د. محمد شهبون
المحامي بهيئة بني ملال
مقدمة:
بتاريخ 2012.03.05 دخل القانون رقم 10/42 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.151 بتاريخ 2011.08.07 المتعلق بقضاء القرب حيز التنفيذ.
قضاء القرب الذي حل محل قضاء حكام الجماعات والمقاطعات الذي مر علي العمل به قرابة أربعة عقود. وكان محل انتقاد من طرف جميع الفعاليات الحقوقية وكذا جمعية هيئات المحامين بالمغرب باعتباره قضاءا غير مستقل وخاضعا للسلطة التنفيذية التي تشرف علي انتخاب حكام الجماعات والمقاطعات الذين لا يشترط فيهم أي تكوين قانوني.
لكن هناك عدة تساؤلات حول مدي نجاعة هذا النوع من القضاء ؟ وكيف يمكن تحقيق الغرض المتوخي منه؟ وماذا أعدت وزارة العدل لهذا القضاء من إمكانيات مادية وبشرية لتحقيق أهدافه المتمثلة في سرعة البت والتنقل إلي بعض الجماعات البعيدة عن المدينة لعقد جلسات تنقلية.
وللإحاطة بهذا الموضوع لابد من تناوله من خلال النقط التالية:
أولا: الاختصاص المكاني (الترابي) :
القانون الجديد ينص علي إحداث أقسام قضاء القرب داخل مراكز القضاة المقيمين وداخل المحاكم الابتدائية تطبيقا للمادة الأولي من قانون رقم 42.10.
وبناء عليه فإن الاختصاص الترابي يوزع علي الشكل التالي:
1- أقسام قضاء القرب بالمحاكم الابتدائية، يشمل اختصاصها الترابي الجماعات المحلية الواقعة بالدائرة الترابية لهذه المحاكم.
2-أقسام قضاء القرب بمركز القضاة المقيمين، ويشمل اختصاصها الترابي الجماعات المحلية الواقعة بالدائرة الترابية لمراكز القاضي المقيم.
3-إمكانية عقد جلسات تنقلية بإحدى الجماعات الواقعة بدائرة النفوذ الترابي لقسم قضاء القرب وخاصة الجماعات البعيدة عن المحاكم الابتدائية أو مراكز القضاة المقيمين.
ثانيا: الاختصاص النوعي:
1)في القضايا المدنية
يختص قضاء القرب بالنظر في النزاعات المتعلقة بالدعاوي الشخصية والمنقولة التي لا تتجاوز قيمتها خمسة ألاف درهم، ولا يختص بالبت في النزاعات المتعلقة بمدونة الأسرة والعقار والقضايا الاجتماعية والإفراغ.
وهنا يثار التساؤل حول دعاوي مراجعة السومة الكرائية، هل تدخل ضمن اختصاص قضاء القرب ما دام المشرع يتحدث في الفقرة الثانية عن الإفراغات ولم يستثن دعاوي مراجعة السومة الكرانية ؟ أم أن المشرع لم يهتم بالأمر لأن محاكم الجماعات والمقاطعات الملغاة لم تكن تنظر في دعاوي مراجعة السومة الكرانية وبالتالي ، بمفهوم القياس فأن قضاء القرب ليس من اختصاصه البت في هذا الدعاوي..
وكما أن الفقرة الثانية من المادة 10 من قانون قضاء القرب رقم10-42 تنص علي أن المدعي عليه إذا تقدم بطلب مقابل فإن قيمة الطلب لا تضاف إلي الطلب الأصلي ويبقي قاضي القرب مختصا للبت في الطلب الأصلي والمقابل ما دام موضوع الطلب لم يتجاوز مبلغ 5000 درهم.
وفي حالة ما إذا تجاوز الطلب المقابل مبلغ خمسة ألاف درهم فإنه يحال علي من له حق النظر أي المحكمة الابتدائية.
والملاحظ أن صيغة الفقرة الرابعة من الفصل 10 جاءت غامضة حينما نصت في آخر الفقرة بإحالة صاحب الطلب علي من له حق النظر << وفي حالة ما إذا تجاوز الطلب المقابل الاختصاص ألقيمي لقضاء القرب أحيل صاحبه علي من له حق النظر>>.
وهنا لا نعرف قصد المشرع، هل قاضي القرب حينما يدلي المدعي عليه بمقال مقابل متجاوز مبلغ خمسة ألاف درهم أو تضمن بعض الطلبات التي لا تدخل ضمن اختصاص قاضي القرب، يضم المقال المقابل للملف وبعد إدراجه في التأمل يبت في الطلب الأصلي، ويحيل المدعي عليه صاحب المقال المقابل علي من له حق النظر، أم أن قاضي القرب حينما يدلي له بالمقال المقابل الذي يتجاوز موضوعه اختصاصه يتم رده (المقال المقابل) إلي المدعي عليه الذي أدلي به، ويشعره بالجلسة بأن قضاء القرب مختص للبت في طلبه.
2)في قضايا المخالفات:
أ-اختصاص قضاء القرب في المخالفات المرتكبة من طرف الرشداء والتي يتجاوز عقوبتها 1200 درهمفي حدها الأقصى:
يختص قضاء القرب إلي جانب القضايا المدنية المشار إليها أعلاه بالبت في المخالفات المرتكبة من طرف الرشداء داخل الدائرة التي يشملها اختصاصه الترابي أو التي يقيم بها مرتكب المخالفة علي أن لا يتجاوز الحد الأقصى العقوبة المقررة للمخالفة غرامة 1200 درهم.
وبناء علي ذلك فإن المشرع أورد في الفصول من 15 إلي 18 من قانون قضاء القرب رقم 10-42 المخالفات التي يختص بالبت فيها.
الملاحظ أن هذه العقوبة المقررة لهذه المخالفات محددة في الحد الأدنى الذي هو 200 درهم والحد الأقصى الذي هو 1200 درهم.
والملاحظ أن المخالفات المرتكبة من طرف الأحداث ولو كانت ضمن الحالات المشار إليها في الفصول 15 إلي18 فإن قضاء القرب غير مختص بالبت فيها.
ومن هذا يتضح أن اختصاص قضاء القرب للبت في المخالفات مرهون بتوافر شرطين أولهما أن يكون المخالف راشد وثانيهما أن تكون المخالفة مشار إليها في الفصول من 15 إلي 18 من القانون المذكور، وأن معيار هذه المخالفات هو عدم تجاوز الحد الأقصى للعقوبة هو 1200 درهم.
ب-تحريك المتابعة:
لقد أشار الفصل 19 من نفس القانون علي أن النيابة العامة هي التي تحرك الدعوي العمومية وتحيل علي قاضي القرب المحاضر المنجزة من طرف الشرطة القضائية أو الأعوان المكلفين بإنجازها، بعد الانتهاء من دراسة هذه المحاضر وتكييف الأفعال باعتبارها مخالفات تدخل ضمن اختصاص قضاء القرب.
والملاحظ أن قاضي القرب غير ملزم بتكييف النيابة العامة، إذا ظهر له أن المخالفة لا تدخل ضمن اختصاصه فإنه يقضي بعدم الاختصاص ويحيل القضية علي النيابة العامة تطبيقا للفصل 20 من القانون المذكور أعلاه.
ت-إمكانية المتضرر من المخالفة الانتصاب طرفا مدنيا أمام قضاء القرب:
والملاحظ أن قانون قضاء القرب تدارك الغموض الذي كان يعتري قانون محاكم الجماعات والمقاطعات حول إمكانية المتضرر تنصيب نفسه طرفا مدنيا أمام هذا القضاء.
فإن القانون الجديد نص صراحة في الفصل 20 منه علي إمكانية المتضرر تنصيب نفسه طرفا مدنيا أمام قضاء القرب، وبالتالي أصبح هذا القضاء مختص بالبت في الدعوي المدنية إلي جانب الدعوي العمومية.
مع مراعاة مقتضيات المادة 10 من القانون المذكور بخصوص موضوع التعويض الذي يجب أن لا يتجاوز مبلغ ألاف درهم.
ثالثا: تأليف محكمة قضاء القرب:
تتألف محكمة قضاء القرب من قاضي أو أكثر وأعوان لكتابة الضبط أو الكتابة وتعقد جلساتها بقاض منفرد وبمساعدة كاتب الضبط وبدون حضور النيابة العامة سواء في القضايا المدنية أو المخالفات بالرغم من تحريك المتابعة من طرفها في قضايا المخالفات.
والملاحظ أن قضاء القرب يتشكل من قضاة متخرجين من المعهد العالي للقضاء وخاضعين للقانون الأساسي لرجال القضاء والمنتظر تعديله بعد صدور الدستور الجديد.
رابعا: المسطرة أمام محاكم قضاء القرب:
تتميز المسطرة أمام قضاء القرب بما يلي:
1-شفوية التقاضي أي أن الأصل في التقاضي أمام هذا المحكمة يكون شفويا، أي يتم رفع الدعوي من طرف المدعي بمقتضي تصريح شفوي يتلقاه كاتب الضبط ويدونه في محضر يتضمن الموضوع والأسباب المثارة ويوقعه الطالب.
ويمكن رفع الدعوي أيضا بمقال مكتوب، أي أن المشرع خير المتقاضي أمام هذه المحكمة برفع الدعوي بواسطة مقال مكتوب أو بمقتضي تصريح شفوي.
ويعرض مضمون المقال علي المدعي عليه إذا كان حاضرا.
وأن لم يكن حاضرا تبلغ له نسخة من مقال المدعي أو من المحضر مع استدعائه لجلسة لا يتجاوز تاريخها ثمانية أيام.
2-مجانية التقاضي والإعفاء من أداء الرسم القضائي
التقاضي أمام هذا القضاء يكون مجانيا لأن المدعي بمقتضي المقال الأصلي أو المدعي عليه بمقتضي المقال المقابل لا يؤد أي واحد منهما الرسوم القضائية علي هذا المقال وبعد صدور الحكم فإنه لا يؤدي الرسوم القضائية المتعلقة بتبليغ وتنفيذ الحكم.
والملاحظ أن المشرع لم يعف المتقاضي أمام قضاء القرب من أداء أجرة المفوض القضائي إذا اختار إجراءات الاستدعاء والتبليغ والتنفيذ بواسطة المفوض القضائي. كما أنه استبعد التبليغ عن طريق أعوان التبليغ بكتابة الضبط وأبقي علي التبليغ بواسطة السلطة المحلية.
3- علنية الجلسات:
تكون جلسات قضاء الأسرة علنية سواء تعلق الأمر بمناقشة الدعوي أو صدور الحكم.
4-وجوب محاولة إجراء الصلح بين الطرفين:
بمقتضي المادة 12 من قانون قضاء القرب أصبح القاضي ملزما بإجراء محاولة الصلح بين الطرفين قبل إصدار الأحكام مع تسجيل ذلك بمحضر الجلسة، وأنه لا يمكن للقاضي البت في القضية إلا بعد فشل محاولة الصلح مع تضمين ذلك بمحضر الجلسة تحت طائلة إلغاء الحكم.
5-صدور الأحكام بصيغة باسم جلالة الملك:
الملاحظ أن المادة 7 من قانون رقم 10/42 المتعلق بقضاء القرب لم يكن منسجما مع مقتضيات الفصل 123 من الدستور الذي ينص علي ما يلي:<<تصدر الأحكام وتنفذ باسم الملك وطبقا للقانون.
وأن المادة 7 من قانون قضاء القرب أسقط صيغة وطبقا للقانون المشار إليها في الفصل 123 من الدستور، كما تم إسقاطها في الفصل 5 من قانون المسطرة المدنية.
وهنا يثور التساؤل حول مصير أحكام قضاء القرب التي لا تحمل الصيغة الكاملة المشار إليها في الفصل 123 من الدستور ؟ هل يمكن المطالبة ببطلانها لمخالفتها مقتضيات الفصل 123 من الدستور ؟.
مع العلم أن هذه الحالة لم ترد ضمن حالات الإلغاء المشار إليها في المادة 9 من قانون قضاء القرب.
6- النطق بالأحكام وهي محررة:
لقد نصت الفقرة الثانية من المادة 7 من قانون قضاء القرب علي أنه يتعين علي قضاة القرب النطق بالأحكام وهي محررة.
7-نهائية الأحكام وعدم قابليتها لأي طعن عادي أو استثنائي.
نصت المادة 13 من القانون المذكور أعلاه علي أن الأحكام الصادرة عن قضاء القرب تكون نهائية. ولا تقبل أي طعن عادي كالتعرض أو الاستئناف أو طعن استثنائي كإعادة النظر أو التعرض الخارج عن الخصومة أو النقض.
8-سرعة البث في قضايا القرب وتحديد أجل النظر فيها في موضوعها داخل 30 يوما.
من مميزات قضاء القرب أنه يتعين علي القاضي النظر في موضوع القضية داخل أجل 30 يوما. والملاحظ أن المادة 13 من القانون المذكور لم تشر إلي بداية سريان أجل الشهر هل يبتدئ من تاريخ تسجيل الدعوى بالمحكمة, أم من تاريخ تعيين أول جلسة أو من تاريخ اعتبار القضية جاهزة للبت فيها؟ والملاحظ أن بعض القضايا قد تستغرق أكثر من شهر لتعذر تبليغ المدعي عليه وخاصة في المناطق النائية البعيدة عن المراكز أو المدن، وخاصة في فصل الشتاء حيث يكون بعض ساكنة الجبال محاصرة بالثلوج وبذلك يكون مصير 30 يوما للبت في القضية هو نفس مصير ثلاثين يوما للبت في قضايا النفقة المنصوص عليه في الفقرة الثامنة من المادة 190 من مدونة الأسرة.
خامسا: الطعن في أحكام قضاء القرب عن طريق طلب إلغاءها أمام السيد رئيس المحكمة الابتدائية داخل أجل ثمانية أيام من تاريخ تبليغ الحكم:
إذا كان قانون قضاء القرب اعتبر الأحكام الصادرة عنه نهائية لا تقبل أي طعن عادي أو استثنائي إلا أنه خول للأطراف إمكانية طلب إلغاء الأحكام الصادرة عن هذا القضاء إذا توافرت إحدى الحالات المشار إليها في المادة 9 وهي كالتالي:
1-إذا لم يحترم قضاء القرب اختصاصه النوعي، كالبت في نزاع موضوعه إرجاع الحالة إلي ما كانت عليه أو كان موضوع الطلب يفوق خمسة آلاف درهم، أو كانت المخالفة المرتكبة من طرف المخالف عقوبتها الحبس أو غرامة يتجاوز حدها الأقصى 1200 درهم.
والملاحظ أن المشرع لم يشر في هذه المادة إلي حالة عدم احترام قاضي القرب اختصاصه الترابي كما لو كان النزاع خاضعا لقضاء القرب بالمحكمة الابتدائية بني ملال في حين أن المدعي رفع الدعوى أمام قضاء القرب بالمحكمة الابتدائية بتادلة، وأصدرت هذه المحكمة حكمها بالرغم من عدم اختصاصها الترابي، وأن المدعي عليه لم يثر هذا الدفع أثناء الجلسة.
ومن خلال هذا النص فإن السيد رئيس المحكمة الابتدائية ليس من حقه إلغاء حكم قاضي القرب في حالة عدم احترامه اختصاصه الترابي.
2-إذا لم يجر قاضي القرب محاولة الصلح بين الطرفين. ولم يضمن هذه المحاولة في محضر الجلسة.
3-إذا بت فيما يطلب منه، أو حكم بأكثر مما طلب أو أغفل البت في إحدى الطلبات.
4-إذا بت رغم أن أحد الأطراف قد جرح في القاضي طبقا للفصل 295 من قانون المسطرة المدنية.
5-إذا بت دون أن يتحقق من هوية الأطراف.
6- إذا حكم علي المدعي عليه أو المتهم دون أن يكون له الحجة علي أنه توصل بالتبليغ أو الاستدعاء.
7-إذا وجد تناقض بين أجزاء نفس.
8-إذا وقع تدليس أثناء تحقيق الدعوي.
والملاحظ أن الحكم الذي يصدره رئيس المحكمة الابتدائية سواء بإلغاء الحكم الصادر عن قاضي القرب لأحد الأسباب المشار إليها أعلاه أو رفض طلب الإلغاء المقدم من أحد الطرفين، فهو حكم نهائي لا يقبل أي طعن عادي أو استثنائي استنادا للفقرة الأخيرة من المادة 9 من قانون قضاء القرب.
وهنا يثار التساؤل هل بإمكان رئيس المحكمة إلغاء الحكم الصادر عن قاضي القرب والحكم بإرجاعه إليه للبت فيه طبقا للقانون ؟.
للجواب علي هذا التساؤل هناك اتجاهان:
الاتجاه الأول: يري أنه ليس هناك في قانون المسطرة المدنية أو الجنائية أو قانون قضاء القرب ما يمنع السيد رئيس المحكمة الابتدائية من إلغاء الحكم الصادر عن القرب وإرجاعه إليه للبت فيه طبقا للقانون في بعض الحالات المشار إليها في المادة 9 وخاصة.
-إذا لم يجر قاضي القرب محاولة الصلح.
-إذا بت فيما لم يطلب منه أو حكم بأكثر بما طلب، أو أغفل البت في أحد الطلبات.
إذا بت دون أن يتحقق مسبقا من هوية الأطراف.
-إذا حكم علي المدعي عليه أو المخالف دون أن يكون له الحجة علي توصله بالاستدعاء.
الاتجاه الثاني: يذهب إلي أن قاضي القرب لا يمكنه إذا توافرت إحدى الحالات المشار إليها في المادة 9 إلا إصدار حكمه بإلغاء ذلك الحكم أو رفض طلب الإلغاء. وليس له الصلاحية لإلغاء وإرجاعه إلي قاضي القرب مصدره للبت فيه طبقا للقانون وذلك لأن النص واضح ولو أراد المشرع تمكينه من هذه الصلاحية لنص علي ذلك صراحة.
وان السيد رئيس المحكمة الابتدائية إذا اصدر الحكم بإلغاء وإرجاعه إلي قاضي القرب للبت فيه طبقا للقانون يكون قد تجاوز اختصاصه طبقا للمادة 9 من القانون.
خاتمة:
إن قضاء القرب وإن كان المشرع توخي منه تقريب القضاء من المتقاضين وتطوير مستوي الأداء القضائي، وإحداث جهة قضائية مؤهلة لمعالجة المنازعات والمخالفات البسيطة وفق مسطرة مبسطة.
فإن نجاعته تقتضي توفير الموارد البشرية واللوجستيكية اللازمة لضمان حسن سير هذا المرفق وإعداد السجلات والملفات الخاصة بقضاء القرب وتوفير الظروف الملائمة لتمكين قضاء القرب من التنقل إلي الجماعات البعيدة عن المحاكم الابتدائية ومراكز القاضي المقيم من أجل عقد الجلسات التنقلية مع إعداد جدول زمني لانعقاد هذه الجلسات التقلية، علي أن تكون معلومة بمكان وتاريخ انعقادها حتى لا يشعر السكان الذين يتقاضون لدي حاكم المقاطعة أو الجماعة المتواجد معهم في الجماعة أو المقاطعة بأنهم فقدوا مرفقا قضائيا قريبا منهم لحل كل مشاكلهم البسيطة ويتحول قضاء القرب إلي قضاء البعد.
إن عدم عقد جلسات تنقلية في الأماكن البعيدة عن المحاكم الابتدائية أو مراكز القاضي المقيم واضطرار المتقاضين إلي التنقل عبر مسافات بعيدة للوصول إلي مركز القاضي المقيم أو المحكمة الابتدائية لرفع دعوي في إطار قضاء القرب سيفقد هذا الأخير أهم أهدافه وهو تقريب القضاء من المواطن.
وإذا كان المشرع يهدف من خلال هذا القضاء خدمة المواطن وتقريب مرفق القضاء إليه. فإنه يتعين علي المشرع أيضا وانسجاما مع هدفه المذكور أن يسير في خطوة ثانية والمتمثلة في إحداث غرفة إدارية وتجارية ومالية علي مستوي الدائرة الاستئنافية لكل محكمة.
وهو المطلب الذي سبق أن تقدم به مجلس هيئة المحامين بني ملال إلي وزارة العدل لأن لا يعقل أن يتقاضي مواطن يسكن في إقليم بني ملال أمام المحكمة التجارية بمراكش ابتدائيا واستئنافيا إذا تعلق الأمر بنزاع تجاري، وحينما يتعلق الأمر بنزاع إداري يجب عليه أن ينتقل إلي مدينة الدار البيضاء للتقاضي أمام المحكمة الإدارية ابتدائيا واستئنافيا، وإذا تعلق الأمر بقضية جنائية تضم طرفا عسكريا وجب عليه أن ينتقل إلي الرباط حيث تتواجد المحكمة العسكرية الدائمة.
إن تحقيق مبدأ القضاء في خدمة المواطن يقتضي البت في القضايا بأحكام توصلهم إلي حقهم في وقت وجيز دون البحث عن وسائل غير مشروعة للوصول إلي هذا الحق، وذلك تكريسا لمقتضيات الفصل 117 من الدستور الذي ينص علي أن القاضي يتولي حماية حقوق الأشخاص والجماعات وحرياتهم وأمنهم القضائي وتطبيق القانون.
ولا بد من الإشارة أنه في الوقت الذي يطالب فيه المحامون من خلال ندواتهم ومؤتمراتهم توسيع مهام المحامي واحتكار المهنة وإلزامية تنصيب الدفاع في جميع القضايا وكذا إلزام الدولة والمؤسسات العمومية بتنصيب محام تلاحظ أن قانون قضاء القرب يكرس عدم إلزامية المحامي في هذه القضايا ويؤكد ذلك في المادة 11 منه حيث ينص علي ما يلي<< ترفع الدعوي إلي قاضي القرب إما بمقال مكتوب أو بتصريح شفوي يتلقاه كاتب الضبط ويدونه في محضر يتضمن الموضوع والأسباب المثارة، وفق نموذج يعد لهذه الغاية ويوقعه معه الطالب….>>


