د/ بن بوزيد دغبار نورة. أستاذة محاضرة ب،

كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة البليدة 2

 

ملخص:

تعتبر مادة الصفقات العمومية من أكثر المواد تعقيدا في مجال القانون الإداري، بالنظر إلى طابعها التقني الذي لم يشمل فقط عملية الإبرام والتنفيذ بل امتد أيضا إلى إجراءات التقاضي فيه بالنظر للخصوصية التي تميزها عن غيرها من المنازعات في المسائل الشكلية والإجرائية.

الكلمات المفتاحية: الصفقات العمومية، المنازعات القضائية، الفسخ الانفرادي، قضاء الاستعجال، الاختصاص النوعي، الاختصاص الإقليمي.

Summary:

Public procurement is one of the most complex materials in the field of administrative law, given the technical nature which not only includes making process and implementation, but also extended to litigation, given the specificity that distinguishes them from other conflicts in the formal and procedural issues.

Keywords: jurisdiction, territorial jurisdiction Public procurement, legal disputes, termination decision, interim judiciary, material

Résumé:

Les marchés publics est l’une des matières les plus complexes dans le domaine du droit administratif, étant donné la nature technique qui comprend non seulement le processus de conclusion et la mise en œuvre, mais aussi étendu à la procédure contentieuse, compte tenu de la spécificité qui les distingue des autres conflits dans les questions formelles et procédurales.

Mots clés: Les marchés publics, les litiges judiciaires, décision de résiliation, magistrature de référé, la compétence matérielle, la compétence territoriale

 

مقدمة :

يقصد بالمنازعات في مجال الصفقات العمومية تلك التي تنشأ بين المصلحة المتعاقدة والمتعامل المتعاقد بخصوص تفسير أو تنفيذ بنود الصفقة، وهي بذلك لا تشمل المنازعات التي تكون النيابة العامة طرفا فيها والمتمثلة في قضايا الفساد في الصفقات العمومية التي يكون أحد أطرافها شخصا طبيعيا يحمل صفة الموثق العمومي طبقا للمادة 02 من 01/01 التعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته.

واستثناء هذا النوع من المنازعات- التي يمكن للمصلحة المتعاقدة أن تتأسس فيها طرفا مدنيا، كما يمكن أن يكون فيها المتعامل المتعاقد متهما بالمشاركة في الجريمة أو الجرائم المنسوبة للشخص الطبيعي “الموظف العام” – ناجم عن طبيعتها المتميزة عن المنازعات العامة للصفقات العمومية، فهذه المنازعات تحمل طابعا جزائيا تخضع للقضاء الجزائي ولا ترتبط بالصفقات العمومية إلا بخصوص ارتكاب الجرائم محل المتابعة في إبرام أو تنفيذ الصفقة العمومية، وهو مجال للدراسة في العلوم الجنائية والقانون الجنائي وليس في قانون الصفقات العمومية ذو المنازعة بين المصلحة المتعاقدة والمتعامل المتعاقد يمكن أن تنشأ حتى قبل إبرام الصفقة من خلال الطعون المخولة للمترشحين للصفقات من أجل المنازعة في المنح المؤقت للصفقة مثلا، كما يمكن أن تنشأ أثناء سريان الصفقة وهي الأهم بسبب عدم تنفيذ المتعامل المتعاقد لالتزاماته المحددة في الصفقة، أو رفض المصلحة المتعاقدة دفع مقابل ما تلقته من المتعامل المتعاقد.

كما أن المنازعة يمكن أن تنشأ أثناء تنفيذ الصفقة بسبب تنفيذها على غير النحو المتفق عليه أو خارج الأجل المتفق عليها أو حتى بعد غلق الصفقة بسبب العيوب الخفية، ويمكن أن تشكل الضمانات المقدمة في إطار الصفقات العمومية في مجال إعمالها أيضا موضوعا للمنازعة في الصفقات العمومية.

غير أن الإلمام بموضوع المنازعات في الصفقات العمومية يتطلب قبل الحديث عن موضوع المنازعة التعرض للمسائل الإجرائية والتي أهمها الاختصاص النوعي والإقليمي، بالإضافة إلى قضاء الاستعجال في مادة الصفقات العمومية، وهو الأمر الذي يحتم تقسيم هذه الدراسة إلى قسمين يتعلق أولهما بالمسائل الإجرائية في منازعات الصفقات ويتعلق الثاني بالمسائل الموضوعية في منازعات الصفقات.

المطلب الأول: المسائل الإجرائية في منازعات الصفقات العمومية.

ترتبط المسائل الإجرائية، بالاختصاص المعهود للهيئات القضائية في نظر المنازعات التي تنشأ بخصوص الصفقات العمومية، سواء كان الاختصاص نوعيا أم إقليميا، كما يرتبط أيضا بقضاء الاستعجال المنظم بقواعد خاصة في تقنين الإجراءات المدنية والإدارية وكذا بالمسائل الشكلية المتعلقة برفع الدعوى.

الفرع الأول: الاختصاص النوعي بنظر قضايا الصفقات العمومية.

نصت المادة 800 من تقنين الإجراءات المدنية والإدارية على أن المحاكم الإدارية هي صاحبة الاختصاص بنظر المنازعات الإدارية، وعرفت هذه المنازعات في الفقرة الثانية منها بقولها ” القضايا التي تكون الدولة أو الولاية أو البلدية أو إحدى المؤسسات العمومية ذات الصبغة الإدارية طرفا فيها”، وهي بذلك إنما تبنت بصورة قطعية المعيار “العضوي” أساسا لتحديد اختصاص القاضي الإداري.

والحقيقة أنه ولغاية هذه المرحلة من الدراسة لا يوجد ما يثبت قانونا خضوع منازعات الصفقات العمومية للقضاء الإداري، فيما عدا الصفقات التي تكون أحد أطرافها الدولة أو الولاية أو البلدية أو مؤسسة عمومية ذات صبغة إدارية، ومن ثمة ومقارنة بأحكام المادة 06 من المرسوم الرئاسي 247/15 المتضمن تنظيم الصفقات العمومية وتعويضات المرفق العام، فإن الصفقات العمومية التي تكون فيها المصلحة المتعاقدة مؤسسة عمومية خاضعة لأحكام القانون التجاري حتى ولو كلفت بإنجاز عملية ممولة كليا أو جزئيا بمساهمة نهائية أو مؤقتة من الدولة أو من الجماعات الإقليمية، لا تدخل في إطار المادة 800 من تقنين الإجراءات المدنية والإدارية، وبالتالي لا يختص القضاء الإداري بالنظر فيها تمسكا بالمعنى الحرفي الوارد في المادة 800 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية.

ثم أن المادة 801 في فقرتها 03 تنص على أن المحاكم الإدارية تختص أيضا بنظر القضايا التي تخولها إياها نصوص خاصة، الأمر الذي يدفع إلى البحث في قانون الصفقات العمومية متمثلا في المرسوم الرئاسي 15/247 عن أي نص يتضمن تخويل المحاكم الإدارية ولاية النظر في منازعات الصفقات العمومية، وهو البحث الذي يفضي في النهاية إلى الإحالة على التشريع المعمول به طبقا لنص المادتين 82 و153 من المرسوم الرئاسي 15/247، وبالتالي تبقى الأحكام المحددة في تقنين الإجراءات المدنية والإدارية هي الفيصل في مجال تحديد الاختصاص النوعي للمحاكم الناظرة في قضايا الصفقات العمومية.

وفي هذا الصدد نجد الفقرة 03 من المادة 804 من تقنين الإجراءات المدنية والإدارية التي تنص على انعقاد الاختصاص الإقليمي للمحكمة الإدارية التي يقع في دائرة اختصاصها مكان إبرام العقد أو تنفيذه، وذلك في مادة العقود الإدارية ” مهما كانت طبيعتها ” على حد تعبير المشرع.

ومن ثمة فإن الأمر أصبح متعلقا بمدى اعتبار الصفقات العمومية عقودا إدارية أم لا في مفهوم القانون، وفي هذا الصدد يذهب بعض المؤلفين (1) إلى دمج الصفقات العمومية في إطار العقود الإدارية، وهو أمر لا نتفق معهم فيه بصورة كلية، على اعتبار أن العقد الإداري بمفهومه العضوي يتطلب أن يكون أحد طرفيه هيئة عمومية إدارية، وبالتالي فإنه لا جدل في أن صفقات الدولة والولاية والبلدية والمؤسسة العمومية ذات الصبغة الإدارية تعتبر عقودا إدارية، ولكن ليس لأنها صفقات عمومية بل لأن أحد أطرافها هو هيئة عمومية من طبيعة إدارية، ومن ثمة نعود إلى الإشكال الأول المتمثل في الوضع القانوني لصفقات المؤسسات العمومية الخاضعة للقانون التجاري حينما تكلف بإنجاز عملية ممولة كليا أو جزئيا بصورة نهائية أو مؤقتة من ميزانية الدولة أو الجماعات المحلية.

ولا توجد إشارة تبعا لذلك في القواعد المنضمة للاختصاص النوعي للمحاكم الإدارية إلى أن هذه الأخيرة تختص بنظر دعاوى الصفقات العمومية بحسب الموضوع، إلا ما هو وارد في نص المادة 946 من تقنين الإجراءات المدنية والإدارية التي استعملت في نهاية فقرتها مصطلح ” الصفقات العمومية ” بما يوحي بانعقاد الاختصاص للقاضي الإداري بنظرها. والحقيقة أن الإشكالية وخلافا للبساطة التي تناولها بها البعض (2) بقوله:” فإن الاختصاص يعود للمحكمة الإدارية للفصل في النزاع الناشئ عن تلك العملية، لأننا بصدد صرف للمال العام، إذ لا يعقل أن يمنح المشرع الرقابة بشأن ذلك للقاضي العادي…. ” وهي على قدر كبير من التعقيد.

والحقيقة أن المحكمة العليا قد أشارت إلى هذه المسألة في قرارها المؤرخ في 06/02/2008 تحت رقم 414667 بقولها ” كان يجب على القضاة أن يتأكدوا من المساهمة النهائية من ميزانية الدولة ليأخذوا كما فعلوا بالعنصر الموضوع وليس العضوي…. ” (3).

وكان ذلك في ظل سريان تقنين الإجراءات المدنية القديم الذي كانت مادته 07 غير واضحة بخصوص المعيار المعتمد، وبالتالي لا يمكن التحجج به في ظل المادة 800 من تقنين الإجراءات المدنية والإدارية الجديد الذي تبنى بموجبه المشرع بلا جدل المعيار العضوي.

ولعل عدم الوضوح بخصوص اختصاص القاضي الإداري بنظر دعاوى الصفقات العمومية يخص فقط المؤسسات العمومية الخاضعة للقانون التجاري، لأن الصفقات الأخرى تخضع لاختصاص القاضي الإداري إعمالا للمعيار ” العضوي ” والذي لا يمكن تطبيقه على المؤسسات العمومية الخاضعة للقانون التجاري (4)، لذلك نجد بعض الأحكام القضائية سارت على النهج الصحيح وطبقت القانون صحيحا من خلال التمسك بالاختصاص من طرف القاضي التجاري معتبرة من يستندون إلى المعيار المادي إنما يستندون إلى معيار لم يعد محل تقدير في قاعدة قانونية، ثم إنه في اعتقادنا فإن المادة 946 من تقنين الإجراءات المدنية والإدارية والتي نصت على اختصاص قاضي الاستعجال في مادة الصفقات العمومية، يجب تفسيره في إطار نص المادة 800 من ذات التقنين، ومن ثمة لا يختص القاضي الإداري الاستعجالي إلا بنظر الصفقات التي يكون أحد أطرافها هو شخص من تلك المحددة بالمادة 800.

وخلاصة القول بالنسبة للاختصاص النوعي في نظر قضايا الصفقات العمومية أنه يجب التمييز بين:

  • الصفقات العمومية التي تكون المصلحة المتعاقدة فيها دولة أو جماعة محلية أو مؤسسة عمومية إدارية، وهي من اختصاص القاضي الإداري ليس لأنها صفقات عمومية، ولكن لأن أحد أطرافها هو شخص معنوي عام من تلك المحددة بنص المادة 800 من تقنين الإجراءات المدنية والإدارية.
  • الصفقات العمومية التي تكون المصلحة المتعاقدة فيها مؤسسة عمومية خاضعة للقانون التجاري حينما تكلف بإنجاز مشاريع ممولة كليا أو جزئيا بصورة نهائية أو مؤقتة من ميزانية الدولة أو الجماعات المحلية، وهي من اختصاص القاضي العادي تطبيقا لصريح نص المادة 800 من تقنين الإجراءات المدنية والإدارية.
  • الصفقات العمومية التي تكون المصلحة المتعاقدة فيها مؤسسة عمومية خاضعة للقانون التجاري، حينما تنجز مشاريع من غير مساهمة ميزانية الدولة أو الجماعات المحلية، وهي أيضا خاضعة للقضاء العادي طبقا لنص المادة 800 من تقنين الإجراءات المدنية والإدارية ويستند رأينا هذا إلى ما يلي:
  • أن المادة 800 واضحة لا تحتاج إلى تفسير ولا تأويل في اعتمادها المعيار العضوي فقط.
  • أن المرسوم الرئاسي 15/247 باعتباره النص الخاص خال من أية إشارة إلى اختصاص القاضي الإداري.
  • أن الصفقات العمومية ليست في مجملها عقودا إدارية وهو ما يستشف من نص المادة 02 من المرسوم الرئاسي 15/247 الذي يعتبرها عقودا فقط، وبالتالي تتحدد طبيعتها بالنظر إلى طبيعة أطرافها.
  • أن الاستناد إلى المعيار المادي ممثلا في مصدر التمويل بصريح نص المادة 6 من المرسوم الرئاسي 15/247 لا يخص سوى تحديد الإجراءات الواجب إتباعها في إبرام الصفقة، هل هي تلك المحددة في المرسوم أم تلك المحددة في الإجراءات الخاصة بالمؤسسة العمومية، ولا صلة له البتة باختصاص القاضي الإداري، ومن ثمة فإن من يستندون إلى هذا المعيار يخالفون القانون صراحة.

الفرع الثاني: الاختصاص الإقليمي في منازعات الصفقات العمومية.

يجب التمييز في هذا المجال بين الصفقات العمومية التي تخضع المنازعات بشأنها للقاضي الإداري وتلك التي تخضع للقضاء العادي، فالمنازعات التي تخص الصفقات العمومية التي تخضع للقضاء الإداري يتحدد اختصاص نظرها الإقليمي طبقا لأحكام المادة 804 من تقنين الإجراءات المدنية والإدارية، والتي عقدت الاختصاص في مادة الأشغال العمومية للمحكمة التي يقع في دائرة اختصاصها مكان تنفيذ الأشغال، وفي مادة التوريدات للمحكمة التي يقع في دائرة اختصاصها مكان إبرام الاتفاق أو تنفيذه إذا ما كان أحد أطراف الدعوى مقيما به، بينما حددت الفقرة 03 من هذه المادة قاعدة عامة يمكن تطبيقها على كل الصفقات العمومية التي توصف بأنها عقود إدارية وعقدت الاختصاص بنظرها للمحكمة التي تم في دائرة اختصاصها إبرام الاتفاق أو تنفيذه.

أما المنازعات التي تخضع للقضاء العادي وهي تلك التي تكون المصلحة المتعاقدة فيها مؤسسة عمومية خاضعة لأحكام القانون التجاري، فإن الاختصاص الإقليمي بصددها محكوم بالمادة 39 من تقنين الإجراءات المدنية والإدارية، كل هذا يرتب نتيجة حتمية هي اعتبار الاختصاص الإقليمي في منازعات الصفقات التي تخضع للقضاء الإداري من النظام العام طبقا للمادة 807 من تقنين الإجراءات المدنية والإدارية وحرية الأطراف في تحديد الاختصاص الإقليمي في منازعات الصفقات العمومية الخاضعة للقضاء العادي بالنظر إلى توافر صفة التاجر في كلا طرفي الصفقة طبقا للمادة 45 من تقنين الإجراءات المدنية والإدارية.

الفرع الثالث: الاستعجال في مادة الصفقات العمومية.

تم تنظيم الاستعجال في مادة الصفقات العمومية بنص المادة 946 من تقنين الإجراءات المدنية والإدارية، والتي يظهر من استقرائها ما يلي:

  • أن المحكمة الإدارية تفصل في “الإخطار” بناء على دعوى وجاهية وليس بناء على أمر على عريضة.
  • أن مجال الاستعجال في مادة الصفقات ينحصر في الإخلال بالتزامات الإشهار أو المنافسة، وبالتالي يتم فقط بخصوص الإجراءات الأولية لإعداد الصفقات، ولا يدخل في إطارها (المادة 946) حالات الاستعجال في مرحلة تنفيذ الصفقة.
  • أن صفة مقدم الإخطار تتحدد بثبوت المصلحة في إبرام الصفقة وثبوت الضرر من الإخلال بالتزامات الإشهار والمنافسة، بمعنى أن المدعي يجب أن يثبت وجود مصلحة له في احترام إجراءات المنافسة، وكذلك تضرره من عدم احترام الإجراءات.
  • أن صفة مقدم الإخطار تتوفر أيضا لدى ممثل الدولة على مستوى الولاية، بالصفة ودونما حاجة لأن يثبت المصلحة والضرر المشترطان في صفة الغير.
  • أن الإخطار يجب أن يتم قبل إبرام الصفقة، فإذا تم إبرام الصفقة يعلن قاضي الاستعجال عدم اختصاصه.
  • أن الصفقة المراد إبرامها يجب أن يكون أحد أطرافها هيئة عمومية من تلك المحددة بالمادة 800 من تقنين الإجراءات المدنية والإدارية.
  • أن المحكمة مقيدة من حيث الآجال بالفصل في الطلبات في أجل 20 يوما من تاريخ إخطارها بالطلب طبقا للمادة 947.
  • أن المحكمة ولغاية فصلها في الطلبات يمكنها أن تأمر بتأجيل الإمضاء على الصفقة وذلك لمدة لا تتجاوز 20 يوما من تاريخ إخطارها، لأن الأمر بالتأجيل تصدره المحكمة في ذات يوم إخطارها، وهو الأمر الذي يستشف من الجمع بين الفقرة الأخيرة من المادة 948 والمادة 947.
  • أن قاضي الاستعجال في المحكمة الإدارية في مجال الإخطار يفصل في مسألة موضوعية تمس أصل الحق.
  • أن الاستعجال في مجال تنفيذ الصفقات العمومية لا يخضع لأحكام المادة 946، إنما يخضع لأحكام المادة 917 وما بعدها من تقنين الإجراءات المدنية والإدارية.
  • أن الاستعجال في مجال الصفقات العمومية التي تكون المصلحة المتعاقدة فيها مؤسسة عمومية خاضعة لأحكام القانون التجاري يخضع لأحكام الاستعجال على نحو ما هي منظمة في تقنين الإجراءات المدنية والإدارية بالمواد 299 وما بعدها.

الفرع الرابع: المسائل الشكلية المتعلقة برفع الدعوى.

يخضع رفع الدعاوى أمام القاضي الإداري في مادة الصفقات العمومية في المنازعات التي ينعقد اختصاصه فيها طبقا لما سبق بيانه في الفرع الأول من هذا المطلب للقواعد العامة المحددة بالمواد 815 وما بعدها، وهي مسائل لا تثير إشكالا يذكر، فيما عدا مسألة التمثيل بمحام المنصوص عليه بالمادة 815 ذاتها، وكذا ضرورة إرفاق نسخة من القرار في الدعاوى الرامية إلى إلغاء مقررات الفسخ الانفرادي للصفقة الذي تصدره المصلحة المتعاقدة.

والحقيقة أن المادة 827 من تقنين الإجراءات المدنية والإدارية واضحة بخصوص إعفاء الأشخاص المعنوية العامة المحددة بالمادة 800 من وجوب التمثيل بمحام، وهو ما يعني حق هذه الهيئات في مباشرة الدعوى بنفسها خلافا للقاعدة العامة. أما بخصوص مسألة ضرورة تقديم نسخة من مقرر الفسخ، فان الإشكال لا يطرح ما دامت المصلحة المتعاقدة ملزمة بتبليغ المتعامل المتعاقد بمقرر الفسخ.

المطلب الثاني: المسائل الإجرائية والموضوعية في منازعات الصفقات العمومية.

تعتبر المسائل الإجرائية في منازعات الصفقات العمومية بمثابة قيد على ممارسة المصلحة المتعاقدة في حقها للجوء إلى القضاء، فإذا ما لجأت إليه، طرحت إشكالات أخرى تتعلق بمسائل موضوعية.

الفرع الأول: المسائل الإجرائية في منازعات الصفقات العمومية.

قيدت المادة 153 من المرسوم الرئاسي 15/247 حق المصلحة المتعاقدة في اللجوء إلى القضاء بسبق البحث عن تسوية ودية للنزاع الذي يربطها بالمتعامل المتعاقد، وأوجبت عليها البحث عن حل ودي للنزاعات، متى كان هذا الحل يسمح لها بـ:

  • إيجاد التوازن التكاليف المترتبة على كل طرف من الطرفين.
  • التوصل إلى إنجاز أسرع للصفقة.
  • تسوية نهائية وبأقل تكلفة.

وقبل إتمام الحديث عن مضمون هذه المادة، نود أن نعلق ابتداء على بعض المسائل الشكلية التي تثيرها، فقد تكرر ذكر “عند تنفيذ الصفقة” مرتين في الفقرتين الأولى والثانية، بما يؤكد بأن التزام المصلحة المتعاقدة بالبحث عن الحل الودي محصور في المنازعات التي تثور أثناء تنفيذ الصفقة، ما يعني أن المصلحة المتعاقدة في حل من هذا الالتزام بمناسبة المنازعات التي تثور قبل إبرام الصفقة أو بعد غلق الصفقة، ولعل ما يؤكد هذا التفسير هو ما ورد في صلب المادة من أن هذا الإجراء يستهدف التوصل إلى إنجاز أسرع للصفقة.

والحقيقة أننا نعتقد بأن واجب إدراج ضرورة البحث عن تسوية ودية للنزاع في دفتر الشروط، من شأنه أن يوسع من المخاطبين بهذا الالتزام، بحيث لا ينحصر فقط في المصلحة المتعاقدة، إنما يمتد أيضا للمتعامل مادام دفتر الشروط هو وثيقة تعاقدية، بما يرتب تقييد حق المتعامل المتعاقد أيضا في اللجوء إلى القضاء وضرورة البحث عن حل ودي للنزاع قبل ذلك.

وقد تم بموجب المادة 154 من ذات المرسوم إنشاء لجنة للتسوية الودية للنزاعات خاصة بالنزاعات التي تكون الدولة أو الهيئات العمومية الوطنية طرفا فيها، وأخرى تختص بمنازعات الجماعات المحلية والمؤسسات العمومية المحلية، كما تم تحديد تشكيلة اللجنة وسيرها بذات المادة، وهي هيئة ليست من طبيعة قضائية ولا من طبيعة تحكيمية، بالنظر إلى أن ممثل المتعامل يغيب عن تشكيلها.

كل هذا بخلاف ما نصت عليه الفقرة الأخيرة من المادة 153 والتي تهم التسوية الودية للنزاعات التي يكون أحد أطرافها مؤسسة أجنبية والمتعلق بالتحكيم الدولي، ونعتقد بهذا الصدد أن هذا الإجراء لا يدخل ضمن إطار مساعي التسوية الودية، ما دام الحكم التحكيمي نافذا، ويظهر ذلك جليا من خلال استعمال المشرع تعبير:”…في إطار تسوية النزاعات عند تنفيذ الصفقات…”، بعكس ما كان يؤكد عليه في الفقرات الأولية للمادة 153، من أن الأمر متعلق بالتسوية الودية التي تسبق التسوية القضائية.

هذا ونشير أيضا إلى أن المادة 155 من ذات المرسوم حددت طريقة عرض النزاع أما لجنة التسوية الودية الذي يتم بواسطة تقرير مفصل مرفق بالوثائق يمكن أن يقدمه المتعامل المتعاقد أو المصلحة المتعاقدة حسب الحالة، وبعد تمكين الأطراف من إبداء أوجه دفاعهم، تصدر اللجنة رأيا مبررا ولكن غير ملزم لأي من الأطراف خاصة للمصلحة المتعاقدة التي تقدر وحدها مدى تحقيق الرأي الصادر عن لجنة التسوية الودية للغايات المحددة في المادة 153، وبالتالي تقبل بالتسوية الودية أو ترفضها على أن تبلغ قرارها بخصوص ما صدر عن اللجنة للمتعامل المتعاقد بالرفض أو بالقبول في أجل 08 أيام من تاريخ تبليغها برأي اللجنة.

الفرع الثاني: المسائل الموضوعية في منازعات الصفقات العمومية.

يتحدد موضوع النزاع كما هو معلوم بطلبات الأطراف الواردة في عريضة افتتاح الدعوى ومذكرات الرد، ويتراوح موضوع النزاع في الصفقات العمومية بين منازعة المتعامل المتعاقد في قرار فسخ الصفقة ودعوى التعويض عن الأضرار المادية والمعنوية الناجمة عن إخلال المتعامل المتعاقد بالتزاماته العقدية، وأخيرا بخصوص تفعيل الكفالات البنكية.

ومعلوم أن حق الفسخ الانفرادي الذي منحه المشرع للمصلحة المتعاقدة المكرس بالفقرة 02 من المادة 149، عادة ما يكون محل منازعة من طرف المتعامل المتعاقد، ليس بسبب إخلال المصلحة المتعاقدة بالتزاماتها الإجرائية المتمثلة في إعذار المتعامل المتعاقد، لأن المصلحة المتعاقدة لا يمكنها قانونا تقرير فسخ الصفقة قبل ذلك، ولكن لأن المتعامل المتعاقد يدعي عدم إخلاله بالتزاماته العقدية.

والحقيقة أن نص المادة 152 من ذات المرسوم بأنه لا يجوز الاعتراض على قرار المصلحة المتعاقدة بفسخ الصفقة ينحصر في مجال تطبيقها للبنود التعاقدية المتعلقة بالضمان وإصلاح الضرر، ولا يمتد للمنازعة في ادعاء المصلحة المتعاقد بعدم تنفيذ المتعامل المتعاقد لالتزاماته العقدية، وبالتالي لا يمكن رفض دعوى المتعامل المتعاقد تأسيسا على ذلك.

فإذا ثبت للمحكمة بأن المتعامل المتعاقد ليس مخلا بالتزاماته العقدية، تنطق بإلغاء (5) مقرر الفسخ الانفرادي، وبالتالي بمواصلة تنفيذ الصفقة من طرف المتعامل المتعاقد، لأن الفسخ هو التصرف الذي يستهدف وضع حد للصفقة بصورة قبلية لتنفيذها النهائي (6).

كما يمكن أن تنصب المنازعة على مطالبة المصلحة المتعاقدة بالتعويض عن الأضرار التي لحقتها ماديا ومعنويا من جراء عدم تنفيذ المتعامل المتعاقد للصفقة في الأجل والنحو المتفق عليه، وفي هذه الحالة لا يجوز مناقشة مقرر الفسخ لأنه لا يجوز الاعتراض على قرار المصلحة المتعاقدة بفسخ الصفقة، وعادة ما تفضي هذه الدعاوى للاستعانة بالخبرة الفنية من طرف القاضي، لأن تقدير التعويض الذي يجبر الضرر هو مسألة تقنية وليست قانونية.

وأخيرا تنصب أيضا المنازعات بخصوص الصفقات على تفعيل الكفالات البنكية المقدمة من طرف المتعامل المتعاقد، لأن البنوك عادة ما ترفض تفعيل الكفالات لمجرد طلب المصلحة المتعاقدة منها ذلك، وتطلب تقديم الدليل على إخلال المتعامل المتعاقد بالتزاماته العقدية، رغم أن ذلك يخالف صراحة بنود عقد الكفالة، وتكون المصلحة المتعاقدة ملزمة باللجوء إلى القضاء بغرض تفعيل الكفالات البنكية، وتكون البنوك في هذه الحالة طرفا أصيلا في الدعوى.

خاتمة:

إن منازعات الصفقات العمومية على نحو ما تم التعرض له ولو بصورة موجزة في هذا البحث، تتسم ببعض الخصوصية، خصوصية متصلة بكون أن عقود الصفقات ذاتها لا تحمل دائما صفة العقد الإداري، وبالتالي يتوزع اختصاص نظرها بين القضاء الإداري والقضاء العادي.

وما يكرس هذه الخصوصية بالإضافة إلى المسائل المتعلقة بالاختصاص هو الإجراءات الأولية للتسوية الودية التي تعتبر قيدا على ممارسة أطراف الصفقة لحقهم في اللجوء مباشرة إلى القضاء، وهي إجراءات فصلها المرسوم الرئاسي 15/247 أكثر من سابقه.

غير أن التعقيد الذي تكتسيه عملية إبرام الصفقات العمومية وكذا إجراءات المنازعة بخصوصها لا يخدم في الحقيقة الغايات المتوخاة من إقرار القانون في ذاته وهو تحقيق المصلحة العامة، أننا نعتقد بأن طول إجراءات الإبرام والفسخ والتقاضي فيه هدر للوقت، وبالتالي للمال في ظل توجه نحو الحرية الاقتصادية مكرس دستوريا، وإذا كنا نميل إلى الحفاظ على المال العام، فإننا نعتقد جازمين بأن الثقة في الإطارات أهم من تعقيد الإجراءات، ومنحهم حرية وحماية تمكنهم من المضي قدما بالمؤسسات التي يديرونها هو أكثر تحقيقا للمصلحة العامة.

الهوامش:

  1. محمد الصغير بعلي، العقود الإدارية، دار العلوم للنشر والتوزيع، بدون رقم الطبعة،2005، ص 07.
  2. لحسين بن الشيخ آث مالويا، قانون الإجراءات الإدارية، دار هومة، بدون رقم الطبعة، 2013، ص 42.
  3. منشور في جمال ساسي، الاجتهاد القضائي في المادة التجارية والبحرية، منشورات كليك، الجزء الثالث، بدون رقم الطبعة، بدون سنة النشر، ص 1167.
  4. وهو ما أكده مجلس الدولة في قراره المؤرخ في 22/01/2001، مثلا بخصوص الوكالة العقارية ما بين البلديات حتى في ظل تقنين الإجراءات المدنية القديم، بقوله:”…كمؤسسات ليس لها الطابع الإداري وأنها تخضع للقضاء العادي في تصرفاتها…”،

منشور في لحسين بن الشيخ آث مالويا، المنتقى في قضاء مجلس الدولة، الجزء الثاني، دار هومة، بدون رقم الطبعة، 2004، ص 293.

  1. في صورة تشبه دعوى الإلغاء، انظر في تفصيل هذه الأخيرة، الدكتور محمد الصغير بعلي، القضاء الإداري، دعوى الإلغاء، دار العلوم للنشر والتوزيع، بدون رقم الطبعة، 2007، ص 70 وما بعدها.
  2. Brahim BOULIFA, marchés publics, dictionnaire thématique, volume 02, Berti édition, 2013, page 588.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading