من مدونة الأسرة:
ألا تحمل إمكانية التحايل على نظامي
تعدد الزوجات وزواج القاصرات؟
الدكتورة حنان سعيدي
أستاذ باحثة بالكلية المتعددة الاختصاصات بالراشيدية
مقدمة
يعتبر نظام تعدد الزوجات واحد من أبرز الأنظمة التي طالما شكلت نقطة أساسية من النقاط التي دار حولها جدل واسع.
ولكن لا خلاف على أن شريعتنا الإسلامية قد أحلته واعتبرته مباحا من الناحية المبدئية، ودليل ذلك قوله عز وجل في الآية الثالثة من سورة النساء: (مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وثُلاثَ ورُبَاعَ فَإنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً)”.
إن أول ما يمكن ملاحظته من سياق الآية الكريمة هو أن جواز تعدد الزوجات وإباحته لم يكن الهدف الأصلي بقدر ما كان تقييد هذا التعدد وتقعيده وتنظيمه هو الهدف، وبالتالي يجب أن يبت فيه ذوي الاختصاص وفق مصلحة الناس وخيرهم، ووفق منطلق رفع الضرر والإضرار، لا بناء على معارضة أو مناهضة أو تشدد وتعصب وانغلاق([1]).
وهذا ما أراد أن يقرره قانون مدونة الأسرة ([2]) عندما جاء بمقتضيات المواد 40 و41 و 43 و44 و 45 و 46 المنظمة لموضوع تعدد الزوجات.
وهكذا يفهم من المادة 41من المدونة أن ممارسة التعدد أصبح مشروطا بحكم الضرورة وهو ما لم يكن واردا في مدونة الأحوال الشخصية، بل إن المادة 42 من المدونة تنص على أن الراغب في التعدد عليه أن يقدم طلبه مضمنا إياه الأسباب الاستثنائية المبررة له، وهو ما يعني أن تعدد الزوجات أصبح يقتضي مبررا يخضع لتقدير القضاء، وقرار القاضي بعدم منح الإذن بالتعدد هو قرار نهائي غير قابل للطعن، فليس في نصوص المدونة ما يلزم القاضي بتعليل قراراته الخاصة بالإذن بالتعدد ([3]).
هذا وقد ألزمت الأسرة طالب التعدد بإرفاق طلبه بإقرار عن وضعيته المادية.
ولكن رغم كل هذه المقتضيات القانونية التي جاءت بها مدونة الأسرة لتضع نظاما لتعدد الزوجات حفاظا على حكمة الله عز وجل من إقرار هذا النظام، إلا أن بعض الأزواج استطاعوا التحايل على هذه المقتضيات استنادا لأحكام المادة 16 من مدونة الأسرة الخاصة بثبوت الزوجية.
وإذا كانت مقتضيات المادة 16 من المدونة قد سمحت بالتحايل على نضام تعدد الزوجات فإنها قد سمحت أيضا بتجاوز المقتضيات المنضمة لزواج القاصرات.
انطلاقا من ذلك أتساءل كيف تم التحايل على نظامي تعدد الزوجات وزواج القاصرات وفق المادة 16 من مدونة الأسرة الجديدة؟ وكيف تعامل القضاء مع هذا التحايل؟ وكيف يمكن مواجهته حفاظا على هذين النظامين؟
هذا ما سنجيب عنه وفقا للتصميم الاتي:
الفقرة الأولى: مقتضيات المادة 16 كوسيلة للتحايل على نظام تعدد الزوجات،
الفقرة الثانية : مقتضيات المادة 16 كوسيلة للتحايل على نظام زواج القاصرات.
الفقرة الأولى:
مقتضيات المادة16
كوسيلة للتحايل على نظام تعدد الزوجات
جاءت المادة 16 من مدونة الأسرة بمقتضيات قانونية تهم قضية إثبات العلاقة الزوجية، وهي من القضايا التي تطرح بحدة على القضاء لأنها ترتبط بوضعية الأسرة وما ترتبه من آثار اجتماعية ومن حقوق ذات أهمية بالغة كحق النسب والإرث والنفقة.
وهكذا فقد ورد في هذه المادة: ” تعتبر وثيقة عقد الزواج الوسيلة المقبولة لإثبات الزواج.
إذا حالت أسباب قاهرة دون توثيق العقد وقته، تعتمد المحكمة في سماع دعوى الزوجية سائر وسائل الإثبات وكذا الخبرة.
تأخذ المحكمة بعين الاعتبار وهي تنظر في دعوى الزوجية وجود أطفال أو حمل ناتج من العلاقة الزوجية وما إذا رفعت الدعوى في حياة الزوجين، يعمل بسماع دعوى الزوجية في فترة انتقالية لا تتعدى خمس سنوات ابتداء من تاريخ دخول هذا القانون حيز التنفيذ “.
وفي اعتقادي أن مقتضيات المدة 16 ستلعب دورا فاعلا في حماية كيان الأسر، وبذات الوقت فهي لن تشكل أدنى وسيلة للتحايل على المقتضيات الجديدة الخاصة بنظام تعدد الزوجات إذا كان سبب عدم توثيق عقد الزواج لا يتعلق برفض القضاء الزواج بامرأة أخرى.
ومن الأحكام القضائية التي لا نلمس من خلال وقائعها أو حيثياتها أية محاولة للتحايل على المقتضيات الجديدة الخاصة بنظام تعدد الزوجات، وإنما نلمس منها فقط رغبة الأطراف في الحفاظ على كيان الأسرة، حكم قضائي صادر عن المحكمة الابتدائية بوحدة، قسم قضا ء الأسرة ورد في وقائعه ما يفيد أن سبب عدم توثيق عقد الزواج يرجع لعدم توفر العدول وقتها، وليس لسبب عدم الإذن بالزواج من زوجة ثانية([4]).
وجاء في حكم قضائي آخر: “… وحيث أكد الطرفان أن سبب عدم توثيقهما عقد الزواج في إبانه راجع لعدم درايتهما بأهمية توثيقه إلا بعد أن حملت المطلولة وأنهما اكتفيا بإشهاره علنا بحضور جمع من الناس وقراءة الفاتحة.
وبنا ء على ذلك يكون الطلب مؤسسا وموجبا للاستجابة له…” ([5]).
إن المقتضيات القانونية التي جاءت بها مدونة الأسرة في إطار مادتها16 ، هي من وجهة نظري بقدر ما ستلعب دورا فاعلا في حماية كيان الأسر خاصة المرأة والطفل بقدر ما ستساهم بشكل كبير في السماح بالتعدد للأزواج الذين لا تتوافر فيهم الشروط التي يفرضها نظام تعدد الزوجات.
وطبعا هذا الأمر سيفرغ مقتضيات مواد مدونة الأسرة المنظمة لنظام تعدد الزوجات من محتواها، وأعني بذلك المواد 40 و41 و42 و43 و44 و45 و46 من المدونة.
ولتوضيح الفكرة أكثر فالزوج الذي يتقدم بطلب تعدد الزوجات إلى السيد قاضي الأسرة ويواجه طلبه بالرفض، بإمكانه أن يتزوج بامرأة ثانية دون توثيق علاقته الزوجية، ثم بعد ذلك يلجأ إلى السيد القاضي للمطالبة بإثبات هذه العلاقة متمسكا في ذلك بمقتضيات المادة 16 من المدونة.
والقاضي في هذه الحالة ليس أمامه سوى تلبية الطلب خاصة في حالة وجود أطفال، حماية لهم من الضياع ومن إمكانية الوقوع في بئر الفساد والتشرد.
وهذا التوجه القضائي ثبت لي من خلال مجموعة من الأحكام الغير المنشورة.
وهكذا فقد ورد في حكم قضائي صادر عن ابتدائية وجدة، قسم قضا ء الأسرة: “… وحيث تقتضي المادة16 من مدونة الأسرة أنه إذا حالت أسباب قاهرة دون توثيق عقد الزواج في وقته تعتمد المحكمة في سماع دعوى الزوجين سائر وسائل الإثبات وكذا الخبرة، مع الأخذ بعين الاعتبار وجود أطفال أو حمل عن العلاقة الزوجية أو ما إذا رفعن الدعوى في حياة الزوجين.
وحيث ثبت للمحكمة من خلال وثائق ا لملف وتصريحات الشهود أن المسميين… مرتبطين بعقد زواج غير موثق منذ سنة 2003، وأن سبب عدم قيام الطالبان بتوثيق زواجهما راجع بالأساس إلى ارتباط الطالب بزوجة أخرى.
وحيث أن الثابت من خلال مجمل وثائق الملف وتصريحات الشهود أنه قد نجم عن الزواج المطلوب إثباته ابن ازداد بتاريخ 2005/03/26.
وحيث بنا ء على ذلك يكون الطلب مؤسسا وموجبا للاستجابة له… ” ([6]).
وبموجب حكم قضائي آخر صرحت المحكمة بإثبات العلاقة الزوجية بامرأة ثانية على الرغم من أن هذه العلاقة لم ينتج عنها أولاد ([7]).
وهكذا فقد ورد في حيثيات هذا الحكم: “… وحيث تقضي المادة 16 من مدونة الأسرة أنه إذا أحالت أسباب قاهرة دون توثيق عقد الزواج في وقته تعتمد المحكمة في سماع الزوجية سائر وسائل الإثبات وكذا الخبرة، مع الأخذ بعين الاعتبار وجود أطفال أو حمل ناجم عن العلاقة الزوجية، وما إذا رفعت الدعوى في حياة الزوجين.
وقد ثبت للمحكمة من خلال وثائق الملف وتصريحات الشهود أن المسمى … قد تعاشر معاشرة الأزواج بامرأة ثانية غير زوجته الأولى …وهى المسماة …منذ مدة تتراوح بين ثلاث أو أربع سنوات
وحيث بناء على ذلك يكون الطلب مؤسسا وموجبا للاستجابة له …” ([8])
هذا وقد ورد في وقائع هذا الحكم ما يفيد أن سبب عدم توثيق عقد الزواج رفض الزوجة الأولى، فقد ورد في هذه الوقائع: “… وأوضح أن سبب عدم توثيقه لرسم زواجه بها في حينه يرجع إلى معارضة زوجته الأولى آنذاك مؤكدا أن رغبته في التعدد تعود إلى عدم قدرة زوجته الأولى على الوطء حسب الشهادة الطبية التي أدلى بها.. “([9]).
وفي هذا المضمار تجدر الإشارة إلى أن مقتضيات المادة من مدونة الأسرة تتطلب لسماع دعوى الزوجية وجود أسباب قاهرة حالت دون توثيق الزواج في وقته.
إذن فهل أسباب عدم توثيق الزوج لرسم زواجه الثاني والتي ترجع إلى عدم إذن القاضي بالتعدد أو رفض الزوجة الأولى الزواج عليها، يجوز أن نكيفها بأنها تلك الأسباب القاهرة المنصوص عليها في المادة 16 من المدونة؟
لم يتم لحد الأن تحديد مفهوم واضح من قبل الاجتهاد القضائي للسبب القاهر وإنما ترك ذلك للفقه، غير أن الأحكام القضائية التي وقفنا عندها سلفا يلاحظ عليها وكأنها تكيف عدم إذن القاضي بالتعدد أو معارضة الزوجة الأولى أسباب قاهرة تحول دون توثيق عقد الزواج.
وفي رأيي لا يعقل بتا تا هذا التكييف، بل لا يجوز حتى وفقا لمقتضيات المادة 269 من قانون الالتزامات والعقود الخاص بالقوة القاهرة، فما يمكن أن يكيف بالسبب القاهر المانع لتوثيق رابطة الزواج كالتواجد بمنطقة نائية تنعدم فيها المصالح الإدارية لتوثيق عقد الزواج ([10])، أو الجهل بأهمية التوثيق ([11]) أو عدم التوفر على الأوراق الإدارية ([12])، أو مماطلة العدل عن تسليم عقد الزواج ([13]).
وعلى ما أعتقد أن قضا ء الأسرة هو في الأصل لا يهتم بمقتضيات الفقرة الثانية من المادة 16 بقدر ما يهتم بمقتضيات الفقرة الثالثة والرابعة من نفس المادة، أو بمفهوم آخر أن القضاء الأسري لا يهتم بالسبب القاهر الذي حال دون توثيق عقد الزواج بقدر ما يهتم بالظروف والقرائن المثبتة للزواج كإقامة حفل الزواج ووجود الأبناء ومعاشرة الزوج لزوجته معاشرة الأزواج، كما يهتم بتوفر شروط الزواج من صداق وغيره، ويعتمد في ذلك جمع وسائل الإثبات كشهادة الشهود أو اللجوء للخبرة وغير ذلك.
فمثلا ورد في حكم قضائي: “… وحيث تقضي المادة16 من مدونة الأسرة… وحيث ثبت للمحكمة من خلال وثائق الملف وتصريحات الشهود أن المسميين… متزوجان منذ سنة 1974وأنجبا الولد… بتاريخ 1978/04/22.
وحيث بنا ء على ذلك يكون الطلب مؤسسا…”([14]).
في نهاية هذه الفقرة أشير إلى أنه إذا كان القضاء الأسري في معظمه استسلم لتحايل الأزواج على نظام تعدد الزوجات، كما يظهر لنا ذلك بشكل جلي من خلال الأحكام المشار إليها أعلاه، فإنه لحسن الحظ توصلنا بحكم قضائي يثبت مواجهة القضاء لهذا التحايل ([15]) وعدم الاستسلام إليه.
وهكذا فقد ورد في حيثيات هذا الحكم : “… وحيث إن المحكمة بتصفحها لرسم الطلاق المذكور المضمن تحت عدد… تبين لها أن المدعي لم يطلق زوجته المذكورة إلا بتاريخ 07/09/2006بينما تزوج بالمدعية في غضون سنة 2005 وبالتالي فإن زواجه بالمدعية يكون تعددا على زوجته الأولى، إلا أنه لم يحترم المسطرة الخاصة بالتعدد المنصوص عليها في المادتين 41 و 42 من مدونة الأسرة، يضاف إلى ما سبق أن المدعي برغم عدم توثيقه لعقد زواجه لكونه كان وقتئذ لا يتوفر على الوثائق الشرعية للإقامة، إلا أنه تناقض بتصريحه بكونه أقام حفل زفاف بالمغرب وبالتالي وأمام عدم ثبوت العذر القاهر الذي حال دون توثيق عقد الزواج في إبانه وعدم سلوك المدعي لمسطرة التعدد فإن المحكمة لا يسعها إلا التصريح برفض الطلب…”([16]).
وهكذا فحبذا لو يسير القضاء المغربي في هذا الاتجاه في مجمل قضايا التحايل على نظام تعدد الزوجات، ويقضي بأن عدم سلوك مسطرة الإذن بالتعدد أو رفض القاضي الأسري لمنح هذا لا يعدان ظرفا قاهرا يحول دون توثيق عقد الزواج، ويتنافى مع مقتضيات المواد 40 و41 و42 و43 و44 و45 و46 من مدونة الأسرة التي تشترط الحصول على الإذن بالتعدد.
الفقرة الثانية:
مقتضيات المادة16
كوسيلة للتحايل على نظام زواج القاصرات
إن ما يزيد وضعية المادة 16 من مدونة الأسرة تعقيدا أن مقتضياتها لم تسمح فحسب بالتحايل على نظام تعدد الزوجات، بل سمحت أيضا بالتحايل على نظام زواج القاصرات ([17]).
وهذا ما يتبين لنا من خلال ما ورد في وثيقة بعثها السيد رئيس المحكمة الابتدائية بالرماني إلى السيد وزير العدل ورد فيها ما يلي:
“ الموضوع: حول زواج قاصر
سلام تام بوجود مولانا الإمام
وبعد، علاقة بالموضوع أعلاه، يشرفني أن أعرض على سيادتكم الإشكاليات العملية التي أفرزها تطبيق مقتضيات المادة 20 من مدونة الأسرة التي جاء فيها: ” لقاضي الأسرة المكلف بالزواج أن يأذن بزواج الفتى والفتيات دون سن الأهلية المنصوص عليه في المادة 19 أعلاه بمقرر معلل يبين فيه المصلحة و الأسباب المبررة لذلك بعد الاستماع لأبوي القاصر ونائبه الشرعي والاستعانة بخبرة طبية أو بحث اجتماعي.
إن إعمال هذه المادة في الواقع خلف عدة حالات من شانها أن تفقدها الغاية من تشريعها إذ يعمد الآباء إلى تزويج أبنائهم القصر بدون الحصول على إذن القاضي ثم يتقدمون بعد ذلك إلى المحكمة للمطالبة إما بالإذن بالزواج، والحال وأن الدخول قد تم بين الزوجين القاصرين أو طلب ثبوت الزوجية طبقا للفصل 16 من مدونة الأسرة وقد ازداد عدد هذه الملفات بشكل واضح وملموس بهذه المحكمة ومن الحالات من نشأ عنها حمل بل وولادة في حين أن السن القانوني أقل بكثير مما هو مسموح به للقاضي بصفة استثنائية والاستمرار على هذه الوتيرة خاصة عند الاستجابة لطلب ثبوت الزوجية يؤدي حتما إلى انعدام الغاية من تشريع المادة 19 من المدونة المذكورة واقتراح الحل من وجهة نظرنا ينبغي أن ينصرف إلى تعديل شرعي في المادة 16 كالآتي : “تعتبر وثيقة عقد الزواج الوسيلة المقبولة لإثبات الزواج إذا حالت أسباب قاهرة وتوثيق وسائل الإثبات وكذا الخبرة على أن لا يقل السن عن ثمانية عشر سنة المنصوص عليها في الفصل 20 من المدونة…”([18]).
هذا ويثبت لنا واقع التحايل على نظام زواج القاصرات استنادا لمقتضيات المادة 16 من مدونة الأسرة، كذلك من خلال ما ورد في أحكام قضائية.
وهكذا فقد جاء في قرار قضائي صادر عن محكمة الاستئناف بالحسيمة: “… حيث إن المحكمة بعد دراستها لملف النازلة ومحتوياته ثبت لديها أن ما عابه المستأنفان على الحكم المطعون فيه غير ذي أساس، ذلك أن البحث المجرى في النازلة في المرحلة الابتدائية أفاد أن المستأنف الأول أقام حفل الزفاف بالمستأنفة وهي لم تبلغ بعد سن 18 ولم يسلك مسطرة الإذن بزواج قاصرة، وأن ادعاءه أنه حاول سلوك مسطرة الزواج العادية إلا أنه رد من طرف المحكمة مردود عليه، وذلك لكون المادة 16 من مدونة الأسرة تشترط وجود ظروف قاهرة لسماع دعوى الزوجية وأن عدم سلوكه مسطرة الإذن بزواج قاصرة لا يعد ظرفا قاهرا يحول دون توثيق عقد الزواج، يتنافى مع مقتضيات المادة 20 من مدونة الأسرة التي تشترط الحصول على الإذن بزواج القاصر وحيث ينبغي القول بناء على ما ذكر بأن الاستئناف لم يكن مؤسسا.. “([19]).
وجاء في حكم قضائي آخر: “… وحيث إن سماع دعوي الزوجية حسب المادة 16 من مدونة الأسرة هو طريق استثنائي فتح في وجه من حالت أمامه ظروف قاهرة لم يستطع معها توثيق عقد الزواج في إبانه إضافة إلى أن أقوال الشهود لا تتناسب مع واقع الحال وما اطلعت عليه المحكمة من خلال الوثائق المرفقة من أن الطالبة تزوجت وعمرها لا يتجاوز 10 سنوات وأنجبت طفلة وسنها لا يتجاوز 11 سنة مما يتعين معه تصريح برفض الطلب..”([20]).
وعلى ما يبدو من خلال هذه الأحكام أن القضاء لم يستسلم للتحايل على نظام زواج القاصرات ([21])، ولكن حبذا لو يتبنى موقفه هذا في التعامل مع جميع قضايا التحايل على هذا النظام.
خاتمة
في نهاية هذا المقال أقول:
أولا حفاظا على نظام تعدد الزوجات لا بد من إقرار عقوبة حبسية زائد غرامة مالية في حالة ما إذا ثبت تحايل الأزواج على هذا النظام.
وفي رأيي ما دام أن المشرع حصر إثبات العلاقة الزوجية بالشكل المنصوص عليه في المادة 16 من مدونة الأسرة في فترة انتقالية لا تتعدى خمس سنوات، والتي تبدأ من تاريخ دخول مدونة الأسرة حيز التطبيق، فقد كان من الممكن عند فتح أجل جديد ([22]) النص على أن مقتضيات هذه المادة لا يستفيد منها المتحايلين على نظام تعدد الزوجات، ولكن للأسف لم يتم معالجة الوضع الأمر الذي ستنتفي معه الفائدة من تنظيم المواد 40 و41 و 42 و 43 و 44 و 45 و 46 من المدونة، وسنعود إلى الوضع الذي كان عليه نظام التعدد في إطار المدونة القديمة، وأعني بذلك مدونة الأحوال الشخصية ([23]).
ثانيا: حفاظا على نظام زواج القاصرات، أرى أنه لا بد من الأخذ بالمقترح المقدم من السيد رئيس المحكمة الابتدائية الرماني والمبعوث به إلى السيد وزير العدل والذي يهدف من ورائه سد الباب على مصراعيه في وجه الراغبين في التحايل على نظام زواج القاصرات والذين يعتمدون في ذلك على ما ورد في المادة 16 من مدونة الأسرة.
[1] رياض فخري، تعدد الزوجات بين الدين والقانون، مداخلة ألقاها بمناسبة المشاركة في ندوة “مدونة الاسرة بين النص والممارسة”، المطبعة والوراقة الوطنية الداوديات بمراكش، الطبعة الأولى 2006 ص. 17.
[2] قانون رقم 70.03 منشور بالجريدة الرسمية عدد 5184 بتاريخ 5 فبراير 2004، ص . 418.
[3] رياض فخري، مرجع سابق، ص. 20.
[4] حكم رقم08/3943 ، بتاريخ 08/07/24 ، ملف رقم08/1283 غير منشور.
[5] حكم صادر عن ابتدائية وجدة، قسم قضاء الأسرة، رقم 07/5777، بتاريخ 2007/12/13, ملف رقم 07/1614 ، غير منشور.
[6] حكم رقم 2239، صدر بتاريخ2008/04/24 ملف رقم 07/2303 ، غير منشور.
– حكم صادر عن ابتدائية وجدة، قسم قضاء الأسرة، تحت رقم 5257، بتاريخ 31/08/09 ، ملف رقم 2694/08 غير منشور.
[7] ورد في وقائع هذا الحكم: “… كما أوضح بأنه لم يرزق بعد بأولاد من زوجته الثانية” حكم صادر عن ابتدائية وجدة قسم قضاء
الأسرة رقم 3308، ملف رقم 07/1282، بتاريخ07/07/09. غير منشور.
[8] حكم رقم 5257 السابق الإشارة إليه.
[9] الحكم رقم 5257 السابق الإشارة إليه.
[10] جاء في حكم قضائي : “… وحيث إن تلك الأسباب القاهرة متوفرة في نازلة الحال و متمثلة في تواجد طرفى الطلب في التاريخ المراد الاستشهاد بثبوت الزواج فيه بمنطقة نائية بعيدة، بما يعرف بسيدي أحمد لعروسي ببادية السمارة…”.
– حكم صادر عن ابتدائية سمارة، لم يذكر رقمه، بتاريخ 13 /2/2007، ملف عدد 2007/ 12 ، أورد ته وزارة العدل، المنتقى من عمل القضاء في تطبيق مدونة الأسرة، الجزء الأول، جمعية نشر المعلومة القانونية والقضائية، فبراير 2009، ص. 23/22.
[11] انظر حكم قضائي صادر عن ابتدائية إمنتانوت، لم يذكر رقمه، بتاريخ 2007/08/07. ملف عدد 07/228، أوردته وزارة العدل مرجع سابق، ص. 29.
[12] ورد في قرار صادر عن استئنافية وجدة: “وحيث إن عدم توفر الزوجة وقت الدخول بها على عقد الزواج كان بسبب قاهر يتمثل في عدم توفرها على الأوراق الإدارية الخاصة بها…،،.
– قرار لم يذكر رقمه، صدر بتاريخ 2006/03/15، ملف عدد 05/509 أورد ته وزارة العدل، مرجع سابق، ص. 13/12.
[13] ورد في حكم صادر عن ابتدائية العرائش : “… وحيث إن سبب عدم توثيق العقد في تاريخه راجع حسب تصريح الطرفين إلى مماطلة العدل عن تسليمهما عقد الزواج إلى تاريخ وفاته.
وحيث إن وفاة العدل دون تمكين الطرفين من وثيقة زواجهما يشكل قوة قاهرة بالمعنى المنصوص عليه في المادة 16 المذكورة الشيء الذي ارتأت معه المحكمة الاستجابة للطلب…”.
– حكم عدد 458/06، بتاريخ 20/10 /2006، ملف رقم 192 /06/05، أورده أحمد زوكاغي، المختار من أحكام القضاء في الزواج والطلاق الصادرة بين سنتي 2005 و 2009، مكتبة دار السلام، الطبعة الأولى، أكتوبر 2009، ص. 61.
[14] حكم صادر عن ابتدائية وجدة قسم قضا ء الأسرة، تحت رقم 08/3243، بتاريخ 08/07/24 ملف رقم 1283/08، غير منشور.
وجاء في حكم قضائي آخر: و”… حيث يلتمس المدعى الهكم بسماع دعوى الزوجية بينه وبين زوجته المذكورة أعلاه على أساس أنه تعذر عليه كتابة عقد الزواج لظروف قاهرة.
حيث ينص الفصل 16 من مدونة الأسرة…وحيث أن الشهود المستمع إليهم من طرف المحكمة أن الطالبين متزوجين وأنهما مازالا متزوجان إلى الأن وأنهما يتعاشران معاشرة الأزواج ولهما أبنا ء يعرفانهم حق المعرفة…”.
– حكم صادر عن ابتدائية وجدة ا قسم قضا ء الأسرة، تحت رقم 244، بتاريخ 09/4/ 2009. ملف رقم 1379/08 غير منشور.
==ينظر في هذا السياق قرار صادر عن محكمة الاستئناف بالجديدة ،/ (لم يذكر رقمه)، بتاريخ 18/07/ 2006، ملف عدد 26/262/2006، أورد ته وزارة العدل، مرجع سابق ص. 13/14.
[15] إذا كنا لمسنا مشكلا في تحايل الأزواج على نظام تعدد الزوجات من خلال الأحكام المذكورة أعلاه فإننا لمسنا أيضا احترام أزواج آخرين لمسطرة التعدد كذلك من خلال مجموعة من الأحكام القضائية نذكر على سبيل المثال حكم قضائي صادر عن ابتدائية وجدة ورد فيه ما يلى : “يهدف الطالب من طلبه الإذن له بالتعدد والتزوج بامرأة ثانية… وحيث أن التعدد طبقا لمدونة الأسرة مشروط بثبوت المبرر الاستثنائي الموضوعي له وتوافر طالبه على الموارد المالية الكافية لإعالة الأسرتين، وحيث أسس الطالب رغبته في التعدد…”.
– حكم رقم 660/07 بتاريخ 19/02/07، ملف رقم 146/07، غير منشور.
وجاء في حكم قضائي آخر صادر عن نفس المحكمة : “… حيث أن الطالب التمس الإذن بالتعدد وحيث أن الطالب أسس طلبه على أساس أن زوجته الأولى مريضة بالروماتيزم الفقري ولم تعد تقوى على الحركة وعلى القيام بشؤون البيت، وحيث أن الطالب أدلى بكشف حساب…”.
-حكم عدد 1384، بتاريخ 2007/03/26 , ملف رقم 07/189، غير منشور.
ينظر في نفس السياق حكم صادر عن ابتدائية وجدة قسم قضاء الأسرة، تحت رقم 4585، بتاريخ 08/10/2007، ملف رقم 470/07 ، غير منشور.
– حكم صادر عن نفس المحكمة تحت رقم 1177، بتاريخ 16/02/2009، ملف عدد 156/07، غير منشور.
– حكم صادر عن نفس المحكمة تحت رقم 08/1478، بتاريخ 17/ 2008/03 ملف رقم 07/300، غير منشور.
[16] حكم صادر عن المحكمة الابتدائية بالعرائش، تحت رقم 5، بتاريخ 22/ 2007/10، ملف رقم 05/07، أورده أحمد زوكاغي، مرجع سابق ص. 34/34.
[17] نص على المقتضيات الخاصة بنظام زواج القاصرات المواد 19 و 20 و 21 من مدونة الأسرة.
[18] أوردته مجلة محكمة، العدد 6 السنة 2006 ص. 526/525.
[19] قرار (لم يذكر رقمه)، صدر بتاريخ 2007/01/09 ، ملف عدد 2006-7-637 ، أوردته وزارة العدل، مرجع سابق ، ص. 10/11.
[20] حكم صادر عن ابتدائية العرائش تحت رقم 371, بتاريخ 15/08/ 2006. ملف رقم 174/06/05 -أورده: أحمد زوكاغي، مرجع سابق، ص. 53-54.
[21] لا أنكر أن عدم استسلام القضاء لهذا التحايل سيترتب عنه سلبيات وهي المساس بحقوق تلك الفتيات القاصرات اللواتي تم الدخول بهن ولم يعترف بشرعية هذا الدخول، ولكن مع ذلك سيكون لموقف القضاء هذا نتائج إيجابية تكمن في المساهمة في وضع حد لزواج القاصرات وحث الآباء والراغبين في الزواج على احترام المقتضيات المنظمة لزواج القاصرات.
[22] وخير فعل المشرع حينما فتع هذا الأجل نظرا لما تعرفه البوادي من عادات وتقاليد ويعد الكثير من المناطق على المراكز القروية والحضرية، غير أن هذا الأجل يستوجب أن يكون مصحوبا بحملة تحسيسية واسعة النطاق لتوعية الناس بمدى أهمية توثيق عقودهم أو تسخير كافة وسائل الإعلام لتوثيق عقود الزواج، وهذا ما نادى به الباحثين والمهتمين نذكر على سبيل المثال: محمد الأزهر-شرح مدونة الأسرة، أحكام الزواج، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 28,2004..
[23] فالفصل 30 من مدونة الأحوال الشخصية رغم أنه نص في فقرته الأولى على أن التعدد لا يجوز إذا خيف عدم العدل بين الزوجات، إلا أنه ظل منتقدا لخلوه من عنصر الإلزام القانوني، ما دام الزوج نفسه هو من يقرر مدى قدرته على تحقيق العدل بين زوجاته من عدمه، وكان يجب إخضاع الأسر لمراقبة القاضي كما هو حاصل حاليا في مدونة الأسرة.


