الدكتور/ ثقيل بن ساير بن زيد الشمري (*)

مقدمة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام علي أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

خلق الله الإنسان وميزه بالعقل، ووضع له من الأحكام والمبادئ الثابتة ما يضمن له الحياة الكريمة إن هو سار وفق أحكامها، ومما وضعه الشرع الشريف لحماية الإنسان من الزلل والظلم، ولاية القضاء، وغيرها من الولايات التي يجب على ولي الأمر أن يقيمها وينصب فيها الأكفاء ليقيموا العدل بين الناس. ومما يلحق بولاية القضاء، التحكيم بين المتخاصمين، وهو من الأمور المستحبة في الإسلام ليكون طريقاً للفصل بين الخصومات، وإصلاح ذات البين.

والتحكيم باب واسع لإقامة العدل وتيسير أمر التحاكم عند وجود منازعة أو خصومة. وتتميز أحكام التحكيم بسرعة إصدارها، التي قد تكون مطلباً للخصوم نظراً لكثرة ارتباطهم، أو لرغبتهم في التفرغ لأعمالهم، والتصرف في أموالهم.

ونظراً للأهمية المتنامية للتحكيم في الوقت الحاضر، أحببت أن أبين باختصار موقف الفقه الإسلامي منه.

المبحث الأول

مشروعية التحكيم

المطلب ال أو ل: تعريف التحكيم في اللغة

حكم بالأمر يحكم حكماً: قضى، يقال: حكم له، وحكم عليه، وحكم بينهم.

وحكم فلاناً في الأمر: جعله حكماً، ومنه قوله تعالى 🙁 فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) ([1]).

واحتكم الخصمان إلى الحاكم: رفعا خصومتهما إليه، والحكم من يختار للفصل بين المتنازعين، قال تعالى (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا). ([2])

في الاصطلاح:

قال ابن فرحون: التحكيم معناه: أن الخصمين إذا حكما رجلاً وارتضياه لأن يحكم بينهما فإن ذلك جائز. ([3])

وفي الدر المختار: (وعرفاً: تولية الخصمين حاكماً يحكم بينهما). ([4])

وعرفته مجلة الأحكام العدلية في المادة (179) بما يلي: التحكيم هو عبارة عن اتخاذ الخصمين آخر حاكماً برضاهما لفصل خصومتهما ودعواهما.

والمتتبع لمؤلفات الفقهاء يجد أن كثيراً منهم لم يضعوا تعريفاً للتحكيم، وذلك اكتفاء بما وقر في الأذهان من معناه اللغوي، وبما تواضع عليه العرف والعمل، وإنما يبينون حكمه بعبارات يمكن أن يستخلص منها تعريف للتحكيم فمن ذلك قولهم: (وإذا حكما رجلاً ورضيا حكمه لزمهما…) ([5])

(ولو حكم خصمان رجلاً في غير حد الله تعالى، جاز مطلقاً…). ([6])

ولم يخرج تعريف التحكيم عند فقهاء القانون الوضعي عن تعريف فقهاء الشريعة الإسلامية، فهو عندهم اتفاق ذوي الشأن على عرض نزاع معين قائم على فرد أو أفراد أو هيئة للفصل فيه دون المحكمة المختصة. ([7])

ويمكن أن نستخلص تعريفاً للتحكيم من ذلك كله وهو: اتفاق أطراف الخصومة على تولية من يفصل في نزاع بينهم، بحكم ملزم.

المطلب الثاني: مشروعية التحكيم

من القواعد المقررة في الإسلام أن الشرع يتشوف إلى إصلاح ذات البين، ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في استئذان المرأة زوجها في سفر الحج قال رحمه الله: (كما يستحب استئذان المرأة زوجها في سفر الحج كما يستحب استئذان المرأة في نكاح بنتها، واستئذان البكر في نفسها عند من يقول بجواز إجبارها -لأن ذلك أدعى إلى الألفة، وصلاح ذات البين، وأبعد عن الشقاق، وكل ما فيه صلاح ذات البين فإنه مستحب). ([8])

وقال الطرابلسي: (إن التحكيم جائز بالكتاب والسنة، والإجماع، ثم قال ولأنه متى لم نجز التحكيم لضاق الأمر على الناس، لأنه يشق عليهم الحضور إلى مجلس الحكم فجوزنا التحكيم للحاجة). ([9])

ومشروعية التحكيم ثابتة في دين الإسلام بالكتاب والسنة والإجماع.

قال تعالى 🙁 إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ). ([10])

ووجه الاستشهاد في الآية أن الله أمر من يحكم بين الناس أن يحكم بالعدل، والحكم بين الناس له طرق: منها الولاية العامة والقضاء، ومنها تحكيم المتخاصمين لشخص في قضية خاصة. ([11])

وقال تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا). ([12])

قال ابن العربي: (وهي من الآيات الأصول في الشريعة ولم نجد لها في بلادنا أثراً… وقد ناديت إلى ذلك، فما أجابني إلى بعث الحكمين – عند الشقاق -إلا قاض واحد، ولا إلى القضاء باليمين والشاهد إلا قاض واحد، فلما ولاني الله الأمر: أجريت السنة كما ينبغي وأرسلت الحكمين). ([13])

وقال ابن سعدى في تفسيره عن الحكمين في الآية: أي رجلين مكلفين مسلمين، عدلين، عاقلين، يعرفان ما بين الزوجين، ويعرفان الجمع والتفريق). ([14])

وقوله تعالى: (لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (114)). ([15])

قرر الله في هذه الآية أن من عادات الناس أنهم يتناجون، وأن هذه النجوى -في الكثير منها -لا خير فيها، واستثنى منها الأمر بالصدقة من المال أو العلم، أو أي نفع كان، والأمر بالمعروف الذي يدل الناس على الخير ويحذرهم من الشر. وكذلك وهو محل الشاهد من الآية وهو الإصلاح بين المتخاصمين لأن الخصام والشقاق يوجبان الفرقة الشحناء، فلذلك حث الشارع على الإصلاح بين الناس، فيما يختلفون فيه، ويتنازعون عليه، ووعد على ذلك بالأجر العظيم.

ولا ريب أن التحكيم بين المتخاصمين داخل في هذا الباب، سواء كان ذلك بالصلح، أو بالحكم بينهما، لأن التحكيم يهدف إلى إزالة الخلاف والخصومة، ولأن المتخاصمين يلجآن إليه لإزالة النزاع بينهما. ([16])


السنة:

  1. روى النسائي من حديث شريح عن شريح بن هانئ عن أبيه هانئ أنه لما وفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعه وهم يكنون هانئاً أبا الحكم فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: (إن الله هو الحكم وإليه الحكم فلم تكنى أبا الحكم فقال إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم فرضي كلا الفريقين قال ما أحسن من هذا فما لك من الولد قال لي شريح وعبد الله ومسلم قال فمن أكبرهم قال شريح قال فأنت أبو شريح فدعا له ولولده) ([17])

ووجه الاستشهاد من هذا الحديث هو أن النبي صلى الله عليه وسلم اقر أبا شريح على فعله، بل استحسنه منه، فدل ذلك على مشروعيته.

  1. ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قبل تحكيم سعد بن معاذ بين المسلمين وبني قريظة، وأنه أنفذ حكم سعد وقال له: (لقد حكمت فيهم بحكم الملك). ([18])

قال النووي في شرح مسلم: (فيه جواز التحكيم في أمور المسلمين، وفي مهماتهم العظام، وقد أجمع العلماء عليه، ولم يخالف فيه خلا الخوارج، فإنهم أنكروا على علي التحكيم وأقام الحجة عليهم). ([19])

  1. حديث سهل بن سعد رضي الله عنه (أن أناساً من بني عمرو بن عوف كان بينهم شيء فخرج إليهم النبي صلى الله عليه وسلم في أناس من أصحابه يصلح بينهم …) ([20])

قال الحافظ في الفتح: (وفي هذا الحديث فضل الإصلاح بين الناس، وجمع كلمة القبيلة، وحسم مادة القطيعة، وتوجه الإمام بنفسه إلى بعض رعيته لذلك، وتقديم فعل ذلك على مصلحة الإمامة). ([21])


الإجماع:

أجمع الصحابة على جواز التحكيم قال في الهداية: (الصحابة رضي الله عنهم مجمعون على جواز التحكيم وهو من فروع القضاء). ([22])

وروى أن عمر بن الخطاب وأبي بن كعب تقاضيا إلى زيد بن ثابت رضي الله عنهم فقال زيد لعمر: (لو أرسلت إلي لجئتك) فقال عمر: (في بيته يؤتى الحكم). ([23])

واشترى طلحة بن عبيد الله مالاً من عثمان بن عفان، فقيل لعثمان: إنك قد غبنت فقال: لي الخيار، فحكم بينهما جبير بن مطعم. ([24])

وفي موقعة صفين بين علي ومعاوية رضي الله عنهما، تم التراضي على تحكيم أبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص، وكتب عقد التحكيم وأعلنت الهدنة. ([25])

 

المطلب الثالث

الفرق بين التحكيم والقضاء والإفتاء

يعتبر كل منهما وسيلة لفض النزاع بين الناس أفراداً وجماعات، وتحقيق العدل ورفع الظلم، ولهذا كانت الشروط المطلوبة في المحكم هي ذات الشروط المطلوب توفرها في القاضي. قال في معين الحكام: (وأما ولاية التحكيم بين الخصمين: فهي ولاية مستفادة من آحاد الناس، وهي شعبة من القضاء متعلقة بالأموال دون الحدود والقصاص). ([26])

وهناك فروق بينهما من أهمها:

  1. أن القاضي صاحب ولاية عامة، بمعنى أن حكم القاضي يتعدى إلى غير المتخاصمين كما في صورة القتل الخطأ، وليس كذلك المحكم، فإن حكمه لا يتعدى إلى العاقلة. ([27])

كذلك لا يتعدى حكمه على وارث إلى الباقي، فإذا حكم بدين على ميت في مواجهة أحد الورثة لم يتعد حكمه إلى بقيتهم، ولا على الميت لعدم رضاهم بحكمه.

وانطلاقاً من هذا المبدأ، فإن المحكم لا يقيم حداً ولا يلاعن بين الزوجين، ولا يحكم في قصاص أو قذف أو نسب، على خلاف بين الفقهاء فيها، والراجح عند الشافعية عدم جواز التحكيم في تلك المسائل. ([28])

  1. أنه لابد من تراضي المحتكمين على تعيين المحكم للفصل في النزاع بخلاف القاضي فإن تعيينه من قبل ولي الأمر، وإذا رفع إليه النزاع من أحد الخصوم لزم الجميع حكمه.
  2. للمحتكمين حق عزل المحكم ما دامت سلطتهما في تعيينه تستند إلى رضاهما به، أما في القضاء فلا محل لتخويل المتقاضين حق عزل القاضي، لأنه لا يستمد سلطته منهم، كما لا يحق له أن يتخلى عن الفصل في الخصومة المطروحة عليه إلا لعذر شرعي، أو مبرر قانوني وإلا اعتبر متخلياً عن العدالة التي هي وظيفته.

الإفتاء:

يقال أفتى في المسألة إذا بين حكمها، واستفتى: سأل عن الحكم، قال تعالى (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ). ([29])

والإفتاء عند فقهاء الشريعة: إظهار الحكم الشرعي المتعلق بأمر من الأمور. وهكذا يتفق التحكيم والإفتاء في أن كلاً منهما إخبار عن الحكم الشرعي في الواقعة، ولكنهما يختلفان في كثير من الأمور، منها:

  • التحكيم يستلزم وجود نزاع بين طرفين، أما الإفتاء فقد يكون نتيجة طلب شخص يريد أن يعرف الحكم ليعمل به لنفسه.
  • يجرى التحكيم في مسائل حددها الفقهاء على اختلاف بينهم في تعدادها، أما الإفتاء فإنه يتناول جميع المسائل والأحكام.
  • التحكيم عقد ملزم لأطرافه، ويجب عليهم الالتزام بنتيجته من حيث العموم، أما الإفتاء فليس عقداً ولا تكون نتيجته ملزمة للمستفتي.
  • يتطلب التحكيم من المحكم دراسة وتمحيص الوقائع والأوراق التي تقدم إليه قبل أن يصدر حكمه على ضوء ما يظهر له بعد الدراسة والتمحيص، أما المفتي فإنه يسلم بالواقعة التي يطلب منه إظهار الحكم فيها دون مناقشة، إنما يستوضح عن صورة الواقعة لكي يطبق الحكم الشرعي على ضوء ذلك.

 

المطلب الرابع

مكانة التحكيم وشروطه

يعد التحكيم مخرجاً من كثير من المشاكل التي تقف في وجه سرعة الحسم في المنازعات الشخصية والدولية، مع ما هو مسلم به من أن التحكيم الرضائي يمكن أن يؤدى دوراً مهماً في المجتمع إلا أنه لا يكفي وحده لإسباغ دور عليه، وجعل الأولوية إليه، ذلك أن واجب الدولة توفير العدل والأمن لكل الرعايا، ولها الحق في أن تنفرد بفرض سيطرتها وسيادتها عليه في هذا الشأن دون أن يكون من حق أي منهم أن يتحرر من هذه السيطرة.

فالعدل وظيفة رئيسية للدولة الإسلامية ألزمها به القرآن الكريم، فمن ذلك قوله تعالى: (وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ). ([30]).

وقوله تعالى: (اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) ([31]) بل إن الكتاب المحكم أشار إلى أن ذلك من لوازم الرسالات السماوية جمعاء، قال تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) ([32]).

لذلك أمرت الشريعة الإسلامية بوجوب التعمق في الفهم وتمحيص الوقائع التي تعرض وصولاً إلى الحكم الصحيح، قال تعالى: (وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا) ([33]).

ولفرض العدالة وإشاعة الأمن لابد من الاستناد إلى سلطة الدولة وسيادتها، ويمثلها في هذا الشأن القضاء الذي تقيمه وتختار قضاته ونظمه وقوانينه الشكلية والموضوعية، ومن ثم تأمر برفع الخصومات إليه، والالتزام بما يقضي به، وتنفيذه تنفيذاً كاملاً، قال تعالى: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)). ([34])

وجلب الأمن وإشاعته بين الناس هو من أهم واجبات الدولة، كما سبقت الإشارة إليه، وبدونه لا يتحقق التكريم الذي أنعم الله به على بني آدم، ولا يكون هناك جدوى من أن يسخر لهم ما في السموات وما في الأرض، ذلك لأن افتقاد الإنسان للشعور بالأمن ينتقص من تكريمه، ويحرمه من الاستمتاع الحقيقي بما سخر له.

وقد أمرت الشريعة الإسلامية -في مجال حقوق الإنسان -بأن لا يؤخذ أحد لمجرد شبهة دون تثبت أو تحقيق عادل في الموضوع، كما يدل على هذا قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6)). ([35])
 

ومن ثم فإنه إذا كان التحكيم اختصاصاً ببعض المنازعات التي يختص بها القضاء بحسب الأصل، وإبعاداً لها عنه بالسماح للمتخاصمين بأن يأتمروا بأمر من لا تنبثق سلطته من سلطة القضاء، ولا تتفرع ولايته عن ولاية أخرى من ولاية الدولة، ومع هذا فإن السيادة العامة للقضاء، ولا يملك الأفراد بإرادتهم وحدها أن ينتقصوا من سلطة القضاء حتى ولو كان انتقاصاً غير حاسم، بمعنى أنه إذا لم ينفذ اتفاق التحكيم، أو لم تكتمل إجراءاته تعود إلى القضاء سلطة الحكم في المنازعة ويجبر الخصم على المثول أمامه والالتزام بأحكامه.

شروط التحكيم

يقوم التحكيم على اتفاقين متكاملين: الأول بين الخصمين، وبمقتضاه يتراضيان على شخص يفصل في النزاع القائم بينهما، والآخر بينهما وبين هذا الشخص الذي ارتضياه، وبمقتضاه يقبل أن يفصل في النزاع، وقد يكون الخصمان اثنين أو أكثر. وقد يكون المحكم واحداً أو أكثر.

والفقه الإسلامي لم يتضمن بصورة واضحة تقسيم صور الاتفاق على التحكيم على ما قبل نشوء المنازعة وما يلحق بها، إلا أن عباراته تتسع لذلك.

كما أن فقهاء الشريعة لا يعرضون لشروط كل واحد من أطراف النزاع اكتفاءً بأحكام الأهلية والولاية والتراضي ويستخلص من تلك الأحكام أنه يشترط في الخصم أن يكون أهلاً لرفع الدعوى، وإبرام عقد الصلح، كما أنه لابد من الرضا بين الطرفين، وأن يكون الرضا واضحاً، فإنه يجب أن تتطابق فيه الإرادتان على المحل، فيتفق الإيجاب والقبول اتفاقاً كاملاً، وإذا كان الرضا بالتحكيم لا يشترط أن يتم في شكل معين، وإنما يكفي فيه التقاء الإيجاب مع القبول وتطابق الإرادتين، فإنه لا يشترط فيه أن يكون سابقاً على المنازعة أو لا حقاً عليها، فيجوز أن يتفق على التحكيم بعد أن تنشب الخصومة، كما يجوز أن يتفق عليه مسبقاً، كأن يضمن الطرفان العقد الذى بينهما اتفاقاً على أن يتولى التحكيم حسم ما قد ينشأ من منازعات في تنفيذ العقد.

واشتراط الرضا من الأمور التي اتفقت المذاهب الأربعة عليها: قال ابن نجيم من الحنفية في بيان ما يخالف فيه التحكيم القضاء… (أنه لا بد من تراضيهما على كونه حكماً بينهما بخلاف حكم القاضي). ([36])

وقال ابن فرحون في التبصرة: (… ومعناه أن الخصمين إذا حكما بينهما رجلاً وارتضياه لأن يحكم بينهما فإن ذلك جائز في الأموال، وما في معناها) ([37]).

وقال الماوردي: وإذا جاز التحكيم في الأحكام، فنفاذ حكمه معتبر بأربعة شروط، منها: أن يتفق الخصمان على التراضي به إلى حين الحكم، فإن رضي به أحدهما دون الآخر، أو رضيا به ثم رجعا، بطل تحكيمه، ولم ينفذ حكمه، سواء حكم للراضي، أو للراجع) ([38])

قال ابن قدامة: (وإذا تحاكم رجلان إلى رجل حكماه بينهما ورضياه، وكان ممن يصلح للقضاء، فحكم بينهما، جاز ذلك، ونفذ حكمه عليهما) ([39]).

وقد علل بعض الفقهاء اشتراط الرضا بقولهم: لأن ما كان وجوده من شيئين لا بد له من وجودهما، وأما عدمه فلا يحتاج إلى عدمهما، بل لعدم أحدهما، وعلى هذا يسقط ما قيل: إنه لا يصح الإخراج إلا باتفاقهما أيضاً. ([40])

قال آخرون: لأن رضا الخصمين هو المثبت للولاية فلا بد من تقدمه. ([41])

وترتب على هذا الشرط أن حكم المحكم لا يتعدى إلى غير المتخاصمين اللذين رضياه وحكم، وأما غيرهما فلا ينفذ حكمه عليه ولا بد من رفعه على القضاء.

قال في الهداية: وإن حكماه في دم خطأ، فقضى بالدية على العاقلة لم ينفذ حكمه عليهما، لأنه لا ولاية له عليهم، إذ لا تحكيم من جهتهم. ([42])

وقال ابن فرحون: ولا يقيم المحكم حداً، ولا يلاعن بين الزوجين، ولا يحكم في قصاص أو قذف، أو طلاق، أو عتاق أو نسب، أو ولاء، إنما استثنيت هذه المسائل من هذه القاعدة لاستلزامها إثبات حكم أو نفيه من غير المتخاصمين، وما عدا هذين المحتكمين لم يرض بحكم المحكم. ([43])

وجاء في المادة (190) من قانون المرافعات القطري: يجوز الاتفاق على التحكيم في نزاع معين بوثيقة تحكيم خاصة، كما يجوز الاتفاق على التحكيم في جميع المنازعات التي تنشأ من تنفيذ عقد معين، ولا يثبت الاتفاق على التحكيم إلا بالكتابة. ويجب أن يحدد موضوع النزاع في وثيقة التحكيم أو أثناء المرافعة، ولو كان المحكمون مفوضين بالصلح، وإلا كان التحكيم باطلاً. ولا يجوز التحكيم في المسائل التي لا يجوز فيها الصلح، ولا يصح التحكيم إلا لمن له أهلية التصرف في حقوقه”.

وقد تضمنت هذه المادة شرط الرضا وشرط الأهلية، وهذان الشرطان من الشروط التي نص عليها فقهاء الشريعة الإسلامية، كما ذكرت المادة أنه لا يجوز التحكيم في المسائل التي لا يجوز فيها الصلح، كالحدود والكفارات والنسب، وهذا أيضاً من الأمور التي نص عليها الفقهاء، مما يدل على أن مرجعية هذه المادة هو فقه الشريعة الإسلامية.

وإذا جاز الاتفاق رضاء على عقد التحكيم فإنه يجوز للمتخاصمين أو أحدهما قبل الشروع في التحكيم والنظر أن يفسخ العقد، لأنه يترتب على جواز الفسخ والرجوع عن التحكيم إضرار بالمحكم، وبخاصة إذا كان على عوض، فقد يكتب وثائق، ويحضر معلومات فإذا أجزنا للمحتكم الرجوع في هذه الحالة، خسر المحكم ما كان حضره للقضية وأضر به ذلك في وقته وجهده وماله، فكان الإنصاف والعدل أنه لا يجوز الرجوع إلا قبل البدء في التحكيم من قبل المحكم لئلا يتضرر.

كما أن إباحة فسخ العقد من أحد الخصمين قد يضر بصاحبه، فكل من رأى أن الحكم لا يوافقه رجع فيبطل المقصود كما سبق ذكره والله قد أمر بالوفاء بالعقود في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ). ([44])

وأولى العقود بالوفاء ما يتضرر صاحبه من فسخه.

وقد ذهب بعض فقهاء الحنابلة إلى لزوم عقد التحكيم ولا يجوز لأحد أطرافه الرجوع عنه إذا كان موثقاً بالإشهاد عليه. ([45])

وهذا ما أخذت به المادة (194) من قانون المرافعات القطري.

ما إذا حكم المحكم في الخصومة فلا يشترط رضا الخصمين بحكمه ولا إلى حكم قاض بصحته، وهذا قول المالكية وأحد قولي الإمام الشافعي، قال في التبصرة: إذا حكم المحكم فليس لأحد أن ينقض حكمه وإن خالف مذهبه إلا أن يكون جوراً بيناً لم يختلف فيه أهل العلم. ([46])

وجاء في كتاب الحاوي: والشرط الرابع فيما يصير به الحكم لازماً لهما، وفيه للشافعي قولان نص عليهما في اختلاف العراقيين. والقول الثاني: أنه يكون بحكم المحكم لازماً لهما، ولا يقف بعد الحكم على خيارهما. ([47])

وجاء في المغني: (وإذا تحاكم رجلان إلى رجل حكماه بينهما ورضياه، وكان ممن يصلح للقضاء، فحكم بينهما، ونفذ حكمه عليهما، وبهذا قال أبو حنيفة، وللشافعي قولان، أحدهما لا يلزمهما حكمه إلا بتراضيهما). ([48])

واستدل أصحاب هذا الاتجاه بقوله صلى الله عليه وسلم (من حكم بين اثنين تراضيا به فلم يعدل بينهما فعليه لعنة الله). ([49])

ووجه الدلالة من هذا الحديث أن الوعيد دليل على لزوم حكمه كما قال تعالى في الشهادة (وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ) ([50]) فدل الوعيد على لزوم الحكم بشهادته.

وهناك رأي آخر في الفقه الإسلامي يرى أن حكم المحكم لا يلزم إلا بعد أن ينظر فيه القاضي، فإن كان موافقاً لرأيه وللحق عنده أمضاه، وإن كان مخالفاً لرأيه وللحق عنده رده. جاء في شرح أدب القاضي: (فإذا أمضى -أي المحكم -الحكم عليهما فليس لواحد منهما أن يرجع عن ذلك… لكن ينبغي للقاضي إذا رفع إليه حكم هذا المحكم أن ينظر فيه، فإن كان موافقاً لرأيه وللحق عنده أمضاه، وإن كان مخالفاً لرأيه وللحق عنده رده). ([51])

وقالوا معللين ذلك: بأن المحكم لا ولاية له على القاضي فلا يكون حكمه حجة عليه، فكان بمنزلة الصلح في حقه، فله أن يرده إذا كان مخالفاً لرأيه، ويمضيه إذا كان موافقاً لرأيه، ولأن حكمه عقد في حق الحاكم فملك فسخه كالعقد الموقوف في حقه، ولأنه لما وقف على خيارهما في الابتداء وجب أن يقف على خيارهما في الانتهاء. ([52])

والذي يترجح عندي من ذلك هو قول من قال: إن حكم المحكم واجب التنفيذ على الطرفين من غير حاجة إلى حكم القاضي، لأن المحكم له ولاية على الخصمين، فيلزم حكمه كما يلزم حكم القاضي، وإذا لزم لم يكن لغيره فسخه كما لو حكم به قاضٍ آخر، ولأنه قضاء بولاية من قبلهما وقضاء القاضي ليس لهما الخيار فيه، فكذلك في حكم المحكم.

وجاء في قانون المرافعات المدنية القطري في المادة (204): “لا يكون حكم المحكمين قابلاً للتنفيذ إلا بأمر يصدره قاضي المحكمة التي أودع أصل الحكم قلم كتابها… ويصدر القاضي الأمر بالتنفيذ بعد الإطلاع على الحكم ووثيقة التحكيم، وبعد التثبت من أنه لا يوجد ما يمنع من تنفيذه ويوضع أمر التنفيذ بذيل أصل الحكم …”.

ومفاد هذا أن أحكام المحكمين تنفذ عن طريق القضاء، لأنه يجوز من حيث الجملة الطعن على حكم التحكيم بالاستئناف والتماس إعادة النظر، وهذا ما قررته المادتان (205)، (206) من قانون المرافعات المذكور.

ويتلخص مما مضى أن جمهور الفقهاء يشترط في المحكم صلاحيته للقضاء، وتشترط هذه الصلاحية وقت التحكيم ووقت الحكم لأن المحكم بمنزلة القاضي فيما بين الطرفين، لكن خفف بعض الحنابلة من بعض تلك الشروط، قال في الكشاف: العشر صفات التي ذكرها في المحرر في القاضي لا تشترط فيمن يحكمه الخصمان. ([53])

وهذا القول وجيه ذلك أن اختيار المحتكمين للمحكم يكون أحياناً بناءً على دقة تخصصه أو رجاحة عقله أو خبرته العملية في مجال معين، وقد نقل عن بعض المالكية جواز تحكيم بعض من لا يصلح للقضاء وقالوا: عن العبد إذا كان بصيراً عارفاً مأموناً فإن تحكيمه وحكمه جائز إلا في خطأ بين. قال ابن حبيب وبه أخذ، وقد ولى عمر الشفاء سوق المدينة، ولابد لوالي السوق من الحكم بين الناس ولو في صغار الأمور. ([54])

وهناك نوع من الشروط تتعلق بالمحكوم به، وهو لا يخلو من أن يكون في مسائل الأحوال الشخصية أو في مسائل السياسة الشرعية، أو في مسائل المعاملات المالية، أو في مسائل الحدود والقصاص، ويمكن توضيح ذلك باختصار من خلال كل مسألة من المسائل المذكورة في البحث التالي عن مجالات التحكيم.

 

المبحث الثاني

مجالات التحكيم

المطلب الأول

التحكيم في المسائل الأسرية والمالية والجنائية

1-التحكيم في الشقاق بين الزوجين

قد يطرأ على الحياة الزوجية ما يكدر صفوها ويفسد جوها بأسباب تكون من الزوج حيناً وحيناً من الزوجة، وربما منهما معاً، لذلك شرع بعث الحكمين لتقصي أسباب الشقاق ومعرفة من المتسبب فيه ومحاولة الإصلاح إن كان بالإمكان وإلا التفريق المبين على أسس عادلة. قال تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا) ([55])

قال ابن العربي: هي من الآيات الأصول في الشريعة، ثم قال عن الحكمين ودورهما في التحكيم: هذا نص من الله سبحانه وتعالى في أنهما قاضيان لا وكيلان … ينظران فيما عند الزوجين بالتثبيت فإن رأيا للجمع وجهاً جمعا، وإن وجداهما قد أثابا تركاهما وهذا مذهب مالك، وقال أبو حنيفة وأحمد إنهما وكيلان عنهما فلا يفرقان بينهما إلا برضاهما وهو الأصح من قولي الشافعي، والقول الثاني يتفق وقول مالك. ([56])

وعلى هذا فالتحكيم في هذه الشعبة من شعب الفقه متفق عليه وإن كان ثمة خلاف فإنما هو في مدى اختصاص الحكمين بالتفريق وهل تشترط موافقة الزوجين أم يتفردان دونهما بالتفريق، كما اختلفوا في المخاطبين في قوله تعالى (فَابْعَثُوا) قال سعيد بن جبير: إنه السلطان الذي يترافعان إليه، وقال السدى: الرجل والمرأة. وقال مالك: قد يكون السلطان وقد يكون الوليين إذا كان الزوجان محجورين.

هذا وقد اختلف في بعض مسائل الأحوال الشخصية هل يجوز فيها التحكيم أم لا؟، ومن هذه المسائل اللعان النسب والطلاق وفسخ النكاح والرشد والسفه وكذلك بالنسبة للغائب مما يتعلق بماله وزوجته وحياته وموته، فقد نص المالكية على عدم جواز التحكيم في هذا المسائل، لأن هذه الأمور إنما يحكم فيها القضاة، لأن الحق فيها يتعلق بغير الخصمين إما لله كالطلاق، وإما لآدمي كاللعان والولاء والنسب، ففي اللعان حق الولد بقطع نسبه وفي الولاء والنسب ترتيب أحكامهما من نكاح وعدمه وإرث وعدمه وغير ذلك على الذرية التي ستوجد، وقال الشافعي: لا يجوز التحكيم في الولاية على الأيتام وإيقاع الحجر على مستحقيه. ([57])

وأطلق الحنابلة الجواز وقالوا: إن المحكم ينفذ حكمه في المال والقصاص والحد والنكاح واللعان وغيرهما حتى مع وجود قاضٍ فهو كحاكم الإمام. ([58])

وقد أخذ قانون الأسرة القطري رقم (22) لسنة 2006 بمبدأ التحكيم في مسألة الشقاق بين الزوجين، ففي المادة (130) نص على أنه “إذا لم يثبت الضرر واستمر الشقاق بين الزوجين، وتعذر الإصلاح يعين القاضي حكمين من أهليهما ممن يتوسم فيهما القدرة على الإصلاح “.

وقد أوضحت هذه المادة أنه إذا لم يثبت طالب التطليق ما يدعيه من إضرار الآخر به، واستمر الشقاق بينهما وأصر المدعي على دعواه وتعذر على القاضي الإصلاح فإنه يعين حكمين من أهل الزوجين، أو من غير الأهل ممن يتوسم فيه القدرة على الإصلاح.

والتحكيم بين الزوجين مبدأ أسسه القرآن الكريم ومهد به الطريق لإصلاح ذات البين بين الأزواج، وسن بذلك فكرة التحكيم في عموم مفهومها ومع اتساع دائرتها.

2-التحكيم في المعاملات المالية

يعتبر التحكيم من أقدم الوسائل التي اتخذتها الأمم والشعوب، والأفراد لحل المنازعات وفصل الخصومات ولجؤوا إليه في مختلف الأزمنة والعصور حتى صار في عصرنا اليوم من أبرز الوسائل لحل المنازعات المالية والتجارية، إذ صار التحكيم فيها مظهراً من مظاهر العصر يلجأ إليه أصحاب الأعمال تجنباً لطول الإجراءات القضائية.

ولهذا كان أول تقنين لمسائل التحكيم طبقاً للشريعة الإسلامية، النصوص التي اشتملت عليها مجلة الأحكام العدلية، فقد نصت المادة (1841) على أنه: (يجوز التحكيم في دعاوى المال، المتعلقة بحقوق الناس)، وجاءت المواد التالية لتنظيم أحكامه التفصيلية، ثم أخذت التشريعات الوضعية تخصص للتحكيم نصوصاً خاصة في قوانين المرافعات، وبات التحكيم يأخذ مكانة مهمة على مستوى دول العالم، قال ابن فرحون: (إن الخصمين إذا حكما بينهما رجلاً وارتضياه لأن يحكم بينهما فإن ذلك جائز في الأموال وما في معناها) ([59])

3-التحكيم في الحدود والقصاص

اختلف الفقهاء في جواز التحكيم في الحدود والقصاص، فذهب الحنابلة إلى جواز التحكيم في الحدود والقصاص، وتوسعوا في ذلك فلم يقيدوه بشيء مما قيده به غيرهم فينفذ التحكيم في المال والقصاص والحدود والنكاح واللعان وغيرها. ([60])

وللشافعية فيه قولان، قال في المهذب: واختلف أصحابنا فيما يجوز فيه التحكيم، فمنهم من قال: يجوز في كل ما تحاكم فيه الخصمان كما يجوز حكم من ولاه الإمام. ([61])

وذهب فريق إلى أنه لا يجوز التحكيم في الحدود التي لله تعالى حق فيها وهو قول الحنفية والشافعية.

قال البابرني: (لا يجوز التحكيم في الحدود الواجبة حقاً لله تعالى باتفاق الروايات لأن الإمام هو المتعين لاستيفائها، وأما حد القذف والقصاص فقد اختلف المشايخ، قال شمس الأئمة، من أصحابنا من قال بالتحكيم في حد القذف والقصاص جائز). ([62])

وقال الخصاف: ولو أن رجلين حكما بينهما رجلاً في حد أو قصاص فحكم بينهما لم يجز ذلك، ومن أصحابنا من قال إنما لا يجوز هذا في الحدود الواجبة لله تعالى، أما في القذف والقصاص فإنه يجوز. ([63])

وقال الماوردي: والأحكام تنقسم في التحكيم إلى ثلاثة أقسام: قسم يجوز فيه التحكيم وهو حقوق الأموال وعقود المعاوضات وما يصح فيه العقد والإبراء، وقسم لا يجوز فيه التحكيم وهو ما اختص القضاة بالإجبار عليه من حقوق الله تعالى والولايات على الأيتام وإيقاع الحجر على مستحقيه، وقسم مختلف فيه وهو أربعة أحكام: النكاح، واللعان، والقذف، والقصاص. ([64])

ومنع المالكية التحكيم في الحدود والقصاص، قال الصاوي: والحاصل أنه يحكم في الأموال والجراحات عمدها وخطئها لا في الحدود ومنها قطع اليد في السرقة ولا في النفوس لأن الحدود المقصود منها الزجر، وهو حق الله وكذلك القتل لأنه إما لردة أو حرابة، وكله حق لله لتعدى حرماته. ([65])

المطلب الثاني

التحكيم في مسائل السياسة الشرعية

1-التحكيم في وقف الحرب

توصلت دول العالم إلى فض المنازعات بالطرق الودية كوسيلة لمنع الحروب، فقررت عرض كل نزاع يقوم بين الدول على التحكيم أو القضاء، وحظرت الالتجاء إلى الحرب قبل استنفاد هذه الوسائل العملية وهو ما نص عليه ميثاق الأمم المتحدة. ([66])

وقد عالج الفقه الإسلامي هذا الجانب، فنص على أنه لا يقاتل المسلمون غيرهم إلا بعد أن يدعوهم إلى الله ورسوله، ويبينوا لهم أحكام الإسلام وشرائعه. ([67])

وقال الماوردي في الأحكام السلطانية: والقسم الثاني من أحكام هذه الإمارة في تدبير الحرب، والمشركون في دار الحرب صنفان: … الصنف الثاني لم تبلغهم دعوة الإسلام … فيحرم علينا الإقدام على قتالهم غرة وبيناً، أو أن نبدأهم بالقتل قبل إظهار دعوى الإسلام لهم وإعلامهم من معجزات النبوة وإظهار الحجة بما يقودهم إلى الإجابة، مستدلاً بقوله
تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) ([68]). وإذا عرضوا الصلح أو التحكيم أجيبوا إليه.

وقال أبو يوسف: وإذا حاصر المسلمون حصناً لأهل الحرب فصالحوهم على أن ينزلوا على حكم سموه فحكم فقد يكون الحكم بالقتل أو بوضع الجزية أو بغير ذلك فكل ذلك جائز.

وكان أول تحكيم في الإسلام هو التحكيم الذي جرى في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في قضية بني قريظة، فقد حاصرهم إلى أن نزلوا على أن يحكم بينهم سعد بن معاذ وكان جريحاً من سهم أصابه يوم الخندق، وكان في خيمة رفيدة، فأتاه قومه فحملوه على حماره ثم قالوا: إن رسول الله قد ولاك الحكم في بني قريظة وهم حلفاؤك.

فقال: لقد آن لسعد أن لا يخاف في الله لومة لائم، فخرج ومن كان معه ممن سمع مقالته على دار قومه يبغي رجال بني قريظة، فلما وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم قباله من ذلك المكان قال: عليكم العهد والميثاق: إن الحكم فيهم ما حكمت؟ وهو غاض طرفه عن موضع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله والمسلمون: نعم، فقال: حكمت فيهم أن تقتل المقاتلة وتسبى الذرية.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سموات. ([69])

ومن المسائل التي تناولها الفقهاء في هذا الجانب لو نزل العدو على حكم رجل ثم تبين بعد الحكم أنه لم يكن مستجمعاً لشروط الحكم، ينظر الإمام في حكمه فما كان صواباً أمضاه وما كان غير صوابٍ رده وتولى الحكم بنفسه فيما يراه مصلحة. ([70])

وهناك رأى آخر في مثل هذه المسألة أنه لا يعمل بهذا الحكم ويبقون على ما كانوا عليه قبل الحكم فإن كانوا في حصن ونزلوا منه ردوا إليه). ([71])

2-التحكيم في المسائل الدستورية

ذكر الماوردي في معرض الاستدلال على جواز التحكيم ما قام به أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه من قبول للتحكيم في موضوع الإمامة.

وكذلك تحكيم أهل الشورى عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه في اختيار الخليفة من بين أهل الشورى الذين اختارهم عمر رضي الله عنه قبل موته. ([72])

والتحكيم في المسألة الأولى مشهور في كتب السير والتاريخ، وتغني تلك الشهرة عن ذكره. أما تحكيم أهل الشورى عبد الرحمن بن عوف فقد أخرجه في كنز العمال من حديث عمرو بن ميمون وغيره.

وأورد الخبر بطوله ابن سعد في الطبقات عند الكلام عن ترجمة عمر رضي الله عنه وخبر مقتله واستخلافه علياً وعثمان وطلحة والزبير وعبدالرحمن وسعداً قال : فلما اجتمعوا قال عبدالرحمن : إجعلوا أمركم على ثلاثة نفر منكم، فجعل الزبير أمره إلى علي وجعل طلحة أمره إلى عثمان وجعل سعد أمره إلى عبد الرحمن، فأتمروا أي الثلاثة – حين جعل الأمر إليه، فقال : عبدالرحمن : أيكم يبرأ من الأمر ويجعل الأمر إلى علي ألا آلوكم عن أفضلكم وخيركم للمسلمين فسكت الشيخان علي وعثمان ، فقال عبد الرحمن : تجعلانه إلي وأنا أخرج منها، فو الله لا آلوكم عن فضلكم وخيركم للمسلمين قالوا: نعم إلى آخر القصة. ([73])

ومن هنا نرى أن مجال التحكيم واسع في الفقه الإسلامي، فهو يتسع لكل المسائل والوقائع سواء ما كان متعلقاً منها بفروع القانون الداخلي أو الدولي، وبعبارة أخرى بأحكام السياسة الشرعية أو فروع الفقه الأخرى إلا ما اتفق على عدم خضوعه للتحكيم إما بنص شرعي أو بنص قانوني يضعه ولي الأمر من باب المصلحة العامة.

والراجح أن التحكيم جائز في مسائل الأحوال الشخصية والقضايا المالية والتجارية ومسائل الحدود والقصاص وغيرها، وذلك لعدة أسباب ومرجحات:

  1. أن القرآن حث على بعث الحكمين في حالة الشقاق بين الزوجين وهو تحكيم في أدق المسائل وأكثرها خصوصية رغبة في سرعة إنهائها على الوجه الذي يراه الحكمان.
  2. وإن التحكيم في الحدود إذا لم يرفع لولي الأمر أو من ينيبه فإنه جائز، لأن أطراف القضية قد لا يرغبون في نشرها وإظهارها، فإذا حكموا شخصاً منهم لحل الإشكال بطريقة تحفظ الحقوق وتصون الأعراض فليس هناك ما يمنع شرعاً، قبل أن يرفع الأمر إلى الجهات القضائية المختصة، لأنه لا يلزم ديناً أن يرفع أفراد الناس أمر الحدود إلى ولي الأمر إلا من كان مكلفاً بذلك وما عداه فالمستحب في حقه الستر وعدم نشر الفاحشة وإساءة سمعة الأخرين.
  3. والتحكيم في الأمور التجارية يلجأ إليه أصحاب الأعمال والشركات من أجل سرعة الفصل في النزاع، أو لعدم الثقة في قانون البلد الذي أجري العقد فيه ويكون اللجوء إلى محاكمه عند النزاع، أو لاعتبارات تجارية من حيث السمعة وغير ذلك.

 

المطلب الثالث

قواعد التحكيم في التشريعات الوضعية

بينا فيما سبق القواعد المهمة المتعلقة بالتحكيم من وجهة نظر الفقه الإسلامي، وتلك القواعد أخذت بها التشريعات والنظم القانونية الحديثة، ولما كانت هذه النظم لا خلاف بينها سيما في المسائل الجوهرية فأكتفي بعرض أهم هذه الأحكام العامة مستشهداً ببعض نصوص القانون القطري، وقد وردت تلك القواعد في قانون المرافعات في الباب الثالث عشر وهو في التحكيم من المواد (190-210).

1 -الاتفاق على التحكيم

لا يعرض النزاع على المحكمين إلا باتفاق ذوي الشأن، وهذا الاتفاق قد يكون منصوصاً عليه في العقد أو في وثيقة تحكيم خاصة (190 مرافعات).

2-شروط التحكيم

وأهم هذه الشروط

  1. توفر الأهلية (190 مرافعات). وعلى هذا فإنه لا يجوز للمحجور عليه أو القاصر أو المحروم من حقوقه المدنية أن يقوم بإبرام عقد التحكيم.
  2. أن يصلح الحق المتنازع عليه كمحل للتحكيم، ولا يكون المحل صالحاً للتحكيم إذا كان مما لا تجوز المصالحة عليه كأن يكون متعلقاً بالحالة الشخصية أو بالنظام العام، فمثلاً لا يجوز التحكيم على حق الزوج في الطلاق.
  3. تحديد محل النزاع.
  4. ويترتب على الاتفاق على التحكيم أنه لا يجوز عرض النزاع على القضاء، فإذا رفعت أمام القضاء كان المدعى عليه الحق في الدفع بعدم القبول.

3- يجوز أن يكون المحكم واحداً، ويمكن أن يكونوا متعددين، وفي الحالة الأخيرة يجب أن يكون عددهم وتراً، ويترتب على عدم مراعاة ذلك بطلان التحكيم.

  1. رد المحكم وتنحيته وعزله لأنه في حكم القاضي.
  2. حكم المحكمين يصدر بأكثرية الآراء إذ كانوا متعددين.
  3. حكم المحكمين يجوز استئنافه طبقاً للقواعد المقررة لاستئناف الأحكام.

هذه أهم القواد التي تنص عليها القوانين الوضعية في التحكيم، وهي تتفق في مجملها مع الأحكام الواردة في الفقه الإسلامي، أو لا تتعارض معها.

 

المطلب الرابع

التحكيم الدولي

الشريعة ومبدأ التحكيم الدولي

الإسلام يرجح السلام على الحرب ويجنح إليه ما وجد إلى ذلك سبيلاً ولا يميل إلى الحرب إلا إذا فرضت عليه دفاعاً عن العقيدة وعن النفس والوطن، وقد جاءت آيات القرآن الواردة في القتال صريحة في تحديد سبب الحرب قال تعالى: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (41)). ([74])

جاء الإذن بالقتال في هذه الآية ولم يعلل بنشر الإسلام أو إلجاء الناس إليه، وإنما علله بما وقع على المسلمين من ظلم، وما أكرهوا عليه من الهجرة والخروج من ديارهم من غير حق إلا أن يقولوا كلمة الحق ([75]).

فالسلام من سمات الإسلام البارزة وصفة من صفات أهل الإيمان، لذلك دعاهم ربهم جل وعلا إلى الدخول في السلام، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً) ([76]).

كما بين تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم أن أعداءه وإن كانوا غير صادقين في دعوتهم له بالسلم وإن كانوا يضمرون كيداً وخداعاً فعليه أن يقبل منهم السلام إذا طلبوه منه، وليفوض أمره إلى الله ولا يخاف من كيدهم ومكرهم وتوسلهم بالصلح إلى الغدر، فقال: (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61)) ([77]).

وشريعة الإسلام تجيز المعاهدات وتؤكد على الوفاء بعقودها، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ). ([78]) وقال تعالى: (وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ) ([79]).

وقد تتنوع المعاهدات بحسب الظروف والأحوال، فمنها معاهدات حسن الجوار والتعايش السلمي كالمعاهدات التي عقدها الرسول صلى الله عليه وسلم حين هاجر إلى المدينة مع اليهود، وقد جاء في بنود هذه المعاهدة: (… وأن من تبعنا من يهود فإن له النصرة والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم).

ومنها ما يصح أن يطلق عليها المعاهدات وعقود الأمان، وهناك اتفاقات الصلح وهو ما يكون غالباً عند نشوب الحرب أو التهديد بها، وتخضع هذه المعاهدات والاتفاقيات إلى ظروف الدول وتلبية حاجاتها ومتطلباتها، والقرآن يؤكد على احترام المعاهدات بمختلف أنواعها.

وقد أوضح صلى الله عليه وسلم حرصه على التعاون في سبيل القضاء على الخصومات وإزالة أسبابها فيقول: لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت ([80]).

وفي الجاهلية حدث خلاف بين قريش بشأن الحجابة والسقاية والرفادة، فبينما الناس على ذلك قد أجمعوا للحرب إلا أنهم تداعوا للصلح على أن يعطوا بني عبد مناف السقاية والرفادة، وأن تكون الحجابة واللواء والندوة لبني عبد الدار كما كانت ففعلوا ورضي كل واحد من الفريقين بذلك، وتحاجز الناس عن الحرب وثبت كل قوم مع من حالفوا فلم يزالوا على ذلك حتى جاء الله بالإسلام فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما كان من حلف في الجاهلية فإن الإسلام لم يزده إلا قوة. ([81])

ومن هذا المنطلق الواضح الذي نهجته الشريعة الإسلامية والمواقف الثابتة للمسلمين منذ صدر الإسلام، نستطيع القول بأن التعاون الدولي في سبيل القضاء على أسباب الخلافات التي تنشب بين الدول أمر يقره الإسلام بل يحث عليه.

ولهذا وجدنا الدول الإسلامية من أوائل الدول التي سارعت على إقرار ميثاق الأمم المتحدة والتعاون في مختلف نشاطاتها وهيئاتها بما في ذلك محكمة العدل الدولية.

وكان الدافع لإنشاء هذه المحكمة هو حرص الدول على حل منازعاتها بعيداً عن صوت السلاح والتهديد بالحروب وما ينتج عن ذلك من دمار شامل وإهلاك للحرث والنسل، فأخذ المشتغلون بالقانون الدولي يعملون لتهيئة الظروف وتوجيه الرأي العام نحو فكرة إنشاء محكمة قضائية دولية تفصل في المنازعات القانونية التي تنشأ بين الدول، وكانت هناك وسائل مختلفة، وإليك لمحة سريعة عن تطور فكرة التحكيم عموماً إلى أن أنشئت محكمة العدل الدولية.

– كان أولى الوسائل هي إنشاء لجان التحقيق الدولي، وقد تناولت إتفاقية لاهاي (1899-1907) موضوع التحقيق ضمن الوسائل السلمية التي ذكرتها لتسوية المنازعات الدولية والقواعد والإجراءات المتصلة بها.

– إنشاء لجان التوفيق، وهي نوع من أنواع الوساطة نبهت إليه عصبة الأمم في بدء تكونها ولاقت رواجاً لدى الدول، ونصت عليها في كثير من المعاهدات الثنائية، كما أبرمت بشأنها بعض المعاهدات العامة، وتتولى التوفيق لجان خاصة أطلق عليها اسم لجان التوفيق وتناولت ميثاق التحكيم العام الذي وضعته عصبة الأمم في 26/9/1928 المعروف باسم ميثاق جنيف العام موضوع التوفيق في الفصل الأول منه ونص على الإجراءات والأحكام المتصلة به. وتشبه قرارات هذه اللجنة ومهمتها هيئات التحكيم أو القضاء، وتختلف عنها من حيث إنها ليس لقراراتها صفة إلزامية بخلاف قرار التحكيم أو حكم القضاء الذي له صفة إلزامية في حق الدول.

– التحكيم والقضاء

  1. التحكيم هو النظر في نزاع بمعرفة شخص أو هيئة يلجأ إليه المتنازعون مع التزامهم بتنفيذ القرار الصادر في موضوعه.

وقد كان التحكيم في مقدمة المسائل التي اهتمت مؤتمرات لاهاي (1899-1907)، وتضمنته الاتفاقية الخاصة بتسوية المنازعات الدولية بالطرق السلمية، ووضعت الأحكام العامة للتحكيم وإجراءاته كما تقرر فيها تكوين هيئة دائمة للتحكيم يمكن للدول إذا شاءت أن تستعين بها بدلاً من هيئات التحكيم الخاصة التي تختارها بمناسبة كل نزاع، وأطلق على هذه الهيئة اسم محكمة التحكيم الدولي الدائمة.

  1. محكمة العدل الدولي، وقد أنشئت في ظل عصبة الأمم، وفي شهر ديسمبر 1920 أقر مشروع هذه المحكمة وأبرم بذلك بروتوكول خاص تضمن النظام الأساسي للمحكمة، وبلغ عدد الدول التي وقعت عليه وانضمت إليه إحدى وخمسين دولة.

وبعد أن صفيت أعمال عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الثانية وأنشئت هيئة الأمم المتحدة أعيد تكوين المحكمة باسم محكمة العدل الدولية، وقد نصت المادة (92) من ميثاق الأمم المتحدة على إنشاء هذه المحكمة وجاء فيها: محكمة العدل الدولية هي الأداة القضائية الرئيسية للأمم المتحدة، وتقوم بعملها وفق نظامها الأساسي الملحق بهذا الميثاق، وهو مبني على النظام الأساسي للمحكمة الدائمة للعدل الدولي وجزء لا يتجزأ من هذا الميثاق).

إن التعاهد الدولي على التعاون أمر يقره الإسلام ويدعو إليه، بل سبق العالم إلى وضعه وإقراره وتنفيذه، وأكبر دليل على ذلك هو الكتاب الذي كتبه صلى الله عليه وسلم حين هاجر إلى المدينة بين المهاجرين والأنصار وبين اليهود وقد جاء في ذلك الكتاب:

“بسم الله الرحمن الرحيم: هذا كتاب من محمد النبي صلى الله عليه وسلم بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم، بأنهم أمة واحدة من دون الناس”.

وبعدما بين ما ينبغي أن يكون عليه التعاون بين قبائل العرب من المهاجرين والأنصار واليهود، قال في شأن اليهود: “وإن من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم”، ثم بين أن اليهود يتفقون مع المؤمنين ما داموا غير محاربين، وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين لليهود دينهم وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم وأثم فإنه لا يظلم إلا نفسه وأهل بيته.

ثم ينظم هذه العلاقة فيقول:

“وأنه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه لا ينحجز على ثأر جرح، وإن من فتك بنفسه فتك، وبأهل بيته إلا من ظلم، وإن الله على أيد هذا-أي على الرضا به -وأن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم، وأنه لا يأثم امرؤ بحليفه، وأن النصر للمظلوم، وأن اليهود يتفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين وأن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة “. ([82])

وتمضي هذه الصحيفة على هذا النحو إلى نهايتها.

إن من يقارن بين ما جاء في صحيفة النبي صلى الله عليه وسلم وبين ما جاء في ميثاق الأمم المتحدة لا بد أن ينتهي إلى أن هذا الميثاق متفرع عن ذلك الأصل وأنه حذا حذوه واهتدى بمبادئه واسترشد بنور النبوة ومشكاة الهداية: (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ). ([83])

إن الرسول صلى الله عليه وسلم بارك أي عمل يحفظ للإنسانية كرامتها ويصون أمنها وسلامتها من غير نظر إلى من قام به، ولهذا أبدى رضاه عن الأحلاف التي عقدها العرب بينهم في الجاهلية، لأن فيها خيراً للناس فهو القائل: (لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً، ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت).

وقوله: (ما كان من حلف في الجاهلية فإن الإسلام لم يزده إلا قوة).

وكذلك ما قاله لأصحابه حين هاجروا إلى الحبشة: “إن بها ملكاً لا يظلم عنده أحد”، فمن هذه المبادئ المسلمة في الإسلام يتضح لنا أن ما اتفقت عليه الأمم بمحض اختيارها في منع الحروب ونشوب الخصومات والاتفاق على إيجاد حلول لها أمر لا يأباه الإسلام بل يحث عليه ويجعله من مسلماته ما دام الهدف منه حفظ الحقوق وإرساء العدالة بوسيلة مباحة.

ومع هذه المنارات الشامخة من عمل الرسول صلى الله عليه وسلم وهديه لابد من النظر فيما كتبه الفقهاء في هذا المجال، ومثاله الاحتكام إلى محكمة العدل الدولية:

أولاً- إذا كان النزاع خاصاً بالمسلمين، فإن كان بشأن معاملات مالية وعقود تجارية فهذا النوع من النزاع لا يشكل معضلة لأن أثره وإن كان سلبياً فإنه يكون محدوداً، أما إذا كان بشأن خلاف ذي طابع حربي، كتلك الخلافات على الحدود أو استغلال الثروة الطبيعية في مناطق متنازع عليها وهو ما يقع بين دولتين متجاورتين على الحدود أو بعض المقاطعات فإن طرحها على المحكمة الدولية باعتبارهما عضوين في الأمم المتحدة مما لا تأباه الشريعة ولا يصطدم مع مبدأ من مبادئها باعتباره أحد بنود العقد وإن كان الأولى حلها عن طريق جماعة المسلمين والمنظمات الإقليمية كمنظمة المؤتمر الإسلامي أو جامعة الدول العربية أو مجلس التعاون بحسب طبيعة النزاع والدول المتنازعة لأن هذه الأمور تلتقي مع أهداف المنظمة الدولية في إنشاء منظمات إقليمية تسهم في إقرار السلام والمحافظة على الأمن في المناطق التي توجد فيها، وقد أفرد ميثاق الأمم المتحدة (الفصل الثامن) لهذه المنظمات جاء فيه (ليس في هذا الميثاق ما يحول دون قيام منظمات
أو وكالات إقليمية تعالج من الأمور المتعلقة بحفظ السلم والأمن الدولي ما يكون العمل الإقليمي صالحاً فيها ومناسباً ما دامت هذه المنظمات أو الوكالات الإقليمية ونشاطها متلائمة مع مقاصد الأمم المتحدة مبادئها) ([84]) ومن المنظمات الإقليمية القائمة الآن : اتحاد الدول الأمريكية، جامعة الدول العربية، منظمة الوحدة الإفريقية ([85]).

أما إذا استعصى الحل أو عجزت هذه المنظمات عن إيجاد حلول يقبل بها الطرفان المتنازعان فلا حرج في هذه الحالة إن هي التجأت إلى المنظمات الدولية الأعلى شأناً مثل المحكمة الدولية لأن هذا إضافة إلى ما سبق بشأن جواز التعاقد، فإنه أيضاً من قبيل الاستعانة بغير المسلم.

والاستعانة بغير المسلم إما أن تكون على مسلمين ظالمين باغين أو على غير مسلمين.

أما الانتصار بهم على الباغين الظالمين ففيه ثلاثة أقوال:

القول الأول: لا يجوز وهو قول جمهور الفقهاء المالكية والشافعية والحنابلة. ([86])

القول الثاني: جواز الاستعانة بشرط ألا يكون حكم أهل الشرك هو الظاهر ([87])، قال في المبسوط: (وإن ظهر أهل البغي على أهل العدل حتى ألجؤوهم إلى دار الشرك فلا يحل لهم أن يقاتلوا مع المشركين أهل البغي، لأن حكم أهل الشرك ظاهر عليهم ولا يحل لهم أن يستعينوا بأهل الشرك على أهل البغي من المسلمين إذا كان حكم أهل الشرك هو الظاهر).

ثم قال: (ولا بأس أنه يستعين أهل العدل بقوم من أهل البغي وأهل الذمة على الخوارج إذا كان حكم أهل العدل ظاهراً).

ومفاد هذا النص أنه يتعين لجواز الاستعانة ظهور حكم أهل العدل.

القول الثالث: وهو لطائفة من الزيدية جاء في شرح الأزهار (مما يجوز للإمام فعله هو الاستعانة بالكفار والفساق على جهاد البغاة من المسلمين). ([88])

ثانياً-وإن كان النزاع مع دول غير إسلامية، فإن الاستعانة بغير المسلمين على غير المسلمين جائزة، ومن الفقهاء من يقيدها بقيود، واستدلوا على جواز الاستعانة بالكفار بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد استعان بيهود بني قينقاع على بني قريظة ([89])، وقال الطحاوي لا بأس بالاستعانة بأهل الكتاب في قتال من سواهم إذا كان حكمنا هو الغالب، ويكرهون ذلك إذا كانت أحكامنا بخلاف ذلك. ([90])

وجاء عن الإمام الشافعي رضي الله عنه في الأم (ثم استعان، أي رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد بدر بسنتين في غزوة خيبر بعدد من يهود بني قينقاع كانوا أشداء واستعان رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة حنين سنة ثمان بصفوان بن أمية وهو مشرك، ويرى أن رد بعض المشركين إما أن له الخيار في الاستعانة وعدمها أو يرده لمعنى يخافه منه كما يكون له رد مسلم، أو أنه كان ممنوعاً من الاستعانة ثم نسخ فاستعان بعده بمشركين ثم قال: لا بأس أن يستعان بالمشركين، على قتال المشركين إذا خرجوا طوعاً ويرضخ لهم). ([91])

ووفق النووي بين حديث عائشة بعدم الاستعانة بمشرك في غزوة بدر والحديث الآخر الذي استعان فيه الرسول صلى الله عليه وسلم بصفوان بن أمية قبل إسلامه كما قال الشافعي وآخرون بأن الكافر إذا كان حسن الرأي في المسلمين ودعت الحاجة إلى الاستعانة به استعين به وإلا فيكره وحمل الحديثين على هذين الحالين. ([92])

وقيد المالكية الاستعانة بهم لخدمة كنوتي أو خياط أو هدم حصن ([93])، ويقيده بعض الشافعية بأن تؤمن خيانتهم ويكونون بحيث لو انضمت فرقتا الكفر قدروا على مقاومتهم. ([94])

وللحنابلة روايتان: الجواز وعدمها، قال في المغني: (ولا يستعان بمشرك، وبهذا قال ابن المنذر، والجورجاني، وجماعة من أهل العلم، وعن أحمد ما يدل على جواز الاستعانة به، وكلام الخرقي يدل عليه أيضاً عند الحاجة وهو مذهب الشافعي لحديث الزهري الذي ذكرناه وخبر صفوان بن أمية، ويشترط أن يكون من يستعان به حسن الرأي في المسلمين فإن كان غير مأمون عليهم لم تجز الاستعانة به، لأننا إذا منعنا الاستعانة بمن لا يؤمن من المسلمين مثل المخذل والمرجف فالكافر أولى). ([95])

وبعد فإن اللجوء إلى محكمة العدل الدولية ليس فيه استعانة بالمعنى السابق وهو استعداء الكفار على المسلمين ومقاتلتهم بالسلاح، فإن قضاء المحكمة إنما هو استجلاء للحقيقة ومعرفة من هو صاحب الحق ومن هو المعتدى عليه، فإن امتنع عن رد الحق إلى صاحبه بعد ذلك كان في حكم الباغي من كل وجه ومن ثم تكون الاستعانة هي الخيار الحقيقي للمبغى عليه والسبيل الوحيد للظفر بحقه.

وبناءً على ما سبق، وبالعودة إلى الأحكام التي تنظم التحكيم وما يترتب عليه من آثار يمكن لنا القول بالآتي:

  1. إن شرط التحكيم يكفي بذاته لإلزام أطرافه بالتحكيم، أي أن التحكيم إذا تم في صورة شرط تحكيم فإنه يكفي بذاته مصدراً لإلزام أطرافه بالتحكيم بمجرد التوقيع على الاتفاق الذي تضمنه، شأنه في ذلك شأن المشارطة، وأن له أثره المحدد وهو التزام أطرافه بتشكيل محكمة التحكيم عند وقوع النزاع، دون حاجة لإبرام مشارطة التحكيم. ([96])
  2. إن شرط التحكيم له ذاتيته المتميزة، من حيث شروطه وقواعده وأحكامه عن العقد الأصلي الذي تضمنه، ويترتب على هذا أنه لا أثر لبطلان شرط التحكيم على العقد الذي تضمنه إذا كان العقد ذاته صحيحاً، ويسترد القضاء العادي ولايته بالفصل في المنازعات الناشئة عن هذا العقد، والعكس صحيح بمعنى أن طلب بطلان أو فسخ العقد الأصلي لا يحول دون إعمال شرط التحكيم الوارد فيه، إلا إذا كان سبب البطلان يشمل أيضاً شرط التحكيم، لكن إذا حكم ببطلان العقد أو بالفسخ فإنه يترتب على ذلك زوال العقد الأصلي بما تضمنه من شرط التحكيم. ([97])
  3. الإتفاق على التحكيم سواء كان في صورة شرط التحكيم، أو كان في صورة مشارطة تحكيم يكون عقداً من العقود التي تنظمها النظرية العامة للعقد، شأنه في ذلك شأن أي عقد آخر، بالإضافة إلى خضوعه للأحكام الخاصة الواردة بشأنه، فالاتفاق على التحكيم تنطبق عليه القواعد العامة في العقد، وأهمها القواعد التي تحكم إبرامه وتحديد أركانه وشروطه وصحته، والجزاء المترتب على تخلفها هو البطلان أو القابلية للإبطال، كما يخضع لما يرد بشأنه من أحكام خاصة كالمنظمة للتحكيم وقواعد الاتفاق عليه. ([98])
  4. اتفاق التحكيم لا يجوز نقضه ولا تعديله إلا باتفاق أطرافه أو للأسباب التي يقرها التشريع، وليس لأحد المتعاقدين أن يتنصل مما التزم به في العقد ولا أن يغير أو يبدل فيه بإرادته المنفردة بل يجب على كل منهما أن ينفذ ما التزم به، وليس لأحد من أطرافه أن يعزل المحكم من تلقاء نفسه دون رضاء الطرف الآخر.
  5. يترتب على اتفاق التحكيم سواء كان مشارطة أو شرطاً أن يتم الفصل في المنازعات الناشئة أو التي قد تنشأ بواسطة المحكمين وليس بواسطة قضاء الدولة، وهذا يعني أن اتفاق التحكيم يتضمن التنازل عن اللجوء إلى القضاء وحل النزاع وحسمه عن طريق هيئة تحكيمية، ولا يجوز رفع الدعوى أمام القضاء إلا بعد استنفاد طريق التحكيم، وعلى ذلك فإن شرط التحكيم أو مشارطته تلزم أطرافهما ولو ألغي العقد طالما لا يتعارض مع نص تشريعي آخر. ([99])
  6. يترتب على اتفاق التحكيم -سواء كان مشارطة أو شرطاً -أن يمضي أطرافه في التحكيم وليس لأحد أطرافه التراجع عن التحكيم أو عزل المحكم إلا إذا اتفق الخصوم على ذلك، ويترتب أيضاً على اتفاق التحكيم الالتزام بحكم المحكم عند صدوره دون حاجة إلى رضا الخصوم عليه بل يجب عليهم تنفيذه، ولا يستطيع أحد التنصل عنه، وللمحكوم له أن يلجأ إلى القضاء لتنفيذه في حالة رفض المحكوم عليه تنفيذه طواعية، كما أن للمحكوم عليه أن يطعن في الحكم أمام القضاء إذا ما كان في الحكم ما يصادم نصاً أو إجماعاً أو أصلاً أو قاعدة شرعية، وليس للقضاء رد حكم المحكم بل عليه تنفيذه طالما كان صحيحاً، والفارق هنا بين مشارطة التحكيم وشرط التحكيم إنما هو في كون شرط التحكيم يلزم الخصوم الترافع أمام محكمين – إذا ما وجد نزاع – دون حاجة لعقد اتفاق جديد، أما مشارطة التحكيم فهي عبارة عن اتفاق على التحكيم بعد وجود النزاع، أما بعد إبرام التحكيم فلم يعد هناك فارقاً بين مشارطة التحكيم وشرط التحكيم من حيث لزوم حكم المحكم، ووجوب تنفيذه .

وبعد هذا التجوال غير الطويل في أحكام التحكيم في الفقه الإسلامي، يتضح لنا أن الشريعة الإسلامية فتحت للمتخاصمين والمختلفين باب التحكيم للوصول إلى الحكم العدل الذي يرفع الخصام ويعيد الوئام.

وإذا كان القضاء ولاية شرعية ينظمها ولي الأمر لفصل القضاء بين المتخاصمين، فإن التحكيم يكمله، ويفسح المجال لكل ذي رأى حصيف، وخلق كريم، وخبرة راسخة أن يشارك في إشاعة الصلح والوئام في المجتمع.


[*]  قاض بمحكمة التمييز.

[1] سورة النساء الآية / 65.

[2] سورة النساء الآية / 35.

[3] تبصرة الحكام.

[4] الدر المختار 5 / 498.

[5] مواهب الجليل للخطاب 6 / 113.

[6] منهاج الطالبين مع مغني المحتاج 7 / 378.

[7] النظرية العامة للتحكيم د. محمود هاشم صـ 02.

[8] شرح العمدة 2 / 285.

[9] معين الحكام فيما يتردد بين الخصمين من الأحكام صـ 24.

[10] سورة النساء الآية / 58.

[11] تفسير المنار 5 / 139.

[12] النساء/ 35.

[13] أحكام القرآن 1 / 421.

[14] تيسير الكريم المنان 2/62.

[15] سورة النساء الآية /114

[16] أحكام القرآن لأبن العربي 1 / 498، وتفسير ابن سعيد 2 / 62.

[17] النسائي 8 / 226.

[18] البخاري برقم 4121 وسلم في كتاب الجهاد

[19] 12 / 169.

[20] البخاري برقم 2690.

[21] فتح الباري 2 / 169.

[22] 4 / 98

[23] سنن البيهقي 1 / 144.

[24] المجموع للنوري 9 / 316.

[25] الكامل لابن الأثير المجموع للنوري 9 / 316

[26] معين الحكام النابلسي ص 11.

[27] أدب القضاء لأبن أبي الدم صـ 179.

[28] أدب القضاء للماوردي 1 / 381.

[29] سورة النساء الآية / 127.

[30] سورة الشورى الآية /15

[31] سورة المائدة الآية / 8.

[32] سورة الحديد الآية 25.

[33] سورة الأنبياء 78 و79.

[34] سورة النساء الآية 65.

[35] سورة الحجرات الآية 6.

[36] البحر الرائق 7/ 27.

[37] التبصرة 1/ 62.

[38] الحاوي الكبير 16/325.

[39] المغني لأبن قدامة 14/ 92.

[40] شرح العناية 7/ 317.

[41] مغني المحتاج 4/379، أسني المطالب 4/ 288.

[42] شرح العناية 7/ 319.

[43] التبصرة 1/ 92.

[44] سورة المائدة الآية 1.

[45] الأنصاف 11/ 199.

[46] التبصرة 1/ 63.

[47] اسنى المطالب 4/ 288.

[48] المغني 14/ 93.

[49] تلخيص الحبير 4/ 204.

[50] سورة البقرة الآية 283.

[51] شرح أدب القاضي 4/ 60.

[52] المغني 14/ 93 والحاوي 16/ 326.

[53] كشاف القناع 6/ 309.

[54] المنتتقي للباجي 5/ 228.

[55] النساء /35.

[56] أحكام القرآن للراضي 2/ 368 وابن العربي 1/ 421.

[57] أدب القاضي للماوردي 2/ 381.

[58] كشاف القناع 6/ 308.

[59] تبصرة الحكام 2/ 55.

[60] كشاف القناع 6/ 308.

[61] المهذب 2/ 291.

[62] فتح القدير 7/ 38 

[63] أدب القاضي 4/ 62.

[64] أدب القاضي 2/ 380.

[65] الشرح الصغير 4/ 199.

[66] القانون الدولي العام. علي أبو هيف صـ 625.

[67] فقه الملوك 2/ 472.

[68] سورة النحل الآية 125.

[69] الأحكام السلطانية صــ 37، وفتح الباري 7/ 411 وفي مقام (سبعة أرقعة).

[70] شرح الخرشي 3/ 122.

[71] المهذب 2/ 238.

[72] أدب القاضي 2/ 379.

[73] طبقات ابن سعد 3/ 245.

[74] الحج 39-41.

[75] تفسير القرآن الكريم الشيخ شلتوت 528.

[76] البقرة الآية 208.

[77] الأنفال /61.

[78] المائدة الآية 1.

[79] الأنفال الآية 72.

[80] الروض الأنف 2/ 63.

[81] الروض الأنف.

[82] خاتم النبيين 2/ 33-34.

[83] سورة الأنعام آية 90.

[84] القانون الدولي العام لعلي أبو هيف صـ 700

[85] المصدر السابق.

[86] قوانين الأحكام الشرعية لابن جزي ص 393 ونهاية المحتاج 7/387 والمغني 10/57 و58.

[87] المبسوط للسرخسي 10 /133 و134

[88] شرح الأزهار 4/ 532 و533

[89] المبسوط 10/ 23 و24.

[90] مشكل الأثار 10/ 23 و24.

[91] الأم 4/ 261

[92] شرح النووي 2/ 198 و199.

[93] الشرح الكبير 2/ 178.

[94] منهاج الطالبين 4/ 221.

[95] المغني 9/ 243.

[96] انظر الوسيط في قانون القضاء المدني للدكتور فتحي والي ص 895، والنظرية العامة وللتحكيم للدكتور محمود هاشم ص 85 وما يليها، ودور قضاء الدولة في تحقيق فاعلية التحكيم ص 51.

[97] انظر الوسيط في قانون القضاء المدني للدكتور فتحي والي ص 912، وأنواع التحكيم للدكتور محمود السيد عمر التحيوي، طبعة دار المطبوعات الجامعية الإسكندرية 2002، ص 143، ودور قضاء الدولة في فاعلية التحكيم للدكتورة آمال أحمد، ص 51.

[98] المراجع السابقة نفس الصفحات.

[99] التحكيم والقضاء بالصلح د. أحمد أبو الوفا الطبعة الأولى 1964 منشاة المعارف بالإسكندرية ص 19 فقرة 13، والتحكيم بين الشريعة والقانون، عامر علي رحيم، دار الجماهيرية، ليبيا 1987 ص 67-68.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading