صلاح الدين الزبير
باحث بجامعة محمد الخامس
السويسي- الرباط
تعتبر المسؤولية الإدارية بناء على المخاطر مظهراً بارزاً لتمييز المسؤولية في القانون الإداري عن المسؤولية في القانون الخاص. وفي نفس الوقت تُظهر من جديد مدى دور الاجتهاد القضائي في إبراز خصوصيات المسؤولية الإدارية. ومن جهة ثالثة تبرز المسؤولية بناء على المخاطر مدى الحرص على الدفاع على المواطنين المتعاملين مع الإدارة والعمل على تقديم التعويضات الضرورية عن الأضرار الحاصلة لهم من نشاط الإدارة ولو لم ترتكب هذه الأخيرة أي خطأ([1]).
أما أساس المسؤولية الإدارية هنا هو فكرة الغنم، أو مساواة الأفراد أمام التكاليف العامة، إذ يجب على الجماعة أن تتحمل مخاطر نشاط الإدارة إذا ما أصاب بعض الأفراد بأضرار، لأن الإدارة ما قامت به إلا لصالحهم. فيجب ألا يتحمل غرمه أفراد قلائل من بينهم، وإنما يجب أن تتوزع أعباؤه على الجميع.
وهذا الأساس يستبعد فكرة الخطأ نهائياً([2]).
ولقد ظهرت نظرية المخاطر في القانون الخاص، حيث نادى بها بعض الفقهاء كأساس للمسؤولية غير الخطئية في القانون المدني، إلا أن القضاء العادي رفض تطبيقها والأخذ بها في قضائه([3]).
فالقضاء العادي الذي سار مع الفقه في مجال تطور الخطأ، وقف عند الخطأ المفترض، ولم يساير الفقه في تطوير أساس المسؤولية التقصيرية إلى نهاية المشوار. حيث رفض هذا القضاء تطبيق نظرية تحمل التبعية أو المخاطر والأخذ بها في قضائه واكتفى بالخطأ المفترض… أما القضاء الإداري، فهو الذي بعث فيها الروح والحياة القوية من جديد، فله يعود الفضل في إرساء قواعدها وتثبيت مبادئها في المسؤولية الإدارية التقصيرية([4]).
فقيامها كأساس قانوني لمسؤولية الإدارة عن أعمال موظفيها يعود أساساً إلى القضاء الإداري، وخاصة القضاء الإداري الفرنسي صانع ومطور هذه النظرية في القانون الإداري، وأجبر كلا من الفقه والمشرع على الأخذ بها وتقريرها وتتبع خطواته في تطورها وبنائها كنظرية قانونية متكاملة البناء والأسس، واسعة التطبيق([5]).
أما حجية هذا البناء، فتكمن في أن نظرية المخاطر([6])، التي تقوم على أن من أنشأ مخاطر ينتفع فيها، فعليه تحمل تبعة الأضرار الناتجة عنها، ولتطبيق ذلك على نشاط الإدارة، يتم العمل بالقاعدة التالية.
“إن المنفعة التي تجنيها الإدارة عادة من النشاط، تفرض عليها تحمل تبعات ومخاطر هذا النشاط، لأن مبادئ العدل والإنصاف تقتضي أن تتحمل الإدارة مخاطر النشاط كمقابل للمنفعة التي تجنيها من هذا النشاط”.
وتبعاً لهذه النظرية، فإن الشخص المسؤول عن المخاطر المستحدثة “هو الشخص الذي ينتفع من استعمال الشيء، وهذه هي التي يصطلح عليها بمخاطر الانتفاع([7]).
وقد تعددت الاصطلاحات التي حددت لهذه النظرية بوجه عام، بين من اصطلح عليها نظرية تحمل التبعة/ نظرية المنفعة/ الغرم بالغرم/ الارتباط بين المنافع والمخاطر {أو المزايا أو الأعباء}… إلى غير ذلك من الاصطلاحات.
وتبعاً لهذا التعدد، تنوعت صور نظرية المخاطر، حيث عرضها الفقهاء في مظهرين، طرفها الأول ما يصطلح عليه “بالمخاطر- المنفعة” أو “الغرم بالغنم”، في حين أن طرفها الثاني قائم على أساس “المخاطر المنشأة أو المستحدثة”.
فالمخاطر– المنفعة هي إطار قائم على مفهوم اقتصادي تم تصورها من أجل حالة خاصة، وهي مسؤولية أرباب العمل عن حوادث العمل التي يتعرض لها العمال. فمبادئ العقل والعدل والأخلاق تفرض- جميعها- تحمل رب العمل التعويض دون الخطأ، فمن انتفع من مشروع عليه تعويض أولئك الذين كانوا ضحية للحادث دون أن يحصلوا على نفس المنفعة المثبتة من النشاط([8]).
غير أن القضاء وسع من هذا الأساس الاقتصادي {المخاطر- المنفعة}، ليشمل حالات أخرى غير حوادث الشغل. وسيرافق هذا التوسع تطور في مفهوم المخاطر ليطال إطار المخاطر المستحدثة القائمة على أساس فكرة الالتزام بتعويض الأضرار الناتجة عن نشاط تم لفائدة المنتفع به أساساً كيفما كان حجم الفائدة المالية أو المعنوية([9]).
فمن تمام العدل أن يتحمل من غنم من هذا النشاط بإنشائه مخاطر أضرت بالغير أعباء ذلك.
والذي نستشفه من هذا التطور والتوسع أن المسؤولية لم تعد إذن مقابل الفائدة الخاصة، ولكنها النتيجة الحتمية للنشاط بوجه عام.
هذا وقد حصر الأستاذ “Charles Dehash”([10]) المخاطر في أربعة، هي:
- مخاطر الجوار: يتحمل جيران المرافق العامة أضرارا معينة مثل الضوضاء ومخاطر الانفجار أو الروائح الكريهة.. ولذلك يكون لهم الحق في طلب التعويض، لأن هذه المخاطر تفوق في مجملها الأعباء العادية للجوار.
- الأشياء الخطيرة: كثيرا ما قد تستخدم بعض المرافق العامة أشياء خطرة يترتب عليها قيام المسؤولية العامة دون ارتكاب للخطأ من طرفها في نشاطها. ولعل المثال الأبرز على ذلك هو استخدام الشرطة للأسلحة النارية، حيث نجد مثلاً أن نظام المسؤولية هنا يرتبط بوضعية الضحية، فعندما تكون الضحية معنية في عملية المتابعة التي استعملت فيها الأسلحة النارية، حينها لا تقوم المسؤولية إلا بشرط الخطأ، أما إذا كانت الضحية من الغير- أي غير معنية بالمتابعة- فإن المسؤولية تقوم دون اشتراط الخطأ.
وعلى ذلك، فإذا كانت القاعدة العامة في مسؤولية الشرطة هو اقترانها بقيام الخطأ الجسيم، حيث لا يكفي مجرد الخطأ البسيط، فإنه عندما يتعلق الأمر بالأضرار الناتجة عن استعمال الأسلحة الخطرة تقوم المسؤولية دون خطأ.
- الأنشطة الخطرة: ويرتبط الأمر بتلك الأنشطة الإدارية التي تنطوي على استعمال وسائل أو تتم في ظروف لا تخلو من مخاطر، مثلما يتعلق بتجارب الحرية المحروسة الخاصة بالمساجين أو المصابين عقليا..
- المخاطر المهنية: تم ميلاد مفهوم المخاطر المهنية عشية حكم السيد “Cames” الشهير في الثاني عشر من يوليوز 1895.
تتلخص وقائع القضية في أن عاملا أصيب بشظية من الحديد المحمي، فحكم له القضاء بالتعويض على أساس المخاطر.
بهذا الحكم، أقر القضاء بمسؤولية الإدارة عن الأضرار الناتجة عن حوادث العمل دون اشتراط وقوع خطأ من جانب رب العمل. وقد كانت حجية الحكم تقضي بأن أساس المسؤولية هنا هو المخاطر المهنية، فمن أنشأ مخاطر يستفيد منها، عليه أن يتحمل تبعاتها.
هذا، وقد وسع القضاء من مفهوم المخاطر المهنية لتتجاوز عمال الإدارة إلى الموظفين العامين والمسخرين للقيام بخدمة عامة والمتطوعين والمعاونين الخيريين للمرافق العامة، فهؤلاء جميعا لهم الحق في المطالبة بالتعويض عن الأضرار اللاحقة بهم من جراء مساهمتهم في تسيير. المرفق العام.. فأساس مسؤولية المرفق هو المخاطر المهنية.
تنوع صور المخاطر لا يقيم بينها خرقاً قانونياً بين هذه الصورة أو تلك، كما لا يترتب عليها حين قيامها أية نتائج مغايرة.
أما الأساس الذي أُجمع عليه، هو أن هذه الصورة المختلفة للمخاطر كما يعرضها هذا الفقيه أو ذاك تفيد فقط في معرفة مدى توسع نظرية المخاطر.
وحتى يتسنى لنا ضبط سياق الاجتهادات الفقهية التي انكبت لدراسة مخاطر النشاط الإداري، لا ضير من تقديم عصارة هذه الاجتهادات على أساس مقارن.
كما سبق وتمت الإشارة لذلك، فإن جوهر التطور الذي ميز نظرية المخاطر، يتمثل في اعتبارها أساسا موحدا للمسؤولية غير الخطئية في القانون المدني من جهة، والمسؤولية غير الخطئية في القانون الإداري من جهة ثانية، وهناك من يطلق عليها اسم نظرية المنفعة أو الارتباط بين الغرم والغنم.
ويبقى أساس هذا الارتباط بين المسؤولية العامة والخاصة في قالب نظرية المخاطر هو الانطلاق من فكرة وحدة مسؤولية الإدارة عن أعمال موظفيها، ومسؤولية المتبوع عن أعمال تابعيه.
وفيما يلي نجرد بعض الاجتهادات الفقهية المقارنة التي اهتمت أساسا بالموضوع.
المبحث الأول: الفقه الفرنسي والدفاع على نظرية المخاطر والمنافع
تنوعت وتداخلت آراء الفقه الفرنسي في نظرية المخاطر يمكن أن نحصرها في ثلاث آراء مهمة للأساتذة “Marcel Planiol”، “René Chapus”.
المطلب الأول: رأي الأستاذ “Marcel Planiol“([11]).
يبين الأستاذ “Planiol” أن طبيعة الارتباط بين المنافع والمخاطر هو أساس المسؤولية عن فعل الغير، فالفرد لا يكون مسؤولاً عن الأضرار التي يسببها للغير عندما يقوم بالعمل بنفسه. وعندما يستعمل الآخرين من أجل إنجاز العمل لحسابه، فإنه يتحمل جميع المخاطر الناشئة عن هذا النشاط، لأن كل الربح ينصرف إليه.
إذن، فأساس المسؤولية هنا ليس الخطأ المفترض، وإنما هو مبدأ الارتباط بين المنافع والمخاطر، وهو الأساس الوحيد للمسؤولية عن فعل الغير التي لا يمكن أن تقوم على أي أساس آخر.
“إن مبدأ الارتباط بين المنافع والمخاطر يحقق أهدافا اقتصادية وأخلاقية”.
المطلب الثاني: رأي الأستاذ “Charles Eisenmann“([12]).
يؤكد الأستاذ “Charles Eisenmann” على أن طبيعة مسؤولية الدولة عن أعمال موظفيها هي من نفس طبيعة المسؤولية الخاصة عن فعل الشيء أو التابع، وفي ذات السياق فإن أساس المسؤوليتين واحد، ويتمثل في الارتباط بين المغانم والمغارم.
وتبقى فكرة المنفعة هنا هي أساس المسؤولية، حيث أن هذه الأخيرة هي المقابل لهذه الفائدة، ومن المنطقي أن يتحمل من استفاد بمجهود غيره الذي يشتغل لحسابه مخاطر هذا التشغيل، وذلك بتعويضه عن الأضرار الحاصلة حتى إذا لم يرتكب خطأ، شريطة أن تكون هذه الأضرار غير عادية.
هذا الارتباط يمنع “Charles Eisenmann” من اللجوء في حدود ضيقة إلى مبدأ المساواة أمام الأعباء العامة كأساس للمسؤولية، خصوصاً بالنسبة للأضرار الناتجة عن التصرفات الإدارية المشروعة.
ويبقى الرابط بين الأستاذين “Eisenmann” و”Planiol” هو تأثر الأول بأفكار الثاني عندما يعلن تبنيه مبدأ الارتباط بين المنافع والمخاطر، ولكنه يطور هذا المبدأ ليعلن أنه ليس أساسا للمسؤولية الخاصة، وإنما أساس للمسؤولية العامة.
المطلب الثالث: رأي الأستاذ “René Chapus“([13])
يعتبر الأستاذ “Chapus” أن المسؤولية عن فعل الأشياء هي المسؤولية الإدارية الوحيدة التي تقع بدون خطأ في رأيه، حيث تجد أساسها في مبدأ الارتباط بين المنافع والمخاطر، وليس هناك فرق في ذلك- أي في الأساس- بين المسؤولية العامة والمسؤولية الخاصة.
ففي رأي أستاذنا، لا يمكن وجود أساس آخر للمسؤولية عن فعل الغير، لأن اعتبارها ضمان يجعل منها مسؤولية بدون خطأ، ولا يمكن إيجاد تبرير للمسؤولية إلا في الفكرة القائلة بأن من يستعمل لحسابه نشاط الغير عليه أن يأخذ على عاتقه مخاطر هذا النشاط.
وكخلاصة للقول من خلال عرض آراء الأساتذة “M. Planiol” و”C. Eisenmann ” و”R. Chapus”، يتضح بأن فكرة المخاطرة كأساس للمسؤولية ظهرت على مستوى القانون الخاص، ثم تبناها فقهاء القانون العام، وطوروها ووسعوها، وبالنتيجة الضمنية أصبح أنصار وحدة المسؤولية من فقهاء القانون العام والخاص يدافعون معا عن النظرية كأساس موحد للمسؤولية في القانونين العام والخاص.
وفي مقابل هؤلاء الفقهاء المؤيدين لنظرية المخاطر كأساس للمسؤولية بدون خطأ، يوجد جانب آخر من الفقه ينكر ويستبعد أي دور لهذه النظرية، ويهاجمها أشد المهاجمة. غير أن هذا الرأي لم يكتب له التأييد والانتشار الواسعين بين وسط الفقهاء والشراح في القانونين العام والخاص.
ويتزعم هذا الرأي الفقيه الفرنسي “Hauriou” الذي رماها بوصف الرجعية رغم ضرورتها القانونية والسياسية والأخلاقية والاجتماعية ومزاياها للسلطة العامة والأفراد على حد سواء، وضرورة هذه النظرية هي التي جعلته في النهاية يقدم نظرية الإثراء بلا سبب كبديل لحماية حقوق الأفراد” ([14]).
ويؤيده في ذلك، الأستاذ “Lefèvre” الذي أكد في أطروحته بعدم جدوى الأخذ بنظرية المخاطر كأساس للمسؤولية الإدارية؛ لأن التعويض لا يمنح بسبب وجود المخاطر وإنما نتيجة الإخلال بالمساواة، ويطالب بإلغاء فكرة المخاطر لأنها عديمة الجدوى وتدنو من فكرة المساواة من الناحية القانونية والمنطقية([15]).
المبحث الثاني: الفقه العربي والدفاع على نظرية المخاطر والمنافع
يكاد يجمع الباحثون في ثنايا المراجع الجامعية للقانون الإداري بالدول العربية على غياب تناول دقيق لمدارسة المسؤولية غير الخطئية، خصوصاً مصر والعراق التي تكاد لا تعرف نظاماً للمسؤولية غير الخطئية إلا في حدود ضيقة جداً وفي الحالات المنصوص عليها صراحة في القانون([16]).
بل أكثر من هذا، نجد هذه المراجع عندما تذكر المسؤولية عن المخاطر وتستعملها كمرادف للتعبير عن المسؤولية دون خطأ، وليس كأساس لقيام المسؤولية دون خطأ.
ولعل الأستاذ سليمان محمد الطماوي يعكس لنا هذه المسألة، حيث يؤيد نظرية المخاطر، التي يعتبرها هي نفسها المسؤولية بدون خطأ. فهو لا يعتبر أن هذه الأخيرة تقوم على أسس معينة منها المخاطر.
فطبقاً لوجهة نظره تظل المسؤولية بدون خطأ هي نفسها المسؤولية على أساس المخاطر التي تقوم على أساس وحيد هو مبدأ المساواة أمام الأعباء العامة ([17]).
وهذا ما دفعنا لتخصيص حيز مهم لاجتهاد الفقه الإداري العربي كمقابل مستقل لنظريه الفرنسي الذي قطع أشواطاً مهمة في إرساء دعائم المسؤولية الإدارية دون خطأ وتحديد طبيعة أساسها.
المطلب الأول: رأي الأستاذ عبد القادر باينة ([18])
يرى الأستاذ عبد القادر باينة أن المسؤولية الإدارية بناء على المخاطر تتميز عن المسؤولية بناء على الخطأ بعدم ضرورة وجود خطأ من قبل الإدارة، وتبعاً لذلك يكفي إثبات الضرر وعلاقته السببية مع النشاط الإداري.
ويشير كذلك الى أن هناك فرقاً بينا في المسؤولية بناء على الخطأ، وفي المسؤولية بناء على المخاطر. ففي الحالة الأخيرة لا يكفي أن يكون الضرر محقق الوقوع ومباشراً، وأن يمس الشرعية، ويمكن تقديره بالنقود، بل يجب أن يكون الضرر خاصاً، وعلى قدر معين من الجسامة أو غير عادي، وكان هذا الشرط هو تعويض لشرط الخطأ.
المطلب الثاني: رأي الأستاذة سعاد زكي الشرقاوي ([19])
ترى الأستاذة سعاد زكي الشرقاوي بأن أساس مسؤولية الإدارة عن أخطاء موظفيها هو مبدأ الارتباط بين المغارم والمغانم، فهو نفس المبدأ الذي يشكل قاعدة مسؤولية الإدارة دون خطأ من موظفيها، سواء أكانت مسؤولية عن الأشياء أو مسؤولية عن قرار أو عن نشاط جماعي.
فالمنافع والمزايا التي تتحمل الإدارة أعباءها، هي منافع تعود على المجموعة العامة، ولذلك فإن هذه المجموعة هي التي تتحمل الأعباء طالما أن المبلغ المدفوع للضحية يصرف من الخزينة العامة، والتي هي في الحقيقة ليست سوى تلك الضرائب التي يدفعها مواطنو المجموعة العامة.
وتخلص الأستاذة الشرقاوي إلى أن أساس المسؤولية دون خطأ في القانونين المدني والإداري هو أساس واحد، لأنه إذا كان هناك فرق بينهما، فبالتأكيد ليس في الأساس، وإنما في مجال تطبيق هذه المسؤولية، حيث أن القانون الإداري يعرف حالات لا يعرفها القانون الخاص مثلما هو الحال في المسؤولية الإدارية عن القرار أو النشاط المشروع([20]).
المطلب الثالث: رأي الأستاذ إبراهيم القياض([21])
يربط الأستاذ إبراهيم الفياض أساس المسؤولية بوجه عام بنفس أساس المسؤولية عن أفعال التابع، ويتمثل في “الغرم بالغنم”.
“تتلخص فكرة المنفعة كأساس للمسؤولية لدى القائلين بها في عبارة: “أن من يقوم باستغلال جهود غيره بتشغيله لحسابه من أجل الانتفاع بمجهوده، يجب أن يتحمل مخاطر هذا التشغيل بأن يكون مسؤولاً عن الأضرار التي يحدثها للغير بغير وجه حق”.
المطلب الرابع: رأي الأستاذ عادل أحمد الطائي ([22])
يرى الأستاذ عادل أحمد الطائي بأن نظرية تحمل التبعة بالرغم من الانتقادات التي وجهت لها، فإنها تبقى أصلح النظريات التي طرحت لتأسيس مسؤولية الدولة أو المتبوع، فمن ينتفع من نشاط غيره عليه أن يتحمل تبعات ما ينجم عن ذلك النشاط من ضرر.
إن نظرية تحمل التبعة تصلح لأن تكون أساس لكل من المسؤولية العامة والخاصة، وتنسجم- كإضافة من الطائي- مع فكرة وحدة القواعد التي تحكم مسؤولية الدولة ومسؤولية الأفراد على السواء.
إذن، يكاد يتفق الأستاذين عادل أحمد الطائي مع إبراهيم الفياض على أن نظرية تحمل التبعة تنسجم مع المسؤولية الخطئية، غير أن الأول ينكر عليها صلاحيتها لأن تكون أساساً للمسؤولية غير الخطئية عندما تتقرر مستقبلاً، ففي رأيه أن التشريعات الحالية لا تقيم المسؤولية إلا في ظل وجود الخطأ، وهذا ما يمكن أن يصح بشكل كبير بالنسبة للعراق وإلى حد ما بالنسبة لمصر، ولكنه لا يصح بالنسبة لدولة أخرى أخذت فيها المسؤولية غير الخطئية عدة صور متجددة مثل الجزائر والمغرب.
وعلى هذا الأساس، فإن فكرة المسؤولية تتطور لتصبح ممكنة في غياب الخطأ، ولتكون نظرية تحمل التبعة أيضاً أساساً صالحاً لها {أي أساساً عاماً لجميع أنواع المسؤولية}.
المطلب الخامس: رأي الأستاذ عوابدي عمار ([23])
يتبنى الأستاذ عوابدي عمار نظرية المخاطر أو تحمل التبعة كأساس للمسؤولية الإدارية دون خطأ من موظفيها، لكنه لا يوسع هذا الأساس ليشمل المسؤولية الإدارية الخطئية ولا المسؤولية المدنية عكس الأساتذة الطائي والفياض والشرقاوي.
فهو يرى بأن النظريات التي قيلت بصدد أساس المسؤولية مثل مبدأ المساواة ومبدأ التضامن الاجتماعي والعدالة المجردة ما هي إلا أسس تكميلية لنظرية المخاطر أو مجرد خلفيات دستورية واجتماعية لنظرية المخاطر بوصفها الأساس الحقيقي والمنطقي للمسؤولية العامة غير الخطئية.
ولتوضيح ذلك، يجيب عوابدي عمار عن الأساس القانوني لمسؤولية الإدارة غير الخطئية بالشكل التالي:
“.. بصدد الإجابة على هذا التساؤل، تعددت النظريات والآراء والحلول في بداية الأمر، فلقد ذهب جانب من الفقه في القانون العام إلى القول بأن أساس المسؤولية في هذه الحالة هو مبدأ المساواة أمام الأعباء والتكاليف العامة، وقرر البعض من الفقه أن أساس المسؤولية الإدارية دون خطأ من موظفيها هو مبدأ نظرية التضامن الاجتماعي {..} إلا أن الصواب في القضية، هو أن نظرية الخاطر هو الأساس القانوني السليم والمنطقي الذي تستند إليه مسؤولية الإدارة دون خطأ، وأن الحلول والنظريات والآراء السابقة والتي قيل بها كبديل لنظرية المخاطر- أو مكمل لها- لا تعدو إلا أن تكون مجرد أسس تكميلية وعناصر قانونية ومنطقية لهذه النظرية وخلفيات اجتماعية ودستورية {سياسية} وأخلاقية تفق وراءها وتبعث فيها الحياة واعتبارات تجدد نطاقها ومداها في التطبيق”([24]).
ووفق هذه الأطروحة المتجددة، يضيف عوابدي عمار بالقول:
“تستند نظرية المخاطر أو تحمل التبعة كأساس لمسؤولية السلطة الإدارية إلى خلفيات قانونية ودستورية واجتماعية ومنها مبدأ الغنم بالغرم، ومبدأ التضامن الاجتماعي، ومبدأ العدالة المجردة التي تحتم وتستوجب رفع الضرر مهما كان مصدره مجهولا، ومبدأ المساواة أمام الأعباء والتكاليف، كما أن هناك اعتبارات ومبررات فلسفية وسياسية واقتصادية واجتماعية قامت حديثاً تدعم قيام هذه النظرية ([25]).
سادسا: رأي الأستاذ ماهر أبو العينين
يرى الأستاذ ماهر أبو العينين أن اصطلاح المسؤولية على أساس المخاطر يعني فقط بعض حالات المسؤولية دون خطأ” ([26]) وهذا الخلط بين أسس المسؤولية بدون خطأ وبين حالاتها سبق وأن نبه إليه الأستاذ عبد القادر باينة، مؤكداً في هذا السياق على أن أساس المسؤولية شيء، وحالاتها شيء آخر.
فالأساس يعني المصدر أو القاعدة التي تنبني عليها المسؤولية، والتي تستوجب التعويض عن الأضرار الحاصلة، فهو إذن أصل كل شيء. أما حالات المسؤولية، فتختلف بحسب ما إذا كانت هذه الأخيرة قائمة على أساس الخطأ أو بدونه ([27]).
عصارة القول، هو أنه رغم تشابك الاجتهادات الفقهية سواء داخل المدرسة العربية من جهة أو في تقابلها مع المدرسة الفرنسية العريقة، غير أن هناك إجماع بينهم على أن نظرية المخاطر هي أساس موحد للمسؤولية الإدارية بنوعيها الخطئية وغير الخطئية من جهة، والمسؤولية العامة الخاصة من جهة أخرى.
غير أن هذا الاتفاق يشمل جزءاً من الفقه من دعاة نظرية المخاطر، على أن هناك جانباً آخر يرى أن أساس المسؤولية يكمن في نظريات أخرى ويدافع عنها.
[1] عبد القادر باينة: “تطبيقات القضاء الإداري بالمغرب”، مطبعة دار توبقال للنشر، 1985، ص: 224.
[2] سليمان محمد الطماوي: “القضاء الإداري، الكتاب الثاني، قضاء التعويض وطرق الطعن في الأحكام”، دار الفكر العربي، القاهرة، 1977، ص: 206.
[3] عوابدي عمار، نظرية المسؤولية الإدارية، دارسة تأصيلية تحليلية ومقارنة، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، ط 1998، ص: 188.
[4] عوابدي عمار، مرجع سابق، ص: 190.
[5] عوابدي عمار، مرجع سابق، ص: 190.
[6] مسعود شيهوب: “المسؤولية عن المخاطر وتطبيقاتها في القانون الإداري: دراسة مقارنة”، ديوان المطبوعات الجامعية، الطبعة الأولى، 2000، ص: 4.
[7] محمد لبيب شنب: “المسؤولية عن الأشياء، دراسة في القانون المدني المصري مقارناً بالقانون الفرنسي”، أطروحة دكتوراه الدولة، مكتبة النهضة العربية، القاهرة، 1957، ص: 282، أورده مسعود شيهوب، ص: 4.
[8] مسعود شيهوب، مرجع سابق، ص: 5.
[9] R. Savatier: “Règles générales de la responsabilité civile”, Rev. crit Legis et Uris, N°29, 1934.
[10] Charles Debash, Institutions et Droit Administratif, Faction et le contrôle de l’administration, P.U.I, Paris, 1978, p.p 226-271.
[11] Marcel Planiol, “Etude sur la responsabilité civile du fait d’autrui, Rev. Crit Legis et Juris 1909, p 297 et ss.
[12] Charles Eisenmann , “Sur Le degré d’Originalité du Régime De la Responsabilité Extra Contractuelle Des Personnes , (Collectivités Publiques), J.C.P 1949.N0 1.
[13] René Chapus, “Responsabilité Publique et Responsabilité Privée, les influences réciproques des jurisprudences administrative et judiciaire, L.G.D.J, 1954, pp 327- 347 et ss.
[14] عمار عوابدي، المرجع السابق، ص: 190 الهامش رقم 1.
[15]Lefèvre, L’égalité devant les charges publiques en droit administratif, thèse, Paris, 1948, p: 228.
[16] مسعود شيهوب، مرجع سابق، ص: 11.
[17] سليمان محمد الطماوي: “القضاء الإداري، قضاء التعويض…”، مرجع سابق، ص: 206.
[18] عبد القادر باينة، تطبيقات القضاء الإداري بالمغرب، دار توبقال للنشر، 1985، ص: 224.
[19]Souad Zaki Charkaoui» “Comparaison des droits Français et Egyptien quant à l’autonome de la responsabilité administrative par rapport à la responsabilité civile, thèse Paris, 1967, pp 204-209.
[20] Souad Charkaoui, op. cit, p 206.
[21] إبراهيم الفياض، “مسؤولية الإدارة عن أعمال موظفيها في العراق مع الإشارة للقانونين المصري والفرنسي” أطروحة دكتوراه دولة، دار النهضة العربية، القاهرة، 1977، ص 598.
راجع كذلك مقالته بعنوان: “محاولة في تحديد معالم الأساس القانوني للمسؤولية عن الأشياء في قضاء مجلس الدولة الفرنسي، والفقه والقضاء المدني”، مجلة الحقوق والشريعة، عدد 1981، ص 61.
[22] عادل أحمد الطائي، “مسؤولية الدولة عن أخطاء موظفيها”، دراسة مقارنة، دار الحرية للطباعة، بغداد، 1978، ص 196- 198.
[23] عوابدي عمار، “الأساس القانوني لمسؤولية الإدارة عن أعمال موظفيها”، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1982.
[24] عوابدي عمار، مرجع سابق، ص 168- 169.
[25]عوابدي عمار، مرجع سابق، ص 182- 188.
[26] ماهر أو العينين، المفصل في شرح اختصاص مجلس الدولة وفقاً للأحكام والفتاوى حتى عام 2005، الجزء الثاني، التعويض عن أعمال السلطة العامة، دار أبو المجد للطباعة بالهرم، الطبعة الأولى، بدون سنة النشر، ص: 822.
[27] د. عبد القادر باينة، المرجع السابق، ص: 131.


