Istisna contract in participatory banks : a reading of controls and risks

?الباحث : شيبى سعيد

Researcher: Chibi Saeed

باحث بسلك الدكتوراه في القانون الخاصكلية العلوم القانونية الاقتصادية و الاجتماعية  ـ

جامعة سيدي محمد بن عبد الله  فاس .

PhD researcher in private law, Faculty of Economic and Social Legal Sciences – University of Sidi Mohamed bin Abdullah Fez.

               ملخص

       يعتبر عقد الاستصناع يعتبر من احد الصيغ التمويل في البنوك التشاركية المغربية التي لا زالت لم تبدأ التعامل به ، ذلك يرجع لدرجات المخاطر المتنوعة و الإشكاليات المختلفة التي يطرحها. يعرف تاريخيا أن عقد الاستصناع  ليس عقد حديث النشأة_، بل هو عقد قديم، تعارف الناس عليه على مر العصور. ونحن في عصر الحاضر من منا لا يتعامل بعقد الاستصناع بصوره البسيطة و المركبة. إنه حقا عقد ضارب في مناحي الحياة. إلا أن التشريعات الحديثة أتاحت للبنوك الإسلامية التمويل بعقد الاستصناع الأنشطة و العمليات التي تندرج ضمن خدماتها نظرا لإيجابياته الكثيرة على الفرد و المؤسسات و الشركات و المجتمع في نهاية المطاف .و في هذا الصدد تطرح هذا العقد العديد من التساؤلات ترتبط أساسا بالضوابط و المخاطر التمويل بعقد الاستصناع  في مجال المعاملات البنكية .

Summary                                                                                                                                                                                           

The Istisna contract is considered on of the financing formulas in the Moroccan participatory banks that have not yet started dealing with it ,due to the various degrees of risks and the different problems it poses . Historically it is known that the Istisna contract is not a newly established contract,but rather and old contract,which people have become acquainted with throughout the ages.  Inthe present era, who among us does not deal with the istisna contract in its simple and complex forms It really is a hit decade in the walks of life. However modern legislation has allowed Islamic banks to finance the Istisna a contract, the activities and operations that fall within their services due to its many positives on the individual, institutions, companies and society in the end. In this regard, this contract raises many questions related mainly to the controls and risks of financing with the Istisna contract in the field of banking transactions.   

مقدمة

 يعد الاستثمار من أبرز القضايا التي تطرح اليوم على الساحة الاقتصادية، باعتباره ضرورة ملحة للنهوض بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بالبلاد، وفي هذا السياق تلعب مؤسسات الائتمان والهيئات المعتبرة في حكمها دورا أساسيا في الاقتصاد المغربي.

وتدل الإصلاحات القانونية والتنظيمية التي عرفها القطاع البنكي والمالي في السنوات الأخيرة على إرادة واضحة للمشرع المغربي نحو فتح مقاربة مالية وتشريعية جديدة تسمح بالمساهمة في توسيع مصادر التمويل لتشمل بذلك إدخال البنوك التشاركية التي تحتوي على أساليب تمويلية متعددة ومتنوعة لتلبية حاجيات الأفراد والمؤسسات والشركات والمستثمرين والمنتجين والصناع الحرفيين ومختلف فئات المجتمع بعطاء، شرعي يستند إلى مبادئ الشريعة الإسلامية.

وعقد الاستصناع يعتبر من احد الصيغ التمويل في البنوك التشاركية إلى جانب صيغة المرابحة والمشاركة والمضاربة والإجارة والسلم، وقد عرفه المشرع المغربي في القانون رقم 12- 103 المتعلق بمؤسسات الائتمان والهيئات المعتبرة في حكمها في المادة 58 بأنه : كل عقد يشترى به شيء مما يصنع يلتزم بموجبه أحد المتعاقدين البنك التشاركي أو العميل بتسليم مصنوع بمواد من عنده، بأوصاف معينة يتفق عليها وبثمن محدد يدفع من طرف المستصنع حسب الكيفية المتفق عليها بين الطرفين[1].

وعقد الاستصناع ليس حديث النشأة، بل هو عقد قديم، تعارف الناس عليه قبل الإسلام، وذلك لأن الحاجة إليه ارتبطت بأسباب طبيعية وموضوعية، وهذه الأسباب إذا نظرنا إليها نجدها تنطبق على جميع العقود بوجه عام، فإن كل عقد إنما وجد لتحقيق غاية اشتدت حاجة الأفراد والمجتمع إليها.

نتيجة لذلك اكتسى الاستصناع على مر العصور أهمية خاصة تمييزه عن باقي المهن والحرف، وقد أثبت التاريخ أن الصناعة كانت موجودة في جميع الحضارات، وقد أولها الإسلام أو الشريعة الإسلامية عناية كبرى في كثير من آيات القرآن الكريم وأحاديث النبوية الشريفة حيث يقول سبحانه وتعالى في سورة الأنبياء “وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم  فهل أنتم شاكرون”[2]، كما أن الرسول الله صلى الله عليه وسلم قال : “ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده.[3]ونحن في عصرنا الحاضر من منا لم يتعامل بعقد الاستصناع بصوره المتعددة. وبالتالي إدراجه من طرف البنوك التشاركية ليس صدفة بل نظرا ما سيحققه هذا العقد من أثار إيجابية سواء للأفراد من خلال توفير لهم مناصب الشغل والخدمات وتطوير صناعاتهم و منتجاتهم  أو لشركات و المقاولات أيضا من خلال تحريك رؤوس أموال من جهة إلى جهة أخرى مما سينعكس على حركة الاقتصاد عامة وكدا ربط بين مختلف الصناعات والحرف و المهن الوطنية و المحلية وإسهام في التقدم العلمي للصناعة في مختلف مجالات و الروافد المجتمع .

وهذا ما دفع بعض الباحثين إلى إنجاز الدراسات والبحوث في الموضوع عقد الاستصناع من خلال إبراز أحكامه وصوره وإشكالاته التي  تحكم عملية التمويل في المجال المعاملات ، ومن هذا المنطلق جاءت فكرة دراسة ضوابط عقد الاستصناع ومخاطره  لتوضيح و لتسليط الضوء عليه من هدا الجانب وبالتالي فإن الإشكالية الرئيسية التي تبرز في هذا الموضوع هي كالتالي: ما مدى إمكانية البنوك التشاركية مراعاة ضوابط ومخاطر التمويل بعقد الاستصناع في مجال المعاملات المالية ؟ .

للإجابة على هذه الإشكالية سأتطرق في (المبحث الأول) لضوابط الواجب مراعاتها في التمويل بعقد الاستصناع وفي (المبحث الثاني) سأتعرض لتوضيح بعض المخاطر التي قد تواجه البنوك التشاركية عند التعامل بعقد الاستصناع .

المبحث الأول : الضوابط التمويل بعقد الاستصناع في البنوك التشاركية

من أجل تمويل بعقد الاستصناع بشكل فعال وحيوي ينسجم مع طبيعة البنوك التشاركية، وتحقيق الغاية منه في تمويل حوائج الناس وأصحاب المشاريع في مختلف مجالات الصناعة، فإنه يجب أن يخضع لمجموعة من الضوابط التي حددها الفقهاء، والتي تعتبر بمثابة أسس التي يقوم عليها هذا العقد، يمكن تقسيم هذه الضوابط إلى ضوابط شرعية (المطلب الأول) وضوابط فنية (المطلب الثاني).

المطلب الأول : الضوابط المستنبطة من الفقه الإسلامي

لكي يكون تطبيق عقد الاستصناع محقق في تمويل أصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة والكبيرة في مجال الصناعة والتجارة والحرف، فإنه يجب أن يخضع لمجموعة من الضوابط والشروط الشرعية التي وضعها الفقهاء لأنشطة والعمليات الاستثمارية كيفما كانت طبيعتها في المجال المعاملات المالية .

والمقصود بالضوابط الشرعية هي أن يمتنع البنك عن تمويل أي نشاط أو سلعة تشوبها شبهة محرمة، أو لا تكون حراما في حد ذاتها، ولكنها تؤدي إلى تشجيع ممارسة الحرام[4]، أي أن تكون أنشطة ونظم وأساليب العمل في البنوك التشاركية متوافقة مع قاعدة الحلال والحرام، بمعنى آخر حتى يمكن تفادي الوقوع في هذا المحظور الشرعي ألا وهو الفائدة يجب أن تكون مبادئ الشريعة الإسلامية أساسا لكل قرار تمويلي يتخذه البنك .

وهذا الأساس قد نص عليه المشرع المغربي في الفقرة الثانية من المادة 54 من قانون 12-103 المتعلق بالبنوك التشاركية، حيث جاء فيه “يجب ألا تؤدي هذه الأنشطة والعمليات المشار إليها أعلاه إلى تحصيل أو دفع قائمة أو هما معا”.

حيث يفهم من هذه المادة أن مشروعية أنشطة هذه البنوك هي خاصية فريدة التي تميز التمويل من طرف البنوك التشاركية عن التمويل مقدم من طرف البنوك العادية، إذ لا يمكن حسب هذه المادة تمويل أي نوع من الأنشطة أو العمليات إلا بعد تأكد من أنها تتوافق مع مبادئ الشريعة الإسلامية، وبالتالي يحق رفض منح أي تمويل لأي مشروع صناعي أو تجاري يخالف مبادئها، سواء منها ما كان محرما في الأصل، كصناعة الخمور أو المخدرات أو إنشاء دور اللهو والدعارة ونوادي القمار، أو قائما على منفعة فيها تحصيل أو تدفع فائدة أو هما معا. وبهذا يكون التمويل في هذه البنوك مقتصرا ومحدودا على ما يتوافق مع مقاصد الشريعة الإسلامية.

ولاشك أن البنود المنصوص عليها في الفقرة الثانية من المادة 54 من قانون رقم 12-103 المتعلق بالبنوك التشاركية غير قابلة للمفاضلة أو الاختيار، لأنها في جميع الحالات المعيار الأساسي الذي يقاس عليه أي تمويل مقدم من طرف البنوك التشاركية، حيث لا يجوز تمويل أي مشروع كيفما كان إلا إذا توفرت فيه الضوابط الشرعيةالمستنبطة من الفقه الإسلامي، وهي كالآتي:

أولا: يجب أن يراعي البنك عدم الربط بين العقيدين أو من توكيل طالب الصنعة الذي هو العميل على استصناعها أو قيام بشيء من الأدوار التي تقلص دور البنك في العملية مما يحول العملية إلى مجرد قرض بفائدة[5].

ثانيا: يجب الحذر من تحول الاستصناع المتوازي إلى عملية إقراض بالفائدة، حيث لا يجب على البنك أن ينتظر حتى يأتيه شخصان قد اتفقا مسبقا فيما بينهما . ويدخل البنك بينهما مقرضا أو ممولا بعباءة الاستصناع الموازي أو كما يسميه البعض الاستصناع الباطني أو غير المباشر، بل يجب على البنك أن يفصل بين علاقات أطراف ويدخل في هذه العلاقات بشكل مستقل كصانع في نظر الزبون، والمستصنع من وجهة نظر الصانع الحقيقي .

   وبناءا على ما سبق ، فإن معنى الاستصناع الموازي هو تجنب البنك الربط بين العقدين أو بين الطرفين في عقد واحد، لأن معروف أن الخطين المتوازين لا يلتقيان، وبالتالي على البنك بعد أن يظهر له الزبون رغبته في صناعة شيء معين، له الحق في اللجوء إلى الصانع الحقيقي ليصنع هذا الشيء الذي طلبه الزبون، وبعد أن يمتلك البنك هذا الشيء يعيد بيعه إلى الزبون بعقد مستقل حسب الشروط المتفق عليها.

حتى يكون هناك ضمان لمشروعية التمويل يحتاج الأمر إلى جهة تستطيع المراقبة و المتابعة عن كثب أطوار هده العملية ،ولذلك تم خلق مؤسسة الرقابة الشرعية في البنوك التشاركية تتولى مهمة مراقبة البنك على مستوى مدى احترامه الضوابط الشرعية في الأنشطة التي يزاولها.

وبناءا عليه، نقول أن الاحترام الضوابط الشرعية في أنشطتها المالية غير كافي لضمان عملية التمويل بعقد الاستصناع ،بل هناك ضوابط أخرى يجب مراعاتها من لدن البنك عند تقديم خدماته المالية أو غير لزبون وهي ما يمكن أن نسميها بالضوابط الفنية، وهي ما سنعالجها في المطلب الموالي .

المطلب الثاني : الضوابط الفنية

البنك مؤسسة مالية تخضع في جميع أنشطتها إلى معايير معينة، وهي مطالبة إلى جانب ذلك بتنمية أموالها وأنشطتها في عالم المال والأعمال وتنزيل منتجاتها ومساهمة في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية في البلاد، ونجاح أي بنك يتحقق بمدى قدرة العاملين فيه على احترام الضوابط الشرعية وتحقيق أهداف إستراتيجية للبنك.

ولذلك كان من اللازم وجود في البنوك التشاركية ضوابط ومعايير فنية إضافة إلى معايير شرعية من الواجب أن تلتزم بها البنوك التشاركية  في إطار ممارسة عملياتها التمويلية.

وتجدر الإشارة أن المعايير الفنية لا تخص البنوك التشاركية وحدها، بل مستقاة من التعامل البنكي عموما، وأهم تلك المعايير والضوابط الفنية هي كالآتي :

أولا  : الثقة بين البنوك و العملاء

لاشك أن التعامل من خلال صيغة الاستصناع في جميع جوانبه، يجب أن تقوم – على أساس الثقة بين الصانع و المستصنع، فالبنوك عندما تقوم بتلقي ودائع تقوم بإعادة استثمارها في أنشطة أخرى فهي بالتالي تحظى بثقة هؤلاء المودعين، و لاشك أن الثقة هي أساس لكل تمويل ولو قام هذا التمويل على المخاطرة، فإن الثقة تبقى ركيزة أساسية في كل تعامل بين البنك والزبون…

ويمكن تعريف عملية التمويل من جهة البنك بأنها الثقة التي يوليها البنك لعمليه في إتاحته قدرا معينا من موارده المالية لاستخدامها في غرض محدد خلال فترة معينة ويتم سدادها بشروط معينة بعائد مادي يتفق عليه[6]. هناك من عرفها عبارة عن تسهيلات وعمليات الائتمان تقوم بها المؤسسات البنكية والتي ترتكز بالأساس على الثقة وهذه الأخيرة التي تشكل المحور الأساسي الذي يوجه الحياة البنكية عامة[7].

ومن خلال هذا التعريف للتمويل نجد أن حجر الزاوية للتمويل البنكي هو الثقة  وهي تعني أن البنك قام بدراسة كافة المعلومات والمقومات الائتمانية للعميل أو الزبون، و وجد أنه جدير بالثقة، وأن درجة المخاطر التي تتضمنها عملية التمويل لهذا العميل يمكن قبولها، خاصة أن أي قرار يتخذ من طرف البنك هو قرار يحمل درجة من المخاطر التي يتعين حسابها بدقة حتى لا تتعرض أموال البنك أو أموال المودعين لمخاطر عدم الاسترداد[8].

وبناء على ما سبق ، فإن معايير تطبيق عملية التمويل الخاصة بعقد الاستصناع في البنوك التشاركية يجب أن تتوافر على الضوابط الشرعية السالفة الذكر، بالإضافة إلى عنصر الثقة الذي يخلق الطمأنينة، ويبعث الشعور بالارتياح، علاوة على هذا يجب أن تتوفر في المتعاملين بعض الصفات والمعايير.

ثانيا : معايير شخصية المتعامل

البنوك التشاركية في تعاملها بعقد الاستصناع فإنها ستتعامل مع طرفين وهما:

أ-  طالب التمويل الاستصناع الذي يستفيد من العملية ويلتزم بشروطها.

ب- الصانع الذي سينفذ العملية وينجز المشروع عمليا وتقنيا ولذلك يجب أن تكون معرفة البنك بمن يتعامل معه معرفة وثيقة ودقيقة توفر لأنشطة التمويل البنكي سياجا من الأمان، وهو الأمر يقتضي بأن يقدم هذا التمويل إلى العميل الذي يستطيع الوفاء بالتزاماته المالية في المواعيد المحددة دون اضطراب في عمله، وللوصول إلى هذا الأمان لابد من جمع البيانات والمعلومات الكافية عن المتعاملين مع البنك بواسطة :

1- الوثائق و المستندات التي يقدمها العميل إلى البنك

2- الخبرة السابقة في التعامل مع العميل

3- التعاون مع البنوك الأخرى وتبادل المعلومات عن العملاء[9].

4-السمعة العميل في مجالات عمله، ومكانته في المجتمع، وخبرته في مجاله، وثقافته وأخلاقه وحالته الاجتماعية.

ثالثا : معيار الكافية أو التأهيل المناسب [10]

هذا معيار أساسي لابد من مراعاته في طرفي عقد الاستصناع الأصلي و الاستصناع الموازي، فبالرغم من توافر المقومات المالية والفنية، فإنه قد يتعثر ويفشل المشروع لعدم توفر على خبرة كافية و الإدارة اللازمة لتنفيذ ودراسة المشروع.

والخبرة عنصر مهم في الأنشطة والأعمال والمشاريع الاستثمارية، لأنها تدل على مدى عمق الدراية والإحاطة بمجال النشاط الذي يستثمر فيه ويطلب التمويل من أجله، وهذه الخبرة يستدل عليها من سجل أعمال المقاول ومؤهلاته العملية التي حصل عليها.

رابعا : معيار الضمانات المناسبة

علاقة البنك بالزبون هي علاقة دائن بمدينه، وعلى ذلك فإن للبنك له الحق في أن يطلب ما يراه مناسبا من ضمانات لسداد الدين، ينبغي على البنوك التشاركية ألا تركز على  الضمانات المادية فقط لكي لا ينحصر التمويل على الفئة الأغنياء القادرين على تقديم الضمانات المادية، بل على البنوك التشاركية أن تغلب المعايير الأخرى على معايير الضمانات المادية، هذا يجعلها في مستوى الأهداف التي وجدت من أجلها[11].

إن مثل هذا الطرح مقبول، لأنه من حق البنك أن يلجأ إلى طلب ضمانات عينية و ذلك بحسب طبيعة العملية التي تحتاج إلى التمويل لجبر ضرر في حالة عدم وفاء العميل بالالتزامات والشروط في عقد الاستصناع المبرم معه، غير أن البنك إذا تمسك بالضمانات المادية فقط سوف يجعل تمويله يرتبط فقط بأصحاب الأصول المالية القادرين على تقديم ضمانات مادية، مما يحرم بعض شرائح ذات أصول مالية ضعيف من التعامل  بهذا العقد في المجتمع .

كيفما كان الحال، البنك إذا استثمر وتعامل بعقد الاستصناع فإنه سيسعى إلى تحقيق نجاح لعملية التمويل وتحقيق الربح المناسب يقابل التكلفة الفعلية للمشروع ومصاريف الإنتاج، وهذا الأمر من أهداف البنك التي يسعى إلى تحقيقها في كل منتجاته دون استثناء.

  وبناء على ما سبق، فإن هذه الضوابط الفنية كما هو واضح أعلاه لا تخالف مبادئ الشريعة الإسلامية، بل إن الشريعة الإسلامية تؤديها مادامت تساعد على إنجاح عملية التمويل وتحقيق مصلحة كل من طرفين خالية من الشوائب والغش وتحقيقا في نهاية المطاف لمصلحة المجتمع.

المبحث الثاني : مراعاة مخاطر التمويل بعقد الاستصناع وطرق مواجهتها

بعد استعراض ضوابط التمويل بعقد الاستصناع التي يجب مراعاتها نظرا لما لها من أهمية واثر مهم في اتخاذ قرار الاستثمار المناسب الذي يحقق للبنك الأهداف المنشودة، فإن هذا الأخير في إطار ممارسته لأنشطته التمويلية بصيغ التمويل عامة والتمويل بعقد الاستصناع خاصة قد يواجه عدة مخاطر تعرقل السير الحسن والعادي لعملية التمويل، وهذه المخاطر قد تكون ناتجة إما عن المحيط الداخلي للبنك أو عن محيطه الخارجي.

وبناء عليه، سنحاول في هذا المبحث التعرض إلى بيان مختلف أنواع مخاطر متعلقة بتمويل عقد الاستصناع في (المطلب الأول) على أن نتطرق في (المطلب الثاني) إلى أهم طرق لمواجهة هذه المخاطر التي تحدق بالبنك وعملية التمويل بشكل عام.

المطلب الأول : المخاطر التمويل بعقد الاستصناع

على الرغم أن عقد الاستصناع من أسهل الصيغ قابلية للتطبيق كما يعتقد البعض، إلا أنه لا يخلو من المخاطر نظرا لخصوصيته.

ومخاطر قد تكون ناشئة عن احتمال عدم وفاء أحد الأطراف بالتزاماته وفقا للشروط المتفق عليها في العقد[12]، كما قد تنشأ بسبب امتداد أجل زمنا طويلا في كثير من الحالات، كما هو الحال في التمويل المتوسط والطويل الأجل، حيث تظل التزامات الأطراف المتعاقدة أو بعضهم قائمة لمدة طويلة من ناحية الزمن. كما أن هناك عامل آخر مرتبط بتغيير الظروف المحيطة بالعمل لأحد الأطراف قد يؤدي إلى نشوب مخاطر و صعوبات  في استمرار عقود الاستصناع وفي هدا الإطار، سنتناول مختلف أنواع المخاطر المتعلقة بتمويل عقد الاستصناع على النحو الآتي:

الفقرة الأولى : المخاطر المتعلقة بالأطراف والمحل عقد الاستصناع

    هذا نوع من المخاطر قد يكون مصدره إما احد الأطراف المتعاقدة أو هما معا أو قد تكون من طبيعة الشيء المراد صنعه والمدة التي يحتاجها لكي يصنع. وبالتالي تناول هذه المخاطر و الإحاطة بها مجتمعة قد  يكون في نظري على الشكل الآتي :

أولا: المخاطر المرتبطة بالصانع : هي مجموعة من المخاطر التي يكون سببها الصانع، قد تكون مادية أو فنية أو مرتبطة بإمكانيات مالية بشخص الصانع. ولذلك يمكن أن ترجع هذه المخاطر لأسباب التالية:

أ-عدم توفر الصانع على خبرة كافية مما يؤثر على نوعية المصنوع ومدة التسليم.

ب-عدم توفر الصانع على إمكانيات مالية وفنية[13].

ج-عجز الصانع في تسليم السلع التي تم صناعتها في الآجال المحددة، أو أن تكون هذه السلع رديئة غير مطابقة للمواصفات. [14]

      د-عدم الالتزام بالمواصفات المحددة في العقد .

      ه -عدم جودة المواد المستخدمة لتصنيع [15]

مهما يكون من أمر، فإن الصانع يفترض فيه تنفيذ التزاماته بدقة وعناية مطلوبة، والمخاطر التي قد تثور بسببه يجب عليه من منطق القانون أن يتحمل تابعتها مع البنك.

ثانيا : المخاطر المرتبطة بالمستصنع : وهي مجموعة من المخاطر يكون سببها هذا الأخير ونذكر  أهمها :

أ-عدم توفر المستصنع الإمكانية المالية  للوفاء بالتزاماته تجاه الصانع.

ب-عدم توفر الخبرة الكافية في تحديد وتوصيف المصنوع، الأمر الذي يفسخ المجال لصانع تقديم بضاعة مخالفة لما يتصوره ويتوقعه [16]وفي هذه الحالة لا يتحمل البنك المسؤولية التي أتى عليها المصنوع بسبب عجز المستصنع على توصيف الشيء المصنوع بدقة .

 ثالثا : المخاطر المتعلقة بالمصنوع : هي عندما يحتاج المصنوع لشروط خاصة أثناء التصنيع أو النقل أو التخزين، كصناعة الأدوية على سبيل المثال، بغض النظر عن الطرف الذي يتحمل المسؤولية في حال تلف البضاعة[17]، فإن عدم احترام شروط التي يتطلبها الشيء المراد صنعه قد يؤدي إلى مخاطر وخيمة عند استعماله من طرف المستصنع.

رابعا : المخاطر المتعلقة بمدة العقد : كلما كانت المدة طويلة سواء مدة التصنيع أو مدة التسديد الثمن  الشيء المصنوع، فإن هناك مخاطر قد تنشأ بسبب تغيير الظروف المحيطة بعملية الصنع والتي قد تؤثر على التزامات الطرفين، لاسيما الظروف الاقتصادية. أما  الظروف السياسية أو الطبيعية فهي نادرا الوقوع، بحيث لا تشكل تهديدا مباشرا على عملية التصنع.

وبناءا عليه، فإذا كانت المخاطر كما جاءت أعلاه مرتبطة بأطراف ومحل عقد الاستصناع، فإن هناك في مقابل ذلك مخاطر أخرى عديدة مرتبطة بنشاط البنك سواء كانت ذات طبيعة مالية أو كانت نتيجة لأعمال مادية يمارسها البنك.

الفقرة الثانية : المخاطر المتعلقة بالبنوك التشاركية

تعتبر المخاطر بشكل عام لصيقة بالاستثمار، فلا يمكن تصور استثمار بدون مخاطرة، والحل هو الإدارة الناجحة لهذه المخاطر للحد من تأثيراتها المحتملة بأقصى ما يمكن. [18]

ويمكن أن نجمل المخاطر التي قد تتعرض لها طبيعة التمويل بعقد الاستصناع إلى مخاطر مالية ومخاطر غير مالية.

أولا  :  مخاطر مالية  وهي عبارة عن الخسائر المحتملة في السوق[19]، أي تلك المخاطر ذات طبيعة مالية تعترض البنك في عدم تمويل عملائه بهذا العقد، ويمكن أن نذكر أهم هذه المخاطر على النحو الآتي :

أ- مخاطر الائتمان : من بين أهم المخاطر التي يمكن أن تعترض عقد الاستصناع هي المخاطر الائتمانية التي قد يكون لها الوقع الأكبر على سيرورة هذا العقد في حالة تحققها وذلك من حيث حمولته الاستثمارية وتكلفته النقدية من جهة، ومن جهة أخرى ثقة المودعين في المؤسسة البنكية وتأثير ذلك على كتلة الودائع.

والمخاطر الائتمان هي المخاطر الناشئة عن احتمال عدم الوفاء أحد الأطراف بالتزاماته وفقا للشروط المتفق عليها، وهذا يقود إلى حدوث هبوط غير متوقع في مجمل التدفقات النقدية نتيجة تخلف طرف عن الدفع[20].

ب- مخاطر السيولة : هي نوع من المخاطر المالية، وهذا النوع من المخاطر يمكن أن يوجد في عقد الاستصناع بوصفه من أدوات تمويلية متوسطة وطويلة الأجل.

و هي مخاطر مرتبطة باحتمال أن تواجه البنوك مصاعب في توفير الأموال اللازمة لمقابلة التزاماتها،[21]أي عدم قدرة البنك على الوفاء بالتزاماته عندما تستحق الأداء من خلال توفير الأموال اللازمة لذلك دون تحمل خسائر غير مقبولة.[22]

وتنشأ هذه المخاطر نتيجة لعجز البنك في مواجهة احتياجات عملائه من السيولة في الأجل القصير. كما قد تحدث مخاطر مرتبطة بالثقة حيث قد تحرف المصارف الإسلامية العقود التي بينها وبين المتعاملين معها. و على سبيل المثال، قد لا يستطيع البنك الالتزام الكامل بجميع المتطلبات الوفاء أو عدم رغبته في ذلك مما قد يؤدب يمكن أن يؤدي إلى مشكلة في الثقة [23].

ثانيا : مخاطر غير مالية هي مخاطر التي تحدث نتيجة للأعمال التي يمارسها البنك كمخاطر التشغيل، المخاطر القانونية والمخاطر التوثيق حيث سنقدم فيما يلي شرحا مختصرا لكلا النوعين من المخاطر.

أ- مخاطر التشغيل : تنشأ هذه المخاطر عند ممارسة البنك للأنشطة المختلفة التي ينتج عنها أنواعا مختلفة من الأخطاء، منها البشرية التي  تكون بسبب عدم الكفاءة والتذويب على أساليب العمل، ومنها الفنية التي تحدث نتيجة لأعطب أجهزة الاتصالات المختلفة، ومنها الأخطاء المتعلقة بالعمليات التي تحدث في المواصفات  وعدم الدقة عند تنفيذ العمليات [24].

ب-المخاطر القانونية : ترتبط هذه المخاطر بعدم وضع العقود المالية موضع التنفيذ أي أنها ترتبط بالنظام الأساسي والتشريعات والأوامر الرقابية التي تحكم الالتزام بالعقود والصفقات، وربما تكون هذه المخاطر خارجية مثل الضوابط الرقابية التي تؤثر في بعض أنواع الأنشطة التي تمارسها البنوك، كما يمكن أن تكون ذات طبيعة داخلية تمت بصلة الإدارة المصرف ولموظفيه (مثل الاحتيال، عدم الالتزام بالضوابط والقوانين، خطأ في نص العقود، أو تأخر في الاتخاذ الإجراءات القانونية أو مخالفة بعضها).

نظرا لكثرة المخاطر التي تواجه التمويل بالصيغ البنوك التشاركية فهي تبقى بمثابة تقييم بصورة مباشرة مدى قدرة البنك في السيطرة على مختلف أنواع المخاطر التي يتعرض لها، وبالتالي فإن تطبيق العملي لعقد الاستصناع في البنوك التشاركية إذا لم يتم تعامل معه بحذر شديد قد يؤدي إلى مخاطر غير محسوبة العواقب، ولذلك لابد من آليات لمواجهة هذه المخاطر التمويل بعقد الاستصناع.

المطلب الثاني : طرق مواجهة مخاطر التمويل الاستصناع

تعتبر إدارة المخاطر من أهم المطالب والالتزامات التي تقع على عاتق البنك والمؤسسات المالية بصفة عامة، فمن واجب هذه المؤسسات أن تكون لها إجراءات شاملة لإدارة المخاطر والتحديات، ومواجهتها بطرق علمية واتخاذ كل ما يساعد على التنبؤ بها وتحديد نوعها وطبيعتها ودرجة خطورتها من أجل التحكم فيها واتخاذ قرارات ملائمة ومناسبة بشأنها.

ومن السبل لمواجهة المخاطر التي تطرقنا إليها في المطلب السابق تفعيل أنظمة رقابية في البنوك التشاركية(الفقرة الأولى) واتخاذ كل الاحتياطات والضمانات في حالة عزم البنك دخول في المعاملات بعقد الاستصناع (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى : الرقابة على البنوك التشاركية

تعتبر الرقابة أو هيئات المطابقة كما  سماها قانون البنكي رقم 12- 103 المتعلق بالمؤسسات الائتمان والهيئات المعتبرة في حكمها من أمور هامة وأساسية في نظام في المؤسسات المالية.

إن وجود هذه الرقابة تستمد وجودها القانوني من مرجعية التي تستند عليها هذه البنوك[25]، والبنوك التشاركية في إطار تمويل المشاريع بعقد الاستصناع وجب أن تكون هناك رقابة في هذا الشأن وانسجاما مع القانون رقم 12- 103 القاضي بإحداث البنوك التشاركية هناك شكلين للرقابة وهي على الشكل الآتي :

أولا : الرقابة الشرعية المركزية [26]

جاء في باب الثاني بعنوان :”الهيئات المطابقة من قانون رقم 12- 103، حيث نص في المادة 62 على ” يصدر المجلس العلمي الأعلى المنصوص عليه في الظهير الشريف رقم 300 – 03 – 1 الصادر في 2 ربيع الأول 1425 ( 22 ابريل 2004) بإعادة تنظيم المجالس العلمية الآراء بالمطابقة المنصوص عليها في هذا القسم”.

انطلاقا من المادة أعلاه نجدها تتحدث عن المجلس العلمي الأعلى الذي هو هيئة تجمع نخبة من علماء والفقهاء المشهود لهم بكفاءة فحسب القانون رقم 12- 103 فإن المجلس العلمي الأعلى يتولى وظيفتين رقابيتين في البنوك التشاركية :

الوظيفة الأولى : تتمثل في رقابة سابقة على العقود حيث نص القانون في المادة 58 على أنه “يجوز البنوك التشاركية أن تمول عملائها بواسطة أي منتج آخر لا يتعارض مع الشروط الواردة في المادة  54 أعلاه والذي تحدد مواصفاته التقنية وكذا كيفيات تقديمه إلى العملاء بمنشور يصدره والي بنك المغرب، بعد استطلاع رأي لجنة مؤسسات الائتمان وتعد الرأي بالمطابقة الصادر عن المجلس العلمي الأعلى المشار إليه في المادة 62 أدناه”.

أما الوظيفة الثانية : تتمثل في رقابة لاحقة على استعمال العقود والإجراءات والاتفاقيات. طبقا للمادة  63 من قانون رقم 12- 103 فإنه “ترفع البنوك التشاركية إلى المجلس العلمي الأعلى المشار إليه، عند كل سنة محاسبية تقريرا تقييما حول عمليتها وأنشطتها للآراء بالمطابقة الصادرة عن المجلس العلمي الأعلى السالف الذكر”[27].

وقد أحال المادة 62 على القانون المتعلق بإعادة تنظيم المجالس العلمية ،[28]وقد أصدر ظهير لإحداث اللجنة الشرعية للمالية التشاركية بموجب الظهير رقم 02. 15. 1، وهي لجنة علمية متخصصة لدى الهيئة العلمية المكلفة بإفتاء المجلس العلمي الأعلى بالمهام عديدة منها :

1-إبداء الرأي بشأن مطابقة المنتجات المالية التشاركية التي تقدمها مؤسسات الائتمان والهيئات المعتبرة في حكمها لزبنائها.

2-إبداء الرأي بشأن مطابقة مضمون المناشير التي يصدرها والي بنك المغرب لأحكام الشريعة الإسلامية ومقاصدها المتعلقة بالمنتجات التشاركية[29]

ثانيا : الرقابة الداخلية

دائما في إطار آليات الرقابة فإن القانون رمق 12 – 103 المتعلق بمؤسسات الائتمان والهيئات المعتبرة في حكمها أوجب على البنوك التشاركية إحداث وظيفية لتقييد بآراء المجلس العلمي الأعلى بمقتضى المادة 64 من قانون رقم 12 – 103، وقد سماها البعض بوظيفة التدقيق الشرعي الداخلي[30]، والبعض آخر سماها بلجنة افتحاص الداخلي[31]. ولكن إن اختلفت الأسماء فإن دورها واحد وهو الزام البنوك التشاركية باحترام مبادئ الشريعة الإسلامية في جميع معاملاتها.

المشرع بموجب المادة  64 من نفس القانون أعلاه نص على عدد من المهام تتولها هذه اللجنة التدقيق أو الافتحاص الداخلي، نذكر منها :

1-التعرف على مخاطر عدم مطابقة عملياتها وأنشطتها للآراء بالمطابقة التي يصدرها المجلس العلمي الأعلى المشار إليه في المادة 62 أعلاه والوقاية منها.

2-ضمان تتبع وتطبق للآراء بالمطابقة الصادرة عن المجلس العلمي الأعلى ومراقبة احترامها.

3-السهر على وضع واحترم الدليل والمساطر الواجب احترامها نظرا لأهمية هذه الرقابة الداخلية وما تقوم به من أدوار مهمة في مراقبة عمليات تمويل البنوك التشاركية، فإنها تعتبر أحد أسس أساسية في النظام الهيكلي للبنوك التشاركية من أجل كشف عن الأنشطة والعمليات التي تخالف مبادئ الشريعة الإسلامية أو تعرف على التزامات غير مدروسة تؤدي إلى مخاطر غير محسوبة العواقب.

وبما أن البنك في عقد الاستصناع يبقى حلقة وصل غير مباشرة بين الصانع الحقيقي والمستصنع، فإنه من أجل ضمان حماية حقه له حق في الحصول على الضمانات من أطراف العقد.

الفقرة الثانية : الضمانات في عقد الاستصناع

إذا كان عقد الاستصناع محفوفا بالمخاطر يكون على البنك لزاما عليه البحث عن سبل لتوفير الضمانات وأداة لضغط غير مباشرة على المدين للوفاء بالتزاماته، لأن حصول البنك على الضمانات يزيد لديه هامش الأمان، كما أن تقديم المدين ضمانات للبنك يترجم حسن نيته بأنه قادر على الوفاء بالتزاماته، ومن هذا المنطق لا مانع على المدنيين تقديم ضمانات ملائمة لبعث الطمأنينة لدى البنك.

وعليه، سنتناول الضمانات المقدمة لفائدة البنك سواء من طرف الصانع أو من طرف المستصنع.

ا-الضمانات قبل الصانع

إن عقد الاستصناع هو في طبيعته وحقيقته من قبيل البيع فهو أحد أنواع البيع[32]، وانطلاقا من هذه الفكرة فإذا نظرنا إلى عقد الاستصناع، فإنه لا يشترط فيه الدفع الثمن مسبقا، بل يمكن تأجيله أو دفعه عن طريق الأقساط بحسب الطرفين، رغم هذه الوضعية فإنها لا تمنع البنك  من اشتراط الضمانات في عقد الاستصناع من أجل تجنب المخاطر التي قد تواجهه في المستقبل.

وعليه يسوغ للبنك أثناء التعاقد مع الصانع أن يضمن الشروط التي تضمن له الشيء المراد صنعه بالمواصفات المحددة، كما يحق للبنك  ألا يسلم الثمن المتفق عليه إلى الصنائع إلا بعد توفير المصنوع على أرض الواقع وإذا حدث إخلال بالمواصفات المطلوبة، يحق للبنك أن ينقض الثمن.

     تعزيزا لضمان يجوز للبنك تشاركي أن يحصل على كفالة كضمانة من الضمانات الشخصية التي يقدمها الغير لضمان الوفاء الصانع بالتزاماته ،[33]وهدف من كفالة هو احتياط ضد الاحتمالات السيئة في المستقبل التي تتجلى أساسا في عدم قدرة المدين على الوفاء بالتزاماته تجاه البنك.

كما يحق للبنك أن يشرط على الصانع دفع غرامات تهديدية في حال تأخيره في التسليم المنتج في الموعد المحدد، وهذا جائز شرعا لأن محل هنا هو العمل وليس المديونية النقدية، وقد جوزه الفقهاء في شأن الالتزام بالغرم[34].

وللبنك أن يشترط إلغاء العقد في حاله عدم التزام الصانع بالمواصفات المحددة في العقد أو الإخلال بأية  التزامات أخرى المنصوص عليها في العقد.

من الناحية الواقعية إن اشتراط البنك  الضمانات في عقد الاستصناع مهم جدا، حيث يعزز بها مركزه ويتفادى تهاون الصانع في تنفيذ التزاماته، وفي الحقيقة أن هذه الضمانات قد تطال حتى العميل تجاه البنك .

الضمانات قبل العميل

في هذا الإطار إذا كان البنك مكلف بعقد الاستصناع قيام باستصناع أشياء بسيطة في أجل محدد و قصير، يجوز له في هذه الحالة طلب من العميل تسبق جزء من الثمن أو تأجيله دون اشتراط ضمانات إذا ثبت لبنك أن شخصية العميل وسمعته تجارية جيدة في السوق.

لكن عندما يتعلق الأمر بالاستصناع أشياء ضخمة وكبيرة إذ تتطلب فترة طويلة من الزمن لصنعها، فإنه يجوز للبنك أن يضمن في عقد الاستصناع ضمانات عينية وآخر شخصية. وبذلك تتعدد الضمانات التي يمكن للبنك الحصول عليها من العميل، ومن أهم أنواع هذه الضمانات نجدها كالآتي  :

1-الرهن على المبيع وفاء لثمن.

2-كفالة الغير للعميل.

3-توقيع على شيكات بقيمة الثمن كاملا.

4-أية ضمانات آخر عينية أو غير عينية يستوفى منها ثمن الشيء المستصنع.

5-يجوز للبنك أخذ تعويض عن الضرر الفعلي الناشئ عن إخلال بالتزام[35]

خاتمة:

بناء على ما سبق يمكن القول أن اطلاع على الجوانب المتعلقة بعقد الاستصناع كآلية التمويلية تمكن البنك من الدخول في الأنشطة التمويل لمشاريع ذات طابع صناعي و حرفي في مختلف ميادين، غير أن مسألة تنزيله على الأرض الواقع من طرف البنوك التشاركية يفرض بقوة القانون أن تراعي ضوابط معينة، منها ما هو شرعي بالدرجة الأولى على اعتبار كون هذه البنوك منطلقها الإيديولوجي يستند إلى مرجعية إسلامية التي تحرم بشكل مطلق تعامل بالفائدة “الربا” في المعاملات المالية بمختلف أشكالها.

كما تجدر الإشارة أن الممارسة العملية لهذا العقد بدون شك قد لا تخلو من مواجهة المخاطر سواء كانت هده المخاطر المالية أو غير المالية مما يستوجب على البنوك التشاركية إيجاد طرق للحد منها مما يجعل الرهان على الأنظمة الرقابة والضمانات القانونية والضمانات المالية تحتل مكانة رفيعة في هدا الموضوع .

ü                                                              المراجع والمصادر               

ü     القران الكريم برواية ورش

ü     صحيح البخاري، كتاب البيوع، باب كسب الرجل وعمله بيده، ج02، رقم 2072

ü     أحمد بدران، عقد الاستصناع في الفقه الإسلامي بين النظرية والتطبيق، سلسلة من رسائل البنك الصناعي العدد 72 مارس 2003.

ü     الصديق لعلو، التمويل العقاري دراسة قانونية ومالية في الجدوى والبدائل، الطبعة الأولى 2012، دار القلم بالرباط.

ü     جمال الدين عطية، البنوك الإسلامية بين الحرية والتنظيم التقليدي والانتماء، النظرية والتطبيق، الدوحة، رئاسة المحاكم الشرعية والشؤون الدينية بدولة قطر، سلسلة كتاب الأمة 1407.

ü     طارق الله خان حسب أحمد، إدارة المخاطر،  تحليل قضايا الصناعة المالية الإسلامية، جدة، البنك الإسلامي للتنمية، المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب 1424 هـ-2003م.

ü     عبد الستار أبو غدة، الفتاوي الشرعية في المعاملات الاقتصادية فتاوي الشرعية بالمعهد العالمي للفكر الإسلامي، ج 2.  

ü     محمد قراط، المطالب الضرورية في شرح المقتضيات القانونية المتعلقة بالبنوك التشاركية، مطبعة أنفو – برانت – الليدو – فاس ط 2018 .

ü     مصطفى الزرقا، عقد الاستصناع ومدى أهميته في الاستثمارات الإسلامية للتنمية، جدة المملكة السعودية.

ü     أحمد بلخير، عقد الاستصناع وتطبيقاته المعاصرة، دراسة الحالة البنك الإسلامي للتنمية، رسالة الماجستير، كلية العلوم الاجتماعية والعلوم الإنسانية، جامعة الحاج لخضر، باتنة، 2007-2008 .

ü     عبد الكريم قندوزي،  التجويط وإدارة المخاطر بالمؤسسات المالية الإسلامية، أطروحة لنيل الدكتوراه، جامعة حسيبة بن علي، الشلف، الجزائر، كلية العلوم الاقتصادية والتجارة والتسيير، السنة الجامعية 2011- 2012.

ü     فضل عبد الكريم محمد، إدارة المخاطر وتحديات المصاريف الإسلامية دراسة لبعض التطبيقات المعاصرة من التجربة السودانية والسعودية خلال الفترة 199 – 2003م، أطروحة لنيل دكتوراه، جامعة الخرطوم، كلية الدراسات الاقتصادية والاجتماعية العام الدراسي  1428 – 2007.

ü     محي الدين اسطنبولي،عقد الاستصناع وأهميته في الاستثمار دراسة مقارنة بين الشريعة والقانون، أطروحة لنيل الدكتوراه، السنة الجامعية 2016-2.

ü     محمد عبد المنعم أبو زيد، المضاربة وتطبيقاتها العملية في المصاريف الإسلامية، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، الطبعة الأولى القاهرة، سنة 1996.

ü     موسى عمر مبارك أبو محيميد، مخاطر صيغ التمويل الإسلامي وعلاقتها بمعيار كفاية راس المال المصارف الإسلامية من خلال معيار بازل II ، أطروحة دكتوراه الأكاديمية العربية للعلوم المالية والمصرفية، كلية العلوم المالية والمصرفية 1429 هـ – 2008.

ü     سكينة آلوات، عقد المرابحة العقارية قراءة استشراقية في البنوك التشاركية، مدخلة في ندوة البنوك التشاركية أي امتياز، نظمها مركز المنارة للدراسات والأبحاث، يوم السبت 15 مارس  2016، ندوات وأعمال دراسية.

ü     القانون رقم 12- 10 3 المتعلق بمؤسسات الائتمان والهيئات المعتبرة في حكمها، نشر في الجريدة الرسمية عدد 6328 بتاريخ 22 يناير  2015


[1]ظهير شريف رقم 193 . 14 . 1 صادر في فاتح ربيع الأول 1436 (24 ديسمبر 2014) بتنفيذ القانون رقم 12- 10 3 المتعلق بمؤسسات الائتمان والهيئات المعتبرة في حكمها، نشر في الجريدة الرسمية عدد 6328 بتاريخ 22 يناير  2015، ص 462.

[2]سورة الأنبياء، الآية 79.

[3]رواه البخاري، كتاب البيوع، باب كسب الرجل وعمله بيده، ج02، رقم 2072، ص 80.

[4]أحمد بدران، عقد الاستصناع في الفقه الإسلامي بين النظرية والتطبيق، سلسلة من رسائل البنك الصناعي العدد 72 مارس 2003.، ص : 82.

[5]أحمد بدران، مرجع سابق، ص  89.

[6]أحد بدران، مرجع سابق، ص 90-91.

[7]الصديق لعلو، التمويل العقاري دراسة قانونية ومالية في الجدوى والبدائل، الطبعة الأولى 2012، دار القلم بالرباط، ص  69.

[8]احمد بدران، مرجع سابق، ص 91.

[9]أحمد بدران، مرجع سابق، ص  56.

[10]أحمد بدران، نفس المرجع، ص 94.

[11]جمال الدين عطية، البنوك الإسلامية بين الحرية والتنظيم التقليدي والانتماء، النظرية والتطبيق، الدوحة، رئاسة المحاكم الشرعية والشؤون الدينية بدولة قطر، سلسلة كتاب الأمة 1407ص175..

[12]طارق الله خان حسب أحمد، إدارة المخاطر،تحليل قضايا الصناعة المالية الإسلامية، جدة، البنك الإسلامي للتنمية، المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب 1424 هـ-2003م، ص 70.

[13]أحمد بدران، مرجع سابق، ص 125.

[14]أحمد بلخير، عقد الاستصناع وتطبيقاته المعاصرة، دراسة الحالة البنك الإسلامي للتنمية، رسالة الماجستير، كلية العلوم الاجتماعية والعلوم الإنسانية، جامعة الحاج لخضر، باتنة، 2007-2008 ص 28

[15]محي الدين اسطنبولي ،عقد الاستصناع وأهميته في الاستثمار دراسة مقارنة بينالشريعة والقانون، أطروحة لنيل الدكتوراه، السنة الجامعية2016-2  ص.187.

[16]أحمد بدران، مرجع سابق، ص  125.

[17]أحمد بدران، نفس المرجع، ص  125 – 126.

[18]محمد عبد المنعم أبو زيد، المضاربة وتطبيقاتها العملية في المصاريف الإسلامية، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، الطبعة الأولى القاهرة، سنة  1996، ص 90.

[19]فضل عبد الكريم محمد، إدارة المخاطر وتحديات المصاريف الإسلامية دراسة لبعض التطبيقات المعاصرة من التجربة السودانية والسعودية خلال الفترة 199 – 2003م، أطروحة لنيل دكتوراه، جامعة الخرطوم، كلية الدراسات الاقتصادية والاجتماعية العام الدراسي  1428 – 2007، ص  51.

[20]أحمد بلخير، مرجع سابق، ص 59.

[21]عبد الكريم قندوزي،  التجويط وإدارة المخاطر بالمؤسسات المالية الإسلامية، أطروحة لنيل الدكتوراه، جامعة حسيبة بن علي، الشلف، الجزائر، كلية العلوم الاقتصادية والتجارة والتسيير، السنة الجامعية 2011- 2012، ص 47.

[22] موسى عمر مبارك أبو محيميد، مخاطر صيغ التمويل الإسلامي وعلاقتها بمعيار كفاية رأس المال المصارف الإسلامية من خلال معيار بازل II ، أطروحة دكتوراه الأكاديمية العربية للعلوم المالية والمصرفية، كلية العلوم المالية والمصرفية 1429 هـ – 2008، ص 20.

[23] طارق الله خان – حبيب أحمد، مرجع سابق، ص 67.

[24] فضل عبد الكريم محمد، مرجع سابق، ص  5.

[25]تتعدد تسميات الجهات المسؤولية عن الرأي الشرعي في البنوك الإسلامية، وذلك تبعا للاختلاف في اشكالها وفي مفهومها وأهدافها وكذلك لوزنها ومكانتها القانونية في البنوك من أكثر التسميات شيوعا لجهات المسؤولة على الرأي الشرعي في البنوك الإسلامية هي : هيئة الرقابة الشرعية، المجلس الشرعي، لجنة الرقابة الشرعية، المراقب الشرعي وهي في نهاية مطاف تتولى تأكيد مدى مطابقة المعاملة مع مبادئ الإسلامية.

[26]تنحصر في اللجنة الشرعية للمالية التشاركية التي تم تشكيلها داخل مؤسسة المجلس الأعلى العلمي، وإذا كانت اللجنة الشرعية تشتغل بإبداء الرأي الشرعي حول ما يتعلق بالمالية التشاركية فإن استقبالها لطلبات إبداء الرأي يتم عن طريق ما يلي ” بنك المغرب بالنسبة لطلبات إبداء المقدمة من قبل مؤسسات الائتمان المعتبرة في حكمها :

1-هيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي بالنسبة لطلبات إبداء الرأي من قبل مقاولات التأمين وإعادة التأمين

2-هيئة المغربية لسوق الرساميل بالنسبة لطلبات إبداء الرأي من جهة الراغبة في إصدار شهادات الصكوك”.

ويتم إبداء الرأي الشرعي بناء على تقارير مفصلة وموثقة تتضمن المعلومات الخاصة بكل نشاط أو عملية أو نموذج أو العقود أو مشاريع

[27]محمد قراط، المطالب الضرورية في شرح المقتضيات القانونية المتعلقة بالبنوك التشاركية، مطبعة أنفو – برانت – الليدو – فاس ط 2018، ص  298 – 299.

[28]الصادر بشأنه الظهير الشريف رقم 300 . 03 . 1 المؤرخ في  2 ربيع الأول 1425 (22 أبريل 2004).

[29]محمد قراط، مرجع سابق، ص 299.

[30]محمد قراط، نفس مرجع ، ص 303 .

[31]سكينة آلوات، عقد المرابحة العقارية قراءة استشراقية في البنوك التشاركية، مدخلة في ندوة البنوك التشاركية أي امتياز، نظمها مركز المنارة للدراسات والأبحاث، يوم السبت 15 مارس  2016، ندوات وأعمال دراسية – ص 107.

[32]مصطفى الزرقا، عقد الاستصناع ومدى أهميته في الاستثمارات الإسلامية للتنمية، جدة المملكة السعودية، ص  21.

[33]أحمد بدران، مرجع سابق، ص 127.

[34]عبد الستار أبو غدة، الفتاوي الشرعية في المعاملات الاقتصادية فتاوي الشرعية بالمعهد العالمي للفكر الإسلامي، ج 2، ص  13 .

[35]أحمد بدران، مرجع سابق، ص  128.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
https://hilltopads.com/?ref=356389
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading