شروط صحة التعليل كإجراء شكلي في القرارات الإدارية
تعليق على قرار استئنافي عدد 522 بتاريخ 2008/4/16
ذ. محمد الأعرج
أستاذ بكلية الحقوق بفاس ونائب برلماني
قضت محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط في قرار لها بما يلي:
إن الإشارة في بناءات القرار الإداري المطعون فيه إلى محضر المجلس التأديبي، لا يغني عن الإفصاح في صلب هذا القرار عن الأسباب المبررة لاتخاذه مما يعد خرقا للفقرة ب من المادة 2 من القانون رقم 01-03 المتعلق بإلزام الإدارات العمومية بتعليل القرارات الإدارية، ويكون القرار المذكور بالتالي متسما بتجاوز السلطة لعيب الشكل وموجبا للإلغاء.
يثير قرار محكمة الاستئناف بالرباط مجموعة من التساؤلات المتعلقة بشروط صحة التعليل كإجراء شكلي في القرار الإداري. وقبل التعليق عليه لابد من استعراض الوقائع والحيثيات ومنطوقه.
1. الوقائع
بناء على المقال الاستئنافي المقدم من طرف الجماعة القروية لعين اللوح بتاريخ 2007/6/20 ضد الحكم الصادر عن المحكمة الإدارية بمكناس بتاريخ 2005/11/24 تحت عدد 3/2004/105 غ في الملف رقم 120/2004/3 غ، القاضي بإلغاء القرار المطعون فيه الصادر عن الجماعة القروية لعين اللوح تحت عدد 159/2004 بتاريخ 30/9/2004 القاضي بإيقاف الطاعنة عن العمل وحرمانها من المرتب والتعويضات لمدة ثلاثة أيام مع ترتب الآثار القانونية على ذلك.
حيث يستفاد من أوراق الملف ومحتوى الحكم المستأنف أنه بتاريخ 2004/11/10 تقدمت السيدة ابرباش (المستأنف عليها) بمقال افتتاحي أمام المحكمة الإدارية بمكناس تعرض فيه أنها تعمل كعون مصلحة ملحقة بجماعة عين اللوح، وأنه أثناء مزاولتها لعملها بتاريخ 2004/8/31 تعرضت لاستفزاز من طرف إحدى الموظفات، أحيلت على إثر ذلك على المجلس التأديبي الذي اقترح بحقها عقوبة التوقيف عن العمل لمدة 3 أيام ابتداء من 2004/10/5 إلى 2004/10/7 والذي تم تجسيده بمقتضى القرار رقم 159 بتاريخ 2004/9/30 والذي بلغ لها بتاريخ 2004/10/6.
ونظرا لخرق المسطرة التأديبية تقدمت بالطعن في القرار التأديبي المشار إليه أعلاه لتجاوزه القانون ذلك أنها لم تتوصل بالاستدعاء لحضور المجلس التأديبي إلا بتاريخ 6/9/2004 وهو تاريخ انعقاده، كما أن الإدارات خرقت حقوق الدفاع، حيث أنها لم تتمكن من حضور المجلس التأديبي للدفاع عن نفسها مما أدى إلى الإضرار بمصالحها وأن القرار التأديبي المطعون فيه لم يوقع من طرف رئيس المجلس القروي لعين اللوح وإنما من طرف النائب الثالث للرئيس الذي لا يتوفر على تفويض بهذا الخصوص، وإن العقوبة المتخذة في حقها مبالغ فيها نظرا لانعدام السوابق التأديبية، ويكون القرار المتخذ في حقها مشوب بالشطط في استعمال السلطة لخرقه القانون لذلك التمست إلغاء القرار التأديبي رقم 2004/159 الصادر بتاريخ 2004/9/30 عن رئيس المجلس القروي لعين اللوح مع ما يترتب على ذلك من نتائج وبعد تخلف الجماعة المطلوبة في الطعن عن الجواب رغم التوصل وبمقتضى الحكم التمهيدي الصادر بتاريخ 2005/6/9 تم إجراء بحث بمكتب القاضي المقرر فتخلف الجهة المطلوبة في الطعن عن الحضور رغم التوصل.
وبعد استنفاد الإجراءات ضد الحكم القاضي بإلغاء القرار المطعون فيه الصادر عن الجماعة القروية لعين اللوح تحت عدد 2004/159 بتاريخ 2004/9/30 القاضي بإيقاف الطاعنة عن العمل وحرمانها من المرتب والتعويضات لمدة ثلاثة أيام مع ترتيب الآثار القانونية على ذلك وهو الحكم المستأنف.
2. الحيثيات
حيث تعيب المستأنفة الحكم المستأنف بمخالفته القانون خاصة الفصل 3 من قانون المسطرة ذلك أن المحكمة الإدارية قضت بإلغاء القرار التأديبي الصادر عن رئيس المجلس القروي لعين اللوح بسبب عدم التعليل في حين أن المستأنف عليها لم تطلب إلغاء القرار التأديبي بسبب عدم التعليل ولكن لأسباب أخرى.
لكن حيث إن القواعد القانونية المنصوص عليها في القانون رقم 03.01 بشأن إلزام الإدارات العمومية والجماعات المحلية بتعليل قراراتها الإدارية، والتي تم الاستناد إليها من طرف القاضي ابتدائي في إلغاء القرار المطعون فيه بعلة عدم التعليل تعتبر قواعد آمرة، وأن الإخلال بها تثيره المحكمة تلقائيا لتعلقها بالنظام العام وبالتالي لا مجال للتمسك بمقتضيات الفصل 3 من قانون المسطرة المدنية، مما يجعل السبب غير مرتكز على أساس.
حيث تعيب المستأنفة الحكم المستأنف بمجانبته الصواب ذلك أن المحكمة قضت بإلغاء القرار التأديبي بعلة عدم تعليله في حين أن القرار التأديبي أشار إلى محضر اللجنة الإدارية المتساوية الأعضاء التي قررت متابعة المستأنف عليها من أجل الإخلال بقواعد الشرف داخل الإدارة، وأن رئيس الجماعة استند في قراراه التأديبي إلى هذا المحضر في اتخاذ العقوبة التأديبية.
لكن حيث إن المادة الأولى من القانون رقم 03.01 بشأن إلزام الإدارات العمومية والجماعات المحلية بتعليل قراراتها الإدارية تنص على أنه: “… تلزم إدارات الدولة والجماعات المحلية … بتعليل قراراتها الإدارية الفردية السلبية الصادرة لغير فائدة المعني المشار إليها في المادة الثانية بعده تحت طائلة عدم المشروعية وذلك بالإفصاح كتابة في صلب هذه القرارات عن الأسباب القانونية والواقعية الداعية إلى اتخاذها” والمادة الثانية من نفس القانون تنص: “تخضع للتعليل … القرارات الإدارية التالية:
أ- ….
ب- القرارات الإدارية القاضية بإنزال العقوبة إدارية أو تأديبية …”
وحيث يتبين من الاطلاع على القرار الإداري المطعون فيه أنه أشار فقط إلى محضر المجلس التأديبي دون أن يفصح عن أسباب اتخاذه.
وحيث إن الإشارة في بناءات القرار الإداري إلى محضر المجلس التأديبي لا يغني عن الإفصاح في صلب هذا القرار عن الأسباب المبررة لاتخاذه، مما يعد خرقا للمقتضيات القانونية المذكورة ويكون القرار المطعون فيه بالتالي متسما بتجاوز السلطة لعيب الشكل وأن المحكمة الإدارية حينما قضت بإلغائه جاء حكمها معللا تعليلا قانونيا سليما ويتعين لذلك تأييده.
3. منطوق القرار
قضت محكمة الاستئناف الإدارية علنيا انتهائيا وحضوريا.
في الشكل: بقبول الاستئناف.
في الموضوع: بتأييد الحكم المستأنف.
4. التعليق
لتحليل إشكالية القرار القضائي المتعلق بشروط صحة التعليل كإجراء شكلي في القرار الإداري، لابد من تحديد مدلول التعليل كشرط شكلي في القرار الإداري وطلب الإفصاح عن الأسباب المنصوص عليها في مقتضيات قانون المسطرة المدنية، وشروط صحة التعليل، فإذا ظهر أن تعليل القرار واجب تشريعا أو قضاءا في حالة معينة، فكيف يكون هذا التعليل؟ وبعبارة أخرى ما هي الصورة التي يجب أن يفرغ فيها القرار الواجب التعليل؟
التعليل إجراء شكلي في القرار، بينما طلب الإفصاح عن الأسباب هو أحد إجراءات الدعوى القضائية. فتخلف التعليل (إذا كانت الإدارة ملزمة بتعليل القرار) يؤدي إلى إلغاء القرار لعيب في الشكل، بينما يؤدي رفض الإفصاح عن الأسباب إلى إلغاء القرار لانعدام سببه، أي لعيب في الموضوع.
وطلب الإفصاح عن الأسباب يفترض كما لا يخفى، أن القاضي لم يستبن أسباب القرار من صياغته، إذ يستحيل على القاضي حينئذ أن يناقش عريضة الدعوى ما لم تكشف الإدارة له عن أسباب القرار، ولا يحول دون حق القاضي في ذلك ما قد تذهب إليه الإدارة من أنها غير ملزمة بتعليل القرار، فهي حجة تقوم في مواجهة المعني بالقرار، وليس في مواجهة القاضي.
والحق أن القاضي يتعذر عليه الفصل في الدعوى بالقبول أو الرفض ما لم يحط علما بأسباب القرار المطعون فيه بالإلغاء مثل ذلك، الدعوى المرفوعة بالطعن في القرارات الآتية:
أولا: القرار الذي ينهي أو يمس مركزا مكتسبا، كقرار السحب سواء أصدر من مصدره الأصلي أو من سلطته الرئاسية، وسواء أتم هذا السحب بناء على تظلم أم دون تظلم، ذلك أن الأصل في القرار أن يظل قائما ومرتبا آثاره. فسحبه حدث استثنائي من حق القاضي أن يعرف سببه.
ثانيا: القرار الذي يصدر بالمخالفة للمستقر عليه في نشاط الإدارة أو للأصل العام كما حدده المشرع كقرار الإقصاء من الترقية الترقية.
ثالثا: القرار الذي يصدر بالمخالفة لفحوى الملف المتصل به، كالقرار الذي يجب أن يصدر بعد أخذ رأي جهة معينة، وبالمخالفة لرأيها. والقرار الذي يصدر بعزل الموظف بدون الطريق التأديبي.
رابعا: القرار الذي يصدر في حالة يجدد فيها المشرع الأسباب التي يجب أن يصدر القرار استنادا إلى أحدها أو إلى بعضها.
خامسا: القرار الماس بمصالح المعني بالأمر، كقرار الإحالة على التقاعد، والقرار الصادر بأثر رجعي والقرار الصادر برفض الطلب.
وأقرت أحكام القضاء المغربي من جهتها المبدأ القاضي، بأنه عندما يطعن في قرار لا يتضمن أي نص صريح، فيما يخص التعليل، فإن الإدارة تكون مطالبة بذكر العلل التي دفعتها لاتخاذ القرار المطعون فيه، في مذكراتها الجوابية، متى تعلق الأمر بشرعية القرار الإداري. وفي حالة عدم تقديم الإدارة للقاضي أي جواب عن مقال الطعن، رغم إنذارها وتوصلها بها وانصرام الأجل، تعتبر أن الإدارة موافقة على الوقائع المبنية فيه عملا بمقتضيات ف. 366، وتقضي بإلغاء القرار المطعون فيه.
فالقرار غير المعلل يكون في نظر القاضي (في غياب نص يلزم الإدارة بالتعليل) سليما من ناحية الشكل، ولكن القاضي حتى يتمكن من البت في دعوى الإلغاء، يطلب من الإدارة، الإفصاح عن الأسباب التي دعت إلى إصدار القرار، فهناك فروق تقوم بين الصورتين.
شروط التعليل
إذا ظهر أن تعليل القرار واجب تشريعا أو قضاءا، في حالة معينة، فكيف يكون هذا التعليل؟ وبعبارة أخرى ما هي الصورة التي يجب أن يفرغ فيها القرار الواجب التعليل؟ أو بمعنى آخر، هل يمكن القول بأن عناصر التعليل هي نفسها عناصر السبب مادامت الأولى هي مجرد عملية إفراغ للثانية؟ أم أن الأمر يتطلب التمييز لاختلاف الموقع الذي يحتله كلا منهما ضمن أوجه الإلغاء؟
إن أول ما يلاحظ في هذا الإطار، أن صياغة القرار الإداري المعلل لا تماثل حتما صياغة الحكم القضائي، ذلك أن تعليل القرار الإداري لا يعني لزوما عرض الوقائع فالأسباب فالمنطوق، وهو ما يتوفر في الأحكام. فالإدارة قد تستعير في قرارها أسلوب الأحكام أو حتى عباراتها ولكنها لا تلتزم بذلك. ولاشك أن اقتداء الإدارة بالقاضي مسلك محمود، بل هو الأصل في هذا المجال، ولكن تعقيدات العمل الإداري قد يجعل مثل هذا القيد عبثا لا تحتمله الإدارة، وتضيق به عند التطبيق. فليس للتعليل صورة محددة، ولكن من الضروري، أن تتوفر فيه بعض الشروط، كان يتوفر التعليل عند إصدار القرار، أي شرط صياغة الأسباب كتابة في صلب القرار الإداري.
إذا كانت الحكمة من التعليل، هو أن تكون الإدارة على بينة من أمرها عند إصدار القرار، فيجب بداهة أن يكون القرار معللا لحظة إصداره، فإذا ما صدر القرار فعلا غير معلل في صورة أو في أخرى، كان معيبا في شكله، ولا يغطي هذا العيب ذكر أسباب القرار بعد ذلك لإخطار المعني به.
فصياغة الأسباب في القرار الأصل يعني أن يكون القرار مستوفيا لجميع أسبابه حتى يتمكن من يطلع على القرار من معرفة هذه الأسباب، أو بمعنى آخر “يجب أن يحتوي القرار على أسباب في صلبه … ولا تقتصر أهمية وجود الأسباب في هذا القرار على مجرد التعرف عليها، وإنما تشمل التجانس المنطقي بين القرار وأسبابه”.
وتجدر الإشارة إلى أن القضاء المدني يجيز أن تحيل المحكمة في تعليل الحكم على ما جاء في أسباب حكم آخر. كما إذا أحالت المحكمة على أسباب حكم آخر سبق صدوره في الدعوى بين نفس الأطراف، أو كما أيدت محكمة الدرجة الثانية حكم محكمة الدرجة الأولى، إنما يشترط أن لا يكون الأطراف قد قدموا مستندات أو أوجه دفاع جديدة أمام محكمة الدرجة الثانية، إذ يجب عليها في هذه الحالة تقدير هذه المستندات ومناقشة الدفاع المؤسس عليها، كما يجوز للمحكمة الإجالة في تعليل حكمها على ما جاء في تقرير خبير الدعوى من أسباب تؤيد بها اتجاه رأيه.
فهل الإحالة إلى قرار آخر جائز كتعليل في القرار الإداري؟
لقد سبق أن أشرنا إلى المبدأ، وهو صياغة الأسباب في صلب القرار. ولذلك رفض القاضي الإداري الإحالة كتعليل، إذ الإحالة كثيرة الحدوث خصوصا في مجال التأديب.
فالإحالة إلى قرار آخر أو إلى وثيقة أخرى ليس كافيا في نظر القاضي الإداري، إذ أن الإشارة إلى الرأي المعلل في القرار التأديبي وأيضا مجرد الإشارة إلى رأي المحقق ليس كافية لقيام التعليل: “فالقرار الذي لا يتضمن أسبابه، مكتفيا بالإشارة إلى الرأي المطابق للمجلس يعتبر غير مشروع في أحكام القاضي الإداري”.
وفي هذا الإطار، لابد من الإشارة إلى تقنين هذه القاعدة في التشريع الإداري الفرنسي بعد قانون 11 يوليوز 1979، حيث عمل المشرع على “تقنين” هذه القاعدة، إذ نص في المادة الثالثة على أنه يجب أن يتضمن التعليل بيان الاعتبارات القانونية والواقعية التي تشكل أساس القرار. وهذا يعنى أن التعليل بالإحالة غير جائز.
وقد طبق مجلس الدولة هذا النص في العديد من قراراته، نذكر منها على وجه الخصوص القرار الصادر في قضية Marco Affatigato. مؤكدا: “بالنظر إلى عدم الإفصاح عن الأسباب القانونية والواقعية التي صدر القرار استنادا إليها، فإنه لا يكون مستوفيا للشروط الواردة في قانون 11 يوليوز 1979، لأن التعليل يستهدف أن يتمكن المخاطب بالقرار من معرفة أسبابه بمجرد الاطلاع على القرار الذي أخطر به”. فالتعليل بالإحالة في مثل هذه القرارات غير جائز، مؤكدا اتجاهه: “لا يفيد حتما أن الإدارة توافق ضمنا على أسباب الوثيقة التي يحيل إليها القرار”، وهذا التحليل طبق بوجه خاص على قرارات التسليم أو طرد الأجانب، لأن السلطة الإدارية غير مقيدة برأي القضاء إلا إذا كان الأمر يتعلق برفض التسليم، أما إذا كان الرأي بالموافقة فغنه يجوز للسلطة الإدارية عما ورد بهذا التسليم لنفس الأسباب الواردة في رأي غرفة الاتهام كما يجوز لها أن تمنح التسليم لأسباب مختلفة عما ورد بهذا الرأي، بل يجوز لها أيضا ألا تقرر التسليم، وبالتالي فغنه من الضروري ألا تكتفي الإدارة بالإجارة إلى رأي غرفة الاتهام، لأن ذلك لا يعني بالضرورة أن قرار التسليم يستند إلى نفس الأسباب الواردة في رأي غرفة الاتهام، وإنما يجب أن يحدد في نفس القرار أسباب التسليم.
باختصار، فإن التعليل بالإحالة في العديد من الأحكام الصادرة عن القضاء الإداري الفرنسي غير جائز، لأنه من الصعب التسليم بأن مصدر القرار قد اتخذ من الأسباب الواردة في وثيقة أخرى أسباب للقرار الصادر عنه.
غير أن القضاء أضفى على هذه القاعدة نوعا من المرونة في الحالة التي يعتقد فيها أن اشتراط التعليل المباشر لن يكون إلا مجرد شكلية خالية من أي مضمون، حينئذ يجيز القضاء اللجوء إلى التعليل بالإحالة.
وهكذا لا يشترط القضاء الفرنسي أن يكون التعليل مباشرا إذا ما تبنى مصدر القرار الأسباب الواردة في الوثيقة المحال إليها، وكذلك في حالة الحضورية في الإجراءات، وأخيرا يجوز أن يكون التعليل بالإحالة بالنظر إلى طبيعة بعض الموضوعات في حالات محدودة، لأنه في هذه الحالات لا يقلل من وظيفة شكلية التعليل.
غير أنه إذا كان التعليل في ضوء القرارات السابقة يجب أن يكون معاصرا، فإن قرار مجلس الدولة الفرنسي في قضية أخرى نهج مسلكا آخر بخصوص هذا الشرط وإن كان هذا القرار يشكل الاستثناء من القاعدة.
نفس المسلك نهجه القضاء الإداري المغربي من خلال بعض أحكام المحاكم الإدارية التي قضت: “إن القانون عندما يستوجب تعليل القرار الإداري كشرط شكلي، فهذا يقتضي إفراغ الأسباب في صلب القرار حتى يتمكن من يطلع عليه من معرفة الأسباب، ولا تقوم الإحالة على أوراق أجنبية عن القرار مقام التعليل المطلوب … لذلك وبما أن القرار جاء خاليا من التعليل مكتفيا بالإحالة على محضر الاستقصاء … لذلك يكون صدر معيبا في شكله”([1]). وفي حكم آخر: “يشترط في القرارات التأديبية المتضمنة لعقوبتي الإنذار أو التوبيخ، طبقا لمقتضيات المادة 66 من قانون الوظيفة العمومية، أن تكون معللة في صلبها”([2]).
إذا كانت الحكمة من التعليل بالنسبة للإدارة أن تكون الأسباب قائمة تحت نظرها أثناء إصدار القرار، فقد اقتضى ذلك القول بعدم سلامة الإحالة، أي إصدار القرار استنادا إلى أسباب وردت في قرار آخر أو في مذكرة متعلقة بموضوع مستقل. ذلك أن مصدر القرار عندما يحيل إلى أسباب بعيدة، لا يتصرف في واقع الأمر في ضوء أسباب جاهزة يلمسها. هذا، ومن المحتمل أن يكون التماثل بين الحالتين تلك التي يتصدى لها وتلك التي يحيلها على أسباب القرار الذي سبق أن صدر فيها تماثلا ظاهريا وأن ثمة فوارق دقيقة تقوم بين الحالتين، وربما تكشف لرجل الإدارة لو أنه علل قراره الجديد.
جزاء الإخلال بشروط التعليل
يشمل هذا التعبير عدم تعليل القرار أصلا، كما يشمل التعبير التعليل الناقص. فما هو جزاء هذا القصور إذا وجد، وكيف السبيل أمام المعني بالقرار إلى معالجته؟
السبيل الأول كما لا يخفى هو التظلم الإداري من قرار معيب شكلا يمس مركزه القانوني، ويرفع هذا التظلم أمام مصدر القرار ذاته، أو أمام السلطات الرئاسية. وقد يكون هذا التظلم وجوبيا قبل رفع الدعوى في بعض الحالات. فإذا لم تستجب الإدارة إلى هذا التظلم ولم تسع إلى إنصاف المعني بالقرار، بقي له طريق الدعوى أمام القاضي الإداري، يقيمها طالبا إلغاء القرار، بل قد يفكر المعني بالقرار في إقامتها أمام قاضي التعويض طالبا التعويض عن الضرر المادي والأدبي الذي أصابه من جراء القرار. فما هي فرصته في النجاح في إلغاء هذا القرار أو في التعويض عنه.
دعوى الإلغاء وإلغاء القرار الإداري
يعتبر التعليل عندما يكون واجبا من الأشكال الجوهرية، فتخلفه يعيب القرار ويؤدي إلى إلغائه قضاء. فالاجتهاد القضائي يعترف له بطابع جوهري عندما يكون واجبا، ويعتبر عدم مراعاته سببا في إلغاء القرار.
وبمعنى آخر إذا أوجب المشرع التنصيص على العلة في صلب القرار، فعن القاضي يلاحظ، أولا في القرار وجود العلة أو عدم وجودها. فإذا كان القرار خاليا من السبب أصبح تلقائيا غير شرعي، ولا يبحث القاضي في جوهره، لأن عدم وجود العلة وحده يكفي لإبطال القرار، لأن الإدارة لا تملك في هذه الحالة أن تحتفظ بتقديم العلة أمام القاضي، ولكن المشرع نظرا لأهمية القرار أوجب تعليله ضمانا لحق المواطن، وتمهيدا لمهمة القاضي. أما إذا عللت الإدارة، فإن القاضي لا يأخذ بعين الاعتبار عند دراسة الجوهر إلا ما تم التنصيص عليه في القرار. فإن كانت العلة عامة وغامضة فإنها لا تقبل ويصبح القرار باطلا.
فالتعليل من ناحية الشكل تقرر لمصلحة الأفراد، فيكون من حقهم إذن التمسك به. ولكن تخلف من ناحية لا يعتبر عيبا جسيما يفقد القرار صفته، أو ينزل به إلى مصاف الأفعال المادية. فإذا ما انتهى القاضي إلى أن القرار المطعون في تعليله أو غير معلل، قضى بإلغائه في الشكل، غير أن هذا الإلغاء لا يمنع الإدارة مصدرة القرار من العودة إلى إصداره من جديد مصوغا هذه المرة في شكله الصحيح أي معللا. وقد أكد القضاء الإداري ذلك في العديد من الحكام وفي أسلوب سنصرف إلى عيب الإجراءات والشكل في الوقت ذاته، غير أن القرار الجديد لا يترتب أثره إلا من تاريخ صدوره، ولذلك أهميته، إذ قد تكون للمعني بالقرار مصلحة في عدم وجود القرار في الفترة ما بين تاريخ صدور القرار الملغى وتاريخ صدور القرار الجديد.
دعوى التعويض ومدى التعويض عن القرار الغير معلل
إذا كان القصور في التعليل يؤدي إلى إلغاء القرار إذا ما طعن فيه، فهل يجوز أن يكون سببا للحكم بالتعويض عن ضرر مادي أو أدبي يزعم المعني بالقرار أنه قد أصابه من جراء القرار المعيب؟
استقر القضاء الإداري على قاعدة واضحة في شان الحق في المطالبة بالتعويض عن قرار إداري معيب الإجراءات والشكل بصفة عامة. وذلك بداهة يفرض سلامة القرار في كافة المناحي الأخرى. ومؤدى هذه القاعدة أن عيوب الإجراءات والشكل لا تبرر طلب التعويض، لأنها لا تمس جوهر القرار وموضوعه. ولعل أوضح الأحكام التي صدرت في هذا المجال نذكر حكما لمحكمة القضاء الإداري المصرية، أوردت فيه: لا أنه إذا كانت مخالفة الشكل التي تؤدي إلى الحكم بإلغاء القرار المعيب لا تنال من صحته موضوعا، فغنها لا تنهض سببا للحكم بالتعويض مادام أن القرار سليم من حيث الموضوع، وأن الوقائع التي قام عليها تبرر صدوره وأنه في وسع الإدارة أو كان في وسعها تصحيحه وفقا للأوضاع الشكلية المطلوبة”.
فالقرار المعيب بسبب تعليل قاصر، قد يكون إذن محلا لدعوى بالإلغاء، دون التعويض (وذلك ما لم يكن معيبا في جوانب أخرى) وهذا ما أشار إليه البعض. “من أن الحالات المؤدية إلى إلغاء القرارات الإدارية ليس من الضروري أن تكون هي نفس الحالات المؤدية إلى مسؤولية الإدارة … ولكن يمكن للقاضي أن يحكم على الإدارة بمصاريف الدعوى على أساس أنها ارتكبت خطأ دون أن يحكم بأداء التعويض”.
فعدم شرعية القرار الإداري وحده ليس كافيا لترتيب المسؤولية الإدارية والحكم بالتعويض. فعدم الشرعية شرطا ضروريا ولكنه ليس كافيا لترتيب مسؤولية الإدارة، فهو يرتب المسؤولية الإدارية وتعويض المعني بصفة حتمية فقط في حالة الانحراف في استعمال السلطة، أو في حالة مخالفة محل القرار الإداري للقواعد القانونية المطبقة. أما بالنسبة لبقية أوجه عدم الشرعية فإن المسؤولية الإدارية تبحث – تبعا للقضاء الإداري في كل حالة على حدة، تبعا لجسامة المخالفة أو عدم الشرعية.
مجمل القول، أن قرار استئنافية الرباط كان صائبا بما قضى أن عدم الإفصاح عن الأسباب المبررة لاتخاذ القرار يعد خرقا لمقتضيات قانون رقم 03.01 المتعلق بإلزام الإدارات العمومية بتعليل القرارات الإدارية. ش
[1] حكم المحكمة الإدارية بمكناس، عدد 39 بتاريخ 1995/7/27 البقالي لحسن ضد وزير الفلاحة، منشور بالمجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 13، 1995، ص. 168.
[2] حكم المحكمة الإدارية بمكناس، عدد 25 بتاريخ 23/3/2000، قفيفي العزيزة ضد وزير التربية الوطنية، منشور بالمجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 34، 2000، ص. 192.


