في ضوء مستجدات مدونة الأسرة

الأستاذ: محمد المهدي

أستاذ القانون الخاص

بجامعة سيدي محمد بن عبد الله

 

تقديم:

يعتبر موضوع تعدد الزوجات من المواضيع الإسلامية الحساسة التي كثر حولها الجدال منذ زمن بعيد، وتفاقم هذا الجدال في وقعنا المعاصر بشكل أكثر حدة، خاصة في محيط النساء، ولطالما استغل هذا الموضوع استغلالاً فاحشاً من قبل أعداء الدين، قصد الطعن في الإسلام، ليظهروه للناس في صورة العاجز الجريح الذي لا يتماشى مع متطلبات العصر ومع قيم المدنية الحديثة.

وقد فاتهم أن نظام التعدد ليس من ابتكار الإسلام، ونما هو نظام معروف منط زمن بعيد، وجده الإسلام قائماً في المجتمعات السابقة بصورة غير إنسانية، فنظمه وحدده في أربع زوجات بعد أن كان مباحاً بأكثر من ذلك ودون حدود أو قيود([1])، بل ووضع له آداباً وأحكاماً تحفظ للمرأة كرامتها.

فقد عرف التعدد كما هو معلوم عند السكان الأصليين في أستراليا وأمريكا والصين والقبائل القديمة كالجرمانيين والصقالبة قبل مجيء المسيحية، كما عرف عند الفرس وقدماء المصريين وعرب الجاهلية وغيرهم قبل الإسلام، ومارسوه على نطاق واسع من غير تحديد للعدد، ولا اشتراط للعدل بين الزوجات([2]).

فالإسلام إذن برئ من تفرده بالتعدد، ومع ذلك فليس تعدد الزوجات تهمة يتهم بها الإسلام، ولا موضع غمز فيه، فقد أبقى عليه لما لاحظ فيه من مصالح قد تعود بالنفع على المجتمع عموماً والمرأة والرجل خصوصاً، ولعل ذلك و ما جعل كثيراً من التشريعات تقره وتستوحي أحكامه من عطر الشريعة الفيحاء، ومنها التشريع المغربي الذي أقره في مدونة الأحوال الشخصية([3]) بشكل يتماشى ومنطق الشريعة الإسلامية.

غير أن هذه المدونة بما احتوته من فصول تعرضت لتعديلات أكثر من مرة تحت ضغط مطالب نسائية وفعاليات سياسية ومدنية، حتى آل الوضع إلى ما آل إليه في مدونة الأسرة([4])، وكأن نسبة التعدد وصلت أو قاربت المائة بالمائة، مع أنها حسب إحصائيات وزارة العدل لا تتعدى 0.38 بالمائة([5])، وهذا من شأنه أن يثير التساؤل حول مناط هذا الاهتمام بموضوع التعدد، سيما وأنه موضوع مقفل في نظرنا بحكم هزالة الأجور، وغلاء الأسعار الذي أفرزته الأوضاع الاقتصادية ببلادنا([6]).

وسعياً منا إلى إحاطة القراء الكرام علماً بالوضع القانوني الحالي لتعدد الزوجات الذي يجد مصدره الشرعي متجسداً في كتاب الله عز وجل وسنة نبيه الكريم، نقترح تفكيك عناصر الموضوع حسب المواد المنظمة للتعدد في مدونة الأسرة، وبذلك تكون خطة تداوله على النحو التالي:

– شروط الإذن بتعدد الزوجات (المبحث الأول).

– مسطرة تعدد الزوجات (المبحث الثاني).

المبحث الأول: شروط الإذن بتعدد الزوجات:

بالرجوع إلى مواد التعدد المضمنة في مدونة الأسرة وقراءتها قراءة واعية يتبين بجلاء تام أن شروط السماح بتعدد الزوجات، منها ما هو سلبي (أولاً)، ومنها ما هو إيجابي (ثانياً).

أولاً: الشروط السلبية:

نقصد بهذه الشروط تلك التي تتطلب عدم توافر أوضاع معينة لكي تتاح إمكانية الإذن بتعدد الزوجات([7])، وفي هذا تنص المادة 39 من مدونة الأسرة على أنه من موانع الزواج المؤقتة: “الزيادة في الزوجات على العدد المسموح به شرعاً”، وتنص المادة 40 أيضاً على أنه: “يمنع التعدد إذا خيف عدم العدل بين الزوجات، كما يمنع في حالة وجود شرط من الزوجة بعدم التزوج عليها”.

من هاتين المادتين يتضح أن الشروط السلبية بالمعنى المشار إليه، المطلوبة لفتح الطريق أمام طالب التعدد، هي أن لا يكون من شأن الاستجابة لطلب التعدد الزيادة في الزوجات على العدد المسموح به شرعاً (أ)، وأن لا يكون هناك خوف من عدم العدل بين الزوجات (ب).

أ- أن لا يكون من شأن الاستجابة لطلب التعدد الزيادة في الزوجات على العدد المسموح به شرعاً:

أن قراءة متأنية لعبارة العدد المسموح به شرعاً توحي باستحضار أحد معنيين:

أولهما: أن يكون المراد بالعدد([8]) الشرعي هنا هو أربع نسوة، على اعتبار أن جمهور العلماء المسلمين ذهبوا إلى جواز الجمع بين أربع نسوة([9])، سندهم في ذلك قوله تعالى: (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ..)([10])، ولما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لغيلان الثقفي لما أسلم وتحته عشر نسوة: “أمسك أربعاً وفارق سائرهن”([11]).

وثانيهما: أن يكون المراد هو العدد الذي يرى الرجل طالب التعدد نفسه قادراً على العدل في ظله، أو يجد نفسه مضطراً إلى الاكتفاء به لوجود قيد شرطي من الزوجة يقضي بعدم التزوج عليها.

وفي منظورنا الخاص نعتقد أن المعنى الثاني هو الذي يتماشى مع فلسفة المشرع من خلال المادة 40 المنصوص عليها أعلاه، وبهذا نخالف ما ذهب إليه أحد الباحثين ممن كتبوا في هذا الموضوع، حيث قال: “وبالرغم أن مشرع المدونة لم يحدد العدد المسموح به، رغم كون هذا العدد محدد في القرآن الكريم والسنة النبوية بأربع زوجات، فإنه لا يؤاخذ على ذلك لتداركه الأمر بالإحالة على كل ما لم يرد به نص في هذه المدونة على ما ورد بشأنه في المذهب المالكي والاجتهاد الذي يراعي فيه تحقيق قيم الإسلام في العدل والمساواة والمعاشرة بالمعروف- م400″([12]).

فهذا الفهم حسب قناعتنا فيه نظر، لأنه لو كان المشرع يقصد ما ذكره الباحث لما توانى عن ذكر العدد المسموح به، الذي هو أربع نسوة، لأنه قول الجمهور بما فيهم المالكية ([13])من جهة، ولأنه أدنى عدد قيل، خصوصاً وأنه سيحسم النقاش في الموضوع، ويلغي اللغط الدائر بشأنه، مع ملاحظة أن المعنى الذي رجحناه لا يحول دون وصول العدد إلى أربع زوجات، خصوصاً إذا كانت تتوافر في طالب التعدد الشروط المطلوبة.

ولا يفوتنا هنا أن نقف على إشكال بالغ الأهمية ينبثق من صياغة النص القانوني، ذلك أنه ورد في المادة 41 أن المحكمة لا تأذن بالتعدد ما لم تكن “لطالبه الموارد الكافية لإعالة الأسرتين”، كما أن المادة 43 تتحدث عن استدعاء المرأة لمراد التزوج عليها، ولم تتحدث عن النسوة المراد التزوج عليهن، فهل هذا يعني أن التعدد مسموح إذا توافرت شروطه في حدود زوجتين فقط؟.

نعتقد بكل يقين أن المعنى السطحي الذي تفوح به الصياغة القانونية للمادتين أعلاه ليس هو المقصود، لكونه يخالف النص القرآني جملة وتفصيلاً، ولأنه لو كان الأمر كذلك لتدخل أصحاب الصفة المذكورين في الفقرة 3 من الفصل 81 من الدستور من أجل الطعن بعدم دستورية المقتضيات المتعلقة بالتعدد([14])، ولذلك كان من الأنسب التعبير بـ: “..لإعالة أكثر من أسرة” بدلاً من “..لإعالة الأسرتين”.

ب- أن لا يكون هناك خوف من عدم العدل بين الزوجات:

للوقوف على كنه هذا الشرط وتبيان حقيقته نحاول أن نبين المراد بالعدل المطلوب(1)، ثم نبين السلطة أو الجهة التي يوكل إليها أمر معرفة إمكانية العدل من عدمه، هل يوكل إلى ضمير طالب التعدد أم يوكل إلى القاضي؟(2)

1- المراد بالعدل المطلوب:

من دون شك أن العدل المطلوب هو العدل في المطعم والملبس والمسكن، بحيث يسكن المعنى بالأمر كل واحدة من الزوجات في مسكن يماثل مسكن الأخرى، وأن يعاملهن بالمساواة في القول، ويبيت عند كل واحدة بالقدر الذي يبيت عند الأخرى([15])، وبعبارة يسوي بين زوجاته في كل المظاهر المادية، حتى لا تشعر أية واحدة منهن بأنه يؤثر عليها الأخرى في أي أمر من الأمور المادية، فهذه هي العدالة التي أرادها الله عز وجل في قوله: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً)([16]).

هذا وإن العدل مطلوب حتى لو كان الرجل متزوجاً بواحدة فقط، فالعدالة توجب أن يؤكلها مما يأكل، ويكسوها مما يكسي، وألا يعاملها إلا بالمعروف.

أما التسوية في المحبة فليست مطلوبة هنا، لأنه لا تكليف بمستحيل، فالقلوب ليست ملكاً لأصحابها، إنما هي بين أصبعين من أصابع الرحمان يقلبها كيف يشاء، قال تعالى: (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ)([17])، فالعدالة المشار إلى استحالتها في الآية هي العدل والمساواة في المحبة التي تجد كنهها في القلب، يؤيد ذلك ويسنده قوله صلى الله عليه وسلم: “اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك”([18])، وما لا يملكه العبد طبعاً هو المحبة وميل القلب([19]).

وما الدعوة في الآية الكريمة إلى عدم الميل كله –وليس مجرد الميل- إلا دليل على أن الميل العاطفي سيحصل حكماً، ولذلك فيه تنبه إلى خطر العواطف الداخلية وأثرها على العدل المادي([20])، لا كما فهم البعض من أنها دليل على تحريم وتجريم التعدد، فهذا فهم سقيم ينبني على خلفية سيئة المقصد، ومختلفة المنشأ، ولذلك فهو مردود شرعاً ومنطقاً، فشريعة الله ليست هازلة إلى هذا الحد حتى تشرع الأمر في آية وتحرمه في أية أخرى وإلا ستكون بهذه الصورة تعطي باليمين وتسلب بالشمال([21]).

ومن المؤسف حقاً أن الكثير من الجمعيات والهيئات النسوية في عالمنا الإسلامي تلقفت أفكار المستشرقين حول التعدد عن وعي أو عن غير وعي، وراحت تنعق بأعلى أصواتها بضرورة إقفال باب التعدد تشريعياً حتى يصير ملزماً للأفراد، وقد استجابت بعض الدول الإسلامية بكل أسف شديد لهذه النداءات مطلقاً كما هو الأمر مع تونس.

ولعلها الدولة العربية الوحيدة التي اتخذت هذا الموقف، فقد نصت مجلة الأحوال الشخصية التونسية على: “أن تعدد الزواج الممنوع، وكل من تزوج وهو في حالة الزوجية وقبل فك عصمة الزواج السابق يعاقب بالسجن لمدة عام وبخطية وقدرها مائتان وأربعون ألف دينار أو بإحدى العقوبتين، ولو أن الزواج الجديد لم يبرم طبق أحكام القانون…” ([22]).

ولم يكن الوضع في المغرب بمنأى عن ذلك، فقد كانت هناك مطالب من النساء والنسويين عبر تاريخ التشريع الأسري، من مدونة 1957 إلى مدونة 2004، تدعو هي الأخرى إلى ضرورة إقفال باب التعدد، ومن حسن حظ الشعب المغربي الراغب في الحفاظ على هويته الإسلامية أن ملك البلاد محمد السادس لم يستجب لهذا المطلب، لما رأى فيه من تهافت صارخ، وخروج واضح عن أحكام الإسلام، وقد عبر عن موقفه هذا في عبارة صريحة، اعتبرت رسالة واضحة لأولئك، وذلك حينما قال  حفظه الله في خطابه الملكي أمام البرلمان بتاريخ 10/10/2003: “لا يمكنني بصفتي أميراً للمؤمنين أن أحل ما حرم الله وأحرم ما أحله الله”([23]).

2- الجهة التي لها صلاحية النظر في مسألة العدل:

لم يبين المشرع في مدونة الأسرة الجهة التي يرجع إليها في تقدير ما إذا كان طالب التعدد سيعدل بين زوجاته أم لا، حيث جاء في المدونة أنه: “يمنع التعدد إذا خيف عدم العدل بين الزوجات”، وهي نفس الصيغة الواردة في المدونة الملغاة.

وما دام الأمر كذلك فإنه قد سبق أن ذهب بعض الفقه إلى القول بأنه ينبغي أن يوكل الأمر إلى القضاء، على اعتبار أن هذا الزمن ضعف فيه  الوازع الخلقي([24])، مما لا يصح معه إبقاء الأمر موكولاً لضمائر الناس.

وبهذا التوجه كان ينص مشروع مدونة 1957 صراحة، حيث جاء في الفصل 30 منه أنه: “للقاضي ألا يأذن للزواج بأن يتزوج على امرأته إذا لم تدع الضرورة لذلك، أو لم يؤمن من الظلم في الإنفاق والإسكان وحسن المعاشرة والقيام بواجبات الزوجية”، أما مسألة إسناد الأمر إلى طالب التعدد فقد ورد في المشروع نفسه أنه: “لما كانت إباحة تعدد الزوجات مشروطاً فيها شرعاً عدم الخوف من الجور بنص الآية –فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة-، وجرت العادة بتحكيم الأهواء خلافاً للنص، صار من الضروري أن يكلف القاضي بمراقبة تنفيذ التعاليم الإسلامية حتى لا يساء استعمال حق التعدد”([25]).

وإذا كنا لا ننكر أن كثيراً من المسلمين استعملوا رخصة التعدد في غير موضعها، فإن هناك رجالاً لابد أنهم قد أساءوا استعمال هذا الحق في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين ومن تلاهم من كبار الأئمة والتابعين، ومع هذا لم ير أي منهم تقييد التعدد بإذن سابق من القاضي أو غيره([26]).

وإذا كان لنا من رأي، فإن إسناد الرقابة إلى القضاء في معرفة ما إذا كان الطالب التعدد سيعدل بين زوجاته أم لا يمكن تصور كيفية تطبيقه على أرض الواقع، خصوصاً وأن اشتراط عدم الخوف من عدم العدل أمر سابق لأوانه، ولا يتصور إلا بعد وقوعه، والحكم على الشيء قبل تصوره باطل([27])، وفي هذا يقول أبو زهرة:”..كيف يعرف القاضي أنه سيعدل ولا يظلم، وهذه حال تعرف لأشد الناس صلة بالزوج، فضلاً عن القضاء الذي يوجب عمله أن يتصل بالخصوم اتصالاً شخصياً؟، أيسأل الشهود وأكثرهم يصطنع الكذب أم يعتمد على الشهادات الرسمية؟”([28]).

فالأمر إذن ينبغي أن يقاس بمقياس شخصي، فالله عز وجل، الحكيم الخبير بخفايا الأمور، العالم بما تؤول إليه الأحوال، المطلع على ظواهر الناس وبواطنهم، أو كل إمكانية معرفة العدل من عدمه إلى ضمائر الأزواج، فقال سبحانه: “فإن خفتم([29]) ألا تعدلوا…”، ولم يقل: “فإن خيف ألا تعدلوا..”، فالأزواج إذن هم المعنيون بالخطاب الإلاهي الرباني.

وفي هذا السياق طرح سؤال على وزير العدل حول احتمال قيام صعوبة في معرفة ما إذا كان مريد التعدد سيحقق العدل المطلوب أو لا يحققه، وبالتالي قد يتعذر تطبيق مضمون المادة 40 من مدونة الأسرة، فأجاب بقوله: “ينبغي التذكير أولاً بأن الانطلاق من المبادئ هو من الأمور المسلمة، كما أن اكتمال الفهم السليم لبعض مواد القانون لا يحصل إلا إذا تمت مقارنتها بمواد أخرى مرتبطة بها في المعنى والسياق، فالمواد القانونية يكمل بعضها بعضاً، وإن قراءة القانون بصفة عامة يراعى فيها هذا الارتباط والتكامل بين نصوصه، لذا فإن مواد مدونة الأسرة هي كذلك نصوص يكمل بعضها البعض، وتأسيساً على ذلك فإن فهم مضمون المادة 40 بخصوص عبارة: (يمنع التعدد) الواردة بها ينبغي عدم الوقوف عند هذه العبارة وحدها، بل من قراءتها مع باقي فقرات المواد الأخرى الموالية([30])، ولا يخفى أن هذه الإجابة تنقصها الدقة من حيث الصياغة، والوضوح من حيث إيصال الفكرة.

ج- عدم وجود شرط من الزوجة بعدم التزوج عليها:

من الملاحظ أن هذا الشرط([31]) كان موجوداً في المدونة الملغاة حتى قبل تعديلها سنة 1993، مع شيء من الاختلاف على مستوى الجزاء، ففي مدونة 1957 كان ينص الفصل 31 على أنه: “للمرأة الحق في أن تشترط في عقد النكاح أن لا يتزوج عليها زوجها، وأنه إذا لم يف الزوج بما التزم به يبقى للزوجة حق طلب فسخ العقد”.

وجاء تعديل 1993 مبقياً على هذا الشرط، ومرتباً عليه جزاء أكثر أهمية بالنسبة للزوجة، وذلك بجعل أمرها بيدها حسب ما نص عليه الفصل 30، أي أن لها الخيار بين البقاء مع زوجها رغم التزوج عليها وبين أن تتمسك بشرطها وتطلق نفسها بدون إثبات الضرر الحاصل لها من هذا الزواج، أما إذا لم تكن قد اشترطت ذلك فإن المشرع أعطاها آنذاك الحق فقط في رفع دعوى الضرر، حيث جاء في الفقرة 3 من الفصل المذكور أنه: “للمتزوج عليها إذا لم تكن اشترطت الخيار أن ترفع أمرها للقاضي لينظر في الضرر الحاصل لها”([32]).

أما في ضوء مدونة الأسرة فقد اتخذ الموضوع بعداً آخر، ذلك أن فلسفة المشرع الجديدة تقوم على أن الشروط الإرادية لعقد الزواج كلها تكون ملزمة لمن التزم بها، إلا إذا كانت هذه الشروط تخالف أحكام العقد ومقاصده أو تخالف القواعد الآمرة للقانون، كأن يشترط الزوج على زوجته أن لا ينفق عليها، ففي مثل هذه الحالة يلغي الشرط حتى ولو قبلت به ويبقى العقد صحيحاً حسب المادة 47.

غير أنه أحياناً قد تكون الشروط غير مخالفة لأحكام العقد ومقاصده، وغير مخالفة للقواعد الآمرة للقانون، ونجدها تحقق مصلحة مشروعة لمشترطها، فهذه تكون صحيحة وملزمة لمن التزم بها من الزوجين حسب الفقرة 1 من المادة 48، لكن قد تستجد ظروف أو وقائع معينة تجعل من الصعب استمرار الملتزم في الوفاء بالشرط، لما في ذلك من إرهاق له، ففي هذه  الحالة نصت مدونة الأسرة على أنه بإمكان هذا الملتزم المتضرر من الالتزام الذي رتبه على نفسه أن يلجأ إلى المحكمة ويطلب إعفاءه منه أو على الأقل التخفيف من غلوائه، اللهم إلا إذا تعلق الأمر بشرط عدم التعدد، فهذا لا يمكن التنصل منه مطلقاً([33]) إلا بتنازل الزوجة عنه، وهو ما لا يمكن أن يكون إلا إذا ولج الجمل في سم الخياط بحكم طبائع النساء([34]).

ويبدو أن مدونة الأسرة بفلسفتها هذه قد أخذت بمذهب الحنابلة، فهؤلاء هم من يقولون إن شرط الزوجة على زوجها ألا يتزوج عليها هو شرط صحيح ملزم، يجب الوفاء به، لأن فيه منفعة لها، ولا يمنع المقصود من الزواج الذي هو الاستمتاع بالوطء([35])، سندهم في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: “أن أحق الشروط ما استحللتم به الفروج”([36])، أما المذاهب الأخرى بما فيها المذهب المالكي، فترى أن الشرط المذكور غير ملزم، بل مكروه وفاسد، ولا يجب الوفاء به([37])، سندهم في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: “المسلمون عند شروطهم إلا شرطاً حرم حلالاً أو أحل حراماً”([38])، والتعدد حلال.

ثانياً: الشروط الإيجابية:

نقصد بهذه الشروط تلك التي تتطلب توافر أوضاع معينة حتى تتاح إمكانية الإذن بالتعدد لطالبه، وفي هذا تنص المادة 41 من مدونة الأسرة على أنه: “لا تأذن المحكمة بالتعدد:

– إذا لم يثبت لها المبرر الموضوعي الاستثنائي.

– إذا لم تكن لطالبه الموارد الكافية لإعالة الأسرتين، وضمان جميع الحقوق من نفقة وإسكان ومساوة في جميع أوجه الحياة”.

ومنه يتبين بجلاء أن الأوضاع الواجب توافرها لمنح الإذن بتعدد الزوجات هي وجود المبرر الموضوعي الاستثنائي من جهة (أ)، ووجود الموارد الكافية لإعالة الأسرتين من جهة ثانية (ب).

1- وجود المبرر الموضوعي الاستثنائي:

لم يحدد المشرع المغربي كنه المبرر الموضوعي الاستثنائي ولم يبين حقيقته، تاركاً الأمر للمحكمة، تستخلصه من خلال الاستماع إلى الطرفين، وتفحص رسائل:إثباتهما ومناقشة حججهما.

وبشكل عام فإن مبررات التعدد منها ما هو عام يخدم مصالح اجتماعية عامة، ومنها ما هو خاص يحقق مصالح شخصية.

1- المبررات العامة:

كثيرة هي هذه المبررات، يكفي أن نذكر منها مشكلة زيادة الإناث على الذكور:

وهذه مشكلة أكدتها الإحصائيات، بصرف النظر عن سبب هذه الزيادة، أهي الحروب أو العمل أو الكوارث أو غير ذلك([39])، فهنا يكون التعدد سبيلاً لعلاج المشكلة وحلاً ناجعاً لتلافي الخسارة الممثلة في نقص الرجال، والتي تنبأ بها النبي محمد صلى الله عليه وسلم، حيث قال: “من أشراط الساعة أن يقل العلم، ويظهر الجهل، ويظهر الزنا، وتكثر النساء ويقل الرجال..”([40]).

وفي هذا نذكر مثالاً جاء في جريدة الأهرام القاهرية بتاريخ 13 ديسمبر 1960 أنه قد: “اكتشفت وثيقة بخط يد مارتن بومان نائب هتلر كان قد كتبها في 1944م، يقول فيها: إن هتلر كان يفكر جدياً في أن يبيح للرجل الألماني الزواج من اثنتين شرعاً لضمان مستقبل قوة الشعب الألماني”([41]).

2- المبررات الخاصة:

نذكر منها مبررين اثنين:

– الرغبة في الولد: فالزوجة قد تكون عقيماً لا تلد، والزوج يرغب في إنجاب أبناء يكونون استمراراً لحياته، وامتداداً لنسبه، فهنا إما أن يقضي عليه بالحرمان من هذا الحق الطبيعي، أو يطلق زوجته ليتزوج من أخرى، وأحلاهما مر كما يقال، فلا جدال في أنه من الخير للزوجة الأولى أن تبقى في حمى الزوجية الحصين موفورة الكرامة، ومعها رفيق حياتها بدلاً من أن يطلقها فتعيش وحيدة محرومة، خصوصاً إذا لم يكن لها معيل، ففي التعدد إذن خير لها وله.

– الرغبة الجنسية: قد تصاب الزوجة بمرض مزمن أو معد أو منفر، بحيث لا يمكن للزوج أن يعاشرها معاشرة الأزواج، فضلاً عن أن تقوم بالحقوق الزوجية الواجبة عليها، فهنا هل يكبت الزوج رغبته بداخله مع ما يجره ذلك عليه من عنت؟، أم يطلق زوجته لتجد نفسها في الشارع وما يجره ذلك عليها من مخاطر؟، وقد يكون الزوج كثير الأشغال والتنقل بحكم عمله، والزوجة لا تسمح ظروفها وظروف أولادها بالرحيل معه كلما رحل([42])، ففي هذه الحالة أيضاً إما أن يختار خليلة أو يتزوج من أجل تحقيق رغبته كرجل، خصوصاً وأنه قد يطول غياته لعدة شهور، فالتخيير هنا كأنه تخيير بين الحرام والحلال، فما الأفضل؟، لعل الإجابة لا تخفى على عاقل، فتعدد الزوجات بالغة ما بلغت مثالبه أسلم من إتيان الفاحشة([43]).

ونعتقد أن المشرع المغربي يقصد بالمبرر الموضوعي الاستثنائي ما يندرج في إطار المبررات الخاصة دون العامة، على خلاف ما ذهب ويذهب إليه الكثير من الفقه ممن خاض أو يخوض في هذا الموضوع([44])، ولعل التطبيقات القضائية توحي بما ذهبنا إليه:

ففي حكم قضائي صدر عن قسم قضاء الأسرة بابتدائية الخميسات تم فيه الإذن بالتعدد على أساس إصابة الزوجة الأولى بعجز جنسي جعلها مريضة لا تعاشر زوجها مدة سبع سنوات، وعن نفس المحكمة صدر حكم قضائي آخر يأذن بالتعدد على أساس أن الزوجة الأولى مريضة ولا تستطيع القيام بشؤون بيت الزوجية لكون بناتها الخمس متزوجات([45]).

وفي حكم قضائي آخر صدر عم قسم قضاء الأسرة بالمحكمة الابتدائية بالعرائش تم فيه الإذن بالتعدد، حيث جاء في إحدى حيثياته: “…كما أن السبب المبرر للتعدد المصرح به من طرفه، والذي أكدته الزوجة، والمتمثل في عدم قدرة هذه الأخيرة على تحمل الأعباء المنزلية يبقى مبرراً موضوعياً للتعدد، ما دام أن الزوجة لم تعد قادرة على النهوض بأهم الواجبات الملقاة على عاتقها تجاه زوجها بمقتضى عقد زواج”([46]).

وفي حكم قضائي آخر أيضاً([47]) صدر عن المحكمة الابتدائية بمكناس بتاريخ 18/04/2006 تم فيه الإذن بالتعدد لوجود المبرر الموضوعي الاستثنائي ممثلاً في كون المرأة المراد التزوج عليها تعاني من مشكل جنسي، وتفضل التعدد على وقوع زوجها في الرذيلة.

والجدير بالذكر أن الزوج هو الذي يكلف بإثبات المبرر الموضوعي الاستثنائي، والمحكمة طبعاً تكيفه هل هو فعال كذلك أم لا؟، مع وجوب التضييق في هذا التكييف على اعتبار أن التعدد لا يعدو أن يكون رخصة تحمل طابع الاستثناء([48]).

ب- وجود الموارد الكافية لإعالة الأسرتين:

المطلوب بهذا الشرط([49]) أن يكون لطالب التعدد موارد للعيش تكفيه لإعالة أسرته السابقة زوجة وأولاداً والأسرة التي يعتزم تكوينها زوجة وما سيخلفه منها من أولاد، بما يضمن جميع الحقوق، من نفقة وإسكان ومساواة في جميع أوجه الحياة “فقرة 2 من المادة 41″([50]).

على أن قدرة الرجل على الإنفاق تقاس بما له من مال ظاهر، كالعقارات والمنقولات والمداخيل الثابتة([51])، وللوقوف على ذلك يجب إرفاق طلب التعدد بإقرار عن وضعيته المادية حسب منطوق المادة 42 من مدونة الأسرة، من ذلك شهادة الأجر أو الدخل، وبيان الوضع الضريبي، أو أي حجة أخرى تفيد الوضعية المادية للمعنى بالأمر، ويمكن الاكتفاء بتصريحاته ما لم تكن محل منازعة من طرف الزوجة المراد التزوج عليها([52]).

والجدير بالذكر هنا أن طالب الإذن بالتعدد لا يعفى من هذا الشرط حتى ولو التزمت الزوجة المراد التزوج بها بالنفقة، لأن الأمر على حد تعبير وزير العدل لا يتعلق بالجانب المادي فحسب، بل هو يرتبط بحقوق أخرى أيضاً تتعلق بالأسرة ككل([53]).

المبحث الثاني: مسطرة تعدد الزوجات:

هذه المسطرة تحددها المواد 42 إلى 46 من إدخال الغايتين، فضلاً عما يتضمنه قانون المسطرة المدنية من شكليات عامة، وبقراءة هذه المواد يتبين أن ثمة مسطرة يمر عبرها طلب التعدد، وهي مسطرة تخضع لرقابة قضائية صارمة.

وعلى أي فإن مسطرة التعدد يمكن تقسيمها إلى مرحلتين، مرحلة ما قبل إجراء الصلح (أولاً) ومرحلة إجراء الصلح (ثانياً).

أولاً: مرحلة ما قبل إجراء الصلح:

تبدأ هذه المرحلة بتقديم طلب الإذن بالتعدد (أ)، وتنتهي باستدعاء الزوجة المراد التزوج عليها (ب).

أ- تقديم طلب الإذن بالتعدد:

بالرجوع إلى مدونة الأسرة، ومراعاة لشكليات المقال الافتتاحي المنصوص عليها في الفصل 32 من قانون المسطرة المدنية، يمكن القول بأن طلب التعدد يجب أن يتضمن البيانات التالية:

– تحديد أطراف الطلب، وبيان هويتهم بدقة، من ذكر الأسماء العائلية والشخصية، والصفة أو المهنة، والموطن أو محل الإقامة للراغب في التعدد والمراد التزوج عليها.

– بيان موضوع الطلب والوقائع والوسائل المثارة، على أن يرفق بالطلب المستندات التي ينوي طالب التعدد استعمالها عند الاقتضاء.

فالوقائع المراد بيانها تتمثل في “بيان مراجع عقد زواج المرأة المراد التزوج عليها، وتحديد المبرر الموضوعي الاستثنائي، بالإضافة إلى جرد شامل لموارد الزوج عملاً بالمادة 42([54]) من المدونة”([55])، وذلك حتى تتمكن المحكمة على ضوء ذلك من استخلاص ما إذا كان يتوفر على الموارد الكافية لإعالة الأسرتين أم لا، وضمان كافة الحقوق من نفقة وإسكان ومساواة في جميع أوجه الحياة.

وأما السندات المشار إليها فيمكن التمثيل لها بـ “شواهد أو تحاليل أو تقارير أو فحوصات طبية تفيد مرض الزوجة أو عقمها، فضلاً عن عقد الزواج أو أي وثيقة تثبت الزوجية”([56]).

ب- استدعاء الزوجة المراد التزوج عليها:

بعد أداء الرسوم القضائية على طلب الإذن بالتعدد([57])، وبعد أن يتم التأشير عليه، يحال على السيد رئيس المحكمة الابتدائية، وهذا الأخير يقرر قاضياً تكون مهمته الإشراف على تنظيم بعض الإجراءات الشكلية كالإطلاع على ملف التعدد، والتأكد من وجود المرفقات، وتحديد تاريخ أول جلسة للنظر في طلب الإذن بالتعدد([58])، ويترك للمحكمة كل ما يدخل في الموضوع، باعتبارها صاحبة الاختصاص([59]).

فالمحكمة أول شيء تقوم به هو أنها: “تستدعي الزوجة المراد التزوج عليها للحضور” حسب الفقرة 1 من المادة 43 من مدونة الأسرة، على أنه لا يعتد إلا بالتوصل الشخصي، ولعل هذا من الاستثناءات التي أوردها المشرع على القواعد العامة للتبليغ، بحيث لا يغني عن ذلك التبليغ الحاصل لغيرها، كأبنائها أو أقاربها أو خدمها.

وحسب تتمة الفقرة 1 من المادة 43 أعلاه أنه إذا توصلت الزوجة المراد التزوج عليها شخصياً بالاستدعاء ولم تحضر أو امتنعت من تسلم الاستدعاء فإن المحكمة توجه إليها عن طريق كتابة الضبط إنذاراً مضمونة أنه في حالة عدم حضورها في الجلسة المحدد تاريخها في الإنذار سيبت في طلب الزوج في غيابها([60])، ونفس الشيء إذا أفادت النيابة العامة تعذر الحصول على موطن أو محل إقامة يمكن استدعاؤه فيه، حيث يبت أيضاً في طلب الزوج رغم غيابها حسب الفقرة 2 من المادة المشار إليها أعلاه.

غير أنه إذا كان سبب عدم توصل الزوجة بالاستدعاء ناتجاً عن تقديم الزوج بسوء نية لعنوان غير صحيح، أو تحريف في اسم الزوجة، فإنه تطبق عليه العقوبة المنصوص عليها في الفصل 361 من القانون الجنائي، وهي الحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاثة سنوات، وغرامة من مائتين إلى ثلاثمائة درهم، وذلك بناء على طلب من الزوجة المتضررة حسب ما تنطق به الفقرة 3 من المادة 43 من مدونة الأسرة.

ولعل الغاية من تقييد متابعة الزوج بهذا الطلب هي الحفاظ على استقرار الأسرة، لأن آفاق الصلح تظل مفتوحة من جهة، ولأن المسألة لها علاقة بالجانب الإنساني من جهة ثانية([61]).

ثانياً: مرحلة إجراء الصلح:

لقد أكد السيد وزير العدل أن استدعاء الزوجة المراد التزوج عليها تعد من الإجراءات الضرورية لصيانة الحقوق، وللتمكن من إجراء المناقشة بين الأطرف بغرفة المشورة، والقيام بمحاولة الصلح، والبت في طلب الإذن بالتعدد([62]).

وهكذا إذا تغيبت الزوجة المراد التزوج عليها عن الحضور لسبب من الأسباب فإن المحكمة تبت في طلب الزوج دون إجراء أي صلح، فيكفي أن تتأكد من توافر الشروط السلبية والإيجابية المشار إليها سلفاً تحت طائلة رفض الطلب.

أما إذا حضرت فإنه حسب المادة 44 في فقرتها الأولى تجري المناقشة بحضورها وحضور زوجها، وذلك بغرفة المشورة([63])، وتحاول المحكمة بعد ستقصاء البيانات والدفوع والوقائع إجراء صلح من أجل التوفيق بينهما قبل النطق بقرارها([64])، معتمدة في ذلك على مؤسسات الصلح المعروفة([65]).

وهنا إما أن يعدل الزوج عن فكرة التعدد، أو تسمح له الزوجة المراد التزوج عليها بذلك، ففي هذه الأحوال لا إشكال، أو لا يحصل شيء من ذلك ويبقى الزوج ثابتاً على موقفه فيستمر الخلاف قائماً دون نتيجة تذكر، في هذه الحالة تأذن المحكمة بالتعدد إذا ثبتت لها شروطه الإيجابية المشار إليها قبلاً، وهذا الإذن لا يقبل أي طعن حسب الفقرة 2 من المادة 44([66]).

أما على مستوى العلاقة الزوجية القائمة ذاتها فإنه إذا ثبت للمحكمة تعذر استمرارها رغم محاولة الصلح، فهنا نميز بين حالتين نصت عليهما المادة 45 من مدونة الأسرة:

الحالة الأولى: وهي تلك التي تصر فيها الزوجة المراد التزوج عليها على المطالبة بتطليقها([67])، فهنا لا مناص من أن تباشر المحكمة إجراءات تطليق الزوجة([68])، وذلك بتحديد كافة مستحقاتها وأولادها، ومن ثم أمر الزوج بإيداع هذه المستحقات بصندوق المحكمة داخل أجل لا يتعدى سبعة أيام حسب الفقرتين 1 و2 من المادة 45.

فإن تم الإيداع داخل الأجل المحدد أصدرت المحكمة حكماً بالتطليق غير قابل للطعن في جزئه القاضي بإنهاء العلاقة الزوجية حسب الفقرة 3 من المادة أعلاه، باعتباره طلاقاً بائناً، أما الشق المحدد للمستحقات فإنه قابل للطعن بالاستئناف.

أما إذا لم يقم الزوج بإيداع المبلغ الذي حددته المحكمة دخل الأجل، فإن ذلك يعتبر تراجع منه عن طلب الإذن بالتعدد حسب الفقرة 4 من المادة 45، وكأن عهدي بالمشرع يريد منع التعدد، في محاولة منه لرأب صدع الأسرة، ذلك أن أسبوعاً واحداً قد يكون غير كاف لجمع قيمة المستحقات المحكوم بها، سيما إذا كان الزوج تاجراً وليست له سيولة مالية حاضرة.

الحالة الثانية: وهي تلك الحالة التي لا توافق فيها الزوجة المراد التزوج عليها على التعدد، وفي نفس الوقت لا تطلب التطليق، فهنا تنص مدونة الأسرة في الفقرة الأخيرة من المادة 45 على أن المحكمة تطبق تلقائياً مسطرة الشقاق المنصوص عليها في المواد 94 إلى 97.

وهنا نتساءل بأي حق يمكن للمحكمة أن تتدخل بفرض التطليق للشقاق المفضي إلى تفكيك أوصال الأسرة؟، مع أن الزوجة المتضررة نفسها لم تطلبه، ألم يكن حرياً بالمشرع ترك الأمر لها، تتخذ قرارها بنفسها، إما تقبل الأمر الواقع أو تطلب التطليق، وتتحمل نتائجه؟، ثم أليس هذا التدخل يتعارض مع ما نص عليه قانون المسطرة المدنية في مطلع الفصل 3، مع أنه: “يتعين على المحكمة أن تبت في حدود طلبات الأطراف….”.

هذا وإن المشرع لم يغفل في غمرة هذه الإجراءات اهتمامه بالمرأة المراد التزوج عليها بها، حيث نصت المادة 46 من مدونة الأسرة على أنه في حالة الإذن بالتعدد لا يتم العقد عليها إلا بعد إشعارها من طرف القاضي([69]) بأن الراغب في الاقتران بها متزوج بغيرها، وذلك حتى تكون على بينة من أمرها، فإن وافقت وجب تضمين ذلك في محضر رسمي حتى يكون شاهداً عليها.

ولا يخفى أن هذا الإجراء قد وضع حسب البعض حداً للمشاكل التي كانت تثور في ظل المدونة الملغاة، حيث كانت المرأة المعقود عليها تلجأ للقضاء مطالبة بفسخ الزواج، بحجة أن زوجها دلس عليها بعدم إشعارها بأنه متزوج بغيرها([70]).

وفي الختام يجدر بنا التنبيه إلى أنه لابد من تعليل مقرر الإذن بالتعدد “فقرة 2 من المادة 44″، لأن من شأن هذا التعليل أن يؤطر عناصر مراقبة ما إذا كان الإذن بالتعدد في محله أم لا، بصرف النظر عن كونه غير قابل لأي طعن، فضلاً عن أن التعليل يقوي الإحساس بأهمية الإذن المذكور، ويشكل كذلك باعثاً على الثقة في القرار المعلل، والاطمئنان إليه والاقتناع به([71]).

خاتمة:

من خلال هذا العرض يتضح بجلاء أن المشرع المغربي قد خطا من خلال مدونة الأسرة خطوة جريئة إلى الأمام في موضوع تعدد الزوجات، يبدو هذا جلياً من خلال الشروط التي سطرها لمنح الإذن بالتعدد، خصوصاً إذا ما لاحظنا الجزاء القاسي المترتب على اشتراط المرأة على زوجها ألا يتزوج عليها، فلو استغلت كل فتاة مغربية هذا الشرط لأقفل باب التعدد بشكل نهائي.

وإذا كان هذا الموقف التشريعي يسير بالتعدد نحو الباب المسدود، فإن على المشرع المغربي أن ينتبه إلى أن إقفال الأبواب يؤدي حتماً بحكم الضغط إلى البحث عن الأبواب المفتوحة، ومن دون شك أن التطليق للشقاق أيسر سبيل للوصول إلى تحقيق ذلك المبتغى، أي مفارقة الأولى والزواج من المرأة المراد التزوج بها، ولا يخفى ما في هذا الأمر من آثار سلبية على الأسرة.

ولهذا نقول على سبيل التذكير لأولئك الذين لم يقنعوا بهذا الحد الذي وصل إليه نظام التعدد في ظل مدونة الأسرة بأنه إذا كانت هناك قلة من الرجال أساءت استعمال رخصة التعدد، فإن هذا لا يقوم سبباً كافياً للمطالبة بإقفال الباب في وجه طالبيه إذا كانت ظروفهم تسمح، لأن العيب في هذه الحالة ليس عيب التعدد كنظام شرعي يستمد مقوماته من ديننا الحنيف، وإنما العيب في سوء الفهم ومن تم في سوء التطبيق.

ثم إن التبجح بأن في إقفال باب التعدد مصلحة كما يتوهم البعض لا يعدو أن يكون فهماً خاطئاً لأصول الشريعة وتصوراً فاسداً لمقاصدها، فلا ندري بحق عن أي مصلحة يتحدثون؟، إن المصلحة([72]) التي يمكن أن تتخذ كمصدر لتشريع حكم ما، لابد وأن تخضع لجملة من الضوابط، لعل أهمها([73]):

– عدم معارضة المصلحة لنصوص الشريعة: ونعتقد أن هناك نصوصاً قرآنية في هذا الصدد، لا يمكن إنكارها.

– عدم تفويت المصلحة لمصلحة أفضل منها: وقد رأينا أن مزايا التعدد كثيرة منه ما يحقق المصلحة العامة ومنها ما يحقق المصلحة الخاصة، ورغم ما هناك من بعض عيوب التعدد التي يرجع سببها إلى قلة الوازع الديني فإنها لا تقف في وجه المزايا المشار إليها.

– عدم إحداث جلب المصلحة لمفسدة مساوية لها أو أكبر منها: ولا نعتقد أن ثمة مفسدة أكبر من تفشي الفساد وتفكك الأسر عن طريق الطلاق إذا ما نحن أقفلنا باب التعدد مطلقاً.

نأمل أن يجد القارئ الكريم في هذه المقالة الدواء الشافي لما قد يكون عالقاً بذهنه من مغالطات، والجواب الكافي للإجابة عما يجول بخاطره من تساؤلات.

لائحة المراجع المعتمدة

حسب ترتيبها في المقالة:

1- عبد السلام الترمانيني: الزواج عند العرب في الجاهلية والإسلام، دراسة مقارنة، ضمن كتاب عالم المعرفة، العدد 80، سنة 1984م.

2- محمد المهدي: المطالبة بإلغاء تعدد الزوجات: نتيجة سوء فهم أم سوء قصد؟، مقالة منشورة في مجلة الوعي الإسلامي، العدد 505، رمضان 1428هـ.

3- وزارة العدل: مجلة قضاء الأسرة، منشورات نشر المعلومة القانونية والقضائية، عدد 1، يوليوز 2005م.

4- ابن رشد: بداية المجتهد ونهاية المقتصد، دار الجيل ببيروت، مكتبة الكلية الأزهرية بالقاهرة، طبعة 2004م.

5- أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، دار الحديث بالقاهرة، الطبعة 1، سنة 1994م.

6- أحمد ابن حجر العسقلاني: فتح الباري بشرح صحيح البخاري، مطابع دار البيان الحديثة، الطبعة 1، سنة 2003م.

7- الطيب بن لمقدم: تعدد الزوجات وآثاره في القانون المغربي والمقارن، مقالة منشورة في مجلة البحوث، العدد 5، دجنبر 2006م.

8- عبد الله بن الطاهر السوسي التناني: مدونة الأسرة في إطار المذهب المالكي وأدلته، الكتاب الأول: الزواج، مطبعة النجاح الجديدة بالدار البيضاء، الطبعة 1، سنة 2005م.

9- محمد بن إسماعيل اليمني الصنعاني: سبل السلام شرح بلوغ المرام من جمع أدلة الأحكام، تحقيق إبراهيم عصر، دار الحديث بمصر، الطبعة 7، سنة 1992م.

10- سيد قطب: في ظلال القرآن، دار الشروق، الطبعة 9، سنة 1980م.

11- عبد النبي ميكو: الوسيط في شرح مدونة الأحوال الشخصية، الجزء الأول: الزواج والطلاق، مطبعة كوثر بالرباط، الطبعة الأولى 1971م.

12- صلاح الدين زكي: أحكام قانون الأسرة في الفقه الإسلامي والتشريع المغربي، مطبعة النجاح الجديدة بالدار البيضاء، الطبعة الأولى 1985م.

13- محمد أبو زهرة: محاضرات في عقد الزواج وآثاره، ملتزم الطبع والنشر، دار الفكر العربي، دون تاريخ.

14- ابن عطية الأندلسي: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، الدوحة، الطبعة الأولى 1982م.

15- وزارة العدل: المقتضيات الجديدة لمدونة الأسرة من خلال أجوبة السيد وزير العدل والسيد وزير الأوقاف والشئون الإسلامية عن الأسئلة والاستفسارات المثارة أثناء مناقشة مشروع المدونة أمام مجلسي البرلمان، منشورات جمعية نشر المعلومات القانونية والقضائية، سلسلة الشروح والدلائل، العدد 4، الطبعة الأولى، سنة 2004م.

16- محمد الشتيوي: الإجراءات الإدارية والقضائية لتوثيق الزواج، المطبعة والوراقة الوطنية بمراكش، الطبعة 1، سنة 2004م.

17- الإمام موفق الدين ابن قدامة: المغني على مختصر الخرقي، طبعة دار الفكر، الطبعة 1، سنة 1984م.

18- أسعد السحمراني: المرأة في التاريخ والشريعة، دار النفائس للطباعة والنشر والتوزيع (بيروت/ لبنان)، الطبعة 1، سنة 1989م.

19- زينب عبد السلام أبو الفضل: العرض القرآني لقضايا النكاح والفرقة، دار الحديث بالقاهرة، 2005م.

20- حسين الحاج حسن: النظم الإسلامية، طبع المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، الطبعة 1، سنة 1987م.

21- مصطفى السباعي: شرح الأحوال الشخصية، الجزء الأول: الزواج وانخلاله، دار النيربين للطباعة والنشر والتوزيع بدمشق، دار الوراق للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة 9، سنة 2001م.

22- محمد رضا: الإسلام والمدنية، دار الكتب العلمية (بيروت/ لبنان)، 1986م.

23- وزارة العدل: مجلة قضاء الأسرة، منشورات جمعية المعلومة القانونية والقضائية، عدد 1، يوليوز 2005م.

24- وزارة العدل: مجلة قضاء الأسرة، منشورات جمعية المعلومة القانونية والقضائية، عدد 3، دجنبر 2006م.

25- محمد الكشبور: شرح مدونة الأسرة، الجزء 1، مطبعة النجاح الجديدة بالدار البيضاء، الطبعة الأولى 2006م.

26- عز الدين الماحي: استيفاء الرسم القضائي أمام قضاء الأسرة، مداخلة شارك بها في الندوة الوطنية التي نظمتها شعبة القانون الخاص ومركز الدراسات القانونية المدنية والعقارية بكلية الحقوق بمراكش وهيئة المحامين بمراكش يومي 27 و28 يناير 2006 تحت عنوان: “مدونة الأسرة بين النص والممارسة”، وهي منشورة ضمن سلسلة الندوات والأيام الدراسية، العدد 25.

27- بنسالم أوديجا: دور قاضي التوثيق في التعدد في ضوء أحكام مدونة الأسرة، الضمانات –الرقابة- القيود، مقالة منشورة في مجلة القضاء والقانون، العدد 154.

28- وزارة العدل: دليل عملي لمدونة الأسرة، منشورات جمعية نشر المعلومة القانونية والقضائية، سلسلة الشروح والدلائل، العدد 1، 2004م.

29- عبد العزيز فتحاوي: قراءة في الكتاب الثاني من مدونة الأسرة المتعلق بانحلال ميثاق الزوجية وآثاره، مداخلة ضمن الأيام الدراسية حول مدونة الأسرة، نشر المعهد العالي للقضاء، شتنبر 2004م.

30- لحسن خضيري: تقييم التعديلات الجديدة في مجال تعدد الزوجات، مداخلة شارك بها في إطار أشغال اليوم الدراسي المنظم من قبل شعبة القانون الخاص بتعاون مع مؤسسة فريدرش إبرت بالرباط يوم 8 مارس 1997، تحت عنوان: “تعديلات مدونة الأحوال الشخصية بظهائر 10 شتنبر 1993: حصيلة أولية”، منشورة ضمن سلسلة الندوات، رقم 1.

31- الإمام الغزالي: المستصفى من علم الأصول، تحقيق حمزة زهير حافظ، شركة المدينة المنورة للطباعة والنشر بالسعودية، دون تاريخ.

32- عبد العزيز بن سطام بن عبد العزيز آل سعود: اتخاذ القرار بالمصلحة، الجزء الأول، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، 1426هــ.

33- سعيد رمضان البوطي: ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية، المكتبة الأموية بدمشق، الطبعة الأولى، 1966م.


[1]د. عبد السلام الترمانيني: الزواج عند العرب في الجاهلية والإسلام، دراسة مقارنة، ضمن كتاب عالم المعرفة، العدد 80، سنة 1984، ص183.

[2]د. محمد المهدي: المطالبة بإلغاء تعدد الزوجات: نتيجة سوء فهم أم سوء قصد؟، مقالة منشورة في مجلة الوعي الإسلامي، العدد 505، رمضان 1428هـ، ص72.

[3]من خلال ظهير 22 نوفمبر 1957 المتعلق بالزواج وانحلال ميثاقه.

[4]الصادر بتنفيذها الظهير الشريف رقم 1. 04. 22 بتاريخ 3 فبراير 2004 (انظر الجريدة الرسمية عدد 5184، بتاريخ 5 فبراير 2004، ص418).

[5]وزارة العدل: مجلة قضاء الأسرة، منشورات جمعية نشر المعلومة القانونية والقضائية، عدد 1، يوليوز 2005، ص115.

[6]انظر وجهة نظرنا حول الموضوع في مجلة الوعي الإسلامي: المرجع السابق، ص74.

[7]ولا نقصد بها معنى النواقص والمثالب.

[8]أحلت مدونة الأسرة لفظ “العدد” محل لفظ “القدر” الذي كان عليه في المدونة الملغاة، لما رأت فيه من تشييئ للمرأة، وحط من قيمتها.

[9]ويقابل ذلك ما عبر عنه ابن رشد في قوله: (وقالت فرقة: يجوز الجمع بين تسع، ويشبه أن يكون من أجاز التسع ذهب مذهب الجمع في الآية المذكورة، أعني جمع الأعداد في قوله تعالى: (مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ) بداية المجتهد ونهاية المقتصد، دار الجيل ببيروت، مكتبة الكليات الأزهرية بالقاهرة، طبعة 2004، المجلد 2، ص65)، وقد نسب القرطبي قول تلك الفرقة المومأ إليها في قول ابن رشد إلى الرافضة وبعض أهل الظاهر، ثم قال: وذهب بعض أهل الظاهر أيضاً إلى أقبح منه، فقالوا بإباحة الجمع بين ثمان عشرة، تمسكاً منه بأن العدد في تلك الصيغ يفيد التكرار، والواو للجمع، فجعل مثنى بمعنى اثنين اثنين، وكذلك ثلاث ورباع، قال “أي القرطبي”: وهذا كله جهل باللسان والسنة، ومخالف لإجماع الأمة، إذ لم يسمع عن أحد من الصحابة ولا التابعين أنه جمع في عصمته أكثر من أربع (أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، دار الحديث بالقاهرة، الطبعة 1، سنة 1994، الجزء 5، ص22)، فالواو بمعنى أو، فهي للتنويع كما يقول ابن حجر، والتقدير: فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى، وانكحوا ما طاب لكم من النساء ثلاث الخ (أحمد بن حجر الصقلاني: فتح الباري يشرح صحيح البخاري، مطابع دار البيان الحديثة، الطبعة الأولى، 2003، الجزء 9، ص47).

[10]سورة النساء، من الآية 3.

[11]أخرجه الترمذي وابن ماجه البيهقي وكذلك الإمام مالك في الموطأ.

[12]الطيب بن لمقدم: تعدد الزوجات وآثاره في القانون المغربي والمقارن، مقالة في مجلة البحوث، العدد 5، دجنبر 2006، ص71.

[13]ذ. عبد الله بن الطاهر السوسي التناني: مدونة الأسرة في إطار المذهب المالكي وأدلته، الكتاب الأول: الزواج، مطبعة النجاح الجديدة بالدار البيضاء، الطبعة الأولى 2005، ص180.

[14]تنص الفقرة المذكورة على أنه: “وللملك أو الوزير الأول أو رئيس مجلس النواب أو رئيس مجلس المستشارين أو ربع أعضاء مجلس النواب أو أعضاء مجلس المستشارين أن يحيلوا القوانين قبل إصدار الأمر بتنفيذها إلى المجلس الدستوري ليبت في مطابقتها للدستور”.

[15]يرى البعض أنه ليس بالضرورة أن يجامعها حينما يبيت عندها، على اعتبار أن الجماع شأنه في ذلك شأن الحب، فالعدل فيه غير مطلوب، جاء في فتح الباري، المرجع السابق، ص255: “أخرج البيهقي من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: (ولن تستطيعوا) ألآية، قال: في الحب والجماع، وعن عبيدة بن عمرو السلماني مثله”.

[16]سورة النساء، من الآية 3.

[17]سورة النساء، من الآية 129.

[18]رواه الأربعة وصححه الحاكم.

[19]محمد بن إسماعيل اليمني الصنعاتي: سبل السلام شرح بلوغ المرام من جمع أدلة الأحكام، تحقيق إبراهيم عصر، دار الحديث بمصر، الطبعة 7، 1992، الجزء 3، ص1065، جاء في فتح الباري: “فإذا وفي لكل واحدة منهن كسوتها ونفقتها والإيواء إليها لم يضره ما زاد على ذلك من ميل قلب” (ابن حجر: المرجع السابق، 9/ 255).

[20]ذ. عبد الله بن الطاهر السوسي التناني، المرجع السابق، ص187.

[21]سيد قطب: في ظلال القرآن، دار الشروق، الطبعة 9، 1980، الجزء 1، ص582.

[22]يقابل الموقف التونسي موقف آخر بعكسه تماماً، وهو الأخذ بنظام التعدد بصورة مطلقة دون قيد ولا شرط، وهو ما تتبناه بعض الدول من قبيل السعودية والكويت والأردن واليمن. أما التشريع المغربي ومثله التشريع الجزائري والمصري والليبي مع شيء من الاختلاف، فيتوسط الموقفين المذكورين.

[23]قد سبق للملك الراحل الحسن الثاني أن عبر بمثل هذا أثناء استقباله لممثلات عن الحركات والمنظمات والجمعيات بالمغرب بتاريخ 1 شتنبر 1992، حيث قال: “على المرأة المغربية التي أعرف تشبثها بأصالتها ودينها أن تظهر للنساء المسلمات أولاً وللنساء في العالم بأسره ثانياً أن الإسلام لا يتنافى مع التحرر ولا مع التقدم، ذلك أن الإسلام كما تعلمون مبني على ثلاثة أسس هي: كتاب الله وسنة رسوله والجماعة (الإجماع)… فكل ما لم يحرم فهو حلال، بحيث يستحيل علينا في التطبيق أن تسير ضد التعاليم الدينية والأحاديث النبوية… وأنا لا يمكنني أن أحرم ما أحل الله، ولا يمكنني كذلك أن أحل ما حرم الله”.

[24]عبد النبي ميكو: “الوسيط في شرح مدونة الأحوال الشخصية، الجزء الأول: الزواج والطلاق، مطبعة كوثر بالرباط، الطبعة الأولى 1971، ص: 176.

[25]أورد النصين عبد النبي ميكو في المرجع السابق، ص: 176.

[26]صلاح الدين زكي: أحكام قانون الأسرة في الفقه الإسلامي، والتشريع المغربي، مطبعة النجاح الجديدة بالدار البيضاء، الطبعة الأولى 1985، ص82- 83.

[27]ذ. عبد الله بن الطاهر السوسي التناني، المرجع السابق، ص188.

[28]محمد أبو زهرة: محاضرات في عقد الزواج وآثاره، ملتزم الطبع والنشر، دار الفكر العربي، دون تاريخ، ص138.

[29]هل المطلوب اليقين من عدم العدل أو مجرد الظن كاف للاقتصار على واحدة، هناك قولان في المسألة ذكرهما القرطبي في الجامع للأحكام عند تفسيره للآية أعلاه، وقد رجح ابن عطية القول الثاني، حيث قال: “.. لا يكون الخوف بمعنى اليقين بوجه، وإنما هو من أفعال التوقع، إلا أنه قد يميل الظن فيه إلى إحدى الجهتين، وأما أن يصل إلى حد اليقين فلا” (ابن عطية الأندلسي: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، الدوحة، الطبعة الأولى 1982م، 489/ 3).

[30]وزارة العدل: المقتضيات الجديدة لمدونة الأسرة من خلال أجوبة السيد وزير العدل والسيد وزير الأوقاف والشئون الإسلامية عن الأسئلة والاستفسارات المثارة أثناء مناقشة مشروع المدونة أمام مجلسي البرلمان، منشورات جمعية نشر المعلومة القانونية والقضائية، سلسلة الشزوح والدلائل، العدد 4، الطبعة الأولى، سنة 2004، ص86.

[31]يستند مبدأ الاشتراط في مشروعيته إلى قوله صلى الله عليه وسلم: “إن أحق ما أوفيتم من الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج” وأيضاً إلى قول عمر بن الخطاب: “مقاطع الحقوق عند الشروط” (البخاري في صحيحه، باب الشروط في النكاح).

[32]الإجراءات الإدارية والقضائية لتوثيق الزواج، المطبعة والوراقة الوطنية بمراكش، الطبعة الأولى 2004، ص191.

[33]أي حتى ولو تبين أن الزوجة صاحبة الشرط عاقر، ولا يخفى ما في هذا الأمر من عنت.

[34]نعتقد أن هذا الموقف التشريعي يعتبر دعوة غير مباشرة إلى سد باب التعدد، عن طريق توعية النساء بمدى أهمية الشرط وأثره على إرادة الزوج، فلا يعقل أن تدرك المقبلة على الزواج هذا المعطى ولا تسعى جاهدة إلى الاستفادة منه، لكونها ترى فيه حماية لأسرتها من التصدع الذي قدم ينجم من جراء وجود امرأة أخرى في حياة زوجها.

[35]الإمام موفق الدين ابن قدامة: المغني على مختصر الخرقي، طبعة دار الفكر،الطبعة الأولى 1984، الجزء 7، ص448.

[36]متفق عليه.

[37]ابن قدامة: المرجع السابق- ذ. عبد الله بن الطاهر السوسي التناني، المرجع السابق، ص189- 190.

[38]أخرجه البخاري.

[39]أسعد السحمراني: المرأة في التاريخ والشريعة، دار النفائس للطباعة والنشر والتوزيع (بيروت/ لبنان). الطبعة الأولى 1989، ص176- أبو زهرة: ص136.

[40]أخرجه البخاري.

[41]ذ. زينب عبد السلام أبو الفضل: العرض القرآني لقضايا النكاح والفرقة، دار الحديث بالقاهرة، 2005، ص331.

[42]د. حسين الحاج حسن: النظم الإسلامية، طبع المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 1987، ص318- د. مصطفى السباعي: شرح الأحوال الشخصية، الجزء الأول: الزواج وانحلاله، دار النيريين للطباعة والنشر والتوزيع بدمشق، دار الوراق للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة 9، 2001، ص165.

[43]محمد رضا: الإسلام والمدنية، دار الكتب العلمية (بيروت/ لبنان)، 1986، ص117.

[44]عبد النبي ميكو: المرجع السابق، ص163 وما بعدها ذ. عبد الله بن الطاهر السوسي التناني: المرجع السابق، ص192.

[45]هذان الحكمان غير منشورين، الأول تحت عدد 9، صدر بتاريخ 28/03/2005 في الملف عدد 31/2004، والثاني تحت عدد 2، صدر بتاريخ 24/05/2005 في الملف عدد 7/ 2004 (أوردهما ذ. بلمقدم: المرجع السابق، ص75).

[46]وزارة العدل: مجلة قضاء الأسرة، منشورات جمعية المعلومة القانونية والقضائية، عدد 1، يوليوز 2005، ص108.

[47]تحت رقم 1310، منشور بمجملة قضاء الأسرة، منشورات جمعية المعلومة القانونية والقضائية، عدد 3، دجنبر 2006، ص81.

[48]د. محمد كشبور: شرح مدونة الأسرة، الجزء 1، مطبعة النجاح الجديدة بالدار البيضاء، الطبعة الأولى 2006، ص213.

[49]الذي يستند في مشروعيته إلى قوله تعالى: “ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا” (سورة النساء، من الآية 3).

[50]وللإشارة فإن النفقة حسب المادة 189 من مدونة الأسرة تشمل: “الغذاء والكسوة والعلاج وما يعتبر من الضروريات والتعليم للأولاد… يراعي في تقدير كل ذلك التوسط ودخل الملزم بالنفقة وحال مستحقها ومستوى الأسعار والعادات السائدة في الوسط الذي تفرض فيه النفقة”، أما السكنى فتقدر بشكل مستقل.

[51]ذ. محمد الشتيوي، المرجع السابق، ص187.

[52]وزارة العدل: مجلة قضاء الأسرة، عدد 3، مرجع سابق، ص81.

[53]وزارة العدل: المقتضيات الجديدة لمدونة الأسرة، مرجع سابق، ص89.

[54]تنص المادة 42 من مدونة الأسرة على أن طلب الإذن بالتعدد يجب أن يتضمن: “بيان الأسباب الاستثنائية المبررة له، وأن يكون مرفقاً بإقرار عن وضعيته المادية”.

[55]ذ. محمد الشتيوي، المرجع السابق، ص199.

[56]نفس المرجع.

[57]لقد عملت وزارة العدل على إصدار رسالة دورية تحت عدد 32 س/ 214 بتاريخ 18 يونيو 2004 مؤداها أنه يتعين استيفاء الرسوم القضائية عن طلبات التعدد استناداً على مقتضيات الفقرة الأولى من الفصل 25 من القانون المالي لسنة 1984، وقيمة الأداء هي 150 درهماً (عز الدين الماحي: استيفاء الرسم القضائي أمام قسم قضاء الأسرة، مداخلة شارك بها في الندوة الوطنية التي نظمتها شعبة القانون الخاص ومركز الدراسات القانونية المدنية والعقارية بكلية الحقوق مركش وهيئة المحامين بمراكش يومي 27 و28 يناير 2006 تحت عنوان: “مدونة الأسرة بين النص والممارسة”، وهي منشورة ضمن سلسلة الندوات والأيام الدراسية، العدد 25، ص212- 213.

[58]نفس المرجع، ص200- 201.

[59]وذلك استناداً إلى المواد من 40 إلى 46 من مدونة الأسرة المنظمة للتعدد، حيث تضمنت هذه المواد اصطلاح “المحكمة”، أما في ظل المدونة الملغاة فقد كان الاختصاص يرجع لقاضي التوثيق، ومن دون شك أن إسناد الاختصاص للمحكمة بدل قاضي التوثيق فيه ضمانة كبرى لحقوق المرأة، على اعتبار أن الحكم الصادر عن هيئة قضائية تتشكل من ثلاثة قضاة بعد المداولة فيما بينهم، سيكون أكثر نضجاً وروية وتبصراً مما يصدر عن قاض منفرد (ذ. بنسالم أوديجا: دور قاضي التوثيق في التعدد في ضوء أحكام مدونة الأسرة، الضمانات- الرقابة- القيود، مقالة منشورة في مجلة القضاء والقانون، العدد 154، ص38).

[60]وهذا عكس ما كان في المدونة الملغاة، حيث كان التوصل بالاستدعاء يغني عن الإشعار.

[61]وزارة العدل: المقتضيات الجديدة لمدونة الأسرة، مرجع سابق، ص88.

[62]نفس المرجع، ص87.

[63]ولعل عقد الجلسة بغرفة المشورة عند إجراء المناقشة بين الطرفين ومحاولة التوفيق وإصلاح ذات بينهما يستمد أساسه في أن المسطرة أمام هذه الغرفة تتسم بالسرية التي تتطلبها مسألة الصلح، وذلك حفاظاً على أسرار الأسرة ومحاولة جمع شتاتها (المقتضيات، ص92).

[64]وزارة العدل: دليل عملي لمدونة الأسرة، منشورات جمعية نشر المعلومة القانونية والقضائية، سلسلة الشروح والدلائل، العدد 1، 2004، ص41.

[65]إن مسطرة الصلح سواء قديماً أو حديثاً تعرف ثلاث مؤسسات تتمثل في القاضي والحكمين ومجلس العائلة، إلا أن المدونة السابقة قد خولت اللجوء إلى إحداها وفق شروط معينة، فقد اشترطت ثبوت الضرر للجوء إلى مسطرة الصلح الذي يجريه القاضي، كما اشترطت لبعث الحكمين تكرر الشكوى وعدم ثبوت الضرر.

[66]أما مدونة الأسرة فقد أعطت من خلال المادة 82 للقضاء كامل الصلاحية في اختيار أي مؤسسة للصلح دون قيد أو شرط، بل توسعت إلى أبعد من ذلك وفتحت المجال لكل من تراه مؤهلاً لإصلاح ذات البين، ما دام الغرض في النهاية هو إنقاذ الأسرة من التفكك (عبد العزيز فتحاوي: قراءة في الكتاب الثاني من مدونة الأسرة المتعلق بانحلال ميثاق الزوجية وآثاره، مداخلة ضمن الأيام الدراسية حول مدونة الأسرة، نشر المعهد العالي للقضاء ص140).

بمفهوم المخالفة فإن عدم الإذن بالتعدد يقيل الطعن أمام المجلس الأعلى (محمد الكشبور، المرجع السابق، ص216، فإن صدق هذا الفهم فإنه يخالف ما كان عليه الوضع في ظل المدونة الملغاة، إذا لم يكن هناك تنصيص على حق الزوج في الطعن في الأمر القاضي بعدم السماح له بالتعدد، مع ما في ذلك من مساس بحق الزوج في الزواج بأخرى، ومصادرة لحق من حقوقه الأساسية، قد تنعكس آثارهما سلباً ليس عليه وحده، وإنما كذلك على زوجته التي قد يقدم على إيقاع الطلاق عليها ليخلو له الجو بالزواج من جديد، مما يكون معه رفض الإذن بالتعدد وعدم تشريع حق الطعن فيه قد تسببا في أبغض الحلال إلى الله وهو الطلاق (ذ. لحسن خضيري: تقييم التعديلات الجديدة في مجال تعدد الزوجات، مداخلة شارك في إطار إشغال اليوم الدراسي المنظم من قبل شعبة القانون الخاص بتعاون مع مؤسسة فريدرش إبرت بالرباط يوم 8 مارس 1977، تحت عنوان: “تعديلات مدونة الأحوال الشخصية بظهائر 10 شتنبر 1993: حصيلة أولية”. منشورة ضمن سلسلة الندوات، رقم 1، ص91).

[67]يمكن أن تتم هذه المطالبة إما كتابة أو بتصريح شفوي يدون في محضر توقع عليه الزوجة الطالبة للتطليق (مجلة قضاء الأسرة، عدد 1، ص45)، والتساؤل الذي يمكن طوحه هنا: هو ماذا لو أن الزوجة المراد التزوج عليها وافقت عند محاولة إجراء الصلح على التعدد، واقترن الزوج بالزوجة الثانية، غير أنه بعد فترة كرر التجربة وتقدم بطلب آخر يرمي من خلاله إلى التزوج بامرأة ثالثة، هل يكون من حق الزوجة الأولى أن تطلب التطليق أم لا”.

[68]طبعاً دون أن تقوم بإجراء صلح من جديد، على اعتبار أنه سبق لها أن أجرته بمناسبة مناقشة التعدد، وثبت لها فشل المحاولة (ذ. محمد الشتيوي، المرجع السابق، ص211).

[69]يراد بالقاضي هنا قاضي الأسرة المكلف بالزواج (دليل عملي، المرجع السابق، ص42).

[70]بنسالم أوديجا: المرجع السابق، ص45.

[71]وزارة العدل: المقتضيات الجديدة لمدونة الأسرة، مرجع سابق، ص91.

[72]عرف الفقهاء المصلحة تعاريف تقترب من حيث المعنى، نختار منها تعريف الإمام الغزالي رحمه الله لها بأنها عبارة عن: “جلب منفعة أو دفع مضرة، وأنها المحافظة على مقصود الشارع” (أنظر كتابه: المستصفى من علم الأصول، تحقيق حمزة زهير حافظ، شركة المدينة المنورة للطباعة والنشر بالسعودية، دون تاريخ، الجزء الثاني، ص481- 482.

[73]ذ. عبد العزيز بن سطام بن عبد العزيز آل سعود: اتخاذ القرار بالمصلحة، الجزء الأول، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، 1426هـ، ص99 وما بعدها –سعيد رمضان البوطي: ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية، المكتبة الأموية بدمشق، الطبعة الأولى، 1996، ص113 وما بعدها.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading