون لدى المدين رغبة في تبديد أمواله أو إقصائها من متناول أيدي دائنيه.

ومن خلال هذا البحث سنتناول شروط الإعسار وصوره وآثاره، ومختلف الأحكام الموضوعية والإجرائية لدعوى الإعسار، على ضوء التشريع الجزائري من خلال دراسة مقارنة مدعمة باجتهادات القضائية وبآراء الفقه.

المبحث الأول: تعريف الإعسار وأهميته وشروطه

على عكس الإفلاس التجاري فإن نظام الإعسار المدني يتحقق حينما يطرأ خلل على الذمة المالية للمدين وتصير به مقوماتها السلبية أكثر من مقوماتها الإيجابية، أي أن أموال المدين، شخصا طبيعيا كان أو معنويا، تصبح غير كافية، بصفة جازمة، لسداد كامل الحقوق المقررة لدائنيه.

المطلب الأول: صــور الإعـسـار وطرق إثباته

الإعسار “نظام” قانوني ينطوي على وجود حالة عجز مال في جانب المدين تعذر معه الوفاء بديونه. وهو حالة تربو فيها ديون المدين على أمواله.

والشرط الموضوعي لإشهار الاعسار هو أن تكون أموال المدين غير كافية للوفاء بديونه. والعبرة في ذلك هي بالديون المستحقة الأداء وحدها دون الديون المؤجلة.

والمقصود من شهر إعسار المدين هو تنبيه دائنيه إلى وضعه المالي حتى يبادر كل منهم إلى الاشتراك في التنفيذ على أمواله.

ويتفق الفقه على أن التوقف لا يؤدي إلى نتائج خطيرة في المعاملات المدنية، كما هو الحال في المعاملات التجارية، وبذلك لا تعد هذه قرينة كافية لاعتبار المدين معسرا، ورفقا به يجب أن تكون  أمواله غير كافية للوفاء بجميع ديونه.

الفرغ الأول: تعريف الإعسار لغــة واصطلاحا

نعرف الإعسار من الناحيتين اللغوية والاصطلاحية، قبل التعرض لشروطه وأحكامه وآثاره.

أولا- تعريف الإعسار لغـــة

الإعسار لغــة ([1]): من العسر، وهو مشتق من فعل أعسر.

ويقابله في اللغة الفرنسية لفظ (insolvabilité) ، ويستعمل أيضا مصطلح (déconfiture).

وفي اللغة الإنجليزية يستعمل مصطلح (insolvency).

والإعسار: من فعل أعسرَ يُعسر إعسارًا، فهو مُعْسِر، والمفعول مُعْسَرٌ (للمتعدِّي).

والعُسْرُ: بالضم ضِدُّ اليُسْرِ، وهو الضيق والشدة والصعوبة. فيقال: عُسْرٌ وعُسُرٌ. وقد عَسُرَ الأمرُ: َعسُرُ عُسْراً، فهو عَسيرٌ.

وأعسرَ الشخص أو الغريم، أعْسُرُهُ وأعسِرُهُ عَسْراً: أي إفتقر وضاق حالُه، وطلب منه الدَّين على ضيق ذات اليد.

وعُسُرَ الأمر والزمان عسرا: أي صعب وإشتد، فهو عسر، ومنه قول الله تعالى: “وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا” ([2]).

ومنه أيضا قول الله تعالى: “سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا” ([3]).

والمعسرة: تعني الفقر وضيق ذات اليد، ومنها أيضا قوله تعالى: “وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ” ([4]). وقوله أيضا: “إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا” ([5]).

وعَسَرتِ الناقةُ بذَنَبها: تَعسِرُ عَسَراناً، إذا شالت به. وعَسَرَتِ المرأةُ، صَعُبت ولادتُها: ولادة مُعسِرة.

وعَسَرَني فلانٌ، أي جاء على يساري. ويقال: رجلٌ أعْسَرُ بَيِّن العَسَرِ، للذي يعمل بيساره. أمَا الذي يعمل بكلتا يديه فهو أعْسَرُ يَسَرٌ، ولا نقل أعسَرُ أيَسَرُ.

والتعاسر: يعني عدم الإتفاق. فيقال تعاسر الزوجان والبيعان: أي لم يتفقا. ومنه قوله تعالى: “فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى” ([6]).

ثانيا- تعريف الإعسار اصطلاحا

يرتبط الإعسار بنظام الذمة المالية للدائن والمدين ([7]). والمعسر هو من ليس له مال، أو هو شخص يعاني من عجز وضائقة تجعله غير قادر على القيام بواجباته المالية ([8]).

فالإعسار هو خلل يطرأ على الذمة المالية للمدين، وتصير به مقوماته السلبية (ديونها) أكثر من مقوماته الإيجابية (حقوقه المالية).

ولكن يقتضي الإعسار أن تكون الديون المستحقة الأداء، والمترتبة في ذمة المدين المعسر، أكثر من حقوقه، إلا أنه لا يكفي مجرد زيادة ديونه على حقوقه مطلقا، بل يشترط أن تكون هذه الديون مستحقة الأداء.

كذلك يشترط أن يكون الدين الذي إمتنع المدين عن دفعه مدنيا ، حالا ، محققا ، خاليا من النزاع. فإذا إمتنع المدين عن الدفع بسبب بطلان الدين أو إنقضائه بالوفاء أو بالتقادم أو بالمقاصة، أو إذا نازع في وجود الدين أو في مقداره أو في ميعاد إستحقاقه، وجب على المحكمة أن ترفض دعوى الإعسار، متى ثبتت لها عدم جدية الأسباب التي يستند إليها المدين ([9]).

ويعرف الإعسار في الفقه القانوني بأنه الحالة القانونية التي تكون فيها أموال المدين غير كافية للوفاء بديونه المستحقة الأداء، وتجعله عاجزا تماما عن السداد، وتحتاج هذه الوضعية إلى شهرها بحكم قضائي، لاسيما في التشريعات التي تنبت نظام الإعسار.

ومن الطبيعي أن يكون المدعى عليه في دعوى الإعسار هو المدين المعسر ([10]).

وإذا كان الإفلاس يطبق على التجار(أفرادا وشركات ومؤسسات)، فإن الإعسار يطبق على ما سواهم، مثل الفلاحيين والحرفيين والأطباء والمحاميين والخبراء والشركات المدنية عندما يعجز هؤلاء عن الوفاء بمجموع الديون المترتبة في ذمتهم.

وعلى خلاف الإعسار المدني فإنه في الإفلاس التجارى لا ينظر إلى ما إذا كان المدين معسراً بالفعل أو غير معسر، فقد يكون موسراً، وتكون له أموال تربى على ديونه أضعافاً مضاعفة، ولكن إذا كانت هذه الأموال لا يستطيع المدين أن يسدد منها الدين المطلوب، بأن تكون هي الأخرى ديوناً في ذمة مدينى المدين، لم تدفع لعدم حلول أجلها أو لتوقف المدينين عن الدفع، أو تكون عقارات أو منقولات يتعذر بيعها لوفاء الدين من ثمنها، أو تقصر هذه الأموال عن الوفاء بالدين لأي سبب آخر، فإنه يجوز شهر إفلاس المدين، مهما بلغ من اليسار، ما دام قد توقف عن دفع دين عليه مستحق الأداء.

والحقيقة أن المشرع الجزائري لم ينظم الإعسار بشكل شامل، ولم يجعل منه نظاما قانونيا مدنيا متكاملا، على خلاف ما فعلت بعض التشريعات، وإنما إقتطف بعض الأحكام من القانون المصري، بصورة مبتورة، وهو ما يعني تردده في تبني نظام الإعسار كنظام قائم بذاته ([11]).

وفي المقابل ذهبت بعض التشريعات العربية إلى تنظيم الإعسار المدنى بصورة متكاملة مثل التشريع المصري (م 249 – 264 مدني) والتشريع السوري (م 250 – 252 مدني). كما أن تشريعات عربية أخرى لم تأخذ بهذا النظام على إطلاقه، ولكنه أوجدت ما يسمى بنظام الحجر على المدين، وهو ما نراه مثلا في القانون العراقي (م 270 – 271 مدني).

الفرع الثاني: صــور الإعـسـار

قبل الحديث عن أحكام الإعسار يتحتم علينا تحديد المقصود بلفظ “المعسر”، لأن الإعسار القانوني ليس بالضرورة هو الإعسار الفعلي.

ففي الإعسار الفعلي تفوق ديون المدين على حقوقه، أو كما يقال عادة زيادة الخصوم (passif) على الأصول (actif) ، سواء كانت ديونه مستحقة الأداء أو غير مستحقة الأداء، ما دامت ديوناً محققة الوجود. فلا يدخل في الحساب الديون المتنازع فيها إلى أن تخلو من النزاع، ولا الديون المعلقة على شرط واقف إلى أن يتحقق الشرط.

أما الديون المؤجلة، وكذا الديون المعلقة على شرط فاسخ، والديون غير المقدرة، فإنها تحسب جميعاً، ولكن يجب تقدير الديون غير المقدرة، للإستيثاق مما إذا كان مال المدين يكفى للوفاء بها هي والديون المقدرة.

وإذا تحقق الشرط الفاسخ، فسقط الدين المعلق على هذا الشرط، إستنزل من مجموع الديون، وقد ينقلب المدين بإستنزال هذا الدين موسراً بعد أن كان معسراً.

ومؤدى ما تقدم أنه لا يكفي لتحقق حالة الإعسار القانوني أن تكون أموال المدين غير كافية لسداد ديونه الحالة والمؤجلة، بل يجب أن تقصر أمواله على الوفاء بديونه الحالة فقط. ومعنى ذلك أنه لا يعتد بالديون المؤجلة ولا بالديون المشروطة بشروط واقفة.

ويتبع ذلك القول بأنه لو كانت أموال المدين كافية للوفاء بديونه المستحقة الأداء، فإنه لم يجـز شهر إعساره، حتى ولو كانت هذه الأموال غير كافية للوفاء بجميع ديونه الحالة والمؤجلة.

ويفرق الفقه بين نظام الإعسار القانوني ونظام الإعسار الفعلي على النحو التالي ([12]):

– الإعسار الفعلي: هو حالة واقعية تنشأ عن زيادة ديون المدين، فتكون ذمته المالية غير قادرة على الوفاء، سواء كانت مستحقة الأداء أو غير المستحقة مادامت ثابتة ومحققة الوجود.

–  الإعسار القانوني: هو حالة قانونية تنشأ من زيادة ديون المدين المستحقة الأداء على حقوقه ([13])، ولابـد من شهرها بموجب حكم قضائي يجعل المدين في حالة إعسار.

والحقيقة أن الإعسارين يشتركان في نقطة، ويختلفان في نقطتين. أما النقطة التي يشتركان فيها، هي أن تحقق كل منهما منوط بتوفر عنصر زيادة الديون عن الحقوق، بمعنى أنه إذا لم تتحقق هذه الزيادة، فلا تحصل حالة الإعسار.

وأما النقطتان التي تتفرقان فيهما، فأولاهما: هي أن الديون التي تتصف بوصف الزيادة في الإعسار الفعلي، ليس من اللازم أن تكون مستحقة الأداء، بل ولو كانت غير مستحقة الوفاء، فإنه تحصل بها حالة الإعسار.

أما الإعسار القانوني فإنه من اللازم في تحققه أن تزيد الديون المستحقة الأداء عن الحقوق.

وثانيهما: أن الإفلاس القانوني يستلزم صدور حكم من القاضي بشهر إعسار المدين، وهذا ما يعطي له الصفة القانونية.

ويتبع هذه التفرقة أن الآثار التي يرتبها القانون على الإعسار القانوني لا يرتبها على الإعسار الفعلي مثل:

– سقوط أجل الديون وإستنزال الديون.

– منع المدين من التصرف في ديونه.

– تعريض المدين لعقوبة جريمة التبديد.

– جواز إعطاء المدين نفقة من إيراداته المحجوزة.

– جواز الاحتجاج ضده المدين بحق الاختصاص.

فهذه الآثار إنما تخص حالة الإعسار القانوني فقط. كما أن هناك آثار أخرى يرتبها القانون على الإعسار الفعلي دون حاجة لأن يكون قانونيا ومثالها:

– إنتهاء الشركة باعسار أحد الشركاء ([14]).

– جواز إنتهاء العارية إذا أعسر المستعير بعد إنعقادها أو كان معسرا قبل ذلك دون علم المعير ([15]).

– إمكانية تقديم كفيل موسر (أي غير معسر) إذا إلتزم المدين بتقديم كفيل ([16]).

– سقوط حق الدائن في الرجوع على الكفيل إذا أعسر المدين، ولم يتخذ المدين الإجراءات اللازمة للمحافظة على حقوقه ([17]).

ويضاف إلى ذلك جواز مباشرة الدعوى غير المباشرة والدعوى البوليصية، وهي في الواقع دعاوى تباشر في جميع الحالات، سواء كان المدين معسرا قانونيا أو فعليا ([18]).

كما أن المدين المعسر فعليا يجوز، وفقا لأحكام القانون، أن يثبت إعساره، وهذا يخول له بعض المكان الإجرائية ومنها مثلا:

– حق المطالبة والتمسك بالمساعدة القضائية، وحق التمسك بتدخل صندوق ضمان السيارات، وجواز الدفع بعدم دفع النفقة أملا في تخفيف العقوبة أمام القضاء الجزائي أو رغبة في الإستفادة من دعم صندوق النفقة أمام القاضي المدني…

وعلى كل حال يعتبر الإعسار الفعلي أو الواقعي أوسع نطاقا، ولا يحتاج إلى حكم قضائي، بعكس الإعسار القانوني، غير أن الإعسار القانوني أشد إمعانا في الاستغراق بالدين من الإعسار الفعلي.

غير أن الإعسار القانوني، كحالة منظمة، قد ينتهي قبل إنتهاء الإعسار الفعلي، لأن صدور حكم بإنهاء الإعسار لا ينهي حتما الديون، إذ قد تبقى ديون المدين أكثر من حقوقه، فيكون معسرا فعلا ([19]). وهكذا قد يتناوب المدين إعسار فعلي ينتقل منه إلى إعسار قانوني ليعود بعد ذلك إلى إعسار فعلي ([20]).

ويعني ذلك أنه لا يترتب على إنهاء الإعسار القانوني، أن ينتهي حتما الإعسار الفعلي.

المطلب الثاني: أهمية الإعسار في المعاملات المدنية

يعتبر نظام الإعسار وسيلة قانونية من وسائل الضمان للدائنين، وتطبق أحكام الإعسار ضد المدين غير التاجر في الغالب، نظرا لوجود أحكام الإفلاس التي تسري في جانب التجار، مع مراعاة أن العبرة هي أيضا بطبيعة الدين بكونه دين مدني وليس دينا تجاريا، ولذلك يجوز إخضاع التاجر لنظام الإعسار في ديونه المدنية ([21])، زيادة على إمكانية إخضاعه لنظام الإفلاس في ديونه التجارية.

وفي المقابل فإن التاجر الذي لا يتوقف عن دفع ديونه لا يخضع للإفلاس، ولو كان معسرا بالمفهوم القانوني، مادام قادرا على الدفع عن طريق الإقتراض أو باللجوء على تقديم ضمان عيني (عقد رهن) أو الإستعانة بضمان شخصي (عقد كفالة).

ولا يقوم الإعسار على فكرة التوقف عن الدفع، حيث أن مجرد توقف المدين عن الدفع ليس بالدليل على إعساره، ولا يجـر هذا التوقف عادة في المعاملات المدنية بعكس التعاملات التجارية.

ومن ثم لم ترى التشريعات المقارنة التي أخذت بنظام الإعسار أن تقف عند هذه القرينة، لاعتبار المدين معسراً، ولم تقف حتى عند الإعسار الفعلي، بأن يكون مال المدين لا يكفى للوفاء بجميع ديونه، بل هو لم يرض أن يجمع بين الأمرين:

الأول- الإعسار الفعلي.

الثاني- التوقف عن الدفع .

وقد كان هذا الطريق أحد طريقين لتحديد الإعسار القانوني، والتي أقترحت في المشروع التمهيدي للتقنين المدني المصري، ولكن لجنة المراجعة لم تختر هذا الطريق، واختارت الطريق الآخر الذي استقر في التقنين الجديد، وهو أكثر رفقاً بالمدين ([22]). فلا يكفي، حتى يجوز شهر إعسار المدين، أن تكون أمواله غير كافية للوفاء بجميع ديونه، ولا يكفي أن يتوقف عن دفع دين مستحق الأداء، بل يجب أن يكون أشد إعساراً من كل ذلك ، فتكون أمواله غير كافية للوفاء بديونه المستحقة الأداء وحدها أو كما تقول المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى ([23]): “لا يشترط مجرد نقص حقوق المدين عن ديونه ، بل يشترط أيضاً أن تكون الحقوق أقل من الديون المستحقة الأداء، أي أقل من جزء معين من مجموعة الديون”.

فلو أن أمواله كانت كافية للوفاء بالديون المستحقة الأداء، لم يجز شهر إعساره، حتى لو كانت هذه الأموال غير كافية للوفاء بجميع الديون الحالة والمؤجلة، وحتى لو توقف عن دفع دين حال، ولا يقال إن الديون المؤجلة تحل بالإعسار، فإن الدين لمؤجل لا يحل إلا بشهر الإعسار، أى بالإعسار القانوني دون الإعسار الفعلي.

ويقع عبء إثبات إعسار المدين على من يطلب شهر إعساره، ويكون غالباً أحد دائنيه. ويمكن إثبات الطرق الإعسار، أي عدم كفاية أموال المدين للوفاء بديونه المستحقة الأداء، بجميع الطرق لأن الإعسار واقعة مادية.

وما يلاحظ هو أن الإعسار القانونى أضيق من الإعسار الفعلي، وأن المعسر إعساراً فعلياً لا يكون بالضرورة معسراً إعساراً قانونياً، وإن كان المعسر إعساراً قانونياً لابد أن يكون معسراً فعلياً ([24]).

على أن الإعسار القانوني، على ضيقه، أوسع من الإفلاس التجاري، حيث أن مجرد توقف المدين التاجر عن دفع دينه الحال يبيح شهر إفلاسه، ولو كان هذه المدين غير معسر، لا إعساراً قانونياً ولا إعساراً فعلياً ([25]).

وإذا كان زوال حالة الإعسار القانوني قد تم بسبب كفاية أموال المدين للوفاء بجميع ديونه الحالة والمؤجلة، أي زال الإعسار القانوني والإعسار الفعلي في وقت واحد، فإن المدين قد يعود إلى الإعسار الفعلي دون أن يشهر إعساره القانوني.

ونشير أن أحكام الإعسار تصلح للتطبيق على كل شخص طبيعي أو معنوي، كالشركات المدنية والمهنية والجمعيات التي تعجز عن الوفاء بديونها المستحقة للغير ([26]). كما يطبق أيضا على التاجر فيما يتعلق بديونه غير التجارية.

والإعسار نظام من شأن أن يكفل الضمان العام للدائن في مواجهة المدين، خاصة بعد إلغاء المشرع الجزائري لنظام الإكراه البدني للوفاء بالديون المدنية بموجب قانون الإجراءات المدنية والإدارية، وذلك تطبيقا للعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية ([27]). وهو النص الدولي الذي صادقت عليه الجزائر ([28]).

وفي هذا الإطار قضت المحكمة العليا، حتى قبل إلغاء نظام الإكراه البدني، بعدم جواز توقيعه في الديون التجارية مطبقة بنود العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية ([29]).

غير أنه وفي قرار آخر مناقض قضت المحكمة العليا بأنه ([30]): “يجوز توقيع الإكراه البدني في حالة عدم الوفاء بمبالغ مالية محكوم بها، يكون مصدرها فعلا ضارا، وليس التزاما تعاقديا”.

وتكمن الحكمة من الإعسار في لجوء الدائن إلى رفع دعوى الإعسار لمطالبة المدين بأداء إلتزامه، وله في ذلك شتى من هذه المصالح:

– الخشية من قيام المدين بتبديد أمواله أو إخفائها أو التصرف فيها للإضرار بحقوق دائنيه.

– خشية الدائن من إنتظار حلول أجل ديونه متيقنا من إعسار مدينه، فبرفع دعوى الإعسار تحل آجال الديون.

– الخشية من أن يبادر الدائنون الآخرون إلى تقرير حق إختصاص على عقارات المدين. فالدعوى تمنع قيد أي حق تخصيص.

– قطع الطريق على المدين المعسر في شهر إعساره بسوء نية حتى يفوت على دائنيه الحصول على أموالهم.

والحكم بالإعسار يصدر بناء على دعوى الدائن أو حتى بناء على طلب من المدين نفسه ([31]).

وتتعدد مصالح الدائن، أي المدعي في دعوى الإعسار، فقد يخشى من لجوء المدين إلى تبديد أمواله أو اصطناع ديون صورية بالتواطؤ مع الغير أو ربما يتصرف فيها بإنفاقها للإضرار بحقوق الغير بعد أن يستبد به اليأس نتيجة إعساره أو قد تتحقق المصلحة في لجوء الدائن إلى رفع الدعوى لقطع الطريق أمام نظرائه من الدائنين خشية أن يبادر أحدهم إلى أخذ اختصاصات أو تخصيصات على عقارات لكي يتقدم بها عن غيره في استيفاء حقوقهم ([32]).

وقد يكون الدائن حقه مؤجلا، وتيقن من إعسار مدينه، فيخشى أن ينتظر حلول الأجل فلا يجد عند المدين مالا يستوفي منه حقه، فيسارع إلى المبادرة بدعوى شهر إعسار المدين متمسكا بدين حال، غير الدين المؤجل، فإذا ما شهر إعسار المدين سقط الأجل في الدين المؤجل، وبادر الدائن إلى التنفيذ بحقه، والحصول على قسط منه، بدلا من ضياعه كاملا ([33]).

وهذا الأمر يفترض تعدد الديون، بعضها تكون حالة الأجل وبعضها مؤجلة، ولكن المبدأ أن دعوى شهر الإعسار لا يجوز إقامتها إلا عند حلول ميعاد الوفاء بالدين.

ويستفاد من ذلك أن الدائن ذو الحق المؤجل لا يتمسك في شهر إعسار المدين بحقه هو، لأنه غير حال، وإنما يتمسك بحق حال، ولو لدائن آخر، لا تكفي أموال المدين للوفاء بها ([34]).

أما المدين نفسه فنادرا ما يلجأ إلى إعلان إعساره بنفسه، ولو أن القانون لا يمنعه من ذلك، وقد يكون ذلك إعرابا منه عن حسن نيته تجاه دائنيه طالبا تمكينه من فرص أخيرة للتصالح معهم أو التفاهم حول حلول بديلة.

ولعل من الأسباب التي تدفع المدين لطلب شهر إعساره هو حينما يرى أن الديون قد أثقلته، وأن ظروفه التي تحيط به تشفع له، فيعمد إلى طلب شهر إعساره كي يستطيع الحصول على فرصة من الوقت بمنحه آجالا للديون الحالة، وأن يمــد الآجال بالنسبة إلى الديون المؤجلة أو يطلب تقسيط عملية الدفع أو الإعفاء من جزء منها (الفوائد مثلا)…

وبذلك يتمكن من تسوية حالته المالية في روية من الأمر، وهو ما يجعله إجراء قريبا من الصلح المعروف في نظام الإفلاس.

وقد يكون المدين غارقا في ديونه وأمواله على أهبة الحجز عليها، فيعمد إلى طلب إعساره بنفسه حتى يستطيع الحصول على نفقة غذائية من أمواله المحجوزة قبل تصفيتها نهائيا.

ويفترق نظام الإعسار عن نظام الإفلاس في إقتصاره على إجراءات فردية من الدائن، ولا ضرورة لاتخاذ الإجراءات الجماعية لتصفية أموال المدين المعسر.

والغالب أن يطلب أحد الدائنين شهر إعسار المدين (الدائن المستعجل)، وتتحقق مصلحة هذا الدائن (أو الدائنين) في الإلتجاء إلى تلك الدعوى إذا خشي من تبديد أمواله أو إخفائها أو إصطناع ديون صورية.

المطلب الثالث: إجراءات إشهار إعسار المدين

إعلان الإعسار في بعض التشريعات المقارنة لا يتم إلا بمقتضى حكم قضائي، وهو حكم لا يكون تلقائيا، وإنما بناء على إجراءات قضائية ترفع ممن له مصلحة. وهو الدائن في الغالب.

ويحق لكل دائن طلب شهر إفلاس الشخص التاجر المتوقف عن دفع ديونه، كما يحق لكل دائن لجأ إلى إشهار إعسار الشخص المدني المدين. فهو حق اختياري، لا يجوز التعسف في استعماله، فمن يتسرع في طلب الإفلاس دون التأكد من حالة توقف مدينه عن الدفع أو دون التيقن من إعساره، فإنه سيكون دائنا سيء النية وشخصا متعسفا في مواجهة خصمه.

ويقوم الإعسار المدني على فكرة الضمان العام للدائن أو للدائنين، حيث يكون للدائن مصلحة واضحة من وراء طلب شهر إعسار المدين، وهي الخشية من تبديد المدين ماله أو التصرف فيه إضرارا بحقوق هذا الدائن. فيسعى بذلك  إلى غـل يـد المدين عن التصرفات المضرة.

وقد يكون السبب في المسارعة برفع دعوى الإعسار هو خشية الدائن، ليس من المدين فحسب، بل من دائن آخر أو من عدة دائنين قد يلجئوا إلى القضاء للحصول على حق إختصاص بعقار المدين متقدمين عليه في إستيفاء حقوقهم من المدين. فيراد قطع عنهم الطريق إذا سارع هو إلى تسجيل دعوى الإعسار قبلهم.

الفرع الأول: من له الصفة في رفع دعوى الإعسار

يجوز لكل دائن طلب شهر إعسار مدينه، ولو كان دينه صغيرا، حيث لم يضع القانون حدا أدنى لقيمة الدين الذي يشهر الإعسار بمقتضاه. ويجوز أن تتعدد دعاوى شهر الإعسار، إذ ليس بلازم أن يجتمع الدائنون في دعوى واحدة أو تتعاصر إجراءاتهم في وقت.

كما يجوز شهر الإعسار، ولو لم يكن للمدين دائنون ظاهرون، غير الدائن طالب الإعسار، وذلك حتى يتمكن هذا الدائن الواحد من غــــل يـــد المدين من التصرف في أمواله، فضلا عن تعريضه لعقوبة التبديد إذا أشهر إعساره وأقدم المدين المعسر مع ذلك على إخفاء بعض أمواله ليحول دون التنفيذ عليها ([35]).

ولا يشترط أن يكون الدائن رافع دعوى شهر الإعسار هو حتما صاحب الدين الحال الأداء. فقد يكون حق الدائن رافع الدعوى مؤجلا، ولكن ثبت لديه إعسار مدينه، ويخشى أن ينتظر حلول الأجل، فلا يجد عند المدين ما يستوفي منه حقه، فيبادر إلى طلب شهر إعساره متمسكا بدين حال، غير دينه المؤجل، الذي لا تكفي أموال المدين للوفاء به.

وفي أحوال نادرة قد يكون الإعسار بناء على طلب من المدين نفسه ([36])، وهو على كل أعلم الناس بحالته المالية، وبقدر الاضطراب الذي أصابها، فيلجأ حينها إلى القضاء طالبا شهر إعساره بقصد إفادة نفسه من بعض مزايا الإعسار(طلب نظرة الميسرة، الحق في نفقة… ).

فعندما يتيقن المدين أن الديون قد أثقلت كاهله، وأن الظروف التى تحيط به تشفع له، فيعمد إلى طلب شهر إعساره آملا في الحصول على آجال للديون الحالة، وحتى يمد الآجال بالنسبة إلى الديون المؤجلة، فيتمكن بذلك من تسوية حالته المالية في هدوء وطمأنينة، مراعاة لحسن نيته وتقديرا لظروفه. وهذا ما يسمى بالحق في نظرة الميسرة في أداء الديون الحالة ([37])، وفي هذا يشبه الإفلاس التجاري الصلح مع الدائنين (concordat).

غير أن نظرة الميسرة، وطبقا لما هو مستقر عليه فقها، تتطلب جملة من الشروط ومنها ([38]):

– أن تكون حالة المدين تستدعي أن يمنحه القاضي نظرة ميسرة، أي أن يكون حسن النية في تأخره للوفاء بالالتزامات التي عليه، بأن يكون غير متعمد عدم الوفاء ولا مقصرا في ذلك.

– أن لا يصيب الدائن من جراء منح القاضي للمدين نظرة ميسرة ضرر جسيم. فإذا كان في هذه النظرة ما يصيب الدائن بضرر جسيم، كأن يكون قد اعتمد على استيفاء الدين ليفي هو دين عليه، فلا يستطيع التأخر في الوفاء به، أو كان في منح نظرة الميسرة تفويت فرصة، تعود على المدين بضرر جسيم من جراء فواتها، فليس من العدل إغاثة المدين عن طريق الإضرار بالدائن.

– أن لا يقوم مانع قانوني من نظرة الميسرة، كأن يتفق المتعاقدان على إعتبار العقد مفسوخا من تلقاء نفسه، دون الحاجة إلى حكم قضائي عند عدم الوفاء بالإلتزامات الناشئة عنه، ففي هذه الحالة لا يجوز للقاضي أن يمنح مهلة للوفاء.

– أن يكون الأجل الذي يمنحه القاضي للمدين في نظرة الميسرة معقولا، إذ لا يجوز للقاضي أن يمنح المدين أجلا طويلا، قد يعطل فيه على الدائن حقه، بل يقاس الأجل بقدر ما هو ضروري ليتمكن المدين من الوفاء.

كما يجوز للقاضي أن يمنح للمدين آجالا متعاقبة لأجل واحد، بأن يقسط الدين على أقساط، ويراعى في مواعيدها ومقاديرها قدرة المدين على الوفاء.

فمن المحتمل أن يكون المدين غارقاً فى ديونه، تنهال عليه الحجوز من كل جانب، وقد حجزت إيراداته، فمنع مورد رزقه، فيعمد إلى طلب شهر إعساره حتى يستطيع الحصول على نفقة يقتات منها إلى أن تتم تصفية أمواله ([39]).

والتمسك بشهر الإعسار من قبل المدين قد يكون في صورة دعوى أصلية مبتدأة ضد أحد الدائنئن أو بعضهم أو كلهم، وقد يثار الأمر في صورة طلب عارض أو مقابل، في حال وجود دعوى مطالبة بالدين مرفوعة ضده من قبل أحد الدائنين.

أما النيابة العامة فلم يخول لها المشرع حق التمسك بطلب إعسار المدين غير التاجر. 

الفرع الثاني: الإختصاص النوعي والإقليمي بشهر دعوى الإعسار

إشهار إعسار المدين يكون بمقتضى حكم قضائي، حيث تختص به نوعيا المحاكم المدنية (القسم المدني)، وذلك حينما يثبت لديها أن أموال المدين غير كافية لوفاء ديونه المستحقة. والمدين المعسر في دعوى الإعسار يكون في مركز المدعى عليه دائما، إذ ترفع هذه الدعوى ضده من قبل أحد دائنيه.

وأما المحكمة المختصة إقليميا بدعوى الإعسار فهي محكمة مكان المدعى عليه، أي محكمة موطن المدين، طبقا للقواعد العامة للاختصاص الاقليمي.

غير أن المدعى عليه ليس هو الشخص المعسر، كما سبق وأن أوضحنا، حيث من الممكن أن يكون المدعى عليه هو المدين، والمدعي هو المعسر نفسه، وإن كانت هذه الدعوى قد تصطدم بشرط المصلحة من وراء رفعها.  

وقد يستعجل أحد الدائنين رفع دعوى الإعسار في حالة ما إذا خاف أن يسبقه غيره من الدائنين إلى أخذ حق إختصاص على عقارات المدين فيتقدمون بها عليه في إستيفاء حقوقهم.

ويمكن أن يلجأ الدائن إلى دعوى إستعجالية للتحفظ على أموال المدين، منعا لإخفائها أو تهريبها أو تبديدها بسوء نية أو التصرف فيها بصورة غير مشروعة.

وفي المقابل فإن المحكمة المدنية لا تملك سلطة تقرير الإعسار المدني من تلقاء نفسها. فهي غير مجبرة على الحكم بشهر إعسار المدين، ولو توفرت شروطه، فهذا أمر يهم الدائن أو الدائنين، وذلك على خلاف المحكمة التجارية التي ليس لها أن تمتنع عن شهر إفلاس التاجر المدين، شخصا طبيعيا أو معنويا، متى ثبت توقفه عن دفع ديونه، لأن قواعد الإفلاس تعد من النظام العام.

وأيضا فالنيابة العامة ليس لها حق التدخل، بقوة القانون، في قضايا الإعسار، بخلاف قضايا الإفلاس، وإن كان يجوز تدخلها، طبقا لما هو مقرر في قانون المرافعات ([40])، لاسيما عندما يتعلق الأمر بديون تهم خزينة الدولة أو ديون تهم القصر أو ديون فيها شبه السرقة أو التبديد أو النصب أو خيانة الأموال أو إستيلاء على تركة قبل قسمتها…

كما أن المحكمة ليس لها أن تقضي بشهر إعسار المدين (غير التاجر) من تلقاء نفسها.

ولعل ذلك مرجعه أن الإعتبارات التي تستوجب الحكم في المعاملات التجارية لا وجود لها في المعاملات المدنية، بل حتى في المواد التجارية فإن تخويل المحكمة حق شهر الإفلاس من تلقاء نفسها، هو خروج على القواعد العامة، ومحل إنتقاد بعض الفقهاء.

ومما سبق نقول بأن أحكام الإعسار ليست من النظام العام، وإنما هي قواعد مقررة لمصلحة الدائنين، ولهم بالتالي مكنة الإتفاق على خلافها أو التنازل عنها أو تخفيف عبئها.

والقاضي في هذه القواعد المكملة مقيد باتفاقات الأطراف، ولذلك لا يكون له أن يحكم بما لم يطلب منه أو بأكثر مما طلب منه، وأي محاولة منه قد تكون تحت طائلة الطعن بالنقض ([41]).

ويتبع ذلك أن المحكمة ليس لها أن تعلن حالة إعسار المدين بعد وفاته، إلا أنه يمكن تنفيذ حكم الإعسار في جانب الورثة إذا توفى المدين المعسر بعد صدور حكم ضده.

الفرع الثالث: عبء إثبات الإعسار

الإعسار هو حالة قانونية تستفاد من أن أموال الشخص ليست كافية للوفاء بالديون التي عليه، وهو بهذا المعنى لا يقوم على نفي مطلق يتعذر إثباته، بل يقوم على أمر واقع له علاماته التي تشهد عليه. فإذا إدعى الدائن إعسار مدينه وجب عليه إثبات ذلك، فإن لم يستطع أعتبر عاجزا عن إثبات دعواه([42]).

بناء على القاعدة العامة القائمة على “حسن النية في المعاملات المدنية”([43])، فإن التوقف عن الدفع غير مفترض، وهو واقعة مادية تحتاج إلى إثبات، حيث يقع عبئه على الدائن الذي يدعيه، وبه تثبت سوء نية المدين.

فعبء إثبات الإعسار يقع على كاهل من يطلب شهر الإعسار، ويكون غالباً أحد الدائنين، لأن الدين مطلوب وليس محمول.، ويمكن إثبات إعسار المدين وعدم كفاية أمواله للوفاء بديونه المستحقة الأداء بجميع طرق الإثبات، لأنه واقعة مادية.

ولذلك يتعين على الدائن تقديم الدليل أو الأدلة (وثائق تجارية ومحاسبية ومستندات بنكية) على أن ما يوجد لدى المدين من أموال مادية منقولة وعقارية وسيولة نقدية لا يكفي لتغطية ديونه المستحقة الوفاء ([44]).

وإن كان المدين هو من طلب شهر إعساره، فإن إقراره هذا يعد حجية مطلقة عليه، إلا إذا أثبت للقاضي أنه قصد من وراء هذا الإقرار التحايل، غير أن مجرد توقف المدين عن دفع دين حال، ليس بالدليل القاطع على إعساره، حيث لم يــــــر المشرع أن يقف عند هذه القرينة لاعتبار المدين معسرا، بل لابــد أن تكون أموال المدين غير كافية للوفاء بذلك الدين الذي توقف عن دفعه.

وغــني عن البيان أن المدين يمكن له دحض الأدلة المقدمة بتقديم مستندات وحسابات بنكية وضمانات مالية تؤكد أنه قادر على الوفاء بما عليه من ديون حالة ومستحقة، وقد يفلح في تقديم أدلة تفيد أن الديون المدعى بها مجرد ديون صورية وغير حقيقية أو أنه قد وفـى بكل ما عليه من ديون مستحقة، بشتى طرق الوفاء المعتبرة قانونا مثل التنفيذ بما يقابل الوفاء أو بالمقاصة أو بالابراء…

وعليه إذا أثبت المدين المعسر حسن نيته، وأن ما لحقه هو مجرد ظرف مالي عارض لا غير، أمكن للقاضي حينئذ أن يرفض شهر الإعسار، ومنحه مهلة إضافية للوفاء بديونه الحالة والمستحقة (نظرة الميسرة) ([45])، ما لم يكن في الفرض ضرر كبير لدائنيه، وربما يكون ذلك الأجل في صالح الدائن والمدين في آن واحد، إلا أن الأجل الجديد يشمل فقط الديون محل المطالبة والحالة الميعاد دون أن يتعدى إلى الديون المؤجلة أو التي لم يتحقق شرط إستحقاقها. 

وقد قرر المشرع الجزائري قاعدة إثباتية في المادة 193 من القانون المدني جاء فيها: “إذا إدعى الدائن عسر المدين فليس عليه إلا أن يثبت مقدار ما في ذمته من ديون، وعلى المدين أن يثبت أن له مالا يساوي قيمة الديون أو يزيد عليها”.

ومفاد هذه القرينة القانونية أن الدائن إذا زعم إعسار مدينه فإن عليه أولا أن يثبت قيمة الديون التي في ذمة مدينه، ويطالبه بسدادها.  ومتى تقدم الدائن للقضاء، بإثبات أن له دين مستحق الآداء في ذمة المدين، إستخلص القاضي من ذلك قرينة قضائية تتمثل في إعسار المدين.

وطالما أن الإعسار حالة قانونية تستفاد من أن أموال الشخص المدين ليست قادرة على الوفاء بالديونه المستحقة عليه، فإنها بهذا المعنى لا تقوم على نفي مطلق يتعذر إثباته، بل تقوم على أمر واقع له علامات تشهد عليه ([46]). 

غير أن هذه القرينة تقبل إثبات العكس ككل القرائن القضائية ([47])، إذ يجوز للمدين دحضها إذا هو أثبت أن لديه ما يكفي للوفاء بهذا الدين المستحق الأداء([48])، أي أن يقدم أدلة على حيازته لأموال كافية لسداد هذه الديون المستحقة، أو وثائق تثبت ملكيته الفعلية أو الحكمية لمال يساوي أو يفوق قيمة الديون التي هي عليه، وبهذا يتلافى حكم الإعسار.

الفرع الرابع: سلطة المحكمة إزاء شهـر الإعسار

إن الحكم بالاعسار لا ينطوي على ضرب من ضروب الوجوب، حيث تملك المحكمة سلطة تقديرية رحبة الحدود تتيح لها تقدير جميع الظروف المحيطة بالمدين، سواء منها الظروف الشخصية والموضوعية، وكذا الظروف الآنية والمستقبلية ([49]).

فحتى في حالة ما إذا توفرت شروط الإعسار وثبتته حالة المدين، وإتضح أن أمواله لا تسع للوفاء بديونه الحالة، فإنه مع كل ذلك ليس من الضروري أن تقضي المحكمة بشهر إعســار المدين، بل إن لها سلطة تقديرية واسعة في ذلك، وخاصة إذا ثبت حسن نية المدين وقدرته على تقديم كفالات شخصية وضمانات نقدية وعينية.

وعادة ما تأخذ المحكمة بعين الإعتبار الظروف الخاصة والشخصية والموضوعية التي يمــر بها المدين كوجود حالة وفاة أو تعرض المدين لسرقة أمواله وممتلكاته       أو تلفها بسبب حريق أو مروره بأزمة إقتصادية طارئة أو تقسيم أمواله بفعل ميراث أو وصية أو هبة… وهي مسائل موضوعية تستقل المحكمة بتقديرها، وتستطيع أن تعتمد على عوامل خارجية تبين وجود خلل مالي يثبت أن الإعسار أمر ظاهر واضح يكاد لا يحتمل الشك، بحيث تنظر المحكمة إلى موارد المدين المستقبلية وحالته الإقتصادية والتجارية ومقدرته الشخصية على الوفاء، ومسؤوليته عن الأسباب التي أدت إلى إعساره ومصالح دائنيه المشروعة، وكل ظرف آخر من شأنه أن يؤثر على حالته المادية([50]).

ويفهم من ذلك أن على المحكمة أن تراعي في تقديرها ما يلي:

– الظروف العامة التي أعسر فيها المدين: وهي ظروف تقع لجميع الناس، وذلك بسبب المنافسة الشديدة من تجار آخرين أو نتيجة وقوع حالة حرب أو كارثة طبيعية أثرت على المحصول الفلاحي أو حدوث ظروف مالية أو بنكية أو تقلبات في سعر صرف العملات مثلا أو أزمة اقتصادية طاحنة سببت إعسار كثير من الناس، وهي كلها ظروف عامة لا تخص المدين وحده.

– الظروف الخاصة بشخص المدين: وتشمل مراعاة مدى مسؤولية المدين عن إعساره ومدى حسن أو سوء نية هذا المدين، وحظه العاثر في مجال التجارة، ومدى رعونته وعدم خبرته وضعف إدراكه وفطنته، وتقدير مدى قدرته الشخصية على تجاوز الصعوبات المالية التي تواجهه ظرفيا، وتقدير التعهدات التي يقدمها، مع الأخذ بعين الإعتبار موارده الحالية والمستقبلية إذا كانت قادرة على تجاوز العثرات أم لا.

فهذه الظروف الخاصة إما أن ترجع إلى الماضي: كمسئوليته عن الأسباب التي أدت إلى إعساره ، وهل كان حسن النية عاثر الحظ، أو كان مبذراً متلافا.

وإما أن ترجع الظروف الخاصة إلى الحاضر: مثل ذلك مصالح دائنيه المشروعة، فقد تستوجب شهر إعساره، ومثل ذلك أيضاً رعونة المدين أو عدم خبرته أو ضعف إدراكه.

وإما أن ترجع الظروف الخاصة إلى المستقبل: مثل ذلك موارد المدين المستقبلة، فقد ينتظر لأعماله الرواج بعد فوات أزمة عارضة، ومثل ذلك أيضاً مقدرته الشخصية فقد يكون طبيباً ماهراً أو مهندساً حاذقاً، فيمكن الإعتماد على عمله في المستقبل وتفادي شهر إعساره في الحال.

ويفهم مما سبق أن المحكمة تملك سلطة رحبة الحدود، تتيح له تقدير جميع ظروف المدين، وأخذه بالشدة أو إصطناع الرفق في معاملته، وفقاً لأحواله العامة والخاصة، حيث يراعي قاضي الموضوع الظروف العامة والخاصة التي رافقت المدين، وذلك قبل شهر الإعسار، ويمكن لها رفض إعسار المدين. فقد تلمس فيما ما يشفع للمدين، وبقية شهر الإعسار، فيقوم ذلك إلى حد كبير مقام الصلح الواقي المعروف في المعاملات التجارية.

وقد يكون في الأحوال العامة ما ينهض لمصلحة المدين، كما لو عرضت له عسرة موقوتة في خلال أزمة إقتصادية شاملة.

ويراعى من ناحية أخرى أن لأحوال المدين الخاصة النصيب الأوفى في توجيه الحكم على مركزه، فمن ذلك مثلاً كفايته الشخصية (وهي التي يتوقف عليها إلى حد بعيد تقدير ما يرجى له من فرص التوفيق في مستقبله)، وسنه، وحرفته، ومركزه الاجتماعي، ومصالح دائنيه المشروعة، ومدى مسئوليته عن إعساره، وكل ظرف آخر من شأنه أن يؤثر فى حالته المادية”.

وأما إذا تأكدت المحكمة المدنية من وجود حالة إعسار حقيقية في جانب المدين، بزيادة خصومه على أصوله، فلا مناص حينها من الحكم بإشهار إعساره، إلا أنه قبل إعلان حالة الإعسار في جانب المدين المعسر فإن محكمة الموضوع تقوم بتقدير أموال هذا الأخير تقديراً حسابياً محضاً، حتى يتبين أن ما لديه من مال يقل عما عليه من ديون، وبالتالي يحكم بإعساره ([51]).

ومن الجدير في البداية التنويه بأن المشرع الجزائري لم ينص صراحة على إجراءات خاصة لشهر الإعسار، عكس الكثير من التشريعات المقارنة، ولم يحدد مواعيده وآثاره، ولم يبين سلطة المحكمة في ذلك ([52]). وهذا يعود لكون أن مشرعنا لم يتبنى الإعسار كنظام تنفيذ مدني قائم بذاته.

هذا وقد نصت بعض التشريعات المقارنة على أحكام إجرائية تتعلق بإلزام المحكمة المختصة بالفصل في دعوى الإعسار على وجه السرعة ([53])، كما نصت أيضا على مواعيد خاصة للطعون ([54]).

والحكم الصادر بشهر الإعسار هو حكم منشئ لحالة قانونية جديدة، وليس حكما كاشفا ([55])، بمعنى أن الحكم قد نقل المدين إلى مركز جديد يرتب بموجبها القانون نتائج هامة.

ولذلك فلا يقال أن الحكم بالإعسار كشف عن حالة المدين المعسر، وإنما الإعسار هو وضع قانوني يشترط في قيامه أوضاع خاصة، وهذه الأوضاع هي التي تنشئ الحالة القانونية.

والحكم الصادر بشهر الإعسار يعد حجة على الكافة، فالمدين الذي أشهر إعساره بحكم قضائي يعتبر معسراً، لا بالنسبة إلى الدائن الذي رفع دعوى شهر الإعسار فقط، بل بالنسبة إلى سائر الدائنين، وكذلك بالنسبة إلى الغير حسن النية ممن يتعامل معهم المدين، فلا ينفذ تصرفه كما كفل القانون علانية حكم الإعسار ([56]).

وفي حالة رأت المحكمة أن طلب شهر الإعسار لا يستند على أسباب جدية وواقعية، وأن حالة الإعسار غير مؤكدة، فللمحكمة حينئذ أن ترفض الدعوى لعدم التأسيس أو لعدم الإثبات.

غير أن الدائن يمكنه دائما في حالة رفض طلبه أن يعيد تقديمه مجددا، مستندا على وقائع ومؤشرات جديدة ومؤكدة بأدلة ومستندات إضافية.

ومؤدى ذلك أن المدين لا يمكنه أن يدفع بالحكم برفض الدعوى لسبق الفصل فيها ([57])، فهذا الحكم السابق، وإن كان قطعيا بشأن الدعوى السالفة، إلا أنه ذو حجية نسبية، ولا يمكن أن يمتد إلى نفس الدائن إذا ما عاود رفع دعوى أخرى، حتى ولو تعلقت هذه الدعوى الثانية بنفس الأطراف والمحل والسبب.

غير أنه يشترط أن يقدم المدعي أدلة ووثائق جديدة ووقائع مستجدة تثبت تؤكد فعلا عجز المدين عن دفع ديونه، خاصة وأن واقعة الإعسار هي من قبيل الوقائع المادية المستمرة والمتجددة، وليست بواقعة فورية. ويتبع ذلك القول أن الحكم برفض دعوى الإعسار ليست له حجية في مواجهة دائنين آخرين، لم يكونوا طرفا في الدعوى السابقة.

ومعنى ذلك أن رفض شهر الإعسار المقدم من محكمة معينة بخصوص دائن ما، لا يمنع دائنا آخر من أن يقدم هو الآخر طلبا للمحكمة التي يراها مناسبة لشهر إعسار مدينه، وقد يؤسس طلبه على نفس الوقائع التي إعتمد عليها الدائن السابق الذي رفض طلبه، دون أن يتعرض للإحتجاج ضده أو الدفع ضده بحجية الأمر المقضي فيه.

ومن خصائص الإعسار أنه نظام لا يتجزأ، ولذلك فلا يصح أن يعتبر المدين معسرا بالنسبة إلى البعض وموسرا بالنسبة للبعض الآخر في نفس الوقت.

والحكم الصادر في دعوى شهر الإعسار، سواء صدر بشهر الإعسار أو بالرفض، يكون قابلاً للطعن، فلو أن الدائن رفع الدعوى على المدين بطلب شهر إعساره، وصدر الحكم إبتدائياً بشهر الإعسار، جاز للمدين المحكوم عليه بشهر إعساره أن يستأنف الحكم أمام جهة الإستئناف.

والطعن مخول أيضا للغير، وفقا للقواعد العامة، رغم أنه من حيث المبدأ له حجية على الكافة، إلا أنه يجوز للغير، الذي له مصلحة حقيقية وجدية، ولم يكن طرفا في حكم شهر الإعسار، أن يطعن فيه بطريق الإعتراض، إذا أثبت وجود غش جسيم من قبل أحد الخصوم أو تواطؤ بين طرفي الدعوى أدى إلى المساس بحق من حقوقه ([58]).

ويمكن لكل خصم في الدعوى الطعن بإلتماس إعادة النظر إذا كان طرفا في الدعوى على أساس الغش أو التواطؤ من قبل الخصوم ([59])، خاصة إذا بني الحكم على أوراق حاسمة في الدعوى، كانت محتجزة عمدا لدى أحد الخصوم  أو ثبت وجود تواطؤ بين الخصوم والشهود، أو أن الحكم بني أصلا على وثائق أعترف بتزويرها أو حكم القضاء بتزويرها بحكم حائز لقوة الشيء المقضي به ([60]).

وفضلا عن ذلك قد كان الدائنون قبل شهر إعسار مدينهم موكولين إلى الدعوى البوليصية، لا يستطيعون أن يجعلوا تصرفات المدين غير سارية في حقهم إلا بعد أن يثبتوا أن المدين المعسر قد تصرف غشاً للإضرار بحقوقهم، وأن المتصرف له كان أيضاً سيئ النية، إذا كان التصرف معاوضة.

المبحث الثاني: أثر الإعسار على مركز المدين

إن نظام الإعسار لا يمكن أن يصل إلى غايته المنشودة، إلا من خلال مجموع من الأحكام، توازن بين المصالح المتعارضة لذوي الشأن، تمهيدا للوصول إلى الحل المقصود، ومن الأحكام الهامة ما يتعلق منها بالآثار المترتبة عن الحكم بشهر الإفلاس والحكم بشهر الإعسار.

حيث يترتب على الإفلاس والإعسار آثار متعددة في جانب الدائن المعسر، وآثار في جانب الدائن لكل منهما. وسنركز على أثره العامل الدائن فقط.

المطلب الثاني: أثر حكم شهر الإعسار على المدين المعسر

لعل المـزية الأولى من مزايا شهر إعسار المدين أن يضحى كل تصرف يصدر من المدين المعسر من تاريخ تسجيل عريضة الدعوى، من شأنه أن ينقص من حقوقه أو يزيد من إلتزاماته، غير سار ونافذ في حق الدائنين، وذلك دونما حاجة إلى إثبات سوء نية المدين أو سوء نية المتصرف له، ولو كان التصرف يتضمن معاوضة وليس تبرعا.

وأن الديون غير الحالة يحل أوان سدادها، مع مراعاة عدم الإضرار بأصحاب الديون الحالة من حيلولة الديون المؤجلة.

كما أن الدائنون في نظام الإعسار لا يجتمعون في إتحاد بعكس ما هو مقرر في نظام الإفلاس.

وهذه هي الآثار التي إستقر عليها الفقه والقضاء بشأن نظام الإعسار، بوجه عام، وأكدت عليها بعض التشريعات صراحة، على خلاف التشريع الجزائري الذي كان مقصرا في تنظيمه لقواعد الإعسار وبيان أحكامه.

الفرع الأول: حلول أجل الديون

القاعدة أن يترتب على الحكم بالإعسار، شأنه شأن الحكم بالإفلاس ([61])، حلول كل ما في ذمة المدين المعسر من ديون مؤجلة، وحتى لا يضار المدين وأصحاب الديون الحالة من حلول الديون المؤجلة.

وكي لا يقف القانون بجانب حظ البعض دون حظ الآخرين، نجد أن إسقاط أجل الدين يقابله إستنزال جزء من هذه الديون يعادل فوائدها عن المدة المتبقية من آجالها ([62])، حيث خصم من هذه الديون مقدار الفائدة الإتفاقية أو القانونية عن المدة التي سقطت بسقوط الأجل.

فإذا شهر إعسار المدين كان ذلك إشعارا وإيذانا للدائنين بأن يبادروا إلى التنفيذ على أمواله، حتى يدركوا منها ما يستطيعون أن يستوفوا به أكبر نصيب من حقوقهم. ومن ثم يضحى الدائن ذو الحق المؤجل في مركز بالغ الأهمية، فهو لا يستطيع المبادرة إلى التنفيذ، لأن حقه لم يحل، ولا يستطيع الانتظار إلى أن يحل الأجل خشية أن تستنفذ الديون الحالة جميع أموال المدين.

ومفاد ذلك أن صدور الحكم بشهر إعسار المدين يستتبع سقوط الأجل في الديون المؤجلة، وتصبح هذه الديون حالة، وبالتالي يجوز المبادرة إلى التنفيذ عليها، وبذلك تتحقق المساواة الفعلية بين الديون المؤجلة والديون الحالة ([63]).

والحقيقة أن المشرع المدني الجزائري لم ينص صراحة على سقوط آجال الديون في حالة الاعسار، وإنما نص على ذلك القانون التجاري بشأن الإفلاس ([64]).

ومرد ذلك إلى أن طبيعة التصفية القضائية وإجراءات التفليسة ذاتها تتعارض مع بقاء آجال الديون، التي غالبا ما تكون متنوعة وطويلة بتنوع الديون والدائنين، فالمدين الذي لا يستطيع تأدية الديون الحالة أو المستحقة التي حكم بتصفية أمواله من أجلها قد لا يتمكن من الأداء مستقبلا لأصحاب الديون المؤجلة، الذين قد يلحقهم ضرر بالغ وفادح من تفويت فرصة التقدم بديونهم حالا في التفليسة أو التصفية القضائية، ففي تأخير عملية التفليسة أو التصفية إلى حلول أجل آخر دين ضرر، وكذا عرقلة وإاطالة الإجراءات التي يمكن أن تضر بسائر الأطراف.

وقد ذهب أيضا إلى أن موت الدائن أو المدين لا يسقط أجل الديون، على أساس أن حق استفادة المدين حال حياته سينتقل بعد موته إلى ورثته.

وقد أوردت المادة 211 من القانون المدني ثلاث حالات تسقط بها آجال الديون:

-الحالة الأولى: إذا أشهر إفلاس المدين وفقا لنصوص القانون.

-الحالة الثانية: إذا أضعف الدائن بفعله التأمينات العينية التي منحها للدائن بعقد لاحق أو بمقتضى القانون أو بموجب حكم قضائي، ما لم يؤثر الدائن أن يطالب بتكملة التأمين.

أما اذا كان إضعاف التأمين يرجع الى سبب لا دخل لإرادة المدين فيه فإن الأجل يسقط ما لم يقدم المدين للدائن ضمانا كافيا.

-الحالة الثالثة: إذا لم يقدم للدائن ما وعد في العقد بتقديمه من التأمينات. 

ويسقط الأجل بالمقاصة ([65])، وفق نظرة الميسرة، إذ لا مبرر في هذه الحالة لانتظار إنقضاء مدة هذا الأجل، طالما أصبح للمدين دين حال في ذمة الدائن. كما لا يمنع المقاصة القانونية تأخر ميعاد الوفاء لمهلة منحت بحكم من القاضي أو نزل عنها الدائن ([66]).

غير أن الفقه المقارن ([67]) مستقر على وجوب إسقاط آجال الديون في حالة الإعسار حتى لا يغـبن المدين وأصحاب الديون الحالة من حلول الديون المؤجلة قبل إنقضاء الأجل. فالدين بشهر الإعسار يصبح حالا، ولكن بعد أن يخصم منه مقدار الفائدة الإتفاقية أو القانونية.

ويلاحظ أن سقوط آجال الديون بسبب الإعسار، في التشريعات التي نصت على ذلك صراحة، ليس حكما حتميا يقع بقوة القانون، بل يجوز للمدين أن يطلب قضاء، في مواجهة دائنيه أو الدائن ذي الشـأن، بإبقاء هذه الآجال، بل ويجوز له أن يطلب مدهــا، وحتى إلتماس منحه أجلا مناسبا في الديون الحالة نفسها ([68]).

وللقاضي، بما يملكه من سلطة تقديرية واسعة، أن يجيب المدين إلى طلباته بابقاء الأجل أو مـــده بالنسبة للديون المؤجلة، مراعيا حسن نية هذا المدين، خاصة إذا تبين له أن في الظروف والواقع ما يبررها، بل ويجوز للقاضي منح أجل للمدين حتى للديون الحالة، إذا ما تأكد بما لا يدع مجالا للشك أن تأجيل الديون هو ضمانة جدية لسدادها، أو إذا قدر القاضي أن التأجيل هو خير وسيلة تكفل مصالح المدين والدائنين جميعا.

فمن الممكن أن تفضي إجراءات التنفيذ على أموال المدين المعسر بصورة مستعجلة إلى بيع أملاك المدين بيعا جبريا (بالمزاد العلني) بثمن زهيد، لذلك يكون من الأحسن للطرفين (المدين من جهة والدائن أو مجموع الدائنين من جهة ثانية) أن يتم تأجيل عملية دفع الديون لغاية تحسن أوضاع المدين أو تغير ظروفه بما يخدم فوائدهما معا.

وهكذا فالقاضي يوازن بين مصالح المدين والدائنين على حد سواء، بكل واقعية وموضوعية، دونما تعاطف أو ميل لأحد الخصوم على حساب غريمه.

أما فيما يتعلق بحكم تصرفات المدين السابقة على تسجيل عريضة دعوى الإعسار فإنه لا يسري عليها الأثر السالف، بحيث تنفذ في حق دائنيه، بشرط ثبوت تاريخها قبل تسجيل الدعوى، وإلا فإنها تعتبر تصرفات لاحقة له، وبالتالي فلا تسري في حق الدائنين.

والعبرة بالديون هنا هو تلك الديون الثابتة التاريخ، أما ماعدا ذلك، أو عند الشك، فتعتبر ديونا ناشئة بعد تسجيل دعوى الإعسار، وليس لأصحابها حق التمسك بعدم النفاذ.

وأما جزاء البطلان فلا يسري على التصرفات التي أجراها المدين، ولو صدرت بعد تسجيل الدعوى، ذلك أن المشرع قرر عدم نفاذ هذه التصرفات ولم يقل ببطلانها أو قابليتها للبطلان، ومعلوم أنه لا بطلان إلا بنص قانوني، ثم أن هناك فرق قانوني كبير بين جزاء عدم النفاذ وجزاء البطلان المطلق وجزاء البطلان النسبي.

وهو ما يعني أن التصرفات اللاحقة لدعوى الإعسار تبقى صحيحة بين المدين المعسر والغير المتصرف له، إلا أنه لا يحتج بها على الدائن أو الدائنين.

الفرع الثاني: عدم نفاذ تصرفات المدين اللاحقة لإعساره

نظام الإعسار صارم من حيث آثاره، حيث يترتب على الحكم بإعلانه مسك المدين المعسر عن حق التصرف بأمواله، لاسيما منها التصرفات الضارة ضررا محضا أو الدائرة ببين النفع والضرر ([69])، وهذا حتى لا يضر بالدائنين.

فبعد شهر إعسار المدين، فإن كل تصرف يصدر منه من تاريخ تسجيل صحيفة الدعوى، ويكون من شأنه أن ينقص من حقوقه كالبيع والهبة، أو يزيد في إلتزاماته كالقرض، وأي وفاء يقوم به، ولو لدين حال، يكون غير سار في حق الدائنين، وذلك دون حاجة إلى إثبات إعسار المدين فهو ثابت بشهر الإعسار، ودون حاجة إلى إثبات سوء نية المدين أو سوء نية المتصرف له، ولو كان التصرف معاوضة.

كما يمكن الإعتراض على إجراء وفاء بالديون بطريق المقاصة، حيث لا يجوز أن تقع المقاصة إضراراً بحقوق كسبها الغير([70]).

ومما سبق يلاحظ وجود فارق جوهري بين الحكم بشهر الإعسار والحكم بشهر الإفلاس، في كون أن الأول لا يرتب نشأة جماعة الدائنين، ولا يؤدي إلى تعيين “وكيل الإعسار” أو وكيل متصرف قضائي يقوم على عملية تصفية أموال المدين المشهر إعساره بخلاف نظام الإفلاس الذي يؤدي إلى إنشاء جماعة الدائنين.

وإذا كان الإفلاس يؤدي إلى إدماج كل الدائنين في جماعة لها شخصية معنوية، ويتم بالتالي حرمانهم من إتخاذ إجراءات فردية ضد المدين، وإنما يلزمون بإجراء تحصيل وتصفية جماعية لأموال المدين المفلس وتوزيعها جملة واحدة بمعرفة وكيل التفليسة أو الوكيل المتصرف القضائي، فإنه في الإعسار لا يحدث ذلك.

غير أنه لا يمنع شهر الإعسار من إتباع الدائن أو الدائنين لإجراءات فردية ضد المدين لحفظ الحقوق الشخصية أو لتحصيل الديون بصفة منعزلة.

وكذلك فإن تصرفات المدين المعسر قبل إعلان إعساره، أي خلال الفترة السابقة على صدور الحكم بإعساره، والتي يشوبها غش أو إضرار بمركز الدائنين أو التي تنطوي على تفضيل لأحدهم، لا يلحقها البطلان تلقائيا ([71])، إلا أن القانون سمح لكل دائن حق التمسك بعدم نفاذها قضاء عن طريق الدعوى البوليصية ([72])، وهذا عكس التصرفات المضرة بالدائنين التي يجريها التاجر المفلس خلال فترة الريبة.

ومن خصائص نظام الإعسار المدني، بخلاف الإفلاس التجاري ([73])، أنه غير معاقب عليه جزائيا، مهما كانت نية المدين، وكذلك فالحكم بالإعسار لا يـــؤدي

إلى سقوط الحقوق المدنية والسياسية للمدين المعسر، ولو كانت له صفة التاجر ([74]).

غير أن حالة الإعسار (الفعلي) لأحد الشركاء قد يكون سببا في إفلاس شركة تجارية أو مدنية، وقد تؤدي إلى حلها ([75]).

وكذلك بإشهار الإعسار لا يجوز للمدين إجراء المقاصة إذا كانت تتضمن إضرارا بحقوق كسبها الغير. كما أن الديون المؤجلة التي في ذمة المدين يحل أجلها بمجرد شهر الإعسار.

والعبرة في تحديد وقت التصرفات هي بتاريخ إبرامها، ولو أن الأمر يسهل إثباته في المحررات الرسمية المثبتة للتصرفات المدنية، بخلاف المحررات العرفية التي قد تتضمن تواريخ صورية أو تكون خالية من أي تاريخ ([76]).

والواقع أن رفع يد المدين المعسر ليس مطلقا، حيث لا يترتب عنه منع المدين كلية من إدارة أمواله والتصرف فيها أو التقاضي بشأنها. ولا يؤدي حتما إلى الحكم ببطلانها، لاسيما إذا كانت هذه التصرفات نافعة له ولدائنيه.

فالمدين المشهر إعساره يبقى له مجال للتصرف وسلطة محدودة في إدارة أمواله، حيث لا ترفع يده مطلقا عن هذا المال، بعكس نظام الإفلاس أين تنزع إدارة أموال المدين المفلس منه، وتنقل تلقائيا إلى حيازة وإدارة وكيل التفليسة.

فمراعاة لمصلحة الدائن أو الدائنين فقد رأت بعض التشريعات المدنية ضرورة غــل يـــد المدين المعسر، عن كل تصرف ينطوي على الإضرار بدائنيه، بصرف النظر عن نية المدين، فرتب على شهر الإعسار عدم نفاذ أي تصرف مضر يصدر من المدين في حق دائنيه، سواء كان هذا التصرف بعوض أم بغير عوض، وسواء آكان من شأنه أن ينقص من حقوق المدين، كالهبة أو البيع، أم يزيد في إلتزاماته، كاللجوء إلى الإقتراض أو تقديم ضمان كفيل شخصي يتولى دفع ديونه نيابة عنه.

كما حرص المشرع على صرف نفس الحكم على أي وفاء يقع من المدين، ولو كان وفاء بدين حال ([77]).

ولم يرجئ المشرع هذا الأثر حتى صدور حكم شهر الإعسار، وإنما أرجعه إلى وقت تسجيل دعوى الإعسار، إمعانا في حماية الدائنين. وهو في الواقع تطبيق لأحكام الدعوى البوليصية. وهي من المكنات القانونية التي قررها المشرع لحماية الدائن ([78]).

وتعتبر العلانية التي تحيط بالدعوى قرينة على علم كل من المدين والمتصرف إليه بقيام حالة الإعسار.

وأما في حال إعسار أحد المدينين المتضامنين فإنه يتحمل تبعة الإعسار من وفــى الدين، وسائر المدينين المتضامنين كل بحسب حصته ([79]).

فإذا أعسر أحد المدينين المتضامنين، تحمل تبعة هذا الإعسار المدين الذي وفـى بالدين، وسائر المدينين الموسرين كل بقدر حصته، ومن تبرز فكرة التضامن ما بين الدائنين في تحمل حصة المعسر منهم، التي تقسم بينهم بنسبة الحصة الأصلية، فلا يرجع المدين الذي وفـى بالدين على أي من المدينين الموسرين إلا بقدر نصيبه من حق المدين المعسر ([80]) دون أن يجبر على الوفاء الكلي. فلو أن المدينين المتضامنين كانوا ثلاثة، حصصهم في الدين متساوية، وكان الدين ثلاث مائة، ودفعه واحد منهم، فإنه يرجع على كل من الدئنين الآخرين بمائة، إذ لا يجوز أن يتحمل المدين الذي وفـى بالدين وحده حصة المعسر كلها.

ويتبين مما سبق أنه إذا أعسر أحد المدينين، تحمل تبعة هذا الإعسار سائر الدائنين، حتى من قام منهم بالوفاء بالدين.

وجدير بالإشارة أن التضامن بين المدينين، وكذا الدائنين لا يفترض، وإنما يتوجب النص عليه قانونا أو إتفاقا ([81]).

والعبرة في قيام الإعسار تكون بالوقت الذي وفى فيه المدين المتضامن بالدين، ومن هنا ينشأ حقه في الرجوع على المدينين المتضامنين، بما في ذلك تقسيم حصة المعسر على الموسرين.

فإذا كان المدينون متضامنون موسرين جميعا، وقت الوفاء بالدين، وتأخر المدين الذي وفـى بالدين في الرجوع عليهم، حتى أعسر واحد منهم، فإن المدين الذي سدد الدين هو الذي يتحمل وحده حصة هذا المعسر، جراء تأخره في الرجوع عليهم في تاريخ الإستحقاق.

وقد يطالب الدائن أحد المدينين المتضامنين بالدين، فيبادر هذا المدين إلى إدخال باقي المدينين المتضامنين معه في الدعوى، ليحكم على كل بحصته في الدين، وإذا كانوا جميعا موسرين، وأثناء التنفيذ أعسر أحدهم، فهنا لا يمكن أن ينسب أي تقصير إلى المدين الذي وفى بالدين، إذ ليس من العدل أن يتحمل وحده حصة المدين المعسر.

ومنه يكون الأصل في الإعسار، أن يقوم وقت الوفاء بالدين، فإذا وقع بعد هذا الوقت، تحمل المدين الذي وفـى بالدين وحده حصة المعسر، إلا إذا أثبت أنه لم يقصر إطلاقا في المحافظة على حقه ضد المدين المعسر.

الفرع الثالث: إمكانية إتخاذ الإجراءات الفردية تجاه المدين المعسر

في نظام الإعسار فإن المدين المعسر لا تنزع أمواله منه، ولا يمنع من إدارتها، ولا يتدخل وكيل التفليسة في إجراءات الإعسار، لأنه لا مجال لتدخله أصلا، حيث لا يجتمع الدائنون في إتحاد بعكس ما يجري في نظام الإفلاس، بل على العكس يبقى دائنو المدين المعسر كل منهم مستقل عن الآخر، ولا يلزم إتخاذ إجراءات جماعية للتنفيذ، بل يستقل كل دائن منهم بمتابعة مصلحته بنفسه.

ويفهم مما سبق أن شهر الإعسار لا يحول دون إتخاذ أحد الدائنين لإجراءات فردية باسمه ضد المدين، سواء في صورة دعوى موضوعية أو دعوى إستعجالية، في حدود ما يسمح به القانون، مادام أنه لا وجود لما يسمى جماعة الدائنين، ولا مجال لإجراءات التسوية الجماعية. وهنا مكمن الفارق الجوهري بين نظامي الإعسار المدني والإفلاس التجاري.

فلا يجتمع الدائنون في إتحاد، ولو كثر عددهم وتزامنت ديونهم، بل وحتى ولو كان سببها واحدا، بل يبقى كل دائن من دائني المدين مستقل عن الآخر، في إتباع الإجراءات التي تناسبه بما يراعي مصلحته.

وهكذا فلكل دائن أن يبادر قبل غيره إلى إستيفاء حقه من أموال المدين، كأن يقوم مثلا بإجراء حجز تحفظي ثم حجز تنفيذي على أموال المدين. فإذا لم يتمكن الدائنون الآخرون من اللحاق به ومنافسته عند التوزيع، فإنه قد ينجح وقتها في إستيفاء حقه كاملا دون مزاحمة منهم ([82]).

ويعني ذلك أن المساواة بين الدائنين إنما هي مساواة قانونية لا فعلية. والقانون يعتبر الدائنين متساوين جميعا، ولكن هذا لا يمنع من أن يتبع أحدهم إجراءات فردية ومستجلة يسبق بها باقي الدائنين الآخرين ([83]). 

والمهم أن تكون ديون كل دائن ثابتة. حيث لا يمكن للغير أن يحتج ضد المدين بأي حق تخصيص أو إختصاص يقع على عقارات المدين بعد تاريخ تسجيل دعوى الإعسار([84]).

وتعتبر هذه القاعدة من القواعد القانونية التي تعمل على تحصين الحقوق ضد مطالب الأغيار وتقوية مركز صاحبها بالنظر إلى غيره من ذوي الحقوق.

وقد قصد المشرع من وراء هذه القاعدة كفالة وضمان المساواة بين الدائنين السابقة لحقوقهم على تسجيل الدعوى، على وجه يجنبهم عناء التزاحم والتدافع، وبالتالي تفادي إستئثار أحد الدائنين بما تبقى من أموال باسم المدين من خلال الإسراع بإبرام عقد رهن أو الحصول على حكم قضائي بتخصيص عقار معين.

ولذلك فمن المقرر فقها وقضاء هو إيقاف سريان قيد كل التأمينات العينية التبعية التي تتقرر لصالح أحد الدائنين على عقارات المدين بعد تسجيل عريضة دعوى الإعسار بالمحكمة، سواء منها حق الإختصاص أو حق الرهن أو حق الإمتياز.

ولا تكون هذه التأمينات العينية اللاحقة نافذة في حق الدائنين ذوي التواريخ الثابتة السابقة على تسجيل الدعوى، وتستثنى بطبيعة الحال حقوق الإختصاص وحقوق الرهون وحقوق الإمتياز المقيدة تاريخا قبل إعلان الإعسار ([85]).

والقاعدة أنه متى سجلت هذه الدعوى فلا يسري أي تصرف لاحق للمدين من شأنه أن ينقص في حقوقه أو يزيد في إلتزاماته، وكذلك لا يسري أي تأمين عيني.

ومن مظاهر المساواة الفعلية التي تميز نظام الإعسار هو قاعدة سقوط آجال الديون، وعدم نفاذ حقوق الإختصاص وسائر الحقوق العينية التبعية ([86]). وهذا تطبيق للقواعد العامة لسريان هذه التأمينات العينية التي تقضي بحساب مرتبتها من تاريخ قيدها.

ولكن هذا لا يعني أن قيد هذه التأمينات اللاحقة يعد باطلا، وإنما يصبح إجراء غير نافذ في حق الدائنين رغم كونها صحيحة شكلا.

ومعنى ذلك أن المحافظ العقاري ليس له أن يرفض تقييد هذه التأمينات في مصلحة الرهون بالمحافظة العقارية المختصة، لأنه من المحتمل أن تصبح هذه التأمينات نافذة بعد زوال حالة الإعسار القانوني، وقد يصبح صاحب الحق العيني المقيد هو الدائن الوحيد.

الفرع الرابع: معاقبة المدين على التصرفات اللاحقة الضارة بالدائنين

نلفت الإنتباه أن المشرع الجزائري، وعلى خلاف كثير من التشريعات، لم ينص مطلقا على تجريم الإعسار، ولم يصبغ الصفة الجرمية على تصرفات المدين، قبل إعلان إعساره، حتى ولو تعمد المدين الإضرار بالدائنين عن طريق الغش          أو الإخفاء أو التبديد.

وعلى العكس من ذلك إذا كانت تصرفات المدين قد تمت بعد شهر إعساره بسوء نية، كأن أخفى بعض أمواله للحيلولة دون التنفيذ عليها أو إصطنع ديونا صورية أو مبالغ فيها، بقصد الإضرار بحق الغير (أي الدائنين) فإنه تصرفه يكون غير نافذ.

وإذا قدم تصريحا بغير الحقيقة أو أخفى الأوراق الواجب إيداعها، جاز الحكم عليه بالمبلغ المحجوز من أجـله لصالح الدائن الحاجز الذي حصل على سند تنفيذي، وذلك بدعـوى إستعجالية.

ويجب في جميع الأحوال إلزام المحجوز لديه بالمصاريف القضائية، ويمكن الحكم عليه بالتعويضات المترتبة على تقصيره أو تأخيره في تقديم التصريح ([87]).

وفضلا عن ذلك يمكن إخضاع المدين المحجوز عليه للمتابعة الجزائية بتبديد الأموال، التي هي أموال الضمان العام.

ومن الناحية العملية غالبا ما يلجأ الدائن إلى إجراءات الحجز التحفظي والتنفيذي على أموال المدين، وفقا للقواعد العامة للتنفيذ ([88]). والمال المحجوز أحد عناصر هذه الجريمة، خاصة إذا قام المدين بتبديد أمواله، بصفته حارسا إتفاقيا أو قضائيا عليها.

وعلى ذلك فإن تصرف المدين في الأموال المحجوزة أو التي تحت حراسته، فقد يكون محلا لمتابعة جزائية بجنحة تبديد أشياء محجوزة ([89]). كما يجوز متابعته بجرم النصب والإحتيال ([90])  إذا تحايل وتواطؤ مع الغير أو مع وجه أو أبنائه أو أضهاره أو غيرهم لسلب أموال الدائنين باتخاذ صفات أو أسماء وهمية.

وبالمقارنة مع بعض التشريعات العربية فإننا نجدها كانت أكثر تشددا من التشريع الجزائري، وكفلت حماية الدائنين من تصرفات المدين المضرة عن طريقين ([91]):

  1. عن طريق منع نفاذ تصرفات المدين في حقهم.
  2. عن طريق تعريض المدين لعقوبات جزائية إذا صدرت منه أعمال معنية ضارة بدائنيه، ومنها على الخصوص:

– إخفاء بعض أمواله ليحول دون التنفيذ عليها، ولاسيما في المنقولات التي يسهل إخفاؤها.

– إصطناع ديون صورية حتى يزيد من مقدار ديونه فيضر بدائنيه بإنقاص النصيب الذي يحصل عليه كل منهم عند التنفيذ.

– إصطناع ديون مبالغ فيها، وهذه الديون قد تكون جدية لا صورية، ولكن يبالغ في مقدارها كأن يعمد المدين إلى تغيير سندات بالدين عليه سابقة على الإعسار، فيضاعف قيمتها حتى ينقص من نصيب الدائنين الآخرين.

وهذا الأمر دأب عليه التشريع المصري، والذي جعل الإعسار المدني نظاما قائما ومتكاملا يوازي نظام الإفلاس التجاري، حينما حاول سرد طائفة من التصرفات التي قد تقع تحت طائلة المتابعة الجزائية، ومنها: إخفاء المال، وصورية الديون وإصطناع الديون المبالغ فيها.

وهذه الأعمال الثلاثة (الإخفاء، والصورية والإصطناع) هي أكثر الأعمال التي يخشى أن تصدر من الدائن المعسر، وهي أشد التصرفات المضرة بدائنيه، ولذلك جرمتها بعض التشريعات صراحة تحت باب جريمة تبديد أموال تتعلق بالغير.

والركن المادي هاهنا يثبت بإتيان المدين للأفعال الثلاثة المشار اليها آنفا بعد صدور الحكم بشهر الإعسار أو حتى بالاقتران معه.

والركن المعنوي في جريمة التبديد مفترض، ويتمثل في نية الإضرار بالدائن أو الدائيين ([92]).

وغنى عن البيان أن الدائنين هم المكلفون بإثبات كل من الصورية والمبالغة فى مقدار الديون، ويستطيعون الإثبات بجميع الطرق لما يلابس العمل من غش ومساس بحقوق الغير وإضرار بمصالحهم.  

ومن القرائن التي تثبت التعمد ونية الإضرار بالدائنين هو أن يكون إعسار المدين قد حدث أثناء نظر دعوى المديونية أو عقب صدور الحكم بالمديوينة. وهي على كل قرائن بسيطة يمكن إثبات عسكها، وأن ما وقع هو مجرد مصادفة وسوء حظ، وليس فيه أي نية للإساءة لمركز الدائنين.

غير أن ينبغي الإشارة أن المشرع الجزائري لم يجعل من المنع من التصرف في جانب المدين كأثر مطلق لحكم الإعسار، وإنما أجاز للمدين المعسر أن يتصرف في ماله، ولو بغير رضا الدائنين، على أن يكون التصرف بثمن المثل، وبشرط أن يكون المبلغ الناجم عن التصرف محفوظا ([93]).

وهناك تصرفات قد يجريها المدين عن حسن نية، ولكن قد ترتب آثارا سلبية مؤثرة على الضمان العام، حيث يكون المدين وقع نتيجة إستغلال سذاجته الكبيرة أو نتيجة طيشه البين أو هواه الجامح أو نتيجة سوء تقدير أوقعه في غبن فاحش.

ويتضح مما سبق أن الإعسار يكفل مصلحة الدائنين، بتحقيق المساواة الفعلية بينهم، مع إبقاء المدين قائما على أمواله، دون أن ترفع عنه مكنة التصرف والاستعمال والاستغلال، بخلاف التاجر المفلس.

كذلك فإن حق الدائنيين في إتباع إجراءات معينة لحماية ديونهم عادة ما يتخذ طابعا فرديا. وهذه هي السمة الجوهرية في الأحكام العامة لنظام الإعسار. فالتصفية في كنف هذه الأحكام ليست إجراء جماعيا، ولا تؤسس لأجله جماعة الدائنين.

ومن الناحية العملية عادة ما تلجأ المحكمة، بناء على طلب الدائن، إلى الأمر بإجراء الحجز على أموال المدين والتحفظ عليها ([94])، مع طلب تعيين حراسة قضائية على أموال المدين للحفاظ عليها من الضياع ([95]).

وغالبا ما يعين المدين حارساً على أمواله المحجوز عليها ([96]) إلا إذا إقتضت الضرورة بتعيين شخص محايد ليقوم بمهام الحراسة القضائية على الأموال المحجوزة، وقد يعين الحارس القضائي بشكل إتفاقي ([97])، لاسيما في الأمـــــــــوال المشـــــاعة والمشتركـــــــــــــــــــــــة([98]) وكذا في تسيير أموال الشركات التجارية ([99]).

ومهام الحارس القضائي ليست مجانية، بل تكون بمقابل أجر يدفع على عاتق المدين، على شرط أن يكون الحارس مسؤولا ماديا معنويا عن المحافظة على هذه الأموال التي وضعت تحت يده، باذلا عناية الرجل المعتاد, وبشرط تقديم حساب دوري للجهات القضائية ([100]).

ونشير أنه رغم ما يحيط بالمدين المعسر من وضع قانوني جديد، وبالخصوص غــل يــده عن التصرف في أمواله، إلا أن المشرع الجزائري أغفل الحديث عن حق المدين في الحصول على نفقة غذائية له ولأسرته.

حيث أنه بتوقيع الحجز على أموال هذا المدين وايرادته فمن الممكن أن يصبح بدون مورد يعيش منه، ولذلك كان من الإنسانية أن تقرر له نفقة غذائية بعد أن تم الحجز على أمواله.

وهذا الوضع تفطن إليه المشرع المصري، حينما نص في المادة 259 من القانون المدني بأنه يمكن لقاضي الإعسار أن يقرر نفقة للمدين المعسر. وتقتطع هذه النفقة من الإيرادات المحجوزة ([101]). وهذا يعني أن القانون المصري رأف بالمدين بهذه النفقة لما لها من أهمية في عيشه ومعيشة عائلته، لكن أجاز للدائنين التظلم من هذه النفقة إذا كانت قيمتها مبالغا فيها.

ويبقى المدين المعسر يتقاضى هذه النفقة المقدرة قضاء إلى أن تنتهي عملية التصفية النهائية لأمواله وسداد جميع ديونه، وبالطبع فإن تقرير هذه النفقة لا يمنع من إجراء عملية بيع المال الذي يتقاضى منه المدين نفقته.

أما بالنسبة للمشرع الجزائري فإن المادة 636 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية نصت على طائفة من الأموال الحصرية الممنوعة من الحجز، ومنها المواد الغذائية اللازمة لمعيشة المحجوز عليه ولعائلته لمدة شهر واحد.

ولكن برأينا فإنها قيمة هذه المواد غير كافية، لكن هذه الأموال تظل غير قابلة للحجز قبل وبعد شهر الإعسار، ويبقى المدين المعسر بحاجة إلى نفقة غذائية تكفي لاعالته وتكفل معيشة أفراد أسرته. وهي على كل ليست حقا مكتسبا، وإنما تتطلب دعوى (إستعجالية في الغالب)، ويكون للقاضي سلطة مطلقة في تقدير قيمة النفقة، ويبقى للدائنين حق الاعتراض على قيمتها إذا كان مبالغا فيها. وهذا ما مقر  صراحة في التشريع المصري.

والاعتراض يمارس غالبا في شكل تظلم من الأمر القضائي يوجه أمام نفس القاضي الذي منح هذه النفقة، والذي له سلطة مطلقة في التراجع عن تقرير النفقة أو الإنقاص من قيمتها، كما لها أن يبقي عليها كما هي إذا قدر أنها معقولة وتحفظ كرامة وإنسانية المدين أو إذا ثبت لديه (القاضي) وجود مبررات موضوعية معقولة بالنظر إلى غلاء أسعار المواد الإستهلاكية اليومية، ومراعاة لعدد أفراد عائلة المدين، ومن أجل تمكين المدين من تحمل الأعباء الخدماتية المتعلقة بإستهلاك الكهرباء والغاز والمياه والهاتف، وهي بلا شك تعد من ضروريات المعيشة. والمدين يجب أن يعامل كإنسان أولا وقبل كل شيء.

المطلب الثاني: حالات إنتهاء الإعسار وآثارها

الإعسار بوصفه حالة قانونية تعتري المدين بعد شهر إعساره فإنه يتقرر بحكم منشئء. وهذا الحكم يرتب آثارا قانونية في مواجهة طرفي العلاقة الدائنية. وطبيعي أن هذه العلاقات ليست مؤبدة، وإنما يكون لها أن تنتهي لسبب من الأسباب.

وما يثير الغرابة أن مشرعنا لم يتضمن النص على إنهاء حالة الإعسار، ولم يبين آثار هذا الإنتهاء، رغم الأهمية القانونية والعملية لهذه الأحكام. 

ونهيب بمشرعنا أن يسد هذا الفراغ القانوني ويستدرك هذه النقائص المسجلة في تعديلات مستقبلية للقانون المدني.

وسنتعرض للأمر من خلال إستبيان موقف بعض التشريعات المقارنة مع بيان آراء الفقه وإجتهادات القضاء.

حيث استقرت التشريعات على أن حالة الإعسار المعلنة تنتهي بوفاء المدين بكامل ديونه التي حلت. وهذا الإنهاء قد يكون بحكم القضاء، كما قد يكون بقوة القانون.

الفرع الأول: إنتهاء وضع الإعسار بالوفاء اللاحق (بقوة القانون)

ينتهي الإعسار إذا ثبت يسر المدين لاحقا. فمتى ثبت أن أموال المدين أصبحت كافية للوفاء بجميع ديونه، سواء كانت هذه الديون قد حلت قبل شهر الإعسار أم حلت بعد شهره، بفعل سقوط الآجال.

وقد تتحقق هذه الحالة بفرضين:

– الفرض الأول: بزيادة حقوق المدين: كما إذا آل إليه مال ما عن طريق الإرث أو تحصل على أموال بطريق الوصية أو بالهبة أو تملك أموالا عقارية أو منقولة بالتقادم المكسب.

– الفرض الثاني: بسبب نقص ديونه: كما إذا إنقضى جزء منها بطريق الإبراء أو التنازل أو المقاصة أو بما يقابل الوفاء أو سقطت عنه بالتقادم.

ولم يحدد المشرع الجزائري أجلا للدائنين مهلة لتصفية أموال مدينهم وإستيفاء حقوقهم منها، عن طريق الإجراءات الفردية، بخلاف التشريع المصري الذي حددها بمهلة خمس سنوات تبدأ من تاريخ التأشير بالحكم الصادر بشهر الإعسار، ولو كان السبب الذي أشهر من أجله الإعسار لا زال قائما ([102]).

وهذه المدة تعد كافية جدا للدائنين لتخليص ديونهم عن طريق إتباع إجراءات الحجز على أموال مدينهم.

وكذلك من مصلحة المدين طيلة هذه الفترة التخلص من هذه الأعباء والتمسك بإنهاء حالة الإعسار بقوة القانون، بمجرد إنقضاء هذه المدة، بصرف النظر عن الوفاء الجزئي أو عدم الوفاء أصلا.

ولا يحتاج هذا الإنهاء بعد مضي هذه المدة لحكم قضائي ليقرره، وحتى حكم القاضي، بناء على طلب المدين أو بناء على دفع من قبله، فإنه من المفترض أن يكون حكما كاشفا لا منشئا.

وهذا يعني أن المعسر بعد إنقضاء هذه المدة ينتهي إعساره القانوني تلقائيا، ويتحلل من كل إلتزام، ومع ذلك قد يبقى معسرا فعليا.

الفرع الثاني: إنتهاء وضع الإعسار بحكم القضاء

يمكن أن يتم إنهاء حالة الإعسار قضاء بطلب من كل ذي شأن. وبديهي أن أولهم هو المدين نفسه. فيكون من مصلحته أو من مصلحة خلفه تقديم طلب إلى القضاء لإنهاء وضعية الإعسار.

ومن الحالات التي تبرر ذلك أن يكون المدين قد أيسر يسارا تاما في مرحلة لاحقة لصدور حكم باعساره، حيث أصبحت أمواله كافية للوفاء بجميع ديونه، سواء ما كان حالا منها وقت شهر إعساره أو ما حل منها بسقوط الأجل بسبب شهر الإعسار.

وقد يتحقق هذا الوضع الإيجابي للدائن والمدينين، على حد سواء، في عدة إفتراضات، منها مثلا أن يكون المدين المعسر قد ورث أموالا أو إستفاد من وصية أو تلقى هبة أو منحت له مساعدة مالية من الدولة، فتكون حينها أمواله تربو على ديونه، وتصبح بالتالي قادرة وقتها للوفاء بها. ويكون له عندئذ أن يبادر إلى إنهاء حالة الإعسار بعد الكشف عن أمواله الجديدة، وبعد دعوة الدائنين إلى قبض ديونهم المسجلة في ذمته.

ولا يوجد ما يمنع أحد الدائنين أو جلهم أو كلهم من التصالح مع المدين في كل الديون أو في جزء منها، كما لا يوجد ما يمنع الوفاء بطريق المقاصة أو بطريق الإستعانة بكفيل أو ضامن ([103]).

يجب أن يكون الكفيل موسرا، قادرا على الوفاء بالدين الذي كفله إذا إقتضت الحالة ذلك والمدين الذي قدم الكفيل هو الذي يتحمل عبء إثبات يساره، فيثبت أن للكفيل مالا، ولو شائعا، عقارا أو منقولا أو كليهما، يستطيع أن يستوفي الدائن منه حقه .

فإذا تخلف هذا الشرط، أي أن الكفيل أصبح معسرا، وجب على المدين تقديم كفيل آخر يحل محله، إلا إذا إشترط الدائن شخص معين لكفالة الدين.

إذا أعسر الكفيل إعسارا جزئيا، جاز للدائن أن يطالب بكفالة أخرى تكمل كفالة الكفيل الأول (كفيل الكفيل).

وتبرأ ذمة الكفيل، إذا لم يقم الدائن باتخاذ الإجراءات اللازمة ضد المدين، خلال ستة أشهر من إنذار الكفيل للدائن.

أما إذا أعسر المدين، فيجب على الدائن أن يتقدم للحصول على ما يمكن الحصول عليه من مال المدين لإستيفاء حقه، ثم يرجع بالباقي على الكفيل.

وفي حالة حوالة الحق بعوض، فإن المحيل يضمن للمحال له يسار المدين، وهذا الإتفاق الغرض منه، التشديد في أحكام الضمان.

فإذا إشترط المحال له (الأجنبي أو الدائن الجديد) على المحيل (الدائن الأصلي) ضمان يسار المدين، ولم يبين صراحة أي يسار، فإن هذا الأخير ينصرف إلى وقت إنعقاد الحوالة، أي تفسير الشرط بما هو في مصلحة الملتزم، فإذا كان المدين موسرا وقت إنعقاد الحوالة فإن ذمة المحيل تبرأ من الضمان، حتى لو أعسر المدين بعد ذلك.

أما إذا كان الاتفاق بين المحيل والمحال له لا يضمن إلا وجود الحق، ففي هذه الحالة يسار المدين لا يضمن أصلا، ولو وقت إنعقاد الحوالة، حتى وإن كان المحيل عالما بإعساره، وعلى المحال له قبل أن يقدم على قبول الحوالة، أن يتحرى حالة المدين، فإذا لم يفعل أعتبر مقصرا ولا يلومنّ إلا نفسه، على أنه إذا أخفى المحيل إعسار المدين غشا، كان مسؤولا، لا بموجب عقد الحوالة، بل بسبب الغش الذي بدر منه.

أما إذا أراد المحال له أن يضمن له المحيل يسار المدين عند حلول ميعاد الوفاء بالحق المحال به، وجب عليه أن يبين ذلك صراحة في الضمان، وعنده يكون المحيل مسؤولا، إذا طالب المحال له المدين بالحق فوجده معسرا، وليست بالضرورة أن تكون المطالبة في اليوم نفسه الذي يحال فيه الحق، بل تجوز أن تكون في خلال المدة المعقولة، فإن المحيل يكون مسؤولا عن إعسار المدين، بموجب شرط الضمان.

أما إذا تأخر المحال له مدة طويلة، بعد حلول أجل الوفاء في مطالبة المدين، وكان هذا الأخير موسرا خلال المدة المعقولة، ثم أعسر بعد ذلك، ففي هذه الحالة لا يكون المحيل مسؤولا، لأن المحال له قد قصر بتأخره في مطالبة المدين، في وقت كان فيه موسرا.

وقد يتحقق أيضا إنهاء الإعسار قضاء، وهذا في حالة ما إذا قبل الدائنون كلهم أو بعضهم إبـراء المدين من بعض ديونه، بحيث يصبح الباقي في ذمته من الديون لا يزيد على ما عنده من مال.

وكذلك قد ينتهي الإعسار بحكم قضائي إذا ثبت أن المدين قد وفــى، فعلا أو حكما، بجميع ديونه التي كانت حالة وقت طلب إنهاء حالة الإعسار، سواء كانت هذه الديون المستوفاة حالـــة وقت شهر الإعسار أو أنها حــلت بعد ذلك بإنقضاء أجلها.

أما الديون التي أعتبرت حالة عن طريق إسقاط أجلها، بسبب شهر الإعسار، ولم يكن هذا الأجل قد إنقضى وقت طلب إنهاء حالة الإعسار، فإنها لا تدخل في هذا الحسبان، وذلك لأن هذه الديون سيعود إليها الأجل الذي سقط، فتصبح غير حالة وقت طلب إنهاء الإعسار.

وظاهر أن المدين إذا وفــى بجميع الديون المشار إليها، فإنه بصبح في حالة كان لا يستطاع معها طلب شهر إعساره، وهذا المبرر كاف لإنهاء حالة الإعسار في هذه الحالة.

ولكن لا يكفي أن يكون عند المدين مال كاف للوفاء بهذه الديون، بل يجب أن يكون المدين قد وفاها فعلا، وهذا الفرض الثاني يختلف عن الفرض الأول، فقد تقدم في الفرض الأول أنه يكفي أن تكون أموال المدين قد أصبحت تفي بجميع ديونه دون حاجة إلى وفاء هذه الديون بالفعل ([104]).

وفي الحالين معا يجب صدور حكم لانهاء حالة الإعسار المعلنة من قبل. وهو على كل حكم يصدر بناء على طلب كل ذي شأن، وأول ذوي الشأن هو المدين نفسه.

وقد يكون لأحد الدائنين مصلحة في طلب إنهاء الإعسار بطريق القضاء، خاصة إذا كان دينه قريب الحلول أو وشيك التحقق، مقارنه بغيره من النظراء الدائنين، أو أصبح دينا يسيرا جرت الأعراف والأخلاق على التنازل عنه.

وبالانهاء قد يتمكن المدين من الحصول على أجل قريب يمكنه أن يستوفي الدين قبل غيره من أصحاب الديون المؤجلة، وربما قد يظفر به كاملا، بخلاف لو إستمر الإعسار قائما كما هو، فإن باقي الدائنين يتساوون معه في المطالبة بديونهم، ويتزاحمون معا رغم أن ديون بعضهم قد تكون مؤجلة.

ونشير أن الحكم بإنهاء حالة الإعسار، مثله مثل الحكم بإشهاره، هو حكم منشئ لا كاشف ([105]). كما أنه يعد حجة على الكافة.

ويتم صدوره عادة من محكمة موطن المدين، وهي في الغالب المحكمة التي أصدرت الحكم يشهر إعساره، ما لم يكن للمدين موطن آخر.

ويقبل الحكم بإنهاء حالة الإعسار الطعن فيه بكل طرق الطعن الممكنة، وفقا للمواعيد المقررة قانونا.

ونعيد التذكير أن المشرع الجزائري سهى عن تنظيم هذه المسائل الإجرائية تاركا إياها للقواعد العامة للمرافعات.

وعلى ذلك، يكون الحكم الصادر في دعوى شهر الإعسار، سواء صدر بشهر الإعسار أو بالرفض أو بانهائه، قابلاً للطعن بالمعارضة، وبالإستئناف، وبالإلتماس، وبالإعتراض، وبالنقض.

فلو أن الدائن رفع الدعوى على المدين بطلب شهر إعساره، وصدر الحكم إبتدائياً بشهر الإعسار، جاز للمدين المحكوم عليه بشهر إعساره أن يعارض الحكم أمام نفس الجهة القضائية أو يستأنفه أمام جهة الإستئناف.

وكذلك إذا صدر الحكم الإبتدائي برفض شهر الإعسار، جاز للدائن إستئنافه، وفقا للمواعيد والإجراءات المقررة في قانون الإجراءات المدنية والإدارية.

ونفس الشيء يقال عن الحكم بإنهاء حالة الإعسار، يحيث يقبل الطعن بالمعارصة وبالإستئناف أيضا.

الفرع الثالث: آثار إنتهاء حالة الإعسار قانونا أو قضاء

متى زالت حالة الإعسار، قانونا أو قضاء، إستعاد المدين حرية التصرف كيفما يشاء، بدون رقيب أو حسيب عليه. وكان له بالتالي أن يتصرف في أمواله بجميع التصرفات الممكنة، سواء كانت نافعة محضا أو ضارة ضررا محضا أو دائرة بين النفع والضرر، حيث لا يكون معرضا حينها لعقوبة جريمة التبديد، حتى ولو أخفى بعض أمواله وحال دون التنفيذ عليها أو إصطنع ديونا صورية أو مبالغا فيها أو تعمد الإعسار بقصد الإضرار بدائنيه.

بيــد أن إنتهاء حالة الاعسار بحكم القضاء أو بقوة القانون لا يمنع الدائنين من الطعن فى تصرفات المدين أو الإعتراض على كل تصرف إيجابي مفقـر للذمة المالية للمدين، ويتضمن بالتبعية الإنقاص من مجموع الضمان العام للدائنين.

ويتم الطعن في تصرفات المدين الضارة بطريق الدعوى البوليصية, ولا يمنع ذلك أيضا الدائن أو الدائنين من التمسك بالمطالبة بديونهم باللجوء إلى إستعمال الدعوى غير المباشرة، بشرط أن يتم ذلك خلال ميعاد ثلاث سنوات ([106]). وهو أجل تقادم الدعوى غير المباشرة أو دعوى عدم النفاذ.

وكذلك لا يمنع الدائن من المطالبة بعدم نفاذ التصرف بسبب الصورية ([107])، إلا أن المشرع الجزائري لم يحدد زمنا معينا لتقادم دعوى الصورية، ولذلك تبقى هذه الدعوى قائمة طالما بقيت المطالبة بالدين قائمة ولم يمسها التقادم ([108]).

ودعوى الصورية شأنها شأن باقي الدعاوى المسماة قررها الشارع في التقنين المدني بهدف المحافظة على الضمان العام للدائنين، ولذلك لا صلة لها بالطرق التنفيذية التي تكفل ببيانها قانون المرافعات.

ويعني هذا أن دعوى الصورية لا يمكن تعتبر بمثابة التنبيه القاطع للتقادم، كما أن عدم دفع الصورية لا يمكن إعتباره إقرارا ضمنيا قاطعا للتقادم ([109]).

ونشير إلى أن المدين الذي زالت حالة إعساره، بحكم قضائي أو بقوة القانون، يعود له حق التصرف في أمواله، ولكن هذا المدين وإن سقطت عنه حالة إعساره القانوني فإنه مع ذلك يبقى معسرا فعليا، وبالتالي يكون من حق الدائن أن يرفع دعوى بوليصية أو دعوى غير مباشرة ([110]) ، أو دعوى الصورية، مع مراعاة شروطها ومواعيدها ([111]).

غير أن رفع الدعوى البوليصية مقيد قانونا بميعاد ثلاث سنوات، وهو ميعاد سقوطـ، وتسري هذه المدة من تاريخ العلم بالتنازل أو التصرف. ويتفق الفقه على أن الأجل هو لسقوط للدعوى (الرخصة) وليس أجلا لتقادم الحق الموضوعي المطالب به.

وجدير بالتنبيه هنا أن دعوى عدم النفاذ لا تهدف إلى بطلان التصرف الصادر من جانب المدين، وإنما فقط عدم نفاذه في حق الدائن ([112]).

ومن التصرفات التي يجوز الطعن فيها والاحتجاج بعدم نفاذها هي التصرفات الصورية ([113]) والتصرفات التي تنطوي على الغش ([114]) وبوجه عام كل التصرفات التي تهدد الضمان العام.

وفي هذا الصدد قضت المحكمة العليا ([115]) أن عقد الهبة المحرر من الزوج لزوجته، بعد حلول أجل الدين، المنصب على عقار داخل في أصول المدين الضامنة للوفاء بالدين، يعد تصرفا ضارا بالدائن، يحق له المطالبة بعدم نفاذه.

ويلاحظ أن هذه المكنات الموضوعية والسبل الإجرائية والدعاوى المتاحة للدائنين لا تشترط بأي حال توفر حالة الإعسار القانوني في جانب المدين، إذ يكفي ثبوت حالة الإعسار الفعلي لا غير، مع ضرورة توفر شروط هذه الدعاوى وعدم سقوط آجال ممارستها ([116]).

كما لا يحول الوضع القانوني اللاحق للمدين، بعد إنتهاء حالة الإعسار الدائن، من حق اللجوء إلى القضاء للمطالبة بتقرير حق إختصاص على عقارات المدين ([117]). لأن المدين قد يزول إعساره القانوني إلا أن إعساره الفعلي ما يزال قائما.

ويعني ذلك أن حقوق الإختصاص التي كان الدائنون قد أخذوها بعد تسجيل دعوى الإعسار تصبح نافذة في حق الدائنين الذين إستجدوا بعد إنتهاء حالة الإعسار، ولكنها تبقى غير نافذة في حق الدائنين السابقين على تسجيل دعوى الإعسار.

وهناك آثار تترتب على الإعسار الفعلي دون حاجة لأن يكون قانونيا ومنها:

– إنتهاء الشركة باعسار أحد الشركاء ([118]).

– جواز إنتهاء العارية إذا أعسر المستعير بعد إنعقادها أو كان معسرا قبل ذلك دون علم المعير ([119]).

– جواز تقديم كفيل موسر (أي غير معسر) إذا إلتزم المدين بتقديم كفيل([120]).

وكذلك فإن زوال حالة الإعسار، أيا كان سببه أو طريقه، يؤدي إلى زوال آثارها التي كانت قد ترتبت عليها، ومنها الأثر المتعلق بإسقاط الديون، بمعنى أن الدين يعود إلى أجله الطبيعي، ما لم ترفع ضد المدين دعوى إعسار جديدة. والقانون مبدئيا لا يمنع ذلك.

ويفهم مما سبق أن المدين الذي تزول حالة إعساره بحكم قضائي أو بقوة القانون يتحول من حالة إعسار قانونية إلى حالة إعسار فعلية، ولذلك يبقى خاضعا لأحكام الدعوى غير المباشرة والدعوى البوليصية ودعوى الصورية, وهي الدعاوى الثلاث التي لا تتطلب سوى الإعسار الفعلي ([121]).

وكذلك فإن المدين في حالة الإعسار الفعلي لا يصبح معرضا للمتابعة بجنحة التبديد، حتى ولو أخفى ماله عن دائنيه أو إصطنع ديونا صورية أو أنشأ ديونا مبالغا فيها أو تعمد الإعسار بقصد الإضرار بدانئيه ([122]).

ومن الآثار التي تتربت عن إنتهاء حالة الإعسار هو بقاء الديون غير الحالة وغير المسددة كما هي قائمة.

ففي حالة ما إذا زال الإعسار (بحكم قضائي) بسبب عدم كفاية أموال المدين بديونه، الحالة منها والمؤجلة، أصبحت هذه الديون طائفين:

– طائفة من الديون يحل أجلها حلولا طبيعيا.

– طائفة من الديون لم يحل أجلها.

أ- طائفة الديون التي يحل أجلها حلولا طبيعيا، إما لأنها كانت حالة وقت شهر الإعسار، وإما لأنها حلت بعد ذلك بانقضاء مدة الأجل لا بسقوطه.

فهذه الديون تكون حالة مستحقة الأداء، ولذلك يتعين على المدين الذي زالت حالة إعساره الوفاء بها طوعا، وإلا إتخذ الدائنون ضده إجراءات التنفيذ الجبري وإستوفوا حقوقهم من أمواله، وهي تكفي فرضا للوفاء لا بالديون الحالة وحدها، بل بالديون المؤجلة.

ب- طائفة الديون التي لم يحل أجلها، وإنما كان الأجل قد سقط بشهر الإعسار. فهذه الديون الباقية إذا كانت لم توف، تعود إليها آجالها السابقة، وتصير ديونا مؤجلة، وعند إنقضاء مدة الأجل تكون مستحقة الأداء، وعلى المدين الوفاء بها. والمفروض أن عنده من المال ما يكفي لذلك، فإن لم ينفذ طوعا اتخذت ضده إجراءات التنفيذ الجبري.

ويشترط لرجوع الآجال بعد سقوطها أن يكون المدين قد وفـى ديونه التي حلت دون أن يكون لشهر الإعسار أثر في حلولها.

ومما سبق بيانه يظهر أن الإعسار القانوني أشد إمعانا في الاستغراق بالدين من الإعسار الفعلي أو الواقعي، إلا أنه هذا الأخير من ناحية أخرى يعد أوسع نطاقا من الإعسار القانوني، كونه لا يحتاج إلى حكم قضائي.

كذلك فإن الإعسار القانوني قد ينتهي قبل إنتهاء الإعسار الفعلي، لأن صدور حكم بإنهاء الإعسار لا ينهي حتما الديون، إذ قد تبقى ديون المدين أكثر من حقوقه، فيكون معسرا فعلا، بمعنى أن المدين ينتقل من حالة إعسار قانوني إلى إعسار فعلي. وهذا النوع الأخير قد يصبح إعسارا قانونيا، بناء على دعوى جديدة من دائن معين قد يظهر لاحقا ويتمسك بديونه.

ومعلوم أن إجراءات الإعسار ذات صبغة فردية، كما أن الأحكام القضائية لها حجية نسبية، ولذلك قد تتعدد أحكام الإعسار، ولا يشترط أن تكون الإجراءات متزامنة وفي مكان واحد.

حيث لا يوجد في القانون ما يمنع أي دائن من مباشرة دعوى الإعسار بما يناسب مصالحه، مع مراعاة قواعد الإختصاص النوعي والإقليمي للدعوى.

وفي هذا الإطار قضى بأنه ([123]): “من المقرر أن الإعسار الفعلي يختلف عن الإعسار القانوني، فالأول أشمل مجالا من الثاني، بحيث يتصور توافر الإعسار الفعلي مع إنتفاء الإعسار القانوني، إلا أن توافر الإعسار القانوني يقتضي حتما، وبطريق اللزوم، توافر الإعسار الفعلي.

وكذلك فالحكم برفض شهر دعوى الإعسار لعدم توفر الإعسار القانوني لا يؤدي بطريق اللزوم الحتمي إلى إنتفاء الإعسار الفعلي”.

والملاحظ أن الإعسار القانوني، على ضيقه، أوسع نطاقا من الإفلاس التجاري، لأنه بمجرد توقف المدين التاجر عن دفع دينه الحال يجوز شهر إفلاسه، ولو كان هذا المدين غير معسر، لا إعسارا قانونيا ولا إعسارا فعليا.

وجدير بالإشارة هنا أن المشرع لم ينص على إجراءات معينة تتعلق بنشر أحكام الإعسار في المحاكم وفي الجرائد بخلاف أحكام الإفلاس.

كما لم ينص المشرع أيضا على الآثار الشخصية لحكم الإعسار على أهلية المعسر، ولم يتضمن إجراءات رد الاعتبار…

الخــاتمــــة:

الإستقرار هو الغاية التي ينشدها المشرع من تنظيمه وتأطيره للعلاقات المدنية، والغاية المرجوة من تبني معظم التشريعات المقارنة لنظام الإعسار المدني هي المحافظة على الثقة والإئتمان اللذان تقوم عليهما الحياة المدنية والتجارية على حد سواء، لاسيما وأن جل التشريعات إستقرت على إلغاء نظام الإكراه البدني لارغام المدين على التنفيذ، بناء على بنود العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية التي تحظر التنفيذ بطريق الإكراه البدني لتحصيل الديون المدنية.

وصحيح أن المشرع الجزائري نظم أحكام الإعسار المدني بمواد أقل، حيث خصص له ثلاث مواد فقط، وبشكل مخل، مقارنة بنظام الإفلاس التجاري، ولذلك ندعو مشرعنا إلى إستدراك هذا النقص وتنبي نظام متكامل وصارم للإعسار على غرار ما هو معمول به في بعض التشريعات المقارنة.

حيث نأمل أن ينهي المشرع تردده، ويأخذ به كنظام مدني مستقل يوازي في شروطه وإجراءاته وآثاره نظام الإفلاس التجاري. ولاشك أن إدراج نظام الإعسار المدني في القانون المدني الجزائري، يمكن إعتباره ضمانة من ضمانات حفظ حقوق الدائنين، تضاف إلى باقي دعاوى الضمان العام، خاصة مع عدم كفاية نظام الإكراه البدني ونظام الغرامة التهديدية.

غير أننا  مع ذلك نفضل إعتماد نظام الإعسار على النحو المتبع في التشريع المصري، باعتباره أقوى الوسائل المدنية لتحقيق الضمان العام، لأن الدائن من خلاله يمكنه أن يستوفي حقه من مدينه مطمئنا من عدم غشه وتهاونه، لاسيما وأن إجراءات الإعسار تؤدي إلى غـل يد المدين عن التصرف في ماله، زيادة على إمكانية متابعة المدين جزائيا عند ثبوت سوء نيته.

ونقترح أيضا تدعيم وسائل تحقيق الضمان بنصوص جزائية، يعاقب بموجبها كل مدين يعمد إلى تبديد أموال أو إخفائها ليحول دون التنفيذ عليها أو يلجأ إلى وسائل الغش والتدليس أو يصطنع ديونا صورية بقصد الإساءة إلى مركز الدائنين.

وقد كشفت الممارسات العملية عدم كفاية وسائل الضمان المدنية، خاصة غياب وسائل ردعية، ولا شك أن تجريم “الإعسار التدليسي” قد يعيد الهيبة لأحكام التنفيذ المدنية، ويحصن المعاملات المدنية من ظاهرة الإستهزاء والتلاعب من طرف المدينين.

وفي الأخير نقول أن هذه مجرد محاولة بحثية قد تشوبها نقائص وقد تعتريها عثرات، ونأمل من كل من إطلع عليها أن يفيدنا بنقده وأن ينيرنا برأيه، وندعو كل من تصفحها أن يكون إستفاد منها.

 وبالله سبحانه وتعالى التوفيق.

قائمــة المراجــع

-الدكتور أحمد عبد الرزاق السنهوري: الوسيط في شرح القانون المدني، الجزء الثاني، دار الحلبي الحقوقية، بيروت، لبنان، سنة 1997.

-الدكتور أحمد محمد خليل: الإفلاس التجاري والإعسار المدني ، منشأة المعارف ، الإسكندرية ، سنة 1987 .

-الدكتور آرام محمد صالح سعيد: المكنة القانونية بين النظرية والتطبيق ، دار الكتب القانونية ، القاهرة ، سنة 2010.

-الدكتور عبد الأول محمد بسيوني: آثار الإفلاس ، دار الفكر الجامعي ، الإسكندرية ، سنة 2008 .

-الدكتور بن عمـار مقـني: أحكام المقاصة وتطبيقاتها في علاقة الدائنية بين العامل ورب العمل، دار الفكر الجامعي، الإسكندرية ، سنة 2016.

-الدكتور بن عمـار مقـني: النظام القانوني لحقوق الإمتياز- دراسة مقارنة، دار الفكر الجامعي ، الإسكندرية ، سنة 2014

-الدكتور حسين محمد بيومي علي الشيخ: طــرق حـماية المـدين ، دار الفكر الجامعي ، الإسكندرية ، سنة 2008.

-الدكتور عبد الحليم  القوني: مبدأ حسن النية وأثره في التصرفات في الفقه الإسلامي والقانون المدني المصري والفرنسي، رسالة دكتوراه، جامعة الإسكندرية، سنة 1997.

-الدكتور عبد الله حسن حميد الجديفي: أحكام المعسر في الفقه الإسلامي ، مكتبة نزار مصطفى الباز ، الرياض ، دون سنة نشر  .

-الدكتور عزيز العكيلي: أحكام الإفلاس والصلح الواقي- دراسة مقارنة، مكتبة دار الثقافة للنشر والتوزيع ، عمان ، سنة 1997.

-الدكتور قدري عبد الفتاح الشهاوي: نظرية الحق في الحبس ودعوى الإعسار المدني ، منشأة المعارف، الإسكندرية ، مصر ، سنة 2002.

-الدكتور محمود سعد ماهر: دعاوى حماية الضمان العام للدائنين في القانون المدني المصري، منشورات المؤلف، طبع دار النهضة العربية ، القاهرة، سنة 1996.


[1]– ابن منظور: لسان العرب ، المرجع السابق ، ج 4 ، ص 563.  الرازي : مختار الصحاح ، المرجع السابق ،  ج 1 ، ص 181.

[2]– سورة الفرقان: الآية 26.

[3]– سورة الطلاق: الآية 7.

[4]-. سورة البقرة: الآية 280.

[5]– سورة العصر: الآية 6.

[6]– سورة الطلاق: الآية 6.

[7]– الذمة المالية هي مجموع ما للشخص من وما عليه من إلتزامات ذات طابع مالي.

[8]– الدكتور عبد الله حسن حميد الجديفي: أحكام المعسر في الفقه الإسلامي ، مكتبة نزار مصطفى الباز ، الرياض ، دون سنة نشر  ، ص 18.

[9]– الدكتور عزيز العكيلي: أحكام الإفلاس والصلح الواقي- دراسة مقارنة ، مكتبة دار الثقافة للنشر والتوزيع ، عمان ، سنة 1997 ، ص 9.

[10]– المدين المعسر يختلف عن المدين المماطل ، في كون أن الأول شخص ليسا له قدره مالية وعاجز عن سداد الديون الثابتة في ذمته والمستحقة الأداء، سواء بصفة عينية أو نقدية.                         

أما المدين المماطل فهو مدين لديه أموال تزيد عن ديونه، ولكنه يمتنع عمدا عن تسديد ما إستحق عليه حالا من ديون.

[11]– الغريب أن القانون المدني الجزائري أشار لبعض تطبيقات الإعسار في المواد 189 و191 و192 و193 و196 متناسيا ذكر القواعد العامة لنظام الإعسار، بخلاف المشرع المصري الذي خصص له 14 مادة من تقنينه المدني (المادة 249 وما بعدها).

[12]– ينظر الدكتور أحمد عبد الرزاق السنهوري: الوسيط في شرح القانون المدني، الجزء الثاني، دار الحلبي الحقوقية، بيروت، لبنان، سنة 1997 ، فقرة 692 ، ص 1209.

[13]– ينظر الدكتور قدري عبد الفتاح الشهاوي: نظرية الحق في الحبس ودعوى الإعسار المدني ، منشأة المعارف، الإسكندرية ، مصر ، سنة 2002 ، ص 124.

[14]– تنص المادة 434-2 من القانون المدني: “غير أنه إذا أعسر أحد الشركاء، وزرعت حصته في الدين على الآخرين كل بقدر نصيبه في تحمل الخسارة”.

[15]– تنص المادة 547-3 من القانون المدني: “يجوز للمعير أن يطلب في أي وقت إنهاء العايرة في الأحوال الآتية:

-إذا أعسر المستعير بعد إنعقاد العارية أو كان معسرا قبل ذلك دون علم من المعير”.

[16]– قضت المحكمة العليا بأنه: “لا يجوز للبنك الرجوع على الكفيل لتحصيل الدين الباقي في ذمة المدين المكفول إلا بعد ثبوت إعسار المدين، ولا يعد إعذار المدين دليلا على إعساره”.

قرار الغرفة التجارية والبحرية بتاريخ 09 يوليو 2007 ، ملف رقم 478349. منشور  بمجلة المحكمة العليا ، سنة 2009 ، العدد الأول ، ص 183.

غير أنه يجب التفرقة بين الكفالة الشخصية المشار إليها الخاضعة للقانون المدنية والكفالة البنكية الداخلة في نظام المعاملات المصرفية العالمية والخاضعة للأعراف التجارية الدولية، والتي لا تشترط أن يكون المدين موسرا.                                                                                                         =

= قرار الغرفة التجارية والبحرية بتاريخ 08 يوليو 2010 ، ملف رقم 627056. منشور بمجلة المحكمة العليا ، سنة 2012 ، العدد الأول ، ص 251.

[17]– تنص المادة 646 من القانون المدني: “إذا إلتزم المدين بتقديم كفيل، وجب أن يقدم شخصا موسرا ومقيما بالجزائر، وله أن يقدم عوضا عن الكفيل، تأمينا عينيا كافيا”.                    

وتنص المادة 662 من نفس القانون: “يكون الدائن في كل الأحوال التي يدل فيها الكفيل على أموال المدين مسؤولا، تجاه الكفيل عن إعسار المدين الذي يترتب عن عدم إتخاذه الإجراءات اللازمة في الوقت المناسب”.

وطبقا لعقد الكفالة الشخصية يمكن للدائن رفع دعوى قضائية مباشرة ضد المدين المكفول بالتضامن مع كفيله الشخصي.

ينظر قرار الغرفة التجارية والبحرية بتاريخ 05 مارس 2008 ، ملف رقم 427543. منشور بمجلة المحكمة العليا ، سنة 2008 ، العدد الأول ، ص 141.

[18]– في حالة الإعسار الفعلي فإنه وطبقا للمادتين 191 و192 من القانون المدني، يمكن لكل دائن حل دينه، وصدر من مدينه تصرف ضار به، له الحق في رفع دعوى عدم نفاذ التصرف، وكذا الحال إذا كان التصرف سيؤدي إلى عسره أو قد يزيد من إعساره.

[19]– نقض مدني مصري بتاريخ 08 ماي 1978 ، الطعن رقم 0233 ، مجموعة المكتب الفني ، السنة 29 ق ، ص 1185.

ومما جاء في هذا القرار ما يلي: “مفاد نص المادتين 417 و237 من التقنين المدني أن المشرع قد فرق بين الإعسار القانوني الذي إستلزم توافره  لشهر إعسار المدين، وإشترط لقيامه أن تكون أمواله غير كافية لوفاء ديونه المستحقة الأداء، وبين الإعسار الفعلي الذي إستلزم توافره في دعوى عدم نفاذ التصرف، وإشترط لقيامه أن يؤدي التصرف الصادر من المدين إلى أن تصبح أمواله غير كافية للوفاء بجميع ديونه، سواء ما كان منها مستحق الأداء أو مضافا إلى أجل. ومؤدى ذلك أن الإعسار الفعلي أوسع نطاقا من الإعسار القانوني، فقد يتوافر الأول دون الثاني”.

[20]– الدكتور قدري عبد الفتاح الشهاوي: نظرية الحق في الحبس، المرجع السابق ، ص 126.

[21]– قضى بأنه: “لا يجوز شهر إفلاس التاجر إلا لدين تجاري. أما التاجر المدين بدين بدين مدني مستحق الأداء، ولا تفي أمواله بالوفاء بديونه فيجوز شهر إعساره”.

محكمة القاهرة الابتدائية ، جلسة 31 أكتوبر1960 ، الدعوى رقم 2298 لسنة 1960 ، كلي القاهرة.

حكم أورده الدكتور محمود سعد ماهر: دعاوى حماية الضمان العام للدائنين في القانون المدني المصري، منشورات المؤلف، طبع دار النهضة العربية ، القاهرة ، سنة 1996 ، ص 228 و229.

[22]– مجموعة الأعمال التحضيرية للتقنين المدني المصري، الجزء الثاني ، ص 662.

[24]– مثلا لو كانت أموال المدين تقدر بعشرة آلاف، وكانت ديونه الحالة ثمانية آلاف، وديونه المؤجلة أربعة آلاف، فهذا المدين معسر إعساراً فعليا،ً لأن مجموع ديونه الحالة والمؤجلةيربى على مجموع أمواله، وهو غير معسر إعساراً قانونياً، لأن ديونه الحالة لا تزيد على ما عنده من مال.

ولو كانت الديون الحالة إثنى عشر ألفاً بدلاً من ثمانية آلاف، لكان المدين معسراً أيضاً إعساراً قانونياً، لأن ديونه الحالة أصبحت تربى على أمواله.

[25]– فمثلا في التشريع المصري قد تزول حالة الإعسار القانوني بقوة القانون بانقضاء خمس سنوات، ومع ذلك فقد يبقى المدين بعد إنقضاء هذه المدة معسراً إعساراً فعلياً، ولو بعد زوال حالة الإعسار القانوني.  

[26]– يمكن اللجوء إلى تطبيق أحكام القانون المدني في الفصل الخاص بالشركات، وبالذات المادة 434 منه.

[27]– تنص المادة 11 من للحقوق المدنية والسياسية: “لا يجوز سجن أي إنسان لمجرد عجزه عن الوفاء بالتزام تعاقدي”.

وقد أعتمد العهد الدولي للحقوق السياسية والمدنية وعرض للتوقيع والتصديق والإنضمام بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 2200 الممضى في 16 ديسمبر 1966 ، وقد دخل حيز النفاذ بتاريخ 23 مارس 1976 ، طبقا للمادة 49.

[28]– إنظمت الجزائر العهد الدولي للحقوق السياسية والمدنية بموجب المرسوم الرئاسي رقم 89-67 الممضى في 16 مايو 1989. منشور بالجريدة الرسمية العدد 11 ، مؤرخة في 26 فبراير 1997 ، ص 16.

وقد وافق عليه البرلمان الجزائري بموجب القانون رقم 89-08 الممضى في 25 أبريل 1989. منشور بمنشور بالجريدة الرسمية العدد 17 ، مؤرخة في 26 أبريل 1989 ، ص 531.

ونشر نصه الكامل منشور بالجريدة الرسمية العدد 20 ، مؤرخة في 17 ماي 1989 ، ص 450.

[29]– قرار المحكمة العليا – الغرفة المدنية بتاريخ 11 ديسمبر 2002 ، ملف رقم  288587. منشور  بالمجلة القضائية ، سنة 2003 ، العدد الأول ، ص 206.

[30]– قرار المحكمة العليا – الغرفة المدنية بتاريخ 22 جويلية 2010 ، ملف رقم  575899. منشور  بالمجلة القضائية ، سنة 2010 ، العدد الثاني ، ص 154.              

[31]– المدين قد تكون له مصلحة في طلب الإعسار ليدل على حسن نيته، وليستفيد مما يوفر له نظام الإعسار من مزايا كنظرة إلى ميسرة في أداء ديونه الحالة والحصول على نفقة تقتطع من إيراده، غير أن المشرع الجزائري لم ينص عليه المشرع الجزائري، وسائر التشريعات العربية، بخلاف التشريع المصري.

[32]– نصت المادة 937 من القانون المدني الجزائري فيما يخص حق التخصيص على ما يلي: “لا يجوز أخذ حق التخصيص إلا على عقار أو عقارات مملوكة للمدين وقت قيد هذا الحق وجائز بيعها بالمزاد العلني”.

[33]– الدكتور قدري عبد الفتاح الشهاوي: نظرية الحق في الحبس ، المرجع السابق ، ص 138.

[34]– قضى بأنه: “لا يشترط أن يكون الدائن رافع دعوى شهر الإعسار هو حتما صاجب الدين الحال الأداء، فقد يكون حق هذا الدائن مؤجلا، ولكن ثبت لديه إعسار مدينه، ويخشي أن ينتظر حلول الأجل، فلا يجد عنده ما يستوفي منه حقه، فيبادر إلى طلب شهر إعساره متمسكا بدين حال غير الدين المؤجل الذي لا تكفي أموال المدين للوفاء به.

فالدائن ذو الحق المؤجل لا يتمسك في شهر إعسار المدين بحقه هو، لأنه غير حال، وإنما يتمسك بحق حال لدائن آخر لا تكفي أموال المدين لوفائه”.

حكم محكمة القاهرة الإبتدائية بتاريخ 31 أكتوبر 1960 ، الدعوى رقم 2298 ، السنة 1960 ، كلي القاهرة ، مجموعه الأحكام الرسمية ، س 60 ، ع 1 ، رقم 45 ، ص 368.

[35]– ينظر المادتان 364 و365 من قانون العقوبات الجزائري. 

[36]– لم يتضمن المشرع الجزائري هذه الحالة في حين تظمنها القانون المدني المصري في المادة 250 منه.

[37]– نظرة الميسرة هي مهلة أو أجل قد يمنحه القاضي للمدين لإستيفاء الدين الذي عليه، وهي إجراء يخضع  للسلطة التقديرية للقاضي، خاصة إذا ظهر له أن المدين حسن النية.

[38]– للمزيد ينظر : الدكتور عبد الرزاق أحمد السنهوري: الوسيط في شرح القانون المدني، نظرية الإلتزام بوجه عام، المرجع السابق ، ص 781 إلى 784 .

[39]– وهذا ما هو مقرر في المادة 259 من القانون المدني المصري.

[40]– ينظر في حالات التدخل الوجوبي للنيابة العامة: المادة 260 فقرة 7 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية. 

[41]– ينظر في حالات الطعن بالنقض المادة 358  فقرة 16 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية. 

[42]– نقض مدني مصري ، جلسة 31 يناير 1946 ، الطعن رقم 33 ، مجموعة عمر،  ج 5 ، ص 80.

[43]–  ينظر الدكتور عبد الحليم  القوني: مبدأ حسن النية وأثره في التصرفات في الفقه الإسلامي والقانون المدني المصري والفرنسي، رسالة دكتوراه ، جامعة الإسكندرية ، سنة 1997.

[44]– تنص المادة 193 من القانون المدني الجزائري: “إذا إدعى الدائن عسر المدين فليس عليه إلا أن يثبت مقدار ما في ذمته من ديون. وعلى المدين أن يثبت أن له مالا يساوي قيمة الديون أو يزيد عليها”.

[45]– الحقيقة أن المشرع لم ينص صراحة على ذلك، ولذلك لا توجد مدة قانونية معنية، مع الإشارة أن قانون الإجراءات الجزائري السابق أجاز بناء على طلب المدين منحة مهلة الميسرة للوفاء بديونه، وذلك بنص المادة 411 من قانون الإجراءات المدنية التي جاء فيها:” يجوز لرئيس الجهة القضائية أن يمنح المدين البائس وحسن النية مهلة للوفاء، بإستثناء قضايا السفاتج، ولا يجوز أن تزيد هذه المهلة عن سنة”.

[46]– قضى في مصر بما يلي: بأن الإعسار هو حالة قانونية تستفاد من أن أموال الشخص ليست كافية للوفاء بديونه المستحقة عليه. وهو بهذا المعنى لا يقوم على نفي مطلق يتعذر إثباته، بل يقوم على أمر واقع له علاماته التى تشهد عليه. على أن المقرر فى الإثبات أنه إذا كانت الواقعة المدعاة سلبية، وكانت منضبطة النفي، كان على مدعيها إثبات خلافها متى أمكنه تحويلها إلى قضية موجبة. فإذا لم يكن ذلك ممكناً، أو كانت الواقعة غير منضبطة النفي، فإن مدعيها يعتبر عاجزاً عن إثبات دعواه”.

نقض تجاري مصري بتاريخ 31 يناير1946 ، مجموعة عمر ، رقم 33 ، ص 80. 

[47]– تنص المادة 340 من القانون المدني: “يترك للقاضي إستنباط كل قرينة لم يقررها القانون، ولا يجوز الإثبات بهذه القرائن إلا في الأحوال التي يجيز فيها القانون الإثبات بالبينة”.

[48]– إذا رفعت دعوى الإعسار من قبل المدين فهذا يعد بحد ذاته إقرارا قضائيا بإعساره. وهو حجة عليه.

[49]– وهذا ما نص عليه المشرع المصري صراحة في  المادة 251 من القانون المدني في حين خلى القانون المدني من حكم بخصوص هذه المسألة.

[50]– ينظر المادة 251 من القانون المدني المصري (ولا يوجد ما يقابها في التشريع المدني الجزائري).

[51]– تنص المادة 210 من القانون المدني الجزائري: “إذا تبين من الإلتزام أن المدين لا يقوم بالوفاء بديونه إلا عند المقدرة والميسرة، عين القاضي ميعادا مناسبا لحلول الأجل، مراعيا في ذلك موارد المدين الحالية والمستقبلية، مع إشتراط عناية الرجل الحريص على الوفاء بالتزامه”.

[52]– قارن مع المشرع المصري الذي تناول أحكامه في المادة 249 لغاية المادة 264 من القانون المدني.

[53]– ينظر على سبيل المثال المادة 250 من القانون المدني المصري.

غير أن النص من جانب المشرع على نظر الدعوى على وجه السرعة ليس من شأنه أن يجعل دعوى الاعسار من قبيل المسائل التي يختص بها القضاء المستعجل حصرا، بل لا يعدو أن يكون ذلك مجرد حث للمحكمة على الإسراع في الفصل في الدعوى. ومن الناحية الإجرائية قد يرفع الدائن دعوى موضوع تتعلق بشهر الإعسار، ويقرنها بدعوى إستعجالية تحفظية للحفاظ على الديون من التهريب أو الضياع.

[54]– تنص المادة 250 من القانون المدني المصري: “مدة المعارضة في الأحكام الصادرة في شأن الإعسار ثمانية أيام، ومدة إستئنافها خمسة عشر يوما، تبدأ من تاريخ إعلان تلك الأحكام”.

[55]– الحكم بشهر الإعسار يقبل الطعن بكافة طرق الطعن، وفقا للمواعيد العادية المقررة في قانون الإجراءات المدنية والإدارية بعكس الإفلاس الذي يخضع لمواعيد خاصة.

مع المقارنة أن الإعسار في بعض التشريعات يخضع لقواعد إجرائية خاصة من حيث المواعيد، كما هو حال التشريع المصري مثلا.

[56]– في القانون المصري فإن شهر الإعسار يقيد في سجلات خاصة بالمحكمة، كما يتم إعلانه من طرف كتابة الضبط للمحكمة الإبتدائية.

[57]– ينظر المادة 338 من القانون المدني الجزائري.

[58]– ينظر المادة 383 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية.

[59]– قضت محكمة النقض المصرية : “تقدير الدليل على التواطؤ والعلم باعسار المدين هومن المسائل الموضوعية التي تدخل في سلطة محكمة الموضوع دون معقب، متى أقامت قضاءها على أسباب سائغة لها أصل ثابت في الأوراق وتؤدي إلى النتيجة”.

نقض مدني مصري بتاريخ 08 ماي 1978 ، الطعن رقم 0233 ، مجموعة المكتب الفني ، السنة 29 ق ، ص 1185.

[60]– ينظر المادة 392 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية.

[61]– تنص المادة 211  فقرة 1 من القانون المدني: “يسقط حق المدين فى الأجل: إذا أشهر إفلاسه وفقا لنصوص القانون”.

وفي المادة 273 من القانون المدني المصري : “إذا اشهر إفلاسه أو إعساره وفقا لنصوص القانون”. 

[62]– الدكتور أحمد عبد الرزاق السنهوري: الوسيط ، المرجع السابق ، ج 2 ، ص 1143.

[63]– نصت المادة 297 من القانون المدني الجزائري على ذلك بقولها: “للمدين حق المقاصة بين ما هو مستحق عليه لدائنه وما هو مستحق تجاهه، ولو إختلف سبب الدينين، إذا كان موضوع كل منهما نقودا أو مثليات متحدة في النوع والجودة، وكان كل منهما ثابتا وخاليا من النزاع مستحق الأداء صالحا للمطالبة به قضاء.

ولا يمنع المقاصة تأخر ميعاد الوفاء لمهلة منحها القاضي أو تبرع بها الدائن”.

[64]– ذهب المشرع الفرنسي في المادة 1188 إلى سقوط أجل الديون بالإفلاس الفعلي. ولا يحتاج الأمر إلى صدر حكم بالإفلاس، إذ يسقط الأجل عن جميع ديون المفلس المدينة والتجارية، العادية والمضمونة بتأمينات خاصة، وسواء كان الأجل معين أو غير معين، غير أن المشرع الفرنسي لم يتكلم عن سقوط الآجال في حال الإعسار إلا أن الفقه جرى على تطبيق نفس حكم الإفلاس عليه، وهو ما قد يثير صعوبات في تحديد وقت الإعسار الفعلي.

[65]– ينظر الدكتور بن عمـار مقـني: أحكام المقاصة وتطبيقاتها في علاقة الدائنية بين العامل ورب العمل، دار الفكر الجامعي ، الإسكندرية ، سنة 2016.

[66]– الدكتور أحمد محمد خليل: الإفلاس التجاري والإعسار المدني ، منشأة المعارف ، الإسكندرية ، سنة 1987 ، ص 255.

[67]– الدكتور قدري عبد الفتاح الشهاوي: نظرية الحق في الحبس ، المرجع السابق ، ص 164.

[68]– الدكتور محمود سعد ماهر: دعاوى حماية الضمان العام للدائنين ، المرجع السابق ، ص 251.

[69]– من التصرفات الضارة ضررا محضا الهبة والوصية والوقف وكفالة الدين، بحيث يكون المدين واهبا أو موصيا أو محبسا أو كفيلا.

ومن التصرفات النافعة نفعا محضا تلقي هبة أو تلقي وصية أو الاستفادة من وقف خاص أو يضمنه كافل، أي المدين هو الموهوب له أو الموصى له أو الموقوف له أو المكفول.

أما التصرفات الدائرة بين النفع والضرر فمثالها البيع والإيجار والمبادلة. وهي تصرفات تحتمل الربح والخسارة.

[70]– ينظر المادة 302 من القانون المدني الجزائري.

[71]– تنص المادة 196 من القانون المدني الجزائري: “إذا لم يقصد بالغش إلا تفضيل دائن على آخر دون حق فلا يترتب عليه إلا حرمان الدائن من هذه الميزة…. “.

[72]– يمكن للدائنين، خلال ميعاد ثلاث سنوات من تاريخ العلم، اللجوء إلى رفع دعوى بوليصية طالبا عدم نفاذها (وليس ابطالها)، طبقا للمادة 191 وما بعدها من القانون المدني الجزائري.  والميعاد المقرر هنا هو ميعاد سقوط، وهو أشبه بفترة الريبة أو الشك المعروفة في القانون التجاري، على الرغم من أن هذا النص الأخير لم يحددها زمنيا.

[73]– للمزيد من الفروقات حول نظامي الإفلاس والإعسار ينظر:

الدكتور محمود سعد ماهر: دعاوى حماية الضمان العام للدائنين، المرجع السابق ، ص 265.

الدكتور عبد الأول محمد بسيوني: آثار الإفلاس ، دار الفكر الجامعي ، الإسكندرية ، سنة 2008 ، ص 32 وما بعدها.

والدكتور حسين محمد بيومي علي الشيخ: طــرق حـماية المـدين ، دار الفكر الجامعي ، الإسكندرية ، سنة 2008 ، ص 31 وما بعدها.

[74]– يجوز في حالات الحكم بإدانة المدين بجريمة من جرائم الأموال يمكن للجهة القضائية المختصة أن تصدر عقوبة تكميلية تتضمن حرمان المدين من حقوقه المدنية والسياسية، خاصة في الجنايات، وذلك طبقا للمادة 9 من قانون العقوبات المعدلة.

[75]– ينظر المادة 439 من القانون المدني الجزائري.

[76]– المحرر العرفي لا يحتج به تجاه الغير إلا أن يكون له تاريخ ثابت، تطبيقا لنص المادة 328 من القانون المدني.

والتاريخ العرفي لتصرف المدين يسري على الدائن، إلى أن يثبت العكس، كان يقم الدليل أن ها التاريخ تم تقديم عمدا رغم أنه في الحقيقة أن التصرف كان بعد تسجيل دعوى الإعسار. وفي هذه الحالة لا يسري التصرف في حق الغير ولا يتج بأي أثر في مواجهتهم.

[77]– الدكتور محمود سعد ماهر: دعاوى حماية الضمان العام للدائنين، المرجع السابق ، ص 241.

[78]– يعرف البعض المكنة القانونية بأنها الحق المعترف به للفرد في مباشرة أو عدم مباشرة بعض الأعمال التي تتصف بشرعيتها وحمايتها من كل اعتداء يقع من الغير.

ويعرفها البعض بأنه قدرة الشخص على أن يستحدث بتعبير عن الإرادة أثرا قانونيا له مصلحة فيه أو إزالة وضع قانوني ضارا به”.

ويعرفها البعض بأنها قدرة الشخص على أن يستحدث بفعله نتيجة قانونية دون أن يقابل هذه القدرة التزام على الغير.                                                                            

للمزيد ينظر: الدكتور آرام محمد صالح سعيد: المكنة القانونية بين النظرية والتطبيق ، دار الكتب القانونية ، القاهرة ، سنة 2010 ، ص 197 ما بعدها.

[79]– ينظر المادة 235 من القانون المدني الجزائري.

[80]– قرار المحكمة العليا – الغرفة المدنية بتاريخ 30 مارس 1983 ، ملف رقم 26320. منشور بالمجلة القضائية ، سنة 1989 ، العدد الرابع ، ص 42. 

[81]– قرار المحكمة العليا – الغرفة التجارية والبحرية بتاريخ 11 يوليو 1995 ، ملف رقم 173054. منشور بالمجلة القضائية ، سنة 1998 ، العدد الأول ، ص 159.

[82]– يلاحظ أنه في مادة الحجوز لم يجعل من الأسبقية في تاريخ الحجز أي أولوية للحائز الأول في مواجهة باقي الحاجزين التاليين له في التاريخ، إذ يسجلون في نفس المرتبة ويقيـدون كدائنين مع الحاجز الأول.

وإذا كانت المبالغ المالية المحجوزة كافية للوفاء بحقوق جميع الدائنين، يتم الوفاء بموجب أمر تخصيص بين الدائنين كل حسب قيمة دينه.

أما إذا كانت المبالغ المالية غير كافية، يجري تقسيمها بين الدائنين قسمة غرماء، مالم يكن لأحد الحاجزين حق رهن أو حق إختصاص أو حق إمتياز فيقدمون على غيرهم.

ينظر في تعدد الدائنين الحاجزين المواد 623 و685 و727 و779 و791 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية.

[83]– الدكتور قدري عبد الفتاح الشهاوي: نظرية الحق في الحبس ، المرجع السابق ، ص 163.

[84]– بالنسبة لحق الرهن، فالأمر مختلف فيه، بين فريق فقهي يرى في أن الدائن المرتهن من حقه التمسك برهنه وأولويته بمجرد التعاقد، ولو تأخر إجراء قيد الرهن، وبين فريق يرى أن الرهن لا ينفذ في حق الدائنين السابقة حقوقهم على تسجيل الدعوى قياسا على عدم نفاذ حق الإختصاص.

[85]– ينظر في سريان التأمينات العينية في مواجهة الغير النصوص التالية:

المادة 903 من القانون المدني الجزائري بالنسبة لسريان عقد الرهن.

المادة 947 من القانون المدني الجزائري بالنسبة لسريان حق الإختصاص.

المادة 986 من القانون المدني الجزائري بالنسبة لسريان حق الامتياز.

[86]– الدكتور بن عمـار مقـني: النظام القانوني لحقوق الإمتياز- دراسة مقارنة، دار الفكر الجامعي ، الإسكندرية ، سنة 2014.

[87]– تنص المادة 677 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية: “يجب على المحجوز لديه أن يقدم تصريحا مكتوبا عن الأموال المحجوزة لديه، يسلمه إلى المحضر القضائي أو إلى الدائن الحاجز خلال أجل أقصاه ثمانية (8) أيام التالية من تبليغه الرسمي لأمر الحجز، مرفقا بالمستندات المؤيدة له، ويبين فيه جميع الحجوز الواقعة تحت يده إن وقعت، مرفقا بنسخ منها.

وإذا كان الحجز متعلقا بأموال منقولة مادية، يجب على المحجوز لديه أن يقدم تصريحا مكتوبا يبين فيه قائمة المنقولات الموجودة لديه، الخاصة بالمحجوز عليه.

وإذا كان الحجز متعلقا بدين للمحجوز عليه في ذمة المحجوز لديه، يجب أن يبين في التصريح مبلـغ الدين ومحله وأسباب إنقضائه إذا كان قد انقضى.

وإذا كان الحجـز متعلقا بمبلغ مالي مودع في حساب جاري أو بنكي أو وديعة، يجب أن يبين التصريح مقدار المبلغ المالي الموجود أو انعدامه.

وإذا كان الحجز متعلقا بالأسهم أو حصص الأرباح أو السندات المالية، يبين التصريح قيمتها ومكان إصدارها وتاريخ إستحقاقها”. 

[88]– تنص المادة 661 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية: “كل تصـرف قانـونـي من المديـن في الأمـوال المحجوزة، لا يكون نافذا. ويترتب على التصرفات القانونية أو الأعمال المادية المضرة بالحـاجز، تعرضه للعقوبات المتعلقة بجرائم الأموال المحجوزة المنصوص عليها في قانون العقوبات.

غير أنه يجـوز للمدين أن يؤجـر الأموال المحجـوزة بترخيـص من رئيس المحكمة الذي أمر بالحجز وذلك بأمر على عريضة”. 

[89]– تنص المادة 364 من قانون العقوبات الجزائري: “يعاقب بالحبس لمدة ستة أشهر إلى ثلاث سنوات وبغرامة من 500 إلى 5.000 د.ج المحجوز عليه الذي يتلف أو يبدد الأشياء المحجوزة والموضوعة تحت حراسته أو يشرع في ذلك.

وإذا كانت الأشياء المحجوزة مسلمة إلى الغير لحراستها فتكون العقوبة الحبس من سنتين إلى خمس سنوات والغرامة من 1.000 إلى 10.000 د.ج.

وتطبق العقوبة المنصوص عليها في الفقرة السابقة أيضا على المدين أو المقترض أو الراهن الذي يتلف أو يختلس الأشياء التي سلمها على سبيل الرهن أو شرع في ذلك”.

وتنص المادة 365 من نفس القانون: “في جميع الحالات المنصوص عليها في المادة 364 يعاقب بالحبس  من سنة إلى خمس سنوات وبغرامة من 1000 إلى 10.000 د.ج . كل من أخفى عمدا الأشياء المبددة.

وتطبق العقوبة ذاتها على زوج أو أصول أو فروع المحجوز عليه المدين أو المقترض أو الراهن الذين ساعدوه على الإتلاف أو تبديد هذه الأشياء”. 

[90]– تنص المادة 372 من قانون العقوبات: “كل من توصل إلى إستلام أو تلقي أموال أو منقولات أو سندات أو تصرفات أو أوراق مالية أو عود أو مخالصات أو إبراء من إلتزامات أو إلى الحصول على أي منها أو شرع في ذلك، وكان ذلك بالإحتيال لسلب كل ثروة الغير أو بعضها أو الشروع فيه إما بإستعمال أسماء أو صفات كاذبة أو سلطة خيالية أو إعتمادا مالي خيالي  أو بإحداث الأمل في الفوز بأي شيء أو في وقوع حادث أو أية واقعة أخرى وهمية أو الخشية من وقوع شيء منها  يعاقب بالحبس من سنة على الأقل إلى خمس سنوات على الأكثر وبغرامة من 500 إلى 20.000دج”. 

[91]– ينظر في المعاقبة على جريمة التبديد: المادة 260 من القانون المدني المصري.

ويلاحظ أن المشرع المصري شبه جريمة الإعسار بجريمة الإفلاس بالتقصير والإفلاس بالتدليس.

[92]– الدائن الصوري إذا كان متواطئا مع المدين، بأن كان عالما بشهر إعساره، وأنه إنما أراد الإضرار بدائنيه، أعتبر فاعلا شريكا للمدين في الجريمة، ولذلك يعاقب مثله بعقوبة جريمة التبديد.

[93]– تنص المادة 195 من القانون المدني الجزائري: “إذا كان من تلقى حقا من المدين المعسر لم يدفع ثمنه فإنه يتخلص مما ينتح عن دعوى الدائن متى كان هذا الثثمن هو ثمن المثل، وقام بايداعه في الخزانة”.

[94]– تراعى الإستثناءات الخاصة ببعض الأموال التي لا يجوز الحجز عليها، وهي المحددة حصرا في المادة 636 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية.

[95]– قضى بأن الرهن يعد ضمانا لاستيفاء الدين، ولكن لا يعد طريقا مباشرا لتملك الشيء المرهون.

قرار المحكمة العليا- الغرفة المدنية بتاريخ 21 مارس 2007  ، ملف رقم  347927. منشور  بمجلة المحكمة العليا ، سنة 2008 ، العدد الأول ، ص 75.              

[96]– تنص المادة 657 من قانون الإجراءات المدينة والإدارية: “يجوز للدائــن، ســواء كـان بيده سنــد أم لا، أن يحجز تحفظيا عـلى منقــولات مدينه المتنقــل الموجــــودة في المنطقة التي يقيم فيها الدائن. وإذا كانت المنقولات المحجوزة تحت يد الدائن، عين حارسا عليها، وإلا يعين غيره حارسا عليها بناء على طلب منه”.

وتنص المادة 665 من قانون الإجراءات المدينة والإدارية: “إذا وقع الحجز التحفظي على أموال منقولة موجودة تحت يد المدين، يحرر المحضر القضائي محضر الحجز والجرد، ويسلم نسخة منه للمدين، ويعينه حارسا عليها”.

[97]– ينظر المادة 602 وما بعدها من القانون المدني.

[98]– تنص المادة 604 من القانون المدني: تجوز الحراسة القضائية على الأموال المشتركة في حالة شغور الإدارة أو قيام نزاع بين الشركاء إذا تبين أن الحراسة هي الوسيلة الضرورية لحفظ حقوق ذوي الشأن، وتنتهي الحراسة في هذه الأحوال إذا عين مسؤول إداري بصفة مؤقتة أو نهائية”.

[99]– قضى بأنه في حالة النزاع بين الشركاء في الشركة التجارية حول تعيين مسير لها، يمكن لهم اللجوء إلى رفع دعوى إستعجالية لتعيين حارس قضائي بموافقتهم، طبقا للمادة 604 من القانون المدني.

قرار المحكمة العليا- الغرفة المدنية بتاريخ 21 يناير 2010  ، ملف رقم  627499. منشور  بمجلة المحكمة العليا ، سنة 2010 ، العدد الأول ، ص 153.                                                           

وقضى أيضا: “متى كان من المقرر كذلك أن الحراسة القضائية تجوز على الأموال المشتركة في حالة شغور الإدارة أو القيام النزاع بين الشركاء إذا ما تبين أن الحراسة هي الوسيلة الضرورية لحفظ حقوق ذوي الشأن، فإن القضاء بما يخالف أحكام هذا المبدأ يعد خرقا للقانون”.

قرار المحكمة العليا- الغرفة التجارية والبحرية بتاريخ 29 يونيو 1985 ، ملف رقم  36982. منشور بالمجلة القضائية ، سنة 1989 ، العدد الثالث ، ص 79.

[100]– تنص المادة 610 من القانون المدني: “يلتزم الحارس بإتخاذ دفاتر منظمة ويجوز للقاضي إلزامه بإتخاذ دفاتر موقع عليها من طرفه.

ويلتزم أن يقدم لذوي الشأن في كل سنة على الأقل حسابا على ما قبضه وما أنفقته مؤيدا بمستندات مثبتة له, وإذا كان الحارس قد عينه القاضي وجب عليه فوق ذلك أن يودع صورة هذا الحساب بقلم الكتاب”.

[101]– تنص المادة 259 من القانون المدني المصري: “إذا أوقع الدائنون الحجز على إيرادات المدين، كان لرئيس المحكمة المختصة بشهر الاعسار أن يقرر للمدين، بناء على عريضة يقدمها، نفقة يتقاضاها من ايرادته المحجوزة، ويجوز التظلم من الأمر الذى يصدر على هذه العريضة، فى مدة ثلاثة أيام من تاريخ صدوره، أن كان التظلم من المدين ومن تاريخ إعلان الأمر للدائنين إن كان التظلم منهم”.

[102]– ينظر المادة 262 من القانون المدني المصري.

[103]– تنص المادة 646 من القانون المدني الجزائري: “إذا إلتزم المدين بتقديم كفيل وجب أن يقدم شخصا موسرا ومقيما بالجزائر”.

[104]– الدكتور أحمد محمود خليل: الإفلاس التجاري والإعسار المدني ، المرجع السابق ، ص 31.

[105]– الدكتور أحمد محمود خليل: نفس المرجع السابق ، ص 31.

[106]– ينظر المادتان 192 و198 من القانون المدني الجزائري.

[107]– تنص المادة 198 من القانون المدني الجزائري: “إذا أبرم عقد صوري فلدائني المتعاقدين وللخلف الخاص, متى كانوا حسني النية أن يتمسكوا بالعقد الصورى, كما أن لهم أن يتمسكوا بالعقد المستتر، ويثبتوا بجميع الوسائل صورية العقد الذي أضر بهم”.

فدعوى الصورية يمكن أن ترفع من الغير أو من أحد أطراف العقد الصوري.

[108]– الأصل أن كل دعوى لم ينص المشرع على أجل معين لتقادمها، فإنها تبقى خاضعة للتقادم الطويل، وهو خمسة عشر سنة، تطبيقا للمادة 308 من القانون المدني الجزائري.

[109] نقص مدني مصري ، جلسة 13 مارس 1958 ، الطعن رقم 41 ، السنة 24 ق ، س 9 ، ص 187.

[110]– قرار المحكمة العليا- الغرفة المدنية بتاريخ 06 فبراير 2002 ، ملف رقم 254083. منشور  بالمجلة القضائية ، سنة 2003 ، العدد الأول ، ص 183.

[111]– ينظر في شروط دعوى عدم النفاذ:

قرار المحكمة العليا- الغرفة المدنية بتاريخ 15 أفريل 2009 ، ملف رقم 468751. منشور  بمجلة المحكمة العليا ، سنة 2010 ، العدد الأول ، ص 125.

[112]– قرار المحكمة العليا- الغرفة المدنية بتاريخ 22 نوفمبر 2009 ، ملف رقم 459015. منشور  بمجلة المحكمة العليا ، سنة 2009 ، العدد الثاني ، ص 147.

[113]– قضت المحكمة العليا بأنه لا يعد عقد البيع، المحرر أمام الموثق، عقدا صوريا لمجرد حصول بيع بغبن. قرار الغرفة العقارية بتاريخ 09 سبتمبر 2013 ، ملف رقم 0771640. منشور  بمجلة المحكمة العليا، سنة 2013 ، العدد الثاني ، ص 307.

[114]– قضى بأنه: “يشترط لعدم نفاذ التصرف بعوض أن يثبت المدين التواطؤ بين المدين وبين المتصرف إليه على الإضرار بحقوق الدائن، لأن الغش من الجانبين هو من الأركان الواجبة لقيام دعوى عدم نفاذ التصرفات عليها. ويكفي لإعتبار الغش متوافرا أن يثبت علم كل من المدين والمتصرف اليه بإعسار المدين وقت صدور التصرف المطعون فيه”.

نقض مدني مصري بتاريخ 08 ماي1978 ، الطعن رقم 0233 ، مجموعة المكتب الفني ، السنة 29 ق ، ص 1185.

[115]– قرار المحكمة العليا- الغرفة المدنية بتاريخ 22 نوفمبر 2009 ، ملف رقم 459015. منشور  بمجلة المحكمة العليا ، سنة 2009 ، العدد الثاني ، ص 147.

[116]– الملاحظ أن المشرع الجزائري نص في المادة 197 من القانون المدني على أجل سقوط دعوى عدم النفاذ، وهو ثلاث سنوات، في حين لم ينص مطلقا على أجل سقوط دعوى الصورية. وهذا الفراغ موجود في القانون المصري، وهو ما جعل محكمة النقض تقــر في أحد قراراتها بما يلي: “إن الدعوى بطلب بطلان عقد البيع على أساس أنه يستر وصية، وأن وصفت بأنها دعوى بطلان إلا أنها فى حقيقتها، وبحسب المقصود منها، إنما هي دعوى بطلب تقرير صورية هذا العقد صورية نسبية بطريق التستر، وهذه الدعوى لا تسقط بالتقادم، لأن ما يطلبه رافعها إنما هو تحديد طبيعة التصرف الذي قصده العاقدان، وترتيب الآثار القانونية التي يجب أن تترتب على النية الحقيقية لهما، وإعتبار العقد الظاهر لا وجود له، وهذه الحالة واقعية طالما قائمة ومستمرة لا تزول بالتقادم، فلا يمكن لذلك أن ينقلب العقد الصوري صحيحا مهما طال الزمن”.

نقض مدني ، جلسة 11 فبراير 2001 ، الطعن رقم 0114.

[117]– والحصول على حق التخصيص لا يكون إلا بطريق القضاء، ويشترط فيه سبق الحصول على سند تنفيذي يتضمن إلزام المدين بدين أو شيء معين. والقاعدة أنه لا يجوز للدائن بعد موت المدين أخذ الإختصاص على عقار فى التركة.

ينظر المادة 937 وما بعدها من القانون المدني الجزائري.

[118]– ينظر المادة 434-2 من القانون المدني الجزائري.

[119]– ينظر المادة 547-3 من القانون المدني الجزائري.

[120]– ينظر المادتان 646  و662 من القانون المدني الجزائري.

[121]– في حالة لجوء الدائن إلى رفع دعوى إعسار جديدة فإنه قد يستغني عن هذه الدعاوى، لأن نشوء حالة الإعسار قانونية يجعل تصرفات المدين غير سارية في حق الدائن دون حاجة إلى الطعن فيها بدعوى عدم النفاذ.

[122]– فيما يخص حقوق الإختصاص والرهون والامتيازات المقيدة بعد تسجيل دعوى الاعسار، فإنها تصبح نافذة في حق الدائنين الذين إستجدوا بعد إنتهاء حالة إعسار المدين من جديد، وذلك لاحتمال قيام إجراءات إعسار جديدة في حق المدين المعسر فعليا.

[123]– نقض مدني مصري ، جلسة 08 ماي 1978 ، الطعن رقم 0233 ، مجموعة المكتب الفني ، السنة 29 ق ، ص 1185.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading