عبد العزيز أيت المكي[1]

سأحاول تناول هذه المادة في مبحثين، أخصص أولهما لتحليل مضامينها من الناحية الفقهية والطبية والقانونية، وفي الثاني أشير إلى علاقة هذه المادة 154، بالمادة 156، وما يثار بخصوصهما من تعارض في بعض الأحوال، محاولا إبراز  أهم الإشكالات التي يثيرها تطبيق تلك المادة.

المبحث الأول: قراءة تحليلية، لمقتضيات المادة 154 من مدونة الأسرة

لما كان الولد موضوعا لكثير من الأحكام الشرعية،كتحريم الزواج من الأخت، واستحقاق الإرث من أبيه، وثبوت الولاية للأب عليه وعلى ماله إلى أن يبلغ، ووجوب النفقة على أبيه، والانتساب إليه، وما إلى ذلك من الحقوق الشرعية و الأخلاقية، ولما كان الأمر كذلك تعرض الفقه والقانون الأسري لتحديد مدة الحمل بحديها الأدنى والأقصى، ولاشتراط إمكان الاتصال والإنجاب لنقاء الأنساب وحفظها من الدنس و الاختلاط.

وانطلاقا من الحديث النبوي الشريف: “الولد للفراش وللعاهر الحجر”، الذي يعتبر سندا شرعيا للحوق نسب الولد المزداد على فراش الزوجية، وإلى جانب شرط قيام الزوجية لثبوت النسب، أضاف الفقهاء و مدونة الأسرة شرطي مدة الحمل، وإمكانية الاتصال والإنجاب، وهو ما سطرته المادة 154؛ حيث جاء فيها:

“يثبت نسب الولد بفراش الزوجية:

1- إذا ولد لستة أشهر من تاريخ العقد وأمكن الاتصال سواء أكان العقد صحيحا أم فاسدا.

2- إذا ولد خلال سنة من تاريخ الفراق”[2]

سيتم بيان هذين الشرطين وتوضيحهما إن شاء الله تعالى على النحو الآتي:

_المطلب الأول: الحد الأدنى لمدة الحمل.

_المطلب الثاني: الحد الأقصى لمدة الحمل.

_ المطلب الثالث: إمكانية الاتصال و الإنجاب.  

المطلب الأول: الحد الأدنى لمدة الحمل:

أي أقل مدة الحمل التي يمكن أن يمكثها الحمل في البطن، وسيتم الحديث عن هذا الحد بشيء من التفصيل من خلال عرض:

  • الفقرة الأولى: رأي الفقه.
  • الفقرة الثانية: رأي الطب.
  • الفقرة الثالثة: رأي القانون.

الفقرة الأولى: موقف الفقه:

اتفق الفقهاء على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، وهي المدة التي يكتمل فيها نمو الجنين، لقوله تعالى: (ووصينا الإنسان بوالديه حسنا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا)[3]، وقوله جل وعلا: (ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين)[4].

استنبط الفقهاء هذه المدة بطرح مدة الفصال وهي “عامين” من مدة الحمل والفصال وهي “ثلاثون شهرا”، والمتبقى “6 أشهر” هي مدة الحمل[5].

روى مالك: أنه بلغه أن عثمان بن عفان أتى بامرأة قد ولدت في ستة أشهر فأمر بها أن ترجم فقال له علي ابن أبي طالب ليس ذلك عليها إن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه: “وحمله وفصاله ثلاثون شهرا” وقال: “والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة”، فالحمل يكون ستة أشهر فلا رجم عليها فبعث عثمان ابن عفان في أثرها فوجدها قد رجمت”[6]. وهذه أقوال المذاهب في أقل مدة الحمل:

الحنفية: جاء في بدائع الصنائع[7]:“فإن جاءت بولد لأقل من ستة أشهر ثبت نسبه وإلا فلا يثبت”.

المالكية:

  • جاء في النوادر والزيادات[8]: “وإذا وضعت لأقل من ستة أشهر فلا لعان فيه وهو زنى”.
  • و فيه كذلك “قال سحنون في كتاب  ابنه: “وإن وضعت لأقل من ستة أشهر من نكاح الثاني فقد انتفى من الثاني بهذا أو انتفى من الأول باللعان”.
  • وجاء فيه: “قال أصبغ: وكذلك إن وضعت لأقل من ستة أشهر من يوم وطئ الآخر فهو للأول وضعته ناقصا أو تاما وإن وضعت لأكثر من ستة أشهر فهو للآخر كان ناقصا أو تاما إلا أن يكون حيا فيدعى له القافة، ولا يدعى القافة إلى ميت، وإنما يحسب من يوم يوطأ لآخر ستة أشهر وإن تقارب الوطئان”.
  • و في النوازل الجديدة الكبرى[9]: “سئل القاضي أبو مهدي عيسى الغبريني عن البدوية المطلقة والمتوفى عنها زوجها فتزعم أنها حامل، ثم تمكث أمد العدة وأضعافه، فتخطب، فتأذن فتتزوج، فتدخل، ثم تأتي بولد لستة أشهر فصاعدا، فيدعيه الزوج الأول أو ورثته، متمسكين بمقالتها، ويدعيه الثاني محتجا بسكوتها عند العقد عليها والإتيان به لأمده.
  • فأجاب: أما إن قالت إنها تزوجت بعد انقضاء عدتها، وإن لم يكن بها حمل، أو توهمت أنه حمل ثم تبين أنه ليس بحمل، وأتت بولد لستة أشهر فأكثر من يوم العقد فهو للثاني، ولا يعتبر قولها الأول، ولا قول القوابل، وأما إن قالت: إنها لم تزل مستمرة الحمل، وتزوجت ولم تر حيضا  فهو للأول، وإن تزوجت لأنها رأت حيضة فهو للثاني”.
  • جاء في الذخيرة[10]: “معنى قول الفقهاء: لا يلحق إلا ما ولد لستة أشهر: أن الولد تام، وأما الناقص فيلحق في أقل من ذلك، فإن الجنين ذو أطوار، كل أربعين طور، لما جاء في الحديث، فمتى وضعته ناقصا يناسب ذلك الطور أو أكثر منه، ففي الحديث: ” إن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه ملكا بأربع كلمات، فيكتب علمه وأجله ورزقه وشقي أم سعيد ثم ينفخ فيه الروح…”[11] ونص أرباب التشريح على أن الجنين يتحرك في ضعف ما يخلق فيه، ويوضع في ضعفي ما يتحرك فيه، فإن تخلق في خمسة وأربعين، تحرك في ثلاثة أشهر، ووضع لتسعة، وإن تخلق في شهر، تحرك في شهرين، ووضع لستة أشهر، وعلى هذا النسق، وتعتبر الأطوار في إلحاق الولد بهذه القرائن العادية، فمتى جاء طور في زمن أكثر لحق به، أو أقل لم يلحق به”.

وورد في حاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير[12]: ” قال مالك وإن نكحت امرأة وهي في العدة-عدة طلاق أو وفاة – قبل حيضة ثم ظهر بها حمل فهو  للأول وتحرم على الثاني، وإن نكحت بعد حيضة فهو  للثاني أو وضعته لستة أشهر فأكثر من يوم دخل  بها الثاني، وإن وضعته  لأقل فهو للأول”.

الشافعية:

  • جاء في الوسيط في المذهب[13]: “وإمكان الولد الكامل بعد ستة أشهر من وقت إمكان الوطء، وإمكان الصورة بعد مائة وعشرين يوما، وإمكان قطعة لحم بعد ثمانين يوما”.

الحنابلة:

  • نص في هداية الراغب لشرح عمدة الطالب[14]: “..ثم إن ادعت وضع حمل تام لم يقبل قولها في أقل من ستة أشهر من حين إمكان وطء بعد عقد”. وجاء كذلك”وأقل مدة حمل ستة أشهر منذ نكاحها وأمكن اجتماعه بها”.

الظاهرية:

  • أتى في المحلى لابن حزم[15]: “…فإن كان وضعها لأقل من تسعة أشهر من حيث أنكر الأول وطأها، أو لأقل من ستة أشهر من حيث وطئها الثاني، فالولد للأول بلا شك وإن ولدته لأكثر من تسعة أشهر بطرفة عين من حيث وطئها الثاني، فالولد للثاني بلا شك، فإن ولدته لأكثر من 9 أشهر من حين أمكن للأول وطأها.. ولأقل من ستة أشهر من حين وطئها الثاني: فهو غير لاحق بالأول ولا بالثاني”.

ويتم احتساب ستة أشهر من تاريخ الدخول الحقيقي عند المالكية، وإمكانه عند الشافعية والحنابلة كما سبق الذكر، وسبب اختلافهم في وقت بدء احتساب أقل مدة الحمل هو اختلافهم فيما تصير به المرأة فراشا.[16]

إذن فبإجماع العلماء إذا جاءت بالولد لستة أشهر أو أكثر لحق بالزوج، وإلا فلا يلحق به.

الفقرة الثانية: موقف الطب:

وافق الطب رأي الفقهاء في اعتبار أقل مدة يمكن أن يعيش فيها المولود بعد الولادة هي بعد حمله ستة أشهر كاملة، يقول الدكتور محمد علي البار: “وأما أقل الحمل فقد تظاهرت الشريعة والطبيعة على أنها ستة أشهر- من كلام ابن القيم- وأقل الحمل يتفق فيه الطب والشرع وكلام الفقهاء تمام الاتفاق، فالطب يقرر أن أقل الحمل الذي يمكنه العيش بعده ستة أشهر (وفي الواقع قليلا ما يعيش هذا المولود))”.

في نظر الطب أن الولادة قبل إتمام الجنين ستة أشهر في رحم أمه تسمى إسقاطا،  والجنين فيها غير قابل للحياة، والولادة بعدها وقبل تمام الحمل لتسعة أشهر أو 270 يوما تسمى خداجا، أو ولادة مبكرة، والخديج قابل للبقاء حيا، لكن الطب يوصي بعناية خاصة به.

ويعتبر الأطباء أن الجنين الذي يبلغ عمره ستة أشهر، يتميز بصفة هامة وهي قدرته على التنفس بانتظام لعدة أيام، إذا ولد وهو في هذا العمر، بل وتكون لديه فرصة العيش إذا وضع داخل حضانة مناسبة، وأنه في هذا العمر يكون الجهاز الهضمي والقدرة على التنفس في مستوى أقل من المعتاد، إذا تمت المقارنة مع مقدرة المولود الكامل على أداء هذه الوظائف.[17]

الفقرة الثالثة: موقف القانون:

إذا توافق الفقهاء والأطباء على أن أقل مدة الحمل المعتبرة للحوق الولد بأبيه هي ستة أشهر، فهو الموقف ذاته الذي تبنته مدونة الأحوال الشخصية، ومدونة الأسرة:

  1.   في ظل مدونة الأحوال الشخصية:

في الفصل 84 منها جاء فيه: “أقل مدة الحمل ستة أشهر…”.

وهو ماكرسه المجلس الأعلى في مجموعة من قراراته، ومنها قرار صادر عن  المجلس الأعلى جاء فيه[18]: “الوضع لأقل من 6 أشهر ينتفي به النسب عن الزوج بغير لعان لقيام المانع الشرعي على نفيه…”.

ومن القرارات المتعلقة بالموضوع، قرار عن المجلس الأعلى كذلك [19]، ورد فيه:

“من المقرر قانونا أنه ينسب الولد لأبيه متى كان الزواج شرعيا وأمكن الاتصال ولم ينفه بالطرق المشروعة. ومن المستقر عليه قضاء أن مدة نفي الحمل لا تتجاوز ثمانية أيام. ومتى تبين – في قضية الحال- أن المطعون ضده لم يبادر بنفي الحمل من يوم علمه به وخلال المدة شرعا وتمسك بالشهادة الطبية التي لا تعتبر دليلا قاطعا، ولأن الولد ولد بعد مرور أكثر من ستة أشهر على البناء.

وأن قضاة الموضوع بقضائهم بصحة الزواج العرفي مع رفض إلحاق نسب الولد بأبيه عرضوا قرارهم للتناقض مع أحكام المادة 41 من قانون الأسرة وأخطأوا في تطبيق المادتين 41 و42 من  قانون الأسرة، فيما يخص إلحاق النسب، ومتى كان كذلك استوجب نقض القرار المطعون فيه”.

  1. في ظل مدونة الأسرة:

وهو ما جاء في المادة 154:

” يثبت نسب الولد بفراش الزوجية:

  1. إذا ولد لستة أشهر من تاريخ العقد…”

=» جاء في قرار المجلس الأعلى[20] ما يلي:

“إذا كان الفراش الشرعي قرينة قاطعة على ثبوت النسب فإن ذلك مشروط بأن تكون الولادة ثابتة التاريخ وداخل الأمد المعتبر شرعا، في حالة الاختلاف حول تاريخ الازدياد، استعانت المحكمة بخبرة طبية”.

=» وفي قرار آخر له[21]: “أن ازدياد الولد دون أقل مدة الحمل لا تكون معه الخبرة الطبية”.

=» وفي قرار عنه[22] أن: “نسب الولد يثبت بفراش الزوجية إذا ولد لستة أشهر من تاريخ العقد وكان الاتصال ممكنا، سواء أكان العقد صحيحا أو فاسدا طبقا للمادة 154 من مدونة الأسرة”.[23]

=» وفي قرار آخر[24] ما يلي: “لكن حيث إنه من جهة أولى فإن المحكمة مصدرة القرار المطعون فيه لما اعتمدت التقويم القمري في احتساب أقل مدة الحمل بدلا من التقويم الشمسي، فإنها تكون قد طبقت ما هو مقرر فقها وجرى به العمل القضائي، ومن جهة ثانية فإنه باحتساب تاريخ زواج الطاعن بالمطلوبة الذي هو 26جمادى الثانية عام 1424 حسب عقد النكاح عدد 548، وتاريخ ازدياد الولد هشام الذي هو 20/02/2004 الموافق ل28 ذي الحجة عام 1424 حسب شهادة ولادته الإدارية عدد964، فإن الولد المنازع في نسبه المذكور ازداد بعد أقل مدة الحمل المنصوص عليها في المادة 154 من م.أ فكان ما بالسبب في هذا الوجه خلاف الواقع. لكن حيث إن الطاعن لم يدل بما يخالف مضمن الشهادة الإدارية المدلى بها المثبتة لتاريخ ازدياد الولد المنازع في نسبه، أو يطعن فيها بمقبوله فإن المحكمة مصدرة القرار المطعون فيه لما اعتمدت على تلك الشهادة لإثبات تاريخ الازدياد، فإنها تكون قد أسست قضاءها على أساس قانوني، وما بالسبب على غير أساس…”[25].

نلاحظ أن المادة لم تبين فيما إذا كانت هذه المدة تحتسب بالتقويم القمري أو الشمسي، لكن رجوعا إلى موادها فإنها تعتمد التقويم الشمسي عندما حددت به سن الرشد القانوني في المادة 18، غير أنه في بعض قرارات المجلس الأعلى يؤخذ بالتقويم القمري، كما جاء في القرار أعلاه والمؤرخ بتاريخ 18/01/2006.

فهل يمكن إسقاط التقويم الشمسي على المادة 154 أم القمري الذي أخذ به المجلس الأعلى في بعض قراراته؟ أرى أن يعمل بالتقويم القمري الذي اعتمده الفقهاء في اجتهاداتهم، لكي توافق المدونة الفقه الإسلامي باعتباره أهم الأسس والقواعد التي بنيت عليه موادها.

جاء في المادة154: “…من تاريخ العقد”، فالمعتبر حسب المدونة في بدء احتساب أدنى أمد الحمل هو تاريخ العقد، غير أن المعمول به عند جمهور الفقهاء من تاريخ الوطء – مع اختلافهم في اشتراط تحققه أو مجرد إمكانه- لا العقد، فتكون المدونة بذلك قد خالفت ما عليه الجمهور وسارت على منوالها أغلبية الاجتهادات القضائية؛ حيث جاء في:

  • قرار صادر عن المجلس الأعلى[26] نص فيه ما يلي: “… وكان البين من أوراق الملف أن الطالبة وضعت حملها بتاريخ 16/12/2000، والأقل من ستة أشهر من تاريخ العقد المبرم بتاريخ 20/10/2000، فإن المحكمة لما اعتبرت أن الولد… غير لاحق بنسب المطلوب في النقض الذي ينفيه عنه تكون قد طبقت المادة المحتج بها تطبيقا صحيحا…”.
  • وفي قرار آخر عنه[27] جاء فيه: “… فإنه باحتساب تاريخ زواج الطاعن بالمطلوبة الذي هو 26 جمادى الثانية عام 1424 هـ حسب عقدة النكاح عدد 548 وتاريخ ازدياد الولد هشام الذي هو 20/02/2004، الموافق ل 28 ذي الحجة 1424هـ…”.
  • وصدر عنه قرار آخر[28] ورد فيه ما يلي: “… والثابت من أوراق الملف أن الولد… ازداد على فراش الزوجية بتاريخ 03/02/2001 أي بعد 6 أشهر من تاريخ العقد…”[29].

المطلب الثاني: الحد الأقصى لمدة الحمل:

وهي المدة القصوى التي يمكن أن يمكث فيها الحمل داخل بطن الحامل، سأفصل فيها بنفس المنهجية:

  • الفقرة الأولى: رأي الفقه.
  • الفقرة الثانية: رأي الطب.
  • الفقرة الثالثة: رأي القانون

الفقرة الأولى: موقف الفقه:

إذا اتفق الفقهاء على أقل مدة الحمل، فإنهم اختلفوا في أقصاها:

الحنفية:

ذهبوا إلى أن أقصى مدة الحمل سنتان، قال السرخسي[30]: “فأما أكثر مدة الحبل سنتان عندنا”، “فإن جاءت بولد لأقل من سنتين من وقت الطلاق يثبت النسب منه”.

مستندهم: الحديث اللاحق من حديث عائشة رضي الله عنها.

المالكية:

روي عن مالك أن أقصى مدة الحمل خمس سنين، ورواية أخرى أربع سنين.             

كما جاء في تحفة ابن عاصم:

وخمسة الأعوام أقصى الحمل *** وستة الأشهر في الأقل.

قال العلامة ميارة الفاسي في شرح تحفة الحكام لابن عاصم[31]: “وأما كون أكثر الحمل خمسة أعوام فاعلم أن المعتدة من وفاة أو طلاق إذا حصلت لها ريبة وشك في كونها حاملا أو لا فإن كان سبب الريبة تأخر الحيض عن وقته تربصت تسعة أشهر استبراء، ثم ثلاثة أشهر عدة هذا إن تأخر لغير سبب.             
أما إن تأخر لسبب كالرضاع والمرض فإنها تنتظر الأقراء على المشهور وقيل تحل بمضي السنة، وإن كان سبب الريبة حس البطن فقال ابن الحاجب: والمرتابة بحس البطن لا تنكح إلا بعد أقصى أمد الوضع وهو خمسة أعوام على المشهور وروي أربعة وروي سبعة (وقال أشهب): لا تحل أبدا حتى يتبين أي براءتها من الحمل”.             
قال الحطاب في شرح قوله وتربصت أي إن ارتابت به وهل خمسا أو أربعا خلاف، يعني فإذا مضت الخمسة أو الأربعة على القولين حلت ولو بقيت الريبة.

فإذا شك النساء في حركة ما في بطن المعتدة هل هي حركة ولد أم حركة ريح واستمرت بها الريبة قيل تمكث خمسة أعوام وهو المشهور وقيل أربعة وقيل سبعة ويحل لها التزوج مع بقاء الريبة، أما إذا تحقق النساء العارفات أن الحركة حركة ولد فلا تخرج من العدة إلا بوضعه ولو بقيت طول عمرها.[32]

قال ابن القاسم[33]:”والمتزوجة في العدة قبل حيضة تأتي بولد أكثر من ستة أشهر من يوم عقد الثاني قال في العتبية ما بينها وبين خمس سنين من فراق الأول فهو للأول إلا أن ينفيه ويدعي استبراء فيلتعن هو ولا تلتعن هي، فإن نكل هو لم يحد ولم يلحق به، وإن التعن فهو للثاني إلا أن ينفيه بلعان”.

سئل العلامة سيدي عبد الرحمن الحائك كما في نوازله عن امرأة طلقها زوجها وهي مدعية أن لا حمل بها، ثم ظهر بها حمل بعد ذلك بأمد، فأجاب: الحمد لله، قال في المدونة: كل معتدة من طلاق أو وفاة تأتي بولد وقد أقرت بانقضاء عدتها فإنه يُلحق بالزوج ما بينها وبين خمس سنين، إلا أن ينفيه الحي بلعان، ويدعي استبراءها قبل طلاقه، وهو في التوضيح وابن عرفة وغيرهما.[34]

غير أن محمد بن الحكم من المالكية تفرد لما ذهب إلى القول بأن أقصى أمد الحمل سنة.[35]

الشافعية:

  قال ابن حزم[36]: وقالت طائفة: يكون الحمل أكثر من أربع سنين، رويناه عن سعيد بن المسيب من طريق فيها علي بن زيد بن جذعان- وهو ضعيف- وهو قول الشافعي.

الحنابلة:

جاء في هداية الراغب[37]:” وأكثرها – أي مدة الحمل- أربع سنين: لأنها أكثر ما وجد.

مستندهم:

+ في القول بأربع سنوات:

  • أن عمر رضي الله عنه ضرب لامرأة المفقود أربع سنين، وإنما ذلك لأنه أكثر الحمل، وروي مثله عن عثمان وعلي رضي الله عنهما.[38]
  • روى الدارقطني: حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز حدثنا داود بن عمرو حدثنا داود العطار عن ابن جريج عن جميلة بنت سعد قالت:  قالت عائشة رضي الله عنها: “ما تزيد المرأة في الحمل على سنتين قدر ما يتحول ظل عود المغزل”[39].

– ذهبوا أن نساء الماجشون كن يلدن لأربع سنين، ولأن ما زاد على السنتين لو لم يكن مدة للحمل لوجب أن لا يلحق به الولد إذا ادعاه وأكذبته وفي لحوقه به دليل على أنه من مدته.

+ مستند من قال بخمس سنين: أن ذلك قد وجد وذكر عن ابن عجلان [40] وجوده.

+ وأما من قال بسبع سنين: فلم يقف على وجود لها والأظهر الأربع فقط.[41]

الظاهرية:

وعلى رأسهم ابن حزم، يرى أن أقصاها تسعة أشهر، قال: ولا يجوز أن يكون حمل أكثر من تسعة أشهر، ولا أقل من ستة أشهر، لقول الله تعالى: (وحمله وفصاله ثلاثون شهرا)[42]، وقول الله جل وعلا:                           (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة)[43]. فمن ادعى أن حملا وفصالا يكون في أكثر من ثلاثين شهرا، فقد قال الباطل والمحال، ورد كلام الله عز وجل جهارا”[44].

مناقشة الأدلة: نلاحظ أن الفقهاء اختلفوا في تحديد أقصى مدة الحمل حتى داخل المذهب الواحد لعدم ورود دليل شرعي صريح في المسألة، وإنما اعتمد كل مذهب على ما نقل من روايات عن الصحابة والتابعين. والتجربة،  وقد رد ابن حزم على أدلة وروايات القائلين بالسنتين والأربع والخمس وبين ضعفها”[45].

قال ابن رشد مرجحا قول الظاهرية وابن الحكم: ” وهذه المسألة مرجوع فيها إلى العادة والتجربة، وقول ابن الحكم والظاهرية هو أقرب إلى المعتاد، والحكم إنما يجب أن يكون بالمعتاد لا بالنادر”[46].

الفقرة الثانية: موقف الطب:

تعتبر مدة الحمل الطبيعية 280 يوما، تحتسب من بدء آخر حيضة  حاضتها المرأة، وبما أن الحمل يحدث في العادة في اليوم الرابع عشر من بدء الحيض تقريبا، فإن مدة الحمل الحقيقية هي (280-14=266 يوما).

وبما أن الحساب قد يخطئ، وخاصة إذا كانت العادة الشهرية غير منتظمة، فإن بعض الأمهات يتحدثن عن فترة حمل طويلة جدا… أما تأخر الحمل أو تقدمه أسبوعين عن المدة المحسوبة فهو أمر اعتيادي.

ويؤكد الدكتور محمد علي البار أن الحمل قد يتأخر على الرغم من ضبط الحساب إلى شهر كامل وإلا لمات الجنين في بطن أمه…. ويعتبر الطب ما زاد عن ذلك نتيجة خطأ في الحساب.

كما يؤكد الدكتور أحمد ترعاني- اختصاصي النسائية والتوليد- أن الحمل قد يصل إلى عشرة شهور، ولا يزيد على ذلك؛ لأن المشيمة التي تغذي الجنين تصاب بالشيخوخة بعد الشهر التاسع، وتقل  كمية الأكسجين والغذاء المارين من المشيمة إلى الجنين فيموت الجنين، كما أكد على ضرورة التأكد من عدم وجود خطأ في مدة الحمل، لأن المرأة قد تتأخر عنها الدورة الشهرية بسبب الرضاع مثلا، أو غيره ثم تحمل مباشرة دون حدوث طمث، وعند ذلك تطول مدة انقطاع الدورة الشهرية، فيجب اعتبار هذه المدة (انقطاع الطمث قبل الحمل).

ويؤكد كذلك الدكتور محي الدين كحالة- اختصاصي النسائية والتوليد- حقيقة أن الحمل عشرة أشهر في أقصى مدة يستمر إليها، بل إن الأطباء  يولدون المرأة الحامل بالطرق الاصطناعية بعد تجاوز الحمل أسبوعين عن التسعة أشهر، لوصول الجنين إلى مرحلة الخطر، وما زاد عن ذلك فهو وهم، فقد تكون المرأة مرضعا فتنقطع الدورة الشهرية فترات طويلة جدا بسبب وجود هرمون الحليب، وقد يحدث في أثناء ذلك أن تحمل المرأة وتلد في أقصى مدة الحمل- عشرة أشهر- فتظن انقطاع الدورة جزءا من حملها وليس الأمر كذلك. كما أن المرأة قد تنقطع عنها الدورة الشهرية لأسباب عديدة، منها ما هو فسيولوجي أو صحي، ومن ذلك اضطراب الحالة النفسية عند بعض المصابات بعصاب القلق ونحوه.

ومن ذلك الحمل الكاذب، فإن المرأة تحس بجميع أعراض الحمل، ولكن يتبين بالكشف الطبي أنه حمل كاذب، فتعاني المرأة من انقطاع الحيض بسبب تأثير الغدة النخامية المباشر على إفرازات هرمون المبيضين، كما تحس المرأة وكأن هناك حركة جنين في بطنها، وهي في الحقيقة ليست إلا حركة الأمعاء داخل البطن،  والإحساس بتقلصات عضلات جدار البطن، وعند الميلاد المحسوب للولادة تحس المرأة بآلام الولادة، وليس ذلك إلا حالة نفسية عصبية تكون الرغبة فيها عند المرأة ملحة بالحمل أو الخوف الشديد منه، ونسبة هذا الحمل الكاذب هو امرأة واحدة من كل عشرة آلاف، وقد يحدث لإحدى هؤلاء الواهمات بالحمل الكاذب الذي تتصور أنه بقي في بطنها سنينا، قد يحدث أن تحمل فعلا، فتضع طفلا في فترة حمله، ولكنها نتيجة وهمها وإيهامها من حولها من قبل، تتصور أنها قد حملته لمدة ثلاث أو أربع سنوات.

وسبب هذا كله عدم القيام بالفحص الطبي.[47]

  • يتبين مما سبق أن موقف الظاهرية قريب من موقف الأطباء، وما ذهب إليه الفقهاء الآخرون استنادا إلى الواقع يتضح أنه غير دقيق.

الفقرة الثالثة:موقف القانون:

تضاربت أقوال الفقهاء في أقصى مدة الحمل بين المذاهب الفقهية المعتبرة، بل من داخل نفس المذهب كما هو الشأن في المذهب المالكي، ومع أن أقرب مذهب لموقف الطب هو المذهب الظاهري، فهل القانون سار على منوالهما أم أخذ بالمذهب المالكي أم بغيره من المذاهب الأخرى؟

  • في ظل مدونة الأحوال الشخصية:

نص في الفصل 76 منها:

“أقصى أمد الحمل سنة من تاريخ الطلاق أو الوفاة. فإذا انقضت السنة وبقيت الريبة في الحمل، رفع من يهمه الأمر أمره إلى القاضي ليستعين ببعض الخبراء من الأطباء على التوصل إلى الحل الذي يفضي إلى الحكم بانتهاء العدة أو إلى امتدادها إلى أجل يراه الأطباء ضروريا لمعرفة ما في البطن هل هو علة أم حمل.”

تعتمد أقصى مدة الحمل من تاريخ انتهاء عقد الزواج، وكيفما كان سبب ذلك الإنهاء؛ طلاق أم وفاة أم فسخ.

وعليه فإذا عقد رجل على امرأة وأتت بولد خلال مدة ستة أشهر فما فوق فالولد ينسب إليه، وإذا طلقها- سواء أكان الطلاق رجعيا- أو بائنا- أو توفي عنها وأتت بولد داخل سنة فالولد ولده.

يقرر المشرع المغربي من خلال النص أعلاه، أن مثل هذه المرأة يجب أن تعرض على أهل الخبرة من الأطباء ذوي الاختصاص لكي يقرروا بشأن ما في بطنها، هل هو حمل أو مجرد علة، وإذا ما تأكد بكيفية قطعية أن ما في بطن المرأة هو حمل، وجب الحكم باستمرار العدة، وبكيفية غير مباشرة الزيادة في أقصى أمد الحمل[48]. جاء في قرار عن المجلس الأعلى أنه: “من المقرر شرعا أن الزواج في العدة باطل ومن المقرر قانونا أن أقل مدة الحمل ستة أشهر وأقصاها عشرة أشهر.

ومتى تبين – في قضية الحال- أن الزواج وقع على امرأة ما زالت في عدة الحمل، وأن الحمل وضع بعد أربعة أشهر من تاريخ الزواج الثاني، وأن قضاة الموضوع بقضائهم باعتبار الطاعنة بنت للزوج الثاني، اعتمادا على قاعدة الولد للفراش، مع أن الزواج الثاني باطل شرعا، فإنهم بقضائهم كما فعلوا خالفوا القانون وخرقوا أحكام الشريعة الإسلامية، ومتى كان كذلك استوجب نقض القرار المطعون فيه بدون إحالة”.[49]

  • في ظل مدونة الأسرة:

جاء في المادة 154 من مدونة الأسرة: “… 2. إذا ولد خلال سنة من تاريخ الفراق”.

وجاء في المادة 135 من نفس المدونة: “أقصى أمد الحمل سنة من تاريخ الطلاق أو الوفاة”.

صدر قرار عن محكمة الاستئناف بالجديدة جاء فيه ما يلي:

” حيث يثبت نسب الولد بفراش الزوجية… إذا ولد خلال سنة من تاريخ الفراق، والثابت من خلال رسم الطلاق عدد 853 صحيفة 328 توثيق أولاد أفرج، أن المستأنف عليه إبان حياته طلق والدة المستأنفة في شهر أبريل من سنة 1948، وأدلى دفاع هذه الأخيرة استئنافا بشهادة طبية توصلا منه لإثبات تاريخ ازدياد منوبته تفيد أنها مزدادة سنة 1949 دون تحديد اليوم والشهر، لأن هذا التحديد يفيد في احتساب أجل السنة، بشكل واضح، خاصة وأن المشرع حينما حدد أقصى أجل الحمل في سنة من تاريخ الفراق لم يوضح المقصود من قوله هل السنة الميلادية أم الهجرية لأن الفرق بينهما أحد عشر يوما، ولعل المجلس الأعلى بمقتضى قراره رقم 7 وتاريخ 18/01/1994 في الملف عدد 6251/1992 غير منشور، قد حسم في هذه النقطة، وأفتى بأن التقويم المعتبر لدى الفقهاء لاحتساب مدة الحمل هو التقويم القمري لا التقويم الشمسي، ومادامت الشهادة الطبية المدلى بها لا تفيد شيئا من ذلك ولا تثبت تاريخ الوضع بشكل جازم  فإنها لا تنفع من أدلى بها، وتحيل الطاعنة على قرار المجلس الأعلى عدد 55 وتاريخ 24/01/1968 المنشور بمجلة القضاء والقانون عدد 92 صحيفة 46 والذي قال فيه: ” إذا كان حكم محكمة الإحالة ركز على رسم الطلاق بالنسبة لتحديد تاريخ وقوعه ولم يستند على حجة فيما قضى به من تحديد تاريخ الوضع فإنه يتعرض للنقض” الأمر الذي يؤول إلى أن الحكم المستأنف موفق في قضائه سببا ونتيجة ومآله التأييد”[50].

وبينت المادة 134 من نفس المدونة أنه عند الريبة أو التنازع لا بد من الرجوع إلى ذوي الاختصاص من الأطباء والخبراء، للتأكد من وجود الحمل وفترة نشوئه، وعلى ضوء ذلك يتم تقرير استمرار العدة أو انتهائها.

  • يلاحظ أن المدونتين أخذتا بقول ابن الحكم من المالكية في اعتبار أقصى مدة الحمل سنة، وهو الموقف نفسه الذي تبناه القضاء في قراراته وأحكامه في ظل مدونة الأسرة، فلم أجد قرارا أو حكما اعتمد غير هذه المدة، غير أن بعض القرارات الصادرة في ظل مدونة الأحوال الشخصية تعتبر أقصى مدة الحمل 10 أشهر، وفي ذلك مخالفة لمقتضيات الفصل 76 كأنها تحاول مسايرة ما عليه الرأي العلمي.

كما يتضح أن المشرع المغربي في مدونة الأحوال الشخصية لم يستطع الخروج مطلقا عن موقف الإمام مالك الذي روي عنه أربع سنوات وخمس،  وعند بعض أصحابه ست وسبع سنوات، وبهذا لم يتم إغلاق الباب أمام الحالات النادرة، ويعتمد في إقرار  انتهاء العدة ومدى انتساب الولد على الخبرة الطبية.

ثم إنه لم تتم الإشارة إلى التقويم المعتبر، هل التقويم القمري أو الشمسي عند تحديد أقصى مدة الحمل كما هو الشأن في الحد الأدنى له، لكننا نجد أن هناك قرارات وأحكاما يصرح فيها بأن المعتبر  هو التقويم القمري، تبعا لما عليه الفقه الإسلامي، ومن ذلك الحكم المذكور آنفا.

قال الدكتور عمر الأشقر: ” وقد بالغ القانون في الاحتياط مستندا إلى بعض الآراء الفقهية بجانب الرأي العلمي، فجعل أقصى مدة الحمل سنة”.

ويرى المؤلف أن تحلف المرأة الحامل اليمين في حالة إثبات النسب للزوج المتوفى أو المطلق، إذا تجاوزت مدة الحمل عشرة أشهر إلى السنة، لأن ذلك من الحالات النادرة، والتي يشك الطب في وقوعها ما لم يكن متابعا للحمل من بدايته، وكذلك يجب الاحتياط في إثبات النسب للمتوفى أو المطلق بيمين الزوجة.[51]

المطلب الثالث: إمكانية الاتصال والإنجاب:

أضف إلى شرط المدة، هناك شرط أساسي للحوق الولد بنسب أبيه، ألا وهو إمكانية الاتصال بين الزوجين، وإمكانية حمل الزوجة، وسيتم التفصيل فيه إن شاء الله تعالى من خلال فقرتين:

– الفقرة الأولى: رأي الفقهاء.

– الفقرة الثانية: رأي القانون.

الفقرة الأولى: رأي الفقهاء:

هذا الشرط أساسي للحوق الولد بالزوج أو المطلق أو المتوفى، أي لو جاءت به لستة أشهر فما فوق من تاريخ العقد، أو قبل سنة من تاريخ الطلاق أو الوفاة، ولا ينجب لمثلهما بأن يكون أحدهما صغيرا أو به عيب أو بهما عيب يمنعهما من الإنجاب فلا يلحق به، لذا لابد من إمكانية الاتصال وإمكان الحمل، وعليه سنورد رأي المذاهب في هذا الشرط:

  • فأما الحنفية:

       لقد ذهبوا إلى أن الصبي لا يتصور أن يخلق من مائه وليس له ماء[52]، ولا يشرع اللعان بنفي الولد في المجبوب والخصي، ومن لا يولد له ولد؛ لأنه لا يلحق به الولد وفيه نظر لأن المجبوب ينزل بالسحق ويثبت نسب ولده[53].

والحنفية قرروا أن مجرد العقد يجعل المرأة فراشا لزوجها، فمتى وجد كفى وحده، وإن علم أنه لم يجتمع بها.[54]

  • أما المالكية:

      فقال ابن عبد البر: ” وأجمعت الجماعة من العلماء أن الحرة فراش  بالعقد عليها، مع إمكان الوطء، وإمكان الحمل، فإذا كان عقد النكاح يمكن معه الوطء والحمل، فالولد لصاحب الفراش لا ينتفي عنه أبدا بدعوى غيره، ولا بوجه من الوجوه إلا باللعان”[55] فلتحقق الاتصال لابد أن يكون ممن يتأتى منه الحمل، بأن يكون بالغا خاليا من العيوب المانعة من إمكانية الاتصال وحصول الحمل. فلا يلحق النسب بالصغير والخصي والمجبوب والعقيم، فهؤلاء لا ينسب لهم الحمل وينتفى عنهم بلا لعان، لاستحالة الحمل منهم، قال الشيخ خليل[56]: “….إلا أن تأتى به لدون ستة أشهر، أو وهو صبي حين الحمل، أو مجبوب أو ادعته مغربية على مشرقي…”.

ولا ينتفي الحمل أو الولد بغيره ولو تصادقا على نفيه، إلا أن تأتي به لدون ستة أشهر من العقد، أو وهو –الزوج- صبي أو مجبوب -فينتفي بغير لعان-، أو مقطوع اليسرى…[57].

جاء في النوادر والزيادات[58]: “وإذا ظهر بزوجة الصبي حمل حدت ولا لعان برميه، والكبير يرمي زوجته الصغيرة يوطأ مثلها ولم تحض فيقول رأيتها تزني فليلاعن في الرؤية ولينفي الحمل، ولا تلتعن هي في رؤية ولا ولد ولا رمي، ولأن من قذفها يحد ولا تحد هي إن زنت ولا لعان في نفي حمل امرأة المجبوب أو خصي لا يولد لمثله، وذلك الولد لزنى، وتلتعن في رميها…”.

وجاء في المعيار المعرب والجامع المغرب[59]: “… وقال عليه السلام: “الولد للفراش وللعاهر الحجر: أجمع عوام أهل العلم على القول به إذا أمكن أن يكون للفراش من مجيئهلستة أشهر من العقد، وهو حسن يمكن وصفه بحضوره وعدم صغره، وصحة العضو الذي يطأ به، فلا يلحق بالصبي ولا بالمجبوب أو من قطع ذكره أو أنثياه، أو يكونان ببلدين يعلم أنهما لم يلتقيا”.

  • وأما الشافعية:

      ذهبوا نفس مذهب المالكية، ففي مغني المحتاج: ” إنما يحتاج الملاعن إلى نفي نسب ممكن كونه منه… فإن تعذر كون الولد منه بأن ولدته الملاعنة لستة أشهر فأقل من العقد لانتفاء زمن الوطء والوضع أو أكثر منهما… أو نكح وهو بالمشرق امرأة وهي بالمغرب ولم يمض زمن يمكن فيه اجتماعهما ووطء وحمل أقل مدة الحمل، لم يلحقه الولد لاستحالة كونه منه، فلا حاجة إلى انتفائه باللعان…. ومن صور التعذر…. ما لو كان الزوج صغيرا، أو ممسوحا على المذهب”[60].

  • والحنابلة:

       ذهبوا إلى أن الصبي دون عشر سنين لا يلحقه نسب،  وأن ابن عشر سنين يولد لمثله ويلحقه نسبه، أو مقطوع الذكر والأنثيين، لم يلحقه نسبه، ويلحق الولد مقطوع أحدهما إذا كان خصيا بأن تقطع أنثياه ويبقى ذكره، قال أكثر الأصحاب: يلحق نسبه، وإذا كان مجبوبا بأن يقطع ذكره وتبقى أنثياه، قال جماهير الأصحاب: يلحقه نسبه وهو المذهب.[61]

يلاحظ أن الفقهاء متفقون على عدم إلحاق نسب الولد بالصغير مع اختلافهم في سن البلوغ، فالمالكية: المعتبر عندهم ثماني عشرة سنة[62]،  والحنفية خمس عشرة سنة[63]، والشافعية عشر سنين فمنهم من قال: أنه يجوز أن يولد له بعد عشر سنين، ولا يجوز له أن يولد له قبل ذلك…ومنهم من قال: يجوز له أن يولد له بعد تسع سنين، ولا يجوز له أن يولد قبله، لأن المرأة تحيض لتسع فجاز أن يحتلم الغلام لتسع[64]، أما الحنابلة فذهبوا مذهب الشافعية[65]، ويدخل في حكم الصغير العقيم والصغيرة والخصي والمجبوب. وإن كان هناك اختلاف بين المذاهب في عدها حالات للحوق النسب وعدم لحوقه، هذا بالنسبة للزواج الصحيح.

أما الفاسد: فالنسب فيه ثابت للأب، سواء أكان مختلفا في فساده أو متفقا على فساده[66]، غير أن الفقهاء اختلفوا في بداية احتساب أقل مدة الحمل فيه كما في النكاح الصحيح:

  • أبو حنيفة: ذهب إلى أنها تحتسب من وقت العقد قياسا على النكاح الصحيح؛ لأنه يلحق بالصحيح في حكم النسب؛ حيث جاء في المبسوط: “وإن جاءت به لستة أشهر منذ تزوجها الثاني فهو من الزوج الأول، وإن جاءت به لستة أشهر فصاعدا منذ تزوجها الثاني، سواء ادعياه أو نفياه؛ لأن النكاح الفاسد يلحق بالصحيح في حكم النسب.[67]
  • المالكية:

      تحتسب من تاريخ الدخول الحقيقي لا من وقت العقد، قال العلامة ميارة الفاسي[68]: “إذا فسخ النكاح بعد البناء فتجب فيه العدة باتفاق في المتفق على فساده والمختلف فيه” يفهم من كلامه أنه يعتد بتاريخ البناء؛ لأن العقد الفاسد ضعيف في نفسه يقوى بالدخول، وهذا ما جاء في المعيار[69]: “فضعف اعتبار العقد وحده لفساده، وقوي باعتبار إضافة الدخول إليه فاعتبر من يوم الدخول”.

  • الشافعية:

      ذهبوا إلى أنه يحتسب من وقت إمكان الوطء لا تحققه؛ حيث جاء في الوسيط[70]: “وإمكان الولد الكامل بعد ستة أشهر من وقت إمكان الوطء”. فلم يحددوا هل في الزواج الصحيح أم الفاسد فكان على إطلاقه.

  • الحنابلة:

يرون أن أقل مدة الحمل تحتسب من وقت إمكان الدخول فذهبوا بذلك نفس مذهب الشافعية، وإمكان اجتماعهما حيث جاء في هداية الراغب[71]: “… لم يقبل قولها في أقل من ستة أشهر من حين إمكان وطء بعد عقد”،”… وأقل مدة حمل ستة أشهر منذ نكاحها وأمكن اجتماعه بها”، وجاء فيه كذلك: ” وعدة موطوءة بشبهة أو زنا أو موطوءة بنكاح فاسد كمطلقة حرة كانت أو أمة متزوجة أو لا؛ لأنه وطء يقتضي شغل الرحم فوجبت العدة فيه كالنكاح الصحيح[72].

فعدم تحديدهم نوع العقد يفهم منه أنهم قاسوه على العقد الصحيح في العدة، ومن ذلك بدء احتساب أقل مدة الحمل، وسبب هذا الاختلاف في كل من الزواج الصحيح والفاسد؛ اختلاف الفقهاء فيما يجعل المرأة فراشا على ثلاثة أقوال:

  • الحنفية:  تصير فراشا بالعقد، فتحتسب أقل مدة الحمل من تاريخ العقد.
  • المالكية: تصير فراشا بالعقد مع الدخول الحقيقي وليس إمكانه، فتحتسب من وقت تحققه.
  • الحنابلة والشافعية:  تصير فراشا بالعقد مع إمكان الوطء.

وقال ابن القيم: أن شيخ الإسلام ابن تيمية اختار ما ذهب إليه القائلون باشتراط الدخول وتحققه؛ حيث قال عند ذكر أقوال الفقهاء فيما تصير به الزوجة فراشا: “والقول الثالث: أنه العقد مع الدخول المحقق لا إمكانه المشكوك فيه، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.” وقال: “إن أحمـد أشار إليه في رواية حرب، فإنه نص في روايته فيمن طلق قبل البناء، وأتت امرأته بولد، فأنكره ؛ إنه ينتفي عنه بغير لعان، وهذا الصحيح المجزوم به، وإلا فكيف تصير المرأة فراشا ولم يدخل بها الزوج، ولم يبن بها لمجرد إمكان البعيد؟ وهل يعد أهل العرف واللغة المرأة فراشا قبل البناء بها؟ وكيف تأتي الشريعة بإلحاق نسب بمن لم يبن بامرأته، ولا دخل بها ولا اجتمع بها بمجرد إمكان ذلك؟ وهذا الإمكان قد يقطع بانتفائه عادة، فلا تصير المرأة فراشا إلا  بدخول محقق…”[73]

الفقرة الثانية: موقف القانون:

سنرى من خلال هذه الفقرة موقف المشرع في ظل مدونة الأحوال الشخصية، وكذا مدونة الأسرة، بذكر النصوص القانونية وإيراد القرارات أو الأحكام الصادرة عن المحاكم المغربية في ظلهما:

+ في ظل مدونة الأحوال الشخصية:

  فقد سايرت مدونة الأحوال الشخصية موقف الجمهور عندما قررت من خلال مقتضيات الفصل 85 من المدونة: “الولد للفراش إن مضى على عقد الزواج أقل مدة الحمل وأمكن الاتصال، وإلا فالولد المستند لهذا العقد غير لاحق”.

فالمشرع أشار إلى إمكانية الاتصال دون إمكانية الإنجاب، غير أن المذهب المالكي يشترط للحوق النسب بالزوج أن يكون ممن يمكن وقوع الحمل منه بأن يكون بالغا، وألا يكون صغيرا أو مجبوبا أو خصيا، كما اشترط تحقق الاتصال لا مجرد إمكانه، هذا بالنسبة للزواج الصحيح، أما الفاسد فقد نص الفصل 86 من نفس القانون على ما يلي:

  1. ولد الزوجة من زواج فاسد بعد الدخول إذا ولد لستة أشهر فأكثر من تاريخ الدخول يثبت نسبه إلى الزوج حسب الفصل 37.
  2. إذا ولد بعد فراق لا يثبت نسبه إلا إذا جاءت به خلال سنة من تاريخ الفراق مع مراعاة ما ورد في الفصل 76″.

فيظهر أن مدونة الأحوال الشخصية في الزواج الفاسد لم تسوه بالزواج الصحيح في وقت بدء احتساب أقل مدة الحمل وأخذت بذلك ما ذهب إليه المالكية، وهو ما ورد في القرار الصادر عن المجلس الأعلى بتاريخ 23/11/1993.[74]

+ في ظل مدونة الأسرة :

هي كذلك سايرت ما عليه موقف الجمهور حيث جاء في المادة 154 ما يلي: ” إذا ولد لستة أشهر من تاريخ العقد وأمكن الاتصال سواء أكان العقد صحيحا أو فاسدا”، أي أنه إذا حصل عقد بين الطرفين ولكن الاتصال لم يحدث لسبب من الأسباب فإن الولد لا يلحق بالزوج. حيث جاء في قرار للمجلس الأعلى[75] ما يلي: “إذا كانت الولادة خارج الأمد المقرر شرعا وقانونا ؛ فلا يلحق معها النسب، ولا تكون المحكمة في حاجة إلى الاستجابة لطلب إجراء خبرة طبية مادام قد تم إبرام عقد بالزواج، لكن حيث إنه لما كان مقتضيات المادة 154 من مدونة الأسرة تنص على أن أقل مدة الحمل 6 أشهر من تاريخ العقد وكان البين من أوراق الملف أن الطالبة وضعت حملها بتاريخ 16/12/2000 ولأقل من ستة أشهر من تاريخ العقد المبرم بتاريخ  20/10/2000، فإن المحكمة لما اعتبرت أن الولد… غير لاحق بنسب المطلوب الذي ينفيه عنه تكون قد طبقت المادة المحتج بها تطبيقا صحيحا ولم تكن في حاجة إلى إجراء خبرة طبية في هذا الشأن، مادام قد تم إبرام عقد الزواج الأمر الذي يجعل تطبيق مقتضيات المادة 155 من مدونة الأسرة مستبعدا، مما كانت معه الوسيلة بدون أساس”.

لكنها أيضا تحدثت فقط عن إمكانية الاتصال لاعن تحققه فعلا مادام أنه مما لا يطلع عليه الناس عادة والزوج الذي ينفي الاتصال هو المكلف بإثبات ذلك[76]، ومن ذلك قرار صادر عن المجلس الأعلى [77]: “حيث صح ما عابه الطاعن على القرار، ذلك أن الفراش يكون حجة قاطعة على ثبوت النسب شرط تحقق الاتصال الشرعي، والثابت من أوراق الملف أن الطاعن نازع في نسب الإبن… إليه الذي ازداد بتاريخ 10/04/2003 بعد رجوعه من إيطاليا بشهرين، وادعى أنه لم يتصل بالمطلوبة خلال الفترة ما بين 02/04/2001 و08/02/2003، وهي الفترة التي قضاها بعيدا عن زوجته بدولة إيطاليا واستدل على ذلك بموجب لفيف عدد 349 الذي استمعت المحكمة إلى خمسة من شهوده الذين أكدوا غيابه عن زوجته خلال الفترة المذكورة الشيء الذي يؤكده أيضا جواز سفره، ولم تنكره المطلوبة، والتمس إجراء خبرة قضائية لإثبات نفي نسب المولود إليه، وتمسك بها والمحكمة لما قضت برفض طلبه… تكون قد أقامت قضاءها على غير أساس…”.

وصدر عن المحكمة الابتدائية بأكادير[78]: “… وحيث إن الطفل لم يكن ناتجا عن فراش الزوجية ولم يكن هناك أي اتصال بين الزوجين لوجود الزوج في حالة اعتقال وإقرار الزوجة بالزنى، لأجله فإن شرط الاتصال غير متوفر، وبذلك فإن النسب غير لاحق…”.

كما سكتت عن إمكانية الإنجاب، فسقطت في مثل ما وقعت فيه مدونة الأحوال الشخصية، لكن الفقهاء اشترطوا هذا الشرط في كل من الزوجين للحوق نسب الولد بالزوج من خلال حديثهم عن شرط الخلو من العيوب، وعن سن البلوغ:

ففي حكم صادر عن محكمة الاستـئناف بأكادير[79] جاء فيه: “… ومن جهة أخرى وبخصوص ادعاء العقم فإنه لم يثبت أن المقر الهالك… قد ادعى العقم في حياته، كما أنه وبعد إقراره فلا ينتفي عنه النسب بادعاء العقم كما هو عليه الفقه والقضاء…”.

يفهم منه أنه إذا ادعى العقم وأثبته ينتفي عنه النسب ولو أقره بعد ذلك، فيلاحظ أن القرارات والأحكام الصادرة عن المحاكم المغربية انتبهت للنقص الحاصل في شروط ثبوت النسب في الزواج، خاصة شرطي تحقق الاتصال- وهو ما عليه مذهب المالكية- وشرط إمكانية الإنجاب.

ويعزز ذلك ما جاء في حكم آخر صادر عن المحكمة الابتدائية بتارودانت[80]“… وحيث يعد من الدلائل القوية أن يدلي الزوج المعني بالأمر مثلا لنفي النسب بشواهد طبية تثبت عقمه…”.

ويلاحظ أن المشرع المغربي في المدونة الجديدة على خلاف ما قرره في المدونة القديمة قد سوى بين العقد الصحيح والفاسد في وقت بدء احتساب أقل مدة الحمل وذلك من تاريخ إبرام العقد، فقد يكون ذلك من أجل حفظ أعراض النساء وحفظ الأنساب.

ففي قرار للمجلس الأعلى[81]: “…ذلك أنه بمقتضى المادة  154 من م.أ فإن نسب الولد يثبت بفراش الزوجية إذا ولد لستة أشهر من تاريخ العقد… سواء أكان العقد صحيحا أو فاسدا”.

ونخلص من هذا كله أنه إذا تم العقد بين الطرفين وتم توثيقه، ولكن الاتصال لم يحدث لسبب من الأسباب التي بينها الفقهاء أو فرضها ويفرضها الواقع، أو أمكن الاتصال، ولم يكن أحدهما ممن يحصل منه الإنجاب، أو حصل الاتصال والإنجاب لكن الولادة حصلت لأقل من ستة أشهر من العقد، أو بعد الطلاق أو الوفاة لأكثر من سنة، فإن الولد لا يلحق بالزوج أو المطلق أو المتوفى.

المبحث الثاني: قراءة نقدية  لمقتضيات المادة 154 من مدونة الأسرة المغربية: وفيه مطلبان:

المطلب الأول: بعض أوجه التعارض بين المادة 154 والمادة 156 من مدونة الأسرة:

تنص المادة 154 من مدونة الأسرة على ما يلي: “يثبت نسب الولد بفراش الزوجية:

  •   إذا ولد لستة أشهر من تاريخ العقد وأمكن الاتصال، سواء أكان العقد صحيحا أم فاسدا؛

_إذا ولد خلال سنة من تاريخ الفراق”.

فقد يحدث أن تتم خطبة بين الطرفين وتتوافر جميع الشروط المنصوص عليها في المادة 156 من مدونة الأسرة ويظهر حمل بالمخطوبة فيسارع الطرفان إلى إبرام عقد زواجهما، ويولد المولود قبل أقل مدة الحمل فيكون نسبه غير لاحق طبقا لمقتضيات المادة 154، فهل  يحق للزوجين في هذه الحالة مراجعة القضاء في إطار المادة 156  لإثبات نسب المولود، بالرغم من وجود عقد زواج، وبالرغم من ازدياد هذا المولود قبل مرور أقل  مدة الحمل؟ وهل يحق للزوجة عند ادعاء الزوج أن الولد ليس منه مراجعة القضاء في إطار المادة 156 من مدونة الأسرة،  وقد يحصل  أن يتقدم الزوج بمجرد علمه بالحمل أو مباشرة بعد الوضع بدعوى فسخ عقد الزواج ونفي النسب، فتتقدم الزوجة بمقال معارض يرمي إلى إثبات النسب في إطار المادة 156  من المدونة، بدعوى أن الخطبة تمت بينهما وتوافرت فيها الشروط المنصوص عليها في المادة156 وظهر خلالها الحمل فسارعا إلى إبرام عقد الزواج؟ فهل  سيرجح القضاء مقتضيات المادة 154 وبالتالي يقضي وفق طلب الزوج؟ أم سيرجح مقتضيات المادة 156، وبالتالي يقضي وفق طلب الزوجة؟ لقد سبق للقضاء بابتدائية سيدي بنور أن رجح مقتضيات المادة 156 وقضى بثبوت نسب طفل ولد قبل مرور أقل مدة الحمل من إبرام عقد الزواج، نفى الزوج نسبته إليه، وذلك في حكم صدر عنها.[82] جاء فيه: “وحيث إن العلاقة الزوجية بين الطرفين قائمة ومستمرة إلى تاريخه، وحيث ثبت من خلال جلسة البحث ووقائع النازلة أن المدعية والمدعى عليه كانا في فترة خطبة   لمدة سنة قبل إبرام عقد زواجهما وتم الاتصال بينهما نتج عنه حمل… قبل مضي أجل ستة أشهر  من تاريخ العقد…” بخلاف الموقف الذي تبناه القضاء بمدينة مراكش في حكمه[83] الذي تتلخص وقائعه فيما يلي: ” تقدم المدعي بمقال افتتاحي يعرض فيه أنه تزوج بالمدعى عليها التي صرحت لدى العدلين بأنها بكر، وأدلت بشهادة مزورة تفيد حالها، وأنه بعد مرور شهرين على إبرام عقد الزواج فوجئ بالمدعى عليها تضع حملها بحيث وقع الزواج بتاريخ 25/03/2005 والوضع بتاريخ 11/06/2005، وأنه بذلك يكون ضحية نصب وتدليس من المدعى عليها….

…. فأصدرت المحكمة حكمها القاضي في الشكل بقبول الطلبين الأصلي والمعارض وفي موضوع الطلب الأصلي: ببطلان عقد الزواج المبرم بين طرفي الدعوى، ونفي نسب الإبن عن المدعي وتحميل المدعى عليها مصاريف الدعوى. وفي موضوع الطلب المعارض: برفض الطلب وإبقاء مصاريفه  على رافعته”.

كان بإمكان المشرع تجاوز هذا التنازع لو جعل من ضمن الوثائق اللازمة لإبرام عقد الزواج إدلاء المخطوبة بشهادة طبية تفيد خلو رحمها بالإضافة إلى الوثائق المنصوص عليها في المادة 65 من مدونة الأسرة، فإذا تبين بأن هذه الأخيرة حامل فإن إجراءات إبرام عقد الزواج يجب أن تتوقف، وعلى الخاطبين في حالة الاتفاق، أو المخطوبة عند إنكار الخاطب مراجعة القضاء في إطار المادة 156 من  مدونة الأسرة لإثبات نسب الحمل تفاديا للإشكالات  القانونية التي تنشأ في حال ولادته قبل مرور أقل مدة الحمل.

ومن مظاهر التنازع بين المادتين أن أقصى مدة الحمل هي سنة من تاريخ الفراق، وقد يحدث أن  يتقدم رجل لخطبة امرأة فور انتهاء عدتها من الطلاق، فيظهر حمل بالمخطوبة، ويتقدم الخاطبان بطلب إثبات نسبه للخاطب في إطار المادة 156، فيتدخل المطلق مطالبا بإثبات نسب الحمل إليه لأنه ظهر بمطلقته قبل انتهاء أقصى مدة الحمل وهي سنة، فهل ستقضي المحكمة بنسبة الحمل  للخاطب استنادا لمقتضيات المادة 156؟  وهل يمكن للمحكمة أن تأمر بإجراء خبرة جينية ولو لم يطلبها أي من الطرفين، لا الخاطب ولا المطلق؟ وإذا أمرت المحكمة تلقائيا بإجراء خبرة من سيؤدي مصاريفها؟

وإذا كان نسب الولد لا يثبت بفراش الزوجية إلا إذا ولد بين أقل مدة الحمل وأقصاها، سواء كان العقد صحيحا أو فاسدا أو نتج عن اتصال بشبهة، فهل هذه القاعدة –أقل مدة الحمل وأقصاها- يجب   الأخذ بها حتى في إطار المادة 156؛ بحيث  يجب أن تضع المخطوبة حملها بين أقل مدة الحمل وأقصاها ابتداء من تاريخ الخطبة؟…

… ويلاحظ  أن القضاء يكتفي بالإشارة إلى أن الحمل تم خلال فترة الخطبة دون الإشارة  إلى مرور  أجل 6 أشهر  ابتداء من إجراء مراسيم  الخطبة، أو خلال سنة من تاريخ العدول عنها،  جاء في القرار الصادر عن محكمة الاستئناف بمراكش[84] ما يلي: “… وحيث إن الثابت من شهادة الوضع للبنت (هجر) أن الحمل تم خلال فترة الخطوبة المذكورة…”. ولعل السبب في ذلك أن الأخذ بقاعدة ” أقل مدة الحمل وأقصاها “بالنسبة للخطبة  إن كان مفيدا من حيث أقل مدة الخطبة بحيث يضع حدا بين العلاقة غير الشرعية التي كانت تجمع بين الطرفين قبل إتمام الخطبة، والتي يعتبر نسب الولد خلالها  غير لاحق بأبيه، وبين الخطبة الجدية التي يترتب  عليها  نسبة الحمل للخاطب، فإنه من غير المعقول  تطبيق هذه القاعدة في حدها الأقصى أي سنة من انتهاء الخطبة، وإلا ظل الخاطب مهددا بنسبة الحمل إليه طيلة سنة بعد عدوله عن الخطبة، وهذا يتعارض مع الطبيعة القانونية للخطبة التي تنتهي  بمجرد العدول عنها.[85]

فالذي أذهب إليه أنه لا يعقل ولا يستساغ أن نعتبر ما تنص عليه المادة 156 مجرد الخطبة، ومع هذا الطرح نطبق عليها أحكام المادة 154، لأنها تتعلق بكل حمل نتج عن علاقة مبنية على زواج شرعي، وكيف يعقل أن نعمل بهذه المادة في شقها المتعلق بأقل مدة الحمل دون أقصاها؟ فهذا ما سبب التخبط الواضح في الأحكام القضائية، فتارة يعتد بما جاءت به المادة 154، وتارة أخرى لا يعتد بها وينسب الحمل للخاطب إذا ظهر أو ولد في فترة الخطبة المستجمعة للشروط المنصوص عليها في المادة 156.

لذا فلا مناص من أن نعتبر أن الخطبة المقصودة من المادة 156 ترتقي لزواج لا ينقصه إلا التوثيق، وهي بذلك تكون بمثابة زواج فاسد ليتم إسقاط مقتضيات المادة 154 عليها، ويتم تفادي هذا التضارب الحاصل في الأحكام القضائية.

المطلب الثاني: بعض الإشكالات التي يثيرها تطبيق المادة 154 من مدونة الأسرة:

الاستعانة بمدة الحمل بحديها الأدنى والأقصى، واشترط إمكانية الاتصال والإنجاب، أمران لا غنى عنهما لتقرير ثبوت النسب، سواء جاءت الولادة أثناء قيام الفراش الصحيح، أو الفراش الفاسد، وسواء جاءت الولادة بعد الفرقة في الزواج الصحيح أو في الزواج الفاسد، إلا أن الأمر تتخلله مجموعة من الإشكالات والملاحظات والثغرات فيما يرجع إلى القانون، وهذا ما سأحاول إبرازه من خلال التصميم التالي:

  •   الفقرة الأولى: الحد الأدنى لمدة الحمل.
  •   الفقرة الثانية: الحد الأقصى لمدة الحمل.
  •   الفقرة الثالثة: إمكانية الاتصال والإنجاب.

الفقرة الأولى: الحد الأدنى لمدة الحمل:

على المستوى الفقهي تم الاتفاق بين الفقهاء على أن أدنى أمد الحمل هو ستة أشهر، إلا أن هناك اختلافا في بداية احتساب هذه المدة، وهو ما سنتطرق للتعليق عليه في الفقرة الثالثة والمتعلقة ب”إمكانية الاتصال والإنجاب”.

أما على المستوى القانوني فإن مدونة الأسرة أخذت بما ذهب إليه الفقهاء وما عليه الطب في أن أدنى مدة الحمل هي ستة أشهر، وهو ما جاء في المادة 154، والسؤال المطروح والذي سبق طرحه هو: ما التقويم المعتمد في احتساب أقل مدة الحمل، هل التقويم الشمسي أم القمري؟

فالملاحظ أن مدونة الأسرة لم تحدد من خلال هذه المادة أي التقويمين هو المعتبر في احتساب هذا الأمد،  ولما عمدت في تحديد سن الرشد إلى التقويم الشمسي (المادة 19)، دل ذلك على أنه هو التقويم المعتبر عندها. غير أننا نجد في بعض القرارات الصادرة عن المجلس الأعلى اعتدادا بالتقويم القمري[86]، وقد  يكون بعضها الآخر معتبرا التقويم الشمسي، وهذا ليس بشيء مستبعد طالما أن المادة 154 لم تصرح بشأن هذا الأمر.

والذي أميل إليه أن يعمل بالتقويم القمري في احتساب هذا الأمد، تفاديا لتعارض مقتضيات المدونة مع ما عليه الفقه الإسلامي باعتباره أهم ركيزة وأساس بنت عليه موادها.

الفقرة الثانية: الحد الأقصى لمدة الحمل:

على المستوى الفقهي تضاربت أقوال الفقهاء في هذه المدة حتى داخل نفس المذهب، لعدم وجود نص قطعي في ذلك، خلافا لما عليه الفقه في الحد الأدنى؛  حيث حصل إجماع بين الفقهاء على أن أدناه ستة أشهر فلا نجد مذهبا أو قولا يقول بخلاف ذلك لقطعية النص وصراحته.

أما على المستوى القانوني نجد أن المدونتين أخذتا بقول شاذ، وهو قول ابن الحكم من المالكية؛ إذ هو المعتمد من لدن القضاء المغربي في ظل مدونة الأسرة[87]، ولم أجد حكما أو قرارا ورد فيه غير ذلك. في حين أن ما صدر في ظل مدونة الأحوال الشخصية كان يعرف تضاربا فيما يخص أقصى مدة الحمل، فأحيانا يتم تحديدها في عشرة أشهر[88]، وفي ذلك مخالفة صريحة لمقتضيات الفصل 76 من مدونة الأحوال الشخصية، كأنه محاولة لمسايرة ما عليه الطب.

كما أن المشرع في ظل هذه المدونة لم يستطع الخروج عن موقف الإمام مالك عندما لم يتم إغلاق الباب أمام الحالات الناذرة الوقوع؛ حيث إنه جعل إمكانية اعتماد الخبرة الطبية لتقرير انتهاء العدة ومعرفة مدى انتساب الولد لأبيه، وهو ما جاء في الفصل أعلاه. على عكس مدونة الأسرة التي تخلت وخرجت بالكلية عما ذهب إليه الإمام مالك فلم تنهج بذلك منهج المدونة القديمة بفتح الباب أمام هذه الحالات، ويظهر ذلك جليا بصريح المادة 154.

وبخصوص التقويم المعتبر في احتساب هذه المدة فهو الموقف نفسه الذي وقعت فيه مدونة الأسرة؛ حيث إنها لم تقم بتحديده وبيان هل هو التقويم الشمسي أم القمري؟.

رجوعا إلى القرارات الصادرة في ظل مدونة الأحوال الشخصية، نجدها عرفت تناقضا وتضاربا بينا، فقد اعتمد القضاء المغربي في أحد قراراته السنة الشمسية[89]، وهو ما حاول المجلس الأعلى تفاديه في ظل مدونة الأسرة؛ حيث نجد أن هناك قرارات وأحكاما صرحت بأن التقويم المعتبر في احتساب أقصى أمد الحمل هو التقويم القمري، ومن ذلك ما جاء في حكم صادر عن محكمة الاستئناف بالجديدة[90]:”… ولعل المجلس الأعلى بمقتضى قراره رقم 7 بتاريخ 18/01/1994 في الملف عدد 6251/1992 غير منشور، قد حسم في هذه النقطة، وأفتى بأن التقويم المعتبر لدى الفقهاء لاحتساب مدة الحمل هو التقويم القمري لا التقويم الشمسي…”.

فهذا هو الموقف الأنسب لتجنيب المدونة الخروج عن إطار الفقه ومخالفته.

الفقرة الثالثة:  إمكانية الاتصال والإنجاب:

على المستوى الفقهي نجد أن شرط المدة غير كاف للتحقق من مدى انتساب الولد لأبيه، فلابد من توفر شرط أساسي ألا وهو إمكانية الاتصال بين الزوجين وإمكانية الحمل، فقد وقع الاختلاف بين المذاهب في تحديد الحالات التي لا ينسب فيها الولد لأبيه كحالة المجبوب والخصي…، لكن حالة الصغير حصل فيها اتفاق بين الفقهاء في عدم إلحاق نسب الولد به وانتفائه عنه بلا لعان، وإن اختلفوا في سن البلوغ.

وبخصوص بدء احتساب أقل مدة الحمل، فالجمهور متفقون على أن الدخول أو الوطء هو المعتبر في احتساب هذه المدة مع اختلافهم  في وجوب تحققه فعلا- المالكية- أو الاكتفاء بإمكان وقوعه- الشافعية والحنابلة- وشذ عنهم الحنفية في أن المعتبر عندهم هو تاريخ العقد، وسبب اختلافهم  هو ما أورده ابن القيم في كتابه “زاد المعاد”، وهو اختلافهم فيم تصير به المرأة فراشا لزوجها، فذكر أن شيخه  ابن تيمية مع القائلين باشتراط الدخول وتحققه، وهو الرأي السديد في نظري ؛ لأنه كيف ينسب الولد بمن لم يبن ويطأ أمه؟!.

أما بدء احتساب أقصى مدة الحمل، فإن الفقهاء وإن اختلفوا في أقصاه، إلا أنهم متفقون في بداية احتسابه وذلك من وقت الطلاق أو الوفاة.

وأما على المستوى القانوني، فإننا نلحظ أن المشرع المغربي في ظل مدونة الأحوال الشخصية حسب الفصل 85 قد اكتفى فيما يتعلق بهذا الشرط ب”إمكانية الاتصال”، وفي ذلك مخالفة صريحة للمذهب المالكي الذي يشترط فيه تحققه فعلا لا إمكان تحققه، وأخذا بمذهب الجمهور – الشافعية والحنابلة- الذين يكتفون بإمكانية تحقق الدخول، كما تم الأخذ بما ذهب إليه الحنفية في عدم اشتراط “إمكانية الإنجاب”، فهو ليس شرطا أساسيا عندهم وإن اشترطوا البلوغ إذ يعتبرون أن مجرد العقد يجعل  المرأة فراشا لزوجها، فمتى وجد كفى وحده وإن علم أنه لم يجتمع بها، وكل ذلك بشأن الزواج الصحيح، أما الفاسد منه فنجد أن مدونة الأحوال الشخصية من خلال الفصل 86 قد أخذت بمذهب المالكية عندما اشترطت تحقق الدخول، وهو ما يستفاد من عبارتها: “ولد الزوجة من زواج فاسد بعد الدخول…”.

أخلص أن مدونة الأحوال الشخصية تقيدت بالمذهب المالكي في الزواج الفاسد دون الزواج الصحيح في اشتراط تحقق الاتصال وليس مجرد إمكان حصوله.

وأما مدونة الأسرة من خلال المادة 154 هي الأخرى ذهبت مذهب الجمهور عند اكتفائها اشتراط “إمكانية الاتصال” دون اشتراط تحققه فعلا، كما أغفلت أيضا شرط” إمكانية الإنجاب”، غير أنها سوت في ذلك بين الزواج الصحيح والزواج الفاسد على خلاف مدونة الأحوال الشخصية.

وخلاصة القول أن مدونة الأسرة خالفت مدونة الأحوال الشخصية في كونها تقيدت بمذهب الجمهور في كل من الزواج الصحيح والفاسد لإلحاق الولد بأبيه في فراش الزوجية، بالاكتفاء بشرط “إمكانية الاتصال”.

هذا، وإن  كانت المدونتان لم تشترطا صراحة “إمكانية الإنجاب”، إلا أنه يستفاد ضمنيا من خلال استقراء فصول – مدونة الأحوال الشخصية- ومواد – مدونة الأسرة- أخرى متفرقة مما يدل على عدم ثبوت نسب الصغير  والخصي  والمجبوب، وذلك بتحديد سن الزواج بمقتضى  الفصل 8 من مدونة الأحوال الشخصية، والمادة 19 من مدونة الأسرة التي حددته في ثماني عشرة سنة شمسية  أخذا بمشهور المذهب المالكي لكل من الجنسين خلافا لمدونة الأحوال الشخصية التي جعلت  هذا السن للفتى دون الفتاة، ويأذن القاضي في أحوال استثنائية  بزواج القاصر بشروط معينة تتعلق بالقدرة المعنوية والمادية والجسمانية على الزواج.

وأما الخصي والمجبوب فلم يعرض لأحكامهما صراحة ولكنها تستفاد من مقتضيات  الفصل 54 من مدونة الأحوال الشخصية باعتبارها تدخل في عداد عيوب الفرج المانعة من الوطء ولذته، والمادة 107 من مدونة الأسرة باعتبارها تدخل في العيوب المانعة من المعاشرة الزوجية، والتي تخول طلب التطليق للعيب.

وفيما يخص بدء احتساب أقل مدة الحمل نجد أن مدونة الأحوال الشخصية لم تسو بين الزواج الصحيح والزواج الفاسد، فهي في الأول أخذت بمذهب الحنفية مخالفة مذهب الجمهور، إلا أنها في الثاني أخذت برأي المالكية عند اشتراطها تحقق الدخول، ومن ذلك ما جاء في قرار صادر عن المجلس الأعلى[91]: “… ولأن الولد ولد بعد مرور أكثر من ستة أشهر على البناء…”

لكن المشرع المغربي في ظل مدونة الأسرة على خلاف ما قرره في مدونة الأحوال الشخصية قد سوى بين العقد الصحيح والفاسد في بدء احتساب أقل أمد الحمل، وذلك من تاريخ إبرام العقد، ولعل ذلك من أجل حفظ الأعراض والأنساب؛ حيث ورد في قرار صادر عن المجلس الأعلى[92] ما يلي: “…وكان البين من أوراق الملف أن الطالبة وضعت حملها بتاريخ 16/12/2000، والأقل من ستة أشهر من تاريخ العقد المبرم بتاريخ 20/10/2000…”، وفي قرار آخر[93] نص فيه الآتي: “..على أنه يثبت نسب الولد لفراش الزوجية إذا ولد لستة أشهر من تاريخ العقد…”.

أما بدء احتساب أقصاه، ففي كل من مدونة الأسرة – في المادة 154- ومدونة الأحوال الشخصية – في الفصل 76- هو تاريخ الطلاق أو الوفاة، وإن كان هناك اختلاف في اللفظ – في مدونة الأسرة من تاريخ الفراق- إلا أن المقصود واحد، وهما بذلك لم يخرجا عما اتفق عليه بين أئمة الفقه.

  ويمكن أن نجمل القول في أنه إذا تم العقد بين الطرفين وحصل التوثيق، لكن الاتصال لم يحدث لسبب من الأسباب التي بسطها الفقهاء أو فرضها الواقع، أو حصل وأمكن معه الإنجاب، إلا أن الولادة وقعت خارج أحد الأمدين، فإن الولد  لا ينسب للزوج أو المطلق أو المتوفى.


[1] – طالب باحث في السنة الثالثة من سلك الدكتوراة، بكاية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، سلا، تخصص التشريع؛ قضاياه ومناهجه.

[2] – المادة 154 من مدونة الأسرة.

[3] – الاحقاف ، الآية 14.

[4] – لقمان لآية. 13

[5] – شرح “تحفة الحكام” للعلامة ميارة الفاسي بهامشه حاشية سيدي الحسن بن رحال المعداني ج1، مطبعة الاستقامة بالقاهرة، ص257.

[6] – تنوير الحوالك شرح موطا مالك للسيوطي كتاب الحدود باب ماجاء في الرجم ج 3ط 1973 المكتبة الثقافية بيروث ص 43

[7] – بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني ج2، طبعة 2/1406هـ-1986م، بيروت لبنان، ص293.

[8] – النوادر والزيادات على ما في المدونة وغيرها من الأمهات لابن أبي زيد القيرواني / تحقيق عبد العزيز الدباغ، م5/ طبعة 1 -1999 دار الغرب الإسلامي: ص 345 -348-349.

[9] – النوازل الجديدة الكبرى”لسيدي أبي عيسى الوزاني، قابله وصححه عمر بن عباد، ج4، طبعة 1418/1997م، ص414.

[10] – “الذخيرة للقرافي” تحقيق محمد بوخبزة، ج11، طبعة 1، 1994م دار الغرب الإسلامي، ص324.

[11] – رواه البخاري في كتاب بدء الخلق باب خلق آدم وذريته، حديث رقم 3332.

[12] – حاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير مع تقريرات محمد عليش، ج2 مطبعة الأزهرية بمصر سنة 1353هـ/1934م، ص473.

[13] – الوسيط في المذهب لمحمد الغزالي، م5، طبعة 1/1417هـ/1997م، دار السلام، ص462

[14] – هداية الراغب لشرح عمدة الطالب لعثمان أحمد النجدي الحنبلي، تحقيق حسنين محمد مخلوف، دار البشير جدة، طبعة 2/1410-1989 ص493-501.

[15] – المحلى بالآثار لابن حزم، م10 تحقيق عبد الغفار سليمان البنداري، طبعة 1/1425هـ-2003: دار الكتب العلمية لبنان، ص131.

[16] – سيتم ذكر أقوال الفقهاء في ذلك في المطلب الثالث من هذا المبحث، والمتعلق ب”إمكانية الاتصال والانجاب”

[17] – أحكام المرأة الحامل في الشريعة الاسلامية ” ليحيى عبد الرحمن الخطيب، طبعة 1/1418هـ/1997م، دار النفائس، الاردن، دار البيارق، بيروت ص98-99.

[18] –  مؤرخ في 03/02/1987، ملف شرعي 5420 /85 قرار رقم 145، مجلة قضاء الأسرة، لجمعية نشر المعلومة القانونية والقضائية، عدد 4-5 (عدد مزدوج) /2006 توزيع دار القلم الرباط، ص284.

[19] – بتاريخ 23/11 /1993 ملف 99000، قانون الأسرة مدعم باجتهادات قضاء المحكمة العليا، للعيش فضيل، طبعة 2006، ديوان المطبوعات الجامعية الجزائر، ص40.

[20] المؤرخ في 9 مارس 2005، وحاليا محكمة النقض.

[21]  بتاريخ 13 أبريل 2005

[22] – المؤرخ بتاريخ 15 فبراير 2006

[23] – مدونة الأسرة في الاجتهاد القضائي، حصيلة ست سنوات من التطبيق العملي” للدكتور محمد الشافعي سلسلة البحوث القانونية 19، طبعة 1/2011، ص134.

[24] – بتاريخ 18 /01/2006 عدد43.

[25] – المنتقى من عمل القضاء في تطبيق مدونة الأسرة، لجمعية نشر المعلومة القانونية والقضائية، ج1، عدد 10 فبراير 2009 ص227.

[26] – صادر بتاريخ 13/04/2005، عدد 313

[27] – صادر بتاريخ 18/01/2006 تحت عدد 43

[28] – صادر بتاريخ 15/11/2006، تحت عدد 939

[29] – نفس المرجع ص  227 و228 و229.

[30] – المبسوط للسرخسي مجلد 3 جزء 6، طبعة  1406هـ 1986م، دار المعرفة بيروت لبنان، ص: 44 و45.

[31] –  شرح ميارة  الفاسي على الأرجوزة المسماة بتحفة الحكام لابن عاصم الغرناطي، وبهامشة حاشية المعداني ص257، ج1 طبع المطبعة العامرة الشرقية بمصر المحروسة المحمية سنة 1315هـ.

[32] – إحكام الأحكام على تحفة الحكام ” للشيخ محمد بن يوسف الكافي، طبعة 3/1393هـ-1973م. دار الفكر ص134.

[33] – النوادر والزيادات ” لابن أبي زيد القيرواني، ص347 و348.

[34] – النوازل الجديدة الكبرى أو  المعيار الجديد، لسيدي الوزاني ج4 ص416.

[35] – بداية المجتهد لابن رشد، وثق نصوصه وحقق أصوله وخرج أحاديثه طه عبد الرؤوف سعد، الطبعة 1، 1409 هـ/1989م، دار الجيل بيروت2/573.

[36] – المحلى، لابن حزم، نفس الجزء ص 132.

[37] هداية الراغب  لشرح عمدة الطالب، لعثمان أحمد النجدي الحنبلي، ص501

[38]  المعونة للقاضي عبد الوهاب البغدادي، تحقيق ودراسة لحميش عبد الحق ج2 طبعة 1415هـ/1995م. دار الفكر بيروت ص 923.

[39] – أخرجه الدارقطني في سننه كتاب النكاح، حديث، رقم 279، ج3 ص 322.

[40] – هو عبد الواحد بن أبي البداح بن عاصم بن عدي الأنصاري العجلان- احد بني العجلان- من أهل المدينة،(المعونة ص 924 .

[41] – المعونة، للبغدادي ص 924.

[42] – الاحقاف/15

[43] –  سورة البقرة الآية 233

[44] – المحلى لابن حزم الجزء 10 /132.

[45] – المحلى لابن حزم 10/132.

[46] – بداية المجتهد لابن رشد 2/573.

[47] -أحكام المرأة الحامل في الشريعة الإسلامية، ليحيى عبد الرحمن الخطيب، ص105-106 و107.

[48] –  الوسيط في قانون الأحوال الشخصية للكشبور، طبعة 4/1419هـ/1999م، ص408 و409.

[49] –  بتاريخ 19/05/1998 ملف رقم 193825، قانون الأسرة مدعم باجتهادات قضاء المحكمة العليا ص43.

[50] – بتاريخ 20/12/2005 الملف عدد 1/258/2004،المنتقى من عمل القضاء في تطبيق مدونة الأسرة ص 238.

[51] – أحكام المرأة الحامل في الشريعة الإسلامية، ليحيى عبد الرحمن الخطيب، ص 109.

[52] – تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق للزيلعي، ج3، طبعة 2، دار الكتاب الاسلامي، ص39.

[53] –  رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين، دراسة وتحقيق  الشيخ عادل عبد الموجود والشيخ علي محمد معوض، دار الكتب العلمية بيروت الطبعة 1، 1994م /1415هـ، ج5/152.

[54] – زاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم حققه وخرج أحاديثه شعيب الأرنؤوط وعبد القادر الأرنؤوط، الطبعة 2، 1401هـ/1981م، ج5 ص 415/ بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد، ط1 ، 1409 هـ/1989م، مكتبة دار الجيل بيروت ومكتبة الكليات الأزهرية، مصر ج2ص198.

[55] – التمهيد، تحقيق محمد الفلاح، الطبعة 2، 1402هـ/1982م، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية للمملكة المغربية 8/183.

[56] مختصر خليل في فقه الإمام مالك طبعة 1964م مكتبة عباس عبد السلام بن شقرون بمصر ص139.

[57] –  الشرح الصغير على أقرب المسالك لأحمد الدردير، خرج أحاديثه وفهرسه وقرر عليه مصطفى كمال وصفي، دار المعارف2/661.

[58] -النوادر والزيادات لابن أبي زيد م5 ص348و349

[59] – المعيار المعرب والجامع المغرب لابن يحيى الونشريسي، خرجه جماعة من الفقهاء بإشراف الدكتور محمد حجي، طبعة 1401هـ/1981م نشر وزارة الاوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب ص72 و73.

[60] – مغني المحتاج للشربيني 5/77

[61] – الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي جزء9 صححه وحققه محمد حامد الفقي، الطبعة 1، 1377هـ/1957 م دار إحياء التراث العربي ص/260و261و262

[62] – مختصر خليل باب “المجنون محجور للإفاقة والصبي لبلوغه”، صححه وعلق عليه الشيخ الطاهر احمد الزاوي الطبعة 2، 2004 دار المدار الاسلامي.ص 178.

[63] – رد المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار لابن عابدين ج5/111

[64] – المجموع للنووي، دار الفكر  17/399

[65] – الإنصاف للمرداوي ص 260.

[66] – الفقه الماكي في ثوبه الجديد للدكتور محمد بشير الشقفة، كتاب النكاح ج3ص465.

[67] – المبسوط السرخسي 17/155و 162.

[68] – شرح العلامة ميارة الفاسي على الأرجوزة المسماة بتحفة الحكام لابن عاصم، ج1 ص248.

[69] – المعيار المعرب للونشريسي خرجه جماعة من الفقهاء بإشراف الدكتور محمد حجي، نشر وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية للمملكة المغربية، 1401هـ، 1981م. ج4، ص516.

[70] – الوسيط في المذهب لمحمد الغزالي، مجلد 5 ص462.

[71] – هداية الراغب لعثمان أحمد النجدي الحنبلي ص 493 و501.

[72] – نفس المرجع ص 503.

[73] – زاد المعاد لابن القيم، ط 1401هـ/1981م، مؤسسة الرسالة مكتبة المنار الاسلامية، ج5 ص 415.

[74] – انظر القرار في المطلب الأول الحد الأدنى لمدة الحمل في فقرته المتعلقة بموقف القانون.

[75] – قرار صادر بتاريخ 16/04/2005 تحت عدد 313، المنتقى من عمل القضاء في تطبيق مدونة الأسرة عدد  10 فبراير 2009، ص 229.

[76] – البنوة والنسب في مدونة الأسرة للكشبور ص99

[77] – صدر بتاريخ 27/09/2006 تحت عدد 554 ” المنتقى من عمل القضاء في تطبيق مدونة الأسرة” عدد 10 فبراير 2009 ص 229 و230.

[78] –  بتاريخ 7/4/2005 الملف عدد 04/1327 المنتقى من عمل القضاء في تطبيق مدونة الأسرة  ج1 عدد 10 فبراير 2009 ص261.

[79] – صادر بتاريخ 04/12/2007 ملف عدد 154/07- المنتقى من عمل القضاء في تطبيق مدونة الأسرة نفس العدد والسنة  ج1،ص 241.

[80] –  صادر بتاريخ 24/03/2008 ملف عدد 311/07. نفس المرجع  ص 252

[81] – عدد 104 بتاريخ 15/02/2006 نفس المرجع ص230-231

[82] – الملف الشرعي عدد 423/2004 الصادر بتاريخ 12/5/2005.

[83] – الملف الشرعي عدد 2699/2006 الصادر بتاريخ 21/09/2006.

[84] – الملف عدد 661/8/2005 الصادر بتاريخ 21/2/2006.

[85] – مجلة محاكم مراكش نفس العدد والمقال، ص 77و78و79و80 (بتصرف).

[86] – القرار الصادر بتاريخ 18/01/2006 (انظر المطلب المتعلق ب” أقل مدة الحمل” عند دراسة المادة 154 في الفصل الأول)

[87] –   حكم المحكمة الابتدائية بأكادير صادر بتاريخ 17/14/2005 ملف عدد 1327/04، جاء فيه: “حيث إنه من شروط إثبات النسب بالفراش أن يولد لستة أشهر من تاريخ العقد وأقصاها سنة من تاريخ الفراق…” . “المنتقى من عمل القضاء في تطبيق مدونة الأسرة” ، ص 260.

وقرار محكمة الاستئناف بالجديدة صادر بتاريخ 20 دجنبر 2005 (غير منشور). “مدونة الأسرة في الاجتهاد القضائي” للدكتور محمد الشافعي . ص135. و”المنتقى من عمل القضاء في تطبيق مدونة الأسرة” لجمعية نشر المعلومة القانونية والقضائية ص238.

[88] – قرار صادر بتاريخ 19 /05/1998 ملف رقم 193825. انظر نص القرار في المطلب الثاني من دراسة المادة 154 دراسة تحليلية في الفقرة المتعلقة بموقف القانون.

[89] –  قرار صادر عن الغرفة الاجتماعية بالمجلس الأعلى بتاريخ 2 ذو القعدة 1391هـ” البنوة والنسب في مدونة الأسرة” للكشبور ص 91.

[90] –  صادر بتاريخ 20/12/2005،”المنتقى” ص 238/  ” مدونة الاسرة في الاجتهاد القضائي” للشافعي ص 135.

[91] – قرار صادر بتاريخ 23/11/1993 ملف  99000، ” قانون الأسرة مدعم باجتهادات قضاء المحكمة العليا ” للعيش فضيل. ص 40.

[92] – قرار صادر بتاريخ 13/04/2005 تحت عدد 313. المنتقى من عمل القضاء في تطبيق مدونة الأسرة، العدد 10 فبراير 2009. ص 229.

[93] – قرار صادر بتاريخ 15/11/2006 تحت عدد 939، نفس المرجع ص 227.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading