فاروق البضموسي: طالب باحث     

بسلك الدكتوراه كلية الحقوق سلا 

مقدمة:

إن ظاهرة التعمير بالنسبة للمغرب هي ظاهرة حديثة تعود إلى بداية القرن العشرين وكانت محط اهتمام المشرع المغربي منذ عهد الحماية، و زاد هذا الاهتمام بوتيرة أكبر خلال العقد الأخير من القرن الماضي نتيجة النمو الديموغرافي الكبير و تنامى ظاهرة الهجرة نحو المدن الذي أدي بدوره إلى التوسع العمراني وانتشار التجزءات العشوائية والبناء الغير القانوني، هذه الوضعية أدت إلى تشويه المجال العمراني وجمالية المدينة بمختلف الجهات والمراكز الحضرية.
ورغبة من المشرع في إيجاد حل للأزمة التي يعيشها هذا القطاع والتخفيف من حدة المخالفات المرتكبة في ميدان التعمير والحد أيضا من البناء العشوائي الذي يعرفه المغرب كان لا بد من تدخله عن طريق وضع نصوص قانونية حديثة في المجال العمراني تتناسب والوضعية الراهنة، ويتعلق الأمر بالقانون رقم 90-12المتعلق بالتعمير وكذا القانون رقم 25-90 المتعلق بالتجهيزات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات.
وإذا كانت رخصة البناء العمود الفقري لكل عمليات البناء المحدثة إلا أن النصوص القانونية المنظمة لها لا تستقيم إلا إذا كانت مدعمة ومحصنة بأحكام وقرارات إدارية تروم إلى حماية القانون من تعسفات عدم سلامة تطبيقه.
إن أي تشخيص لرخص البناء قبل منحها، يجب أن يحث المسؤولين على وضع إستراتيجية تهدف إلى حماية البيئة من مختلف الاعتداءات التي تمارس عليها، بحيث يجب على المهندس المعماري الحضري أن يدمج في تحليلاته البحث عن حياة نوعية جيدة كأولوية مطلقة، يجب أن يركز على تجميل المدينة، بضمان تهويتها، و جعلها فضاءا يثير الراحة في النفس، على نحو يبحث فيه عن مدينة ذات وجه بشري يتداخل مع وجه تخطيط عقلاني للمجال، و علاقة متوازنة بين ما هو مشيد و ما هو غير مشيد.
إن صدور ظهير 17 يونيو 1992 بمثابه قانون رقم 90.12 المتعلق بالتعمير، ثم تبني القانون رقم 90.25 المتعلق بالتجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات، يشكل نقلة نوعية في الترسانة القانونية المغربية في مجال تنظيم البناء، وتشكل رخصة البناء القطعة المركزية لهذه الترسانة القانونية.
فما هو دور القضاء الإداري في تفعيل السياسة التشريعية في ميدان التعمير، والرقابة التي يخضع لها تطبيق نصوص وضوابط رخص البناء، وإلى أي حد ساهمت الرقابة القضائية للمحاكم الإدارية في الحد من مخالفات التعمير.


1 رقابة القاضي الإداري على قرارات الترخيص بالبناء:

       أ الطعن في الرفض الصريح لرخصة البناء:

بناء على الفقرة43 من القانون 90.12المتعلق بالتعمير، فإن رخصة البناء لا تمنح إلا “إذا التزم البناء بالاستجابة للمقتضيات القانونية و المراسيم الجاري بها العمل، و بخاصة، الالتزام بالمقتضيات الواردة في تصاميم التنطيق و تصاميم التهيئة”.
والأصل أن رؤساء المجالس الجماعية هم المختصون بمنح رخص البناء استنادا إلى المواد 13 و22 و41 و45 و46 و48 و55 و58 من القانون رقم 12.90 المتعلق بالتعمير، مع تقييد هذه الصلاحية أحيانا بوجوب الحصول على الإذن بالترخيص بخصوص مجالات محددة من طرف العامل بمقتضى ظهير 02 أكتوبر 1984 ورجال السلطة المحلية بالنسبة لبعض البلديات التي تخضع لأنظمة إدارية خاصة.
ولضبط وتحديد المخالفات المرتكبة في ميدان التعمير لابد من الرجوع إلى المائة 6 من القانون المذكور التي تنص على أنه، إذا كانت الأفعال المعاينة تتمثل في ارتكاب أعمال ممنوعة بموجب الفقرة 2 من المائة34 أو القيام ببناء بغير رخصة صريحة أو ضمنية خلافا للمادتين 40 و 42 أو في استعمال المبنى من غير الحصول على رخصة السكن أو شهادة المطابقة خلافا للمادة 55 أو تحويل الغرض المخصص له المبنى في خرق ضوابط التعمير يقوم رئيس مجلس الجماعة بإيداع شكوى لدى وكيل الملك المختص ليتولى معاينة المخالفة ويحاط الوالي أو العامل المعني علما بذلك و تتحدد هذه المخالفات فيما يلى:
– كل بناء في أرض يراد نزع ملكيتها وكل بناء جديد أو تعلية أو توطئة الأرض التي تشملها طريق بمقتضى خريطة.
– تشييد بناء بغير رخصة صريحة أو ضمنية.
– استعمال المبنى من غير الحصول على رخصة السكن أو شهادة المطابقة خلافا لمقتضيات المادة 55من قانون التعمير.
– استعمال البناء في غير الغرض المخصص له.
– خرق ضوابط البناء العامة والجماعية المنصوص عليها في المواد 59 و 61 من قانون التعمير.
هذا وقد أشارت المادة 67 من قانون التعمير إلى أنه ونظرا لكون هذه المخالفات بسيطة فإن رئيس المجلس الجماعي يكتفى بتوجيه أمر إلى المخالف لاتخاذ التدابير اللازمة لإنهاء المخالفة في أجل لا يمكن أن يقل عن15يوم.
أما المخالفات التي لا يمكن تداركها فقد نصت عليها المادة 68 من قانون التعمير وهى التالية:
– القيام ببناء من غير إذن سابق يجب الحصول عليه.
– القيام ببناء في منطقه غير قابلة بموجب النظم المقررة لأن يقام عليها المبنى المشيد أو الموجود في طور التشييد.
– عدم مطابقة البناء للإذن المسلم في شأنه من حيث عدم تقيده بالعلو المسموح به أو بالأحجام والمواقع المأذون فيها أو بالمساحة المباح بناؤها أو بالضوابط المتعلقة بمتانة البناء واستقراره.
– مخالفة الأحكام التي تحظر استخدام بعض المواد أو استخدام بعض الطرق في البناء.
انطلاقا من مقتضيات النصين المشار إليهما، ولمعالجة الإشكاليات التي يطرحها هذا الموضوع، سنحاول ربط نصوص القانون بموقف القاضي الإداري لتبيان الدور الذي يمكن أن يلعبه القضاء في ترسيخ أحكام ومبادئ في مجال حماية ضوابط البناء.
وهكذا ففي قضية ([1]) نعيمي على ومن معه، ضد رئيس المجلس البلدي لجماعة وجدة سيدي زيان، عللت المحكمة حكمها بما يلى:
“حيث إن رئيس المجلس البلدي اتخذ قراره بالرفض بناء على كون القطعة الأرضية المطلوب بناؤها تدخل ضمن مشروع التهيئة في إطار توسيع ساحة عمومية.
وحيث إنه بالإضافة إلى ذلك فإن المجلس المذكور لم يفند ما ورد بتقرير الخبير من كون العقار أصبح صالحا للبناء بعد المصادقة على تصميم التهيئة.
وحيث إن الوكالة الحضرية لمدينة وجدة، وإن كان رأيها ملزما لرئيس المجلس البلدي حين اتخاذه قرار في موضوع البناء، فقد عبرت في مذكرتها المرفوعة إلى هذه المحكمة عن عدم معارضتها في تسليم هاته الرخصة بعد إجراء دراسات تقنية وتطبيق المادة 30 و37 من قانون التعمير.
وحيث إنه في نازلة الحال فالواقع أثبت عكس ما ذكر، مادام أن تصميم التهيئة قد أجاز البناء فوق القطعة الأرضية موضوع النزاع. ([2])

وحيث إنه لذلك يكون قرار رفض تسليم الرخصة والحالة ما ذكر مشوب بالتجاوز في استعمال السلطة لمخالفة القانون، مادام أن قانون التعمير لا يمنع الطاعنين من بناء عقارهم المملوك لهم بمقتضى الشهادة العقارية المدلى بها، وتطبيقا لمقتضيات الفصل 15 من الدستور الذي يضمن حق الملكية ([3])

لهذه الأسباب قضت المحكمة الإدارية بوجدة، بإلغاء قرار رئيس المجلس البلدي لجماعة وجدة سيدي زيان مع ما يترتب عن ذلك من آثار قانونية، وبرفض باقي الطلب “.

الملاحظ من خلال هذا الحكم، أن مسطرة منح رخص البناء تخضع لتدخل العديد من الجهات لإبداء الرأي بشكل مستقل قبل البث في الطلب من طرف السلطة المختصة، وتتضح هذه المسألة من خلال التضارب الحاصل حول أسباب رفض أو منح رخصة البناء، في كون المجلس البلدي رفض الترخيص بالبناء لكون القطعة الأرضية تم تخصيصها حسب ([4])

تصميم التهيئة لتوسيع وتهيئ ساحة عمومية، الشيء الذي فندته الوكالة الحضرية وتقرير الخبير الذي اطلع على تصميم التهيئة، بكون العقار عبارة عن بنايه.
و بخصوص طلبات إلغاء رخص البناء لأسباب تتصل بالأضرار التي قد تلحق الغير قضت المحكمة الإدارية بوجدة، برفض الطلب اعتمادا على ما ثبت لديها من أوراق المنازعة من صدور رخصة البناء عن جهة مختصة بإصدارها في نطاق أعمال الضبط الإداري، الموكولة إليها بمقتضى الفصل 41من قانون 90/12،وبعد موافقة المصالح التقنية المختصة، فضلا عن كون الأضرار التي يدعى الطاعن أنها لحقت بمنزله لا ترجع إلى عيب في رخصة لبناء، بل هي أضرار على فرض وجودها لها علاقة بكيفية إنجاز أشغال البناء التي لم يثبت الطاعن مخالفته لتصميم التهيئة.([5])

الملاحظ من خلال هذا الحكم أنه لا يكفي لإلغاء الرخصة بإثبات الضرر إلا إذا ثبت من أن الرخصة مخالفة لتصميم التهيئة.

بالإضافة إلى هذا، وفيما يتعلق بتصميم التهيئة فإن مجرد صدور المصادقة عليه بمرسوم، تنشأ مجموعة من الحقوق والواجبات اتجاه أشخاص القانون العام وكذا أشخاص القانون الخاص، وتعتبر تلك المصادقة بمثابة إعلان للمنفعة العامة، ويترتب على ذلك إلزام مالكي العقارات باحترام أحكام هذا التصميم وذلك من أجل الحصول على رخص التجزئة وتكون الإدارة ملزمة بالتقيد بمحتوى تصميم التهيئة ويجب عليها رفض جميع المشاريع المخالفة له تحت طائلة ترتيب مسؤوليتها وفي هذا المنحى ذهبت المحكمة الإدارية بوجده إلى القول:
“…حيث ولما أثبتت الخبرة أن عقار الطاعنين مخصص بكامله وفق تصميم التهيئة، كمنطقة خضراء فإن طلب إحداث تجزئة عقارية يتعارض وآثار تصميم التهيئة الذي يعتبر قيدا قانونيا على عقار الجهة الطالبة ولا يجوز إقامة تجزئة فوقها طبقا لقانون التعمير، ويبقى لذلك قرار رفض الترخيص لإقامة تجزئة مشروع والطعن بإلغائه غير مبرر ويتعين رفضه “.

ب الطعن في قرارات سحب رخصة البناء:

من بين الامتيازات التي تحظى بها الإدارة، قدرتها على سحب رخص البناء، متى اتضح لها عدم مشروعيتها، إلا أن هذا السحب لا يمكن إجراءه إلا بتوافر شروط معينه وفقا للنظرية العامة لسحب القرارات الإدارية كأن تتم عملية السحب من قبل السلطة الإدارية المختصة وأن يكون السحب مبررا بعدم المشروعية وأن يكون داخل أجل الطعن بالإلغاء.([6])
وعليه لا يجوز للإدارة سحب قراراتها لمجرد عدم الملائمة وهذا ما أقرته المحكمة الإدارية ([7]) بمراكش حين قررت ” أن حصول الطاعن بتاريخ 05/11/1996 على مقرر ترخيص البناء مستجمع لشروطه القانونية وشروعه في أشغال البناء يكون في مركز قانوني سليم يجعل من سحب هذا القرار بتاريخ 18/12/1997 أي خارج أجل الطعن بالإلغاء قرارا ماسا بالحقوق المكتسبة وغير متوفر على شروط السحب المقررة قانونا الشيء الذي استوجب إلغاء القرار المطعون فيه.”
كما قضت المحكمة الإدارية بوجده ([8]) بخصوص الطبيعة القانونية لقرارات الترخيص باستغلال جزء من الأملاك الجماعية بأن” قرار الترخيص باستغلال الرصيف يعد من القرارات المؤقتة التي لا تخول حقوقا مكتسبة أو مراكز قانونية محددة ويجوز للسلطة الإدارية التي سلمته التراجع عنه كلما اقتضت المصلحة العامة ذلك ([9]) …سحب الترخيص المؤقت بعلة المحافظة على الصحة العامة أو الأمن العام يجعله سليما والطعن بشأنه استنادا إلى الانحراف في استعمال السلطة وعيب السبب غير مؤسس.”
وفي حكم آخر قضت المحكمة الإدارية بالرباط بما يلي ([10]) :”…فإن العمل القضائي استقر على جعل شروط سحب القرار الإداري تتجلى في أن ينصب السحب على قرار غير مشروع وأن يتم داخل أجل الستين يوما المقرر لدعوى الإلغاء وحيث أن سحب القرار المتعلق بمنح رخصة البناء في النازلة الحالية قد تم بعد مضي أزيد من ثمانية أشهر على تاريخ صدوره فإن هذا السحب يكون قد مس بحق مكتسب للطاعنة ومتسما بتجاوز السلطة لعيب مخالفة القانون ويتعين التصريح بإلغائه.”
لقد عرفت الممارسة القضائية بخصوص سحب رخص البناء بعض التناقضات من حيث التوجه القضائي ففي الوقت الذي ذهبت فيه المحكمة الإدارية بوجده إلى ([11]): ” أن المجلس البلدي يبقى مسؤولا عن مراقبة مدى مطابقة البناء للرخصة الإدارية المسلمة وللتصميم المعمول به والمصادقة عليه ويتعين عليه تتبع أشغل البناء وإلزام المرخص له باحترام قانون التعمير تحت طائلة سحب رخصة البناء وإلغاءها.

وأن إقامة البناء موضوع قرار الترخيص بشكل مخالف لضوابط التعمير وللتصميم المعمول به بالتجزئة، يستوجب تدخل المجلس البلدي لسحب أو إلغاء القرار المذكور… ([12]) “

اعتبرت المحكمة الإدارية بالرباط في حكم آخر: ” أن رئيس المجلس البلدي يمنح رخصة البناء ولا علاقة له بأشغال هذا البناء حتى يمكن أن يطالب بإيقافها.”
ورغم هذا التضارب الوارد في الحكمين المشار إليها سلفا إلا أن القاضي الإداري ساهم في تكريس العديد من المبادئ والأحكام بخصوص سحب رخص البناء، وهكذا اعتبر في حكم له صادر عن إدارية الرباط بأن ” صدور قرار الترخيص باستغلال الرصيف يعد من القرارات المؤقتة التي لا تخول حقوقا مكتسبة أو مراكز قانونية محددة ويجوز للسلطة الإدارية التي سلمته التراجع عنه كلما اقتضت المصلحة العامة ذلك… “
وفي حكم آخر قضت إدارية وجدة بأن ” صدور قرار من رئيس المجلس البلدي بإغلاق محل مهني دون توجيه إنذار لصاحب الشأن طبقا للفصل 2 من المرسوم رقم 137-78-2 بتاريخ 26-5-1980 المتعلق بتحديد الشروط التي تنفذ بها التدابير الرامية إلى استتباب الأمن وسلامه المرور والصحة العمومية يجعل القرار موسوما بالتجاوز في استعمال السلطة ومآله الإلغاء.”
واعتبرت المحكمة الإدارية بمراكش أن ” استعمال المبنى قبل انتهاء عملية البناء والحصول على شهادة المطابقة طبقا لأحكام المادة 55 من قانون التعمير يجعل القرار بإغلاقه مشروعا.”.

11. الارتفاقات الناشئة عن القوانين الخاصة:

بحسب الفقرة الأولى من الفصل 43 من القانون رقم 90.12 المتعلق بالتعمير، حيث أن ” هذه الرخصة تسلم بعد التحقق من أن المبنى المزمع إقامته تتوفر فيه الشروط التي تفرضها الأحكام التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل…”

أ. حماية الأبنية المصنفة:

نظمت المنشآت المصنفة بالمغرب لأول مرة بمقتضى ظهير 25 غشت 1914 حيث أن فصله الأول المعدل بظهير 13 أكتوبر 1933 يؤكد بأن ” الأبنية التي تشكل أسبابا لغياب الصحة العامة، أو التي تشكل مصدرا للخطر، تخضع لمراقبة و إشراف السلطة الإدارية المحلية”.
والنص يرجح مادتين مرجعيتين، الأبنية مقسمة إلى ثلاثة طبقات بحسب نوع الأعمال التي تنجز فيها أو الأضرار الحاصلة منها من الوجهة المتعلقة بالأمن والسلامة أو الصحة أو الراحة العمومية، و في سياق آخر فإن السلطة التنظيمية هي التي تحدد لائحة و تصنيف لهذه الأبنية.
فالأبنية الخاضعة للسلطة تنقسم بدورها إلى فئتين، الأبنية من الفئة الأولى متعلقة بوزارة التجهيز، والأخرى متعلقة بالسلطة المحلية، و المساطر المطبقة لإحداثها أو مراقبتها هي طلب الترخيص يوجه – حسب الحالة – إلى المدير العام لإدارة الأشغال العمومية أو السلطة المحلية المعنية، و هو مشروط بتوفير سلسلة من المعلومات و الوثائق التي تسمح للإدارة بالتأكد من أن البيئة التي يندرج فيها البناء لن تتعرض للأذى.
وحسب المادة الثامنة من الظهير المشار إليه أعلاه، فإن الرخصة يمكن أن ترفض وذلك لمصلحة الأمن أو الصحة أو راحة العموم ويمكن أن يشترط في منح الرخصة المذكورة إحداث تغيير الموقع، الذي وقع اختياره أو تغيير المشروعات المنوي إحداثها، وفي كل حال يجب أن يدعم الرأي المذكور بالأسباب.
وهكذا قضت المحكمة الإدارية بمكناس في حكم لها بما يلي: “حيث أن المحلات الصناعية أو التجارية المزعجة التي ينظمها الظهير الصادر في 25-8-1914 والمكمل بظهير 13 أكتوبر 1933 لم يترك للتاجر كامل الحرية في فتحها دون الحصول على الرخصة القانونية التي تسلم له من المصالح المختصة.
وحيث إن قرار المجلس البلدي القاضي بإغلاق المحل الذي لم يحصل بشأنها ترخيص مسبق له ما يبرره وبالتالي فإن قرار إغلاق المحلات المصنفة التي لم يحصل بشأنها ترخيص مسبق قرار مشروع ولا يجوز إلغاؤه. ([13]) “
وبالرغم من أن القرار الذي تتخذه السلطة الإدارية المختصة إما بالترخيص في حاله ما إذا كان لا يشكل مصدر أضرار للسلامة، و الطمأنينة و الصحة العامة، وبرفض قرار الترخيص إذا كان البناء المزمع إقامته أو طبيعة الأنشطة المزمع ممارستها فيه لا تتوافق مع أهداف الظهير أو التشريع المتعلق بالبيئة، ورغم كل هذا إلا أن القضاء هو الجهة الذي يقرر مدى خطورة أنشطه المنشأة المصنفة على البيئة، وفي هذا الاتجاه قضت المحكمة الإدارية بوجده بما يلي:
” وحيث أن الفصل 16 من ظهير 1914-08-25 يترك صلاحية الأمر بالإغلاق أو حذف المؤسسة للسلطة القضائية بطلب من الإدارة طبقا لما ذهب إليه المجلس الأعلى في قراره رقم 107 الصادر بتاريخ 4-4-1991 في الملف الإداري رقم 10016-89.
وحيث أنه لكل ذلك يكون القرار المتخذ من طرف السلطة المحلية بإغلاق محل الطاعن مشوبا بعيب عدم الاختصاص الشيء الذي يجعله معرضا للإلغاء ([14]) “.

ب حماية المنشآت العسكرية:

صحيح أن ارتفاق عدم البناء هو بشكل خاص سلبي بالنسبة للملكية الخاصة، لكنه يمنع أن تمس بعض البنايات بتناسق وجمالية المدينة، و بالتنمية الفلاحية….
يمكن التذكير هنا بوجود ارتفاقات قائمة في المنشآت العسكرية أو الطيران الجوي، من شأنها أن تسمح بالاستجابة لحاجيات جديدة متصلة بالبيئة العصرية، تتضمن آليات قانونية يمكن للإدارة أن توظفها للحد من بعض الأبنية و المنشئات التي تزعج بعض الأشغال العسكرية أو الملاحة الجوية، أو التي بإقامتها، ستصبح معرضة لمختلف الأخطار، فبمقتضاه يمنع على أصحاب الأراضي المجاورة للمطارات أو قواعد الطيران إقامة أيه منشئات أو بنايات على عقاراتهم أو رفع البنايات أكثر من علو محدد قصد إبراز الإشارات للطائرات و ضمان حسن هبوطها.
وهكذا ففيما يخص الارتفاقات المحدثة لفائدة المنشئات العسكرية والتي تم النص عليها بمقتضى ظهير 7 غشت 1934، من الآثار الممكن أن تترتب عنها، هناك المنع من البناء والزراعة بالأراضي المحيطة بها، حيث يحق للسلطات العسكرية منع أيه عملية بناء بجانب منشآتها بل و إيقافه حتى وإن كان المعني بالأمر يتوفر على رخصة قانونية بذلك، وهذا ما أكدته المحكمة الإدارية بوجده حين قضت في حكم لها بأن ” قرار منع البناء الصادر عن سلطة عسكرية تطبيقا لظهير1934/8/7 المتعلق بالحريات العسكرية والدفاعية يعتبر قرارا إداريا قابلا للطعن فيه بالإلغاء، وأن رخصة البناء المسلمة من المجلس البلدي لا تحول دون تطبيق الأنظمة والقوانين الخاصة ومنها ظهير 7-8-1934 المتعلق بالحرمات الدفاعية ([15]) “

جحماية المآثر التاريخية و المناظر الطبيعية:

يعود تاريخ النصوص الأولى لهذا التشريع إلى فاتح أبريل 1924 و 21 يوليو1945، و الذي ألغي وعوض بقانون رقم 22.80 المتعلق بالمحافظة على المباني التاريخية والمناظر والكتابات المنقوشة والتحف الفنية والعادية الصادر بتاريخ25 ديسمبر 1980، هذا القانون يطبق على العقارات بالطبيعة أو بالمآل أو المنقولات التي، في المحافظة عليها، منفعة لأجل الفن و التاريخ أو الحضارة المغربية، ويتعلق الأمر أساسا بالمآثر التاريخية أو الطبيعية أو المناظر ([16]) .
كما أن قانون رقم 11/03 المتعلق بحماية واستصلاح البيئة تضمن مقتضيات تهدف إلى حماية التراث التاريخي والثقافي وتثمينه مؤكدا أن المحافظة عليه مسألة ذات أهمية وطنية، فهي تمثل جزءا لا يتجزأ من السياسة الوطنية الرامية لحماية واستصلاح البيئة ولم تفته الإشارة في المادة السادسة من الفصل الثاني من الباب الأول من نفس القانون إلى التراث التاريخي والثقافي والذي عرفه على أنه :” مجموع الممتلكات المنقولة أو غير المنقولة التي تتميز بطابع خاص من الناحية الأثرية أو التاريخية أو المعمارية أو الأدبية أو الشعبية أو الفنية أو الدينية أو الفنية ومنع كل أشكال التنقيب على الآثار أو استغلال موارد جرف الأرض إلا بعد الحصول على رخصة لأجل ذلك رغبة من المشرع في تنظيم وتقنين عملية الحفر حفاظا على البيئة.”

إن حماية التراث التاريخي يتطلب فرض مجموعة من الارتفاقات على العقارات المملوكة للخواص المجاورة لها، شرط أن تكون قد خضعت لمسطرة التقييد والترتيب طبقا للإجراءات والضوابط المنصوص عليها بظهير 1980/12/25.
ويؤدي التقييد باعتباره قرارا إداريا على الحد من ممارسة التقييد المفروض على حق الملكية على العقارات المدنية ([17])

. ذلك أن الفصل السادس من ظهير 25/12/1980 اعتبر أنه لا يجوز هدم العقار ولا يجوز ترميمه أو إنجاز أي بناء جديد عليه، إلا بناء على رخصة بذلك دون الإخلال برخصة السلطة الجماعية المختصة عند الاقتضاء ،كما لا يمكن إدخال أي تغيير كيفما كان نوعه ولاسيما عن طريق التجزئة أو التقسيم على مظهر الأماكن الواقعة داخل دائرة العقارات المرتبة، إلا بعد الحصول على رخصة إدارية من طرف وزارة الشؤون الثقافية التي يتوقف تسليم رخصة البناء أو التجزئة عليها من طرف السلطات الجماعية المختصة.
وقد جاء في حكم صادر عن المحكمة الإدارية بفاس أن: “توقيف الطاعن عن البناء في موقع مرتب يتحمل بارتفاق عدم البناء في حدود مساحة معينة يعتبر تصرفا مبنيا على سبب صحيح من الناحية القانونية حتى مع توفره على رخصة إحداث تجزئة طالما أن تسليم هاته الرخصة لم يقترن بموافقة السلطة المكلفة بالشؤون الثقافية ([18]) “.
وعموما فإن كل تغيير يعود على الارتفاقات المترتبة على المباني التاريخية بالاستناد على وثائق التعمير، متوقف على موافقة السلطة الحكومية المكلفة بالشؤون الثقافية وهذا ما أقرته إدارية الرباط في حكم لها حين قضت بما يلي:
“….هذا وإذا كان المبنى التاريخي يتمتع بحق ارتفاق عدم البناء في حدود مساحة معينة وعدم تغيير مظهره إلا برخصة إدارية في هذا الشأن من طرف وزارة الثقافة، فإن قانون التعمير ينص على أن مخططات التهيئة والتنمية وغيرها من وثائق التعمير يمكن أن تغير الارتفاقات المفروضة على المآثر التاريخية المرتبة ويتوقف حق تعمير الارتفاقات على موافقة السلطة المكلفة بالشؤون الثقافية”-

خاتمة:

إن المحافظة على البيئة عن طريق رخصة البناء، وبشكل واسع، عن طريق قوانين التعمير، تتعثر بعدد من الحدود/ الإكراهات؛ منها ما هو خاص و منها ما هو عام.
إن هذه الإكراهات هي التي تضع القاضي الإداري أمام اختبار تفكيكها من خلال الوقوف على مدى قانونية أعمال الإدارة عبر بسط رقابته على الأسباب التي تحول دون منح التراخيص وعلى مدى مشروعية بعض القرارات الصادرة عن المجالس الجماعية والتي تقضى بهدم بعض البنايات بدعوى مخالفتها لضوابط البناء.
عموما إن حماية البيئة من خلال مدونة التعمير وإعداد التراب الوطني والنصوص الموازية يجب أن يتأطر في مشروع مجتمعي متكامل وبحسب رؤية شاملة، التعمير في خدمة البيئة يقتضي توافق جميع المتدخلين السياسيين والاجتماعيين، من أجل تحديد تصور ووضع رؤية حقيقية للمستقبل البيئي بالمغرب، مع إعطاء ضمانات حقيقية لاستقلالية القاضي الإداري ليساهم أكثر و بشكل نوعي في تطوير قوانين التعمير…


[1] المحكمة الإدارية بوجده، حكم عدد 92/99 بتاريخ 07/07/99 ملف رقم 27/98 حكم غير منشور أشار إليه مراد فارسي رقابة قاضي الإلغاء على القرارات المتعلقة بالتعمير بحث لنيل دبلوم الماستر في قانون المنازعات العمومية كلية الحقوق فاس الموسم الدراسي 2008/.2009. ص 44/45 

[2] مراد فارسي رقابة قاضي الإلغاء على القرارات المتعلقة بالتعمير بحث لنيل دبلوم الماستر في قانون المنازعات العمومية كلية الحقوق فاس الموسم الدراسي 2008/2009 ص 44/45.

[3] أشار إليه محمد الأعرج، كتاب قانون منازعات الجماعات المحلية، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية سلسلة مواضيع الساعة عدد 58/2008، ص: 68.

[4] حكم إدارية وجدة رقم 163/2000، ملف رقم 253/2000 غ، بتاريخ 04/07/2001 بين ورثة بوبشر محمد ضد الجماعة الحضرية سيدي إدريس القاضي بوجدة. أورده محمد قصري مقال الارتفاقات القانونية في مجال التعمير منشور بالمجلة المغربية للمنازعات القانونية عدد مزدوج 5-6 ص19.

[5] حكم إدارية مراكش رقم 130 بتاريخ 22-11-2004 صباحي عبد الواحد بن الغليمي ضد المجلس البلدي لجماعة اسفي والسيد وزير الداخلية منشور بالمجلة المغربية للمنازعات القانونية عدد مزدوج 3-4-2004 ص 347 أشار إليه ميلود البوطريكي المجلة الإلكترونية للدراسات والأبحاث القانونية ص 7.

[6] حكم المحكمة الإدارية بوجدة عدد 289/2000 بتاريخ 15/11/2000 أشار إليه محمد الاعرج في مقال المنازعات المترتبة عن تطبيق قانون التعمير في قرارات وأحكام القاضي الإداري المغربي المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية عدد 74/2007 ص65

[7] حكم المحكمة الإدارية بالرباط عدد 610 بتاريخ 11/06/1998 أشار إليه محمد الأعرج في مقال المنازعات المترتبة عن تطبيق قانون التعمير في قرارات وأحكام القاضي الإداري المغربي المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية عدد 74/2007 ص69

[8] حكم المحكمة الإدارية بوجدة عدد 109 بتاريخ 13/11/2007 ملف رقم 43/2007 اغ منشور بالمجلة المغربية للمنازعات القانونية عدد 09/2009 ص 148

[9] حكم المحكمة الإدارية بالرباط عدد 583 بتاريخ 08/07/1999 الزاهي بنعيسى ضد المجلس البلدي لسوق الأربعاء منشور بالمجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية عدد 32 ماي 3 ويونيو 2000 ص 187

[10] حكم المحكمة الإدارية بوجدة عدد 289 بتاريخ 15/11/2000 بين عرباوي عبد الرحمان وجماعة وجدة سيدي زيان أورده محمد الأعرج مقال المنازعات المترتبة عن تطبيق قانون التعمير في قرارات وأحكام القاضي الإداري المغربي منشور بالمجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية عدد 74/2007 ص 65

[11] حكم المحكمة الإدارية بمراكش عدد 69 بتاريخ 24/05/2005 مصطفي كلباوي ضد الجماعة الحضرية لمدينة مراكش منشور بالمجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية عدد مزدوج 66-67 -2006-ص 240

[12] حكم المحكمة الإدارية بوجدة عدد 757 بتاريخ 09/09/1997 بزاي محمود ضد عامل إقليم بركان منشور بالمجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية عدد 27 ابريل-يونيو 1999- ص 137

[13] حكم المحكمة الإدارية بمكناس عدد 1392 بتاريخ 16-12-2004 غير منشور.

[14] حكم إدارية وجدة عدد 118-95 بتاريخ 13-12-1995 محمد ملول ضد قائد المقاطعة الحضرية الثانية بوجدة منشور بالمجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية عدد 22 يناير-مارس 1998-ص 101 

[15] حكم المحكمة الإدارية بوجدة عدد 36-96 بتاريخ 13 مارس 1996 بلبشير عبد الرحمان ضد إدارة الدفاع الوطني منشور بالمجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية عدد 23 ابريل-يونيو 1998 ص 88

[16] الحمومي عز العرب، الارتفاقات الناشئة عن قوانين خاصة، في إطار أشغال اليوم الدراسي حول التعمير وإشكالاته المنظم بالمحكمة الإدارية بفاس يوم 6-4 من 2001 ص: 42.

[17] حكم المحكمة الإدارية بفاس ملف عدد 100 غ، بتاريخ 6/08/1997 بين كمال بن حدو ضد وزير الثقافة. غير منشور 

[18] حكم إدارية الرباط عدد 228/98غ، أورده محمد قصري، مقال الارتفاقات القانونية في مجال التعمير ,المجلة المغربية للمنازعات القانونية عدد مزدوج 5-6 سنة 2007، ص: 16

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading