إعداد: الدكتور يوسف ادريدو

تعتبر الرقابة القضائية من الدعائم الأساسية لتكريس دولة الحق والقانون، وذلك من أجل ضمان احترام مبادئ النزاهة والشفافية والمنافسة، وتقويم كل الاختلالات الإدارية، وضمان التقيد بمضامين ومقتضيات القانون

وقد استبشر جل المهتمين خيرا بالخطوة الهامة التي خطاها المشرع المغربي سنة 1993، عندما أقدم على إحداث المحاكم الإدارية([1]) بموجب القانون رقم 41-90، مع تخويلها صلاحية البت في النزاعات المرتبطة بالعقود الإدارية طبقا لمقتضيات المادة 8.

   وقد تعززت المحاكم الإدارية بإحداث محاكم استئناف إدارية،([2]) ومما لا شك فيه أن إقرار درجة ثانية في التقاضي في المنازعات الإدارية، يشكل ضمانة إضافية لحقوق المواطنين عامة والمقاولين خاصة ضد تعسف الإدارة، وتتعزز هذه الضمانة مع الإمكانية الجديدة المتمثلة في الطعن بالنقض أمام محكمة النقض[3] في القرارات الصادرة عن محاكم الاستئناف الإدارية.

إن إنشاء هذه المحاكم يؤكد العزم على إقامة قضاء إداري مستقل على درجتين، وجعل محكمة النقض تقوم مرحليا – في انتظار إحداث مجلس الدولة- بدورها الطبيعي كمحكمة قانون تسهر على مراقبة حسن تطبيق القانون من طرف المحاكم الدنيا([4]).

وبذلك، فمنح الاختصاص للقضاء الإداري في مادة الصفقات، من شأنه أن يبعث الثقة في نفوس المقاولين والمستثمرين المتعاقدين مع الإدارة في حالة نشوب نزاع لحرص القاضي الإداري على التطبيق السليم للقانون.

ويمكن التمييز بين منازعات إبرام الصفقات العمومية، التي تشمل الخصومات القضائية الناجمة عن عملية تنظيم المنافسة وشفافية الإبرام، وبين منازعات تنفيذ الصفقات بعد نشوء العقد والشروع في القيام بالالتزامات التعاقدية المتبادلة بين أطرافه، هذا التمييز يقابله تمييز آخر بخصوص توزيع منازعات الصفقات العمومية بين قضاء الإلغاء، الذي يتم اللجوء إليه كلما تعلق الأمر بقرارات منفصلة عن العقد، وبين القضاء الشامل الذي يبت وفق مقوماته القاضي الإداري في الدعاوى التي ترتبط بتنفيذ مقتضيات عقد الصفقة.

لمقاربة اختصاص القضاء الإداري بمنازعات الصفقات العمومية، سنتعرض في مبحث أول للوصف القانوني للصفقة العمومية و مسألة خضوعها لاختصاص القضاء الإداري، على أن نتطرق في المبحث الثاني للاختصاص المحلي للمحاكم الإدارية في مجال الصفقات العمومية. 

المبحث الأول: الوصف القانوني للصفقة العمومية ومسألة خضوعها لاختصاص القضاء الإداري

لم يحسم المشرع المغربي بطريقة واضحة في مسألة الوصف القانوني للصفقة العمومية، مما فسح المجال للتساؤل حول مدى انتماء الصفقة إلى ميدان العقود الإدارية، وبالتالي خضوعها لاختصاص القضاء الإداري، سنحاول الإجابة عن هذا التساؤل من خلال الاطلاع على موقف مجلس الدولة الفرنسي وكذا القضاء الإداري المغربي.

المطلب الأول: الوصف القانوني للصفقة العمومية على مستوى الاجتهاد القضائي الفرنسي

إن قانون 28بليفيوز للسنة السابعة، منح القضاء الإداري النظر في النزعات التي تثار بشأن صفقات الأشغال العمومية،([5]) لكن ذلك لم يحل دون قيام خلاف كبير بين أجهزة القضاء وتنازعها حول الجهة القضائية المختصة، ففي الوقت الذي نجد فيه مجلس الدولة الفرنسي يقر بالطابع الإداري للصفقة العمومية،[6] فإن محكمة النقض الفرنسية اعتبرت الصفقات العمومية بمثابة عقودا خاضعة للقانون الخاص في حكمها الصادر في قضية شركة Société locunivers في 17 دجنبر 1996([7]).

أمام هذا التباين، تدخل المشرع الفرنسي بشكل صريح بموجب المادة الثالثة من قانون رقم 1168 -2001 المؤرخ في 11دجنبر2001، المتعلق بالتدابير الاستعجالية للإصلاح ذو الطابع الاقتصادي والمالي، حيث نصت على ما يلي:”الصفقات المبرمة طبقا لمدونة الصفقات العمومية يكون لها طابع العقود الإدارية”.

وبالتالي أصبح اختصاص مجلس الدولة بمنازعات الصفقات العمومية والقضاء الإداري الفرنسي عموما يستند على أساس تشريعي .

المطلب الثاني : الوصف القانوني للصفقة العمومية على مستوى الاجتهاد القضائي المغربي

إن الملاحظ خلال مرحلة ما قبل إنشاء المحاكم الإدارية، أن المغرب كان يعمل بنظام وحدة القضاء بحيث تم توزيع الاختصاص بين محكمة النقض  وبين مختلف المحاكم العادية في مجال الصفقات العمومية، فحسب مقتضيات الفصل الثامن من ظهير 13 غشت 1912 حول التنظيم القضائي للمملكة المغربية، أدرج المشرع المنازعات الرامية إلى التصريح بمديونية الإدارات العمومية، سواء بسبب تنفيذ الصفقات التي تبرمها، أو بسبب الأشغال التي تأمر بها، بدائرة اختصاص المحاكم العادية.

ومع صدور مرسوم 14 أكتوبر1976 الذي ينظم صفقات الأشغال العمومية والأدوات والخدمات المبرمة لحساب الإدارة العمومية، أضحى هذا النوع من النزاعات من اختصاص محكمة النقض المحدثة سنة 1957، وهو ما يتضح من خلال قرارها الصادر في 14نونبر1996، حيث صرحت بأنه “يؤخذ من المرسوم المؤرخ في14أكتوبر 1976 أن الصفقة تعتبر عقدا إداريا بنص القانون.([8])

وعموما يتضح من استقراء اجتهاد محكمة النقض قبل إحداث المحاكم الإدارية، اعتماد هذه الأخيرة في تقرير اختصاصها من عدمه على ركن الغاية من رفع الطلب([9])، فإذا كانت الغاية من رفع الطلب هي الإلغاء، فإن الاختصاص ينعقد لمحكمة النقض للبت في الطلب، أما إذا كانت الغاية هي الحصول على التعويض تكون المحاكم العادية هي المختصة.

وبصدور قانون 41-90، أصبحت المحاكم الإدارية هي صاحبة الاختصاص للنظر في المنازعات المتعلقة بالعقود الإدارية عموما، وقضايا الصفقات العمومية على وجه الخصوص، حيث نصت المادة الثامنة من قانون المحاكم الإدارية رقم 41-90 المؤرخ 10سبتمبر 1993، على ما يلي : “تختص المحاكم الإدارية مع مراعاة أحكام المادتين 9 و11 من هذا القانون، للبت ابتدائيا في طلبات إلغاء قرارات السلطات الإدارية، بسبب تجاوز السلطة وفي النزعات المتعلقة بالعقود الإدارية …”

كما تكرس ذلك بموجب المادة الثالثة من مرسوم20 مارس2013، المتعلق بالصفقات العمومية ([10])، حيث نصت هذه المادة على ما يلي:”تستثنى من مجال تطبيق هذا المرسوم:

  • الاتفاقات أو العقود المبرمة وفقا للأشكال وحسب قواعد القانون العادي؛
  • عقود التدبير المفوض للمرافق و المنشآت العمومية؛
  • عمليات تفويت الأموال بين مرافق الدولة أو بين الدولة والجهات و العمالات و الأقاليم والجماعات؛
  • الأعمال المنجزة بين مرافق الدولة الخاضعة للنصوص التشريعية و التنظيمية الجاري بها العمل؛
  • العقود المتعلقة بالمعاملات المالية المنجزة في السوق المالي الدولي و كذا الخدمات المرتبطة بها.

ويمكن الحيد عن مقتضيات هذا المرسوم، فيما يتعلق بالصفقات المبرمة في إطار الاتفاقيات أو المعاهدات التي وقعها المغرب مع هيئات دولية أو دول أجنبية، إذا نصت هذه الاتفاقيات أو المعاهدات صراحة على تطبيق شروط وأشكال خاصة بإبرام الصفقات.”

مما يستنتج منه، أن الصفقة العمومية تخضع لقواعد القانون العام وبشكل أدق لمقتضيات القانون الإداري، كما أن دور الاجتهادات القضائية في ميدان الصفقات العمومية كان حاسما في تحديد طبيعة عقد الصفقة العمومية، حيث اعتبرت محكمة النقض[11] ” أن الصفقة العمومية هي عقد إداري بقوة القانون، ومن تم لا حاجة لتوفر شروط غير مألوفة مع وجود شخص معنوي عام طرفا في الصفقة،وفي ذلك إشارة لعناصر العقد الإداري المتعارف عليها والتي سبق أن استند عليها القضاء الإداري([12]) في بسط رقابته على الصفقات العمومية، وهي:

1- وجود شخص معنوي عام طرفا في الصفقة العمومية ؛

2- ارتباط الصفقة بتنفيذ مرفق عمومي يستهدف تحقيق المصلحة العامة؛

3- تضمن الصفقة العمومية لشروط غير مألوفة في القانون الخاص؛

وقد ألغت بذلك محكمة النقض حكما صادرا عن المحكمة الإدارية بمكناس، بتاريخ 13 يونيو1996، بعدما دفعت هذه الأخيرة بعدم اختصاصها لكون العلاقة التي تربط الطرفين علاقة تعاقدية تخضع لقواعد القانون الخاص.

وبذلك، تكون محكمة النقض قد عملت على تصحيح مواقف المحاكم الإدارية التي طبعها نوع من التردد والتباين إزاء الصبغة الإدارية للصفقة العمومية،([13]) مما أفضى إلى توحيد مواقفها في الإعلان عن اختصاصها بمنازعات الصفقات العمومية، وهذا ما نلمسه من خلال الاجتهادات الحديثة لهذه المحاكم،[14]حيث جاء في إحدى حيثيات حكم المحكمة الإدارية بالدار البيضاء ما يلي :”حيث إنه بالرجوع إلى وثائق الملف، تبين أن الأمر يتعلق بمعاملة تمت استنادا إلى عقود صفقات عمومية، تخضع في تطبيقها لمرسوم 30 دجنبر1998 المتعلق بتحديد شروط إبرام صفقات الدولة، وبالتالي فإن الاختصاص ينعقد للمحكمة الإدارية للبت في النزعات المتعلقة  بها …”.

غير أنه من الإشكاليات التي أثارها موضوع اختصاص المحاكم الإدارية بمنازعات الصفقات العمومية مسألة اكتساب الصفقة الصفة العمومية في غياب الشخص العام،  بمعنى آخر، هل العقد يكتسب الصفة الإدارية متى أبرم من أجل إنجاز مرفق عام، وفي نطاق المرسوم المتعلق بالصفقات العمومية، و لو كان طرفاه من أشخاص القانون الخاص، أم أن وجود الشخص العام طرفا في العقد شرط وجوبي لاكتساب العقد الصفة الإدارية ؟

للإجابة عن الإشكال المذكور قضت الغرفة الإدارية بمحكمة النقض [15]بما يلي :

” إذا كانت الصفقة المتنازع حول طبيعتها القانونية، قد أبرمت من أجل إيصال الماء الشروب في إطار مرفق عام، وفي نطاق المرسوم المتعلق بصفقات الأشغال المبرمة لحساب الدولة، ولو كان طرفاها أشخاص القانون الخاص، ما دامت الشركة صاحبة المشروع في مركز المفوض له من قبل السلطات العامة المختصة …

كل هذه العناصر مجتمعة تجعل منها صفقة عمومية و عقدا إداريا تخضع المنازعة المتعلقة به إلى المحكمة الإدارية.”

يثير قرار الغرفة الإدارية مسألة التفويض للقيام بمهام المرفق العام لبعض أشخاص القانون الخاص، وإبرام هذه الأخيرة الصفقات العمومية، في ظل استقرار الأحكام و القرارات القضائية على أنه يشترط في قيام العقد الإداري أن يكون أحد أطرافه أو جلهم أشخاصا معنوية عامة، كالدولة والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية، وأن يتعلق  بتنظيم واستغلال أو تسيير مرفق عام، وأن يتضمن شروطا استثنائية [16]غير مألوفة في التعاقد العادي، وأن تكون هذه الشروط كلها مجتمعة في العقد.

غير أن التطورات المعاصرة، و مع ازدياد مهام الأشخاص المعنوية العامة، أدت بهذه الأخيرة إلى تفويض العديد من الاختصاصات المتعلقة بمهام المرفق العام إلى الأشخاص المعنوية الخاصة، بما فيها إبرام الصفقات العمومية، ويضفي هذا التفويض على العقد الصبغة الإدارية بالرغم من أن القائم به هو شخص معنوي خاص، وهو ما أكدته الغرفة الإدارية في قرارها المشار إليه أعلاه، و في قرار آخر[17] اعتبرت أن العقود التي تبرمها الشركات المكلفة بتسيير المرفق العمومي، والتي تتضمن شروطا وجزاءات غير مألوفة في عقود القانون الخاص، و التي تكشف عن عدم التكافؤ في الالتزامات، تعتبر عقودا إدارية تختص بالنظر فيها المحاكم الإدارية.

ومجمل القول، إن علاقة عقد الصفقة بالمرفق العام إذا كانت ضرورية لكي يعتبر العقد إداريا، فإنها ليست كافية لمنحه تلك الصفة، فالإدارة قد لا تلجأ في إبرامه إلى أسلوب القانون العام لما تراه من مصلحتها في اللجوء إلى أسلوب القانون الخاص، ومن تم فإن المعيار المميز للعقود الإدارية ليس فقط موضوع العقد متى اتصل بالمرفق العام، واستخدم أساليب القانون العام بما تتضمنه من وسائل استثنائية غير مألوفة في نطاق القانون الخاص ، بل لابد من وجود الشخص العام طرفا في هذه العلاقة سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، عن طريق تفويضه للشخص الخاص مهام إبرام هذا النوع من العقود، بمعنى أن الصفقة تكتسب مقومات العقد الإداري متى أبرمت لحساب الشخص العام ولو كان طرفاها من أشخاص القانون الخاص، إذا ما توفرت فيها العناصر الأخرى التي يرتكز عليها العقد الإداري.[18]

وإذا كان القضاء الإداري المغربي قد حسم في اختصاص المحاكم الإدارية بمنازعات الصفقات العمومية، مما سينير الطريق أمام المتقاضي المقاول لمعرفة الجهة القضائية المختصة، فإن السؤال يبقى مطروحا حول الاختصاص المحلي للمحاكم الإدارية في مجال الصفقات العمومية

المبحث الثاني: الاختصاص المحلي للمحاكم الإدارية في مجال الصفقات العمومية

إذا كان الأصل في الدعاوى الإدارية أنها ترفع إلى المحكمة الإدارية التي يوجد بدائرة اختصاصها مقر المدعي، أو أمام المحكمة التي صدر القرار المطعون فيه بدائرة اختصاصها طبقا لمقتضيات المادة 10 من القانون المحدث للمحاكم الإدارية، فإن ثمة استثناءات عدة على ذلك بالنسبة لتحديد المحكمة المختصة في منازعات الصفقات العمومية، حيث نص المشرع في الفقرة الثامنة من المادة 28 من قانون المسطرة المدنية على كون الاختصاص المحلي ينعقد في دعاوى العقود التي توجد الدولة أو جماعة عمومية أخرى طرفا فيها، أمام محكمة المحل الذي وقع العقد فيه.

وهو ما ذهبت إليه المحكمة الإدارية بالرباط [19]في حكمها بتاريخ 15مارس2005، الذي جاء فيه:

“… وحيث إنه من الثابت من أوراق الملف، ومما لا نزاع فيه أن جوهر النزاع بين الطرفين يتمثل في مدى تنفيذها (المقاولة) لالتزاماتها المنصوص عليها في الصفقة العمومية المبرمة بينهما، وأن هذه الأخيرة تعتبر عقدا إداريا مسمى بطبيعته، وأنه حقا وكما جاء في تعقيب المدعية، فإن الفقرة الثامنة من الفصل 28 من قانون المسطرة المدنية نصت صراحة على أنه:”في دعاوى العقود التي توجد الدولة، أو جماعة عمومية أخرى طرفا فيها، تقام الدعوى خلافا لمقتضيات الفصل 27 من نفس القانون، أمام محكمة المحل الذي وقع العقد فيه”، أي العقد الإداري.

وحيث لم ينازع الطرف المدعى عليه في أن العقد المذكور (الصفقة المشار إليها) وقعت في مدينة الرباط، لذا تبقى هذه المحكمة هي المختصة محليا للبت في الطلب، ويتعين لذلك استبعاد الدفع المثار.”

وفي نفس الاتجاه، جاء في حيثيات حكم حديث للمحكمة الإدارية بالرباط[20]:”و حيث دفعت المدعى عليها بعدم الاختصاص المكاني لهذه المحكمة، لكون الدعوى تتعلق بصفقة عمومية تتعلق ببناء مركز الجرف الأصفر بالجديدة التابع محليا للمحكمة الإدارية بالبيضاء؛

وحيث إن الثابت من وثائق الملف، أن تنفيذ أشغال الصفقة العمومية يتعلق ببناء مركز الجرف الأصفر بالـجديدة، و أن عقد الصفقة وقع بالدار البيضاء، بتاريخ 25 ماي2006؛

وحيث إن الصفقات العمومية يخضع الاختصاص المحلي بشأنها إما للمحكمة الإدارية لمحل إبرام العقد، أو لمحكمة تنفيذ الأشغال طبقا للبندين السابع والثامن من الفصل 28 من قانون المسطرة المدنية؛

وحيث بذلك يكون الطلب قد قدم إلى محكمة غير مختصة مكانيا؛

وحيث إن الإحالة للمحكمة المختصة تكون بقوة القانون و بدون صائر.”

وبذلك حكمت المحكمة الإدارية بالرباط بعدم اختصاصها المكاني، وإحالة الملف على المحكمة الإدارية بالدار البيضاء بدون صائر.

ولعل الفائدة العملية لهذه القاعدة  تظهر في تيسير عمل القضاء الإداري في حال رغبته في معاينة العقار محل النزاع، إذ بوسع القاضي المقرر أن يعاين الخروقات التي تكتنف العمل وتنفيذ عقد الأشغال العمومية التي تخلق نزاعات بين الإدارة والمقاولة القائمة على إنجاز الصفقة.

إضافة لذلك فعامل القرب مطلوب لتسهيل مهمة القاضي الإداري، خاصة إذا علمنا حجم القضايا المتراكمة أمام المحاكم الإدارية وقلة القضاة الساهرين على معالجتها.[21]

فضلا على أن قرب القاضي من مكان تنفيذ العقد يساعد على ربح الوقت سواء بالنسبة لإجراءات المعاينة أو إجراء الخبرة أو الخبرة المضادة، مما يسرع من وثيرة البت في القضايا، خاصة إذا علمنا أن كل تأخير في الدعوى المرتبطة بالصفقات العمومية يؤثر لا محالة على جودة الخدمات العمومية، وقد ينجم عنه أحيانا هدر المال العام وتضييع للأهداف الاقتصادية والاجتماعية المسطرة من طرف سياسة الدولة.

وجملة القول إذا كان اختصاص القضاء الإداري الفرنسي بمنازعات الصفقات العمومية يستند على أساس تشريعي بموجب المادة الثالثة من قانون رقم 1168-2001، فإن المشرع المغربي لم يحسم في مسألة الوصف القانوني للصفقة العمومية خاصة خلال فترة ما قبل إحداث المحاكم الإدارية، مما ترتب عنه توزيع الاختصاص بين محكمة النقض و بين المحاكم العادية في مجال الصفقات العمومية، إلا أنه بعد إحداث المحاكم الإدارية أصبحت هذه الأخيرة بموجب المادة الثامنة من قانون 41- 90 صاحبة الاختصاص في مجال الصفقات العمومية، وهو ما أكدته القرارات الحديثة لمحكمة النقض مصححة بذلك مواقف بعض المحاكم الإدارية التي ترددت بشأن الصبغة الإدارية للصفقة العمومية.

و من الإشكاليات التي يطرحها موضوع اختصاص القضاء الإداري بمنازعات الصفقات العمومية مسألة اكتساب الصفقة الصفة العمومية في غياب الشخص العام، و للإجابة عن هذا الإشكال اعتبر الاجتهاد القضائي أن عقد الصفقة هو عقد إداري تخضع المنازعة بشأنه للمحاكم الإدارية و لو كان طرفاه من أشخاص القانون الخاص متى استفادت الشركة صاحبة المشروع من تفويض من قبل السلطة العامة المختصة.

أما على مستوى الاختصاص المحلي للمحاكم الإدارية في مجال الصفقات، فقد اعتبر المشرع في الفقرة الثامنة من المادة 28من قانون المسطرة المدنية أن الاختصاص المحلي في دعاوى العقود التي توجد الدولة أو أحد أشخاص القانون العام طرفا فيها يعود لمحكمة المحل الذي أبرم فيه العقد، و هو ما أكده القضاء الإداري في عدة أحكام، و ذلك حتى يتسنى تيسير عمل القضاء لمعاينة العقار محل النزاع و ربحا للوقت مما سيسرع من وثيرة البت في قضايا الصفقات العمومية

غير أن تنصيص المشرع على جعل المحكمة المختصة هي محكمة مكان تنفيذ العقد، قد يكون مرده أيضا حرصه على عدم تشتت جهود الإدارة في الدفاع عن مصالحها، بالنظر للأدوار الاقتصادية والاجتماعية الموكولة لها، والتي تجعلها تدخل في علاقات تعاقدية متعددة يحتمل أن تنجم عنها بعض المنازعات القضائية، التي تستوجب الإسراع في الإجراءات الشكلية حتى لا تطول المسطرة القضائية.


[1] – ظهير رقم 225-91-1 صادر في 10/9/1993 بتنفيذ القانون رقم 41/90 المحدثة بموجبه محاكم إدارية (ج ر عدد 4227 بتاريخ 1993 ص      2168.

[2] – ظهير شريف رقم 07-06-1 بتاريخ 14-2-2006 بتنفيذ القانون رقم 03-08 المحدثة بموجبه محاكم استئناف إدارية، ج.ر عدد 5398 بتاريخ 23-2-2006.

[3]– تجدر الإشارة إلى أنه حلت عبارة “محكمة النقض” محل عبارة المجلس الأعلى في جميع مقتضيات ظهير27 شتنبر1957  بشان المجلس  الأعلى بموجب ظهير25 أكتوبر 2011 بتنفيذ القانون رقم58.11المتعلق بمحكمة النقض ، جريدة رسمية عدد 5589 مكرر بتاريخ 25 أكتوبر 2011.

[4]– أمال المشرفي “إحداث المحاكم الاستئناف الإدارية نحو ازدواجية القضاء والقانون” م.م.إم.ت، سلسلة مواضيع الساعة، عدد 55، 2007 ص31.

[5]-Romeuf (René), La pratique des marches publics 4em  éde ; Delmas Paris, 1988. P 176.

[6]– قرار مجلس الدولة الفرنسي بتاريخ 19-1-1973 شركة الاستغلال الكهربائي لنهر السانت .

[7] – Braconnier (stéphane) Droit des marchés publics, imprimerie nationale, Paris, 2002, P 346.

[8]– مولاي هاشم عالمة، الصفقات العمومية بالمغرب ” النظام القانوني والرقابة القضائية، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة، كلية الحقوق الدار البيضاء – 2004 ص 47.

[9] – عبد الله حداد : “صفقات الأشغال العمومية دراسة نظرية وتطبيقية،” أطروحة الدكتوراه في القانون العام، كلية الحقوق الرباط 1985، ص 306.

[10]– المادة 3 من مرسوم رقم 2.12.349 صادر في20 مارس2013 المتعلق بالصفقات العمومية، جريدة رسمية عدد  6140بتاريخ 4 أبريل .2013 

[11]– قرار محكمة النقض عدد 787 بتاريخ 14-11-1997 في قضية شركة كوجيبرا ضد الجماعة القروية لسبع عيون، غير منشور .

[12] – قرار محكمة النقض بالمغرب المؤرخ في 21-9-1995، حيث اعتبر أن العقد الإداري هو “كل عقد يبرمه شخص معنوي عام بقصد تسيير مرفق عام وتظهر نيته في الأخذ بأحكام القانون العام من خلال تضمينه العقد لشروط غير مألوفة في القانون العادي”.

[13] – قرار المجلس الأعلى عدد 1423  بتاريخ 9-10-1997 قضية “مؤسسة حسن للصناعة المعدنية” ضد مدير المدرسة الوطنية للصناعة المعدنية ورد فيه ما يلي : “حيث إنه من الواضح أن الأمر يتعلق بصفقة أنجزت لحساب مؤسسة عمومية، وحيث إن الصفقات العمومية تعد بقوة القانون من العقود الإدارية التي يرجع الاختصاص في النظر بشأن النزاعات التي تثور بشأنها للمحاكم الإدارية طبقا للفصل 8 من قانون 41-90 المنشأ لها…”.

[14] – حكم إدارية البيضاء بتاريخ 1-4-2009 بين مقاولة تومة للكهرباء العامة و بين الجماعة الحضرية بخريبكة”، حكم غير منشور.

[15]– قرار الغرفة الإدارية بمحكمة النقض عدد 725 بتاريخ 9/10/2003 في ملف شركة سوكودرا و شركة بلاستومار ضد وكالة أدير ، مشار إليه بمقال محمد الأعرج “أطراف الصفقة العمومية من الأشخاص المعنوية الخاصة، ” م.م .إ .م .ت، سلسلة مواضيع الساعة ، عدد خاص 72، 2011.

[16]– يقصد بالشروط الاستثنائية تلك الشروط الغريبة بحكم طبيعتها في علاقات الأفراد لأنها تؤدي إلى عدم المساواة بين المتعاقدين فتعطي للشخص العام وضعا متميزا في مواجهة المتعاقد معه، هذه الشروط قد يتضمنها العقد نفسه، أو قد تنص عليها دفاتر التحملات و الشروط المحال عليها في العقد ، أو أن تكون مقررة بمقتضى القوانين .

[17]– قرار الغرفة الإدارية  عدد  401 بتاريخ 12/10/1995، الشركة الوطنية لتجهيز خليج طنجة ضد شركة البناء والأشغال ليطراني،م.م .إ .م . ت عدد مزدوج 14-15 ص 156.

[18]– محمد الأعرج ، “أطراف الصفقة العمومية من الأشخاص المعنوية الخاصة ” م.م .إ .م .ت، سلسلة مواضيع الساعة ، عدد خاص 72، 2011. ، ص 23

[19]– حكم إدارية الرباط، عدد 463 ملف رقم 58/03 شع بتاريخ 15/3/2005، غير منشور.

[20]– حكم المحكمة الإدارية بالرباط، بتاريخ 4-4-2013، ملف رقم 15/31/2013، منشور بموقع marocdroit.com

[21]– هناء العلمي، كوثر أمين، منازعات الصفقات العمومية على ضوء النص القانوني ووقائع الاجتهاد القضائي الإداري، طوب بريس، الرباط، 2010، ص 86.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading